← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الدوام؛ لأنه يعجز. قال الخطابي: يريد النبي ﷺ بهذا الحديث: أن هذه الخصال من خصال النبيين، فاقتدوهم فيها, وليس معناه: أن من اجتمعت فيه هذه الخصال يكون فيه جزءٌ من النبوة، بل النبوة مختصةٌ بالأنبياء؛ لأن النبوة عطاءٌ من الله، وليست بمكتسبة. وقيل: معنى هذا الحديث: أن هذه الخصال مما جاء به النبيون، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فقد حصل فيه جزء من خمسة وعشرين جزءًا مما جاء به النبيون. * * * ٣٩٣٧ - وعن جابرِ بن عبدِ الله، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا حَدَّثَ الرَّجلُ بالحديثِ ثُمَّ التفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ". قوله: "إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة" الضمير في (هي) ضمير الحكاية؛ لأن (الحديث) بمعنى الحكاية؛ يعني: إذا حدث أحدٌ عندك حديثًا ثم غاب، صار حديثه أمانةً عندك لا يجوز إضاعتها؛ أي: لا يجوز إفشاءُ تلك الحكاية. * * * ٣٩٣٨ - عن أبي هُريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لأبي الهَيْثَمِ بن التَّيهانِ: "هلْ لكَ خَادِمٌ؟ " قال: لا، فقالَ: "فإذا أتَانَا سَبْيٌ فائتنا"، فأُتِيَ النَّبيُّ ﷺ برَأسَينِ، فأتاهُ أبو الهَيْثمِ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "اختَرْ مِنْهُما", فقالَ: يا نَبيَّ الله اختَرْ لي، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ المُسْتَشارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هذا فإنَّي رأيتُه يُصلي، واستَوْصِ بهِ مَعْروفًا". قوله: "إن المستشار مؤتمن"، (المستشار): هو الذي شاورته، و (شاور

стр. 2382

واستشار): إذا طلب رأي أحدٍ فيما يريد فعلَه من الأمور؛ أي: يسأله: هل لي مصلحة في هذا الفعل أم لا؟ (المؤتمن): من ائتمنته؛ أي: جعلْتَه أمينًا في حفظ سرك أو مالك؛ يعني: يجب على المستشار أن يخبر المستشير بما هو المصلحة. "واستوص به معروفًا"؛ أي: مُرْه بالمعروف، وانصح له بالمعروف. * * * ٣٩٣٩ - وقال: "المَجالِسُ بالأَمانةِ إلا ثلاثةَ مَجالسٍ: سَفْكُ دَمٍ حَرامٍ، أو فَرْجٌ حَرامٌ، أو اقتطاعُ مالٍ بغَيرِ حَقًّ". قوله: "المجالس بالأمانة"؛ يعني: يجب على أهل المجلس أن يحفظوا سر أهل المجلس، لا يفشون ما جرى في المجلس من الأحاديث، وهذا إذا كان ذلك الحديث حديثًا يكره صاحبُه إفشاءَه. أما مثل الزنا، وأخذ مال الغير، وسفك دمٍ: حرام: لا يجوز حفظ السر في هذه الثلاثة؛ يعني: من قال في مجلس: إني أريد قتل فلان، أو الزنا بفلانة، أو أخذ مال فلان؛ لا يجوز على المستمعين حفظ هذا السر، بل يجب عليهم إفشاؤه؛ ليفر مَن يريد قتله، أو الزنا بها، أو أخذ ماله. روى هذا الحديث جابر. * * * ٣٩٤٠ - وقال: "إنَّ مِن أعظَمِ الأَمانةِ عندَ الله تعالى يومَ القِيامةِ: الرَّجُلُ يُفْضي إلى امرأتِهِ وتُفضي إليه ثم يُفشي سِرَّها". قوله: "إن من أعظم الأمانة"؛ يعني: أولى سرًّ بأن يُحفظ هو السر الجاري بين الزوجين، لا يجوز لكل واحد منهما إفشاءَ سر صاحبه.

стр. 2383

"يفضي"؛ أي: يصل؛ يعني: رأى الزوج الزوجة وجامعها؛ ورأى كل واحد منهما صاحبه عريانًا، واطلع على ما فيه مما يُحمد أو يذم. روى هذا الحديث أبو سعيد الخدري ﵁. * * * ١٩ - باب الرفق والحياء وحسن الخلق (باب الرفق) (الرفق): المداراة مع الناس، الرفيق: المُلاطف، والمداري: الراحم بصاحبه. مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٩٤٤ - وقال: "إنَّ الحياءَ مِن الإيمانِ". قوله: "إن الحياء من الإيمان" قد ذُكر في أول الكتاب في قوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" شرحُ هذا الحديث والذي بعده. روى هذا الحديث أبو بكرة، والذي بعده عمران بن حصين. * * * ٣٩٤٥ - وقال: "الحياءُ لا يأتي إلا بخيرٍ". ويُروَى: "الحياءُ خيرٌ كلُّه". قوله: "الحياء خير كله": هذا عام، والمراد به الخاص؛ أي: الحياء فيما لا يرضاه الله خيرٌ كله.

стр. 2384

روى هذا الحديث عمران بن حصين. * * * ٣٩٤٦ - وقال: "إنَّ مِمَّا أدركَ النَّاسُ مِن كلامِ النُّبوَّةِ الأولى: إذا لم تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شئتَ". قوله: "من كلام النبوة (١) الأولى" قال الخطابي: معنى هذا الكلام: أن الحياء لم يزل أمرًا ثابتًا واستعمالُه واجبًا منذ زمان النبوة الأولى، فإنه ما من نبي إلا وقد ندب إلى الحياء، وبعث عليه، وإنه لم يُنسخ فيما نُسخ من شرائعهم ولم يبدَّل فيما بدِّل منها، وذلك أنه أمر قد عُلم صوابه، وبدا فضلُه، واتفقت العقول (٢) على حسنه، وما كان هذا صفته لم يَجْرِ عليه النسخُ والتبديل. "فافعل ما شئت" هذا أمرٌ ومعناه الخبر؛ أي: إذا لم تستح فعلتَ ما شئت مما تدعوك إليه نفسك. وقيل: هذا أمرُ وعيد؛ أي: فافعل ما شئت فإنك تُجازى بما فعلت. روى هذا الحديث ابن مسعود. * * * ٣٩٤٧ - عن النَّواسِ بن سَمْعانَ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن البرِّ والإِثمِ، فقال: "البرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ وكَرِهتَ أنْ يطَّلِعَ عليهِ الناسُ".

стр. 2385

قوله: "ما حاك في صدرك", (حاك يَحيك حيكًا): إذا أثَّر كلام في القلب لكونه قبيحًا، أو (حاك): إذا تردَّد شيء في القلب؛ يعني: الإثم ما تردَّد في قلبك ولم تُرِدْ أن تُظهره لكونه قبيحًا. * * * ٣٩٤٨ - وقال: "إنَّ مِن أحبكم إليَّ أَحْسنَكم أَخْلاقًا". قوله: "إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقًا"، (حسن الخلق) معناه: العفو عن الذنوب، ومداراة الناس وتحمُّل أذاهم. روى هذا الحديث ابن عمرو ﵄. ٣٩٤٩ - وقال: "إنَّ مِن خِيارِكم أَحْسَنَكم أَخْلَاقًا". قوله: "إن من خياركم"، (الخيار): المختار من كل شيء. روى هذا الحديث ابن عمرو ﵄. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٩٥١ - عن أبي هُريرَةَ قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "الحياءُ مِن الإِيمانِ، والإيمانُ في الجَنَّةِ، والبَذَاءُ مِن الجَفاءِ, والجَفاءُ في النَّارِ". قوله: "والإيمان في الجنة"؛ يعني: أهل الإيمان في الجنة. "والبذاء من الجفاء", (البذاء): ضد الحياء. "والجفاء في النار"؛ يعني: أهل الجفاء في النار، و (الجفاء) خلاف البر. * * *

стр. 2386

٣٩٥٣ - عن حارِثَةَ بن وَهْبٍ، قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ الجَوَّاظُ ولا الجَعْظَرِيُّ", قال: الجَوَّاظُ: الذي جَمَعَ ومَنَعَ، والجَعْظَرِيُّ: الغَليظُ الفَظُّ. قوله: "لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري", (الجواظ): الضخم المختال في مشيته، و (الجعظري): الغليظ الفظ، وقيل: (الجواظ): الغليظ الفظ، و (الجعظري): الضخم المختال في مشيته. روى هذا الحديث حارثة بن وهب، وفي بعض نسخ "المصابيح": عكرمة ابن وهب، وهو سهوٌ من النساخين. ٣٩٥٦ - وعن أبي ذرٍّ قال: قال لي رَسولُ الله ﷺ : "اتَّقِ الله حَيْثُما كنتَ، وأَتْبعِ السَّيئةَ الحَسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ". قوله: "وخالق الناس"؛ أي: استعمل الخلقَ الحسن مع الناس. * * * ٣٩٥٧ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ألا أُخْبرُكم بِمَن يَحرُمُ على النَّارِ وبمَن تَحْرُمُ النَّارُ عليهِ؟ على كلِّ هَينٍ لَينٍ قريبٍ سَهْلٍ"، غريب. قوله: "هين" أصله: هَيْوِن قُلبت الواو ياءً وأُدغمت الياء في الياء، وهو من الهَوْن وهو السهولة، ومعنى (القريب): أن يكون قريبًا من الناس ويجالسهم ويلاطفهم. * * * ٣٩٥٨ - عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "المُؤْمِنُ غِرٌّ كريمٌ، والفاجِرُ خِبٌّ لئيمٌ".

стр. 2387

قوله: "المؤمن غر كريم"، (الغر): الذي لم يجرب الأمور، و (الخِبُّ): ضده، والخب: الخداع؛ يعني: المؤمن سهلٌ سليم لم يكن فيه حيلة ومكر؛ يعني: المؤمن الكامل مَن يكون بهذه الصفة. * * * ٣٩٥٩ - وقال: "المُؤمنونَ هَينونَ لَينونَ، كالجَمَلِ الأَنِفِ، إنْ قِيدَ انقادَ، وإنْ أُنيخَ على صَخْرةٍ استناخَ", مُرسَلٌ. قوله: "كالجمل الأنف"، (جملٌ آنِفٌ): على وزن فاعل، و (أَنِفٌ) على وزن فَخِذ، إذا جُعل في أنفه الزمام، والمراد بهذا الحديث: أن المؤمن سهلٌ يقضي حوائج الناس، ويسهِّل أمورهم، ويخدمهم. روى هذا الحديث أنس. * * * ٢٠ - باب الغضب والكبر (باب الغضب والكبر) ٣٩٦٣ - وقال: "ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عندَ الغَضَبِ". مِنَ الصِّحَاحِ: "ليس الشديد بالصرعة", (الصُّرعة) - بضم الصاد وفتح الراء - مبالَغةٌ؛ أي: كثير الصَّرْع، وهو الإسقاط؛ أي: ليس القوي مَن يقدر على إسقاط خصمه وقهره، بل القويُّ من يكظم غيظه ويسكِّن نفسه عند الغضب.

стр. 2388

٣٩٦٤ - وقال: "لا أُخبرُكم بأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كلُّ ضَعيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لو أَقْسَمَ على الله لأبَرَّهُ، ألا أُخبرُكُم بأهْلِ النَّارِ؟ كلُّ عُتُلًّ جَوَّاظٍ مُسْتكْبرٍ". ويُروَى: "كلُّ جَوَّاظٍ زَنيمٍ مُتكبرٍ". قوله: "كل ضعيف متضعَّف"، (التضعيف): كسر النفس والتواضع. "العتل": الشديد الخصومة الجافي، وقيل: الغليظ الفظ. "الزنيم": الفاجر، وقيل: اللئيم، وقيل: مَن نُسب إلى رجل وليس هو منه. روى هذا الحديث حارثة بن وهب. * * * ٣٩٦٥ - وقال: "لا يدخُلُ النَّارَ أَحَدٌ في قلبهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ من خَرْدلٍ مِن إيمانٍ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ في قلبهِ مِثْقالُ حبةٍ من خَرْدلٍ مِن كِبْرياءَ". قوله: "لا يدخل الجنة ... " إلى آخره، يريد: لا يدخل الجنة مع الكبر، بل يُصفَّى من الكبر ومن كل خصلة مذمومة؛ إما بالتعذيب، أو بعفو الله، ثم يدخل الجنة. "الكبرياء": الكبر. روى هذا الحديث ابن مسعود. * * * ٣٩٦٦ - وقال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحدٌ في قلبهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ"، فقالَ رجلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحبُّ أنْ يكونَ ثوبُه حَسَنًا، ونَعْلُهُ حسنًا؟ قالَ: إنَّ الله جَميلٌ يُحبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النَّاسِ". قوله: "الكبر بَطَرُ الحق، وغَمْطُ الناس"، (بطر الحق): التكبر مع أوامر

стр. 2389

الله؛ يعني: لا يلتفت إلى أوامر الله ونواهيه، و (غمط الناس): احتقارُهم. روى هذا الحديث ابن مسعود. * * * ٣٩٦٧ - وقال: "ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم الله يومَ القِيامَةِ ولا يُزَكَّيهم - ويُرْوَى: ولا يَنظُرُ إليهم - ولهم عَذابٌ أليمٌ: شيخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كذَّابٌ، وعائِلٌ مُسْتكبرٌ". قوله: "عائل مستكبر", (العائل): ذو العيال، و (المستكبر): المتكبر؛ يعني: من له عيال وليس له مال، ولا يقدر على تحصيل نفقتهم وكسوتهم وتجوُّعهم، ولا يطلب الزكاة والصدقة، ولا يقبل أموال الناس من التكبر، ولا يطلب شيئًا من بيت المال، فمَن هذه صفته أَثِمَ لإيصال ضرر الجوع والعري إلى عياله. روى هذا الحديث والذي بعده أبو هريرة. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٩٦٩ - عن سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يزالُ الرَّجُلُ يذهَبُ بنفْسِه حتى يُكتَبَ في الجبَّارِينَ، فيُصيبُهُ ما أصابَهم". قوله: "يذهب بنفسه" الباء يحتمل أن تكون للتعدية؛ أي: يُغلي نفسه ويبعدها عن الناس في المرتبة (١)، ويعتقدها عظيمة القَدْرِ، ويحتمل أن تكون الباء للمصاحبة؛ أي: يوافق نفسه ويعزَّزها ويكرمها كما يكرم الخليلُ الخليلَ،

стр. 2390

حتى يغترَّ بنفسه وتصيرَ متكبرة، وهذا لا يليق بالصالحين، بل ينبغي أن يَحْقِرَ نفسه المتكبرة ويعتقدها أصغر الناس، فإن نفس الرجل (١) أكبر أعدائه. "فيصيبه ما أصابهم"؛ يعني: يصيبه من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة ما أصاب المتكبرين. * * * ٣٩٧٠ - عن عَمْرِو بن شُعَيبٍ، عن أَبيه، عن جَدِّه، عن رسولِ الله ﷺ قال: "يُحشَرُ المُتكبرونَ أمثالَ الذَّرِّ يومَ القيامةِ في صُورة الرِّجالِ، يَغشاهُم الذُّلُّ مِن كلِّ مَكانٍ، يُساقونَ إلى سِجْنٍ في جَهَنَّمِ يُسَمَّى: بُولَسَ، تَعْلُوهم نارُ الأَنيارِ، يُسْقَوْنَ مِن عُصارةِ أهلِ النَّارِ طِينةَ الخَبَالِ". قوله: "أمثال الذر"، (الذر): جمع ذرة، وهي النملة الصغيرة؛ يعني: صورتُهم صورةُ الإنسان، وجثتُهم كجثة الذر في الصغر، والمراد بهذا الحديث: أن المتكبرين يكونون يوم القيامة على غاية الذل والحقارة. "نار الأنيار"؛ أي: نارٌ حرارتها أشد من جميع أنواع نار جهنم. "عصارة أهل النار طينة الخبال"؛ يعني: اسم عصارة أهل النار طينة الخبال، و (عصارة أهل النار): ما يسيل منهم من الصديد والدم والقيح. * * * ٣٩٧٣ - عن أسماءَ بنت عُمَيْس: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "بِئْسَ العَبْدُ عبدٌ تخيَّلَ واختالَ، ونَسِيَ الكبيرَ المُتَعالِ، بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ تجبَّرَ واعتدَى، ونسيَ الجَبَّارَ الأَعْلى، بئْسَ العَبْدُ عبدٌ سَها ولها، ونَسِيَ المَقابرَ والبلَى، بِئْسَ

стр. 2391

العَبْدُ عَبْدٌ عَتا وطَغَى، وَنَسيَ المُبتدَأَ والمُنتَهى، بِئْسُ العَبْدُ عبد يَخْتِلُ الدُّنْيا بالدِّينِ، بِئْسَ العَبْدُ عبدٌ يَخْتِل الدِّينَ بالشُّبُهاتِ، بئسَ العَبْدُ عبدٌ طَمَعٌ يقودُه، بئسَ العَبْدُ عبدٌ هَوى يُضلُّه، بئسَ العَبْدُ عبدٌ رَغَبٌ يُذِلُّه"، غريب. قوله: "تخيَّل"؛ أي: تكبَّر واعتقد نفسه عظيمةً، "اختال"؛ أي: تبختر، "اعتدى"؛ أي: جاوز قَدْرَه بأن تكبر وأعرض عن أوامر الله، "سها"؛ أي: صار غافلًا، "لها"؛ أي: اشتغل باللعب والهذيان. "البلى": الخلوقة، وأن يصير الشخص في القبر رميمًا ورفاتًا. "عتا وطغى" معناهما: تجاوَزَ الحدَّ، "ونسي المبتدأ والمنتهى"؛ يعني: نسي كونه نطفةً ثم علقةً، فأنعم الله عليه فصوَّره صورةً حسنة، ورَزَقه من أنواع النعم، فلم يشكر هذه الأنعم، ولم يعمل لمنتهاه؛ أي: للقبر والقيامة. قوله: "يختل الدنيا بالدين"، (الختل): التغرير والمكر؛ يعني: يغرُّ أهل الدنيا بالدِّين؛ يعني: يعمل عمل أهل الصلاح، لا لله بل لأنْ يعتقده الناس صالحًا ويبذلون له المال والجاه. "يختل الدين بالشبهات"؛ يعني: يُفسد دينَه بأكل الشبهات. "عبد رغبٌ"؛ أي: عبد كثير الأكل، الرغب: واسع البطن، والله أعلم. * * * ٢١ - باب الظُّلمِ (باب الظلم) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٩٧٥ - عن جابرٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "اتَّقوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ

стр. 2392

ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، واتَّقوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَن كانَ قبلَكم، حَمَلَهم على أنْ سَفَكُوا دِماءَهم واستَحَلُّوا مَحارِمَهم". قوله: "اتقوا الشح", (الشح): منعُ الواجب، وقيل: أكلُ مال الغير، وقيل: (الشح): أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له، وقيل: العمل بمعاصي الله، وقيل: الشح بما يزيد غيرك، والبخل بما في يدك. قوله: "حملهم على أن يسفكوا دماءهم"؛ يعني: يحرضهم على جمع المال الحرام، وقتل بعضهم بعضًا لأخذ أموالهم. "واستحلُّوا محارمهم"؛ أي: اتخذوا ما حرَّم الله من نسائهم حلالًا؛ أي: فعلوا بهن الفاحشة. * * * ٣٩٧٦ - وقال: "إنَّ الله لَيُملي للظَّالِمِ حتى إذا أخذَهُ لم يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية". قوله: "يملي للظالم"؛ يعني: يمهلهم ويطوِّل أعمارهم؛ يعني: يُكثروا من الظلم والفواحش، ثم يأخذهم أخذًا شديدًا. "لم يفلته"؛ أي: لم يخلَّصه، أفلت: إذا خرج من ضيقٍ، وفرَّ وخلص من حبس. " ﴿إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ "؛ أي: إذا أخذ أهلَ القرى من الظالمين، وأراد بالقرى: بلاد ومساكن الكافرين. * * * ٣٩٧٧ - عن ابن عُمَرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا مَرَّ بالحِجْرِ قال: "لا تَدخُلوا

стр. 2393

مَساكِنَ الذينَ ظَلَموا أنفسَهم إلا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، أنْ يُصيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم"، ثم قَنَّعَ رأسَه، وأَسْرَعَ السَّيْرَ حتى اجتازَ الوادِيَ. "لما مر بالحجر", (الحجر) هنا: ديار قوم ثمود. "قنَّع" بتشديد النون؛ أي: ستر، وعلَّةُ سترِه ﷺ رأسَه تحذيرُ الناس من دخول مساكن الكفار الذين أهلكهم الله بعذابه؛ يعني: أستر رأسي حتى لا يصل إلى غبار ديار الكفرة، حتى لا ينزل عليَّ بلاءٌ من شؤم أهل هذه الديار، وغرضُه ﷺ بهذا تنبيهُ أصحابه ومَن بعدهم. "اجتاز"؛ أي: قطع وخرج من ذلك الموضع. * * * ٣٩٨٠ - وقال: "لَتُؤَدُّنَّ الحُقوقَ إلى أَهْلِها يومَ القِيامةِ حتى يُقادَ للشَّاةِ الجَلْحاءِ مِن الشَّاةِ القَرْناءِ". قوله: "حتى يقاد"؛ أي: حتى يُقتص. "الجلحاء": الشاة التي لا قرن لها، و"القرناء": ضدُّها؛ يعني: لو نطح شاةٌ قرناءٌ شاةً جلحاءَ في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة يؤخذ القرن من الشاة القرناء وتُعطى الجلحاءُ قرنًا حتى تقتصَّ لنفسها من الشاة القرناء. فإن قيل: الشاة غير مكلَّفة فكيف يُقتص منها؟ قلنا: الله تعالى فعَّالٌ لِمَا يريد لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. والغرض من هذا: إعلام العباد أنه لا تضيع الحقوق، ويُقتص حق المظلوم من الظالم، وتوفَّى كل نفس ما كسبت. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * *

стр. 2394

٣٩٨١ - عن حُذَيفة ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تكونوا إمَّعةً؛ تقولونَ: إنْ أحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وإنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنا, ولكنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكم: إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أنْ تُحْسِنُوا، وإنْ أساؤُوا فلا تَظْلِموا". قوله: "لا تكونوا إمعة"، (الإمعة) في اللغة: هو الذي يقول لكل أحد: أنا معك، والمراد به ها هنا: أن الذي يقول: أنا أكون مع الناس كما يكونون معي، فإن أحسنوا إليَّ أحسنت إليهم، وإن أساؤوا أسأت إليهم، جاء النهي عن هذا الفعل، بل قال ﷺ : "أحسن إلى مَن أساء إليك". "وطِّنوا": هذا أمرُ مخاطبٍ من التوطين، وهو العزم الجازم على الفعل. * * * ٣٩٨٢ - كتبَ مُعاوِيةُ إلى عائِشَةَ ﵂: أنْ اكُتُبي إليَّ كتابًا تُوصِيني فيهِ ولا تُكْثِري، فكتَبَتْ: سلامٌ عليكَ، أمَّا بعدُ: فإنَّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن التَمَسَ رِضا الله بسَخَطِ النَّاسِ كفاهُ الله مَؤُونَةَ النَّاسِ، ومَن التَمَسَ رِضا النَّاسِ بسَخَطِ الله وَكَلَهُ الله إلى النَّاسِ، والسَّلامُ عليكَ". قوله: "من التمس رضا الله بسخط الناس"؛ يعني بهذا الحديث: أن الرجل إذا عَرَضَ له أمر في فِعْلِه رِضَى الله عنه وغضبُ الناس، أو يكون في فعله رضى الناس وغضبُ الله، فإنْ فعل ما فيه رضى الله وغضبُ الناس؛ ﵁ ودفع عنه شر الناس، وإن فعل ما فيه رضى الناسِ وغضبُ الله وَكَلَه الله إلى الناس؛ يعني: سلَّط الله الناس عليه حتى يؤذوه ويظلموا عليه أو يهلكوه (١)، ولم يدفع عنه شرَّهم. * * *

стр. 2395

٢٢ - باب الأمر بالمعروف (باب الأمر بالمعروف) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٩٨٣ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ : "مَن رَأَى مِنكم مُنكَرًا فلْيُغيرْه بيدِه، فإنْ لم يستَطِعْ فَبلسانِه، فإنْ لم يستطِعْ فبقلبهِ، وذلكَ أضعفُ الإِيمانِ". "فليغيره"؛ أي: فليدفع ذلك المنكر، و (المنكر): ما أنكره الشرع؛ أي: كرهه ولم يرضه. * * * ٣٩٨٤ - وقالَ: "مَثَلُ المُدْهِنِ في حُدودِ الله والواقِعِ فيها، مَثلُ قَوْمٍ استَهمُوا سَفينةً، فصارَ بَعضُهم في أَسْفَلِها، وصارَ بعضُهم في أعلاها، فكانَ الذي في أَسفَلِها يَمُرُّ بالماءِ على الذينَ في أعلاها فتَأَذَّوا بهِ، فأَخَذَ فَأْسًا فجعلَ ينقُرُ أَسْفَلَ السَّفينةِ، فأَتَوْهُ فقالوا: ما لكَ؟ فقالَ: تأذَّيتُم بي، ولا بُدَّ لي مِن الماءِ, فإنْ أَخَذُوا على يَدَيهِ أَنجوْهُ، ونَجَّوا أَنفُسَهم، وإنْ تَرَكُوه أَهْلَكُوه، وأهْلَكُوا أنفسَهم". قوله: "مثل المُدْهِن"؛ أي: مثل المُداهن، (المداهنة): المساهلة في الأمر، والمراد بها في الشرع: أن يرى الرجل منكرًا ويقدر على دفعه ولم يدفعه؛ لمحافظةِ جانبِ أحد، أو لاستحياءٍ مِن أحد، أو لقلة مبالاته في الدين. "والواقع"؛ أي: الفاعل للشر.

стр. 2396

"استهموا"؛ أي: اقترعوا؛ أي: اقتسموا. "الفأس": شيء من حديد يشق به الخشب. "فجعل"؛ أي: فطفق، "ينقر"؛ أي: يثقب. "فإن أخذوا على يديه"؛ يعني: فإن منعوه من نقر السفينة نجا ونجوا، وإن لم يمنعوه وتركوه حتى نقر أسفل السفينة خرج الماء من البحر إلى السفينة وغرقت السفينة ومن فيها. فكذلك إن منع الناسُ الفاسق عن الفسق نجوا ونجا من عذاب الله، وإن لم يمنعوه وتركوه حتى يفعل المعاصي ولم يقيموا عليه الحدود لنزل عليه وعليهم العذاب بشؤمه. روى هذا الحديث النعمان بن بشير. * * * ٣٩٨٥ - وقال: "يُجاءُ بالرَّجُلِ يومَ القيامةِ فيُلقَى في النَّارِ فتَندلِقُ أَقتابُه في النارِ، فيَطحنُ فيها كطحنِ الحمارِ بِرَحَاهُ، فيَجتَمِعُ أهلُ النَّارِ عليهِ، فيقولونَ: أَيْ فلانُ! ما شأنُكَ؟ أَليسَ كنتَ تأمرُنا بالمَعْروفِ وتنهانا عن المُنْكَرِ؟ قال: كنتُ آمرُكم بالمَعْروفِ ولا آتِيهِ، وأنهاكُم عن المُنْكَرِ وآتِيهِ". قوله: "فتندلق"؛ أي: فتخرج. "الأقتاب": الأمعاء، واحدها: (قِتْب) بكسر القاف وسكون التاء. "فيطحن"؛ أي فيدور ويتردد فيها؛ أي: في أقتابه؛ يعني: يدور حول أقتابه، ويضربها برجله. روى هذا الحديث أسامة بن زيد. * * *

стр. 2397

مِنَ الحِسَان: ٣٩٨٦ - عن حُذَيفَةَ بن اليَمانِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "والذي نفسي بيدِه لتأمُرُنَّ بالمَعْروفِ ولتَنهَوُنَّ عن المُنْكرِ، أو لَيُوشِكَنَّ الله أنْ يَبْعَثَ عليكم عذابًا مِن عندِه، ثم لَتدْعُنَّهُ فلا يُستَجابُ لكم". قوله: "أو ليوشكن الله"؛ يعني: فإن أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر نجوتم من العذاب، وإلا لَيَقْرُبُ أن يرسل الله عليكم عذابًا، ثم لتدعون الله ولا يستجاب دعاؤكم في دفع ذلك العذاب. * * * ٣٩٨٧ - عن العُرْسِ بن عَميرَةَ، عن النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا عُمِلَتْ الخَطيئةُ في الأَرْضِ مَن شهِدَها فكرِهَها كانَ كمَن غابَ عنها، ومَن غابَ عنها فرَضيَها كانَ كمَن شَهِدَها". قوله: "من شهدها"؛ أي: من حضرها. * * * ٣٩٨٨ - عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قال: يا أيُّها النَّاسُ! إنَّكم تَقْرؤونَ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فإنَّي سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ النَّاسَ إذا رَأَوْا مُنْكَرًا فلم يُغَيرُوه يُوشِكُ أنْ يعُمَّهم الله بعِقابهِ"، صحيح. وفي رِوايةٍ: "إذا رَأَوْا الظَّالِمَ فلم يأخذُوا على يَدَيْه أَوْشَكَ ... ". وفي رِوايةٍ: "ما مِن قَوْمٍ يُعمَلُ فيهم بالمَعاصي، ثم يَقْدِرُونَ على أنْ يُغَيروا، ثُمَّ لا يُغيرون، إلا يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهم الله بعقابٍ".

стр. 2398

وفي رِوايةٍ: "يُعمَلُ فيهم بالمَعاصي، هُمْ أَكْثَرُ ممَّن يَعْمَلُه ... ". قوله: " ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ "؛ يعني: الْزَموا حفظَ أنفسكم عن المعاصي، فإذا حفظتم أنفسكم لا يضرُّكم معاصي غيركم، وإنما لا يضرُّ الرجلَ معاصي غيره إذا عجز عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قوله: "هم أكثر ممن يعمله"؛ يعني: إذا كان الذي لا يعمل المعاصي أكثر من الذين يعملونها, ولم (١) يمنعوهم عن المعاصي، نزل على الجميع عذاب. * * * ٣٩٨٩ - عن جريرِ بن عبدِ الله البَجَلي، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما مِن قومٍ يكونُ بينَ أظهرِهم رجلٌ يعملُ بالمعاصي، هم أَمْنَعُ منهُ وأَعَزُّ، لا يُغَيرُونَ عليهِ = إلا أصابَهم الله بعقابٍ". قوله: "أمنع"؛ أي: أقوى، ومثله: "أعز". * * * ٣٩٩٠ - وعن أبي ثَعْلَبَةَ: في قولِهِ تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فقال: أَمَا والله، لقد سَأَلْتُ عنها رَسولَ الله ﷺ فقال: "بل ائتَمِروا بالمَعْروفِ، وتَناهَوْا عن المُنْكَرِ، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوًى مُتَّبعًا، ودُنيا مؤثَرَةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برَأْيهِ، ورأيتَ أَمْرًا لا بُدَّ لكَ منهُ فعليكَ نفسَكَ، ودَعْ أَمْرَ العَوَامِّ، فإنَّ وراءَكُم أيامَ الصَّبرِ، فمَن صَبَرَ فيهنَّ كانَ كمَن قَبَضَ على الجَمْرِ، للعاملِ فيهنَّ أَجْرُ خَمسينَ رَجُلاً يعمَلونَ مثلَ عَمَلِهِ"، قالوا: يا رسولَ الله! أجرُ خَمْسينَ منهم؟ قال: "أَجْرُ خَمْسينَ منكُم".

стр. 2399

قوله: "بل ائتمروا"، (ائتمر) بمعنى أمر. "شحًا مطاعًا"، (الشح): البخل، (المطاع): مفعولٌ مِن أطاع؛ يعني: حتى إذا بلغ الأمر إلى أن يطيع الناس البخل؛ أي: استعملوا البخل فلا يؤدون الزكاة والكفارات والنذور والفطرة، ولا يحسنون إلى الناس. "وهوى متبعًا"؛ أي: يتبع كل أحدٍ هواه؛ أي: يفعل ما تأمره نفسه. "ودنيا مؤثرة"، (مُؤْثَرة): مفعولة من الإيثار وهو الاختيار؛ يعني: يختار الناس الدنيا على الآخرة، ويحرصون على جمع المال، ويتركون الأعمال الصالحة. "وإعجاب كل ذي رأي برأيه"، (الإعجاب): وجدان شيء حسنًا؛ يعني: يجد كلُّ أحدٍ فعلَ نفسه حسنًا وإن كان قبيحًا, ولا يراجع العلماء فيما فعل، بل يكون مفتيَ نفسه. "ورأيتَ أمرًا لا بد لك منه"؛ يعني: رأيتَ بعض الناس يعملون المعاصي، ولا بد لك من السكوت من عجزك وقدرتهم، فإذا كان كذلك احفظ نفسك عن المعاصي، ولا تأمر أحدًا بالمعروف ولا تَنْهَه عن المنكر كي لا يقتلوك أو يؤذوك. "فإن ورائكم"؛ أي: فإن قدَّامكم وتلقاءَكم. "أيام الصبر"؛ أي: لا طريق لكم في ذلك الوقت إلا الصبر. "فيهن"؛ أي: في تلك الأيام. "قَبَضَ على الجمر"؛ أي: تلحقه المشقةُ بالصبر، ويكون من غاية المشقة كمن أخذ النار بيده (١). * * *

стр. 2400

٣٩٩١ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قامَ فينا رسولُ الله ﷺ خَطيبًا بعدَ العَصْرِ فلم يَدَعْ شيئًا يكونُ إلى قيامِ السَّاعةِ إلا ذَكَرَهُ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ ونَسيَهُ من نَسِيَهُ، وكانَ فيما قال: "إنَّ الدُّنيا حُلْوَةٌ خَضرَةٌ، وإنَّ الله مُستَخْلِفُكم فيها فناظِرٌ كيفَ تعملونَ؟ أَلا فاتَّقُوا الدُّنيا، واتَّقُوا النِّساءَ"، وذَكَرَ أنَّ لكلِّ غادرٍ لِوَاءً يومَ القِيامةِ بقَدْرِ غَدْرتِهِ في الدُّنيا, ولا غَدْرَ أكبرُ مِن غَدْرِ أميرِ العَامَّةِ، يُغرَزُ لِواؤُه عندَ استِهِ، قال: "ولا تَمنعَنَّ أَحَدًا منكم هيبةُ النَّاسِ أن يقولَ بحقِّ إذا عَلِمَه". وفي روايةٍ: "إنْ رأى منكرًا أن يغيرَه"، فبكى أبو سعيدٍ وقال: قد رأيناهُ فمَنَعَتْنا هيبةُ النَّاسِ أنْ نتكَلَّمَ فيهِ، ثُمَّ قال: "أَلا إنَّ بني آدَمَ خُلِقُوا على طَبَقاتٍ شَتَّى؛ فمنهم مَن يُولَدُ مُؤْمِنًا، ويحيا مُؤْمِنًا، ويموتُ مُؤْمِنًا، ومنهم مَن يُولدُ كافِرًا، ويحيا كافِرًا، ويموتُ كافِرًا، ومنهم مَن يولدُ مُؤْمِنًا، ويحيا مُؤْمِنًا، ويموتُ كافرًا، ومنهم مَن يولدُ كافِرًا، ويحيا كافِرًا، ويموتُ مُؤْمِنًا"، قال: وذكرَ الغَضَبَ، "فمنهم مَن يكونُ سريعَ الغَضَبِ سريعَ الفَيْءِ، فإِحداهُما بالأخْرى، ومنهم مَن يكونُ بطيءَ الغَضَبِ بطيءَ الفَيءِ، فإحداهُما بالأخرى، وخِيارُكم مَن يكونُ بطيءَ الغَضَبِ سريعَ الفيء، وشرارُكم مَنْ يكون سريعَ الغَضَبِ بطيءَ الفَيءِ"، قال: "اتقوا الغَضَبَ، فانهُ جَمْرَةٌ على قَلْبِ ابن آدمَ، أَلا تَرَوْنَ إلى انتِفاخِ أوداجِهِ وحُمرةِ عَيْنَيهِ؟ فمَن أَحَسَّ بشيءٍ مِن ذلكَ فَلْيَضْطَجِعْ وليتلَبَّدْ بالأَرْضِ"، قال: وذكرَ الدَّيْنَ فقال: "منكم مَن يكونُ حَسَنَ القَضاءِ، وإذا كانَ لهُ أَفْحَشَ في الطلَبِ، فإحداهُما بالأُخْرى، ومنكم مَن يكونُ سيئَ القَضاءِ، وإنْ كانَ لهُ أَجْمَلَ في الطَّلَبِ، فإحداهُما بالأُخْرى، وخِيارُكم مَن إذا كانَ عليهِ الدَّيْنُ أَحْسَنَ في القَضاءَ، وإنْ كانَ لهُ أَجْمَلَ في الطَّلَبِ، وشِرارُكم مَن إذا كانَ عليهِ الدَّيْنُ أساءَ القضاءَ، وإنْ كانَ لهُ أَفْحَشَ في الطَّلبِ، حتى إذا كانَت الشَّمْسُ على رُؤوسِ النَّخْلِ وأَطْرافِ الحِيطانِ فقالَ: "أَما إنه لم يَبْقَ مِن الدُّنْيا فيما مَضَى منها إلا كما بقيَ مِن يومِكم هذا فيما مَضَى منه".

стр. 2401

قوله: "إن الدنيا حلوة خضرة"؛ يعني: الدنيا طيبة مليحة، وعيون الناس وقلوبهم لا يشبعون من جمع المال ومن الجاه. "مستخلفكم", (الاستخلاف): إقامة أحد مقام مَن كان قبله؛ يعني: يُميت ويُهلك قومًا، ويقيم قومًا آخر مقامهم؛ ليختبرهم أيهم يعمل العمل الصالح، وأيهم (١) يعمل العمل السيئ. "وذكر أن لكل غادر لواء"، ذُكر بحثُ الغدر في (باب ما على الولاة من التيسير). قوله: "ثم قال"؛ أي: ثم قال رسول الله ﷺ . "فإحداهما بالأخرى"؛ يعني: إحدى الخصلتين تقابل الخصلة الأخرى لا تستحق المدح والذم. "البطيء": ضد السريع. "انتفاخ أوداجه"، (الانتفاخ): ظهور الريح في شيء حتى يعظم، (الأوداج): جمع وَدَجٍ، وهو عِرْقُ العنق. "أحس"؛ أي: أدرك وعلم. "وليتلبد"؛ أي: وليلتصق "بالأرض" لتكسر نفسه ويذهب غضبه. "وإذا كان له"؛ يعني: فإذا كان له دَينٌ على أحد، يؤذيه في طلب دَينه، ويعسر عليه في التقاضي. "حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل"؛ يعني: كان النبي ﷺ في ذلك المجلس يحدِّث من بعد العصر حتى قربت الشمس من الغروب، ولم تبق الشمس إلا على رؤوس النخيل؛ يعني: ذهبت الشمس عن وجه الأرض. "الحيطان": جمع حائط. * * * ٣٩٩٢ - وقال: "لن يَهلكَ النَّاسُ حتى يُعذَروا مِن أنفُسِهم".

стр. 2402

قوله: "حتى يُعذروا من أنفسهم": يجوز كسر الذال وفتحها: فأما كسر الذال: فهو مِن (أَعْذَرَ): إذا كان ذا ذنبٍ كثيرٍ محتاجًا إلى العذر من كثرة ذنوبه؛ يعني: لن يهلك الناس حتى تكثر ذنوبهم، و (من) في (من أنفسهم) للتبيين؛ أي: حتى تكثر ذنوب أنفسهم لا ذنوبُ غيرهم. وأما فتح الذال: فهو مضارعٌ مجهولٌ من (أَعْذَر): إذا أزال عُذْرَ أحد؛ يعني: حتى يجعلهم الله بحيث لا يقدرون على العذر بأن يبعث عليهم الرسل، ويبينوا لهم الرشاد من الضلال، والحرام من الحلال، والحق من الباطل، فإذا عرفوا الحق من الباطل ولم يؤمنوا، أو آمنوا ولكن أكثروا المعاصي ولم يتوبوا، فحينئذ أهلكهم الله. روى هذا الحديث أبو البَخْتَري، عن رجل من أصحاب النبي ﵊. * * * ٣٩٩٣ - وقال: "إنَّ الله تعالى لا يُعذِّبُ العَامَّةَ بعَمَلِ الخاصَّةِ حتى يَرَوُا المُنْكَرَ بينَ ظَهْرانَيْهِم، وهم قادرونَ على أن يُنكِرُوهُ فلم يُنْكِروهُ، فإذا فعلُوا ذلكَ عذَّبَ الله العَامَّةَ والخَاصَّةَ". قوله: "لا يعذب العامة" أراد بـ (العامة): أكثر القوم، وبـ (الخاصة): أقلَّهم. "بين ظهرانيهم"؛ أي: بينهم. روى هذا الحديث أنس. * * * ٣٩٩٤ - وعن عبدِ الله بن مَسْعودٍ قال: قالَ رسولَ الله ﷺ : "لمَّا وَقَعَتْ بنو

стр. 2403

إسرائيلَ في المعاصي نَهَتْهُم عُلَماؤُهُم فلم يَنْتَهُوا، فجالسُوهم في مجالِسِهم، وَواكلُوهُم وشارَبُوهم، فَضَرَبَ الله قلوبَ بعضهم ببَعْضٍ، ولعنَهم على لسانِ داودَ وعيسَى بن مريمَ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ "، قال: فجَلَسَ رسولُ الله ﷺ وكانَ مُتَّكِئًا فقال: "لا وَالذي نَفْسي بيدهِ، حتى تَأْطِرُوهم أَطْرًا". وفي رِوايةٍ: "كلا والله، لتأمُرُنَّ بالمَعْروفِ، وَلَتنهَونَّ عن المنكرِ، ولتأخُذُنَّ على يَدَي الظالمِ، ولَتَأْطِرُنَّهُ على الحقِّ أَطْرًا، أو لَتَقْصُرُنَّه على الحَقِّ قَصْرًا، أو ليَضْرِبن الله بقلوبِ بعضكُم على بعضٍ، ثم لَيَلْعَنَنَّكُم كما لَعَنَهُم". قوله: "فضرب (١) الله قلوب بعضهم ببعض"؛ يعني: سوَّد الله قلوبَ مَن لم يَعْصِ بشؤمِ مَن عَصَى، فصارت قلوب الجميع قاسيةً بعيدةً من قبول الخير والرحمة بسبب المعاصي، وبسبب مخالطة بعضهم بعضًا. قوله: "لا والذي نفسي بيده"؛ يعني: لا يخلصون من العذاب. "حتى تأطروهم"، (الأطر): الإمالة والتحريف من جانب إلى جانب؛ يعني: حتى تمنعوا الظَّلَمةَ والفَسَقةَ عن الظلم والفسق، وتُميلوهم عن الباطل إلى الحق. * * * ٣٩٩٦ - عن عَمَّارِ بن ياسرٍ قال: قال رسولَ الله ﷺ : "أُنزِلَتْ المائِدَةُ مِن السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا، وأُمِروا أنْ لا يَخُونوا ولا يَدَّخِرُوا لغدٍ، فخانُوا وادَّخَروا ورَفَعُوا لِغَدٍ، فمُسِخُوا قِرَدَةً وخنازِيرَ". قوله: "فمسخوا"؛ أي: تغيَّرت صورهم" قردةً وخنازير" منصوبتان على التمييز، و (القردة): جمع القرد، وهو حيوان معروفٌ كنيته أبو زَنَّة. ° ° °

стр. 2404

٢٤ - كِتابُ الرَّقَاقِ

стр. 2405

[٢٤] كِتَابُ الرَّقَاقِ (كِتَابُ الرَّقاقِ) (الرقاق): جمع رقيق، وهو الذي فيه رِقةٌ؛ أي: لطافةٌ، والرقة: ضد الغلظ. سميت هذه الأحاديث رقاقًا؛ لأن في كل حديث من الوعظ والتنبيه ما يجعل القلب رقيقًا، ويُحدث في القلوب رقةً. مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٩٩٧ - قال رسولُ الله ﷺ : "نِعْمَتانِ مَغْبونٌ فيهما كثيرٌ مِن النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَرَاغُ". قوله: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"، (مغبون): اسم مفعولٍ من (غُبن): إذا خسر الرجل في تجارته، وذهب عنه مطلوبُه؛ يعني: لا يَعرف قَدْرَ هاتين النعمتين كثيرٌ من الناس؛ يعني: لا يعملون في زمان الصحة والفراغ الأعمال الصالحة، ولا يهيئون أمر الآخرة، حتى تتبدل الصحة بالمرض، والفراغُ بالاشتغال، فحينئذ يندمون على تضييع أعمارهم ولا ينفعهم الندم. روى هذا الحديث ابن عباس. * * *

стр. 2406

٣٩٩٩ - وعن جابرٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ مرَّ بجَدْيٍ أَسَكَّ مَيتٍ، فقال: "أيُّكم يُحِبُّ أَنَّ هذا لهُ بدرهمٍ؟ " فقالوا: ما نُحِبُّ أنَّهُ لنا بشَيْءٍ، فقال: "فَوالله، للدُّنيا أَهْوَنُ على الله مِن هذا عَلَيْكُم". قوله: "بجديٍ أَسَكَّ"، (الأَسَكُّ): صغير الأذن. "أن هذا له بدرهم"؛ يعني: أن يشتريه بدرهم. * * * ٣٩٩٨ - وقال: "والله، ما الدُّنيا في الآخِرَةِ إلا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحدُكم إِصبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بمَ يَرْجِعُ؟ ". قوله: "في اليم"؛ أي: في البحر. روى هذا الحديث المستورد بن شداد. ٤٠٠٠ - وقال: "الدُّنيا سِجْنُ المُؤْمنِ وجَنَّةُ الكافرِ". قوله: "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر"؛ يعني: الدنيا سجن المؤمن بالنسبة إلى ما يكون له في الآخرة من النعيم المقيم، والدنيا جنة الكافر بالنسبة إلى ما يكون له في الآخرة من عذاب الجحيم. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ٤٠٠١ - وقال: "إنَّ الله لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعطَى بها في الدُّنْيا، ويُجزَى بِها في الآخِرَةِ، وأمَّا الكافرُ فيُطعَمُ بحَسَناتِ ما عَمِلَ بها لِلَّهِ في الدُّنْيا، حتى إذا أفضَى إلى الآخِرَةِ لم يَكُنْ له حَسَنَةٌ يُجْزَى بها". قوله: "إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة"؛ يعني: لا يُضيعُ حسنةَ المؤمن، بل

стр. 2407

يعطي المؤمن بحسنته أجر الدنيا وأجر الآخرة، فأما أجر الدنيا: فهو أن يدفع عنه البلاء، ويوسِّع رزقه، ويُحسن جماله، ويحببه في قلوب الناس، وأما أجر الآخرة: فاللقاء والجنة. روى هذا الحديث أنس. * * * ٤٠٠٢ - وقال: "حُجِبَتْ النَّارُ بالشَّهَواتِ، وحُجِبَتْ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ". قوله: "حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره"؛ أي: حفَّت النار وأُدير حولها الطيباتُ وما تشتهيه الأنفس، والجنة على عكس هذا، فمَن فعل ما اشتهته نفسه فقد سلك طريق النار، ومَن منع نفسه عما تشتهيه فقد سلك طريق الجنة. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ٤٠٠٣ - وقال: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ، وعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وعَبْدُ الخَميصَة، إنْ أُعطيَ رَضيَ، وإنْ لم يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانْتَكَسَ، وإذا شِيْكَ فلا انتَقَشَ، طُوبى لعبدٍ آخذٍ بعِنانِ فرسِه في سبيلِ الله أشعثَ رأسُه، مُغْبَرَّةٍ قَدَماهُ، إنْ كانَ في الحِراسَةِ كانَ في الحراسةِ، وإنْ كانَ في السَّاقَةِ كانَ في السَّاقةِ، إنْ استأذَنَ لم يُؤذَنْ لهُ، وإنْ شَفَعَ لم يُشَفَّعْ". قوله: "تعس"؛ أي: هلك وسقط على وجهه، "عبد الدينار"؛ أي: الحريص على جمع الدنيا. "الخَميصة": كساء أسود مربعٌ له علمان، وأراد بعبد الخميصة: مَن يحبُّ

стр. 2408

كثرة الثياب النفيسة، ويحرص على التجمُّل فوق قَدْرِ الحاجة. "وانتكس"؛ أي: صار خسيسًا ذليلاً. "شيك" ماضٍ مجهولٌ من الشوك؛ أي: أدخل الشوك في جسده. "فلا انتقش"؛ أي: فلا أخرج الشوك منه. هذه الكلمات دعاءٌ من النبي على مَن ترك عمل الآخرة، واشتغل بجمع أموال الدنيا؛ يعني: مَن كانت هذه صفته صار ذليلًا، وإذا أصابه غمٌّ وجراحةٌ ما أزال الله عنه ذلك الغم. "أشعث"؛ أي: متفرق شعر الرأس لا يكون له فراغ غسل رأسه، "أغبر"؛ أي: صار ذا غبارٍ من كثرة المشي على التراب. "إن كان في الحراسة"؛ يعني: إن كان في حراسة الجيش كان شغله ذلك. "وإن كان في الساقة"؛ أي: يمشي خلف الجيش، (الساقة): الجماعة المتأخَّرة من الجيش؛ يعني: يكون مشغولاً بالخيرات. "إن استأذن لم يؤذن له"؛ يعني: لا يخالط الناس، ولا يجعل نفسه مشهورة، بل لا يعرف الناس، حتى لو استأذن في دخول الدار أو مجلسٍ لم يؤذن له من قلة قَدْرِه عند الناس. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ٤٠٠٤ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ مِمَّا أخافُ عليكُم مِن بعدي ما يُفتَحُ عليكُم مِن زَهْرَةِ الدُّنيا وزينَتِها", فقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! أَوَ يأتي الخَيْرُ بالشَّرِّ؟ فسكتَ حتى ظنَنَّا أنهُ يُنزَلُ عليهِ، قال: فَمَسَحَ عنه الرُّحَضَاءَ وقال: "أينَ السَّائِلُ؟ " وكأنَّهُ حَمِدَهُ، فقال: "إنَّه لا يأتي الخَيْرُ بالشَّرِّ،

стр. 2409

وإنَّ مِمَّا يُنبتُ الرَّبيعُ يَقتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ، إلَّا آكِلَةَ الخضراءِ، أَكَلَتْ حتى إذا امتَدَّتْ خاصِرَتَاهَا استقبَلَتْ عينَ الشَّمْسِ فَثَلَطَتْ وبَالَتْ، ثم عادَت فأَكَلَتْ، وإنَّ هذا المالَ خَضرَةٌ حُلْوَةٌ، فمَن أخذَهُ بحَقِّه ووَضَعَهُ في حَقِّه فنِعْمَ المَعُونَةُ هُوَ، ومَن أخذَهُ بغيرِ حقَّهِ كانَ كالذي يأكُلُ ولا يَشْبَعُ، ويكونُ شهيدًا عليهِ يومَ القيامةِ". قوله: "ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا"، (الزهرة): ما نستلذُّه ونستمتع به؛ يعني: أخاف إذا كثرت أموالكم أن تشتغلوا بالأموال وتتكبروا، وتقلَّ أعمالكم الصالحة. "أو يأتي الخير بالشر؟ " الباء للتعدية؛ يعني: حصول الغنيمة لنا خيرٌ، وهل يكون ذلك الخير سببًا للشر وترك الطاعات؟. "الرُّحَضاء": العرق الذي يظهر للنبي عند نزول الوحي عليه. "وإن مما يُنبت الربيعُ ما يَقتل أو يُلِمُّ"، (ألمَّ): إذا نزل، وألمَّ أيضًا: إذا قارب شيئًا؛ يعني: مثال كثرة المال كمثال ما ينبت في فصل الربيع، فإن بعض النبات حلوٌ في فم الدابة، وهي حريصةٌ على أكله، ولكن ربما تأكل كثيرًا فيحصل بها داءٌ من كثرة الأكل، فتموت من ذلك الداء، أو تقرب من الموت، وإن لم تأكل الدابة إلا بقَدْرِ ما يطيقه كرشُها، فتأكل، وتترك الأكل حتى تهضم ما أكلت، وحتى تبول وتروث روثًا، ويحصل لها خفةٌ من خروج الروث والبول منها، فلا يضرها الأكل. فكذلك مَن حصل له مال كثير، فإن حرص على المال، ويُكثر الأكل والشرب والتجمُّل، فيقسو قلبه، وتتكبر نفسه، ويرى نفسه أفضل من غيره، ويحتقر الناس ويؤذيهم، ولا يُخرج حقوق المال من الزكاة وأداء الكفارات والنذور، وإطعام السائلين والأضياف، وحقوق الجار.

стр. 2410

فمَن كانت هذه صفته لا شك أن المال شرٌّ له، ويبعده من الجنة، ويقرَّبه من النار، ومَن أدى حقوق المال، ولا يحتقر الناس، ولا يفخر عليهم، ولا يشتغل بجمع المال بحيث تفوت عنه طاعةٌ، ويُحسن إلى الناس، فمالُه خيرٌ له، كما قال ﷺ : "نعم المال الصالح للرجل الصالح". فإذا عرفت هذا؛ فقد عرفت أن الخير والشر لا يحصلان للرجل من عين المال، بل نفسُ الرجل هي التي تصرف المال فيما فيه خير له، أو فيما فيه شرٌّ له. قوله: "فثَلَطت"؛ أي: أخرجت الروث عنها حتى تجد خفةً في بطنها، ثم تعود بعد الخفة إلى الرعي. * * * * ٤٠٠٥ - وقال: "والله لا الفَقْرَ أَخْشَى عليكُم، ولكِنْ أَخْشَى عليكُم أنْ تُبْسَطَ عليكُم الدُّنيَا كما بُسِطَتْ على مَن قَبْلَكم، فَتَنَافسُوها كما تَنَافَسُوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتْهُم". قوله: "فتنافسوها"؛ أي: فتختاروها وترغبوا فيها، ويَكثر اشتغالكم في جمعها، وتقل طاعتكم، ويحصل بينكم العداوة بسبب المال، فيقتل بعضكم بعضًا وتقعوا في المعاصي. روى هذا الحديث عمرو بن عوف. * * * * ٤٠٠٦ - وقال: "اللهمَّ! اجعلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدِ قُوتًا"، ويُروَى: "كَفَافًا". قوله: "كفافًا"، (الكفاف) من القوت: ما يَكفُّ؛ أي: يمنع الرجلَ عن الجوع، أو عن السؤال وإراقة ماء الوجه.

стр. 2411

قد عُلم بهذا الحديث أن القوت لا بد منه، والأقل منه مذمومٌ عند بعض الناس، والأكثر منه أيضًا مذمومٌ عند بعض الناس. فالنبي ﷺ بيَّن ما هو الأصلح للعوامِّ والخواصِّ، فهذا الحديث حديثٌ يدخل فيه جميع الناس؛ لأن القوت عبارةٌ عما يحتاج إليه الرجل لسد القوت بحيث لا إسراف ولا إقتار؛ أي: لا ضرر فيه، والناس يختلفون في القوت، فبعضهم اعتاد في الأكل في كل عشرة أيام يومًا، ومنهم من اعتاد فوق ذلك، فإذا بلغ الرجل الوقت الذي كان يعتاد فيه الأكل، وعلم أنه لو لم يأكل فيه للحقه ضرر، فقوتُه ما يدفع عن نفسه الضرر في ذلك الوقت، فإن طلب ذلك الشخص أكثر ممَّا كان يعتاد من القوت؛ لكان طلبه أكثر من المعتاد إسرافًا في حقه، ولم يكن إسرافًا في حق مَن لم يكن بتلك المنزلة من التوكُّل وذَوْقِ الطاعة. وكذلك الناس يختلفون في كثرة العيال وقلَّتها، فقوتُ كلِّ أحدٍ يتعلق بقَدْرِ عياله. فالمحمود من المال ما يحصل للرجل به القوةُ على الطاعة، ولا يمنعه الاشتغالُ به من الطاعة، ولا يمنعه الجوع أيضًا من الطاعة. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ٤٠٠٧ - وقال: "قد أَفْلَحَ مَن أَسْلَمَ، ورُزِقَ كَفَافًا، وقنَّعَهُ الله بما آتاهُ". قوله: "قنعه"؛ أي: جعله الله قانعًا ولم يطلب الزيادة. روى هذا الحديث عبد الله بن عمرو. * * * ٤٠٠٨ - وقال: "يقولُ العبدُ: مالي، مالي، إنَّما لهُ مِن مَالِهِ ثلاثٌ:

стр. 2412

ما أكلَ فأَفْنَى، أو لَبسَ فأَبْلَى، أو أَعْطَى فاقتَنَى، وما سِوَى ذلك فهوَ ذَاهِبٌ وتَارِكُه للنَّاسِ". وقوله: "أو أعطى فاقتنى"، (اقتنى) بمعنى: ادَّخَر؛ يعني: ما تصدَّق به يكون له ذخيرة يوم القيامة. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ٤٠٠٩ - وقال: "يَتْبَعُ المَيتَ ثلاثةٌ، فيَرجعُ اثنانِ ويبقَى معَهُ واحدٌ، يتبعُهُ أهلُه ومالُه وعَمَلُه، فَيَرْجِعُ أهلُه ومالُه، ويبقَى عَمَلُه". قوله: "يتبع الميت ثلاثة" يريد بهذا الحديث: أن بعض ماله يتبعه وهو العبيد والإماء. روى هذا الحديث أنس. * * * ٤٠١٢ - وقال: "ليس الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ". قوله: "غنى النفس" معنى (الغنى): عدم الاحتياج إلى الناس، فمن كان في قلبه حرصٌ على جمع المال فهو فقير وإن كان له مال كثير؛ لأنه يحتاج إلى طلب الزيادة، ويُتعب نفسه بطلب الزيادة، ولا ينفق ماله على نفسه وعياله من خوفِ أن ينقص ماله. ومن كان له قلب بعيد عن الحرص، راضٍ بالقوت، فهو غني وإن لم يكن له مال؛ لأنه لا يطلب الزيادة من القوت، ولا يتعب نفسه في طلب المال.

стр. 2413

روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٠١٤ - عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله يقولُ: ابن آدَم! تَفَرَّغْ لعبادتي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى، وأَسُدَّ فقرَكَ، فإنْ لم تفعلْ مَلأْتُ يدَكَ شُغْلاً، ولم أَسُدَّ فقرَكَ". قوله: "وإن لا تفعل"؛ يعني: وإن لا تفعل ما أمرتك من الإعراض عن الدنيا، والاشتغال بطاعتي "ملأت يدك شغلاً"؛ أي: كثَّرتُ شغلك الدنيويَّ، فتُتعب نفسك بالشغل وكثرة التردُّد في طلب المال والغنى، ولا يحصل لك الغنى، فتُجعل محرومًا من ثوابي، ولا يحصل لك من الرزق إلا ما قدَّرت لك. * * * ٤٠١٥ - "عن جابرٍ قال: ذُكِرَ رَجُلٌ عندَ رسولِ الله ﷺ بعبادةٍ واجتِهادٍ، وذُكِرَ آخرُ بِرِعَةٍ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "لا تَعدِلْ بالرِّعَةِ شَيْئًا"، يعني: الوَرَعَ. قوله: "لا تعدل بالرِّعة"، (الرِّعة): الورع؛ يعني: لا تقابلْ شيئًا بالورع، فإن الورع أفضل من كل خصلة. يجوز: (لا تَعْدِلْ) بفتح التاء وجزم اللام، على أنه نهيُ مخاطَبٍ مذكَّرٍ (١)، ويجوز: (لا تُعدَل) بضم التاء وفتح الدال، على أنه نفيٌ؛ أي: لا تُعْدَل خصلةٌ بالرِّعة. * * *

стр. 2414

٤٠١٦ - وقال رسولُ الله ﷺ لِرَجُلٍ وهو يَعِظُه: "اغتنمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَراغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحَياتَك قبلَ مَوْتِكَ"، مرسل. قوله: "اغتنم"؛ أي: اتخذ هذه الأشياء غنيمةً واتخذها نعمة؛ يعني: اعمل في الشباب الأعمال الصالحة، وكذلك في الصحة، وفي الغنى، وفي حالة الفراغ والحياة. روى هذا الحديث عمرو بن ميمون الأَوْدي. * * * ٤٠١٨ - عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "ما يَنْتَظِرُ أَحَدُكم إلا غِنًى مُطْغِيًا، أو فَقْرًا مُنْسِيًا، أو مَرَضًا مُفْسِدًا، أو هَرَمًا مُفْنِدًا، أو مَوْتًا مُجْهِزًا، أو الدَّجَّالَ، فالدَّجَّالُ شَرُّ غائبٍ يُنتَظَرُ، أو السَّاعةَ، ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ ". قوله: "ما ينتظر أحدكم إلا غنًى مطغيًا"، (المُطْغي): الشيء الذي يجعل المرء طاغيًا، والطاغي: العاصي والمجاوِزُ عن الحد؛ يعني: لم لا يعمل أحدكم الأعمال الصالحة في حال وجدانه كفافًا من القوت، وليس له غنًى يمنعه عن الطاعة، وليس به فقر يمنعه أيضًا من الطاعة، فإذا لم يعمل في حال الفراغ الأعمالَ الصالحة، ربما يأتيه ما يمنعه من الطاعة كهذه الأشياء المذكورة. "أو فقرًا مُنْسِيًا"؛ يعني: أو فقرًا ينسيه الطاعة من الجوع والعري، أو التردُّد في طلب القوت. "أو هرمًا مفندًا"، (المفند) بسكون الفاء وكسر النون، وفتح الفاء والنون وتشديدها: الذي لا يدري ما يقول من غاية كبره. "أو موتًا مُجْهِزًا"؛ أي: قاتلاً فجأةً بحيث لا يقدر على التوبة.

стр. 2415

"أدهى"؛ أي: أشقُّ وأشد، "وأمر"؛ أي: أشد مرارة. * * * ٤٠١٧ - عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "ألا إنَّ الدُّنيا مَلْعونَةٌ، مَلْعونٌ ما فيها، إلا ذكرَ الله وما وَالَاهُ، وعالِمًا أو مُتَعلِّمًا". قوله: "وما والاه"، (الموالاة): جريان المحبة بين اثنين، وقد يأتي ولا يكون إلا من واحدٍ؛ يعني: ملعونٌ ما في الدنيا إلا ذكر الله أو ما أحبَّ الله؛ يعني: ما يجري في الدنيا ممَّا يحبه الله غير ملعون، والباقي ملعون؛ أي: مطرودٌ مبغوض عند الله. * * * ٤٠١٩ - وعن سهل بن سعد قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لو كانَت الدُّنيا تَعْدِلُ عندَ الله جناحَ بعوضةٍ ما سقَى كافرًا منها شربةَ ماءٍ". قوله: "تعدل"؛ أي: تَزِنُ وتقابل؛ يعني: لو كان للدنيا وقعٌ وقَدْرٌ عند الله بقدر جناح بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربة؛ لأن الكافر عدو، ولا يُعطى العدو إلا من الشيء الخسيس الذي لا يلتفت إليه من حقارته. * * * ٤٠٢٠ - عن ابن مَسْعودٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تَتَّخِذوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا في الدُّنيا". قوله: "لا تتخذوا الضيعة (١) "، (الضيعة): البستان والمزرعة؛ يعني:

стр. 2416

لا تحصِّلوا البساتين والمزارع، فإنكم لو حصَّلتم واحدًا لحرصتم على طلب الزيادة، ولا تشبعوا حينئذ من الدنيا. * * * ٤٠٢١ - وقال: "مَن أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بآخِرَتهِ، ومَن أَحَبَّ آخرَتَهُ أَضَرَّ بدنياهُ، فآثِروا ما يَبْقَى على ما يَفْنَى". قوله: "أضر بآخرته"، (الإضرار): إيصال النقصان والمضرة إلى أحدٍ، ويَعدَّى بالباء؛ يعني: مَن أحب دنياه نقص درجته في الآخرة؛ لأنه يشتغل ظاهره وباطنه بالدنيا، فلا يكون له فراغه لطاعة الله. روى هذا الحديث أبو موسى. * * * ٤٠٢٣ - عن ابن كَعْبِ بن مالكٍ، عن أبيه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ما ذِئبانِ جائعانِ أُرْسِلا في غَنَمٍ بأَفْسَدَ لها مِن حِرْصِ المَرْءِ على المالِ والشَّرَفِ لدينِهِ". قوله: "بأفسد لها" الضمير في (لها) يرجع إلى (الغنم)، وهو مؤنث لأنه جمع في المعنى. "من حرص المرء على المال والشرف لدينه"، (والشرف) معطوفٌ على "المال"؛ أي: حرص المرء على المال وحرصه على الشرف؛ أي: على المنصب والجاه؛ يعني: حرصُ المرء على المال والشرف أكثر إفسادًا لدينه من إفساد الذئبين للغنم. * * *

стр. 2417

٤٠٢٤ - عن خَبَّابٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "ما أَنْفَقَ المُؤْمِنُ مِن نَفَقَةٍ إلا أُجِرَ فيها، إلاّ نَفَقَتَهُ في هذا التُّرابِ". قوله: "إلا نفقته في هذا التراب"؛ يعني: إلا صَرْفَه مالَه في بناء البيوت والقصور، والزيادةِ على قَدْرِ حاجته؛ يعني: صرفُ المال في البناء الذي يبنيه للزينة والمفاخرة لا للحاجة لا يكون له فيه ثواب. * * * ٤٠٢٧ - عن أبي هاشم بن عُتبة قال: عَهِدَ إليَّ رسولُ الله ﷺ قال: "إنَّما يَكْفيكَ مِن جَمْعِ المالِ خادِمٌ ومَركَبٌ في سبيلِ الله". قوله: "عهد إلي"؛ أي: أوصاني. * * * ٤٠٢٨ - عن عُثْمانَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ليسَ لابن آدَمَ حقٌّ في سِوَى هذه الخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُه، وثَوْبٌ يُوَارِي بهِ عَوْرَتَهُ، وجِلْفُ الخُبْزِ والماءِ". قوله: "جلف الخبز"، (الجلف) بكسر الجيم وسكون اللام: الظرف؛ يعني: ينبغي له أن يطلب بيتًا وثوبًا وظرفًا يضع فيه الخبز. "والماء"؛ يعني: لا ينبغي له أن يضيع عمره في تحصيل المال، إلا ما لا بد له منه. قوله: "يواري"؛ أي: يستره. * * * ٤٠٢٩ - عن سَهْلِ بن سَعْدٍ قال: جاءَ رَجُلٌ فقال: يا رسولَ الله! دُلَّني

стр. 2418

على عَمَلٍ إذا أنا عَمِلْتُهُ أَحَبني الله وأَحَبني النَّاسُ، قال: "ازهَدْ في الدُّنيا يُحِبَّكَ الله، وازهَدْ فيما عندَ الناسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ". قوله: "ازهد في الدنيا"؛ أي: كن تاركًا للدنيا ومُعْرِضًا عنها، (زهد في الأمر): إذا أعرض عنه، و (زهد عن الأمر): إذا مال إليه، بخلافِ رَغِبه، فإن لفظة (رَغِبَ) إذا كان بعدها (في) معناه: مال إليه، وإذا كان بعدها "عن" معناه: أعرض عنه. * * * ٤٠٣٠ - عن ابن مَسْعودٍ: أن رسولَ الله ﷺ نامَ على حَصيرٍ، فقامَ وقد أَثَّرَ في جَسَدِهِ، فقال ابن مَسْعودٍ: يا رسولَ الله! لو أَمَرْتَنا أن نَبْسُطَ لكَ ونَعْمَلَ، فقالَ: "ما لِي وللدُّنيا، وما أنا والدُّنيا إلا كَراكِبٍ استَظَلَّ تحتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ راحَ وتركَها". قوله: "لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل"؛ يعني: لو أذنت لنا أن نبسط لك فراشًا لينًا لطيفًا، ونعمل لك ثوبًا حسنًا وبيتًا حسنًا، يكون لك أحسن وأطيب من اضطجاعك على هذا الحصير الخشن. "ما لي وللدنيا" يجوز أن تكون (ما) للنفي؛ يعني: ليس لي ألفةٌ ومحبة مع الدنيا، ولا للدنيا ألفة ومحبة معي حتى أرغب فيها وأجمعَ ما فيها، ويجوز أن تكون للاستفهام؛ يعني: أيُّ ألفةٍ ومحبة لي مع الدنيا حتى أرغب فيها؟ * * * ٤٠٣١ - وعن أبي أُمامَةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "أَغْبَطُ أوليائي عِنْدي لَمُؤْمِنٌ خَفيفُ الحَاذِ، ذو حَظٍّ مِن الصَّلاةِ، أَحْسَنَ عِبادَةَ ربهِ وأطاعَهُ في السِّرِّ، وكانَ

стр. 2419

غامِضًا في النّاسِ لا يُشَارُ إليه بالأَصابعِ، وكانَ رزقُهُ كَفَافًا، فصَبَر على ذلكَ"، ثم نَقَرَ بيدِهِ فقال: "عُجِّلَتْ مَنِيَّتُه، وقَلَّتْ بواكيهِ، وقَلَّ تُرَاثُه". قوله: "أغبطُ أوليائي"، (الأغبط): الذي حالُه أحسنُ وأربحُ من حال غيره؛ يعني بـ (أوليائي): الصالحين، والصالحون كلُّهم أحسن الحال، ولكن أحسنهم حالاً مَن هو موصوفٌ بما وُصف في هذا الحديث. "خفيف الحاذ" قال في "صحاح اللغة": فلان خفيفُ الحاذ؛ أي: ضعيفُ الظهر؛ يعني: مَن ليس له كثرةُ عيال وكثرة شغل. "غامضًا"؛ أي: مستورًا عن الناس لا يعرفه الناس، فإن الصالح إذا عرفه الناس يفتنونه، بأن يجتمعوا عليه ويحمدونه، فربما يظهر في نفسه غرور ورياء. "ثم نقر بيده"، (نقر) بالراء المهملة: صوت ضرب بيده؛ يعني: ثم ضرب رسول الله ﷺ إبهامَه بوسطاه حتى سُمع منه صوت. وهذا فعلُ مَن تعجَّب مِن شيء، أو رأى شيئًا حسنًا، أو أظهر عن نفسه قلة المبالاة بشيء وقلة الحزن، أو أظهر طربًا؛ يعني: مَن كانت هذه صفته، بمنزلة أن يُتعجَّب من حُسن حاله وقلة حزنه وقلة مبالاته بالدنيا وكثرة طربه وفرحه. "عجِّلت منيته"؛ أي: كان قبضُ روحه سهلاً؛ لأن بعض الناس يكون قبض روحه شديدًا؛ لالتفاته إلى ما تَرك في الدنيا من المال والعيال والأحباب، وطيبِ العيش، والمساكن الرفيعة. "قلَّت بواكيه"، (البواكي): جمع باكية، وهي المرأة التي تبكي على الميت؛ يعني: قلت عياله، وإذا قلَّت عياله قلَّ التفاتُ خاطره إلى الدنيا. "التراث": الميراث. * * *

стр. 2420

٤٠٣٢ - وقال: "عَرَضَ عليَّ رَبي لِيَجْعَلَ لي بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فقلتُ: لا يا رَبِّ! ولكنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وأَجُوعُ يومًا، فإذا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إليكَ وذكرتُكَ، وإذا شَبعْتُ حَمِدْتُكَ وشَكَرْتُك". قوله: "بطحاء مكة"، البطحاء والأبطح: مسيل الماء، ويريد النبي ﷺ ببطحاء مكة: عرصة مكة وصحاريها. * * * ٤٠٣٣ - عن عبدِ الله بن مِحْصَنٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أَصْبَحَ منكم آمِنًا في سِرْبه، مُعَافًى في جَسَدِهِ، عِنْدَه قُوتُ يومِهِ، فكأنَّما حِيزَتْ له الدُّنيا بحَذافيرِها"، غريب. قوله: "آمنًا فَي سِربه"، (السِّرب) بكسر السين: النفس والجماعة؛ يعني: من كانت نفسه آمنةً من شر الأشرار، وأهلُه أيضًا آمنين، "معافى في جسده"؛ أي: صحيحًا بدنُه، سليمًا من العيوب والآفات، "حِيزَ"؛ أي: جُمِعَ. * * * ٤٠٣٤ - وعن المِقْدَامِ بن مَعْدِ يْكَرِبَ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما ملأَ آدميٌّ وِعَاءً شرًّا مِن بَطْنٍ، بحَسْبِ ابن آدَم أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كانَ لا مَحالةَ، فثُلُثٌ طَعامٌ، وثُلُثٌ شرَابٌ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ". قوله: "يقمن صلبه"، (يقمن): ضمير جماعة مؤنَّثٌ يرجع إلى الأُكُلات، وهو من (أقام): إذا حفظ شيئًا عن السقوط. "الأُكُلات": جمع أُكْلة وهي اللقمة؛ يعني: لا بد للإنسان من قوتٍ يَقُوتُه ويحفظه عن أن يَضعف.
следующие страницы →