لا تحصِّلوا البساتين والمزارع، فإنكم لو حصَّلتم واحدًا لحرصتم على طلب الزيادة، ولا تشبعوا حينئذ من الدنيا.
* * *
٤٠٢١ - وقال: "مَن أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بآخِرَتهِ، ومَن أَحَبَّ آخرَتَهُ أَضَرَّ بدنياهُ، فآثِروا ما يَبْقَى على ما يَفْنَى".
قوله: "أضر بآخرته"، (الإضرار): إيصال النقصان والمضرة إلى أحدٍ، ويَعدَّى بالباء؛ يعني: مَن أحب دنياه نقص درجته في الآخرة؛ لأنه يشتغل ظاهره وباطنه بالدنيا، فلا يكون له فراغه لطاعة الله.
روى هذا الحديث أبو موسى.
* * *
٤٠٢٣ - عن ابن كَعْبِ بن مالكٍ، عن أبيه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ما ذِئبانِ جائعانِ أُرْسِلا في غَنَمٍ بأَفْسَدَ لها مِن حِرْصِ المَرْءِ على المالِ والشَّرَفِ لدينِهِ".
قوله: "بأفسد لها" الضمير في (لها) يرجع إلى (الغنم)، وهو مؤنث لأنه جمع في المعنى.
"من حرص المرء على المال والشرف لدينه"، (والشرف) معطوفٌ على "المال"؛ أي: حرص المرء على المال وحرصه على الشرف؛ أي: على المنصب والجاه؛ يعني: حرصُ المرء على المال والشرف أكثر إفسادًا لدينه من إفساد الذئبين للغنم.
* * *
стр. 2417
٤٠٢٤ - عن خَبَّابٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "ما أَنْفَقَ المُؤْمِنُ مِن نَفَقَةٍ إلا أُجِرَ فيها، إلاّ نَفَقَتَهُ في هذا التُّرابِ".
قوله: "إلا نفقته في هذا التراب"؛ يعني: إلا صَرْفَه مالَه في بناء البيوت والقصور، والزيادةِ على قَدْرِ حاجته؛ يعني: صرفُ المال في البناء الذي يبنيه للزينة والمفاخرة لا للحاجة لا يكون له فيه ثواب.
* * *
٤٠٢٧ - عن أبي هاشم بن عُتبة قال: عَهِدَ إليَّ رسولُ الله ﷺ قال: "إنَّما يَكْفيكَ مِن جَمْعِ المالِ خادِمٌ ومَركَبٌ في سبيلِ الله".
قوله: "عهد إلي"؛ أي: أوصاني.
* * *
٤٠٢٨ - عن عُثْمانَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ليسَ لابن آدَمَ حقٌّ في سِوَى هذه الخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُه، وثَوْبٌ يُوَارِي بهِ عَوْرَتَهُ، وجِلْفُ الخُبْزِ والماءِ".
قوله: "جلف الخبز"، (الجلف) بكسر الجيم وسكون اللام: الظرف؛
يعني: ينبغي له أن يطلب بيتًا وثوبًا وظرفًا يضع فيه الخبز.
"والماء"؛ يعني: لا ينبغي له أن يضيع عمره في تحصيل المال، إلا ما لا بد له منه.
قوله: "يواري"؛ أي: يستره.
* * *
٤٠٢٩ - عن سَهْلِ بن سَعْدٍ قال: جاءَ رَجُلٌ فقال: يا رسولَ الله! دُلَّني
стр. 2418
على عَمَلٍ إذا أنا عَمِلْتُهُ أَحَبني الله وأَحَبني النَّاسُ، قال: "ازهَدْ في الدُّنيا يُحِبَّكَ الله، وازهَدْ فيما عندَ الناسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ".
قوله: "ازهد في الدنيا"؛ أي: كن تاركًا للدنيا ومُعْرِضًا عنها، (زهد في الأمر): إذا أعرض عنه، و (زهد عن الأمر): إذا مال إليه، بخلافِ رَغِبه، فإن لفظة (رَغِبَ) إذا كان بعدها (في) معناه: مال إليه، وإذا كان بعدها "عن" معناه: أعرض عنه.
* * *
٤٠٣٠ - عن ابن مَسْعودٍ: أن رسولَ الله ﷺ نامَ على حَصيرٍ، فقامَ وقد أَثَّرَ في جَسَدِهِ، فقال ابن مَسْعودٍ: يا رسولَ الله! لو أَمَرْتَنا أن نَبْسُطَ لكَ ونَعْمَلَ، فقالَ: "ما لِي وللدُّنيا، وما أنا والدُّنيا إلا كَراكِبٍ استَظَلَّ تحتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ راحَ وتركَها".
قوله: "لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل"؛ يعني: لو أذنت لنا أن نبسط لك فراشًا لينًا لطيفًا، ونعمل لك ثوبًا حسنًا وبيتًا حسنًا، يكون لك أحسن وأطيب من اضطجاعك على هذا الحصير الخشن.
"ما لي وللدنيا" يجوز أن تكون (ما) للنفي؛ يعني: ليس لي ألفةٌ ومحبة مع الدنيا، ولا للدنيا ألفة ومحبة معي حتى أرغب فيها وأجمعَ ما فيها، ويجوز أن تكون للاستفهام؛ يعني: أيُّ ألفةٍ ومحبة لي مع الدنيا حتى أرغب فيها؟
* * *
٤٠٣١ - وعن أبي أُمامَةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "أَغْبَطُ أوليائي عِنْدي لَمُؤْمِنٌ خَفيفُ الحَاذِ، ذو حَظٍّ مِن الصَّلاةِ، أَحْسَنَ عِبادَةَ ربهِ وأطاعَهُ في السِّرِّ، وكانَ
стр. 2419
غامِضًا في النّاسِ لا يُشَارُ إليه بالأَصابعِ، وكانَ رزقُهُ كَفَافًا، فصَبَر على ذلكَ"، ثم نَقَرَ بيدِهِ فقال: "عُجِّلَتْ مَنِيَّتُه، وقَلَّتْ بواكيهِ، وقَلَّ تُرَاثُه".
قوله: "أغبطُ أوليائي"، (الأغبط): الذي حالُه أحسنُ وأربحُ من حال غيره؛ يعني بـ (أوليائي): الصالحين، والصالحون كلُّهم أحسن الحال، ولكن أحسنهم حالاً مَن هو موصوفٌ بما وُصف في هذا الحديث.
"خفيف الحاذ" قال في "صحاح اللغة": فلان خفيفُ الحاذ؛ أي: ضعيفُ الظهر؛ يعني: مَن ليس له كثرةُ عيال وكثرة شغل.
"غامضًا"؛ أي: مستورًا عن الناس لا يعرفه الناس، فإن الصالح إذا عرفه الناس يفتنونه، بأن يجتمعوا عليه ويحمدونه، فربما يظهر في نفسه غرور ورياء.
"ثم نقر بيده"، (نقر) بالراء المهملة: صوت ضرب بيده؛ يعني: ثم ضرب رسول الله ﷺ إبهامَه بوسطاه حتى سُمع منه صوت.
وهذا فعلُ مَن تعجَّب مِن شيء، أو رأى شيئًا حسنًا، أو أظهر عن نفسه قلة المبالاة بشيء وقلة الحزن، أو أظهر طربًا؛ يعني: مَن كانت هذه صفته، بمنزلة أن يُتعجَّب من حُسن حاله وقلة حزنه وقلة مبالاته بالدنيا وكثرة طربه وفرحه.
"عجِّلت منيته"؛ أي: كان قبضُ روحه سهلاً؛ لأن بعض الناس يكون قبض روحه شديدًا؛ لالتفاته إلى ما تَرك في الدنيا من المال والعيال والأحباب، وطيبِ العيش، والمساكن الرفيعة.
"قلَّت بواكيه"، (البواكي): جمع باكية، وهي المرأة التي تبكي على الميت؛ يعني: قلت عياله، وإذا قلَّت عياله قلَّ التفاتُ خاطره إلى الدنيا.
"التراث": الميراث.
* * *
стр. 2420
٤٠٣٢ - وقال: "عَرَضَ عليَّ رَبي لِيَجْعَلَ لي بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فقلتُ: لا يا رَبِّ! ولكنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وأَجُوعُ يومًا، فإذا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إليكَ وذكرتُكَ، وإذا شَبعْتُ حَمِدْتُكَ وشَكَرْتُك".
قوله: "بطحاء مكة"، البطحاء والأبطح: مسيل الماء، ويريد النبي ﷺ ببطحاء مكة: عرصة مكة وصحاريها.
* * *
٤٠٣٣ - عن عبدِ الله بن مِحْصَنٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أَصْبَحَ منكم آمِنًا في سِرْبه، مُعَافًى في جَسَدِهِ، عِنْدَه قُوتُ يومِهِ، فكأنَّما حِيزَتْ له الدُّنيا بحَذافيرِها"، غريب.
قوله: "آمنًا فَي سِربه"، (السِّرب) بكسر السين: النفس والجماعة؛ يعني: من كانت نفسه آمنةً من شر الأشرار، وأهلُه أيضًا آمنين، "معافى في جسده"؛ أي: صحيحًا بدنُه، سليمًا من العيوب والآفات، "حِيزَ"؛ أي: جُمِعَ.
* * *
٤٠٣٤ - وعن المِقْدَامِ بن مَعْدِ يْكَرِبَ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما ملأَ آدميٌّ وِعَاءً شرًّا مِن بَطْنٍ، بحَسْبِ ابن آدَم أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كانَ لا مَحالةَ، فثُلُثٌ طَعامٌ، وثُلُثٌ شرَابٌ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ".
قوله: "يقمن صلبه"، (يقمن): ضمير جماعة مؤنَّثٌ يرجع إلى الأُكُلات، وهو من (أقام): إذا حفظ شيئًا عن السقوط.
"الأُكُلات": جمع أُكْلة وهي اللقمة؛ يعني: لا بد للإنسان من قوتٍ يَقُوتُه ويحفظه عن أن يَضعف.
стр. 2421
"فإن كان لا محالة"؛ يعني: فإن كان لا بد من أن يملأ بطنه ولا يشبع بأدنى قوتٍ فليملأ ثلثَ بطنه بالطعام، وثلثه بالماء، ويترك ثلثه خاليًا لخروج النَّفَس.
* * *
٤٠٣٥ - وعن ابن عُمَرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَتَجَشَّأُ فقال: "أَقْصِرْ مِن جُشَائكَ، فإنَّ أطولَ النَّاسِ جُوْعًا يومَ القِيامةِ أطولُهم شِبَعًا في الدُّنْيا".
قوله: "يتجشأ"؛ أي: يُخرج الجشاءَ من صدره، و (الجشاء): ريحٌ يخرج عن الصدر عند امتلاء المعدة من الطعام.
* * *
٤٠٣٦ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ لكلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وفِتْنَةُ أُمَّتي المالُ".
قوله: "إن لكل أمة فتنة"، (الفتنة) ها هنا: ما يوقع أحدًا في الضلالة أو المعصية.
روى هذا الحديث كعب بن عياض.
* * *
٤٠٣٧ - عن أنسٍ، عن النَّبيَّ ﷺ قال: "يُجَاءُ بابن آدَمَ يومَ القِيامَةِ كأنَّه بَذَجٌ، فيُوقَفُ بينَ يدي الله، فيقولُ له: أَعْطَيتُكَ وخَوَّلتُكَ وأنعمتُ عليكَ، فما صَنَعْتَ؟ فيقولُ: رَبِّ! جَمَّعتُهُ وثَمَّرتُهُ فَتَركْتُه أكثَر ما كانَ، فارجِعْنى آتِكَ بهِ كلِّه، فيقولُ لهُ: أَرِني ما قدَّمْتَ، فيقولُ: ربِّ! جَمَّعتُه وثَمَّرتُه فتركتُه أكثَر ما كانَ، فَارْجِعْنِي آتِكَ بهِ كلِّه، فإذا عَبْدٌ لم يُقَدِّمْ خَيْرًا فيُمضَى بهِ إلى النَّارِ"، ضعيف.
قوله: "يجاء بابن آدم" يريد شخصًا واحدًا، وليس المراد بابن آدم هنا
стр. 2422
جميعَ ولد آدم.
"كأنه بذج"، (البذج): معرَّبٌ، وأصله بالفارسي: بره؛ أي: ولد الضأن، يريد بهذا الكلام بأنه كبَذَجٍ في الحقارة.
"خوَّلتك" بالخاء المعجمة؛ أي: جعلتك ملكًا على بعض الناس، ومالكًا لبعض الأموال والدُّور والقصور والبساتين والمزارع.
"وثمرتك"، (التثمير): تكثير المال.
* * *
٢ - باب فضلِ الفُقَراءِ وما كانَ من عَيْشِ النَّبيِّ ﷺ -
(باب فضل الفقراء)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٤٠ - قال رسولَ الله ﷺ : "رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفوعٍ بالأَبوابِ لو أَقسمَ على الله لأبَرَّهُ".
"رب أشعث"؛ أي: ربَّ رجلٍ متفرِّقِ شعر الرأس، "مدفوع بالأبواب"؛ أي: يُدفع من الأبواب أن يدخلها من غاية حقارته في نظر الناس؛ يعني: رب رجلٍ فقيرٍ حقيرٍ عند الناس "لو أقسم على الله لأبره"؛ يعني: لو قال: بعزتك يا رب افعل كذا وكذا، لفعل الله ذلك حتى يبر قسمه من غاية عزته عند الله.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
стр. 2423
٤٠٤١ - وقال: "هل تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلا بِضُعفَائِكُم؟ ".
قوله: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم"؛ يعني: يحصل لكم النصرة على أعدائكم ويحصل لكم أرزاقكم ببركة الفقراء والضعفاء فأكرِموهم.
روى هذا الحديث سعد بن أبي وقاص.
* * *
٤٠٤٢ - وقال: "قُمْتُ على بابِ الجَنَّةِ، فكانَ عامَّةُ مَن دَخَلَهَا المَساكينُ، وأصحابُ الجَدِّ مَحبُوسُونَ، غيرَ أنَّ أصحابَ النارِ قد أُمِرَ بهم إلى النَّارِ، وقُمْتُ على بابِ النَّارِ، فإذا عامَّةُ مَن دَخَلَهَا النِّساءُ".
قوله: "فكان عامة من دخلها المساكين"؛ يعني: أكثر من دخلها المساكين.
"وأصحاب الجد محبوسون"، (الجد): العظمة، وقد يكون بمعنى المال؛ يعني: أصحاب المناصب والمال محبوسون في العرصات لطول حسابهم، والمساكين يدخلون الجنة.
قيل: الجنةُ مكافأةٌ لهم عن فقرهم في الدنيا، ولأن طول الحساب من كثرة المال والتلذُّذ في الدنيا، وليس لهم مالٌ وتلذذٌ ومنصبٌ في الدنيا حتى يُحبسوا في القيامة لأجل الحساب.
"غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار"؛ يعني: أصحاب الجد محبوسون مَن كان منهم مسلمًا، وأما الكفار لا يوقفون في العرصات، بل يؤمرون بدخول النار.
روى هذا الحديث أسامة بن زيد.
* * *
٤٠٤٣ - وقال: "اطَّلَعتُ في الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أكثرَ أَهْلِها الفُقَراءَ, واطَّلَعْتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ".
стр. 2424
قوله: "فرأيت أكثر أهلها النساء" وعلة كون النساء أكثر أهل النار قد ذُكرت في أول الكتاب في قوله: "أُريتكن أكثر أهل النار".
روى هذا الحديث ابن عباس.
* * *
٤٠٤٤ - وقال: "إنَّ فُقَراءَ المُهاجِرينَ يَسبقونَ الأَغْنياءَ يومَ القِيامةِ إلى الجَنَّةِ بأربعينَ خَرِيفًا".
قوله: "بأربعين خريفًا"، (الخريف): السنة.
روى هذا الحديث عبد الله بن عمر.
* * *
٤٠٤٥ - عن سهلِ بن سَعْدٍ قال: مرَّ رَجُلٌ على رَسولِ الله ﷺ فقالَ لرَجُلٍ عِنْدَه جالسٍ: "ما رأيُكَ في هذا؟ " فقال: رجلٌ مِن أَشْرافِ الناسِ، هذا والله حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشفَّعَ، قال: فَسَكَتَ رسولُ الله ﷺ ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فقالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "ما رأيُكَ في هذا؟ " فقالَ: يا رسولَ الله! هذا رَجُلٌ مِن فُقَراءِ المُسلِمينَ، هذا حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ لا يُنكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ لا يُشفَّعَ، وإنْ قالَ أنْ لا يُسْمَعَ لقولِهِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هذا خيرٌ مِن ملءِ الأرضِ مِن مثلِ هذا".
قوله: "ما رأيك في هذا"؛ يعني: ما ظنك بهذا، أتظنُّه خيرًا أم شرًا؟.
"حري"؛ أي: جديرٌ وحقيقٌ "إن خطب"؛ أي: طلب تزوُّج امرأة.
"أن يشفَّع" بضم الياء وفتح الفاء وتشديدها؛ أي: تُقبل شفاعته.
"أن لا يسمع لقوله"؛ أي: لا يَستمع أحد لكلامه، ولا يلتفت إليه أحد، من غاية فقره وحقارته.
стр. 2425
٤٠٤٨ - عن أنسٍ: أنه مَشَى إلى النَّبيِّ ﷺ بخُبْزِ شَعيرٍ وإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، ولقد رَهَنَ النَّبيُّ ﷺ دِرْعًا بالمَدينةِ عندَ يهوديٍّ وأخذَ منهُ شَعيرًا لأَهْلِهِ، ولقد سَمِعْتُه يقولُ: ما أَمْسَى عندَ آلِ مُحَمَّدٍ صاعُ بُرٍّ ولا صاعُ حَبٍّ، وإنَّ عِنْدَه لَتِسعَ نِسْوَةٍ.
قوله: "وإهالةٍ سَنِخَةٍ"، (الإهالة): الوَدَك، (السَّنِخَة): المتغيرة.
قوله: "ولقد سمعته" التاء في (سمعت) ضميرُ مَن سَمِعَ هذا الحديث عن أنس، والضمير المذكور الغائب في (سمعته) ضمير أنس.
"ما أمسى عند آل محمد"؛ يعني: لم يكن يدَّخر القوتَ في الليل للغداة، والواو في "وإن عنده" واوُ الحال.
* * *
٤٠٤٩ - وقال عُمَرُ ﵁: دَخَلْتُ على رَسولِ الله ﷺ ، فإذا هو مُضْطَجِعٌ على رِمالِ حَصيرٍ، ليسَ بينَهُ وبينَهُ فِرَاشٌ، قد أَثَّرَ الرِّمَالُ بجَنْبه، مُتَّكِئًا على وِسادةٍ من أَدَمٍ حَشْوُها ليفٌ، قلتُ: يا رسولَ الله! اُدْعُ الله فلْيُوَسِّعْ على أُمَّتِكَ، فإنَّ فارِسَ والرُّومَ قد وُسِّعَ عليهم، وهم لا يَعبُدونَ الله، فقال: "أَوَ في هذا أَنْتَ يا ابن الخطابِ! أُولئكَ قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيباتُهم في الحياةِ الدنيا".
وفي رِوايةٍ: "أَمَا تَرْضَى أنْ تكونَ لهُم الدُّنيا ولَنَا الآخِرَةُ؟ ".
قوله: "على رمال حصير"، (الرمال): جمع رَميلٍ، وهو بمعنى المَرْمُول وهو المنسوج، هذا هو الأصل، ولكن الرمال - مع أنه جمعٌ - يستعمل في الواحد، و (رمال الحصير) إضافة الجنس إلى النوع كـ (خاتم فضة)؛ أي: رمال من حصير لا من شيء آخر، والمراد برمال الحصير هنا: حصيرٌ منسوج من ورق النخل.
* * *
стр. 2426
٤٠٥٠ - عن أبي هُريرةَ قال: "لقد رأيتُ سَبْعينَ مِن أصحابِ الصُّفَّةِ، ما مِنهم رَجُلٌ عليه رِدَاءٌ، إِمَّا إزَارٌ وإمَّا كساءٌ، قد رَبطوا في أَعْناقِهم، فمِنْها ما يبلُغُ السَّاقَيْنِ، ومنها ما يَبْلُغُ الكَعْبينِ، فيَجمعَه بيدِه كراهِيةَ أنْ تُرَى عورتُه".
قوله: "ما منهم رجل عليه رداء"؛ يعني: لم يكن رجل منهم عليه رداءٌ وإزار، بل لم يكن له إلا إزارٌ واحدٌ يستر به عورته، أو كساءٌ واحد.
* * *
٤٠٥١ - وقال رَسولُ الله ﷺ : "إذا نَظَرَ أَحَدُكم إلى مَن فُضلَ عليهِ في المالِ والخَلْقِ، فلْيَنظرْ إلى مَن هو أَسْفَلَ منهُ".
قوله: "إذا انظر أحدكم ... " إلى آخره؛ يعني: إذا رأيتم من هو أكثر منكم مالاً وجبةً ولباسًا وجمالاً، فانظروا إلى مَن هو أقل منكم مالاً وجبة ولباسًا وجمالاً؛ لتعرفوا أن لله عليكم نعمًا كثيرة بالنسبة إلى مَن هو أقل منكم في المال وغيره.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٤٠٥٢ - وقال: "انظُرُوا إلى مَن هو أَسْفَلَ منكم، ولا تَنظُرُوا إلى مَن هو فَوْقَكم، فهوَ أَجْدرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله علَيْكم".
قوله: "انظروا إلى من هو أسفل منكم" هذا الحديث مثل الحديث المتقدم.
"أجدر"؛ أي: أحق وأولى "أن لا تزدروا"؛ أي: أن لا تحتقروا، (تزدروا) أصله: تَزْتَرِيُوا، قُلبت التاء دالاً لمجاورة الزاي، ونُقلت ضمة الياء إلى الراء، وحُذفت الياء لسكونها وسكون الواو.
стр. 2427
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٠٥٣ - قالَ رسولُ الله ﷺ : "أَبْشِروا يا مَعْشَرَ صَعَاليكِ المُهاجرينَ! بالنُّورِ التامِّ يومَ القيامةِ، تَدْخُلونَ الجَنَّةَ قبلَ أغنياءِ النَّاسِ بنصْفِ يَوْمٍ وذلكَ خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ".
قوله: "صعاليك المهاجرين"، (الصعاليك): جمع صعلوك وهو الفقير.
روى هذا الحديث أبو سعيد.
* * *
٤٠٥٤ - وقال: "يدخُلُ الفُقَراءُ الجَنَّةَ قبلَ الأَغْنياءِ بِخَمْسِ مِئَةِ عامٍ نصفِ يومٍ".
قوله: "بخمس مئة عام نصف يوم"، (نصف): مجرور على أنه عطفُ بيان، أو بدلٌ من قوله: (بخمس مئة عام)؛ يعني: خمس مئة عام هو نصف يوم من أيام القيامة.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٤٠٥٥ - عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "اللهمَّ! أَحْيني مِسْكينًا، وأَمِتْني مِسْكينًا، واحشُرْني في زُمْرةِ المَساكينِ"، فقالت عائِشَةُ: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: "إنَّهم يَدْخُلونَ الجَنَّةَ قبلَ أَغنِيائهم بأَرْبعينَ خَرِيفًا، يا عائِشةُ! لا تَرُدِّي المِسْكِينَ، ولو بِشِقِّ تمرةٍ، يا عائِشَةُ! أَحِبي المَساكينَ وقَرِّبيهم، فإنَّ الله يُقَرِّبُكِ يومَ القِيامةِ".
стр. 2428
قوله: "اللهم أحيني مسكينًا" هذا منه ﷺ تعليمٌ لأمته أن يعرفوا فضل الفقر وفضل الفقراء ليحبوهم ويجالسوهم؛ لينالهم بركتهم.
ويجوز أن يريد بهذا الحديث: أن يجعل قوته كفافًا ولا يشغله بالمال، فإن كثرة المال مذموم في حق المقرَّبين.
"بأربعين خريفًا"؛ أي: بأربعين سنة.
* * *
٤٠٥٦ - عن أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "ابغُونِي في ضُعَفَائِكُم، فإنَّما تُرْزَقُونَ وتُنصَرونَ بضُعَفائِكُم".
قوله: "ابغوني في ضعفائكم"؛ أي: اطلبوني في ضعفائكم؛ يعني: أنا صحب الضعفاء ورفيقُهم وجليسهم؛ لأن لهم فضلاً، فإذا كنت معهم فمَن أكرمَهم فقد أكرمني، ومن آذاهم فقد آذاني.
* * *
٤٠٥٧ - ورُوِيَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَستفتِحُ بصَعَاليكِ المُهاجِرينَ.
"يستفتح"؛ أي: يطلب الفتح من الله الكريم ببركة الفقراء المهاجرين.
روى هذا الحديث أمية بن عبد الله بن خالد بن أَسيد.
* * *
٤٠٥٨ - عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تَغْبطَنَّ فاجِرًا بنعْمَةٍ، فإنّكَ لا تَدري ما هوَ لاقٍ بعدَ مَوْتِه، إنَّ لهُ عندَ الله قاتِلًا لا يَموتُ"، يعني: النَّار.
стр. 2429
قوله: "لا تغبطن فاجرًا"؛ أي: لا تطلبن أن تكون مثل فاجر في النعمة الدنيوية، فإن نعمته عذابٌ يومَ القيامة، (الغبطة): أن يتمنى أحد أن يكون مثل أحد في المال أو غيره.
* * *
٤٠٥٩ - وقال: "الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وسَنَتُهُ، فإذا فارقَ الدُّنْيا فارقَ السِّجْنَ والسَّنَةَ".
قوله: "وسَنَتُه"؛ أي: قحطُه وشدة عيشه.
روى هذا الحديث عبد الله بن عمرو.
* * *
٤٠٦٠ - وعن قتادَةَ بن النُّعْمانِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا أَحَبَّ الله عَبْدًا حَماهُ الدُّنْيا كما يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحمِي سَقيمَهُ الماءَ".
قوله: "حماه الدنيا"؛ يعني: حفظه من مال الدنيا ومن المناصب وما يضر بدينه. "كما يظل"؛ أي: كما طفق.
* * *
٤٠٦٢ - عن عبدِ الله بن مُغَفَّلٍ قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إِنِّي أُحِبُّكَ، قالَ: "اُنظُرْ ما تقولُ"، فقالَ: والله إنِّي لأُحِبُّكَ، ثلاثَ مرَّاتٍ، قال: "إنْ كُنتَ صَادِقًا فأَعِدَّ لِلفَقْرِ تِجْفافًا، لَلْفَقْرُ أَسْرعُ إلى مَنْ يُحِبني مِنَ السَّيْلِ إلى مُنْتهَاهُ"، غريب.
قوله: "انظر ما تقول"؛ يعني: فكِّر فيما تقول من أنك تحبني: أنت صادق في هذا الدعوى أم لا؟.
"فأعد"؛ أي: فهيئ.
стр. 2430
"التجفاف": شيء يلبس لدفع السلاح؛ يعني: كما أن الفارس يُهيئ أسباب المحاربة، فكذلك مَن يدعي محبتي لِيُهيئْ نفسه للفقر والمشقة، فإنه لا بد من دخول الفقر إلى مَن يحبني.
* * *
٤٠٦٣ - عن أنسٍ قال: قال رَسولُ الله ﷺ : لقدْ أُخِفْتُ في الله وما يُخافُ أَحَدٌ، ولقدْ أُوذِيْتُ في الله وما يُؤْذَى أَحَدٌ، ولقدْ أتَتْ عليَّ ثلاثونَ منْ بينِ ليلةٍ ويَوْمٍ وما لِي ولِبلالٍ طَعامٌ يأْكلُهُ ذُو كَبدٍ، إلا شَيءٌ يُوارِيهِ إبْطُ بِلالٍ".
قوله: "أخفت في الله"، (أخفت): ماض مجهول من (أخاف) بمعنى: خوَّف؛ يعني: كنت وحيدًا في ابتداء إظهاري (١) الدين، فخوَّفني في ذلك وآذاني الكفار.
"في الله"؛ أي: في دين الله، ولأجل إظهار دينه، ولم يكن معي أحد يوافقني في تحمل أذية الكفار حينئذ.
"ولقد أتت علي ثلاثون من بين ليلة ويوم"؛ يعني: قد كان بعض الأوقات مر علي ثلاثون يومًا وليلة ولم يكن لي طعامٌ وكسوة، وكان في ذلك الوقت بلال رفيقي.
"إلا شيء يواريه إبط بلال"، (يواريه)؛ أي: يستره؛ يعني: ما لنا من الطعام إلا شيء قليلٌ بقَدْرِ ما يأخذه بلال تحت إبطه، ولم يكن لنا ظرف نضع الطعام فيه.
* * *
стр. 2431
٤٠٦٤ - عن أبي طَلْحَةَ قال: "شَكَونْا إلى رَسولِ الله ﷺ الجُوعَ، ورَفْعنا عنْ بُطونِنا عنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فرفعَ رسولُ الله ﷺ عنْ بَطْنِه عنْ حَجَرَيْنِ"، غريب.
قوله: "ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر" وعادة أصحاب الرياضة إذا اشتد جوعهم أن يربط كلُّ واحد منهم حجرًا على بطنه كي لا يسترخي وتنزل أمعاؤه، فيَشُقُّ عليه التحرك، فإذا ربط حجرًا على بطنه يشتد بطنه وظهره، فتسهل عليه الحركة، ومَن كان جوعه أشد يربط على بطنه حجرين، فكان رسول الله ﷺ أكثرهم جوعًا، وأشدَّهم رياضة، فربط على بطنه حجرين، وربط كل واحد منهم على بطنه حجرًا.
* * *
٤٠٦٦ - عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أَبيه، عن جَدِّه، عن رسولِ الله ﷺ قال: "خَصْلتانِ مَنْ كانتا فيهِ كتَبَهُ الله شاكِرًا صابرًا: مَنْ نَظَرَ في دِينِه إلى مَنْ هوَ فَوْقَهُ فاقْتَدَى بهِ، ونظَرَ في دُنْياهُ إلى مَنْ هوَ دُونَهُ، فحَمِدَ الله على ما فضَّلَهُ الله عليهِ؛ كتبَهُ الله شاكِرًا صابرًا، ومَنْ نظرَ في دِينِه إلى مَنْ هوَ دُونَهُ، ونظرَ في دُنْياهُ إلى مَنْ هو فَوْقَهُ، فأَسِفَ على ما فاتَهُ منهُ؛ لمْ يكتُبْهُ الله شاكِرًا ولا صابرًا".
قوله: "من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به"؛ يعني: من نظر في الأعمال الصالحة إلى مَن هو أكثر منه عبادةً ورياضةً وقناعةً (فاقتدى)؛ أي: فاجتهد أن يكون مثله في العبادة، وحرص على تحصيل عبادة ورياضة وقناعة مثله، ونظر في قلة المال إلى من هو أقل مالاً منه، فشكر على ما أعطاه الله من الفضل في المال على ذلك الفقير الذي هو أفقر منه.
فمن كانت هذه صفته كتبه الله شاكرًا صابرًا، ومن كان نظره على عكس
стр. 2432
هذا لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا.
"فأسف"؛ أي: فغضب وحزن على قلة ماله.
* * *
٣ - باب الأَمَلِ والحِرْصِ
(باب الأمل والحرص)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٦٧ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ ﵁ قال: خَطَّ النَّبيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وخَطَّ خَطًّا في الوَسَطِ خارِجًا منهُ، وخَطَّ خُطُوطًا صِغارًا إلى هذا الذي في الوَسَطِ من جانِبهِ الذِي في الوسَطِ فقال: "هذا الإِنسانُ، وهذا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بهِ، وهذا الذي هوَ خارجٌ أَمَلُهُ، وهذهِ الخُطُوطُ الصِّغارُ الأَعراضُ، فإنْ أخْطَأَهُ هذا نَهَشَهُ هذا، وإنْ أَخْطَأَهُ هذا نَهَشَهُ هذا".
قوله: "خط النبي ﷺ خطًا مربعًا" صورة هذه الخطوط: هي هذه:
الخط الوسط هو الإنسان، والخط المربع هو أجَلُه أحاط به بحيث لا يمكنه الفرار والخروج منه، والخطوط الصغار هي أعراضه؛ أي: الآفات والعاهات من المرض والجوع والعطش، وغيرها من العلل والحوادث، وهذه الأعراض متصلةٌ به، والقَدْرُ الخارج من المربع أمله؛ يعني: هو يظن أني أصل إلى أملي قبل الأجل فظنُّه خطأ، بل الأجل أقرب إليه من الأمل؛ يعني: يموت قبل أن يصل إلى أمله.
стр. 2433
قوله: "فإن أخطأه هذا نهشه هذا"، (أخطأه)؛ أي: تجاوزه، (نهشه)؛ أي: لدغه؛ يعني: فإن لم يصل إليه بعض هذه الأعراض، وصل إليه بعضٌ آخر.
* * *
٤٠٦٨ - وعن أنسٍ قال: خَطَّ النَّبيُّ ﷺ خُطُوطًا فقال: "هذا الأَمَلُ، وهذا أَجَلُهُ، فبينَما هو كذلكَ إذْ جاءَهُ الخَطُّ الأَقْرَبُ".
قوله: "فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب"، (الخط الأقرب): الأجل، والأبعد: الأمل؛ يعني: في الحالة التي هو يرجو أن يصل إلى أمله يأتيه الأجل قبل أن يصل إلى أمله.
* * *
٤٠٧١ - وقال: "أَعْذَرَ الله إلى امرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً".
قوله: "أعذر الله إلى امرئ" الهمزة هنا همزة الإزالة والسَّلْب؛ يعني: أزال الله عذرَ مَن بلغ في العمر إلى ستين سنة؛ يعني: إذا بلغ الرجل ستين سنة ولم يتب عن المعاصي، ولم يُصلح حاله، لم يبق له عذر؛ يعني: الشاب يقول في العرف: أنا شاب، إذا صرت أَشْيَبَ أتوب، والأشيب إذا لم يتب فماذا ينتظر؟.
* * *
من الحِسانِ:
٤٠٧٤ - عن عبدِ الله بن عَمْرٍو قال: مَرَّ بنا رَسولُ الله ﷺ وأنا وأُمِّي نُطينُ شَيْئًا فقال: "ما هذا يا عبدَ الله؟ " فقُلتُ: شَيءٌ نُصْلِحُهُ، قال: "الأَمْرُ أَسْرَعُ منْ ذلِك"، غريب.
стр. 2434
قوله: "نطين شيئًا"؛ أي: نصلح شيئًا من البيت بالطين.
"الأمر أسرع من ذلك"؛ يعني: الأجل أقرب من تخرُّق (١) هذا البيت؛ يعني: تصلح بيتك خشية أن ينهدم قبل أن تموت، وربما تموت قبل أن ينهدم البيت، فإذا كان كذلك فإصلاح عملك أولى من إصلاح بيتك.
* * *
٤٠٧٦ - عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "هذا ابن آدَمَ، وهذا أَجَلُهُ"، ووَضَعَ يدَهُ عندَ قَفَاهُ، ثُمَّ بَسَطَ فقال: "وثَمَّ أمَلُهُ".
قوله: "هذا ابن آدم وهذا أجله"؛ يعني: وضع يده على قفاه وقال: هذا أجله، ثم مَدَّ يده وأشار إلى موضع أبعد من قفاه وقال: هذا أمله، يعني: أجله أقرب إليه من أمله.
* * *
٤٠٧٧ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ غَرَزَ عُودًا بينَ يدَيهِ، وآخرَ إلى جَنْبهِ، وآخرَ أَبْعَدَ منهُ فقال: "هلْ تدرونَ ما هذا؟ " قالوا: الله ورسولُه أَعْلَمُ، قال: "هذا الإنسانُ، وهذا الأَجَلُ"، أُراهُ قال: "وهذا الأملُ، فيتَعاطَى الأَمَلَ، فَلَحِقَهُ الأَجَلُ دُونَ الأَمَلِ".
قوله: "فيتعاطى الأمل"، (التعاطي): التناول، أو مباشرة فعل؛ يعني: فبينما طفق يشتغل بعمارةِ ما يأمله من بيتٍ وبستانٍ وغيرِهما يأتيه الموت.
"دون"؛ أي: قبل أن يتم أمله.
* * *
стр. 2435
٤٠٧٨ - عن عبدِ الله بن الشِّخِّيرِ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مُثِّلَ ابن آدَمَ وإلى جَنْبه تِسعٌ وتِسعونَ مَنيّةً، إنْ أَخْطَأَتْهُ المنَايا وَقَعَ في الهَرَمِ".
قوله: "مثل ابن آدم ... " إلى آخره، ذُكر شرح هذا الحديث في آخر (باب عيادة المريض).
* * *
٤٠٨٠ - عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ "أَعْمارُ أُمَّتي ما بينَ السِّتينَ إلى السَّبْعينَ، وأقلُّهُم مَنْ يَجُوزُ ذلكَ".
قوله: "وأقلهم من يجوز ذلك"؛ يعني: أكثر أمتي يموتون إذا كان أعمارهم سبعين سنة أو أقل، وقليلٌ مَن يزيد عمره على سبعين سنة.
* * *
٤ - باب استِحبابِ المالِ والعُمُرِ للطَّاعةِ
(باب استحباب المال والعمر للطاعة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٨١ - قال رسولُ الله ﷺ : "لا حَسَدَ إلَاّ في اثنتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ الله القُرآنَ، فهوَ يقومُ بهِ آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ، ورجلٌ آتاهُ الله مالاً، فهوَ يُنفِقُ منه آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ".
قوله: "لا حسد إلا في اثنتين" ذكر شرح هذا الحديث في أول (كتاب العلم).
стр. 2436
روى هذا الحديث ابن عمر.
* * *
٤٠٨٢ - وقال: "إنَّ الله يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ".
قوله: "إن الله يحب العبد التقي" أولُ هذا الحديث: عن عامر بن سعد: أن سعدًا كان في إبله، فجاء ابنه عُمر بن سعد، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فنزل فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟! فضرب سعد في صدره فقال: اسكت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفيَّ".
أراد بالتقي: مَن لا يصرف ماله في المعاصي، وأراد بالخفي: مَن لا يتكبر على الناس، ولا يفخر بالمال، بل يجعل نفسه منكسرة من غاية التواضع.
وليس المراد بالخفي من يكتم ماله ولا يظهره، بل هذا مذموم، بل ليُظْهِرِ الرجلُ نعمةَ الله عليه؛ ليقصده المحتاجون لأخذ الزكاة والصدقات (١).
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٠٨٥ - وعن أبي كَبْشَةَ الأنْمارِيِّ: أنَّه سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ثلاثٌ أُقْسِمُ علَيهِنَّ، وأُحَدِّثُكُمْ حَديثًا فاحفَظُوهُ، فأمَّا الذي أُقسِمُ عليهِنَّ، فإنَّهُ ما نَقَصَ مالُ عَبْدٍ منْ صَدَقةٍ، ولا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عليها إلا زادَهُ الله بها عِزًا،
стр. 2437
ولا فَتَحَ عَبْدٌ بابَ مَسْأَلةٍ إلَاّ فتحَ الله عَلَيهِ بابَ فَقرٍ، وأمَّا الذي أُحَدِّثُكُمْ حديثًا فاحفَظُوه"، قال: "إنَّما الدُّنيا لأَرْبعةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ الله مالًا وعِلْمًا، فهوَ يَتَّقي فيهِ ربَّهُ، ويَصِلُ فيهِ رَحِمَهُ، ويَعملُ لله فيهِ بحقِّهِ، فهذا بأفضَلِ المنازِلِ، وعَبْدٍ رَزَقَهُ الله عِلْمًا ولمْ يرزُقْهُ مالاً، فهوَ صادِقُ النِّيَّةِ يقولُ: لوْ أنَّ لي مالاً لعَمِلتُ بعَمَلِ فُلانٍ، فهوَ ونِيَّتُهُ، فأَجْرُهُما سَواءٌ, وعَبْدٍ رَزَقَهُ الله مالاً ولمْ يَرزُقْهُ عِلْمًا، فهو يتخبَّطُ في مالِهِ بغيرِ عِلْمٍ، لا يتَّقي فيهِ ربَّهُ، ولا يَصِلُ فيهِ رَحِمَهُ، ولا يَعمَلُ فيهِ بحَقٍّ، فهذا بأَخبَثِ المنازِلِ، وعَبْدٍ لمْ يرزُقْهُ الله مالاً ولا عِلْمًا، فهوَ يقولُ: لوْ أنَّ لي مالاً لعمِلْتُ فيهِ بعَمَلِ فُلانٍ، فهوَ بنيَّتِهِ، فوِزْرُهُما سَواءٌ"، صحيح.
قوله: "فهو يتقي فيه ربه"؛ يعني: لا يصرف ماله في معصية، بل يجتنب ما لا يرضاه الله.
قوله: "ويعمل لله فيه بحقه"؛ أي: بحق المال، أو يؤدي ما في المال من الحقوق كالزكاة والكفارات وإطعام الضيف وغيرها، ويجوز أن يكون الضمير في حقه راجعًا إلى الله تعالى؛ أي: بحق الله الواجب في المال.
قوله: "وعبد رزقه الله علمًا" أراد بالعلم هنا: علمُ كيفية صرف المال في وجوه البر. "فأجرهما سواء"؛ أي: أجر القسم الأول والثاني؛ لأن الثاني كانت نيته صرفَ المال في وجوه الخير لو كان له مال، فهو يثاب بنيته كما يثاب صاحب المال ببذل المال في وجوه الخير.
"لعملت بعمل فلان"؛ يعني: يقول: لو كان لي مالٌ لصرفته فيما تشتهيه نفسي من لبس الملابس الفاخرة، واستماعِ الملاهي، وأكلِ الطيبات المحرَّمة، وغير ذلك من المناهي. "فهو بنيته"؛ أي: فهو يجد الإثم؛ أي: يكتب له إثم الذنب بنيته قَصْدَ الفساد.
"ووزرهما سواء"؛ يعني: القسم الثالث والرابع في الوزر سواء، كما أن
стр. 2438
الأول والثاني سواء في الأجر.
* * *
٤٠٨٧ - عن شَدَّادِ بن أَوْسٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "الكَيسُ مَنْ دانَ نفسَهُ وعَمِلَ لِما بعدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَنْ أتبَعَ نفسَهُ هَواها وتَمنَّى على الله تعالى".
قوله: "الكيس من دان نفسه"، (الكيس): العاقل ذو الحزم والاحتياط في الأمور. (وإن يَدين): إذا حاسب؛ يعني: الكيس مَن حاسب نفسه أنها عملت خيرًا أو شرًا، فإن عملت خيرًا يحمد الله، وإن عملت شرًا يلوم نفسه، ويتوب ويستغفر الله.
و (دان): إذا قهر؛ يعني: جعل نفسه مطيعة لأمر الله.
"والعاجز من أتبع نفسه هواها"؛ يعني بـ (العاجز): الذي غلبت عليه نفسه، وعمل ما أمرتْه به نفسه، فصار عاجزًا لنفسه، (وأتبع نفسه)؛ أي: وأعطى نفسه ما أرادت من المحرَّمات.
"وتمنى على الله"؛ أي: يذنب ويتمنى الجنة من غير توبة واستغفار.
* * *
٥ - باب التَّوَكلِ والصَّبرِ
(باب التوكل والصبر)
(التوكل): سكون القلب بمضمون الرب؛ أي (١): يطمئن القلب بما وعد الله
стр. 2439
من إيصال الرزق إلى العباد، وغيره مما قدَّر الله له.
* * *
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٨٨ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يدخُلُ الجَنَّةَ منْ أُمَّتي سَبعُونَ ألفًا بغيرِ حِسابٍ، هُمُ الذينَ لا يَسْتَرْقونَ، ولا يتَطيَّرونَ، وعلى ربهمْ يَتوَكَّلونَ".
قوله: "لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون"، (لا يستَرْقُون) أصله: لا يسترقيون، فأُسكنت الياء ونقلت ضمتها إلى القاف، وحذفت لسكونها وسكون الواو، ومعناه: لا يطلبون الرُّقية. وقد ذكر بحث التطيُّر في (باب الفأل والطيرة).
اعلم أن التوكل فرضٌ وشعبةٌ من شعب الإيمان، والتوكُّل نوعان: عام وخاص.
فالعام: ما يجب أن يكون في جميع المسلمين.
والخاص: ما يكون في الخواص من العباد.
فالعام: أن يعلم الرجل أنْ لا مؤثر إلا الله تعالى، ولا يؤثِّر شيء إلا بأمر الله، فالطعام لا يُشبع إلا بأمر الله، والماء لا يروي إلا بأمره، والأدوية لا تشفي إلا بأمره، والسم لا يقتل إلا بأمره، والنار لا تحرق إلا بأمره، وكذلك جميع الأشياء، ومن له هذا العلم والاعتقاد جاز له أن يتداوى ويسترقي، ويفر من عدو إلى قلعة، وجاز له أن يكتسب المال بالتجارة والحرف وغيرهما إذا علم أن الرازق هو الله تعالى، والكسبُ واسطةٌ كما أن التداوي واسطة للشفاء.
والتوكل الخاص: أن يترك الرجل التداويَ والاسترقاء؛ ليقينه بأنه لا يصيبه
стр. 2440
إلا ما كتب الله له من النفع والضر، والمراد بالتوكل في هذا الحديث هو التوكل الخاص.
* * *
٤٠٨٩ - عن ابن عبَّاسٍ قال: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ يومًا فقال: "عُرِضَتْ عليَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمرُّ النبي ومَعَهُ الرَّجُلُ، والنَّبيُّ ومَعَهُ الرَّجُلانِ، والنَّبيُّ ومَعَهُ الرَّهْطُ، والنبيُّ وليسَ مَعَهُ أَحَدٌ، فرأَيتُ سَوادًا كثيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَرجَوْتُ أنْ يكونَ أُمَّتي، فقيلَ: هذا موسَى في قومِهِ، ثُمَّ قيلَ لي: انظُرْ هكذا، فرأيتُ سَوادًا كثيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فقيلَ: انظُرْ هكذا وهكذا، فرأيتُ سَوادًا كثيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فقيلَ: هؤلاءِ أُمَّتُكَ، ومعَ هؤلاءِ سَبْعونَ ألفًا قُدَّامَهُمْ، يَدخُلونَ الجنَّةَ بغيرِ حِسابٍ؛ هُمُ الذينَ لا يَتطيَّرونَ، ولا يَسْتَرْقونَ، ولا يَكْتَوُونَ، وعلَى ربهمْ يتَوكَّلونَ"، فقامَ عُكَّاشَةُ بن مِحْصَنٍ فقالَ: ادعُ الله أنْ يَجعَلَني منهُمْ، فقال: "اللهمَّ! اجْعَلْهُ منهُمْ"، ثمَّ قامَ رَجُلٌ آخرُ فقال: ادعُ الله أنْ يَجعلَني منهُمْ، قال: "سَبقَكَ بها عُكَّاشَةُ".
قوله: "عرضت علي الأمم"؛ يعني: أراني الله الأنبياء وأممهم؛ لأرى كلَّ نبي ومَن تبعه ومن آمن به. "فجعل"؛ أي: فطفق "يمر النبي ومعه الرجل"؛ يعني: قد كان من الأنبياء من لا يؤمن به إلا واحد، ومنهم من لا يؤمن به إلا اثنان، ومنهم من لا يؤمن به أحد، ومنهم من آمن به جمعٌ.
"سدَّ الأفق"؛ أي: ستر الأفق من كثرته. "فقام رجل آخر" قيل: ذلك الرجل كان سعد بن عبادة.
قوله: "سبقك بها عكاشة"، (بها)؛ أي: بتلك المسألة، أو بتلك الدعوة، ومعنى هذا الكلام: أنه لم يؤذن لي أن أدعو بهذا الدعاء في هذا المجلس إلا لرجلٍ
стр. 2441
واحد، فدعوت لعكاشة به، ولم يؤذن لي أن أدعو في هذا المجلس لغيره، وهذا تحريض للناس على المسارعة في الخيرات، وطلبِ الأدعية الصالحة من الصلحاء؛ لأن للتأخير موانع.
* * *
٤٠٩١ - وقال: "المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأَحَبُّ إلى الله مِنَ المُؤْمنِ الضَّعيفِ، وفي كُلٍّ خيرٌ، اِحْرِصْ على ما ينفعُكَ، واستَعِنْ بالله ولا تَعْجِزْ، وإنْ أصابَكَ شيءٌ فلا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كذا كانَ كذا وكذا، ولكنْ قُلْ: قَدَّرَ الله وما شاءَ فَعَلَ، فإنَّ لوْ تفتحُ عَمَلَ الشَّيطانِ".
قوله: "المؤمن القوي خير وأحب"؛ يعني بـ (القوي): مَن صبر على مجالسة الناس، وتحمُّل أذيتهم، وتعليمهم الخير، وإرشادهم إلى الهدى، فهو أحب إلى الله من المؤمن الذي يفر من الناس، ولا ينفع إلا نفسَه.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٠٩٢ - عن عمرَ بن الخَطَّاب ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لوْ أنَّكُمْ تتوكَّلونَ على الله حَقَّ توكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كما يَرْزُقُ الطَّيرَ، تَغْدو خِماصًا، وتَرُوحُ بِطانًا".
قوله: "حق توكله"؛ يعني: لو اعتمدتم بالله اعتمادًا تامًا، وعلمتم أن الله لا يُخلف وعده فيما قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، لوصل إليكم رزقكم من غير حرفةٍ، وسعي منكم.
стр. 2442
"كما يرزق الله الطير تغدو"؛ أي: تمشي في أول النهار "خماصًا": جمع خميص، وهو الجائع، "وتروح"؛ أي: تمشي في آخر النهار "بطانًا": جمع بطين وهو الشبع.
وهذا الحديث ليس لمنع الناس عن الاكتساب والحرف، بل لتعليم الناس وتعريفهم أن الكسب ليس رازقًا، بل الرازق هو الله تعالى.
فإن قيل: لمَ خصَّ النبي ﷺ الطير بقوله: (كما يرزق الطير) مع أن الطير مشترِكةٌ بسائر الحيوانات غيرِ أولي العقل في عدم الاتِّجار والحرف والاكتساب، بل كما تسعى السباع والحشرات في طلب الرزق، فكذلك تسعى الطير في طلب الرزق؟.
قلنا: (تغدو وتروح) في هذا الحديث ليس معناهما الذهاب في وقت الغداة والرواح، بل (تغدو) معناه: تصبح؛ أي: يمر عليه الصباح، و (تروح)؛ أي: تمشي؛ أي: يمر عليها المساء؛ يعني: بعض الطيور يصل إليه رزقه بلا سعي منه.
قد حكي: أن النَّعَّاب - وهو فرخ الغراب - إذا خرج من البيض يكون أبيض، فإذا نظر إليه الغراب يرى لونه مخالفًا للون نفسه؛ لأن الغراب أسود، فينكر كونَه فرخَه، فيتركه ويذهب عنه، فيبقى الفرخ ضائعًا متحيرًا لا يقدر على الطيران في طلب الرزق، وليس له من يأتي إليه برزقه، فأرسل الله إليه الذباب والنمل، فيلتقط الذباب والنمل ويأكل، فيكون سببُ رزقه أكلَ الذباب والنمل حتى يكبر ويسودَّ لونه، فترجع أمه فتراه أسود، فتضمه إلى نفسها وتتعهده، فهذا طير يصل إليه رزقه من غير سعي منه.
هذا هو المراد في الحديث.
* * *
стр. 2443
٤٠٩٣ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أيُّها النَّاسُ! ليسَ مِنْ شيءٍ يُقرِّبُكُمْ إلى الجَنَّةِ ويُباعِدُكُمْ مِنَ النارِ إلَاّ قدْ أَمَرْتُكُمْ بهِ، وليسَ شيءٌ يُقرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ ويُباعِدُكُم مِنَ الجنَّةِ إلَاّ قدْ نَهيتُكُمْ عنهُ، وإنَّ الرُّوحَ الأَمينَ - ويُروى: وإنَّ رُوحَ القُدُسِ - نَفَثَ في رُوْعِي: أنَّ نَفْسًا لنْ تموتَ حتَّى تَستكمِلَ رِزْقَها، ألا فاتَّقُوا الله وأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّكُمُ استِبْطاءُ الرِّزْقِ أنْ تَطلُبوهُ بمَعاصِي الله، فإنَّهُ لا يُدرَكُ ما عِندَ الله إلَاّ بطاعتِهِ".
قوله: "نفث في رُوعي"؛ أي: نفخ في قلبي؛ أي: أوقع في قلبي
"وأَجْمِلوا في الطلب"؛ أي: أحسنوا في طلب الرزق؛ أي: اطلبوه من الحلال.
"ولا يحملنكم استبطاء الرزق"، (الاستبطاء): المكث والتأخير؛ يعني: لا تطلبوا الرزق من الحرام بأن يتأخَّر ويمكث إتيانُ رزقكم إليكم من الحلال، كما هو عادة جماعة من الناس، فإنهم يبيعون الخمر وآلات الملاهي، ويتعلمون اللعب والضرب بالملاهي، بسبب قلة ربحهم في الاكتساب من الحلال.
"ما عند الله"؛ أي: الجنة.
* * *
٤٠٩٤ - عن أبي ذَرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الزَّهادَةُ في الدُّنْيا ليستْ بتَحْريمِ الحَلالِ، ولا إِضَاعَةِ المالِ، ولكنِ الزَّهادَةُ في الدُّنْيا أنْ لا تكونَ بما في يَديْكَ أوْثَقَ مِمَّا في يَدَي الله، وأنْ تكونَ في ثَوابِ المُصيبَةِ إذا أَنْتَ أُصِبْتَ بها أرْغَبَ فيها لوْ أنَّها أُبقِيَتْ لكَ"، غريب.
قوله: "الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال"، (الزهادة في الدنيا)؛ يعني: عدم الرغبة في الدنيا ليس بأن تحرِّم حلالاً على نفسك، مثل أن لا تأكل اللحم، ولا تلبس ثوبًا جديدًا، بل هذا ليس بزهد، فإن الله تعالى قال:
стр. 2444
﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢].
"ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يدي الله"؛ يعني: ليكن اعتمادك بوعد الله من إيصال الرزق إليك أقوى وأشد مما في يديك من المال؛ فإن ما في يدك من المال يمكن تَلَفُه، وما وعد الله به لا يمكن خُلْفُه، بل يصل إليك البتة.
"لو أنها أُبقيت لك"؛ أي: لو أن تلك المصيبة منعت وأخرت عنك، هذا الكلام يحتمل شيئين:
أحدهما: أن يكون معناه: ينبغي أن تكون في وصول المصيبة أرغب من عدم وصولها إليك، ومن عدم تقدير وصول تلك المصيبة؛ لتجد ثواب المصيبة.
والثاني: أن يكون معناه: ينبغي أن تكون في وصول تعجيل مصيبةٍ مقدَّرة أرغبَ من تأخيرها مع أنها مقدَّرة أن تصل إليك في وقت آخر؛ لأن الزاهد في تعجيل نيل الثواب أرغب من تأخيره.
* * *
٤٠٩٥ - عن ابن عبَّاسٍ قال: "كُنْتُ خَلْفَ رسولِ الله ﷺ يَوْمًا، فقال: يا غلامُ! احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احفَظِ الله تَجِدْهُ تُجاهَكَ، إذا سَأَلْتَ فاسأَلِ الله، وإذا استَعَنْتَ فاستَعِنْ بالله، واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لو اجتَمَعَتْ على أنْ يَنفَعُوكَ بشيءٍ لمْ يَنفعوكَ إلا بشَيْءٍ قدْ كتبَهُ الله لك، ولو اجتمَعُوا على أنْ يَضرُّوكَ بشيءٍ لمْ يَضرُّوكَ إلا بشَيْءٍ قدْ كتبَهُ الله عليكَ، رُفِعَتْ الأَقْلامُ، وجَفَّتْ الصُّحُفُ".
قوله: "تجده تجاهك"؛ أي: تلقاءَك؛ يعني: فإذا حفظت الله يحفظْكَ
стр. 2445
وينصرك أينما توجَّهت من الأمور، ويسهل أمورك التي تقصدها.
"رفعت الأقلام وجفت الصحف"؛ يعني: كتب في اللوح المحفوظ ما كتب من التقديرات، ولا يكتب بعد الفراغ منه شيء آخر، فما قدِّر وصولُه إليك لا يمكن أن لا يصل، وما لم يكتب وصوله إليك لا يمكن أن يصل.
* * *
٤٠٩٦ - عن سَعْدٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مِنْ سَعادةِ ابن آدمَ رِضاهُ بما قَضَى الله لهُ، ومِنْ شَقاوَةِ ابن آدمَ تركُهُ استِخارَةَ الله، ومِنْ شَقاوَةِ ابن آدمَ سَخَطُهُ بِما قَضَى الله لهُ"، غريب.
قوله: "تَرْكُه استخارةَ الله"، (الاستخارة): طلب الخير؛ يعني: من شقاوة الرجل أن لا يطلب خير الله فيما يفعل؛ يعني: ينبغي للمؤمن أن يستعين بالله في أموره، ويتوكَّل عليه، ويطلب الخير والمعونة منه.
"سخطُه"؛ أي: غضبه؛ يعني: يغضب بما يجري عليه من الآفات والفقر والمرض وغير ذلك.
* * *
٦ - باب الرِّياءِ والسُّمْعَةِ
(باب الرياء والسمعة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٩٨ - وقال: "قالَ الله تعالَى: أنا أغنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أشركَ فيهِ معي غَيْري تركتُهُ وشِرْكَهُ".
стр. 2446
وفي رِوايةٍ: "فأنا منهُ بَريءٌ، هوَ للذي عملَهُ".
"فأنا منه بريء"؛ أي: من ذلك العمل. "هو"؛ أي: ذلك العمل "للذي عمله"؛ أي: لفاعله؛ يعني: تركت ذلك العمل وفاعله، لا أقبله ولا أجازي فاعله بذلك العمل؛ لأنه لم يعمله لي.
قد ذكر هذا الحديث في أول الكتاب في (كتاب الإيمان).
* * *
٤٠٩٩ - وعن جُنْدَبٍ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بهِ، ومَنْ يُرائِي يُرائي الله بهِ".
قوله: "من سمَّع سمع الله به"؛ يعني: من أسمعَ الناس فعله، ويقول: فعلت كذا وكذا، ليمدحه الناس على فعله، سمع الله به يوم القيامة؛ يعني: ذكره وشهَّره بين أهل العرصات، بأن يقول: إنما فعل الفعلَ الفلاني ليمدحه الناس فلم يثبه الله بفعله.
"ومن يرائي يرائي الله به"؛ يعني: من فعل فعلاً من الأفعال الصالحة ليراه الناس ويعطوه شيئًا، أو يمدحوه على فعله، جزاه الله يوم القيامة بذلك الفعل جزاءَ المرائين، بأن يقول له: اطلب جزاء فعلك ممن فعلته لأجله.
* * *
٤١٠٠ - وعن أبي ذَرٍّ قال: قِيلَ لِرَسولِ الله ﷺ : أرأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ العَمَلَ مِنَ الخيرِ ويَحْمَدُهُ النَّاسُ عليهِ؟ قال: "تلكَ عاجِلُ بُشْرَى المُؤْمنِ".
وفي رِوايةٍ: "ويُحِبُّهُ النَّاسُ عليهِ".
قوله: "أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس"؛ يعني:
стр. 2447
أخبرنا بحال من يعمل عملًا صالحًا لله لا للناس، ويصفه الناس بالعمل ويمدحونه، هل يبطل ثوابه بما مدحه الناس أم لا؟. فقال رسول الله ﷺ :
"تلك عاجل بشرى المؤمن"؛ يعني: مَن عمل عملًا صالحًا خالصًا لله، وليس في قلبه الرياء، أعطاه الله ثوابين: ثوابًا في الدنيا، وثوابًا في الآخرة, فثوابه في الدنيا: أن يوقع محبته في قلوب الناس، ويوقع على ألسنتهم ذكره بالخير، وثوابه في الآخرة: اللقاء والجنة؛ يعني: لا بأس بمدح الناس الرجلَ الصالح إذا لم يكن في قلبه رياء وسمعة.
* * *
مِنَ الحِسَانِ:
٤١٠٣ - عن أنسٍ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ كانتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الآخِرَةِ جَعَلَ الله غِناهُ في قلبهِ، وجَمَعَ لهُ شَمْلَهُ، وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ، ومَنْ كانتْ نيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيا جَعَلَ الله الفَقْرَ بينَ عَيْنَيْهِ، وشَتَّتَ عليهِ أَمْرَهُ، ولا يأتيهِ منها إلا ما كُتِبَ لهُ".
قوله: "جعل الله غناه في قلبه"؛ أي: جعل الله قلبه غنيًا بأن جعله قانعًا بالكفاف، ولا يتعب نفسه في طلب الزيادة، فهذا هو الغِنَى الحقيقي.
"وجمع له شمله"، (الشمل): ضد التفرق؛ يعني: جعله الله مجموع الخاطر، وهيأ أسبابه من حيث لا يدري.
"وأتته الدنيا وهي راغمة" الواو في (وهي) للحال، (راغمة)؛ أي: ذليلة؛ يعني: تقصده الدنيا طوعًا وكرهًا؛ يعني: حصل له من الدنيا ما يحتاج إليه.
"شتَّت"؛ أي: فرَّق.
* * *
стр. 2448
٤١٠٤ - عن أبي هُريرةَ قال: قلتُ يا رسولَ الله! بَيْنا أنا في بيتي في مُصَلَاّيَ، إذ دَخَلَ عليَّ رَجُلٌ، فأَعْجَبني الحالُ التي رآني عليها، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "رَحِمَكَ الله يا أبا هُريرةَ! لكَ أجرانِ: أَجْرُ السِّرِّ، وأَجْرُ العلانِيَةِ"، غريب.
قوله: "أعجبتني"؛ أي: حسنت عندي.
"لك أجران" وإنما قال ﷺ له: (لك أجران)؛ لأن نيته الإخلاص في الصلاة، فحصل له الأجر بإخلاصه، وأحب أن يراه الناس مصليًا ليقتدوا به؛ يعني: ليعملوا مثل عمله، فحصل له الأجر بنيته تعليمَ الناس الخيرَ.
وكذلك جميع الناس ممن عمل عملًا صالحًا لله، وهو يحب أن يعمل الناس مثل عمله، فله أجران: أجرُ العمل، وأجر تعليم الناس الخير.
* * *
٤١٠٥ - عن أبي هُريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يَخرُجُ في آخرِ الزَّمانِ رِجالٌ يَختِلونَ الدُّنْيا بالدِّينِ، يَلْبَسونَ للنَّاسِ جُلودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، أَلسِنَتُهُم أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وقُلوبُهُمْ قُلوبُ الذِّئابِ، يقولُ الله تعالى: أَبي يَغترُّونَ؟ أمْ عليَّ يَجْترِئُونَ؟ فبي حَلَفْتُ، لأَبْعَثَنَّ على أُولئِكَ منهُمْ فِتنةً تَدَع الحَليمَ فيهِمْ حَيْرانَ".
قوله: "يختلون الدنيا بالدين"، و (الختل): الخداع، وهو أن يعمل الرجل عملاً وفي نيته غيرُ عمله؛ ليغرِّر أحدًا، وتقدير هذا الكلام: يختلون أهل الدنيا بعمل الدين؛ يعني: يعملون الأعمال الصالحة ليعتقد الناس فيهم الخير والصلاح ويظنونهم الصلحاء؛ ليدفعوا إليهم الأموال، وليخدموهم، وليس في نيتهم إخلاص، بل جذب المال والجاه.
"يلبسون للناس جلود الضأن"؛ يعني: يلبسون اللباس من الصوف؛
стр. 2449
ليظنهم الناس زهَّادًا عبَّادًا تاركين الدنيا، لبس الصوف إن كان بهذه النية فهو مذموم، وإن كان من الفقراء أو لكسر النفس وغير ذلك فهو جائز.
"من اللين، ألسنتهم أحلى من السكَّر" أراد بـ (اللين): التملُّق والتواضع في وجوه الناس؛ ليصير الناس لهم مريدين، "وقلوبهم قلوب الذئاب"؛ يعني: قلوبهم شديدة مسودةٌ من غاية حبِ الدنيا وحب الجاه، وكثرةِ العداوة والبغض والصفات المذمومة الثابتة في قلوبهم.
"أبي يغترون أم عليَّ يجترئون" الهمزة في (أبي) للاستفهام، (الاغترار): الانقياد، مِن غرَّك؛ يعني: يمكر بك مكرًا وأنت لا تعلم، وتظنه صديقًا نصوحًا، والمراد بـ (الاغترار) هنا: عدم الخوف من الله، وترك التوبة من فعلهم القبيح، و (الاجتراء): الانبساط والتشجُّع؛ يعني: الذين يختلون الدنيا بالدين (١)، لا يخافونني، ويجترئون عليَّ بمكرهم الناس في إظهار الأعمال الصالحة.
"فبي حلفتُ" الباء للقسم؛ يعني: يقول: الله تعالى: حلفتُ بعظمتي وكبريائي لأبعثن عذابًا على هؤلاء، "تدع"؛ أي: تترك "الحليم": العاقل "حيران"؛ يعني: لا يقدر العاقل وذو تجربة وجلادة على دفع ذلك العذاب.
وسنة الله تعالى في إرسال العذاب أن يعم المذنب والبريء، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]؛ أي: تعم المذنبَ والبريء.
وطريق البريء: أن ينهى المذنب عن الذنب، فإن لم ينته فليترك مجالسته، وليبعد عن تلك القرية أو البلدة.
* * *
стр. 2450
٤١٠٦ - عن ابن عُمَرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله ﵎ قال: لقدْ خَلقْتُ خَلْقًا ألسِنتُهُمْ أحلَى مِنَ السُّكَّرِ، وقُلوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فبي حَلَفْتُ لأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الحَليمَ فيهِمْ حَيْرانَ، فبي يغترُّونَ؟ أمْ عليَّ يَجْتَرِئُونَ؟ "، غريب.
قوله: "لأُتِيحَنَّهُمْ"؛ أي: لأقدِّرن، أتاح: إذا قدَّر وقضى.
* * *
٤١٠٧ - عن أبي هُريرةَ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ لكُلِّ شَيءٍ شِرَّةً، ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فإنْ كانَ صاحبُها سَدَّدَ وقارَبَ فارْجُوهُ، وإنْ أُشِيرَ إليهِ بالأَصابعِ فلا تعُدُّوهُ".
قوله: "إن لكل شيء شِرَّةٌ"، (الشِّرَّة): الحِدَّة، والمراد بالشِّرَّة في هذا الحديث: أن العابد يغلو ويبالغ في العبادة في أول أمرِه، وكل مبالغٍ يغتر وتسكن حِدَّته ومبالغته في أمره بعد حين.
"فإنْ صاحبُها سدَّد وقارب فأرجُوه"، (التسديد): إعطاءُ الله العبدَ التوفيقَ والتقويم والتسوية، تقدير هذا الكلام: فإن سدَّد وقارب صاحبها؛ أي: صاحب الشرة؛ يعني: فإن كان العابد مستقيمًا متوسطًا في العمل من غير غلوٍّ ولا تقصير، و (سدد)؛ أي: جعل عمله متوسطًا، و (قارب)؛ أي: دنا من الاستواء والاستقامة.
(فارجوه)؛ أي: فكونوا على رجاء الخير منه، فإن مَنْ سلكَ الطريق المستقيم يقدر على الدوام عليه، وأفضل الأعمال عند الله أدومها وإنْ قَلَّتْ، وإن [مَن] بالغ في العمل وأتعب نفسه لا يقدر على الدوام عليه، بل يضعف وينقطع عن سلوك الطريق.
стр. 2451
ولما رآه الناس مبالغًا في العمل تعجبوا منه، وأجمعوا عليه، وأدنوا منه الجاه والمال، وقَبَّلوا يديه ورجليه، وربما يصير ذلك العابد أحمق مغرورًا بعمله متكبرًا، ويعتقد أنه خير من غيره، ولا شك أن هذا الاعتقاد مذموم عند الشرع، فلهذا قال ﷺ في آخر هذا الحديث: "وإن أشير [إليه] بالأصابع فلا تَعُدُّوه"؛ يعني: وإن صار معروفًا مشارًا إليه بالعبادة، فلا تَعُدُّوه شيئًا؛ أي: فلا تعتقدوه صالحًا.
فإن قيل: قد نُقل عن جماعة من المشايخ أنهم قد اجتهدوا في العبادة، وأتعبوا أنفسهم إتعابًا شديدًا، فبدليل هذا الحديث ينبغي أن نقول: هم مسيئون في اجتهادهم في العبادة؟
قلنا: هذا الحديث عام، والمراد به الخاص يعني: قد يكون بعض الناس يبالغ في العبادة ليشتهرَ بين الناس، فمن كانت نيتُهُ الاشتهار فهو، الذي يُرَاد في هذا الحديث، ومن كان نيته الإخلاص في العبادة لا الاشتهار بين الناس لم يكن عليه بأس باجتهاده في العبادة.
والمشايخ الذين اجتهدوا في العبادة كانوا قد فَرُّوا من الناس، وسكنوا البوادي والجبال، والمواضع الخالية؛ حذرًا من الرياء واجتماع الناس عليهم، فلما كملوا في الطريقة دخلوا البلاد، وسكنوا بين الناس لتربيتهم ودعوتهم إلى الله تعالى، فلما بلغوا هذا الحدَّ قللوا العبادة والرياضات، وكَثَّروا مجالسةَ الناس ومواعظتهم وتربيتهم، ولم يضرهم قَبول الناس؛ لأن قلوبَهم مطمئنةٌ بالحق مزينةٌ بنور التَّجلي، فصارَتْ قلوبُهُم كالبحر، فكما أن القذرات لا تكدِّر البحر، فكذلك اجتماع المال وتوجه الجاه والقبول إليهم لا يكدِّر صفاء خواطرهم (١).
* * *
стр. 2452
٧ - باب البُكاءِ والخَوْفِ
(باب البكاء والخوف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٠٩ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : "والذي نَفْسي بيدِه، لوْ تَعْلَمونَ ما أعلمُ لبَكَيْتُمْ كثيرًا، ولضحِكْتُمْ قَليلًا".
"لو تعلمون ما أعلم"؛ يعني: لو تعلمون ما أعلم من صفة النار وشدته، وغضب الله، وحق العبادة لله على الناس، "لبكيتم كثيرًا": من خشية الله، "ولضحكتم قليلًا".
* * *
٤١١٠ - وقال: "والله لا أَدْري وأنا رسولُ الله ما يُفْعَلُ بي ولا بِكُمْ".
قوله: "والله لا أدري - وأنا رسولُ الله - ما يُفْعَلُ بي ولا بكم"، (الواو) في (وأنا) للحال، و (ما) في (ما يُفْعَل) للاستفهام.
قال الحسن البصري: معناه: لا أدري أأموت أم أقتل، ولا أدري أيُّها الأمم المكذِّبة؛ أتَرمَوْنَ بالحجارة من السماء، أم يخسف بكم، أم يُفْعَلُ بكم ما فُعِلَ بالأمم المكذِّبة من مسخ الصور؟.
ويحتمل أن يريد بقوله: (لا أدري ما يفعل بي) من الجُوع والشَّبع، والعطش والرَّي، والمرض والصحة، والغنى والفقر، وكذلك لا أدري ما يفعل بكم من هذه الأشياء، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة: ليس له شكٌّ في أنه في الجنة، ومن كذبه في النار.
стр. 2453
روت هذا الحديث أم العلاء الأنصارية.
* * *
٤١١١ - وقال: "عُرِضَتْ عليَّ النَّارُ، فَرَأَيتُ فيها امرَأةً منْ بني إسرائيلَ تُعذَّبُ في هِرَّةٍ لها، رَبَطَتْها فلم تُطْعِمْها، ولم تَدعْها تأكُلُ مِنْ خَشاشِ الأَرْضِ حتَّى ماتتْ جُوْعًا، ورأيتُ عَمْرَو بن عامِرٍ الخُزَاعِيَّ يجُرُّ قُصْبَهُ في النَّارِ، وكانَ أوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوائِبَ".
قوله: "من خَشَاش الأرض" بفتح الخاء: دواب الأرض.
"قُصْبَهُ"؛ أي: أمعائه.
"وكان أوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوائِبَ"؛ أي: وضع تحريم السَّوائب، وهي جمع سائبة، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].
قال المفسرون: (البَحِيرة): الناقة إذا نتَجت خمسة أبطن، شقوا أذنها وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا يُجَزُّ لها وبر، ولا يُحمل على ظهرها، ولا تُمنع عن ماء ولا مرعى.
﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾ قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرضَ، أو قدمَ من سفر، أو نذر نذرًا، أو شكر نعمة = سَيَّبَ بعيرًا، وكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حكموا لها.
قال الفراء: إذا ولدَتِ الناقةُ عشرةَ أبطنٍ كلهنَّ إناث، سُيبَتْ فلم تُرْكَب.
وقال ابن عباس: هي التي تُسيَّب للأصنام؛ أي: تعتق لها.
وقال سعيد بن المسيب: السَّائبة من الإبل، كانوا يسيبونها لطواغيتهم.
﴿وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾، (الوصيلة) من الغنم؛ كانت الشاة إذا ولدت أنثى
стр. 2454
فهي لهم، وإن ولدت ذكرًا جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكرًا وأنثى، قالوا: وَصَلَتْ أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.
﴿وَلَا حَامٍ﴾: قال ابن عباس وابن مسعود: إذا نتجَتْ من صُلْبِ الفحلِ عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره، وسُيب لأصنامهم، فلا يُحمل عليه.
قال قتادة: هذا كله تشديد شدده الشيطان على أهل الجاهلية في أموالهم وأنفسهم تغليظًا، وأن أول من فعل ذلك عَمرو بن لحي، وهو عمرو بن عامر المذكور.
روى هذا الحديث جابر ﵁.
* * *
٤١١٢ - عن زَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ دَخَلَ عليها يَوْمًا فَزِعًا يقولُ: "لا إله إلا الله، وَيْلٌ للعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قدِ اقتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ منْ رَدْمِ يَأْجوجَ ومَأْجوجَ مِثْلُ هذهِ"، وحَلَّقَ بإِصبعَيْه، الإِبهامِ والتي تَلِيها، قالتْ زَيْنبُ: فقلتُ: يا رسولَ الله! أَفَنَهْلِكُ وفِينا الصَّالِحونَ؟ قال: "نَعَمْ، إذا كثُرَ الخَبَثُ".
قوله: "مِنْ شرٍّ قد اقترب"؛ يعني: قرب خروج جيش يقاتلُ العرب من ردم يأجوج ومأجوج، (الرَّدْمُ): السَّدُّ، وهو سدٌ بناه ذو القرنين على وجه يأجوج كي لا يخرجوا من مواطنهم في الأرض، ويأجوج ومأجوج، وهما قومان كافران من الترك، وهما جنسان من بني آدم.
والمراد بهذا الحديث: أنه لم يكن في ذلك الرَّدْم ثقبة إلى هذا اليوم، وقد انفتحت فيه ثقبة، وانفتاح الثقبة فيه من علامات القيامة، فإذا توسَّعت تلك الثقبة خرجوا منها، وخروجهم يكون بعد خروج الدَّجَّال في الوقت الذي ينزل عيسى ﵊، ويقتل الدَّجَّال، ويأتي شرحُهُ في موضعه.
* * *
стр. 2455
٤١١٣ - وقال: "لَيَكُونَنَّ في أُمَّتي أَقْوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَريرَ والخَمْرَ والمَعازِفَ، ولَيَنْزِلَنَّ أَقْوامٌ إلى جَنبِ عَلَمٍ يَروحُ عليهمْ بسارِحَةٍ لهُمْ، يأتيهمْ رَجُلٌ لحاجةٍ فيقولون: ارجِعْ إلينا غدًا، فيُبيتُهمْ الله، ويَضَعُ العَلَمَ، ويَمسَخُ آخرينَ قِردَةً وخنازيرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ".
قوله: "يَستحِلُّوْنَ الحِرَ والحريرَ"، (الحِرَ) بحاء مهملة مكسورة وراء مهملة مخففة، وأصله (حِرْحٌ)، فحذفت الحاء الأخيرة، وجمعه: أَحْراح، و (الحِرَ): الفرج؛ يعني: قد يكون جماعة في آخر الزمان يزنون ويعتقدون حِله، ويقولون: إذا رضي الرجل والمرأة حَلَّ بينهما جميع أنواع الاستمتاعات، ويقولون: المرأة مثل بستان، فكما أن لصاحب البستان أن يبيح ثمرة بستانه لمن شاء، فكذلك يجوز للزوج أن يبيح استمتاع زوجته لمن شاء، والذين لهم هذا الاعتقاد: الجوالقيون والملاحدة.
وأما لبس الحرير: فهو حرام على الرجال، وكثير من الناس يلبسونه ويعتقدون حِلَّه، ومَن اعتقدَ حِلَّه فهو كافر.
"المعازف": آلات الملاهي كالطنبور والمزمار وغيرهما.
"ولينزلن أقوام إلى جنب علم"؛ يعني: سينزل أقوام إلى جنب جبل، "يَرُوحُ عليهم رجل بسارحة لهم"، (يَرُوح)؛ أي: يذهب في وقت الرَّواح، وهو أول الليل، (السارحة): القطيعة من الغنم والبقر والجمل.
يعني: يأتيهم راعيهم بدوابهم كلَّ يوم وليلة، فيأتيهم يومًا لحاجة، ويطلب منهم تلك الحاجة فيقولون له: ارجع وأتنا غدًا لنقضيَ حاجَتَكَ.
"فيبيتُهُم الله"، (التبييت): إرسال العذاب والإهلاك في الليل؛ يعني: يهلكهم الله في تلك الليل.
"ويَضَعُ العَلَمَ" عليهم؛ أي: يوقع ذلك الجبل عليهم حتى يهلكوا.