بعد الخلفاء الراشدين ﵃ مثل يزيد وعبد الملك بن مروان وغيرهما، فإنه قد لحقَ المسلمين من أولئك الخلفاء قتل وظلم.
روى هذا الحديث أبو هريرة ﵁.
* * *
٤١٥٠ - وقال: "يتقارَبُ الزَّمَانُ، ويُقبَضُ العِلمُ، وتظهَرُ الفِتنُ، ويُلْقَى الشُّحُّ، ويكثُرُ الهَرْجُ". قالوا: وما الهَرْجُ؟ قال: "القتلُ".
قوله: "يتقاربُ الزمان": قال الخطابي: معناه: قصرُ زمان الأعمال (١)، وقلةُ البركة في الأعمار، وقيل: هو دُنُوُ الساعة، وقيل: هو قصر مدة الأيام والليالي على ما رُوي: أن الزمان يتقارب حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السَّعَفَة، والسَّعَفَةُ: ورق النخل.
"ويُلْقَى الشُّحُّ"؛ أي: يُلقى البخلُ في القلوب حتى يحبوا المال، ولا يؤدوا الزكاة والكفارات والنذور.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٤١٥١ - وقال: "والذِي نَفْسي بيدِه، لا تَذْهَبُ الدُّنْيا حتَّى يأْتيَ عَلَى النَّاسِ يومٌ لا يَدْري القاتِلُ فيمَ قتلَ، ولا المَقتُولُ فيمَ قُتِلَ". فقيلَ: كيفَ يكونُ ذلكَ؟ قال: "الهَرْجُ، القاتِلُ والمَقتولُ في النَّارِ".
قوله: "الهَرْجُ"؛ يعني: تكون حرب بين طائفتين من المسلمين للعصبية
стр. 2487
وطلب الجاه يقتل بعضهم بعضًا.
"القاتل والمقتول في النار"؛ أما القاتل؛ فلأنه يقتل المسلمين ظلمًا، وأما المقتول: فلأنه كان حَريصًا على قتل المسلمين أيضًا، هكذا جاء تفسير هذا الحديث عن النبي ﷺ في حديث آخر.
روى هذا الحديث أبو هريرة ﵁.
* * *
٤١٥٢ - وقال: "العِبادَةُ في الهَرْجِ كهِجْرَةٍ إليَّ".
قوله: "العبادة في الهَرْجِ كهجرة إليَّ"؛ يعني: ثواب عبادة في زمان الفتن والمحاربة بين المسلمين كثواب هِجْرَةٍ من مكة إلى المدينة في زمانه ﷺ قبل فتح مكة.
روى هذا الحديث معقل بن يسار ﵁.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤١٥٤ - عن حُذَيْفةَ ﵁ قال: والله ما أَدْري أَنَسِيَ أَصْحابي أوْ تَناسَوْا؟ والله ما تَرَكَ رسولُ الله ﷺ مِنْ قائِدِ فِتْنَةٍ إلى أنْ تَنْقضيَ الدُّنْيا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثلاثَ مِئَةٍ فَصَاعِدًا إلَاّ قدْ سَمَّاهُ لنا باسمِهِ واسمِ أبيهِ واسمِ قبيلَتِهِ.
قوله: "قائد فِتْنَةٍ"، أراد بـ (قائد الفتنة): مَنْ تَحْدُثُ بسببه بِدعةٌ أو ضلالةٌ أو محاربةٌ كعالم مبتدع يأمر الناس بالبدعة، أو أمير جَائر يحارب المسلمين.
"يبلغُ مَنْ معه"؛ يعني: يتَّبعُهُ.
"ثلاث مئة" إنسان "فصاعدًا"؛ أي: زائدًا.
* * *
стр. 2488
٤١٥٥ - وقال: "إنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتي الأَئِمَّةَ المُضلِّينَ، وإذا وُضعَ السَّيْفُ في أُمَّتي لم يُرْفَعْ عنهمْ إلى يَوْمِ القِيامةِ".
قوله: "إنما أخافُ على أُمَّتي الأئمَّة المضلِّين"، (الأَئِمَّة): جمع الإمام، وهو رأسُ القوم، ومن يدعوهم إلى فعل أو قول أو اعتقاد؛ يعني: أخاف أن يحدث بين أمتي المبتدعون، فيدعونهم إلى البدعة والضلالة.
"فإذا وُضعَ السَّيفُ في أمتي لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة"؛ يعني: إذا ظهرت الحربُ بين أمتي، تبقى الحرب بينهم إلى يوم القيامة، إن لم يكن في بلد يكن في بلد آخر.
روى هذا الحديث ثوبان ﵁.
* * *
٤١٥٦ - عن سَفينةَ قال: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "الخِلافَةُ ثلاثونَ سنةً ثمَّ تكونُ مُلْكًا". ثُمَّ يقولُ سَفينةُ: أمْسِكْ، خِلافةُ أبي بكرٍ سَنتين، وخِلافةُ عُمرَ عَشرًا، وخِلافةُ عُثمانَ اثنتَيْ عَشَرةَ، وعليٌّ سِتًّا".
قوله: "الخلافة ثلاثون سنة ثم ملكًا"؛ يعني: الخلافةُ المرضية لله تعالى ولرسوله ﷺ تكون ثلاثين سنة، وهو زمن خلافة الخلفاء الراشدين المهديين، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، ثم بعد ذلك لا يكون الخلفاء متبعين بالنبي ﷺ ، بل يظلمون الناس، ويخلطون الشرَّ بالخير.
* * *
٤١٥٧ - وعن حُذَيْفةَ قال: قلتُ: يا رسُولَ الله! أيكونُ بعدَ هذا الخَيْرِ شَرٌّ كما كانَ قبلَهُ شرٌّ؟ قال: "نعمْ". قلتُ: فما العِصْمَةُ؟ قال: "السَّيفُ". قلتُ: وهَلْ بعدَ السَّيفِ بقيَّةٌ؟ قال: "نَعَمْ، تكونُ إِمارَةٌ على أَقْذَاءَ وهُدْنَةٌ على
стр. 2489
دَخَنٍ". قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: "ثمَّ تَنْشَأُ دُعاةُ الضَّلالِ، فإنْ كانَ لله في الأَرْضِ خَليفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ وأَخَذَ مالَكَ فأَطِعْهُ، وإلا فَمُتْ وأنتَ عاضٌّ على جِذْلِ شَجَرةٍ". قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: "ثمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ بعدَ ذلكَ، معَهُ نَهْرٌ ونارٌ، فمَنْ وَقَعَ في نارِهِ وجَبَ أَجْرُهُ وحُطَّ وِزْرُهُ، ومَنْ وقعَ في نَهْرِهِ وجَبَ وِزْرُهُ وحُطَّ أجرُهُ". قالَ: قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: "ثمَّ يُنْتَجُ المُهْرُ فلا يُركَبُ حتَّى تَقُومَ السَّاعةُ".
وفي رِوايةٍ: "هُدْنَةٌ على دَخَنٍ، وجَماعةٌ على أقذاءَ". قلتُ: يا رسولَ الله! الهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ ما هيَ؟ قال: "لا تَرْجعُ قلوبُ أقوامٍ على الذي كانتْ عليهِ". قلتُ: بعدَ هذا الخَيْرِ شرٌّ؟ قال: "فِتْنَةٌ عَمْياءُ صَمَّاءُ، عليها دُعاةٌ على أبوابِ النَّارِ، فإنْ مِتَّ يا حُذَيفَةُ وأنتَ عاضٌّ على جِذْلٍ خيرٌ لكَ منْ أنْ تَتَّبعَ أَحَدًا منهُمْ".
قوله: "أيكون بعد هذا الخير شر": هذا الحديث معناه مثل الحديث الرابع من (كتاب الفتن)، وقد ذكرناه.
قوله: "فما العِصْمَةُ؟ "؛ يعني: فما طريق النجاة من ذلك الشر؟
قال ﷺ :
"السَّيفُ"؛ يعني: طريقُ النجاة أن تضربَهم بسيفِكَ.
قال قتادة: المراد بهذه الطائفة: هم الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ في زمن خلافة أبي بكرٍ الصديق.
"وهل بعد السَّيف بقية؟ "؛ يعني: إذا ضربناهم بالسيف فهل يبقى الإسلام بعد محاربتنا إياهم، وهل يصلح أهل ذلك الزمان بعد ذلك؟
فقال ﷺ : "نعم تكونُ إمارةٌ على أَقْذاءَ، وهُدْنَةٌ على دَخَنٍ"، (الأَقْذَاء): جمع القَذَى، و (القَذَى): جمع القَذَاة، وهي ما يقع في العين من التِّبن والتراب،
стр. 2490
(الهُدْنَةُ) بضم الهاء: الصلح، (الدَّخَن): الكُدُورَةُ واللون الذي يَضرب إلى السَّواد.
يعني: يكون في أهل ذلك الزمان أميرٌ بينه وبينهم صلحٌ غير خالص، بل يظهرون الصلح ويبطنون العداوةَ والبغضَ، كما أن العين التي تقع فيها القذاة ظاهرها صحيح، وباطنها سقيم.
"تنشأ"؛ أي: تظهر.
"وأنت عاضٌّ على جِذْلِ شجرة"، (الجِذْلُ): الجِذْعُ؛ يعني: لا تخالطهم، بل فرَّ منهم، ولازم موضعًا بعيدًا تحت شجرة.
"فمن وقع في ناره"؛ يعني: فمَنْ خالَفَهُ حتى يلقيه في ناره.
"فلا يُركِب": بضم الياء وكسر الكاف، وهو مضارع (أَرْكَبَ): إذا بلغَ المُهْرُ وقتَ الرُّكوب؛ يعني: يكون مجيء القيامة قريبًا.
"لا ترجعُ قلوبُ قومٍ على الذي كانت عليه"؛ يعني: لا تكون قلوبهم صافيةٌ من الحقد والبغض، كما كانت صافية قبل ذلك.
"فتنةٌ عمياءُ صَمَّاءُ"؛ يعني: فتنةٌ شديدة، لا يكون قتال أهل ذلك الزمان عن بصيرة، بل كما أن الأعمى لا يدري أين يذهب، فكذلك أولئك الجماعة لا يدرون بأي سبب يقاتلون، وهذا مثل قوله ﷺ : "لا يدري القاتل فيما قَتل، ولا المقتول فيما قُتل".
وسُميت (صَمَّاء)؛ لأنها شديدة، يقال: (صخرة صَمَّاء)؛ أي: شديدة، ويحتمل أن يكون (الصَمَّاء)؛ لكون أهل تلك الفتنة صُمًا؛ أي: لا يسمعون الحق والنصيحة، بل يحاربون عن الجهل والعداوة، ولصيرورة أهلها كالأَصم من كثرة أصواتهم، ووَقْعِ السلاح والضرب.
* * *
стр. 2491
٤١٥٨ - عن أبي ذَرٍّ ﵁ قالَ: كنتُ رَديفًا خَلْفَ رسولِ الله ﷺ يَوْمًا على حِمارٍ، فلمَّا جاوَزْنا بُيوتَ المَدينةِ قال: "كيفَ بكَ يا أبا ذَرٍّ إذا كَانَ في المدينةِ جُوْعٌ تقومُ عنْ فِراشِكَ فلا تبلُغُ مَسْجِدَكَ حتَى يُجْهِدَكَ الجُوعُ؟ " قالَ: قلتُ: الله ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: "تعفَّفْ يا أبا ذرٍّ"، ثمَّ قالَ: "كيفَ بكَ يا أبا ذرٍّ إذا كانَ بالمَدينةِ مَوْتٌ يبلُغُ البَيْتُ العبدَ حتَّى أنَّه يُباعُ القَبْرُ بالعبدِ؟ " قالَ: قلتُ: الله ورسولُهُ أعلمُ، قال: "تصَبَّرْ يا أبا ذرٍّ"، قالَ: "كيفَ بكَ يا أبا ذرٍّ إذا كانَ بالمَدينةِ قَتْلٌ تَغْمُرُ الدِّماءُ أَحْجارَ الزَّيْتِ؟ " قال: قلتُ: الله ورسولُهُ أعلمُ، قال: "تأْتي مَنْ أنتَ منهُ" قالَ: قلتُ: وألبَسُ السِّلاحَ؟ قال: "شارَكْتَ القَوْمَ إذًا" قُلتُ: فكيفَ أَصْنَعُ يا رسولَ الله؟ قال: "إنْ خَشِيْتَ أنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فأَلْقِ ناحِيَةَ ثوبكَ عَلَى وَجْهِكَ لِيَبُوءَ بإثْمِكَ وإِثْمِهِ".
قوله: "يُجْهِدكَ الجُوعُ"، (الجَهْد): الإيذاء؛ يعني: يظهر قحطٌ، وتزول قوتُكَ، بحيث لا تقدر أن تمشيَ من البيت إلى المسجد من غاية الجوع.
"تعفَّفْ"؛ يعني: لازم العِفَّةَ، وهي الصلاح؛ يعني: اصبر على الجوع، ولا تأكل حرامًا ولا شبهة.
"يبلُغُ البيتُ العَبدَ"؛ يعني: يُباع بيتٌ بعبدٍ؛ يعني: يكونُ البيت رخيصًا من غاية قِلَّةِ الناس بالموت، ويحتمل أن يريد بالبيت هنا: القبر، فيكون ما بعده تفسيرًا له؛ يعني: لا يحفر الحفار قبرًا حتى يأخذَ عبدًا بالأجرة، أو لا يجد أحدٌ موضعَ قبرٍ إلا بعبد يعطيه في ثمن موضع قبر من كثرة الموتى.
"تَصَبَّرْ"؛ أي: اصبر؛ يعني: اصبر بالبلاء ولا تجزع، تُصِبِ الأَجْرَ.
"تَغمُرُ الدِّماء أحجارَ الزَّيتِ"، (الغَمْرُ): الستر. (أحجارَ الزَّيتِ): اسم موضع بالمدينة؛ يعني: تكثرُ دماء القتلى حتى تغمرَ الدماء أحجار الزَّيت. "تأتي مَنْ أنت منه"؛ يعني: خيرك في أن تأتي مَنْ كان على الحق.
стр. 2492
"شاركْتَ القوم"؛ يعني: لو لبستَ السلاح، فكنت منهم في الإثم.
"إن خشيتَ أن يَبْهَرَكَ شعاعُ السَّيف"، (البهر): الغَلَبَةُ.
يعني: لا تحاربهم فإن جاءك أحدٌ يحاربك فلا تحاربه، بل استسلم نفسك للقتل حتى يحصل له إثمُ قتلك، والاستسلام إنما يكون إذا لم يمكنه الفرار، وإنما نهاه عن المحاربة؛ لأن أهل تلك الحرب كلهم مسلمون.
وقيل: حارب يزيدُ بن معاوية أهل المدينة في أحجار الزيت.
* * *
٤١٥٩ - وعن عبدِ الله بن عَمْرِو بن العاصِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "كيفَ بكَ إذا بَقيتَ في حُثالَةٍ مِنَ النَّاسِ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وأَماناتُهُمْ، واخْتَلَفُوا فكانُوا هكذا؟ " وشَبَّكَ بينَ أَصَابعِهِ، قال: فبمَ تأمُرُني؟ قال: "عليكَ بِما تعرِفُ، ودَعْ ما تُنكِرُ، وعَلَيكَ بخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَإِيَّاكَ وعَوَامَّهُمْ".
وفي روايةٍ: "اِلزَمْ بَيْتَكَ، واملِكْ عَليكَ، لسانَكَ، وخُذْ ما تَعْرِفُ، ودَعْ ما تُنكِرُ، وعليكَ بأمرِ خَاصَّةِ نفسِكَ، ودَعْ أَمْرَ العَامَّة"، صحيح.
قوله: "كيفَ بك"؛ أي: كيف يكونُ حالُك إذا أتى عليك زمان يكون أهلها بلا خير.
(الحُثَالة): الرديء من كل شيء، و (الحُفَالة) مثلها.
"مَرِجَتْ عهودُهُمْ"؛ أي: اختلطت عهودُهُمْ؛ يعني: لا يكون أمرهم مستقيمًا، بل يكون كل يوم أو كل لحظة على طبع، وعلى عهد ينقضون العهد ويعصون ربهم.
"عليك بما تعرِف"؛ أي: الزم وافعل ما تعرفُ كونه حقًا، واترك ما تنكر أنه حق.
стр. 2493
"وعليك بخاصة نفسك، وإياك وعوامَّهم"؛ يعني: الزم أمر نفسك، واحفظ نفسك ودينك، واترك الناس ولا تتبعهم، وهذا منه ﷺ رخصة في ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إذا كَثُرَ الأشرار، وضعف الأخيار، ولم يقدر الأخيار على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
"املِكْ عليكَ لسانَك"، (الإملاك): الشدُّ والإحكام؛ يعني: اشدد لسانك، ولا تتكلم في أحوال الناس كي لا يؤذوك.
* * *
٤١٦٠ - عن أبي مُوسى، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه قال: "إنَّ بينَ يَدَي السَّاعةِ فِتَنًا كقِطَعِ اللَّيلِ المُظْلِمِ، يُصْبحُ الرَّجُلُ فيها مُؤْمِنًا ويُمسي كافِرًا، ويُمْسِي مُؤْمِنًا ويُصْبحُ كافِرًا، القاعِدُ فيها خَيْرٌ منَ القائِمِ، والماشي خيرٌ مِنَ السَّاعي، فكسِّرُوا فيها قِسِيَّكُمْ، وقطِّعُوا فيها أوْتارَكُمْ واضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بالحِجَارَةِ، والزَمُوا فيها أَجْوافَ بُيوتِكُمْ، فإنْ دُخِلَ على أَحَدٍ منكُمْ فَلْيكُنْ كخَيْرِ ابنيْ آدمَ"، صحيح.
ويُروَى: أَنَّهم قالوا: فَما تأمُرُنا؟ قال: "كونوا أَحْلاسَ بُيُوتِكُمْ".
قوله: "كَقِطَعِ الليل المظلمِ"، (القِطَعُ): جمع قطعة، وهي طائفة من الشيء، والمراد به ها هنا: بعض من الليل؛ يعني: تكون فتنة لا يكون فيها ضياء وخلاص لأهلها، ولا يُعرف المحق من المبطل.
"فكسِّروا فيها قِسِيَّكم" يريد بهذا الكلام: النهي عن المحاربة؛ لأن أهل تلك الحرب كلهم مسلمون.
"الأوتار": جمع الوتر: القوس.
"فليكنْ كخيرِ ابني آدمَ"؛ يعني: فليستسلم حتى يكون مقتولًا كهابيل، ولا يكن قاتلًا كقابيل.
стр. 2494
"كونوا أحلاسَ بيوتكم"، (الأَحْلاسُ): جمع حِلْسٍ، وهو نوع من الكساء؛ يعني: الزموا أجوافَ بيوتكم، ولا تخرجوا منها؛ كي لا تقعوا في الفتنة.
* * *
٤١٦١ - وعن أُمِّ مالكٍ البَهْزِيَّةِ قالت: ذكَرَ رسُولُ الله ﷺ فِتنةً فقَرَّبَها، قلتُ: مَنْ خيرُ النَّاسِ فيها؟ قال: "رَجُلٌ في ماشِيَتِهِ يُؤدِّي حَقَّها ويَعبُدُ ربَّهُ، ورَجُلٌ آخذٌ برَأْسِ فَرَسِهِ يُخِيْفُ العَدُوَّ ويُخوِّفُونَه".
قوله: "رجلٌ في ماشِيَتِهِ"؛ يعني: رجلٌ هَرَبَ من الفتنةِ ومخالطةِ الناس إلى باديةٍ بعيدة، يرعى مواشيه، ويقيم معهم؛ كي لا يقع في الفتنة.
"ورجلٌ أخذَ برأسِ فرسِهِ يُخيفُ العدوَّ ويخوِّفُونَهُ": أراد بـ (العدو) هنا: الكفار لا المسلمين؛ يعني: ورجلٌ هربَ من الفتن وقتال المسلمين، وقصدَ الكفارَ يحاربُهم ويحاربُونه.
* * *
٤١٦٢ - عن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله ﷺ : "ستكونُ فِتنةٌ تستنظِفُ العربُ قَتلاها في النَّارِ اللِّسانُ فيها أشدُّ منْ وَقْعِ السَّيفِ".
قوله: "تستنظِفُ العرب"، (الاستِنْظَاف): الاستيعاب؛ يعني: تصل تلك الفتنة إلى جميع العرب.
"قَتلاها في النار"، (القتلى): جمع قَتيل؛ بمعنى: مَقْتُول، وإنما كان قَتلى تلك الفتنة في النار؛ لأنهم كانوا مسلمين، ويحاربون للعصبية، يفرح كل أحد بقتل صاحبه، ويقصدُ قتلَه وأخذَ مالِهِ.
"اللِّسَانُ فيها أشَدُّ من وَقْعِ السَّيف" يحتمل هذا احتمالين:
стр. 2495
أحدهما: أنَّ مَنْ ذَكَرَ أهلَ تلك الحربِ بسوءٍ يكون آثمًا كَمَنْ حَارَبَهم؛ لأنهم مسلمين، وغيبة المسلم إثم، ولعل المراد بهذه الفتنة: الحربُ التي وقعت بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وبين معاوية ﵄، فلا شكَّ أن مَنْ ذكر أحدًا من هذين الصدرين وأصحابهما يكون مبتدعًا؛ لأن أصحابهما أكثرهم كانوا أصحابَ رسول الله ﷺ ، وسبُّ أصحاب رسول الله ﷺ بدعة.
والاحتمال الثاني: أن المراد بهذا الكلام: أن مَنْ مَدَّ لسانَهُ فيهم بشتمٍ أو غيبةٍ، يقصدونه بالضربِ والقتل، ويفعلون به ما يفعلون بمَنْ حارَبهم.
٤١٦٣ - وعن أبي هُريرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ستكونُ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ بَكْماءُ عَمْياءُ، مَنْ أَشْرَفَ لها استَشْرَفَتْ لهُ، وإِشْرافُ اللِّسانِ فيها كوُقُوعِ السَّيفِ".
قوله: "ستكونُ فتنةٌ صمَّاء بكماءُ عَمياءُ": ذكر شرح (الصماء والعمياء) في الحديث الرابع من الحِسَان، وأما (البَكْمَاء) فمعناها: أن أحدًا لا يقدرُ على الأمر بالمعروف فيها، والنهي عن المنكر، فمن تكلم بحقٍ يؤذيه الناس.
"من أَشرَفَ لها"؛ أي: مَن اطَّلَعَ عليها وقَرُبَ منها.
"استشرفَتْ"؛ أي: اطَّلعت تلك الفتنةُ عليه، وجَرَّتْهُ إلى نفسها، و (إشرافُ اللِّسَانِ)؛ أي: إطالة اللسان، معنى هذا مثلُ معنى قوله: "اللسانُ فيها أشدُّ مِنْ وَقْعِ السيف".
* * *
٤١٦٤ - عن عبدِ الله بن عُمَرَ قال: كُنَّا قُعُودًا عندَ النَّبيِّ ﷺ فَذَكَرَ الفِتَنَ، فأَكْثَرَ حتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الأَحْلاسِ، فقالَ قائِلٌ: وما فِتْنَةُ الأَحْلاسِ؟ قال: "هيَ هَرَبٌ وحَرْبٌ، ثمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُها منْ تحتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بيتي، يَزْعُمُ
стр. 2496
أنَّهُ منِّي وليسَ منِّي، إنَّما أَوْليائي المُتَّقُونَ، ثمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ على رَجُلٍ كوَرِكٍ على ضلَعٍ، ثمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْماءِ لا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هذهِ الأُمَّةِ إلا لطَمَتْهُ لَطْمةً، فإذا قيلَ: انقضَتْ تمادَتْ، يُصْبحُ الرَّجُلُ فيها مُؤْمِنًا ويُمْسِي كافِرًا، حتَّى يَصيرَ النَّاسُ إلى فُسْطاطَيْنِ: فُسطاطِ إِيْمانٍ لا نِفاقَ فيهِ، وفُسْطاطِ نِفاقٍ لا إِيْمانَ فيهِ، فإذا كانَ ذلكُمْ فانتظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أوْ مِنْ غَدِه".
قوله: "كُنَّا قُعودًا"؛ أي: كنا قاعدين.
"ذَكَرَ فِتنَةَ الأَحْلاس": قال الخطابي: إنما أضيفت الفتنة إلى الأحلاس لدوامِها وطول لبثها، يقال للرجل إذا لزم بيته ولا يبرح منه: (هو حِلْسُ بيتِهِ)، ولأن الحِلْسَ مفترش، فيبقى على المكان ما دام لا يرفع، وقد يحتمل أن تكون هذه الفتنة إنما شُبهَتْ بالأحلاس؛ لسوادِ لونها وظلمتها.
"هي هرَبٌ"؛ أي: فِرَارٌ، يفرُّ بعض الناس من بعض؛ لما بينهم من المحاربة، (الحرَب) بفتح الراء: أخذ المال.
و"فتنة السَّرَّاء"، (السَّرَّاء) بفتح السين: داءٌ يأخذ الناقة في سُرَّتها، يقال: (ناقة سَرَّاء)؛ أي: بها داء السَّرَر، فعلى هذا، معنى هذا الكلام: فتنةٌ الواقعةُ في الناس التي تُوجِعُ صدورَ الناس من الحزنِ ولحوق الضرر بهم.
"دَخَنها"؛ أي: دُخانُهَا؛ يعني: تظهر تلك الفتن بواسطة.
"رجلٌ من أهل بيتي، وليس من أهلي": لأنه لو كان من أهلي لم يهيج الفتنة؛ يعني: هو في النسب من أهل بيتي، ولكنه في الفعل ليس مني.
"ثم يصطلح الناس على رجل كَوَرِكٍ على ضلَعٍ"، قال الخطابي: هذا مثلٌ، ومعناه: الأمر الذي لا يثبتُ ولا يستقيمُ، وذلك أن الضلَع لا يقومُ بالوَرِكِ، ولا يحمله، وإنما يقال في باب الملازمة والموافقة إذا وصفوا: هو ككفٍ على ساعد، وكساعد في ذراع، ونحو ذلك.
стр. 2497
يريد: أن هذا الرجل غيرٌ جديرٍ للملك، ولا مستقل به.
"ثم فتنة الدهيماء لا تدعُ أحدًا من هذه الأمة إلا لطَمْتُه"، (الدهمياء): تصغير الدَّهْمَاءِ، وهي الداهية، وسميت بذلك؛ لإطلاقها، (اللَّطْمُ): الضربُ على الوجه ببطْنِ الكَفِّ؛ يعني بهذا الكلام: أن أثرَ تلكَ الفتنة يصل إلى كل واحد ممنْ حضرَ تلك الفتنة.
"حتى يصير الناسُ إلى فُسْطَاطين"، (الفُسْطَاط): الخيمة؛ يعني: يصير أهل ذلك الزمان فرقتين: مسلمٌ خالصٌ، وكافرٌ صِرْفٌ.
* * *
٤١٦٥ - عن أبي هُريرةَ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "وَيْلٌ للعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قدِ اقترَبَ، أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يدَهُ".
قوله: "ويلٌ للعرب من شرِّ قد اقتربَ" لعله يريد بهذا الشر: الاختلاف الذي ظهر بين المسلمين في عهد أمير المؤمنين علي، ومعاوية ﵄، وبين الحسين ﵁، وبين يزيد.
"أفلحَ مَنْ كَفَّ"؛ يعني: أفلحَ مَنْ حفظ يدَه عن القتال؛ لأن قتالَ المسلمين غير جائز.
* * *
٤١٦٦ - عن المِقْدادِ بن الأَسْوَدِ: أنَّه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ السَّعيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، إنَّ السَّعيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، إنَّ السَّعيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، ولَمَنْ ابتُلِيَ فَصَبَرَ فَواهًا".
قوله: "ولمن ابتُليَ فصَبَر فَواهًا"؛ يعني: مَنْ وقع في الفتنة فصبر على
стр. 2498
ظلم الناس إياه، وتحمَّل أذاهم ولم يحاربهم.
(فواهًا)؛ أي: فَوَاهًا له؛ أي: فطوبى له.
* * *
٤١٦٨ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "تدورُ رَحَى الإِسلامِ لخَمْسٍ وثلاثينَ، أو سِتٍّ وثلاثينَ، أو سَبْعٍ وثلاثينَ، فإنْ يَهْلِكُوا فَسَبيلُ مَنْ هَلَكَ، وإنْ يَقُمْ لهمْ دينُهُمْ يقُمْ لهمْ سبعينَ عامًا". قلتُ: أَمِمَّا بقيَ أوْ مِمَّا مَضَى؟ قال: "مِمَّا مَضى"، صحيح.
قوله: "تدورُ رَحَا الإسلام ... " إلى آخره.
قال الخطابي: (دَوَران الرَّحا): كناية عن الحرب والقتال، شبهها بالرحا الدوَّارة التي تطحنُ الحَبَّ؛ لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس، ويشبه أن يكون هذا ملك بني أمية وانتقاله إلى بني العباس، وكان ما بين استقرار ملك بني أمية إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان، وضعف أمر بني أمية، ودخل الوَهْنِ فيه نحوًا من سبعين سنة.
"لخمس وثلاثين، أو لست وثلاثين، أو لسبع وثلاثين" كلُّ ذلك شكٌ من الراوي أن رسول الله ﷺ قال: لخمس وثلاثين، أو قال: لست وثلاثين، أو قال: لسبع وثلاثين، واللام هنا بمعنى (في)؛ يعني: يحارب المسلمون المسلمين بعضهم بعضًا هذا القدر، وأولها أول محاربة علي ومعاوية ﵄.
يعني: فإن هلك المسلمون في المحاربة في هذا القدر من الزمان، فقد هلكوا كما هلك كثير من الناس من الأمم الماضية، وإن لم يهلكوا في هذا القدر، بل بقوا وبقي دينهم بقي دينهم سبعين سنة.
يعني: بقيت خلافةُ من استقرت خلافته في هذا القتال إلى سبعين سنة،
стр. 2499
وهم بنو أمية؛ لأنه انتقلَتْ الخلافة إلى بني أمية بعد وفاة أمير المؤمنين الحسين ابن علي ﵄.
"قلت: أممَّا بقيَ أو ممَّا مَضَى؟ "؛ يعني: قلت يتم لهم دينهم سبعين سنة بعد زمان الحرب الذي هو خمس وثلاثون أم يكون سبعين مع الخمسة والثلاثين؟
فقال ﷺ : "ممّا مضى"؛ يعني: يكون سبعين مع الخمسة والثلاثين، لا بعد الخمسة والثلاثين، والله أعلم.
* * *
٢ - باب المَلاحِمِ
(باب الملاحم)، (الملاحِم): جمع مَلْحَمَة، وهي الحرب.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٦٩ - عن أبي هُريرَةَ: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتانِ عَظيمَتانِ، يكونُ بينَهُما مَقْتَلَةٌ عَظيمةٌ دَعْواهُما واحِدَةٌ، وحتَّى يُبعَثَ دجَّالونَ كَذَّابونَ قَريبُ مِنْ ثلاثينَ، كلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رسولُ الله، وحتَّى يُقبَضَ العِلْمُ، وتَكْثُرَ الزَّلازِلُ، ويتقارَبَ الزَّمانُ، وتَظْهَرَ الفِتَنُ، ويَكْثُرَ الهَرْجُ وهو القتْلُ، وحتَّى يَكْثُرَ فيكُمُ المالُ فيَفيضَ حتَّى يُهِمَّ رَبَّ المالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقتَهُ، وحتَّى يَعْرِضَهُ فيقولُ الذي يَعْرِضُهُ عليهِ: لا أَرَبَ لي بِهِ، وحتَّى يتَطاوَلَ النَّاسُ في البنيانِ، وحتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فيقولَ: يا ليتَني مَكانَهُ، وحتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبها، فإذا طَلعَتْ ورَآها النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فذلكَ حِيْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وقَدْ
стр. 2500
نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوبَهُما بينَهُما فلا يتَبايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وقَدِ انصَرَفَ الرَّجُلُ بلَبن لِقْحَتِهِ فلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقومَنَّ السَّاعَةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فلا يَسقي فيهِ، ولَتَقومَنَّ السَّاعَةُ وقدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إلى فيهِ فلا يَطعَمُها".
قوله: "دعواهما واحدة"؛ يعني: تدعي كل واحدة منهما: أني مسلم.
"حتى تكثر الزلازل"، (الزَلازِل): جمع زَلْزَلَةٍ، وهي تحريك الأرض.
يعني: يكون تحريكُ الأرضِ في آخرِ الزمان كثيرًا.
"يتقاربُ الزَّمان"، ذُكر شرح هذا قبيل حِسَان (كتاب الفتن) بحديثين.
"فيفيضُ"، (الفيضُ): كثرةُ الماء وسيلانه.
"حتى يُهِمَّ ربَّ المالِ مَنْ يقبلُ صدقتَهُ"، (الإهمام): الحزن، وتقديره: حتى يُهِمَّ ربَّ المال فقدانُ من يقبل صدقته.
"لا أَرَبَ"؛ أي: لا حاجة.
"يا ليتَنِي مكانه"؛ يعني: يا ليتني كنتُ ميتًا حتى لا أرى الفتن والغُصَص.
"حتى تطلع الشمس من مغربها؛ فإذا طلعَتْ ورآها الناسُ أجمعون، فذلكَ حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ "؛ يعني: إذا طلعَتْ الشمسُ من المغرب لم يُقبل إيمانُ من لم يؤمن قبلَ طلوع الشمس من المغرب؛ لأن هذا الإيمان إيمان البَأس، وإيمان البَأسِ غير مقبول؛ لأن الإيمانَ المقبولَ هو الذي يكون بالغيب، وأما إذا طلعت الشمس من المغرب تَيَقَّنَ الناس مجيء القيامة؛ لأنه من علامات القيامة، فإذا تيقن الرجل مجيء القيامة لم يكن إيمانه إيمانًا بالغيب.
قوله: " ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ "؛ يعني: أو تاب المؤمن توبة لم تقبل توبته أيضًا كما ذكرنا في (الإيمان).
стр. 2501
وقصة طلوع الشمس من المغرب قد جاء في الحديث الصحيح: أن الليلةَ التي تطلعُ الشمسَ من المغرب في اليوم الذي بعدَها تطولُ تلك الليلة يقوم المتهجدون في تهجدهم، فلما فرغوا من أورادهم ولم يَروا أثر الصبح، ظنُّوا أنهم أخطئوا الوقت في القيام إلى التهجد، فظنوا أنهم قاموا قبل الوقت، فاستأنفوا أورادَهم، فلما فرغوا من أورادهم مرةً ثانيةً ولم يروا أثرَ الصبح، علموا أنه يحدث من الغيب شيء، فالتجؤوا إلى الله تعالى، وإلى الذِّكر وتلاوة القرآن، وبكوا وتضرعوا إلى الله تعالى، فإذا هم كذلك طلع الصبح من المغرب، ثم طلع الشمس من المغرب، ولم يكن لها نور، وشاهد الناس كلهم طلوعها من المغرب.
ففي رواية عن رسول الله ﷺ : "أن الشمس تطلع من المغرب يومًا واحدًا": وفي رواية: "أنها تطلع من المغرب ثلاثة أيام، ثم تطلع من المشرق إلى يوم القيامة".
واختلف أهل السنة في أن عَدم قَبول إيمان الكافر، وتوبة المذنب بعد طلوع الشمس، هل عام أم لا؟
فقال بعضهم: لا يُقبل إيمانٌ ولا توبةٌ لأحدٍ بعد طلوع الشمس من المغرب إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: ذلك مختصٌ بمن شاهدَ طلوع الشمس من المغرب، وهو مُمَيزٌ، فأما مَنْ يُولد بعد طلوع الشمس من المغرب، أو وُلد قبله ولم يكن مميزًا، فصار مميزًا بعد ذلك، ولم يشاهد طلوعَ الشمس من المغرب يقبل إيمانه وتوبته، وهذا هو الأصح.
"بِلَبن لِقْحَتِهِ"، (اللِّقْحَة): الناقة ذات اللبن؛ يعني: حَلَبَ الرجلُ ناقتَهُ وقامَتْ القيامةُ قبلَ أن يشربَ اللبن؛ يعني: إذا نُفِخَ في الصور فلم يقدر أحد على
стр. 2502
عملٍ؛ لا على قليل، ولا على كثير.
"يَلِيْطُ"؛ أي: يطين، "حَوْضَهُ" ليسقيَ به إبله.
* * *
٤١٧٠ - وقال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تُقاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وحتَّى تُقاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الأَعيُنِ حُمْرَ الوُجوهِ ذُلْفَ الأُنوفِ، كأنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ".
قوله: "ذُلْفَ الأُنوفِ"، (الذُّلْفُ): جمعُ الأَذْلَف، و (الأَذْلَفُ): الأنفُ الغليظَ المُسَطَّح.
"المَجَانُّ": جَمع مِجَنًّ، وهو التِّرس.
"المُطْرَقَةُ" بضم الميم: مفعول من الإطراق، ومعناه هنا: جعل الطِرَاق على وجه التِّرس، و (الطِراقُ) بكسر الطاء: الجِلد؛ يعني: وجوهُهُم عريضةٌ، ووجناتُهم مرتفعة كالمِجَنِّ.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٤١٧١ - وقال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تُقاتِلُوا خُوزًا وكِرْمانَ مِنَ الأعاجِمِ، حُمْرَ الوُجوهِ فُطْسَ الأُنوفِ صِغارَ الأَعيُنِ، كأنَّ وُجوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ نِعالُهُمُ الشِّعَرِ".
ويُروَى "عِراضَ الوُجُوهِ".
قوله: "حتى تقاتلوا خُوزًا وكِرْمَانَ": فرقتان من الناس.
"الفُطْسُ": جمعُ الأفطس، وهو مثل (الأَذْلَف)، وقد ذُكر قُبيل هذا.
стр. 2503
روى هذا الحديث أبو هريرة.
٤١٧٢ - وقال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُقاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهودَ، فيقتُلُهُم المُسْلِمونَ حتَّى يَخْتَبئَ اليَهودِيُّ مِنْ وَراءِ الحَجَرِ والشَّجَرِ، فَيقولُ الحَجَرُ والشَّجَرُ: يا مُسْلِمُ! يا عَبْدَ الله! هذا يَهُودِيٌّ خَلفِي، فَتَعَالَ فاقتُلْهُ، إلا الغَرْقَدَ فإنَّهُ منْ شَجَرِ اليَهودِ".
قوله: "حتى يَختبئَ"؛ أي: حتى يختفي.
"إلا الغَرْقَدَ فإنه من شجرِ اليهود" قيل: (الغَرْقَدُ): الصنوبر.
روى هذا الحديث ابن عمر.
* * *
٤١٧٣ - وقال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطانَ يَسوقُ النَّاسَ بعَصاهُ".
قوله: "حتى يخرج رجلٌ من قَحْطان"، (قَحْطَان): اسمُ قبيلة من قبائل عرب اليمن.
"يسوقُ الناسَ بعصاه"؛ أي: يصيرُ حاكمًا عليهم، ويصيرهم مطيعِينَ منقادين لنفسه، ويأمرهم بما شاء، وكيف شاء، كما يسوقُ الراعي الغنمَ بعصاه.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٤١٧٤ - وقال: "لا تَذْهَبُ الأيَّامُ واللَّيالي حتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ يُقالُ لهُ: الجَهْجَاهُ".
وفي رِوايةٍ: "حتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنَ المَوالي يُقالُ لهُ: الجَهْجَاهُ".
стр. 2504
"حتى يملِكَ رجلٌ"؛ أي: حتى يصيرَ حاكمًا على الناس.
"المَوَالي": جمع المولى، وهو الملوك ها هنا، أو العتيق.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٤١٧٥ - وقالَ: "لَيَفْتَتِحَنَّ عِصابَةٌ مِنَ المُسْلِمينَ كَنْزَ آلِ كِسرَى الذي في الأَبْيَضِ".
قوله: "في الأَبْيَضِ"، (الأَبْيَضُ): اسم لقصرٍ مبنيٍ من الجَصِّ والحَجَر، كان لكسرى، وفيه كنزه.
روى هذا الحديث جابر بن سَمُرَة.
* * *
٤١٧٦ - وقالَ: "هَلَكَ كِسْرَى فَلا يكونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، وقَيْصَرُ ليَهْلِكَنَّ ثمَّ لا يكونُ قَيْصَرُ بَعْدَهُ، ولتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهُما في سبيلِ الله". وسَمَّى الحَرْبَ خُدْعَةَ.
قوله: "هَلَكَ كسرى فلا يكونُ كِسرى بعده وقيصر": هذا ماضٍ بمعنى المستقبل؛ يعني: سَيهلك كسرى، وهو اسم لِمَنْ مَلَك العَجَم؛ يعني: سيفتح المسلمون العَجَم، ويكون بعد ذلك ملوكَ العَجَم المسلمون، لا كسرى ولا واحد من أبنائه.
و (قيصر): اسم لمن ملك الروم؛ يعني: سيفتح المسلمون الروم، ولا يكونُ ملكَ الروم إلا مسلمًا.
"وسمى الحرب خدعة".
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
стр. 2505
٤١٧٧ - وقال: "تَغْزُونَ جَزِيرَةَ العَرَبِ فَيَفْتَحُها الله، ثُمَّ تَغْزُونَ فارِسَ فَيَفْتَحُها الله، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُها الله، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ الله".
قوله: "تغزونَ جزيرةَ العربِ" ذُكر شرح (جزيرة العرب) في أول الكتاب في (باب الكبائر) قبيل الحِسان من (فصل الوسوسة).
روى هذا الحديث نافع بن عتبة بن أبي وقاص.
* * *
٤١٧٨ - عن عَوْفِ بن مالِكٍ قال: أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبوكَ وهو في قُبَّةٍ مِنْ أدَمٍ فقالَ: "اُعْدُدْ سِتًّا بينَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتي، ثمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثمَّ مُوْتانٌ يَأْخُذُ فيكُمْ كقُعاصِ الغَنَمِ، ثمَّ استِفاضَةُ المالِ حتَّى يُعطَى الرَّجُلُ مِئَةَ دينارٍ فَيَظَلُّ ساخِطًا، ثمَّ فِتْنَةٌ لا يَبقَى بيتٌ مِنَ العَرَبِ إلَاّ دَخَلَتْه، ثمَّ هُدْنَةٌ تكونُ بينَكُمْ وبينَ بني الأَصْفَرِ فيغْدِرونَ فيأْتُونَكُمْ تحتَ ثمانينَ غايةً، تَحْتَ كُلِّ غايةٍ اثْنا عَشَرَ ألفًا".
قوله: "اعدُدْ ستًا بين يدَيِ السَّاعة"؛ يعني: اعدُدْ ستَّ علامَاتٍ ستحدث قبل القيامة.
"ثم موتان يأخذ فيكُم كقُعَاصِ الغنم": القُعَاص: داءٌ يقع في صدر الغنم فيموت في الحال.
قوله: "ثم استفاضةُ المال"؛ أي: ثم كثرة المال.
"فيظلُّ ساخطًا"؛ أي: يصير الفقير غضبان بأن يعد المئة قليلًا.
"هُدْنة"؛ أي: صُلح.
"بني الأصفر": أهل الروم.
стр. 2506
"الغَايةُ": العَلَمُ.
* * *
٤١٧٩ - وقال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بالأَعْماقِ أوْ بدابقَ، فَيَخْرُجُ إليهمْ جَيْشٌ منَ المَدينةِ منْ خِيارِ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فإذا تَصَافُّوا قالت الرُّومُ: خَلُّوا بَيْننا وبينَ الذينَ سَبَوْا مِنَّا نُقاتِلْهُمْ، فيقولُ المُسْلِمونَ: لا والله لا نُخلِّي بينَكُمْ وبينَ إِخْوانِنا، فيُقاتِلونَهُمْ، فيَنْهزِمُ ثُلُثٌ لا يَتُوبُ الله عَلَيهمْ أَبَدًا، ويُقْتَلُ ثُلُثٌ هُمْ أَفْضَلُ الشُّهداءِ عندَ الله، ويَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فيَفْتَتِحونَ قُسْطَنْطِينيَّةَ، فَبَيْنَما هُمْ يَقْتَسِمونَ الغَنائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيوفَهُمْ بالزَّيْتونِ إذْ صاحَ فيهِم الشَّيطانُ: إنَّ المَسِيْحَ قدْ خَلَفَكُمْ في أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ، وذلكَ باطِلٌ، فإذا جاؤُوا الشَّامَ خَرَجَ، فَبَيْنَما هُمْ يُعِدُّونَ للقِتَالِ ويُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إذْ أُقيمَتِ الصَّلاةُ، فينزِلُ عيسَى بن مَرْيمَ فَأَمَّهُمْ، فإذا رآهُ عدُوُّ الله ذابَ كما يَذُوبُ المِلْحُ في الماءِ، فلو تَرَكَهُ لانذابَ حتَّى يَهلِكَ، ولكنْ يَقتُلُهُ الله بيدِهِ، فيُريهِمْ دَمَهُ في حَرْبَتِهِ".
قوله: "حتى ينزلَ"؛ أي: أهل الروم "بالأعماقِ أو بدابق": هما موضعان بالشام، والشكُّ من الراوي.
"قد خلفَكُمْ"؛ أي: قَامَ مقامَكُمْ.
"في أهليكم"؛ يعني: نزل الدجال في ديارِكم ومنازِلكم بعدَ خروجكم منها.
"فإذا جاءوا الشَّام خرجَ"؛ أي: فلمَّا جاءَ جيشُ الإسلام الشامَ، فحينئذ يخرجُ الدَّجَّال.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
стр. 2507
٤١٨٠ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ قالَ: إنَّ السَّاعةَ لا تَقُومُ حتَّى لا يُقْسَمَ مِيراثٌ ولا يُفْرَحَ بغَنيمةٍ. ثمَّ قالَ: عَدُوٌّ يَجْمَعونَ لأَهْلِ الشَّامِ ويَجْتَمِعُ لَهُمْ أَهْلُ الإِسْلامِ، يعني الرُّومَ، فيتَشَرَّطُ المُسْلِمونَ شُرْطةً للمَوْتِ لا تَرْجِعُ إِلا غالِبةً، فَيقْتَتِلونَ حتَّى يَحْجُزَ بينَهُمُ الليلُ، فَيَفِيءُ هؤلاءِ وهؤلاءِ، كلٌّ غيرُ غالِبٍ، وتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثمَّ يتَشَرَّطُ المُسْلِمونَ شُرْطَةً للمَوْتِ لا ترجِعُ إلا غالِبةً، فيَقتَتِلونَ حتَّى يُمْسُوا، فَيَفِيءُ هؤلاءِ وهؤلاءِ، كلٌّ غيرُ غالِبٍ، وتفنَى الشُّرْطَةُ، فإذا كانَ اليومُ الرَّابعُ نَهَدَ إليهِمْ بَقيَّةُ أَهْلِ الإِسلامِ، فيجعلُ الله الدَّبْرَةَ عليهِمْ فَيَقْتَتِلُونَ مَقْتَلةً لَمْ يُرَ مِثلُها، حتَّى إنَّ الطَّائِرَ ليَمُرُّ بجنَباتِهمْ فما يُخَلِّفُهُمْ حتَّى يخِرَّ مَيْتًا، فيتَعادُّ بنو الأَبِ كانوا مِئَةً فلا يَجِدونَهُ بَقِيَ منهُمْ إلَاّ الرَّجُلُ الواحِدُ، فَبأَيِّ غَنيمةٍ يُفْرَحُ؟ أو أَيُّ مِيْراثٍ يُقَسَمُ؟ فبينا هُمْ كذلكَ إذْ سَمِعُوا ببَأْسٍ هو أَكْبَرُ منْ ذلكَ، فجاءَهُمُ الصَّريخُ أنَّ الدَّجَّالَ قدْ خَلَفَهُمْ في ذَرَارِيهِمْ فيَرفُضُونَ ما في أَيديهِمْ ويُقبلونَ، فيَبعثونَ عَشْرَةَ فوارِسَ طَليعةً، قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنِّي لأَعْرِفُ أَسْماءَهُمْ وأَسْماءَ آبائهِمْ، وألوانَ خُيولِهِم هُمْ خَيرُ فَوارِسَ، أو مِنْ خيرِ فَوارسَ على ظَهْرِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ".
قوله: "يعني الروم": هذا تفسير قوله: (عدو)؛ يعني: العدوُّ يكونُ مِنْ أهل الروم.
"يجمعونَ"؛ أي: يجمعونَ الجيشَ والسلاحَ والخيلَ للحرب.
"فَيَشْتَرِطُ المسلمون شُرْطَةً للموت"؛ يعني: شَرَطَ المسلمين مع أنفسهم أن لا يَنهزموا ولا يَرجعوا عن الحرب حتى يغلبوا على الكفار، و (الموت) هنا: بمعنى الحرب.
"حتى يَحجُزَ بينهم الليلُ"؛ أي: حتى يدخلَ الليل فتركوا القتال، (الحَجْزُ): المنع.
стр. 2508
"فيفيءُ"؛ أي: فيرجع "هؤلاء"؛ أي: المسلمون، "وهؤلاء"؛ أي: الكفار.
"وتفنى الشُّرْطَةُ"؛ أي: بَطَلَ الشَّرطُ بتركهم القتالَ غير مختارين بسبب دخول الليل.
و"نَهَدَ إليهم"؛ أي: قام وقصد.
"فيجعلُ الله الدَبَرَةَ"؛ أي: الانهزام "عليهم"؛ أي: على الكفار.
"بجَنَبَاتِهم"؛ أي: بنواحِيْهِم.
"فما يُخلِّفُهُمْ" بتشديد اللام؛ أي: فما يمرُّ عليهم؛ يعني: طارَ الطيرُ على أولئك الموتى فما وَصَلَ إلى آخرهم.
"حتى يخرَّ"؛ أي: سقط "مَيْتًا" من نتنهم، أو من طولِ مسافة مسقط الموتى.
"فيتعادُّ بنو الأب"؛ يعني: يعدُّ جماعةٌ حضروا تلكَ الحرب كلُّهم أقارب فلم يبق من مئة إلا واحد.
"البأس": الحرب.
قوله: "الصَّريخُ": الاستغاثة.
"فَيَرْفُضونَ"؛ أي: يَرْمُون ويُلْقُون ما في أيديهم من الغنيمة.
"فَيَبْعَثون"؛ أي: فَيُرْسِلون.
"عشرةَ فوارسَ طليعةً"؛ أي: مقدمةً للجيش كالجاسوس؛ ليعرفوا حال عدوِّهم.
(الطليعة): الجيشُ القليل الذين يقال لهم بالفارسي: يزدك.
"هم خيرُ فوارس أو من خير فوارس": هذا شكٌّ من الراوي.
* * *
стр. 2509
٤١٨١ - عن أبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "هل سَمِعْتُمْ بمَدينةٍ جانِبٌ منها في البَرِّ وجانِبٌ منها في البَحْرِ؟ " قالوا: نَعَمْ يا رسولَ الله، قال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يغَزُوَهَا سَبْعونَ ألفًا منْ بنى إسحاقَ، فإذا جَاؤُوهَا نَزَلُوا فَلَمْ يُقاتِلُوا بسِلاحٍ ولمْ يَرمُوا بسَهْمٍ، قالوا: لا إلهَ إلَاّ الله والله أكبَرُ، فيَسقُطُ أحدُ جانِبَيْها الذي في البَحْرِ، ثمَّ يقولون الثَّانِيَةَ: لا إلهَ إلَاّ الله والله أكبَرُ، فيَسقُطُ جانِبُها الآخرُ، ثمّ يقولون الثَّالثةَ: لا إلهَ إلَاّ الله والله أكبَرُ، فيُفَرَّجُ لَهُمْ، فيَدخُلونَها فيَغْنَمُون، فبَيْنا هُمْ يَقْتَسِمُونَ المَغَانِمَ إذْ جاءَهُمُ الصَّريخُ فقالَ: إنَّ الدَّجَّالَ قدْ خَرَجَ، فيَترُكُونَ كلَّ شَيْءٍ ويَرْجِعُونَ".
قوله: "هل سمعتم بمدينةٍ جانبٌ منها في البرِّ، وجانبٌ منها في البحرِ": هذه المدينة في الروم.
"من بني إسحاق"؛ أي: من أكراد الشام، وهم من نسل إسحاق النبي ﵇ وهم مسلمون.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤١٨٢ - عن معاذِ بن جَبَلٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "عُمْرانُ بَيْتِ المَقْدِسِ خَرابُ يَثْرِبَ، وخَرابُ يَثْرِبَ خُروجُ المَلْحَمةِ، وخُروجُ المَلْحَمةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينيَّةَ، وفَتْحُ قُسْطَنْطِينيَّةَ خُروجُ الدَّجَّالِ".
قوله: "عُمران بيتِ المَقدس خَرابُ يَثربَ"؛ يعني: بيتُ المقدسِ يخربُ ثم يعمرُ في آخر الزمان، وإذا عمرَ بيتُ المقدس تخربُ يثربُ، وهي المدينة، وعند ذلك تظهر ملحمة؛ أي: حرب عظيمة بين أهل الشام والروم، ثم يفتح المسلمون القسطنطينة، ثم يخرج الدَّجَّالُ.
* * *
стр. 2510
٤١٨٤ - عن عَبْدِ الله بن بُسْرٍ: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "بينَ المَلْحَمَةِ وفَتْح المَدينةِ سِتُّ سنِينَ، ويَخرُجُ الدَّجَّالُ في السَّابعةِ"، قالَ أبو داودَ: وهذا أَصَحُّ.
قوله: "هذا أصح"؛ يعني: الأصح أنَّ بينَ الملحمةِ العظمى وبين خروجِ الدَّجَّالِ سبعَ سنين لا سبعةَ أشهر.
* * *
٤١٨٥ - وعن أبي الدَّرْداءِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ فُسْطاطَ المُسْلِمينَ يَوْمَ المَلْحَمَةِ بالغُوطَةِ، إلى جانِبِ مَدينةٍ يُقالُ لها: دِمَشق، منْ خَيْرِ مَدائِنِ الشَّامِ".
قوله: "إن فُسْطاط المسلمين يوم المَلحمة بالغُوطة"، (الفُسْطَاط): شِبْهُ الخيمة، (الغوطة): بلدٌ قريب من دمشق؛ يعني: ينزل جيش المسلمين ويجتمعون هناك.
* * *
٤١٨٦ - وعن ابن عُمَرَ: "يُوشِكُ المُسْلِمونَ أنْ يُحاصَروا إلى المَدينَةِ حتَّى يكونَ أبعَدَ مَسالِحِهمْ سَلاحِ" وسَلاحِ: قريبٌ من خَيْبرَ.
قوله: "يوشكُ المسلمونَ أن يحاصِرُوا إلى المدينة، حتى يكونَ أبعدُ مَسَالِحِهِمْ سَلَاح"، (المَسَالح): جمع مَسْلَحَةٍ وهي كالثغر، "سَلَاح": اسم موضع (قريب من خَيبر)؛ يعني: يفر المسلمون من بين الكفار، ويجتمعون بين المدينة وسَلَاح.
* * *
٤١٨٧ - عن ذي مِخْبَرٍ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ستُصالِحونَ
стр. 2511
الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، فتغَزونَ أنتم وهم عَدُوًّا منْ وَرائِكُمْ، فتُنْصَرونَ وتَغْنَمونَ وتَسْلَمونَ، ثمّ ترجِعونَ حتَّى تَنزِلُوا بمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ، فيَرفَعُ رَجُلٌ منْ أهلِ النَّصْرانيَّةِ الصَّليبَ، فيقولُ: غَلَبَ الصَّليبُ، فيغضَبُ رَجُلٌ منْ المُسْلمينَ فيدُقُّهُ، فَعِنْدَ ذلكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وتَجْمَعُ للملحمةِ".
وزادَ بَعْضُهم "ويثورُ المُسْلِمونَ إلى أَسْلِحَتِهِمْ فَيَقْتَتِلونَ، فيُكرِمُ الله تِلْكَ العِصابةِ بالشَّهادَةِ".
قوله: "وهم عددًا (١) من ورائكم"، (عددًا)؛ أي: وهم من ورائكم عَدد أي: وهم غيرُكم في العدد؛ يعني: عددهم أكثرُ من عددكم.
"بمَرجِ"؛ أي: بروضة فيها تُلُول، وهو جمع تَل، وهو الموضع المرتفع، والله أعلم بالخير والصواب (٢).
° ° °
стр. 2512
تَتِمَّة المَفَاتِيح فِي شَرْحِ المَصَابِيْحِ
стр. 2513
تَتِمَّة المَفَاتِيْحِ فِي شَرْحِ المَصَابِيْحِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحمد الله حقَّ المحامد والثناء، وأشكره على جميع نعمائه وجزيل آلائه، شكرًا يوازي جميع ذرات أجزاء الأرض والسماء، وأصلي على نبيه محمد المصطفى، أفضل الرسل والأنبياء، وعلى آله وصحبه البررة الأصفياء، وبعد:
فإن جمعًا كثيرًا من الأصدقاء التمسوا من هذا الضعيف أن أتمم "شرح المصابيح" في الحديث لمولانا وسيدنا أفضل عصره وعلامة دهره، مُظهر الملة والدين الحسين بن محمود بن الحسين الزيداني قدس الله روحه، وأدام إليه فتوحه، فأجبتُ لمُلتمَسِهم، ممتثلاً لأوامرهم، ومشمرًا له ذيل تقصيري بيُمْنِ نَفَسِهم، واستخرت الله تعالى مستعينًا به، ومستمدًا بكرمه ﷻ أن لا يكلني إلى نفسي وجهلي، ويعينني على إتمامه، ويوفق لي على تحصيل ما هممت إليه، ويجعله لي ذُخرًا، ولوزري وإصري تمحيصًا وغفرانًا، فإنه سميع بصير، وبالإجابة حقيق جَدير.
* * *
٤١٨٨ - عن عبدِ الله بن عَمروٍ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "اتْرُكوا الحَبَشَةَ ما تَركوكُم، فإنَّهُ لا يَستَخْرِجُ كَنْزَ الكعبةِ إلاّ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ منَ الحَبَشَةِ".
стр. 2514
قوله: "اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرجُ كنزَ الكعبة إلا ذو السُّويقَتَيْنِ من الحبشة"، قيل: هو كنز مدفون تحت الكعبة، و (ذو السويقتين) هما تصغير السَّاق، والسَّاق مؤنث، فلذلك أدخل في تصغيرها التاء، وعَامةُ الحبشة في سوقهم خَمُوْشَةٌ ودِقَّةٌ.
قال الخطابي في "المعالم": اعلم أنَّ الجمعَ بين قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبينَ هذا الحديث: أن الآية مطلقةٌ، والحديثُ مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، ويجعل الحديث مخصصًا لعموم الآية، كما خُصَّ ذلك في حق المَجوس، فإنهم كفرة، ومع ذلك أخذ منهم الجزية؛ لقوله ﷺ : "سُنُّوْا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب".
بيانه: أنه إذا قام بعض المسلمين بقتال الكفار، فأبيح للباقين ترك القتال معهم بشرط أنهم كانوا في ديارهم، ولم يتعرضوا لهم في شيءٍ ما، ويدل على هذا المعنى قوله: "ما تركوكم".
فإن قيل: الصحابة - رضوان الله عليهم - هجموا على الفرس والروم، وقاتلوهم مبتدئين من غير أن يطؤوا ديار الإسلام، فما تخصيص تلك الجهتين - يعني: الحبشةَ والتُركَ - بالتَرْكِ؟
قلنا: أما الحبشة: فبلادُهم وَعِرَةٌ ذاتُ حرًّ عظيم، بين المسلمين وبينهم تهامة، وقفار وبحار، فلم يكلف المسلمين دخولَ ديارهم؛ لكثرة التعب، وعظم المشقة.
وأما الترك: فبأسهم شديدٌ، وبلادهم أيضًا بعيدة، وهم بأسرهم مقاتِلون، فطباعهم غليظةٌ لا تفقَهُ دقائقَ الإيمان، وبلادُهم باردةٌ لا تخلو صيفًا وشتاء من الثلوج، والعرب وهم جند الإسلام كانوا من البلاد الحارة، فلم يكلفهم دخول بلاد لم تكن من طباعهم، فلهذين الشيئين خصَّصهما.
стр. 2515
وأما إذا دخلوا في بلاد المسلمين قَهرًا والعياذ بالله سبحانه، فلا يباح لأحدٍ البتة تركَ القتال من الأحرار والعبيد؛ لأن الجهادَ في هذه الحالة فرضُ عين، وفي الحالة الأولى فرض كفاية.
* * *
٤١٨٩ - عن رَجُلٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "دَعُوا الحَبَشَةَ ما وَدَعُوكُمْ، واتْرُكُوا التُّرْكَ ما تَرَكُوكُمْ".
قوله: "دَعُوا الحبشة ما وَدَعُوكُم": معنى هذا الحديث مذكور في الحديث المتقدم، وفيه بحثٌ لغوي، وهو أنه ﷺ قال: "ما وَدَعُوكُمْ" على بناء الماضي، وهو خلاف زَعْمِ العرب وهو أن لفظة (يدع) ما له مصدر ولا ماض ملفوظان.
وإنما قيل: ملفوظان؛ ليخرج التقدير، فإن لفظة (ودع) مقدرةٌ دهنًا، وإن لم تَبرز لفظًا، وكيف لا يكون وقد جَاء (يدعُ ودَع)؛ لأن المضارع ناشئٌ عن الماضي، والأمر عن المضارع، كما دل الأمر على وجود المضارع، كذا دل المضارع على وجود الماضي.
وكلام النبي ﷺ متبوعٌ لا تابع، بل فصحاء العرب عن آخرهم بالإضافة إليهم بأقل، وأيضًا فلغاتُ العرب مختلفةٌ، منهم مَن انقرض وانقرضت لغتُه، فيكون ﷺ أتى بها من لغة أخرى غريبة، أو على أصل اللغة، أو لغةِ مَن انقرض.
قال شَمِر: زعمت النحوية أن العرب أماتوا مصدره وماضيه، والنبي ﷺ أفصح، قاله في "الغريبين".
* * *
٤١٩٠ - عن بُرَيْدَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ في حديثٍ: "يُقاتِلُكُمْ قَوْمٌ صِغارُ
стр. 2516
الأَعْيُنِ - يعني التُّركَ - قال: تَسوقونَهُمْ ثلاثَ مرَّاتٍ حتَّى تُلْحِقوهُمْ بجَزيرَةِ العَرَبِ، فأَمَّا في السَّاقَةِ الأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هرَبَ منهُمْ، وأَمَّا في الثَّانيةِ فَيَنْجُو بَعضٌ ويَهْلِكُ بَعضٌ، وأمَّا في الثَّالثةِ فيُصْطَلَمُونَ"، أو كما قالَ.
قوله: "تسوقونَهُمْ ثلاثَ مَرَّات"؛ يعني: قومٌ صغارُ الأعين من الترك يقاتلونكم، لكنهم صاروا مغلوبين منهزمين بحيث أنكم تسوقونهم ثلاث مرات.
"حتى يلحقوا بجزيرة العرب"، قال مالك بن أنس: (جزيرة العرب): المدينة.
وقال أبو عبيدة: ما بين حفر أبي (١) موسى إلى أقصى اليَمَن في الطول، وما بين رمل يَبْرِيْنَ إلى منقطع السَّمَاوَةِ في العرض، قاله في "الغريبين".
و"السِّياقة": السَّوق، "فيَصطَلَمُون": فيستأصلون، من الصَّلْمِ، بمعنى القطع، والطاء في (يصطلمون) بدل من التاء؛ لأن (فاء الافتعال) إذا كان حرفًا من حروف الإطباق تبدل طاء للثقل، وللمتجانس بينه وبين التاء، وحروف الإطباق الصاد والضاد والطاء والظاء.
* * *
٤١٩١ - عن أبي بَكْرَةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يَنْزِلُ أُناسٌ منْ أُمّتي بغائِطٍ يُسمُّونَهُ: البَصْرَة، عِند نَهْرٍ يُقالُ لهُ: دِجْلةُ، يكونُ عَلَيهِ جِسْرٌ يكثرُ أهلُها، وتكونُ من أَمصارِ المُسْلِمين، فإذا كانَ في آخرِ الزَّمانِ جاءَ بنو قَنْطُوراءَ عِراضُ الوُجوهِ صِغارُ الأَعيُنِ، حتَّى يَنْزِلُوا على شَطِّ النَّهْرِ فيتفرَّقُ أهلُها ثلاثَ فِرَقٍ: فِرقَةٌ يأخُذونَ في أذنابِ البقَرِ والبَرِّيةَ، وهلَكوا، وفِرقَة يأخُذُونَ لأنفُسِهم، وهلَكوا، وفِرقةٌ يجعَلونَ ذَرارِيَّهم خَلْفَ ظُهورِهْم ويُقاتِلونهم، وهُمُ الشُّهداءُ".
стр. 2517
قوله: "ينزل [أناس] من أمتي بغائِطٍ يُسمُّونَهُ البَصرَة": يقال: (غَاطَ في الأرض يَغُوْطُ ويَغِيْطُ): إذا غارَ.
قال الخطابي: المطمئن من الأرض.
و (البصرة): الحجارة الرَّخوة، وبها سمَّيت البصرة بصرة.
و"بنو قَنْطُوراء": هم الترك، يقال: إن قنطوراء اسم جارية كانت لإبراهيم ﵇ ولدَتْ له أولادًا، وجاء من نسلهم الترك.
قوله: "فرقةٌ يأخذونَ في أذنابِ البقر والبَرَّية": يقال: أخذَ الشيءَ الفُلاني: إذا شرع فيه؛ يعني: إذا لقوا العدو هربوا مع أموالهم طالبين للنجاة، وما نجوا، بل هلكوا في البوادي.
قوله: "وفرقةٌ يأخذون لأنفسهم"؛ أي: يأخذون الأَمان لخَلاص أنفسِهم من العدو، وفهلكوا بأيديهم غدرًا.
يعني: إذا نزل بأهلها الكفارُ المذكورون كان أهلها على ثلاث طوائف:
طائفة: يأخذون البقر ويمشون إلى الصحارى طلبًا لخلاص أنفسهم، وما ينجون، بل يهلكون.
وطائفة: يأخذون الأمان؛ أي: يطلبون من الكفرة الأمان لأنفسهم وما ينجون أيضًا، بل يهلكون بأيديهم.
وطائفة: يجعلون أنفسهم وقايةً لأزواجهم وذرياتهم ويقاتلونهم حتى استشهدوا.
وظاهر الحديث يدل على أن البصرة هي البصرةُ المعهودة، وما سمعنا أن الكفار نزلوا بها قط للقتال، ولكن الصادق ﷺ أخبر بأنه كذا وقوله حقٌ وصدقٌ، فلعله يقعُ بعد ذلك، ويحتمل أن يكون مراد النبي ﷺ بالبصرة بغداد؛ لأن بغداد كانت قريةً في عهد النبي ﷺ من قرى البصرة وجملتها، فكأن سماها البصرة؛
стр. 2518
إطلاقًا لاسم الكل على الجزء، وهذا مجازٌ شائعٌ فصيح جدًا.
فإذا تقرر هذا؛ فالواقعة المذكورة بالكيفية المذكورة وقعت فيها بأسرها كما ذكرت، والله أعلم.
* * *
٤١٩٢ - عن أنسٍ: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يا أَنَسُ إنَّ النَّاسَ يُمَصَّرونَ أمصَارًا، وإن مِصرًا منها يُقالُ لهُ: البَصْرَة، فإنْ أَنْتَ مَررتَ بها أو دَخَلْتَها فإيَّاكَ وسِباخَها وكَلاءَها وسُوقَها وبابَ أُمرائِها، وعليكَ بضَواحِيها، فإنَّه يكونُ بها خَسْفٌ وقَذْفٌ ورَجْفٌ، وقومٌ يَبيتونَ ثم يُصْبحونَ قِردةً وخَنازيرَ".
قوله: "إن الناس يُمَصِّرُون أمصارًا ... " إلى آخره، (التَّمصِيْرُ): وضعُ أساسِ مصر وبناءه، و (السَّبَاخ): جمع سَبخة، وهي أرضٌ ذاتُ ملح، يقال: (أرضٌ سَبخَة)؛ أي: ذاتُ سِبَاخ، (الضواحي): جمع الضَّاحية، وهي الناحية البارزة، (مكان ضاحٍ)؛ أي: بارز.
(الخَسْفُ) ها هنا: الإذهاب في الأرض، (خَسَفَ الله به الأرضَ)؛ أي: غابَ به فيها، قال الله سبحانه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١].
(القَذْفُ بالحِجَارة): الرمي بها، (الرَّجْفُ والرَّجْفَةُ)؛ أي: الزلزلة، و (الرَّجَفَان): الاضطراب.
(القِردةُ): جمع قرد، و (الخنازير): جمع خنزير.
أراد بـ (الكَلأَ) ها هنا: مواضعَ الرعي؛ يعني: قال رسول الله ﷺ لأنس: يا أنس! إن الناس يبنون أمصارًا كثيرة ويسكنون فيها، وإن مِصرًا منها يقال له: البصرة، فإن اتفق مرورُك بها، أو دخولك فيها، فاحذر عن سباخها وكَلأها.
وفي بعض النسخ: بدل: "كلأها": "نخيلها وسوقها".
стр. 2519
"وباب أمرائِها، وعليكَ بضواحيها"، (عليك) بمعنى الزم، والظاهر: أنه إغراء كما تقول: عليك بزيد؛ أي: الزمه، كما قال ﷺ : "فعليه بالصوم" أي: ليلزم الصوم، فعلى هذا يكونُ مفعولًا به، أو الباء زائدة على مذهب الأخفش.
"فإنه يكون بها"؛ أي: فيها "خَسْفٌ وقَذْفٌ ورَجْفٌ، وقومٌ يبيتون يُصبحون قردةً وخنازير"؛ أي: يصيرون قردةً وخنازيرَ، (يصبحون) تكون ناقصة، (وقردة) خبره، و (يصبحون) محله النصب على أنه خبر (يبيتون)؛ لأنه من أخوات كان، والجملة صفة للقوم، و (القوم) يحتمل أن يكون مرفوعًا بخبر المبتدأ؛ أي: أهل ذلك المصر مكيفون بهذه الكيفية المذكورة.
ويحتمل أن يكون مرفوعًا بالمبتدأ، تقديره: قوم يبيتون مصبحين قردة وخنازير في ذلك المصر.
وتحذيرُ رسول الله ﷺ أنسًا عن المواضع المذكورة في البصرة إشارة إلى أن في تلكَ المواضع أقوامًا من أهل القدر؛ لأن الخسف وغير ذلك هن المذكور يكون للمكذبين بالقدر، والدليل عليه: قوله ﷺ : "يكونُ في أمتي خَسْفٌ ومَسْخٌ، وذلك في المكذبين بالقدر"، ولم يقعْ بعدُ.
قوله: "فإيَّاك وسِباخَهَا"، وهو من التحذير، تقديره: احذر نفسَك عن سِبَاخِهَا، واحذرها عن نفسك، فحذف الفعل تخفيفًا، وحذفت (النفس)، فصار ضمير المتصل - وهو الكاف في (نفسك) - منفصلًا، وهو (إياك) كما تقول: إياك والأسد.
* * *
٤١٩٣ - عن صالحِ بن دِرْهَمٍ يقولُ: انطَلَقْنَا حاجِّينَ، فإذا رَجُلٌ فقالَ لنا: إلى جَنْبكُمْ قَرْيةٌ يُقالُ لها الأُبُلَّة، قُلنا: نَعَم، قال: مَنْ يَضْمَنُ لي منكُمْ أنْ يُصَلَّيَ في مَسْجدِ العَشَّارِ رَكعتَينِ أو أرْبعًا، ويقولَ: هذا لأبي هُريرَةَ؟ سَمِعْتُ
стр. 2520
خليلي أبا القاسِمِ ﷺ يقولُ: "إِنَّ الله تعالَى يَبْعَثُ مِنْ مَسجدِ العَشَّارِ يَوْمَ القِيامَةِ شُهَدَاءَ لا يَقُومُ مع شُهداءِ بَدْرٍ غَيْرُهُم".
قال أبو داودَ ﵀ هذا المَسْجِدُ مِمَّا يلي النَّهرَ.
قوله: "انطلقنا حاجِّين فإذا رجل ... " الحديث، (حاجِّين)؛ أي: قاصدين، من (حَجَّ): إذا قصد، (إذا) ها هنا للمفاجأة، ويلزم أن يكون ما بعده مبتدأ خبره جائز الحذف، كقولك: (خرجتُ فإذا السبع)؛ يعني: فإذا السبع حاضرٌ.
و (الأُبُلَّةُ) واحدةٌ من جنان الدنيا، وهي أربع: أُبُلَّةُ البصرة، وغُوطَةُ دمشقَ، وسُغْدُ سمرقند، وشِعْبُ بَوَّان، واختلف في أنه هو شعب بَوَّان كرمان أو شعب بَوَّان نوبندجان في الفارس.
و (من) في "مَنْ يضمنُ" ليس للشرط ها هنا، بل للاستفهام المُخْرَج من موضعه إلى الطلب والسؤال، كما يقول الفقير: مَن يعطيني درهمًا.
والواو في (ويقول) هذه عطف على قوله: (أن يصليَ)، و (هذا) إشارةٌ إلى الصلاة.
* * *
٣ - باب أَشْراطِ السَّاعَةِ
(باب أشراط الساعة)
(الأَشْرَاط): العلامَاتُ، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي: علاماتها.
وقال في "الغريبين": يقال: أشرط نفسه للشيء: إذا أعلمه، وبه سُمَّيَتْ
стр. 2521
(الشُّرَطُ)؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامةً يُعرفون بها، ومنه الحديث أنه قال ﷺ : "إن من أَشْرَاط السَّاعة أن يكون كذا وكذا"؛ أي: مِنْ عَلاماتها.
* * *
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٩٤ - قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ مِنْ أَشْراطِ السَّاعةِ أنْ يُرفَعَ العِلمُ، ويَكْثُرَ الجهلُ، ويكثُرَ الزِّنا، وَيكْثُرَ شُرْبُ الخَمْرِ، ويَقِلَّ الرَّجالُ، ويَكْثُرَ النِّساءُ، حتَّى يَكونَ لخَمْسينَ امرَأَةً القَيمُ الوَاحِدُ".
وفي رِوايةٍ: "يَقِلُّ العِلمُ ويَظهَرُ الجَهْلُ".
قوله: "يكون لخمسينَ امرأة القَيمُ الواحدُ"؛ يعني: مِنْ أشراطِ السَّاعة أنه يقلُّ الرجالُ ويكثرُ النساءُ، حتى يكون لخمسينَ امرأة قيمٌ واحدٌ، وليس المراد منه: أن تكون منكوحاته، و (القيم): القائم بمصالحهن، فيكنَّ زوجاتِهِ وأمهاته وجداته وأخواته وعماته وخالاته.
* * *
٤١٩٥ - عن جابرِ بن سَمُرَةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعةِ كذَّابينَ فاحْذَرُوهُم".
قوله: "إن بينَ يَدَي السَّاعةِ كذَّابين فاحذَرُوهم"، معنى (كذابين) ظاهر، والمراد: كثرةُ الجهل، وقلةُ العلم، والإتيانُ بالموضوعات من الأحاديث، وما يفترونه على رسول الله ﷺ كما ترى في زماننا مما يرويه القصاص والفصالون.
ويحتمل أن يكونَ مرادُهُ: ادعاءَ النبوة كما كان في زمانه وبعد زمانه.
ويحتمل أن يكون المراد بـ (الكذَّابين): جماعةٌ يدعون أهواءً فاسدة، ويسندون اعتقادهم الباطل إليه ﷺ كأهل البدع كلهم، ونعوذ بالله من ذلك.
* * *
стр. 2522
٤١٩٦ - عن أبي هُريرةَ قال: بَيْنَما النَّبيُّ ﷺ يُحَدِّثُ إذْ جاءَ أَعْرابيٌّ قال: متَى السَّاعةُ؟ قالَ: "فإذا ضُيعَتِ الأَمانَةُ فانتظِرِ السّاعةَ". قالَ: كَيْفَ إِضاعَتُها؟ قال: "إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غَيْرِ أَهلِهِ فانتظِرِ السَّاعةَ".
قوله: "إذا وُسَّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِهِ فانتظرِ الساعة"؛ يعني: إذا فُوَّضَتْ وِسَادةُ الحُكْمِ إلى غير مَن يستحقُهُ فانتظرِ السَّاعة، فإن هذا التفويض من أَماراتها، وفي قوله: "إذا وسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله" تضمينُ معنى (فُوَّضَ)، فلهذا يعدى بإلى؛ لأن لفظ (وُسِّد) تعدى بنفسه، يقال: (وسَّدْتُهُ فتَوَسَّدَ).
* * *
٤١٩٧ - وقالَ: "لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى يكثُرَ المالُ ويَفِيضَ حتَّى يُخْرِجَ الرَّجُلُ زكاةَ مالِهِ فلا يَجدُ أَحَدًا يقبَلُها منهُ، وحتَّى تَعُودَ أَرضُ العَرَبِ مُروجًا وأَنْهارًا".
قوله: "حتى تعودَ أرضُ العربِ مُرُوجًا وأنهارًا": قيل: في زمانٍ قديمٍ كان أكثر أرض العرب مُرُوجًا وصحارى متدفقة بالمياه ذات أشجار وثمار، فتبدل العمران بالخراب، والريف بالتَّباب، والاجتماع بالافتراق، وذلك دأبُ الله تعالى في البلاد والعباد، كذا ذكره عبد المسيح بن بقيلة الغساني لخالد بن الوليد حين ورد العراق غازيًا في خلافة الصديق مع جمهور الصحابة، وقد كان نصرانيًا، رأى كسرى أنوشروان بل رأى شابور ذا الأكتاف، قد عمر حتى قارب أربع مئة ونيفًا، وقد أدرك من رأى المسيح ﵇.
(المُروج): جمع مَرْجٍ، وهو الروضة.
* * *
٤١٩٨ - وقالَ: "تَبْلُغُ المَساكِنُ إِهابَ أوْ يَهابَ".
стр. 2523
قوله: "تبلغ المساكن إيهابَ أو نِهَابَ": قيل: (إهاب ونِهاب) موضعان قريبان من خيبر، وقيل: بينهما وبين المدينة أميال.
قال الإمام التوربشتي في "شرحه": الرواية الصحيحة: "نهاب" - بالنون المكسورة -، ولا يرويه بالياء إلا بعض رواة "صحيح مسلم" وهو غير صحيح عندي، والشكُّ من الراوي.
وقيل: (أو) للتخيير لا للشك.
فإذا كان للشك فمعناه: أنه يكثر عمران المدينة بحيث يبلغ دورها إهَاب، إذا كان مراده ﷺ من ذلك إِهَاب، ويبلغ دورها نِهَاب، إذا كان مراده ﷺ من ذلك نِهاب.
وإذا كان للتخيير فمعناه: يبلغُ دورُها إهابَ إن شئت، ويبلغُ دورُها نهابَ إن شئت.
وإن روي (إهاب أو نهاب) منصرفين، فوجهه: أنهما مذكوران باعتبار المكان كـ (واسط ودابق)، وإن رويا بمنع الصرف ففيهما التعريف والتأنيث كـ (دمشق وبغداد).
* * *
٤١٩٩ - وقالَ: "يكونُ في آخرِ الزَّمانِ خليفةٌ يَقْسِمُ المالَ ولا يَعُدُّهُ". وفي رِوايةٍ: "يكونُ في آخرِ أُمَّتي خَليفةٌ يَحْثِي المالَ حَثْيًا لا يَعُدُّهُ عَدًّا".
قوله: "يكون في آخرِ الزمانِ خليفةٌ يَقْسِمُ المالَ ولا يعده": يحتمل أنه أراد ﷺ بالخليفة: المهدي.
(لا يَعُدُّهُ) - بفتح الياء وضم العين - من حيث الرواية؛ يعني: يقسم المال من غير عَدِّ وإحصاء، ويحتمل أن يكون - بضم الياء - من الإعداد، وهو جعل
стр. 2524
الشيء عدة وذخيرة؛ أي: لا يَدَّخِر لغد، ولا يكون له خزانة كفعل الأنبياء صلوات الله عليهم.
والسرُّ فيه: أن ذلك الخليفة تظهر له كنوز الأرض، أو يعلم الكيمياء، أو حينئذ لا حاجة له في الإعداد؛ لعدم النفاد، وقدرته على الإيجاد ساعة فساعة، أو يكون من كرامته أن ينقلب الحجر أو النحاس ذهبًا كرامةً له، كما روي من الأولياء رحمة الله عليهم.
* * *
٤٢٠٠ - وقالَ: "يُوشِكُ الفُراتُ أنْ يَحْسِرَ عنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فمنْ حَضَرَ فلا يأْخُذْ منهُ شيئًا".
قوله: "يوشكُ الفراتُ أن يحسِرَ عن كنزٍ من ذهب، فمن حضر فلا يأخذ منه شيئًا": (يوشِكُ) بكسر الشين: مضارعُ (أوشَكَ)، وهو من أفعال المقاربة الاستقبالية؛ يعني: ينبغي أن يكون خبرها مقرونًا بـ (أن)؛ لأنه للطمع والرجاء كـ (عسى)، فإذا كان للطمع والرجاء فهو استقبالي، وإن علم للاستقبال فلهذا قُرن بـ (أن).
وقيل: قد يستعمل استعمال (كاد)، وأفعال المقاربة ناقصة مثل: كان، سوى، عسى، فإنها قد تكون تامة بمعنى (قَرُبَ)، فإذا كان ناقصة معناه: تقارب، وإذا كان تامة معناه: قَرُب، وهي ها هنا ناقصة، فمعناه: يقارب الفراتُ حَسر نفسه عن كنزٍ من ذهب؛ يعني: سيظهر الفراتُ عن نفسه كنزًا من ذهب، فمن وصل إليه، "فلا يأخذ منه شيئًا"، وللحسر مفعولان ثانيهما يعدى بـ (عن) كقولك: (حسرت يدي عن الثوب).
وإنما نهى رسول الله ﷺ عن الأَخْذِ نظرًا لأمته، ودفعًا لثائرة الفتنة والمقاتلة الشديدة.
стр. 2525
ويحتمل أن يريد أنه مال مغضوب عليه كَمَالِ قارون، والمالُ المغضوب عليه غضبًا إلهيًا كثير النكد يحرمُ الانتفاع به، والحديث الذي بعده يدل عليه، وهو قوله ﵊: "لا تقومُ السَّاعة حتى يَحْسِرَ الفراتُ عن جَبلٍ من ذهبٍ يقتتلُ الناسُ".
* * *
٤٢٠٢ - وقالَ: "تَقيءُ الأَرضُ أفْلاذَ كبدِها أمثالَ الأُسْطُوانِ منَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فيَجِيءُ القاتِلُ فيقولُ: في هذا قَتَلْتُ، ويَجِيءُ القَاطِعُ فيقولُ: في هذا قَطَعتُ رَحِمي، ويَجِيءُ السَّارِقُ فيقولُ: في هذا قُطِعَتْ يَدي، ثم يَدَعُونَهُ فلا يَأْخُذونَ منهُ شيئًا".
قوله: "تقيءُ الأرضُ أفلاذَ كَبدِهَا ... " الحديث.
قال في "شرح السنة": (أفلاذَ كَبدِهَا): أراد به: أن تخرج الكنوز المدفونة فيها، كما قال ﷻ : ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] و (الفِلْذَةُ): لا تكون إلا للبعير، وهي قطعة من كبدها، وتجمع فِلَذًا وأفلاذًا، وهي القطع المقطوعة طُولًا.
و (قيئُها): إخراجُها، شبه بالكبد الذي في بطن البعيرِ؛ لأنه من أطايب الجزور.
وقيل: تُخْرِجُ ما في بطنها من معادن الذهب والفضة. هذا كله لفظ "شرح السنة".
قوله: "أمثالَ الأُسْطُوان": منصوبة على الحال، تقديره: مشابهةً للأسطوان، ويجوز أن يكون بدلاً عن (أفلاذ كبدها) وهو بدل الكل عن الكل.
* * *