ولما رآه الناس مبالغًا في العمل تعجبوا منه، وأجمعوا عليه، وأدنوا منه الجاه والمال، وقَبَّلوا يديه ورجليه، وربما يصير ذلك العابد أحمق مغرورًا بعمله متكبرًا، ويعتقد أنه خير من غيره، ولا شك أن هذا الاعتقاد مذموم عند الشرع، فلهذا قال ﷺ في آخر هذا الحديث: "وإن أشير [إليه] بالأصابع فلا تَعُدُّوه"؛ يعني: وإن صار معروفًا مشارًا إليه بالعبادة، فلا تَعُدُّوه شيئًا؛ أي: فلا تعتقدوه صالحًا.
فإن قيل: قد نُقل عن جماعة من المشايخ أنهم قد اجتهدوا في العبادة، وأتعبوا أنفسهم إتعابًا شديدًا، فبدليل هذا الحديث ينبغي أن نقول: هم مسيئون في اجتهادهم في العبادة؟
قلنا: هذا الحديث عام، والمراد به الخاص يعني: قد يكون بعض الناس يبالغ في العبادة ليشتهرَ بين الناس، فمن كانت نيتُهُ الاشتهار فهو، الذي يُرَاد في هذا الحديث، ومن كان نيته الإخلاص في العبادة لا الاشتهار بين الناس لم يكن عليه بأس باجتهاده في العبادة.
والمشايخ الذين اجتهدوا في العبادة كانوا قد فَرُّوا من الناس، وسكنوا البوادي والجبال، والمواضع الخالية؛ حذرًا من الرياء واجتماع الناس عليهم، فلما كملوا في الطريقة دخلوا البلاد، وسكنوا بين الناس لتربيتهم ودعوتهم إلى الله تعالى، فلما بلغوا هذا الحدَّ قللوا العبادة والرياضات، وكَثَّروا مجالسةَ الناس ومواعظتهم وتربيتهم، ولم يضرهم قَبول الناس؛ لأن قلوبَهم مطمئنةٌ بالحق مزينةٌ بنور التَّجلي، فصارَتْ قلوبُهُم كالبحر، فكما أن القذرات لا تكدِّر البحر، فكذلك اجتماع المال وتوجه الجاه والقبول إليهم لا يكدِّر صفاء خواطرهم (١).
* * *
стр. 2452
٧ - باب البُكاءِ والخَوْفِ
(باب البكاء والخوف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٠٩ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : "والذي نَفْسي بيدِه، لوْ تَعْلَمونَ ما أعلمُ لبَكَيْتُمْ كثيرًا، ولضحِكْتُمْ قَليلًا".
"لو تعلمون ما أعلم"؛ يعني: لو تعلمون ما أعلم من صفة النار وشدته، وغضب الله، وحق العبادة لله على الناس، "لبكيتم كثيرًا": من خشية الله، "ولضحكتم قليلًا".
* * *
٤١١٠ - وقال: "والله لا أَدْري وأنا رسولُ الله ما يُفْعَلُ بي ولا بِكُمْ".
قوله: "والله لا أدري - وأنا رسولُ الله - ما يُفْعَلُ بي ولا بكم"، (الواو) في (وأنا) للحال، و (ما) في (ما يُفْعَل) للاستفهام.
قال الحسن البصري: معناه: لا أدري أأموت أم أقتل، ولا أدري أيُّها الأمم المكذِّبة؛ أتَرمَوْنَ بالحجارة من السماء، أم يخسف بكم، أم يُفْعَلُ بكم ما فُعِلَ بالأمم المكذِّبة من مسخ الصور؟.
ويحتمل أن يريد بقوله: (لا أدري ما يفعل بي) من الجُوع والشَّبع، والعطش والرَّي، والمرض والصحة، والغنى والفقر، وكذلك لا أدري ما يفعل بكم من هذه الأشياء، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة: ليس له شكٌّ في أنه في الجنة، ومن كذبه في النار.
стр. 2453
روت هذا الحديث أم العلاء الأنصارية.
* * *
٤١١١ - وقال: "عُرِضَتْ عليَّ النَّارُ، فَرَأَيتُ فيها امرَأةً منْ بني إسرائيلَ تُعذَّبُ في هِرَّةٍ لها، رَبَطَتْها فلم تُطْعِمْها، ولم تَدعْها تأكُلُ مِنْ خَشاشِ الأَرْضِ حتَّى ماتتْ جُوْعًا، ورأيتُ عَمْرَو بن عامِرٍ الخُزَاعِيَّ يجُرُّ قُصْبَهُ في النَّارِ، وكانَ أوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوائِبَ".
قوله: "من خَشَاش الأرض" بفتح الخاء: دواب الأرض.
"قُصْبَهُ"؛ أي: أمعائه.
"وكان أوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوائِبَ"؛ أي: وضع تحريم السَّوائب، وهي جمع سائبة، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].
قال المفسرون: (البَحِيرة): الناقة إذا نتَجت خمسة أبطن، شقوا أذنها وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا يُجَزُّ لها وبر، ولا يُحمل على ظهرها، ولا تُمنع عن ماء ولا مرعى.
﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾ قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرضَ، أو قدمَ من سفر، أو نذر نذرًا، أو شكر نعمة = سَيَّبَ بعيرًا، وكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حكموا لها.
قال الفراء: إذا ولدَتِ الناقةُ عشرةَ أبطنٍ كلهنَّ إناث، سُيبَتْ فلم تُرْكَب.
وقال ابن عباس: هي التي تُسيَّب للأصنام؛ أي: تعتق لها.
وقال سعيد بن المسيب: السَّائبة من الإبل، كانوا يسيبونها لطواغيتهم.
﴿وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾، (الوصيلة) من الغنم؛ كانت الشاة إذا ولدت أنثى
стр. 2454
فهي لهم، وإن ولدت ذكرًا جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكرًا وأنثى، قالوا: وَصَلَتْ أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.
﴿وَلَا حَامٍ﴾: قال ابن عباس وابن مسعود: إذا نتجَتْ من صُلْبِ الفحلِ عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره، وسُيب لأصنامهم، فلا يُحمل عليه.
قال قتادة: هذا كله تشديد شدده الشيطان على أهل الجاهلية في أموالهم وأنفسهم تغليظًا، وأن أول من فعل ذلك عَمرو بن لحي، وهو عمرو بن عامر المذكور.
روى هذا الحديث جابر ﵁.
* * *
٤١١٢ - عن زَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ دَخَلَ عليها يَوْمًا فَزِعًا يقولُ: "لا إله إلا الله، وَيْلٌ للعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قدِ اقتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ منْ رَدْمِ يَأْجوجَ ومَأْجوجَ مِثْلُ هذهِ"، وحَلَّقَ بإِصبعَيْه، الإِبهامِ والتي تَلِيها، قالتْ زَيْنبُ: فقلتُ: يا رسولَ الله! أَفَنَهْلِكُ وفِينا الصَّالِحونَ؟ قال: "نَعَمْ، إذا كثُرَ الخَبَثُ".
قوله: "مِنْ شرٍّ قد اقترب"؛ يعني: قرب خروج جيش يقاتلُ العرب من ردم يأجوج ومأجوج، (الرَّدْمُ): السَّدُّ، وهو سدٌ بناه ذو القرنين على وجه يأجوج كي لا يخرجوا من مواطنهم في الأرض، ويأجوج ومأجوج، وهما قومان كافران من الترك، وهما جنسان من بني آدم.
والمراد بهذا الحديث: أنه لم يكن في ذلك الرَّدْم ثقبة إلى هذا اليوم، وقد انفتحت فيه ثقبة، وانفتاح الثقبة فيه من علامات القيامة، فإذا توسَّعت تلك الثقبة خرجوا منها، وخروجهم يكون بعد خروج الدَّجَّال في الوقت الذي ينزل عيسى ﵊، ويقتل الدَّجَّال، ويأتي شرحُهُ في موضعه.
* * *
стр. 2455
٤١١٣ - وقال: "لَيَكُونَنَّ في أُمَّتي أَقْوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَريرَ والخَمْرَ والمَعازِفَ، ولَيَنْزِلَنَّ أَقْوامٌ إلى جَنبِ عَلَمٍ يَروحُ عليهمْ بسارِحَةٍ لهُمْ، يأتيهمْ رَجُلٌ لحاجةٍ فيقولون: ارجِعْ إلينا غدًا، فيُبيتُهمْ الله، ويَضَعُ العَلَمَ، ويَمسَخُ آخرينَ قِردَةً وخنازيرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ".
قوله: "يَستحِلُّوْنَ الحِرَ والحريرَ"، (الحِرَ) بحاء مهملة مكسورة وراء مهملة مخففة، وأصله (حِرْحٌ)، فحذفت الحاء الأخيرة، وجمعه: أَحْراح، و (الحِرَ): الفرج؛ يعني: قد يكون جماعة في آخر الزمان يزنون ويعتقدون حِله، ويقولون: إذا رضي الرجل والمرأة حَلَّ بينهما جميع أنواع الاستمتاعات، ويقولون: المرأة مثل بستان، فكما أن لصاحب البستان أن يبيح ثمرة بستانه لمن شاء، فكذلك يجوز للزوج أن يبيح استمتاع زوجته لمن شاء، والذين لهم هذا الاعتقاد: الجوالقيون والملاحدة.
وأما لبس الحرير: فهو حرام على الرجال، وكثير من الناس يلبسونه ويعتقدون حِلَّه، ومَن اعتقدَ حِلَّه فهو كافر.
"المعازف": آلات الملاهي كالطنبور والمزمار وغيرهما.
"ولينزلن أقوام إلى جنب علم"؛ يعني: سينزل أقوام إلى جنب جبل، "يَرُوحُ عليهم رجل بسارحة لهم"، (يَرُوح)؛ أي: يذهب في وقت الرَّواح، وهو أول الليل، (السارحة): القطيعة من الغنم والبقر والجمل.
يعني: يأتيهم راعيهم بدوابهم كلَّ يوم وليلة، فيأتيهم يومًا لحاجة، ويطلب منهم تلك الحاجة فيقولون له: ارجع وأتنا غدًا لنقضيَ حاجَتَكَ.
"فيبيتُهُم الله"، (التبييت): إرسال العذاب والإهلاك في الليل؛ يعني: يهلكهم الله في تلك الليل.
"ويَضَعُ العَلَمَ" عليهم؛ أي: يوقع ذلك الجبل عليهم حتى يهلكوا.
стр. 2456
"ويمسخ"؛ أي: يغيرُ صورَ قومٍ منهم؛ يعني: يهلك بعضهم، ويمسخ بعضهم.
ولم يبين في هذا الحديث مكانهم ولا ذنوبهم (١)، وإنما أفاد هذا الحديث: أنه يكون في آخر الزمان نزول الفتن ومسخ الصور، فليجتنب المؤمنُ المعاصيَ كي لا يقعَ في العذاب ومسخ الصور.
وفي هذا الحديث: اختلف نسخ "المصابيح" في موضعين: أحدهما في (الحر)؛ فإنه في بعض النسخ: "الخز" بالخاء والزاي المعجمتين، والصواب: ما قلنا؛ فإنه ذكر في "سنن أبي داود" أنه بالحاء والراء المهملتين.
والموضع الثاني قوله: "يروح عليهم رجلٌ بسَارحةٍ" ففي بعض النسخ هكذا، وفي بعض النسخ: "يروح عليهم بسارحة" من غير لفظة رجل، و (الرجل) مذكور في "سنن أبي داود".
روى هذا الحديث أبو عامر الأشعري.
* * *
٤١١٤ - وقال: "إذا أَنْزَلَ الله بقَوْمٍ عَذابًا؛ أصابَ العَذابُ مَنْ كانَ فيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا على أَعْمَالِهِمْ".
قوله: "إذا أنزلَ الله بقومٍ عذابًا أصابَ مَنْ كان فيهم"؛ يعني: إذا أذنبَ بعضُ القوم نزلَ العذابُ بجميع مَنْ كان في القومِ الذين فيهم المذنب، وهلكوا جميعًا بشؤم المذنب، فصاروا مستوين في لحوقِ العذابِ بهم، ولكنهم مختلفون يوم القيامة، وكل واحد منهم يُبعث بأعماله، فالصالح ينجو والطالح يُعذَّب.
стр. 2457
روى هذا الحديث ابن عمر.
* * *
٤١١٥ - وقال: "يُبعَثُ كُلُّ عَبْدٍ على ما ماتَ عليهِ".
قوله: "يُبعَثُ كلُّ عبد على ما مات عليه"؛ يعني: يُحشر كل عبد يوم القيامة على ما مَات من العمل.
روى هذا الحديث جابر.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤١١٦ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما رَأَيتُ مِثْلَ النَّارِ نامَ هارِبُها، ولا مِثْلَ الجنَّةِ نامَ طالِبُهَا".
قوله: "نامَ هاربُها"، (الهاربُ): الذي يفرُّ؛ يعني: النار شديدة والخائفون منها نائمون غافلون، وليس هذا طريق الهارب، بل طريق هارب النار: أن يهربَ من المعاصي إلى الطاعات.
٤١١٧ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا يَلِجُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشية الله حتَّى يَعودَ اللَّبن في الضَّرْعِ".
قوله: "لَن يلجَ النَّارَ"؛ أي: لن يدخل النار، (وَلَجَ يَلِجُ): إذا دخل.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٤١١٨ - وعن أبي ذَرٍّ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنِّي أرَى ما لا تَرَوْنَ، وأَسْمَعُ ما لا تَسْمَعونَ، أَطَّتِ السَّماءُ، وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، والذي نَفْسي بيدِه،
стр. 2458
ما فيها مَوْضعُ أَرْبَعِ أَصابعَ إلَاّ ومَلَكٌ واضعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لله، والله لو تَعلمونَ ما أعلمُ لضَحِكتُمْ قليلاً ولَبكَيْتُمْ كثيرًا، وما تلذَّذْتُمْ بالنِّساءِ على الفُرُشاتِ، ولَخَرَجْتُمْ الى الصُّعُداتِ تَجْأرونَ إلى الله"، قالَ أبو ذَرٍّ: يا لَيْتني كنتُ شَجَرةً تُعْضَدُ.
قوله: "أطَّتِ السَّماء"؛ أي: صَاحت وأَنَّتْ.
"وحُقَّ لها أن تَئِطَّ"، (حق) على بناء المجهول؛ معناه: ينبغي لها أن تصيحَ وتَئِنَّ؛ يعني: تَئِنُّ السماء من خشية الله مع أنها موضع عبادة الملائكة؛ يعني: فإذا تخشى السماء مع أنها جماد فأولى بالإنسان أن يخشى من الله العظيم مع أنه ملوَّثٌ بالذنوب.
"الصَّعُدَات": جمع صُعُد - بضم الصاد والعين -، وهو جمع صَعِيْد، وهو وجه الأرض والتراب.
"تَجْأَرون"؛ أي: تتضرعون.
"يا ليتني كنتُ شجرةً تُعْضَدُ"؛ أي: تقطع؛ يعني: يا ليتني كنت بريئًا من الذنوب كالشجرة، ويا ليتني لم أحشر يوم القيامة ولم أعذب كالشجرة التي تعضد، وهذا القول منه مِنْ غَاية خشية الله تعالى.
* * *
٤١١٩ - عن أبي هُريرَةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ خَافَ أدْلَجَ، ومَنْ أدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ، ألا إنَّ سِلْعَةَ الله غاليةٌ، ألا إنَّ سِلْعَةَ الله الجنَّةُ".
قوله: "مَنْ خَافَ أَدْلجَ"؛ يعني: من خافَ من شيءٍ أدلَجَ؛ أي: هَرَبَ في أول الليل، فإن الرجلَ إذا هربَ في أول الليل ينجو من العدو، فإن العدو يُغير بعد الصبح؛ يعني: من خاف الله فليهرب من المعاصي إلى الطاعات.
стр. 2459
"السِّلعة": المتاع، و"الغالية": الرفيعة القيمة؛ يعني: سلعةُ الله الجنةُ، وهي عزيزة لا يليق بثمنها إلا بذل النفس والمال.
* * *
٤١٢٠ - عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يقولُ الله جلَّ ذِكرهُ: أخرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكرني يَوْمًا، أو خافَني في مَقامٍ".
"أخرجوا من النار مَنْ ذكرني يومًا"؛ يعني: من ذكرني يومًا بشرط أن يكون مؤمنًا بنبينا محمد ﵊، أو نبي آخر قَبْلَ نسخِ دينه.
* * *
٤١٢٢ - عن أُبيِّ بن كَعْبٍ قال: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا ذَهَبَ ثُلُثا اللَّيلِ قامَ فقالَ: "يا أيُّها النَّاسُ! اذْكُروا الله، اذكُروا الله، جاءتِ الرَّاجِفَةُ، تتبَعُها الرَّادِفةُ، جاءَ المَوْتُ بما فيه، جاءَ المَوْتُ بما فيه".
قوله: "جاءت الرَّاجِفَةُ تتبَعُها الرَّادِفَةُ"، (الرَّاجِفَةُ): النفخة الأولى يموت منها الخلق، و (الرَّادِفَةُ): النفخة الثانية التي يحيى فيها الخلق.
"جاءَ الموتُ بما فيه"؛ أي: جاءَ الموتُ مع ما فيه مِن أحوالِ القبر والقيامة.
* * *
٤١٢٣ - عن أبي سعيدٍ قال: خرج النَّبيُّ ﷺ لِصَلاةٍ فرأَى النَّاسَ كأنَّهُمْ يَكْتَشِرونَ، فقالَ: "أمَا إنَّكُمْ لوْ أَكْثرتُمْ ذِكْرَ هادِمِ اللَّذَّاتِ لَشغلَكُمْ عمَّا أرَى، فأكْثِروا ذِكْرَ هادِمِ اللَّذَّاتِ المَوْتِ، فإنَّهُ لمْ يأْتِ على القَبْرِ يَوْمٌ إلَاّ تكلَّمَ فيقولُ: أنا بَيْتُ الغُربةِ، وأنا بيتُ الوَحْدةِ، وأنا بيتُ التُّرابِ، وأنا بيتُ الدُّودِ، وإذا دُفِنَ
стр. 2460
العَبْدُ المُؤْمِنُ قالَ لهُ القَبْرُ: مَرْحبًا وأهلًا، أمَا إنْ كنتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي على ظَهري إليَّ، فإذْ وُلِّيتُكَ اليَوْمَ وصِرْتَ إليَّ فَسَترَى صَنيعي بكَ"، قال: "فيتَّسعُ لهُ مَدَّ بَصَرِه، ويُفتَحُ لهُ بابٌ إلى الجَنَّةِ، وإذا دُفِنَ العَبْدُ الفاجِرُ أو الكافِرُ قالَ لهُ القَبْرُ: لا مَرحَبًا ولا أهلًا، أمَا إنْ كنتَ لأَبغَضُ مَنْ يَمشي على ظَهري إليَّ، فإذْ وُلِّيتُكَ اليومَ وصِرْتَ إليَّ فَسَترَى صَنيعي بكَ، قال: فيَلْتَئِمُ عليهِ حتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ"، قالَ: وقالَ رسولُ الله ﷺ بأصابعِهِ، فأَدْخَلَ بعضَها في جَوْفِ بعضٍ، قال: "ويُقيَّضُ لهُ سَبعونَ تِنِّينًا، لوْ أنَّ واحِدًا منها نَفَخَ في الأَرْضِ ما أنبتَتْ شَيئًا ما بَقيتِ الدُّنْيا، فيَنْهَشْنَهُ ويَخْدِشْنَهُ حتى يُفْضَى بهِ إلى الحسابِ".
قال: وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّما القبرُ رَوْضةٌ منْ رِياضِ الجنَّةِ، أوْ حُفْرَةٌ منْ حُفَرِ النَّارِ".
قوله: "يَكْتَشِرون"؛ أي: يتبسَّمون.
"لو أكثرتُمْ ذكرَ هادِمِ اللذَّات لشغلَكُم"؛ أي لمنعكم "عمَّا أرى"، يعني: عما أرى "الموت"، (الموت): تفسيرٌ لـ (هادم اللذات)، أو مفعول فعل محذوف، تقديره: أعني: الموت، (لشغلكم)؛ أي: لمنعكم، (عما أرى)؛ يعني: عما أرى منكم من التبسم والضحك.
"أما"؛ أي: أعلم.
"وُلِّيْتُكَ"، (وَلِيَ): إذا قرب وصار حاكمًا على أحد؛ يعني: إذا وصلت إليَّ، وصرتُ حاكمًا وقادرًا عليك، وصرتَ مقهورًا تحت أمري ولم يبقَ لك قوة وقدرة.
"فسترى صَنيعي بكَ"؛ أي: سوف ترى فعلي بك؛ يعني: أُحْسِنُ إليك.
"فيلتئم عليه"؛ أي: يتكئ عليه كل جَانب من القبر، ويضمُّهُ ويعصرُهُ.
стр. 2461
"حتى تختلف"؛ أي: تختلط وتدخلُ أضلاعُ جانبه الأيمن على جانبه الأيسر، وجانبه الأيسر على جانبه الأيمن.
"ويُقَيضُ"؛ أي: يُوكل، "التنين": نوع من الحية.
"فينهشنه"؛ أي: فتلدغنه، "حتى يفضى به"؛ أي: يوصل إلى يوم القيامة.
* * *
٤١٢٤ - عن أبي جُحَيْفَةَ قال: قالوا: يا رسولَ الله! قدْ شِبْتَ، قال: "شَيَّبَتْني هُوْدٌ وأخَوَاتُها".
وفي رِوايةٍ: "شَيَّبَتْني هُودٌ، والواقِعةُ، والمُرْسَلاتُ، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ".
قوله: "قد شِبْتَ"؛ أي: صرتَ أشيب.
"فقال ﷺ : شيبتني"؛ أي: جعلني أشيب سورة "هود وأخواتها"؛ أي: أشباهها من السورة التي فيها ذكر القيامة والعذاب؛ يعني: من خوف ما ذكر في هذه السورة من التخويفات قد صرتُ أشيب، والله أعلم.
* * *
٨ - باب تَغيُّرِ النَّاسِ
(باب تغير الناس)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٢٥ - قالَ رسول الله ﷺ : "إنَّما النَّاسُ كالإِبلِ المئةِ، لا تَكادُ تجِدُ فيها راحِلةً".
стр. 2462
قوله: "إنما الناسُ كالإِبلِ المئة"؛ يعني: صار الناس قليل المنفعة لا تجد في مئة رجل مثلًا رجلًا يعاونُك ويحفظُ سرَّك، كمئة من الإبل لا تجد فيها جَملًا أو ناقة تصلح لحمل أقمشتك.
روى هذا الحديث ابن عمر.
* * *
٤١٢٦ - وقالَ: "لَتَتَّبعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبلَكُمْ، شِبْرًا بشِبرٍ، وذِراعًا بذِراعٍ، حتَّى لوْ دَخَلوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبعتُموهم"، قيلَ: يا رسولَ الله! اليهودَ والنَّصارَى؟ قالَ: "فمَنْ؟ ".
قوله: "لتتَّبعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبلَكم"، (السَنَنَ): جمع سُنَّةٍ، وهي هنا: الرسم والعادة؛ يعني: لتفعل أمتي مثل ما فعلت الأمم الماضية من الأفعال القبيحة.
"شبرًا بشبر"، يريد بهذا الكلام: أنكم ستفعلون مثل فعلهم سواء بسواء "حتى لو دخلوا جحر ضب"، (الجحر): الثقبة، يريد بهذا اللفظ أيضًا: أنكم تفعلون مثل فعلهم.
"قيل: يا رسول الله! اليهود والنصارى": الذين نتبعهم هم اليهود والنصارى، أم قوم أخر؟
فقال ﷺ : "فَمَنْ"؛ يعني: فَمَنْ هُمْ إن لم يكونوا اليهود والنصارى؛ يعني: الذين تتبعونهم هم اليهود والنصارى لا غيرهم.
روى هذا الحديث أبو سعيد.
* * *
٤١٢٧ - وقالَ: "يَذهبُ الصَّالِحونَ الأَوَّلُ فالأَوَّلُ، وتبقَى حُفالَةٌ كحُفالَةِ
стр. 2463
الشَّعيرِ أو التَّمرِ، لا يُباليهِمُ الله بالةً".
قوله: "يذهبُ الصالحون"؛ أي: يموتُ الصالحون.
"الأوَّلُ فالأوَّلُ"؛ أي: قرنًا بعد قرن، حتى لا يبقى من الناس إلا جماعة أشرار لم يكن فيهم خير.
"كحفالة الشعير والتمر"، (الحُفَالة): ما يسقط من رديء الشعير والتمر.
"لا يباليهم الله بَالَةً"، (المبالاة): التحقير وعدم الالتفات إلى أحد، وعدم الخوف من أحد، ويعدى بالباء وبمن وبنفسه، يقال: لا أبالي بفلان، ولا أبالي من فلان، ولا أبالي فلانًا.
ومعنى الحديث: أن الله لا يعظمهم، ولا يكون لهم عند الله وقار.
روى هذا الحديث المِرْدَاسُ الأسلمي.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤١٢٨ - عن ابن عُمَرَ ﵄ قال: قال رَسولُ الله ﷺ : "إذا مشَتْ أمَّتي المُطَيْطِيَاءَ، وخدَمَتْهُم أبناءُ المُلوكِ، أبناءُ فارِسَ والرُّومِ، سَلِّطَ الله شِرارَها على خِيارِها"، غريب.
قوله: "إذا مَشَتْ أمتي المُطَيْطِياء"، (المُطَيْطِياء): التبختر، وهو منصوب على الحال، وهو حال معرفة بمعنى التنكير؛ نحو: لا إله إلا الله وحده، (وحده): منصوب على الحال وهو معرفة بمعنى التنكير؛ يعني: إذا صارت أمتي متكبرين وعظم ملكهم وأخذوا الفارس والروم، وخدمتهم أبناء ملوك الفرس والروم.
"سَلَّط الله شرارَها على خيارها"؛ يعني: جعل الله حُكْمَ الأمةِ بأيدي الظالمين، فيظلمون الصالحين ويؤذونهم، ويكون هذا نتيجة فساد بعض الأمة.
* * *
стр. 2464
٤١٢٩ - عن حُذَيْفةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى تَقْتُلوا إِمامَكُمْ، وتَجْتَلِدُوا بأَسْيافِكُمْ، ويَرِثَ دُنياكُمْ شِرارُكُمْ".
قوله: "تَقْتُلوا إمامَكُم"؛ أي: حتى تقتلوا الخليفةَ والسُّلطانَ، وقد رأينا قَتْلَ المسلمين الخليفةَ المعتصم ﵀ وذلك أن مقدمةَ الجيش [...] الكافر كانوا مسلمين حين قصدوا بغداد، وسمعنا أن جيشَ المسلمين بالغوا في تخريبِ بغداد وقتل أهلها، حتى قال واحدٌ من جيش المسلمين قتلتُ عددًا كثيرًا من العلويين من أهل بغداد.
"وتجتَلِدُوا بأسيافِكُمْ"، (الاجتلاد): المقاتلة؛ يعني: حتى يحاربَ بعضُ المسلمين بالسيوفِ بعضًا.
"ويَرِثَ دُنياكم"؛ يعني: يصيرُ الملكُ والمالُ في أيدي الكَفَرَةِ والظَلَمَةِ.
* * *
٤١٣٠ - وقالَ: "لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يكونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بالدُّنيا لُكَعُ ابن لُكَعٍ".
قوله: "أسعد الناس بالدنيا"؛ أي: أكثر الناس في أموال الدنيا، وأطيبهم عيشًا، وأكثرهم حكمًا.
"لُكَعُ بن لُكَعٍ"؛ أي: لئيم ابن لئيم.
روى هذا الحديث حذيفة.
* * *
٤١٣١ - وعن مَنْ سَمِعَ عليَّ بن أبي طالِبٍ قال: إنَّا لَجُلوسٌ معَ النَّبيِّ ﷺ في المَسْجِدِ، فاطَّلعَ علينا مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ ما عليهِ إلَاّ بُردَةٌ لهُ مَرْقُوعَةٌ بفَرْوٍ، فلَمَّا
стр. 2465
رآهُ رسولُ الله ﷺ بكَى للَّذِي كانَ فيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، والذي هُوَ فيهِ اليومَ، ثمَّ قالَ رسولُ الله ﷺ : "كيفَ بكُمْ إذا غَدا أَحَدُكُمْ في حُلَّةٍ وراحَ في حُلَّةٍ، ووُضعَتْ بينَ يدَيْهِ صَحْفَةٌ ورُفِعتْ أُخرَى، وسَتَرْتُمْ بُيوتَكمْ كما تُستَرُ الكَعْبةُ؟ " فقالوا: يا رسولَ الله! نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خيرٌ مِنَّا اليومَ، نتفرَّغُ للعِبادَةِ، ونكُفَى المُؤْنةَ؟ قال: "لا، أنتُمُ اليومَ خَيْرٌ منكُمْ يَوْمَئِذٍ".
قوله: "كيفَ بكُمْ"؛ يعني: كيف الحال بكم؛ يعني: كيف يكون حالكم إذا كثرت أموالكم، ويلبسُ كل واحد منكم ثوبًا في أول اليوم، وثوبًا في آخره من غاية التنعم.
"الصَّحْفَة": القصعة.
"وسترتُمْ بيوتَكُمْ"؛ أي: تزينون بيوتَكُمْ بالثياب النفيسة مثل الحَجَلَةِ، والستر من غاية التنعم.
"ونُكْفَى المُؤْنَةَ"؛ أي: يُدفع عنا هَمُّ تحصيلِ القُوت، بل تكون أسبابنا مهيأة ونشتغل بالكلية بالعبادة، فقال رسول الله ﷺ : "لا أنتم اليومَ خيرٌ منكم يومئذ"؛ يعني: ليسَ الأمرُ كما تظنون، بل أنتم اليوم خير؛ لأن الفقير الذي له كفاف خير من الغني؛ لأن الغني يشتغل بدنياه، ولم يكن له فراغ العبادة من كثرة اشتغاله بالمال.
* * *
٤١٣٢ - عن أنسٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يأْتي على النَّاسِ زَمانٌ الصَّابرُ فيهِمْ على دينِهِ كالقابضِ على الجَمْرِ"، غريب.
قوله: "كالقَابضِ على الجَمر"، (الجَمْرُ): الحطب المحترق قبل أن تخبو ناره؛ يعني: كما أن أخذَ النار بالكفِّ شديدٌ، فكذلك الصبرُ مع أهل
стр. 2466
ذلك الزمان شديدٌ.
* * *
٤١٣٣ - عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إذا كانَ أُمَراؤُكُمْ خِيارَكُمْ، وأَغْنِياؤُكُمْ أَسْخِياءَكُمْ، وأُمورُكُمْ شُورَى بينكُمْ، فظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لكُمْ مِنْ بَطْنِها، وإذا كانَ أُمَراؤُكُمْ شِرارَكُمْ، وأَغْنِياؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، وأُمورُكُمْ إلى نِسائِكُمْ، فبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لكُمْ مِنْ ظَهْرِها"، غريب.
قوله: "وأمرُكُم شورى بينكم"، (الشورى): المشورة؛ يعني: ما دمتم يُشاور بعضكم بعضًا في أموركم.
* * *
٤١٣٤ - عن ثَوْبانَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "تُوشِكُ الأُمَمُ أنْ تَتَداعَى عَلَيكُمْ كما تَتَداعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها"، فقالَ قائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قال: "بَلْ أنتُمْ يَوْمَئِذٍ كثيرٌ، ولكنَّكُمْ غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، ولَيَنْزِعَنَّ الله مِنْ صُدورِ عدُوِّكُم المَهابَةَ مِنْكُمْ، ولَيَقذِفَنَّ في قُلوبكُم الوَهْنُ". قالَ قائِلٌ: يا رسولَ الله! وما الوَهْنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنْيا وكَراهِيَةُ المَوْتِ".
قوله: "يُوشِكُ"؛ أي: يَقْرُبُ.
"أن تداعى عليكم" أصله (تتداعى) فحذفت تاء الاستقبال؛ يعني: سيجتمعُ أعداؤكم على محاربتكم ويغلبوا عليكم.
(تَدَاعَى القومُ): إذا أقبلوا على شيء، و (تَدَاعَتِ الحيطان): إذا تساقطت.
"الأَكَلَةُ": جمع آكل.
"ولكنكم غُثاء"، و (الغُثاء): ما يكون فوق الماء مثل الحشيش والتبن؛
стр. 2467
يعني: لا يكون لكم قوة وشجاعة، بل تخافون من الأعداء.
* * *
٩ - باب
(باب)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٣٥ - عن عِياضِ بن حِمارٍ المُجَاشِعيِّ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ ذاتَ يَوْمٍ في خُطبتِهِ: "ألا إنَّ ربي أَمَرَني أنْ أُعَلِّمَكُمْ ما جَهلتُمْ مِمَّا علَّمني يومي هذا، كُلُّ مالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلالٌ، وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنفاءَ كُلَّهمْ، وإنَّهمْ أَتَتْهُمُ الشَّياطينُ فاجتالَتْهُمْ عنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عليهمْ ما أَحْلَلْتُ لهمْ، وأَمَرَتْهُمْ أنْ يُشْرِكوا بي ما لَمْ أُنْزِلْ بهِ سُلْطانًا، وإنَّ الله نَظَرَ إلى أهلِ الأَرْضِ فمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وعجَمَهُمْ، إلَاّ بَقايا منْ أهلِ الكِتابِ، وقال: إِنَّما بَعَثْتُكَ لأبتَلِيَكَ وأبتَليَ بكَ، وأَنْزَلتُ عليكَ كِتابًا لا يَغْسِلُهُ الماءُ، تَقرَؤُهُ نائِمًا ويَقْظانَ، وإنَّ الله أمَرَني أنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فقلتُ: رَبِّ! إذًا يَثْلَغوا رَأْسي فيَدَعوهُ خُبْزَةً، قال: استَخْرِجْهُمْ كما أَخْرجُوكَ، واغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وأنْفِقْ فسنُنْفِقَ عليكَ، وابعَثْ جَيْشًا نبَعَثْ خَمْسةً مِثلَهُ، وقاتِلْ بمَنْ أَطاعَكَ مَنْ عَصَاكَ".
قوله: "كلُّ مالٍ نحلتُهُ عبدًا حلال"، (نحلْتُهُ)؛ أي: أعطيته؛ يعني بهذا الحديث: أن ما أعطاه الله تعالى عبدًا من المال، فهو حلال له، يجوز له أكله وجميع التصرفات فيه إلا ما نهى الله عنه، فالبَحِيرة والسَّائبة والوَصيلة والحَام ليس فيما نهى الله تعالى عنه، فهنَّ حلالات، وما قال فيهنَّ الكفار من التحريم، فهو كذب.
"حُنفاء": جمع حَنِيْف، وهو المائل عن الباطل.
стр. 2468
"فاجتالَتْهُم"، قد يجيء الافتعال بمعنى حمل أحد على فعل كقولهم: اختطب زيدٌ عمرًا على نكاح فلانة؛ أي: حمله على خِطبتها، وهنا (اجتالتهم) معناه: حملتهم الشيطان على حولانهم "عن دينهم"؛ أي: انحرافهم وميلهم عن الدين.
"وحرمت عليهم"؛ أي: حَرَّمَتِ الشياطين عليهم ما أحللْتُ لهم نحو: البحيرة والسَّائبة والوَصيلة والحَام.
"ما لم أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا"؛ أي: ما لم آمرهم به، ولم أنزل على نبي به كتابًا، وذلك مثلُ اتخاذِ بعضهم الأصنام آلهةً، وبعضهم عيسى ﵇، وبعضهم الشمس، وبعضهم عُزير.
(أمْقُتُهُمْ)؛ أي: أبغضهم، وإنما أبغضهم لأنهم كانوا قَبْلَ محمدٍ ﷺ كفارًا، فقومُ موسى غَيَّروا دينَ موسى، وقومُ عيسى؛ زَعَمَ بعضُهم: أن عيسى ابن الله، وبعضهم: أنه شريك الله وغير ذلك، وباقي الناس كانوا يعبدون الأصنام أو الشمس أو الملائكة أو النار.
"إلا بقايا من أهل الكتاب"؛ يعني: إلا جماعة من قوم عيسى بقوا على متابعته ﵇.
"وقال"؛ أي: قال الله تعالى: "إنما بعثتُكَ": يا محمد "لأبتليْكَ"؛ أي: لأختبرك هل تصبر على بلاء إيذاء قومك إياك، وهل تبلغ رسالتي.
"وأبتَليَ بكَ"؛ أي: ولأختبرَ بسببك قومَك، هل يؤمنون بك أم يكفرون بك.
"وأنزلتُ عليك كتابًا"؛ أي: القرآن.
"لا يغسلُهُ الماءُ"؛ يعني: يَسَّرْتُ حفظَهُ عليك وعلى أمتك، وحفظتكم عن النسيان، فإذا كنتم تحفظونه، فكيف يغسله الماء عن صدوركم.
стр. 2469
"تقرؤه نائمًا ويقظان"؛ أي: تقرؤه في حال الاضطجاع والقعود.
وقيل: معناه: يكون في صدرك نائمًا ويقظانَ.
"إذن يَثْلِغُوا رأسي فيدعوه خُبْزَةً"، (الثَّلْغُ): كَسْرُ الرأس، (فيدعُوه)؛ أي: فيتركوه، (خبزة)؛ أي: مثل خبزة.
يعني: إن حَرَقْتُ (١) قريشًا يكسروا رأسي، ويجعلوه كخبزة؛ يعني: جيشي قليلٌ وهم جَمْعٌ كثيرٌ لا أقدر على محاربتهم.
"نُغْزِكَ" بضم النون؛ أي: ننصرُكَ ونقوِّي جيشَكَ؛ يعني: لا تخف من محاربتهم فإنا نشجع جيشك، ونمدك بالملائكة وننصرك، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة.
"نبعثُ خمسةً مثله"؛ يعني: نمدك بالملائكة أكثر من جيشك.
* * *
٤١٣٦ - عن ابن عبَّاسٍ قال: لمَّا نَزلتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النَّبيُّ ﷺ الصَّفا، فَجَعَلَ يُنادي: "يا بني فِهْرٍ! يا بني عَدِيٍّ! " لِبُطونِ قُرَيْشٍ، حتَّى اجْتَمعُوا، فقالَ: أرأَيْتَكُمْ لوْ أَخْبَرتُكُمْ أنَّ خَيْلًا بالوادِي تُريدُ أنْ تُغيرَ عليكُمْ، أكنتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " قالوا: نعمْ، ما جَرَّبنا عليكَ إلَاّ صِدْقًا، قال: "فإنِّي نَذيرٌ لكُمْ بينَ يَدَيْ عَذابٍ شديدٍ"، قالَ أبو لَهَبٍ: تبًّا لكَ سائِرَ اليَوْمِ، أَلِهذا جَمَعْتَنا؟ فنزلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
ويُروَى: "نادَى: يا بني عبدِ مَنافٍ! إنَّما مَثَلي ومثَلُكُمْ كمثَلِ رَجُلٍ رأَى العَدُوَّ، فانْطَلقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ، فخَشيَ أنْ يَسبقُوهُ، فجَعَلَ يَهتِفُ: يا صَباحاه! ".
قوله: "الصَّفا": اسم جبل بمكة.
стр. 2470
"فجعلَ"؛ أي: فطفق.
(بني فهر وبني عدي) بطنان؛ أي: قبيلتان من أقارب النبي ﷺ .
"لبطون قريش"؛ يعني: ينادي قبائل قريش.
"أرأيتَكُمْ"؛ أي: أخبروني، (أرأَيْتَكَ)؛ أي: أخبرني، (أرأَيْتَكُمَا)؛ أي: أخبراني، وفي المؤنث: (أرأيتَكِ أرأيتَكُمَا أرأيتَكُنَّ) كلها بفتح التاء.
"أن خيلًا بالوادي"؛ أي: أن جيشًا بالوادي، وهو ها هنا موضع معروف بقرب مكة.
"ما جَرَّبنا عليك إلا صدقًا"؛ يعني: اختَبَرْنَاك وجَرَّبناك، وما رأينا منكَ إلا صدقًا، كانوا يعتقدونه ﷺ صادقًا في الأمور الدنيوية، وكاذبًا فيما أخبر من أمر الدين والآخرة.
"فإني نذير"؛ أي: منذر "لكم بين يَدَيْ عذابٍ شديدٍ"؛ أي: قبل نزول عذاب شديد.
(لكم)؛ يعني: إن لم تؤمنوا ينزلُ عليكم عذابٌ شديدٌ عن قريب.
" ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ "؛ أي: هَلَكَتْ وخَسرت يدا أبي لهب.
" ﴿وَتَبَّ﴾ "؛ أي: تب هو، والمراد بـ (تباب اليد): أنه لا حاصل له فيما يفعل ويقول من عبادة الأوثان وجمع المال وغيرهما.
"يربوا أهله"؛ أي: يصعد جبلًا، وينظر إلى حوالي قومه كي لا يأتيهم العدو بغتة، وليخبرهم بمجيء العدو إذا رأى العدو من البعد، ويقال لهذا الرجل: الدَّيْدَبَانُ.
"فخشي أن يسبقوه"؛ أي: فخشي الديدبان إذا رأى العدو أنه لو أتى إلى قومه لسبقه العدو؛ أي: لوصلَ العدو إلى قومه وأغارهم قبل أن يصل الديدبان
стр. 2471
إليهم، فلما خشي الديدبان وصول العدو إلى قومه قبل وصوله إليهم، نادى الديدبان قومه من رأس جبل: (يا صَباحاه)، هذا اللفظ يستعمل في مجيء العدو؛ يعني: اهربوا وفروا فإن العدو قد جاء.
والغرض من تلفظ النبي ﷺ بهذا الكلام: أني أخبركم بقرب نزول العذاب إليكم فاهربوا منه بأن تؤمنوا بي.
"يا صباحاه": تقديره: يا قوم احذروا الإغارة في وقت الصباح، أو قد قرب إغارة في وقت الصباح، وإنما خص قرب الإغارة في وقت الصباح؛ لأن العادة لمن أغار قومًا أن يغيرَهم في وقت الصباح.
* * *
٤١٣٧ - عن أبي هُريرةَ قال: لمَّا نَزلتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دَعا النَّبيُّ ﷺ قُرَيْشًا، فاجتَمَعُوا، فعَمَّ وخَصَّ، فقال: "يا بني كَعْبِ بن لُؤَيٍّ! أَنْقِذوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني مُرَّةَ بن كَعْبٍ أَنْقِذوا أنفُسَكُمْ مِنَ النارِ، يا بني عبدِ شَمْسٍ! أَنْقِذوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني عبدِ مَنافٍ! أَنْقِذوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني هاشِمٍ! أَنْقِذوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني عبدِ المُطَّلِبِ! أَنْقِذوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا فاطِمَةُ! أَنْقِذي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فإنِّي لا أَمْلِكُ لكُمْ مِنَ الله شيئًا، غيرَ أنَّ لكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّها ببلالِها".
وفي رِوايةٍ: "يا مَعْشرَ قُرَيْشٍ! اشتَرُوا أنفُسَكُمْ، لا أُغْني عنكُمْ مِنَ الله شَيْئًا، يا بني عبدِ مَنافٍ! لا أُغني عنكُمْ مِنَ الله شيئًا، يا عبَّاسُ بن عبدِ المُطَّلِبِ! لا أُغني عَنْكَ مِنَ الله شيئًا، ويا صَفِيَّةُ! عمَّةَ رسولِ الله ﷺ لا أُغني عنكِ مِنَ الله شيئًا، ويا فاطِمَةُ بنتَ مُحَمَّدٍ! سَلِيني ما شِئْتِ مِنْ مالي، لا أُغني عنكِ مِنَ الله شيئًا".
قوله: "أنقذوا"؛ أي: خَلِّصُوا.
стр. 2472
"فإني لا أملك لكم من الله شيئًا"؛ يعني: لا أقدرُ أن أدفعَ عنكم شيئًا من عذاب الله، إن أراد أن يعذبَكم، فإني أشفع لمن أذن الله تعالى أن أشفعَ له، فأما مَنْ أرادَ الله أن يعذبَهُ، لم يأذن لي في أن أشفع له.
"غيرَ أنَ لكم رَحِمًا" يعني: لا أقدر أن أردَّ عذابَ الله عن أقاربي الكفار غير أن لهم قرابة، "سَأَبُلُّها"؛ أي: سأصِلُ تلك القرابة.
"ببلالِها"؛ أي: بالشيء الذي يتوصل به إلى الأقارب من الإحسان ودفع الظلم عنهم وغيرهما.
قوله: "اشتروا أنفسكم"، أصله (اشترِيُوا) بكسر الراء وضم الياء، فأسكنت الراء ونُقلب ضمةُ الياء إليها، وحذفت الياء لسكونها وسكون الواو؛ أي: خلصوا أنفسَكُم من النار بتركِ الكُفْرِ.
مِنَ الحِسَانِ:
* * *
٤١٣٨ - عن أبي مُوسى ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أُمَّتي هذهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، ليسَ عَلَيها عَذَابٌ في الآخِرَةِ، عذابُها في الدُّنيا: الفِتَنُ والزَّلازِلُ والقَتْلُ".
قوله: "أمتي هذه أُمَّةٌ مرحومَةٌ ليس عليها عذابٌ في الآخرة" هذا الحديث مشكل؛ لأن مفهومه: أن لا يُعذَّبَ أحدٌ من أمة النبي ﷺ ، فيلزم أن لا يُعذَّبَ مَنْ قتلَ من المسلمين أعدادًا كثيرة، وسرقَ أموالهم وآذاهم وقذفهم وفعلَ الكبائر كلها، ومعلوم أن هذا لم يقل به أحد، وقد جاءت أحاديث بتعذيب الزاني والقاتل بغير الحق والقاذف وغيرهم من أصحاب الكبائر.
وتأويل هذا الحديث: أن قوله: "أمتي هذه أمة مرحومة"، أراد بهم: من
стр. 2473
اقتداه ﷺ كما ينبغي، ويحب الله ورسوله، فأما من فعل كبيرةً فقد استحقَّ العذاب، ثم أَمْرُهُ إلى الله تعالى؛ إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه.
* * *
٤١٣٩ - عن أبي عُبَيْدَةَ ومعاذِ بن جَبَلٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "إنَّ هذا الأمرَ بدأَ نُبوَّةً ورَحْمَةً، ثمَّ يكونُ خِلافةً ورَحْمَةً، ثمَّ مُلكًا عَضُوضًا، ثمَّ كائِنٌ جَبْرِيَّةً وعُتُوًا وفَسادًا في الأَرْضِ، يَستَحِلُّونَ الحَريرَ والفُروجَ والخُمورَ، يُرْزَقونَ على ذلكَ ويُنْصَرونَ، حتَّى يَلْقَوا الله".
قوله: "إنَّ هذا الأمرَ"؛ أي: إن هذا الدين والإسلام وما بُعِثْتُ به.
"بدأ نُبُوَّةً ورحمةً"، (بدأ)؛ أي: ظهر، و (نبوَّةً): منصوبة على التمييز أو على الحال؛ يعني: أول الدين إلى زمان حياته ﷺ لم يكن فيه باطل، بل كان جميعه زمان نزول الوحي والرحمة، ثم بعد وفاته ﷺ زمان الخلافة إلى انقضاء خلافة الخلفاء الراشدين، فزمان خلافتهم ﵃ كان زمانَ الرحمة والشفقة والعدل، ثم بعد خلافتهم تشوَّشَ الأمرُ وظهرَ بعض الظلم بين الناس، ولم يقتد الخلفاءُ بالنبي ﷺ اقتداءً تامًا، بل خلطوا العدل بالظلم كما هو معروف من حكاية يزيد، وقتل الحسين، وظلم حجَّاج بن يوسف، وغير ذلك.
قوله: "مُلْكًا عَضُوضًا"، (العَضُوض): مبالغة من العَضِّ، وهو أخذ الشيء بالسِنِّ.
وروي: "ثم ملكُ عُضوض" بإضافة (ملك) إلى (عضوض) - بضم العين - وهي جمع العِض - بكسر العين -، وهو الرجل الخبيث الشرير؛ يعني: يكون الملوك يظلمون الناس ويؤذونهم بغير حق.
"ثم كائن جَبْرِيَّةً"؛ أي: ثم يغلب الظلم والفساد على الملوك بحيث يَقِلُّ
стр. 2474
عَدْلُهم، ويكثرُ ظلمُهم وفسادُهم.
* * *
٤١٤٠ - عن عائِشَةَ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ أوَّلَ ما يُكْفأُ - قال الرَّاوي: يعني: الإسلامَ - كما يُكْفَأُ الإناءُ"؛ يعني: الخَمْرَ. قيلَ: فكيفَ، يا رسولَ الله! وقدْ بيَّنَ الله فيها ما بيَّن؟ قال: "يُسَمُّونهَا بغَيْرِ اسمِها فيَستحِلُّونَها".
قوله: "إن أول ما يكفأ - قال الراوي: يعني: في الإسلام - كما يُكْفَأُ الإناء؛ يعني: الخمر"، قصَّةُ هذا: أن النبي ﷺ كان يتحدثُ في الخمر، فقال في أثناء حديثه: "إن أولَ ما يُكْفَأُ الإناء"؛ يعني: أن الخمر التي يتحدث فيها أول شيء يُكفأ "كما يكفأ الإناء"، و (الكَفْءُ): تنكيسُ الإناء لينصبَّ ما فيه، والمراد بـ (الكفء) هنا: صبُّ ظرفِ الخمر في الفم؛ أي: شرب الخمر.
يعني: أولُ معصيةٍ تظهرُ وتُعلَنُ في الإسلام شرب الخمر.
"كيف وقد بَيَّنَ الله فيها ما بين"؛ يعني: كيف يشربون الخمر، وقد بَيَّنَ الله تحريمها.
قال: "يُسمُّونَهَا بغير اسمها"؛ يعني: يتخذون الخمر من الذرة والعسل وغيرها، ويقولون: هذا بِتْعٌ، وهو الخمرُ المُتَّخَذُ من العسل، وهذا جِعَةٌ، وهي من الشعير، وهذا مِزْرٌ، وهو من الذرة، وغير ذلك، ويعتقدون حِلَّ هذه الأشربة، ويقولون: ليست بخمر؛ لأن الخمر ما يُتخذ من العنب.
وهذا باطل؛ لأن الخمر ما خَامَرَ العقل؛ أي: سَتَرَهُ سواء كان من العنب وغيره، والله أعلم.
° ° °
стр. 2475
٢٥ - كِتابُ الفِتَنِ
стр. 2476
[٢٥]
كِتابُ الفِتَنِ
(كتاب الفتن)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٤١ - عن حُذَيْفةَ قال: "قامَ فِينا رَسولُ الله ﷺ مَقامًا، ما تركَ شيئًا يكونُ في مَقامِهِ ذلكَ إلى قِيامِ السَّاعةِ إلَاّ حدَّثَ بهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ ونَسِيَهُ مَنْ نسِيَهُ، قدْ عَلِمَهُ أصحابي هؤلاءِ، وإنَّهُ لَيكونُ منهُ الشَّيءُ قدْ نسيتُهُ، فأراهُ فأذْكُرُه كما يَذكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إذا غابَ عنهُ، ثُمَّ إذا رآهُ عَرَفَهُ".
قوله: "قام فينا رسول الله ﷺ مَقامًا"؛ يعني: خطبنا ووعظنا وأخبرنا بما يظهرُ من الفِتنِ من ذلك الوقت إلى يوم القيامة.
* * *
٤١٤٢ - وعن حُذَيْفَةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "تُعْرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ كالحَصيرِ عُوْدًا عُوْدًا، فأيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وأيُّ قَلْبٍ أنكَرَها نُكِتَتْ فيهِ نُكْتَةٌ بَيضاءُ، حتَّى تَصيرَ على قلبَيْنِ: أَبْيضَ مِثلِ الصَّفا، فلا تَضُرُّهُ فِتنةٌ ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ، والآخرُ أسودُ مُرْبادًّا كالكُوزِ، مُجَخِّيًا لا يَعرِفُ مَعْروفًا، ولا يُنكِرُ مُنْكرًا، إلَاّ ما أُشْرِبَ مِنْ هَواهُ".
قوله: "تُعرَضُ الفتن كالحصير عودًا عودًا"، (عودًا): مفعولُ فعل
стр. 2477
محذوف؛ أي: تُنسج عودًا فعودًا؛ أي: عُودٌ بعدَ عوُدٍ حتى يصير حصيرًا.
يعني: كما أن الحصير يجتمع من عودات واحدًا واحدًا، فكذلك الفتن تظهرُ في القلوب واحدةً بعد واحدة، حتى تَستُرَ الفتنُ جميعَ القلوب وتسوِّدها؛ لأنه يظهر من كل فتنة في القلب نكتة سوداء، فإذا اجتمعت نكت كثيرة في القلب فصار القلب مستورًا بالنكَت، فحينئذ لا يعرف الخير من الشر؛ لانعدام نور القلب، وأراد بـ (الفتن): الاعتقادات الفاسدة.
"أُشرِبَها": هذا ماضٍ مجهول، يقال: شربَ زيدٌ الماءَ، وأَشْرَبَ زيدٌ عَمرًا الماءَ؛ أي: سقى زيدٌ عَمرًا الماء، ثم يستعمل (أُشْرِبَ) بمعنى خلط؛ لأن الماء يختلط بالشارب.
قوله: "فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها"؛ أي: فأيُّ قلبٍ خلط فيه الفتن ودخلَتْهُ الفتن.
"نكتت فيه"؛ أي: أَثَّرَتْ فيه، ونُقِشَتْ فيه (نكتة)؛ أي: نقطة سوداء.
"وأيُّ قلبٍ أنكرها"؛ يعني: أيَّ قلبٍ امتنع عن قَبولِ تلك الفتن ظهر فيه النور.
"حتى تصير على قلبين": الضمير في (تصير) ضمير القلوب؛ يعني: حتى تصيرَ قلوبُ أهلِ ذلك العصر على نوعين:
أحدهما: "أبيض مثل الصَّفا" وهو الحجر الأبيضُ شديد البياض، "فلا تضرُّهُ فتنة"؛ يعني: مِنْ حِفْظِهِ الله تعالى في ذلك الوقت عن الفتن، يُحْفَظُ بعدَ ذلك أيضًا عن الفتن إلى يوم القيامة.
والنوع الثاني: "أَسْوَدُ مُرْبَادُّ"، (المُرْبَادُّ): الطين المتغير المنتن، الذي صار أسودًا من غاية تغيره وطول مكثه بمكان، ثم يستعمل المُرْبَادُّ في كل متغير، وفي الأسود الذي هو على غاية السَّواد؛ يعني: والآخر يصير أسود غاية السَّواد لا يعرف الخير، ولا يبصر الحق؛ لانعدام النور عنه، فيصير خاليًا عن الخير.
стр. 2478
"كالكُوز مُجَخِّيًا"، (مُجَخِّيًا): منصوب على الحال، ومعناه: المائل والمنكوس؛ يعني: كما أن الكُوز إذا نُكِسَ لا يبقى فيه ماء، فكذلك هذا القلب لا يبقى فيه خير إلا ما أُشْرِبَ من هواه.
يعني: لا يُعرف هذا القلب إلا ما قَبلَ مِنَ الاعتقادات الفاسدة، ومِنَ الشهوات النفسانية؛ يعني: يقبَلُ كلَّ شرٍّ.
* * *
٤١٤٣ - وقال حُذَيْفَةُ: حدَّثنا رسولُ الله ﷺ حَديثَيْنِ، رأَيتُ أَحَدَهُما، وأنا أَنتَظِرُ الآخرَ، حَدَّثنا أنَّ الأَمانةَ نَزلَتْ في جَذْرِ قُلوبِ الرِّجالِ، ثمَّ عَلِموا مِنَ القُرآنِ، ثمَّ عَلِموا مِنَ السُّنَّةِ. وحَدَّثَنا عنْ رفعِها قال: "يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمةَ فَتُقْبَضُ الأَمانةُ مِنْ قلبهِ، فيَظلُّ أثَرُها مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ، ثمَّ يَنامُ النَّوْمةَ فتُقْبَضُ، فيَبقَى أثَرُها مِثْلَ أثَرِ المَجْلِ كجَمْرٍ دَحْرجتَهُ على رِجلِكَ فنَفِطَ، فتراهُ مُنْتَبرًا وليسَ فيهِ شيءٌ، ويُصْبحُ النَّاسُ يَتَبايَعونَ ولا يكادُ أَحَدٌ يُؤدِّي الأمانةَ، فيُقال: إنَّ في بني فُلانٍ رَجُلًا أمينًا، ويُقالُ للرَّجُلِ: ما أَعْقَلَهُ، وما أظرَفَهُ، وما أَجْلَدَهُ، وما في قَلْبهِ مِثقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ".
قوله: "رأيتُ أحدَهما" أراد بـ (أحدهما): نزول الأمانة، وهي الإيمان ها هنا، وأراد حذيفةُ بالحديث الثاني: ارتفاعَ الأمانة، وهي الإيمان - أيضًا - وانتقاصه؛ يعني: لم أرَ انتقاصُ الإيمان وارتفاعَه، بل سيكون في عصرٍ آخر لا في عصر الصحابة ﵃.
"في جَذْرِ قلوب الرجال"، (الجَذْرُ): الأصل، فتلفظ بـ (الرجال)، وأراد الرجال والنساء جميعًا.
"ثم عَلِمُوا من القرآن"؛ يعني: وضعَ الله تعالى بفضلِهِ نورَ الإيمان في قلوب المسلمين، ثم علموا بنور الإيمان حقيقةَ الدين، وعلموا أحكامَ الشرع من
стр. 2479
القرآن و"من السُّنَّة"، وهي الأحاديث النبوية.
"فتقبَضُ الأمانة"؛ أي: الإيمان، وأرادَ بقبضِ الأمانة هنا: قبضَ بعض الإيمان لا جميعه؛ يعني: ينتقص الإيمان.
"فيظلُّ أثرُها"؛ أي: فيصيرُ أثرُ الأمانة؛ أي: الإيمان.
"مثل أَثَرِ الوَكْتِ"، (الوَكْتُ): نقطة بيضاء تظهرُ في سَوَادِ العين؛ يعني: يبقى أثر من الإيمان في قلوب بعض الناس، فيزول أكثره، فإذا كان كذلك تكون أعماله القبيحة أكثر من أعماله الصالحة.
"ثم ينامُ النَّوْمَة"؛ يعني: ثم يزولُ عن قلبه بعض ما بقي فيه من الإيمان.
"مثل أثر المَجْلِ"، (المَجْلُ): ظهورُ نقطةٍ كبيرة في الكَفِّ من العمل؛ يعني: كما أنَّ المَجْلَ باطنُهُ مجوَّفٌ يراه الناس، ويحسبون أن في جَوْفِهِ شيئًا، ولم يكن فيه شيء، فكذلك هذا الرجل يحسبه الناس صالحًا، ولا يكون فيه من الصلاح والإيمان إلا قليل.
"كَجَمْرٍ دحرجْتَهُ على رِجْلِكَ" هذا صفة المَجْلِ.
(الجَمْرُ): خشبٌ محترقٌ قبل أن تُخمدَ ناره.
و (دحرجْتُهُ)؛ أي: رددْتُهُ.
يعني: كما أنك إذا وضعت رجلك على جمر فتحترق رجلك، ويظهر فيها نقطةٌ كبيرة مجوفةُ الباطن؛ يعني: ذاك الرجل الذي نقصَ إيمانُهُ مرةً بعد أخرى، يكون مثل مَجْلٍ، يشبه نقطة تظهر برجْلِ مَنْ دَحْرَجَ جَمرًا برجله.
"فَنَفِطَ"؛ أي: ظهر برجله نقطة؛ أي: بَثْرَةٌ مجوفة.
"مُنْتَبرًا"؛ أي: كبيرًا مرتفعًا.
"يتبايعون"؛ أي: يجري بينهم البيع، ولا يحفظون الأمانة في المعاملات؛
стр. 2480
لأن حفظَ الأمانة أثرُ كَمَال الإيمان، فإذا نقصَ الإيمان نقصَتِ الأمانة، فيقال: "إن في بني فلان رجلًا أمينًا"؛ يعني: لا يبقى مَنْ يحفظ الأمانة إلا قليلًا حتى يكون في كل ناحية واحد، ويُقال: "ما أعقله"، (ما) في هذه الكلمات الثلاث: (ما) التعجب؛ يعني: يمدحُ أهلُ ذلك الزمان الرجال بكثرة العقل والظرافة والجلادة، ولا يمدحونهم بكثرة الصَّلاح، والواو في: "وما في قلبه" واو الحال، و (ما) للنفي.
* * *
٤١٤٤ - وعن حُذَيْفةَ قال: كانَ النَّاسُ يَسألونَ رسولَ الله ﷺ عنِ الخَيْرِ، وكُنْتُ أسألُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخافةَ أنْ يُدرِكَني، فقُلْتُ: يا رسولَ الله! إنَّا كُنَّا في جاهِليَّةٍ وشرٍّ، فجاءَنا الله بهذا الخَيْرِ، فهلْ بعدَ هذا الخيرِ مِنْ شرٍّ؟ قال: "نعمْ"، قلتُ: وهلْ بعدَ ذلكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قال: "نعمْ، وفيهِ دَخَنٌ". قلتُ: وما دَخَنُهُ؟ قال: "قومٌ يَسْتنُّونَ بغيرِ سُنَّتي، ويَهدونَ بغيرِ هَدْيي، تَعرِفُ منهمْ وتُنكِرُ". قلت: فهلْ بعدَ ذلكَ الخَيرِ منْ شرٍّ؟ قال: "نعمْ، دُعاةٌ على أبوابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أجابَهُمْ إليها قَذَفوهُ فيها". قلتُ: يا رسولَ الله! صِفْهُمْ لنا. قال: "هُمْ مِنَ جِلْدَتِنا، ويتكلَّمونَ بألسِنَتِنا". قلتُ: فما تأْمُرُني إنْ أدركَني ذلكَ؟ قال: "تَلزَمُ جَماعَةَ المُسْلِمينَ وإمامَهُمْ". قلتُ: فإنْ لَمْ يكُنْ لَهُمْ جَماعَةٌ ولا إمامٌ؟ قال: "فاعتَزِلْ تلكَ الفِرَقَ كلَّها، ولوْ أنْ تَعَضَّ بأصْلِ شَجَرَةٍ حتَّى يُدرِكَكَ المَوْتُ وأنتَ على ذلكَ".
وفي رِوايةٍ: "تكونُ بعدِي أئِمَّةٌ لا يَهتَدونَ بهُدايَ ولا يَستنُّونَ بسُنَّتي، وسيقومُ فيهِمْ رِجالٌ قُلُوبُهُمْ كقلوبِ الشَّياطينِ في جُثمانِ إنسٍ". قالَ حُذَيْفةُ، قلتُ: كيفَ أَصْنَعُ يا رسولَ الله إنْ أدركْتُ ذلكَ؟ قال: "تَسْمَعُ وتُطيعُ الأميرَ، وإن ضُرِبَ ظَهْرُكَ وأُخِذَ مالُكَ".
стр. 2481
قوله: "فهل بعد هذا الخير من شر"؛ يعني: هل يجيء بعد الإسلام الكفر والضلالة والبدع والفتن.
"وهل بعد ذلك الشر من خير"؛ يعني: وهل تزول الفتن والبدع، ويجيء بعدها العدل والصلاح؟.
"وفيه دَخَنٌ" بفتح الدال والخاء؛ أي: كُدُوْرَةٌ؛ أي: لا تكون الاعتقادات الصحيحة والأعمال الصالحة وعدل الملوك في ذلك الوقت خالصة، بل يخالطُهَا المكروهات.
"قومٌ يستنُّونَ بغير سنتي"؛ يعني: يكون في ذلك الوقت قوم يعتقدون اعتقادات، ويعملون أعمالًا غير ما أنا عليه.
"ويَهدون بغير هَدْيي"؛ أي: ويتخذون سِيَرًا غير سِيرتي، والسِّيرة: الطريقة التي عليها الرجل من الفعل والقول.
"تَعرِفُ منهم وتُنِكرُ"؛ أي: ترى فيهم ما تعرفُه أنه من ديني، وترى فيهم أيضًا ما تنكِرُ كونَهُ من ديني؛ يعني: ترى فيهم السُّنة والخيرَ والشرَّ.
"فهل بعد ذلك الخيرِ من شر"؛ يعني: هل يضعف الإسلام بعد ذلك ويقوى أهل الشر؟
"قال: نعم دعاةٌ على أبوابِ جهنم"، (دُعَاة): جمع الداعي؛ يعني: يظهر بعد ذلك جماعة من أهل البدعة والضلالة، يدعون الناس من الخير إلى الشر، ومن السُّنة إلى البدعة.
"مَنْ أجابَهُمْ": فكأنما قذفوهُ في نارِ جهنَّمَ.
"قال: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا"؛ يعني: هم بشرٌ مثلنا.
"ويتكلمون بألسنتنا"؛ أي: بلغتنا؛ يعني: لا نقدرُ أن نعرفَهُم بصورِهِمْ بل بِسِيَرِهِمْ.
стр. 2482
قوله: "في جُثْمَان إِنْسٍ"، و (الجُثمان): الشخص.
"تسمعُ وتطيعُ"؛ يعني: طريق النجاة في ذلك الوقت: أن تسمعَ ما يأمرُكَ الأميرُ، وتطيعُه ولا تعصيه، إلا إذا أمرك بمعصية، فإنك حينئذ لا تطيعه، ولكن لا تقاتله، بل فرَّ منه.
* * *
٤١٤٥ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "بادِرُوا بالأَعْمالِ فِتَنًا كقِطَعِ اللَّيل المُظْلِمِ، يُصبحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمْسي كافِرًا، ويُمْسي مُؤْمِنًا ويُصْبحُ كافِرًا، يبيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا".
قوله: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل"، (بادروا)؛ أي: أسرعوا وسابقوا، (القِطَع): جمع قِطْعَةٍ، وهي بعض الشيء؛ يعني: ستأتي فتنٌ شديدة كالليل المظلم لا يعرفُ أحدٌ سببَهَا، ولا يُعْرَفُ طريقُ الخلاص منها، فتعجَّلوا بالأعمال الصالحة قبل مجيئها، فإنكم لا تطيقون الأعمال الصالحة إذا أتتكم الفتن.
"يصبحُ الرجلُ مؤمنًا ويمسي كافرًا"؛ يعني: يكفرُ كثيرٌ من المسلمين بالله في تلك الفتن، والفتن التي يكفر المسلم فيها تحتمل احتمالات:
أحدها: أن تكون بين طائفتين مسلمَتَيْن حربٌ، فتستحلُّ كلُّ واحدةٍ من الطائفتين مالَ الأخرى ودمَها بالتعصب والغضب، فيكفرون باستحلالهم أموالَ المسلمين ودمائَهم.
والاحتمال الثاني: أن يغلب الكفارُ على بلاد المسلمين، ويكون ملوكُ بلادهم كفارًا، فيأمرون الرعيَّةَ بالارتداد عن الإسلام إلى الكفر، وربما يرتدُّ المسلمُ لطلبِ جَاهٍ ومَالٍ منهم من غير أن يطلبوا منه الكفر.
стр. 2483
والاحتمال الثالث: أن يكونَ ملوكُ بلاد المسلمين مسلمين، ولكن يغلبُ عليهم الظلمُ والفسقُ، فيريقونَ دماءَ المسلمين، ويأخذون أموالهم بغير حق، ويزنون، ويشربون الخمر، ويلبسون الحرير، ويعتقد بعضُ الناس أنهم على الحق، ويفتيهم بعض علماء السوء على جواز ما يفعلون من المحرمات، وربما يغضبُ الملكُ على أحد من الرعيَّةِ، ويأمر الناس بقتله، أو بأخذ ماله، فيعتقدُ بعض الناس كَوْنَ أمره حقًا، وربما يأمر بصلبِ السَّارق، فيعتقد الناسُ جوازَهُ، فيكفرون به، لأن حدَّ السَّارقِ القَطْعُ لا الصَّلب.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٤١٤٦ - وقال: "ستكونُ فِتَنٌ القاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ القائِمُ، والقائِمُ فيها خَيْرٌ مِنَ الماشي، والماشي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعي، مَنْ تَشرَّفَ لها تَسْتَشرِفْهُ، فمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أو مَعاذًا فلْيَعُذْ بهِ".
وفي رِوايةٍ: "النَّائِمُ فيها خيرٌ مِنَ اليَقْظانِ، واليَقْظانُ خيرٌ مِنَ القائِمِ".
قوله: "ستكون فتن القاعدُ فيها خيرٌ من القائم": وإنما كان القاعد فيها خيرًا من القائم؛ لأن القائمَ أقربُ إلى تلك الفتن من القاعد؛ لأنه يرى ويسمع، ما لا يراه ويسمعه القاعد، وكذلك القائم بمكانه خيرٌ من الماشي إلى الفتن.
"من تَشَرَّفَ لها تَسْتَشْرِفْهُ"، (تَشَرَّفَ واسْتَشْرَفَ): إذا صعد مكانًا شَرَفًا؛ أي: مرتفعًا؛ لينظر إلى شيء، هذا هو الأصل، ثم يستعمل (التَّشَرُّفُ والاستِشْرَافُ) في النظر إلى شيء في أيِّ مكانٍ كان؛ يعني: مَنْ قَرُبَ من تلك الفتن، ونظرَ إليها، نظرَتْ إليه الفتنُ؛ يعني: مَنْ قَرُبَ منها تَجره إلى نفسها؛ يعني: الخلاص في التباعد منها، والهلاك في مقاربتها.
стр. 2484
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٤١٤٦/ م - وفي رِوايةٍ: "فإذا وَقَعَتْ فمَنْ كانَ له إبلٌ فَلْيَلْحَقْ بإبلِهِ، ومَنْ كانَتْ لهُ غَنَمٌ فليلْحَقْ بغَنَمِهِ، ومَنْ كانَتْ لهُ أرضٌ فليلْحَقْ بأرضهِ". فقالَ رَجُلٌ: يا رسُولَ الله! أرأَيْتَ مَنْ لَمْ تكُنْ لهُ إبلٌ ولا غَنَمٌ ولا أرضٌ؟ قال: "يعمِدُ إلى سيفِهِ فيدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بحَجَرٍ، ثمَّ ليَنْجُ إن استطاعَ النَّجاءَ، اللهمَّ هلْ بلَّغْتُ؟ " ثلاثًا، فقال رَجُلٌ: يا رسُولَ الله! أرأيتَ إنْ أُكْرِهْتُ حتَّى يُنْطَلَقَ بي إلى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ فضرَبني رَجُلٌ بسيفِهِ، أوْ يَجيءُ سَهْمٌ فيقتُلُني؟ قال: "يبوءُ بإثمه وإثمِك ويكونُ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ".
قوله: "فمَنْ كان له إبلٌ فليلحق بإبله"؛ يعني: فليطْرِدْ إبلَه، وليبعدْ من تلك الفتنِ إلى موضع بعيد.
"فيدق على حده بحجر"؛ يعني: فليكسرْ سلاحَه كي لا يذهب به إلى الحرب، وإنما أمر النبي ﷺ بكسر السلاح؛ لأن تلك الفتن تكون الحرب بين المسلمين، ولا يجوز حضور تلك الحرب.
"ثم لينج"؛ أي: ثم لِيسرعْ في الفرار عن تلك الفتن، (النَّجَا): الإسراع.
"يبوءُ بإثمِهِ وإثمِكَ": (يبوء)؛ أي: يرجع؛ يعني: يكون لمَنْ أكرهَكَ إثمُ نفسِه وإثمُكَ.
روى هذا الحديث أبو بكرة.
* * *
٤١٤٧ - وقال: "يُوشِكُ أنْ يكونَ خَيْرَ مالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجِبالِ ومَواقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بدينِهِ مِنَ الفِتَنِ".
стр. 2485
قوله: "يوشِك" ... إلى آخره، أي: سوف تكون المواشي أفضل مال الرجل بسبب أن يذهب مع مواشيه إلى الصحارى والجبال ليرعَاها، ويكون معها مقيمًا هناك، ويخلص بسبب إقامته هناك عن الفتن، ومحاربته المسلمين؛ لأن المحاربة حينئذ تكون بين المسلمين.
"شَعَفَ الجبالِ"؛ أي: رؤوسها، واحدها: (شَعَفَة).
"ومواقِعَ القَطْرِ"، (المَوَاقِع): جمع مَوْقِع، وهو موضع الوقوع.
و (القَطْرِ): المطر؛ أي: المواضعُ التي ينزل فيها المطر، يريد بها الصحارى والجبال.
روى هذا الحديث أبو سعيد.
* * *
*
٤١٤٨ - عن أُسامَةَ قال: أَشْرَفَ النَّبيُّ ﷺ على أُطُمٍ مِنْ آطامِ المَدينةِ فقال: "هل تَروْنَ ما أَرَى؟ " قالوا: لا، قال: "فإنِّي لأَرَى الفِتَنَ تَقَعُ خِلالَ بُيوتِكُمْ كوَقْعِ المَطَرِ".
قوله: "أَشْرَفَ النبيُّ ﷺ "؛ أي: طَلَعَ ونَظَرَ.
(الأُطُمُ): الأَكَمَةُ، (الخِلال): الوسَط؛ يعني: أرى الله تعالى نبيَّه ﷺ حين صعدَ ذلك الموضع اقترابَ الفتن؛ ليخبرَ بها أمته؛ ليكونوا على حذر منها.
* * *
٤١٤٩ - وقال: "هَلَكَةُ أُمَّتي على يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ".
قوله: "هَلَكَةُ أُمَّتي على يَدَيْ غِلْمَةٍ مِن قُرَيْشٍ"، (الغِلْمَةُ): جمع غُلام، والمراد بـ (الغِلمَة): الشبان، لعله ﷺ يريد بأولئك الغِلمَة: الخلفاءُ الذين كانوا
стр. 2486
بعد الخلفاء الراشدين ﵃ مثل يزيد وعبد الملك بن مروان وغيرهما، فإنه قد لحقَ المسلمين من أولئك الخلفاء قتل وظلم.
روى هذا الحديث أبو هريرة ﵁.
* * *
٤١٥٠ - وقال: "يتقارَبُ الزَّمَانُ، ويُقبَضُ العِلمُ، وتظهَرُ الفِتنُ، ويُلْقَى الشُّحُّ، ويكثُرُ الهَرْجُ". قالوا: وما الهَرْجُ؟ قال: "القتلُ".
قوله: "يتقاربُ الزمان": قال الخطابي: معناه: قصرُ زمان الأعمال (١)، وقلةُ البركة في الأعمار، وقيل: هو دُنُوُ الساعة، وقيل: هو قصر مدة الأيام والليالي على ما رُوي: أن الزمان يتقارب حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السَّعَفَة، والسَّعَفَةُ: ورق النخل.
"ويُلْقَى الشُّحُّ"؛ أي: يُلقى البخلُ في القلوب حتى يحبوا المال، ولا يؤدوا الزكاة والكفارات والنذور.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٤١٥١ - وقال: "والذِي نَفْسي بيدِه، لا تَذْهَبُ الدُّنْيا حتَّى يأْتيَ عَلَى النَّاسِ يومٌ لا يَدْري القاتِلُ فيمَ قتلَ، ولا المَقتُولُ فيمَ قُتِلَ". فقيلَ: كيفَ يكونُ ذلكَ؟ قال: "الهَرْجُ، القاتِلُ والمَقتولُ في النَّارِ".
قوله: "الهَرْجُ"؛ يعني: تكون حرب بين طائفتين من المسلمين للعصبية
стр. 2487
وطلب الجاه يقتل بعضهم بعضًا.
"القاتل والمقتول في النار"؛ أما القاتل؛ فلأنه يقتل المسلمين ظلمًا، وأما المقتول: فلأنه كان حَريصًا على قتل المسلمين أيضًا، هكذا جاء تفسير هذا الحديث عن النبي ﷺ في حديث آخر.
روى هذا الحديث أبو هريرة ﵁.
* * *
٤١٥٢ - وقال: "العِبادَةُ في الهَرْجِ كهِجْرَةٍ إليَّ".
قوله: "العبادة في الهَرْجِ كهجرة إليَّ"؛ يعني: ثواب عبادة في زمان الفتن والمحاربة بين المسلمين كثواب هِجْرَةٍ من مكة إلى المدينة في زمانه ﷺ قبل فتح مكة.
روى هذا الحديث معقل بن يسار ﵁.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤١٥٤ - عن حُذَيْفةَ ﵁ قال: والله ما أَدْري أَنَسِيَ أَصْحابي أوْ تَناسَوْا؟ والله ما تَرَكَ رسولُ الله ﷺ مِنْ قائِدِ فِتْنَةٍ إلى أنْ تَنْقضيَ الدُّنْيا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثلاثَ مِئَةٍ فَصَاعِدًا إلَاّ قدْ سَمَّاهُ لنا باسمِهِ واسمِ أبيهِ واسمِ قبيلَتِهِ.
قوله: "قائد فِتْنَةٍ"، أراد بـ (قائد الفتنة): مَنْ تَحْدُثُ بسببه بِدعةٌ أو ضلالةٌ أو محاربةٌ كعالم مبتدع يأمر الناس بالبدعة، أو أمير جَائر يحارب المسلمين.
"يبلغُ مَنْ معه"؛ يعني: يتَّبعُهُ.
"ثلاث مئة" إنسان "فصاعدًا"؛ أي: زائدًا.
* * *
стр. 2488
٤١٥٥ - وقال: "إنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتي الأَئِمَّةَ المُضلِّينَ، وإذا وُضعَ السَّيْفُ في أُمَّتي لم يُرْفَعْ عنهمْ إلى يَوْمِ القِيامةِ".
قوله: "إنما أخافُ على أُمَّتي الأئمَّة المضلِّين"، (الأَئِمَّة): جمع الإمام، وهو رأسُ القوم، ومن يدعوهم إلى فعل أو قول أو اعتقاد؛ يعني: أخاف أن يحدث بين أمتي المبتدعون، فيدعونهم إلى البدعة والضلالة.
"فإذا وُضعَ السَّيفُ في أمتي لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة"؛ يعني: إذا ظهرت الحربُ بين أمتي، تبقى الحرب بينهم إلى يوم القيامة، إن لم يكن في بلد يكن في بلد آخر.
روى هذا الحديث ثوبان ﵁.
* * *
٤١٥٦ - عن سَفينةَ قال: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "الخِلافَةُ ثلاثونَ سنةً ثمَّ تكونُ مُلْكًا". ثُمَّ يقولُ سَفينةُ: أمْسِكْ، خِلافةُ أبي بكرٍ سَنتين، وخِلافةُ عُمرَ عَشرًا، وخِلافةُ عُثمانَ اثنتَيْ عَشَرةَ، وعليٌّ سِتًّا".
قوله: "الخلافة ثلاثون سنة ثم ملكًا"؛ يعني: الخلافةُ المرضية لله تعالى ولرسوله ﷺ تكون ثلاثين سنة، وهو زمن خلافة الخلفاء الراشدين المهديين، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، ثم بعد ذلك لا يكون الخلفاء متبعين بالنبي ﷺ ، بل يظلمون الناس، ويخلطون الشرَّ بالخير.
* * *
٤١٥٧ - وعن حُذَيْفةَ قال: قلتُ: يا رسُولَ الله! أيكونُ بعدَ هذا الخَيْرِ شَرٌّ كما كانَ قبلَهُ شرٌّ؟ قال: "نعمْ". قلتُ: فما العِصْمَةُ؟ قال: "السَّيفُ". قلتُ: وهَلْ بعدَ السَّيفِ بقيَّةٌ؟ قال: "نَعَمْ، تكونُ إِمارَةٌ على أَقْذَاءَ وهُدْنَةٌ على
стр. 2489
دَخَنٍ". قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: "ثمَّ تَنْشَأُ دُعاةُ الضَّلالِ، فإنْ كانَ لله في الأَرْضِ خَليفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ وأَخَذَ مالَكَ فأَطِعْهُ، وإلا فَمُتْ وأنتَ عاضٌّ على جِذْلِ شَجَرةٍ". قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: "ثمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ بعدَ ذلكَ، معَهُ نَهْرٌ ونارٌ، فمَنْ وَقَعَ في نارِهِ وجَبَ أَجْرُهُ وحُطَّ وِزْرُهُ، ومَنْ وقعَ في نَهْرِهِ وجَبَ وِزْرُهُ وحُطَّ أجرُهُ". قالَ: قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: "ثمَّ يُنْتَجُ المُهْرُ فلا يُركَبُ حتَّى تَقُومَ السَّاعةُ".
وفي رِوايةٍ: "هُدْنَةٌ على دَخَنٍ، وجَماعةٌ على أقذاءَ". قلتُ: يا رسولَ الله! الهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ ما هيَ؟ قال: "لا تَرْجعُ قلوبُ أقوامٍ على الذي كانتْ عليهِ". قلتُ: بعدَ هذا الخَيْرِ شرٌّ؟ قال: "فِتْنَةٌ عَمْياءُ صَمَّاءُ، عليها دُعاةٌ على أبوابِ النَّارِ، فإنْ مِتَّ يا حُذَيفَةُ وأنتَ عاضٌّ على جِذْلٍ خيرٌ لكَ منْ أنْ تَتَّبعَ أَحَدًا منهُمْ".
قوله: "أيكون بعد هذا الخير شر": هذا الحديث معناه مثل الحديث الرابع من (كتاب الفتن)، وقد ذكرناه.
قوله: "فما العِصْمَةُ؟ "؛ يعني: فما طريق النجاة من ذلك الشر؟
قال ﷺ :
"السَّيفُ"؛ يعني: طريقُ النجاة أن تضربَهم بسيفِكَ.
قال قتادة: المراد بهذه الطائفة: هم الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ في زمن خلافة أبي بكرٍ الصديق.
"وهل بعد السَّيف بقية؟ "؛ يعني: إذا ضربناهم بالسيف فهل يبقى الإسلام بعد محاربتنا إياهم، وهل يصلح أهل ذلك الزمان بعد ذلك؟
فقال ﷺ : "نعم تكونُ إمارةٌ على أَقْذاءَ، وهُدْنَةٌ على دَخَنٍ"، (الأَقْذَاء): جمع القَذَى، و (القَذَى): جمع القَذَاة، وهي ما يقع في العين من التِّبن والتراب،
стр. 2490
(الهُدْنَةُ) بضم الهاء: الصلح، (الدَّخَن): الكُدُورَةُ واللون الذي يَضرب إلى السَّواد.
يعني: يكون في أهل ذلك الزمان أميرٌ بينه وبينهم صلحٌ غير خالص، بل يظهرون الصلح ويبطنون العداوةَ والبغضَ، كما أن العين التي تقع فيها القذاة ظاهرها صحيح، وباطنها سقيم.
"تنشأ"؛ أي: تظهر.
"وأنت عاضٌّ على جِذْلِ شجرة"، (الجِذْلُ): الجِذْعُ؛ يعني: لا تخالطهم، بل فرَّ منهم، ولازم موضعًا بعيدًا تحت شجرة.
"فمن وقع في ناره"؛ يعني: فمَنْ خالَفَهُ حتى يلقيه في ناره.
"فلا يُركِب": بضم الياء وكسر الكاف، وهو مضارع (أَرْكَبَ): إذا بلغَ المُهْرُ وقتَ الرُّكوب؛ يعني: يكون مجيء القيامة قريبًا.
"لا ترجعُ قلوبُ قومٍ على الذي كانت عليه"؛ يعني: لا تكون قلوبهم صافيةٌ من الحقد والبغض، كما كانت صافية قبل ذلك.
"فتنةٌ عمياءُ صَمَّاءُ"؛ يعني: فتنةٌ شديدة، لا يكون قتال أهل ذلك الزمان عن بصيرة، بل كما أن الأعمى لا يدري أين يذهب، فكذلك أولئك الجماعة لا يدرون بأي سبب يقاتلون، وهذا مثل قوله ﷺ : "لا يدري القاتل فيما قَتل، ولا المقتول فيما قُتل".
وسُميت (صَمَّاء)؛ لأنها شديدة، يقال: (صخرة صَمَّاء)؛ أي: شديدة، ويحتمل أن يكون (الصَمَّاء)؛ لكون أهل تلك الفتنة صُمًا؛ أي: لا يسمعون الحق والنصيحة، بل يحاربون عن الجهل والعداوة، ولصيرورة أهلها كالأَصم من كثرة أصواتهم، ووَقْعِ السلاح والضرب.
* * *