← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

(الشُّرَطُ)؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامةً يُعرفون بها، ومنه الحديث أنه قال ﷺ : "إن من أَشْرَاط السَّاعة أن يكون كذا وكذا"؛ أي: مِنْ عَلاماتها. * * * مِنَ الصِّحَاحِ: ٤١٩٤ - قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ مِنْ أَشْراطِ السَّاعةِ أنْ يُرفَعَ العِلمُ، ويَكْثُرَ الجهلُ، ويكثُرَ الزِّنا، وَيكْثُرَ شُرْبُ الخَمْرِ، ويَقِلَّ الرَّجالُ، ويَكْثُرَ النِّساءُ، حتَّى يَكونَ لخَمْسينَ امرَأَةً القَيمُ الوَاحِدُ". وفي رِوايةٍ: "يَقِلُّ العِلمُ ويَظهَرُ الجَهْلُ". قوله: "يكون لخمسينَ امرأة القَيمُ الواحدُ"؛ يعني: مِنْ أشراطِ السَّاعة أنه يقلُّ الرجالُ ويكثرُ النساءُ، حتى يكون لخمسينَ امرأة قيمٌ واحدٌ، وليس المراد منه: أن تكون منكوحاته، و (القيم): القائم بمصالحهن، فيكنَّ زوجاتِهِ وأمهاته وجداته وأخواته وعماته وخالاته. * * * ٤١٩٥ - عن جابرِ بن سَمُرَةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعةِ كذَّابينَ فاحْذَرُوهُم". قوله: "إن بينَ يَدَي السَّاعةِ كذَّابين فاحذَرُوهم"، معنى (كذابين) ظاهر، والمراد: كثرةُ الجهل، وقلةُ العلم، والإتيانُ بالموضوعات من الأحاديث، وما يفترونه على رسول الله ﷺ كما ترى في زماننا مما يرويه القصاص والفصالون. ويحتمل أن يكونَ مرادُهُ: ادعاءَ النبوة كما كان في زمانه وبعد زمانه. ويحتمل أن يكون المراد بـ (الكذَّابين): جماعةٌ يدعون أهواءً فاسدة، ويسندون اعتقادهم الباطل إليه ﷺ كأهل البدع كلهم، ونعوذ بالله من ذلك. * * *

стр. 2522

٤١٩٦ - عن أبي هُريرةَ قال: بَيْنَما النَّبيُّ ﷺ يُحَدِّثُ إذْ جاءَ أَعْرابيٌّ قال: متَى السَّاعةُ؟ قالَ: "فإذا ضُيعَتِ الأَمانَةُ فانتظِرِ السّاعةَ". قالَ: كَيْفَ إِضاعَتُها؟ قال: "إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غَيْرِ أَهلِهِ فانتظِرِ السَّاعةَ". قوله: "إذا وُسَّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِهِ فانتظرِ الساعة"؛ يعني: إذا فُوَّضَتْ وِسَادةُ الحُكْمِ إلى غير مَن يستحقُهُ فانتظرِ السَّاعة، فإن هذا التفويض من أَماراتها، وفي قوله: "إذا وسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله" تضمينُ معنى (فُوَّضَ)، فلهذا يعدى بإلى؛ لأن لفظ (وُسِّد) تعدى بنفسه، يقال: (وسَّدْتُهُ فتَوَسَّدَ). * * * ٤١٩٧ - وقالَ: "لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى يكثُرَ المالُ ويَفِيضَ حتَّى يُخْرِجَ الرَّجُلُ زكاةَ مالِهِ فلا يَجدُ أَحَدًا يقبَلُها منهُ، وحتَّى تَعُودَ أَرضُ العَرَبِ مُروجًا وأَنْهارًا". قوله: "حتى تعودَ أرضُ العربِ مُرُوجًا وأنهارًا": قيل: في زمانٍ قديمٍ كان أكثر أرض العرب مُرُوجًا وصحارى متدفقة بالمياه ذات أشجار وثمار، فتبدل العمران بالخراب، والريف بالتَّباب، والاجتماع بالافتراق، وذلك دأبُ الله تعالى في البلاد والعباد، كذا ذكره عبد المسيح بن بقيلة الغساني لخالد بن الوليد حين ورد العراق غازيًا في خلافة الصديق مع جمهور الصحابة، وقد كان نصرانيًا، رأى كسرى أنوشروان بل رأى شابور ذا الأكتاف، قد عمر حتى قارب أربع مئة ونيفًا، وقد أدرك من رأى المسيح ﵇. (المُروج): جمع مَرْجٍ، وهو الروضة. * * * ٤١٩٨ - وقالَ: "تَبْلُغُ المَساكِنُ إِهابَ أوْ يَهابَ".

стр. 2523

قوله: "تبلغ المساكن إيهابَ أو نِهَابَ": قيل: (إهاب ونِهاب) موضعان قريبان من خيبر، وقيل: بينهما وبين المدينة أميال. قال الإمام التوربشتي في "شرحه": الرواية الصحيحة: "نهاب" - بالنون المكسورة -، ولا يرويه بالياء إلا بعض رواة "صحيح مسلم" وهو غير صحيح عندي، والشكُّ من الراوي. وقيل: (أو) للتخيير لا للشك. فإذا كان للشك فمعناه: أنه يكثر عمران المدينة بحيث يبلغ دورها إهَاب، إذا كان مراده ﷺ من ذلك إِهَاب، ويبلغ دورها نِهَاب، إذا كان مراده ﷺ من ذلك نِهاب. وإذا كان للتخيير فمعناه: يبلغُ دورُها إهابَ إن شئت، ويبلغُ دورُها نهابَ إن شئت. وإن روي (إهاب أو نهاب) منصرفين، فوجهه: أنهما مذكوران باعتبار المكان كـ (واسط ودابق)، وإن رويا بمنع الصرف ففيهما التعريف والتأنيث كـ (دمشق وبغداد). * * * ٤١٩٩ - وقالَ: "يكونُ في آخرِ الزَّمانِ خليفةٌ يَقْسِمُ المالَ ولا يَعُدُّهُ". وفي رِوايةٍ: "يكونُ في آخرِ أُمَّتي خَليفةٌ يَحْثِي المالَ حَثْيًا لا يَعُدُّهُ عَدًّا". قوله: "يكون في آخرِ الزمانِ خليفةٌ يَقْسِمُ المالَ ولا يعده": يحتمل أنه أراد ﷺ بالخليفة: المهدي. (لا يَعُدُّهُ) - بفتح الياء وضم العين - من حيث الرواية؛ يعني: يقسم المال من غير عَدِّ وإحصاء، ويحتمل أن يكون - بضم الياء - من الإعداد، وهو جعل

стр. 2524

الشيء عدة وذخيرة؛ أي: لا يَدَّخِر لغد، ولا يكون له خزانة كفعل الأنبياء صلوات الله عليهم. والسرُّ فيه: أن ذلك الخليفة تظهر له كنوز الأرض، أو يعلم الكيمياء، أو حينئذ لا حاجة له في الإعداد؛ لعدم النفاد، وقدرته على الإيجاد ساعة فساعة، أو يكون من كرامته أن ينقلب الحجر أو النحاس ذهبًا كرامةً له، كما روي من الأولياء رحمة الله عليهم. * * * ٤٢٠٠ - وقالَ: "يُوشِكُ الفُراتُ أنْ يَحْسِرَ عنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فمنْ حَضَرَ فلا يأْخُذْ منهُ شيئًا". قوله: "يوشكُ الفراتُ أن يحسِرَ عن كنزٍ من ذهب، فمن حضر فلا يأخذ منه شيئًا": (يوشِكُ) بكسر الشين: مضارعُ (أوشَكَ)، وهو من أفعال المقاربة الاستقبالية؛ يعني: ينبغي أن يكون خبرها مقرونًا بـ (أن)؛ لأنه للطمع والرجاء كـ (عسى)، فإذا كان للطمع والرجاء فهو استقبالي، وإن علم للاستقبال فلهذا قُرن بـ (أن). وقيل: قد يستعمل استعمال (كاد)، وأفعال المقاربة ناقصة مثل: كان، سوى، عسى، فإنها قد تكون تامة بمعنى (قَرُبَ)، فإذا كان ناقصة معناه: تقارب، وإذا كان تامة معناه: قَرُب، وهي ها هنا ناقصة، فمعناه: يقارب الفراتُ حَسر نفسه عن كنزٍ من ذهب؛ يعني: سيظهر الفراتُ عن نفسه كنزًا من ذهب، فمن وصل إليه، "فلا يأخذ منه شيئًا"، وللحسر مفعولان ثانيهما يعدى بـ (عن) كقولك: (حسرت يدي عن الثوب). وإنما نهى رسول الله ﷺ عن الأَخْذِ نظرًا لأمته، ودفعًا لثائرة الفتنة والمقاتلة الشديدة.

стр. 2525

ويحتمل أن يريد أنه مال مغضوب عليه كَمَالِ قارون، والمالُ المغضوب عليه غضبًا إلهيًا كثير النكد يحرمُ الانتفاع به، والحديث الذي بعده يدل عليه، وهو قوله ﵊: "لا تقومُ السَّاعة حتى يَحْسِرَ الفراتُ عن جَبلٍ من ذهبٍ يقتتلُ الناسُ". * * * ٤٢٠٢ - وقالَ: "تَقيءُ الأَرضُ أفْلاذَ كبدِها أمثالَ الأُسْطُوانِ منَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فيَجِيءُ القاتِلُ فيقولُ: في هذا قَتَلْتُ، ويَجِيءُ القَاطِعُ فيقولُ: في هذا قَطَعتُ رَحِمي، ويَجِيءُ السَّارِقُ فيقولُ: في هذا قُطِعَتْ يَدي، ثم يَدَعُونَهُ فلا يَأْخُذونَ منهُ شيئًا". قوله: "تقيءُ الأرضُ أفلاذَ كَبدِهَا ... " الحديث. قال في "شرح السنة": (أفلاذَ كَبدِهَا): أراد به: أن تخرج الكنوز المدفونة فيها، كما قال ﷻ : ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] و (الفِلْذَةُ): لا تكون إلا للبعير، وهي قطعة من كبدها، وتجمع فِلَذًا وأفلاذًا، وهي القطع المقطوعة طُولًا. و (قيئُها): إخراجُها، شبه بالكبد الذي في بطن البعيرِ؛ لأنه من أطايب الجزور. وقيل: تُخْرِجُ ما في بطنها من معادن الذهب والفضة. هذا كله لفظ "شرح السنة". قوله: "أمثالَ الأُسْطُوان": منصوبة على الحال، تقديره: مشابهةً للأسطوان، ويجوز أن يكون بدلاً عن (أفلاذ كبدها) وهو بدل الكل عن الكل. * * *

стр. 2526

٤٢٠٣ - وقالَ: "والذي نَفْسِي بيدِه، لا تَذْهَبُ الدُّنيا حتَّى يمُرَّ الرَّجُلُ على القَبْرِ فيَتمرَّغُ عليهِ ويقولُ: يا لَيْتَنِي كنتُ مَكانَ صاحِبِ هذا القَبْرِ، وليسَ بهِ الدَّينُ إلا البَلاءُ". قوله: "يا ليتني كنتُ مكانَ صاحبِ هذا القبر، ليسَ به الدِّين إلا البَلاء": (الدين) ها هنا: العادة، (ليس) منصوبٌ في موضع الحال من الضمير في (يتمرغ)؛ يعني: يتمرغُ على رأس القبر ويتمنى الموتَ في حال ليس التمرغ من عادته، وإنما حمل عليه البلاء. * * * ٤٢٠٤ - وقالَ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَخْرُجَ نارٌ منْ أَرْضِ الحِجازِ تُضيءُ أَعْناقَ الإِبلِ ببُصْرَى". قوله: "لا تقومُ السَّاعة حتى تخرجَ نارٌ من أرضِ الحجاز تُضيءُ أعناقَ الإبلِ ببصرى"، (بُصرى) بضم الباء: بلدة بالشام. قيل: (الأَعْنَاق): جمع عَنَق - بفتح العين والنون - وهو الجماعة. وقيل: (الأَعْنَاق): جمع عُنُق - بضم النون والعين - وهو العضو المشهور. وقيل: إنما خصَّ الأعناق؛ لكبرِهَا وطولِهَا، وهذا أظهر،. وتخصيص (بصرى) دون غيره من البلاد مُطلقًا مِنْ أسرار النبوة. * * * ٤٢٠٥ - وقالَ: "أَوَّلُ أَشْراطِ السَّاعةِ نارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ".

стр. 2527

قوله: "أولُ أشراطِ السَّاعة نارٌ تَحْشُرُ الناسَ من المشرقِ إلى المغربِ": قيل: (النار): معنوية وهي عبارة عن ظهور الكفار وغَلبتهم بحيث يحشرونَ الناسَ من المشرق إلى المغرب؛ يعني: يقتلون بعضهم، ويهرب بعضهم بحيث يصير مَنْ في المشرق إلى المغرب، فإذا ثبت هذا، فقدْ وقعتْ منذُ سنين، ونحن بعدُ فيه. وقيل: إنه خبرية فما وقعت بعدُ؛ إلَّا أنه لا بدَّ من الوقوع؛ لأن الصادق ﷺ أخبر به، وقوله لا محالة الصدق، ولعل هذا هو الأصح؛ لأن كل ما يمكن من الآيات والأخبار أن يجري إلى الظاهر لا يحتاج إلى التأويل والعدول إلى المعنى. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٢٠٦ - عن أنسٍ ﵁ قال: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى يتَقارَبَ الزَّمانُ، فتكونُ السَّنَةُ كالشَّهْرِ، والشَّهْرُ كالجُمُعةِ، وتكونُ الجُمُعةُ كاليَوْمِ، ويكونُ اليَوْمُ كالسَّاعةِ، وتكونُ السَّاعةُ كالضَّرْمَةِ بالنَّارِ". قوله من الحسان: "لا تقومُ الساعةُ حتى يتقاربَ الزمانُ فتكونُ السنةُ كالشَّهر" إلى آخره. يعني: تكونُ السنةُ سريعةُ الانقضاءِ كالشهر، والشهرُ كالجمعة، والجمعةُ كاليوم، واليومُ كالساعة. قيل: ذلك قصر الزمان مطلقًا، وقيل: لكثرة الغَفلة والاشتغال بالدنيا، وهذا أولى؛ لأن قصر الزمان فيه نظر، قال في "منتخب الصحاح": الضَّرَمَةُ: السَّعَفَةُ والشَّيْحَةُ في طرفها نار. قال في "الغريبين": (الضَّرَمَةُ): النار بعينها، يقال: ما بالنار نافخ ضَرمة؛

стр. 2528

أي: ما بها أحد. شُبهت بها (١)؛ لأنه كان يخضبُهَا بالحنَّاء، والكاف للتشبيه، وقد تكون اسمًا، وقد تكون حرفًا، فإذا كانت حرفًا، فقد احتاج إلى مُتَعلق كقولك: زيد كعمرو؛ يعني: زيد مستقرٌ كعمرو. واستدل الفارسي على حرفيتها بصلة الذي بها، كقولك: جاءني الذي كزيد؛ لأن الصلة لا تكون إلا جملة، ولو كان اسمًا؛ لكان منفردًا، فإذا كان حرفًا تعلق بفعل إيجاب الجملة، فأما إذا كان اسمًا فهو بمعنى المثل، فلا يحتاج إلى متعلق كقولك: زيد كعمرو؛ أي: زيدٌ مثل عمرو. * * * ٤٢٠٧ - عن عبدِ الله بن حَوالةَ قال: بَعَثَنا رسولُ الله ﷺ لِنَغْنَمَ علَى أَقْدامِنا، فَرَجَعْنا فلف نَغْنَمْ شَيْئًا، وعَرَفَ الجَهْدَ في وُجوهِنا، فقامَ فينا فقالَ: "اللهمَّ لا تَكِلْهُمْ إليَّ فأَضْعُفَ عنهُمْ، ولا تَكِلْهُمْ إلى أنفُسِهِمْ فيَعْجِزُوا عنها، ولا تَكِلْهُم إلى النَّاسِ فيَستأْثِروا عليهمْ". ثمَّ وَضَعَ يدَهُ علَى رأْسِي ثُمَّ قال: "يا ابن حَوالَةَ! إذا رأيتَ الخِلافةَ قدْ نزلَت الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ، فقدْ دَلَتِ الزَّلازِلُ والبَلابلُ والأُمورُ العِظامُ، والسَّاعةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ منَ النَّاسِ منْ يَدِي هذهِ إلى رأْسِكَ". قوله: "بعثنا رسول الله ﷺ لنغْنَمَ على أقدامِنا ... " الحديث، (على أقدامِنا): حالٌ من الضمير في (بعثنا)؛ أي: بعثنا رجالًا غيرَ ركاب؛ لأنك تقول: بعثته راجلًا، وبعثته راكبًا، فيتنوع البعث كذا يتنوع المبعوث؛ مرة راجلًا، ومرة راكبًا.

стр. 2529

و (الجُهْد): بضم الجيم: الطاقة، وبفتحها: المشقة، وقيل: لا فرق بينهما. قوله: "لا تَكِلْهُم إليَّ فأضْعُفَ": منصوب على جواب النهي، فكذا (يعجزوا). "فيستأثِرُوا عليهم"؛ أي: يختاروا لأنفسهم الجيد، ويدفعون الرديء إليهم؛ أي: إلى أمتي، فحينئذ يتجبرون ويعلون، ويحتمل أن يريد يستولُون على أمتي، فيضعفونَهم ويستضعفونهم حتى يخاف عليهم فواتُ دينهم. وفي هذا الدعاء: تعليم لأمته ﷺ أن يَكِلوا أمورَهم وحوائِجَهم إلى الله تعالى، ولا يعتمدون على غيره، بل ينبغي أن يعتمدوا في جميع الأمور على الله تعالى؛ لأنهم لو اعتمدوا فيما عَنَّ لهم مِنَ الحوائج على خالِقهم كفاهُمْ مُؤْنَتَهُم، كقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. "الأرضُ المقدسة": عبارةٌ عن أرض الشام. "الزَلازِل": جمع زَلْزَلة. "والبَلابل": جمع بَلْبَلة، وهي وسوسةُ الصدرِ والهمِّ. وهذا الحديث أيضًا دليل على قرب السَّاعة. * * * ٤٢٠٨ - وعن أبي هُريرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إذا اتُخِذَ الفَيْء دُوَلًا، والأَمانةُ مَغنَمًا، والزَّكاةُ مغرمًا، وتُعُلِّمَ لغيرِ دِينٍ، وأَطاعَ الرَّجُلُ امرأتَهُ، وعَقَّ أُمَّهُ، وأدنى صديقَهُ، وأقْصَى أباهُ، وظَهرتِ الأَصْواتُ في المَساجِدِ، وسَادَ القَبيلةَ فاسِقُهُمْ، وكانَ زَعيمُ القَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخافَةَ شَرِّه، وظَهَرتِ القَيْناتُ والمَعازِفُ، وشُرِبَتِ الخُمورُ، ولَعَنَ آخِرُ هذه الأُمَّةِ أوَّلَها، فارتَقِبُوا عِنْدَ ذلكَ رِيْحًا حَمراءَ، وزَلْزَلَةً وخَسْفًا ومَسْخًا وقَذْفًا، وآياتٍ تتابَعُ كنِظامٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فتتابَع".

стр. 2530

قوله: "إذا اتُّخِذَ الفَيء دُوَلًا"، (الدُّوَل): جمع دُوَلة - بضم الدال - وهو في المال؛ [يقال:] صارَ الفيءُ دُولةً بينهم يَتَدَاوَلونه مرةً لهذا ومرة لهذا، و (الدَّولة) بالفتح: في الحرب أن تُدَال إحدَى الفِئتين على الأخرى، ذكره في "منتخب الصحاح". قال الأزهري: (الدُّوَلة) بالضم: اسم لما يتداول من المال؛ يعني: الفيء، و (الدَّولة) بالفتح: الانتقال من حالِ البؤسِ والضرِّ إلى حال الغِبطة والسرور، ذكره في "الغريبين". يعني: إذا قسموا الفيء بين الأغنياء، وحرموا الفقراء من ذلك كما هو عادة الجاهلية. ذكر محيي السنة في "معالم التنزيل": أن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمةً أخذَ الرئيسُ رُبعها لنفسه وهو المِرْباع، ويصطفي منها بعد المِرْباع ما شاء، فجعله الله لرسول الله ﷺ يقسمه فيما أمر، ثم قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾؛ أي: وما أعطاكم الرسول من الفيء والغنيمة، ﴿فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ من الغلول وغيره ﴿فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وهذا نازل في أموال الفيء، وهو عام في كل ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه. "المَسْخُ": تحويل صورةٍ إلى ما هو أقبحُ منها. قوله: "فارتقبوا": جوابٌ لـ (إذا)؛ يعني: إذا صدر عن الناس الأشياء المذكورة، فانتظروا عند ذلك ريحًا حمراء، وباقي الآيات متتابعة كَعِقْدٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فتتابَعَ. * * * ٤٢١٠ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تَذْهَبُ الدُّنيا حتَّى يَمْلِكَ العَرَبَ رَجُلٌ منْ أَهْلِ بَيْتي يُواطِئُ اسمُهُ اسمِي".

стр. 2531

وفي رِوايةٍ: "لوْ لَمْ يَبْقَ منَ الدُّنيا إلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ الله ذلكَ اليَوْمَ حتَّى يَبْعَثَ فيهِ رَجُلًا منِّي - أوْ منْ أَهْلِ بَيْتي - يُواطِئُ اسمُهُ اسمِي، واسمُ أبيهِ اسمَ أبي، يَملأُ الأرضَ قِسْطًا وعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وجَوْرًا". قوله: "يواطئ اسمه اسمي"، (يواطئُ)؛ أي: يوافق. قوله: "يملأُ الأرض قِسْطًا": (القِسط) بكسر القاف: مترادف للعَدْل، وهو اسم من (أَقسَطَ): إذا عَدَلَ، و (القَسط) بفتح القاف: الجَوْرُ. قوله: "حتى يملِكَ العربَ رجلٌ من أهل بيتي"، يريد: أنه يملِكُ العربَ والعجمَ جميعًا، إلا أنه ذكر العرب دون العجم؛ لغلبة العرب في ذلك الزمان. * * * ٤٢١١ - عن أُمِّ سَلَمةَ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "المَهْدِيُّ منْ عِتْرَتي مِنْ وَلَدِ فاطِمَةَ". قوله: "المَهْدِيُّ من عِتْرَتي": من أولاد فاطمة. (العِتْرَةُ): نَسْلُ الرَّجُل ورَهْطُهُ الأَدْنَوْن، ذكره في "منتخب الصحاح". قال الخطابي: (العِتْرَة): ولدُ الرجل لصلبه، وقد تكون العِتْرَةُ أيضًا للأقرباء وبني العمومة، ومنه قول أبي بكر يوم السقيفة: نحنُ عترةُ النبي ﷺ . * * * ٤٢١٢ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "المَهْدِيُّ مِنَّي، أجْلَى الجَبْهَةِ أقْنَى الأَنْفِ، يَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وعَدْلًا كما ملِئَتْ ظُلمًا وجَوْرًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنين". قوله: "أَجْلَى الجبهةِ أقْنَى الأنفِ"، (الأَجْلَى): الواسع الجبهة, (الأَقنى):

стр. 2532

المرتَفِعُ الأنف، وكلاهما صفة مدح. (القَنى): احْدِيدَابٌ في الأنف، رجلٌ أقنى الأنف. * * * ٤٢١٤ - عن أُمِّ سَلَمَةَ عن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "يكونُ اختِلاف عِنْدَ مَوتِ خَليفَةٍ، فيَخرُجُ رَجُلٌ من أهلِ المَدينةِ هارِبًا إلى مكَّةَ، فيأتيهِ ناسٌ مِنْ أهلِ مَكّةَ فيُخرِجونَهُ وهو كارِهٌ، فيُبايعونَهُ بينَ الرُّكْنِ والمَقامِ، ويُبْعَثُ إليهِ بَعْثٌ منَ الشَّامِ، فيُخْسَفُ بهم بالبَيْداءِ بينَ مكَّةَ والمَدينةِ، فإذا رأَى النّاسُ ذلكَ أتاهُ أَبْدالُ الشَّامِ وعَصَائِبُ أَهْلِ العِراقِ فيُبايعونَهُ، ثُمَّ يَنْشَأُ رَجُلٌ منْ قُرَيشٍ، أَخْوَالُه كَلْبٌ، فَيَبْعَثُ إليهم بَعْثًا فيَظهرونَ عَلَيهمْ، وذلكَ بَعثُ كَلْبٍ، ويَعْمَلُ في النَّاسِ بِسُنَّةِ نبيهِمْ، ويُلقي الإِسلامُ بجِرانِهِ إلى الأَرْضِ، فيَلبَثُ سبعَ سِنينَ، ثمّ يُتَوفَّى ويُصلِّي عليهِ المُسْلمون". قوله: "أبدالُ الشَّام"، (الأبدال): عبارةٌ عن أولياءِ الله ، سُموا أبدالاً؛ لأنه إذا مات واحدٌ منهم أبدلَ الله مكانه بشخص آخر، وواحدُ الأبدال: بَدَلٌ، وقيل: بَدِيْلٌ. قوله: "فيظهرون عليهم": الضمير في (فيظهرون) للمتابعين، والضمير في (عليهم) لبعث النبي؛ يعني: إذا ظهر المهدي، ودعا إلى الحق ظهرَ قرشيٌ منازع له، باغٍ حاسد، واتفق أن أمه تكون من قبيلة كَلْبٍ، فتكون تلك القبيلة أخواله، فينتصرون لابن أختهم فيقاتل شيعة المهدي مع شيعة القرشي أخواله من كلب، فتغلب شيعة المهدي، وهم الداخلون في بيعته على بني كَلْب جيشِ القُرشي. قوله: "ويُلقي الإسلام بِجِرانِهِ إلى الأرض"، (الجِرَان): مُقَدَّمُ العُنُق، وأصله في البعير: إذا مدَّ عنقَهُ على وجه الأرض، فيقال: ألقى البعير جِرَانَه،

стр. 2533

وإنما يفعل ذلك إذا طال مقامُه في مُنَاخه، فضرب الجِرَان مثلًا للإسلام إذا استقرَّ قرارُه، فلم تكن فتنةٌ ولا هيجٌ، وجَرَتْ أحكامه على العَدل والاستقامة، ذكره الخطابي في "المعالم". * * * ٤٢١٥ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قال: "ذكَر رسولُ الله ﷺ بلاءً يُصيبُ هذِهِ الأُمّةَ حتَّى لا يَجدَ الرَّجُلُ مَلْجَأً يَلْجَأُ إليهِ مِنَ الظُّلْمِ، فَيَبْعَثُ الله رَجُلاً، منْ عِتْرَتِي أهلِ بَيتي، فَيَمْلأُ بهِ الأَرضَ قِسْطًا وعَدْلًا كما مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَرضَى عنهُ ساكِنُ السَّماءِ، وساكِنُ الأَرْضِ، لا تَدعُ السَّماءُ منْ قَطْرِها شَيْئًا إلَّا صبَّتْهُ مِدْرارًا، ولا تَدَعُ الأرضُ منْ نَباتِها شَيْئًا إلَاّ أَخْرَجَتْهُ، حتَّى تَتَمَنَّى الأَحياءُ الأموَاتَ، يعيشُ في ذلكَ سَبْعَ سِنينَ، أو ثَمانِ سِنينَ، أو تِسعَ سِنينَ". قوله: "لا تَدعُ السَّماءُ مِنْ قَطْرِهَا شيئًا إلا صبَّتْهُ مِدْرارًا". قال في "الفائق": (المِدْرارُ): الكثير الدَّر، مِفْعَال مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، كقولهم: (رجل وامرأة مِعْطَار ومِطْفَال)، و (مدرارًا) نُصِبَ على الحال من ضمير (السماء). قوله: "يعيشُ في ذلكَ سبعَ سنين، أو ثَمان سنين، أو تسعَ سنين"، (ذلك) إشارة إلى المذكور من العَدْل وغير ذلك من أنواع الخَيرات والأفعال المحمودة. و (أو) في (ثمان أو تسع): يحتمل أن تكون للشكِّ من الراوي، ويحتمل أن تكون للتنويع كما قال تعالى: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ﴾ [المائدة: ٣٣]. * * *

стр. 2534

٤٢١٦ - عن علِيِّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ "يَخْرُجُ رَجُلٌ منْ وَراءِ النَّهر يقالُ له الحارِثُ بن حَرَّاثٍ، على مُقَدِّمَتِهِ رَجُل يقالُ لهُ: مَنْصُور، يُوَطِّنُ - أو يُمَكِّنُ - لآلِ مُحَمَّدٍ كما مكَّنَتْ قُرَيْشٌ لِرَسولِ الله ﷺ ، وَجَبَ علَى كلِّ مُؤْمِنٍ نَصْرُه - أو قال: إِجابتُهُ". قوله: "يُوَطِّنُ أو يُمَكِّنُ لآلِ محمَّد"، (التوطين): جَعْلُ الوطنِ لأَحَدٍ، وقد يُستعمل في معنى: تهيئة الأسباب مجازًا، (أو) للشك من الراوي، وكذلك (أو) في (أو قال إجابته) أيضًا للشك، ويجوز (أو) في (أو يمكِّن) للإباحة، فمعناه: يوطَّنُ ويمكَّنُ. فإن قيل: الأنصار وطنوا له ﷺ وللمهاجرين، وأخرجه قريش من مكة كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٤٠] فَلِمَ قال: (كما مكَّنَتْ قريشٌ لرسول الله ﷺ )؟ قيل: أراد بـ (قريش) مَنْ آمنَ منهم، ودخل في التمكين أبو طالب، إذا كان هو أصل التمكين، وإن لم يُؤمن عند أهل السنة. * * * ٤٢١٧ - عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "والذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى تُكلِّمَ السِّباعُ الإِنْسَ، وحتَّى تُكلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ، وشِرَاكُ نَعْلِهِ، وتُخبرَهُ فَخِذُهُ بما أَحدَثَ أهلُهُ بَعْدَهُ". قوله: "عَذَبَةُ سَوْطِهِ ... " الحديث، (العَذَبَةُ): رأسُ السَّوط، وهي عبارةٌ عن قِدًّ يكون في طرفه، وهو سير مضفور، يُسَاقُ به الفرس، و (عَذَبَةُ العمامة): ما يدلى من خيوطها تشبيهًا بعَذَبَةِ السَّوط.

стр. 2535

قيل: في تسمية العذبة للاشتقاق وجهان: أحدهما: مِنْ (عَذُبَ الماءُ): إذا طابَ وساغَ في الحلق، وكذا بهذه العَذَبَة يطيبُ سيرُ الفرسِ ويستريحُ راكبه ويَعْذُبُ له. والثاني: أن يكون من (العَذَاب)؛ إذ به يُجلد الفَرَسُ ويُعَذَّبُ، وكذا عَذَبَةُ العمامة متعرضة للتلطُّخ والتشبث بمواضع تتمزق منها العمامة، فهي عَذَابُ اللابس. * * * ٤ - باب العلاماتِ بين يَدَي السَّاعةِ، وذِكْرُ الدَّجَّالِ (باب العلامات التي بين يدي الساعة، وذكر الدجال) "بينَ يَدي السَّاعة"؛ أي: قُدَّامها، فأصله: وضعتُ الشيءَ بين يدي فلان: أن يُستعمل في المكان الذي يُقابل صدره، ويكونُ بين يديه، ثم نُقِلَ إلى الزمان، فقيل: ما بين أيدينا وما خلفنا، والمراد به: الزمان الماضي والمستقبل، على اختلاف بين أرباب المعاني، وكل ما كان قبلَ قيامِ السَّاعةِ يكونُ بين يديه. و (الدَّجَّالُ): مأخوذ من الدَّجَلِ، وهو اللَّبْسُ والتَّمويه، يقال: (دَجَلَ): إذا مَوَّهَ ولَبَّسَ، حكاه ابن الأنباري. وقيل: سُمِّيَ دَجَّالًا؛ لأنه يضرِبُ في الأرض؛ أي: يسيرُ فيها ويقطعُ أكثرَ نواحيها، يقال: (دَجَلَ الرَّجُلُ): إذا سَاحَ في الأرض، حكاه ثعلب. وقيل: (الدَّجَلُ): السَّحْرُ، وسمي الدَّجَّال دَجَّالًا؛ لأنه ساحر، يقال: دَجَّلَ فلانٌ الحقَّ بباطله): إذا غطَّاه، ومن ذلك أُخِذَ (الدَّجَّال)، ودَجَلَهُ: سَحَرَهُ

стр. 2536

وكَذَّبَهُ، وكل كَذَّابٍ دُجَّال. * * * مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٢١٩ - وقال: "بادِرُوا بالأَعْمالِ سِتًّا: الدُخانَ، والدَّجَّالَ، ودابَّةَ الأَرْضِ، وطُلوعَ الشَّمسِ منْ مَغرِبهَا، وأَمْرَ العامَّةِ، وخُوَيْصَّةَ أحَدِكُم". قوله: "بادروا بالأعمال ستًا"؛ أي: ستَّ آياتٍ، فحذف المضاف إليه؛ لأنه يفسرها ما بعدها، والشيء إذا أُبهم ثم فُسَّر كان أفخَمَ عند السامع؛ أي: أسرعوا إلى الأعمال الصالحة قبل ظُهورِ الآيات الستِّ المذكورة؛ لأن ظهورَها يُوجِبُ عدمَ توبة التائبين؛ أي: عَدم قَبولها؛ لكونها ملجئةٌ إلى الإيمان، فَّلا يثاب المكلفُ عند الإلجاء على عمله، فإذا انقطع الثواب انقطع التكليف. قوله: "وأمرَ العَامَّةِ وخُوَيصَةَ أحَدِكُمْ"، (وأمر العَامَّة): القيامة؛ لأنه يعمُّ الخلائق. (الخُوَيصَة): تصغيرُ الخَاصَّة، وهي الموت الذي يخصُّ كلَّ واحدٍ، وإنما صغَّره تصغيرَ تحقيرٍ؛ لأن الموتَ بالإضافةِ إلى الدَّواهي الأُخر من البعثِ والحساب وغير ذلك من شدائد الآخرة العظام صغيرٌ وحقير. * * * ٤٢٢٠ - عن عبدِ الله بن عَمْرٍو قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ أَوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبها، وخُروجُ الدَّابَّةِ علَى النَّاسِ

стр. 2537

ضُحًى، وأيتهُما ما كانتْ قبلَ صاحِبَتِها فالأُخرَى علَى أَثَرِها قَرِيبًا". قوله: "إن أولَ الآياتِ خُروجًا طلوعُ الشمسِ من مَغرِبها"، (خروجًا): نُصب على التمييز؛ يعني: (أول الآياتِ) مبهم، وكلُّ اسم كان مبهمًا يكون مفسرُهُ منصوبًا على التمييز، إذ (أول): أفعل التفضيل، فنصب التمييز لإبهامه، فإنَّ الإبهام يستدعي تفسيرًا، أو المستدعي هو العامل عند النحويين. * * * ٤٢٢١ - عن أبي هُريرَةَ قالَ: قال رسولُ الله ﷺ : "ثلاثٌ إذا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: طُلوعُ الشَّمْسِ من مَغرِبها، والدَّجَّالُ ودابَّةُ الأَرْضِ". قوله: "ثلاثٌ"؛ أي: ثلاثُ آيات، فحذف المضاف إليه. * * * ٤٢٢٢ - وقال: "لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ منْ مغرِبها، فإذا طَلَعَتْ ورآها النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وذلكَ حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ "، ثمّ قرأَ الآيةَ. قوله: "إذا طلعت الشمس" من مغربها، "ورآها الناسُ آمنوا أجمعون، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ "، (أجمعون): تأكيدٌ للضمير في (آمنوا). وإنما لا يُقبل الإيمانُ بعد طلوع الشمس من المغرب؛ لأنه انقضى زمنُ التكليف بالإيمان، إذ طلوع الشمس من المغرب من أحكام السَّاعة، فحينئذ كأنه ظهرت الساعة، وظهورُ السَّاعة علامةُ انقضاءِ التَّكليفِ. * * *

стр. 2538

٤٢٢٣ - وعن أبي ذَرًّ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ حِينَ غرَبَت الشَّمْسُ: "أَتَدْرِي أينَ تَذْهَبُ هذه؟ " قلتُ: الله ورسولُهُ أعلَمُ، قال: "فإنَّهَا تَذْهَبُ حتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرشِ، فتستأْذِنُ فيُؤذَنُ لها، ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ فلا يُقبَلُ مِنها، وتَسْتَأْذِنَ فلا يُؤذنَ لها، ويقالُ لها: ارجِعي منْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ منْ مَغرِبها، فذلكَ قولُهُ تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. قال: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ". قوله: "يقال لها: ارجعي من حيثُ جِئْتِ، فتطلُعُ من مَغرِبها، فذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال: مستقرُّها تحتَ العَرشِ": قال محيي السنة في "شرح السنة": قال الخطابي في قوله: ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]: إنَّ أصحابَ التفسير من أهل المعاني قالوا فيه قولين: قال بعضهم: معناه: ثمَّ الشمسُ تجري لمستقرٍ لها؛ أي: لأَجَلٍ قُدِّرَ لها؛ أي: إلى انقطاع مدَّة بقاءِ العالَم. وقال بعضهم: (مستقرُّها): غايةُ ما تنتهي إليه في صعودِها وارتفاعِها لأطول يوم في السنة. وأما قوله ﷺ : "مستقرُّها تحتَ العرشِ"، فلا ننكرُ أن يكونَ لها استقرارٌ تحتَ العرشِ من حيثُ لا ندرِكُهُ ولا نشاهدُهُ، وإنما أَخْبَرَ عن غيبٍ، ولا نكذِّبُ به ولا نكيفُهُ؛ لأن علمَنَا لا يحيطُ بِهِ. ويحتمل أن يكون المعنى: إنَّ عِلْمَ ما سَأَلْتَ عنه مِنْ مُستقرَّهَا تحت العرش في كتابٍ كُتب فيه مبادئُ أمورِ العالَم ونهاياتها، والوقتُ الذي تنتهي إليه مُدَّتُها، فينقطعُ دورانُ الشمسِ ويستقرُّ عند ذلك، فيبطلُ فعلها، وهو اللوح المحفوظ. وقال أبو سليمان: وفي هذا - يعني: وفي هذا الحديث الأول - إخبارٌ عن

стр. 2539

سجود الشمس تحت العرش، فلا يُنكر أن يكون ذلك عند محاذَاتِها العرشَ في مَسيرِها، وليس في سجودِها تحتَ العرش ما يعوقُها عن الدَّأْبِ في مَسِيْرِها، والتصرُّف لما سُخرت له. * * * ٤٢٢٤ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما بينَ خَلْقِ آدَم إلى قِيامِ السَّاعةِ أمْرٌ أَكْبَرُ منَ الدَّجَّالِ". قوله: "ما بينَ خلقِ آدمَ إلى قيامِ السَّاعةِ أمرٌ أكبرُ من الدجال"؛ أي: لعظيم فتنتِهِ، وفظيعِ بليَّتِهِ، وليسَتْ بليَّتُه وفتنته وخوف النبي ﷺ على أمته منه مِن قِبَلِ شُبهةٍ تلحَقُ المؤمنين الموقنين العارفين بالله تعالى وصفاتِه، فإذ المؤمنين عَرفوا الله تعالى معرفةً لا تتخالجهم فيها الظنون، ولا تعترضهم الشبهة؛ لأنه تعالى لا يَشبه شيئًا، ولا يُشبه شيءٌ، وأنه ليس كمثله شيء، وإن أوصَافَ الحَدث عنه منفيةٌ وتنزَّه عن ذلك. وإنما أنذَرَ أمته أنه يكونَ خروجُهُ في شِدَّةٍ من الزمان، وعُسْرٍ من الحَال، وأن الناس يصيبُهُم شدةٌ، وأنه يستولي على أموالِهم ومواشِيهم، فيجوزُ أن يتَّبعَهُ أقوامٌ بأبدانِهِم وبألسنتِهم، وإن عَرفوا بقلوبهم كذبَهُ، وأن الله تعالى ليسَ كمثله شيء، ويكونُ تصديقُهم إيَّاه وإتباعهم تقيةً على حسبان تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. ويحسبون أن في تصديقه رُخْصَةً، كما جاز في غيره، فَمَنْ تبعَهُ، صَرَفَ الله قلبَهُ، ولم يقبَلْ منه إيمانَ قلبه بالله، ولم يعذرْهُ في نفسِهِ، فإنه لم يأتِ في شيء من الأخبار رخصةٌ في اتباعه تقية، فأنذر النبي ﷺ قومَه، وخافَ عليهم فتْنَتَهُ لذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].

стр. 2540

وقال في قصة ثعلبة: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧]، أخبرَ أنهم لمَّا فعلوا ما نُهوا عنه صرفَ الله قلوبهم عن الإيمان، فكذلك مَن اتَّبع الدَّجَّال؛ تقيةً رغبةً فيما عنده ورهبةً منه، صرفَ الله قلوبهم عن الإيمان به، فيكفرون. ويجوز أن يكونَ شأنُ الدجال وأتباعه من المناهي التي شدَّد الله فيها، ولم يُجعل فيها رُخصة، وأنَّ مَنِ اتَّبعَهُ لم ينفعْهُ إيمانُهُ، كما جُعِلَ طلوعُ الشَّمسِ من مغربها فِتْنَةً لا يُقبل بعدَها إيمانُ مَنْ لم يكن آمنَ من قبل، وإن كان ذلك في القوة والصحة وإمكان الفعل. أورد الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن إبراهيم الكلاباذي البخاري ﵀ في "معاني مشكلات أخبار النبي ﷺ " قوله: "إنه أعور، وإن الله ليس بأعور" ولو لَمْ يكن أعور، وكان صحيحَ العينين لم يكن يوجِبُ شبهةً، وإنما أرادَ ﷺ أنه إنسانٌ وليس بحيوان ولا شيطان، وليس له فضلُ قُوَّةٍ، ولا زيادةُ حَال يُخَافُ منه أكثر مما يُخَافُ مِنْ مُتَسلِّطٍ ظالمٍ عاتٍ جبَّارٍ من الناس، وأنه إنسان شَبَّهَ بنيتَهُ ببنيَتَهُم، يؤذِيْهِ ما يُؤْذِيْهِمْ، ويَحْتَاجُ إلى ما يحتاجُ إليه الناس، وإنه مؤوفٌ بآفةِ العَور، لا يقدرُ على إزالَتِها عن نفسه، إن سلطَ الله تعالى عليه بعوضةً صرفتْهُ عن جميع ما يدَّعيه، وإن حرَّك عنه عِرقًا سَاكنًا، أو سكَّنَ منه متحرِّكًا زالَتْ عنه قوتُه، وأقلَقَهُ حَالُهُ. فهذا من النبي ﷺ تشجيعٌ لمن ابتلي بأيامه، وأدركه سلطانه؛ كي لا يكونَ خوفُهُ منه أكبرَ من خوفه من أحد من الناس عليه سلطانه، كذا قال الشيخ الكلاباذي البخاري ﵀ في "جمعه" أيضًا. وحاصل تفسير الكلاباذي: أن الدجالَ إنسانٌ مثلكم، بل أضعف منكم؛ لأنه أعور، والعورُ نقصانٌ وعيب، فيلزم منه أن لا يكون إلهًا لوجهين:

стр. 2541

أحدهما: أن الإله تجبُ سلامةُ ذاته من الآفات والعيوب. والثاني: أنه لو كان إلهًا لأزال عيبَ نفسه، ولم يرضَ بنفسه النقصانَ، ثم عورُهُ إن كان من قبل نفسه، فالإلهُ لا يُنقِصُ أوصافه، وإن كان من قبل غيره، كما هو حق، فهو المخلوقُ الناقصُ، فيلزم أن يكون كبقية المخلوقين الجائرين الظالمين. فإن قيل: ما الحكمةُ في أنه خُلِق أعور؟ قيل: لأنه لو كان مَؤوفًا بآفة أخرى غير العور لم يظهرْ كظهور العور، أو لأنه يكون أمارةً ظاهرةً تدلُّ على كذبه وسحره. فإن قيل: لو كان أعمى؛ لكان أظهر من العور، فلمَ لم يُخلَق أعمى؟ قيل: لأنه قدَّر الله سبحانه إضلالَ قومٍ به، ولو كان أعمى، لم يكن منه إغواءٌ وإضلال. * * * ٤٢٢٦ - وقالَ: "إنَّ الله لا يَخْفَى عَلَيكُمْ، إنَّ الله ليسَ بأَعْوَرَ، وإنَّ المَسيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ اليُمْنَى، كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافِيةٌ". قوله: "وإنَّ المسيحَ الدجَّالَ أعورُ عينِ اليمنى، كأنَّ عينه عنبةٌ طافية": قال الفراء: قال بعض الناس: الدجالُ مِسِّيح - بكسر الميم وتشديد السين - على وزن (فِعِّيل)؛ ليكون فرقًا بين المسيح عيسى - صلوات الله عليه - وبين الدجال. قال في "شرح السنة": بعض الناس يقولون للدجَّال: مِسِّيح - بكسر الميم وتشديد السين - على وزن (فِعِّيل)، وليس بشيء، بل هما في اللفظ واحد. وقيل: سمي الدجال (مَسِيحًا) بفتح الميم وتخفيف السين؛ لأنه ممسوحٌ

стр. 2542

عن جميع الخير والبركة. وقيل: لأنه يتردَّدُ في جميع الصحارى والبلاد إلا مكة والمدينة، فإنه يحرمُ من دخولها. وقيل: سُمِّي بالمسيح؛ لأن إحدى عينيه ممسوحةٌ. قال في "شرح السنة": (الطافية من العنب): الحبة الخارجة من أخواتها، ومنه: الطافي من السمك؛ لأنه يعلو ويظهر على رأس الماء، يريد: أن حدقته قائمة كذلك. * * * ٤٢٢٨ - وعن أبي هُريرةَ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ألا أُحدِّثُكُم حديثًا عنِ الدَّجَّالِ ما حَدَّثَ بهِ نبيٌّ قَوْمَهُ؟ إِنَّه أَعْوَرُ، وإنَّهُ يَجيءُ مَعَهُ بمِثْلِ الجَنَّةِ والنَّارِ، فالتي يقولُ: إنَّها الجَنَّةُ هيَ النَّارُ، وإنَّي أُنذِرُكُمْ كما أَنْذَرَ بهِ نُوْحٌ قَوْمَهُ". قوله: "فالتي يقول: إنها الجنة هي النار": وإنما قال: (هي النار)؛ لأن من اتبعه تصديقًا له يدخل في جنته، ومن دخل في جنته، استحقَّ النارَ الأبدية؛ لكفره، نعوذ بلطفه من عقابه، فلهذا سَمَّى النبيُّ ﷺ جنته نارًا؛ إطلاقًا لاسم السبب على المسبب. * * * ٤٢٢٩ - عن حُذَيْفةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ وإنَّ معَهُ ماءً ونارًا، فأمَّا الذي يَراه النَّاسُ ماءً فنارٌ تُحْرِقُ، وأمَّا الذي يَراه النَّاسُ نارًا فماءٌ بارِدٌ عَذْبٌ، فمنْ أدركَ ذلكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ في الذي يراهُ نارًا، فإنَّهُ ماءٌ عَذْبٌ طَيبٌ، وإنَّ الدَّجَّالَ مَمْسوحُ العَيْنِ، عليها ظَفَرَةٌ غَليظَةٌ، مَكْتوبٌ بينَ عَيْنيهِ: كافِر، يَقْرَؤُهُ كلُّ مُؤْمِنٍ كاتِبٍ وغيرِ كاتِب".

стр. 2543

قوله: "فأما الذي يراه الناس ماءً فنارٌ تُحرِقُ، وأما الذي يراه الناس نارًا فماءٌ باردٌ عذبٌ"؛ يعني: إذا غضب على من يكذبه ورماه في ناره، جعل الله تعالى ناره ماءً باردًا، كالنار النمرودية التي جعلها لخليله ﵊ بردًا وسلامًا، وإذا رضي عمن صدقه، وأعطاه من مائه، جُعِلَ له ماؤه العذب البارد النارَ المحرقةَ المخلدة الدائمة. واعلم أن ما يظهر من فتنته لا يكون له حقيقة، بل تخييلٌ منه وشَعْبذَةٌ، كما يفعله السحرة والمُعشبذُون. ومعنى الشعبذة: تخيُّلُ الخيالات الباطلة، ويتوهَّمُ لأشياء حقائقَ، كما يفعل المشعبذُ بأخذِ ثوب أحد، وتمزيقه تخييلاً، ثم ينفضُهُ صحيحًا، فهو أحد الحيل. فالحاصل: أن من ابتُلِي بزمانه ينبغي أن يكون صابرًا على بلائه، متمسكًا بدينه، مستعينًا بربه، معتقدًا بأنه لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع في العالم إلا الله . قوله: "ممسوح العين"؛ أي: له عينٌ واحدة، وموضعُ عينٍ أخرى ممسوحٌ مثل جبهته، ليس له أثر العين، وعلى تلك العين ظفرة. و"الظَّفرة": جلدةٌ تغشي العين ناتئةٌ من الجانب الذي يلي الأنف على بياض العين إلى سوادها، قاله في "منتخب الصحاح". قال الأصمعي: (الظَّفرة): لحمة تنبت عند المآقي، وأنشد: بعينِها منَ البكاءِ ظَفَرَةْ حلَّ ابنها في السِّجنِ وَسْطَ الكَفَرَةْ قاله في "الغريبين". * * *

стр. 2544

٤٢٣٠ - وعن حُذَيْفة قالَ: قال رسولُ الله ﷺ : "الدَّجَّالُ أَعْوَرُ العَيْنِ اليُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ، معَهُ جَنَّتُهُ ونارُهُ، فنارُهُ جنَّةٌ، وجَنَّتُهُ نارٌ". قوله: "أعور العين اليسرى ... " إلى آخره. قال في هذا الحديث: إنه أعور العين اليسرى، وفي الحديث المتقدم: "أعور العين اليمنى". فإن قيل: كيف التوفيق بين الحديثين؟ قيل: اختلافُ اليسرى واليمنى في الرواية، لا تناقضٌ في قوله ﵊، بل يكون بالنسبة إلى أشخاص متفرقة، فقوم يرونه أعور اليسرى، وقوم يرونه أعور اليمنى؛ ليدل على تخييل أمره وبطلانه؛ لأنه إذا كان لا ترى خلقتُهُ كما هي دلَّ على أنه ساحرٌ كذَّابٌ. وأيضًا يجوز أن يفعلَ ذلك بنفسه شعبذةً وإيهامًا للقدرة أو بتقديرٍ إلهي إذا أراد إضلال قوم، كما سيَّر معه جبالًا وجنانًا ونيرانًا، فجميعُ أحواله على الانقلاب، فكذا خلقته. وقيل: كلُّ واحدة في زمان، فاختصَّ أحد الحديثين بزمان. وقيل: يحتمل أن المراد به: نفيُ اليمنى واليسرى عنه، وإثباتُ ضدَّهما فيه. قوله: "جُفال الشعر"، (الجفال) بالضم: كثير الشعر. * * * ٤٢٣١ - عن النَّوَّاسِ بن سَمْعانَ قال: ذَكَرَ رسولُ الله ﷺ الدَّجَّالَ فقال: "إنْ يَخْرُجْ وأنا فيكُم فأَنا حَجِيْجُهُ دُونَكُمْ، وإنْ يَخْرُجْ ولَسْتُ فيكُم فامرُؤٌ حَجِيْجُ نَفْسِهِ، والله خليفَتي على كُلِّ مُسْلِمٍ، إنَّهُ شابٌّ قَطَطٌ عينُهُ طافِئةٌ، كأنَّي أُشَبهُهُ بِعَبْدِ العُزَّى بن قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ منكُمْ فلْيَقْرأْ علَيهِ فواتِحَ سُورةِ الكَهْفِ".

стр. 2545

وفي رِوايةٍ: "فلْيَقْرَأْ علَيهِ بفواتِحِ سُورَةِ الكَهْفِ فإنَّها جَوازُكم منْ فِتْنَتِهِ إنَّهُ خارِجٌ مِنْ خَلَّةٍ بينَ الشَامِ والعِراقِ، فعاثَ يَمينًا وعاثَ شِمالاً، يا عِبادَ الله فاثبُتُوا". قُلنا: يا رسولَ الله! وما لَبْثُهُ في الأَرْضِ؟ قال: "أَرْبعونَ يَوْمًا، يومٌ كسَنةٍ، ويَوْمٌ كَشَهْرٍ، ويَوْمٌ كجُمُعَةٍ، وسائِرُ أيَّامِهِ كأيَّامِكُمْ"، قُلنا: يا رسولَ الله! فذلكَ اليَوْمُ الذي كسَنةٍ أيَكفِينا فيهِ صلاةُ يومٍ؟ قال: "لا، اقْدُروا لهُ قَدرَهُ". قُلنا: يا رسولَ الله! وما إسْراعُهُ في الأَرْضِ؟ قال: "كالغَيْثِ استَدْبَرتْهُ الرَّيحُ، فيأْتي على القَوْمِ فيَدعوهُمْ فيُؤمِنونَ بهِ، فيأْمُرُ السَّماءَ فتُمطِرُ، والأَرض فتُنبتُ، فتَروحُ عليهم سارحَتُهُمْ أطولَ ما كانتْ ذُرًى، وأسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وأَمَدَّهُ خَواصِرَ، ثم يأتي القَوْمَ فيَدعوهُم فيَردُّونَ عليهِ قولَهُ، فيَنصرِفُ عنهُمْ، فيُصبحونَ مُمْحِلينَ ليسَ بأَيْديهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوالِهِمْ، ويمرُّ بالخَرِبَةِ فيقولُ لها: أَخْرِجي كُنوزَكِ فتتبَعُهُ كنوزُها كيَعاسِيبِ النَّحْلِ، ثمَّ يَدعُو رَجُلاً مُمْتلِئًا شبابًا، فيَضْرِبُهُ بالسَّيْفِ فيقطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَميَةَ الغَرَضِ، ثمَّ يَدعُوه فيُقبلُ ويَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَما هوَ كذلكَ إذْ بَعَثَ الله المَسيحَ ابن مَرْيمَ، فيَنزِلُ عِندَ المنارَةِ البَيْضاءَ شرْقِيِّ دِمَشْقَ بينَ مَهْرودَتَيْنِ واضعًا كفَّيْهِ على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إذا طَأْطَأَ رأسَهُ قَطَرَ، وإذا رفعَهُ تَحَدَّرَ منهُ مِثْلُ جُمانٍ كاللُّؤْلؤِ، فلا يَحِلُّ لكافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إلا ماتَ، ونَفَسُهُ يَنْتَهي حَيْثُ يَنْتَهي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتَّى يُدرِكَهُ ببابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُه، ثمَّ يأتي عيسَى قَوْمٌ قد عَصَمَهُمُ الله مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عنْ وُجوهِهِمْ ويُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجاتِهِمْ في الجَنَّةِ، فبينَما هوَ كذلكَ إذْ أَوْحَى الله إلى عيسى: إنَّي قد أَخْرَجتُ عِبادًا لي لا يَدانِ لأَحَدٍ بقتالِهمْ فَحَرِّزْ عِبادِي إلى الطُّورِ، ويَبْعَثُ الله يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيمُرُّ أوائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرةِ طَبَرِيَّةَ، فيشرَبونَ ما فيها، ويمُرُّ آخِرُهُمْ فيقولُ: لقدْ كانَ بهذِهِ مَرَّةً ماءٌ، ثمّ يَسيرونَ حتَّى يَنتهُوا إلى جَبَلِ الخَمْرِ، وهو جَبلُ بيتِ المَقْدِسِ، فيقولونَ: لقدْ قَتَلنا مَنْ في الأرضِ، هَلُمَّ فلْنَقْتُلْ مَنْ في السَّماءِ، فيَرمُونَ بنشَّابهِمْ إلى السَّماءِ، فيرُدُّ الله عليهِمْ

стр. 2546

نُشَّابَهُم مَخْضُوبَةً دَمًا. ويُحْصَرُ نبَيُّ الله وأَصْحابُهُ حتَّى يكونَ رأسُ الثَّوْرِ لأَحدِهِم خَيرًا مِنْ مِئَةِ دِينارٍ لأحدِكُمُ اليَوْمَ، فيَرْغَبُ نبيُّ الله عِيسَى وأَصحابُهُ إلى الله، فيُرسِلُ الله عَلَيهِمُ النَّغَفَ في رِقابهِمْ، فيُصْبحونَ فَرْسَى كمَوْتِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، ثمّ يَهبطُ نبيُّ الله عيسَى وأصحابُهُ إلى الأَرْضِ، فلا يَجدونَ في الأَرْضِ موضعَ شِبرٍ إلَّا مَلأَهُ زهَمُهُمْ ونَتْنُهُم، فَيَرْغَبُ نبيُّ الله عيسَى وأصحابُهُ إلى الله، فيُرسِلُ الله طيرًا كأعْنَاقِ البُخْتِ فَتَحمِلُهُمْ فتطرَحُهُمْ حَيْثُ شاءَ الله - ويُروى: فتطرَحُهُم بالمَهْبلِ، ويَسْتَوقِدُ المُسْلِمونَ مِنْ قِسِيهِمْ ونُشَّابهِمْ وجِعابهِمْ سَبْعَ سِنينَ - ثمَّ يُرْسِلُ الله مَطَرًا لا يَكُنُّ منهُ بيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ، فيَغْسِلُ الأَرْضَ حتَّى يترُكَها كالزُّلَفَةِ، ثم يُقالُ للأَرضِ: أنْبتي ثَمَرَتَكِ ورُدِّي بَرَكَتَكِ، فيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العِصابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ ويَسْتَظِلُّونَ بِقَحْفِها، ويُبارَكُ في الرِّسْلِ حتَّى أنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبلِ لَتكْفي الفِئامَ مِنَ النَّاسِ، واللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتكْفي القَبيلةَ مِنَ النَّاسِ، واللِّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ لَتكْفي الفَخِذَ منَ النَّاسِ، فَبَيْنَما هم كذلكَ إذْ بعثَ الله رِيحًا طَيبةً فتأخُذُهُمْ تحتَ آباطِهمْ، فتَقبضُ رُوْحَ كلِّ مُؤْمِنٍ وكُلِّ مُسْلِمٍ، ويبقى شِرارُ النَّاسِ يَتهارَجونَ فيها تَهارُجَ الحُمُرِ، فَعليْهِمْ تقومُ السَّاعَةُ". قوله: "فإن يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حجيجُهُ دونكم"، (الحجيج): فعيل من (الحجة) بمعنى فاعل، وهو من فعال المغالبة؛ يعني: أنا غالب عليه بالحجة؛ يعني: إن خرج الدجال وأنا فيكم فأكفيكم شرَّه، وأدفعه عنكم، وإلا فليدفعْ كلٌّ منكم شره عن نفسه بما عنده من الحجج القاطعة، والبراهين اللائحة، شرعتها وعقليتها، ويجوز أن يكون الفعيل بمعنى الفاعل كالوزير بمعنى المُؤازِر؛ أي: أنا حجاجه ويحاجني فلا يحتاج أحد من أمتي إلى المحاجَّةِ معه. ويلزم منه: أن يغلبَ الملعونَ؛ لأنه هو النبي المعصوم، فمن حاجَّه من البطلة غلبه، كما فعل الخليل ﷺ بخصمه، وكذا موسى صلوات الله عليه.

стр. 2547

فإن قيل: النبي ﷺ يعلم أن الدجَّال لا يخرج في زمانه، فما الحكمة في قوله: "إن يخرج وأنا فيكم"؟ قيل: يحتملُ أن يريد بقوله: "وأنا فيكم"؛ يعني: ديني قائم فيكم إلى يوم القيامة، وهو غالبٌ على دعوى كل مفترٍ ومبطلٍ وماحيها، خصوصًا على دعوى من هو أشدُّ إغواء وهو الدجال. ويحتمل أن يريد به: تحقيق خروجه؛ يعني: لا تشكوا في خروجه، فإنه سيخرجُ لا محالةَ. ويحتمل أن يريد به: عدم علمه بوقت خروجه، كما أنه لا يدري متى الساعةُ. ويحتمل أن يريد به: الإخبارَ بأنه ﷺ خاتم النبيين، ولا يكون بعدَه نبيٌّ، فإن خروجَهُ بعد ختم النبوة. ويحتمل أن يريد به: إعلام الناس بقرب خروجه، ومجيء الساعة، كقوله ﷺ : "أنا والساعة كهاتين"، وأشار بالسبابة والوسطى. ويحتمل أن يريد به: تنبيه أمته على ارتقابِ زمانه، والتعوُّذِ منه، وإن ظهر في أيِّ زمان ظهر، فليستعدَّ المؤمن على مصابرته، والتحمل من شدائده ومشاقه، ولا يغترَّ بزخرفته، بل يصرَّحُ بالحجة لا يبالي، وإذا عزم المؤمن على ذلك، أُثيبَ عليه. قوله: "والله خَلِيفتي على كلِّ مسلم"؛ يعني: والله وليُّ كلَّ مسلم، وحافظه، فيعينكم عليه، ويدفعُ عنكم شرَّه. هذا دليلٌ على أن المؤمن الموقن لا يزال منصورًا، وإن لم يكن معه نبي ولا إمام.

стр. 2548

قوله: "شاب قَطَطٌ": يقال: جَعِدٌ قَطَطٌ؛ أي: شديد الجعودة؛ يعني: شعره كشعر الزنج. قوله: "كأني أشبهه بعبد العُزَّى بن قَطَنٍ": (عبد العزَّى) - بضم العين - يهودي (١)، وتشبيهه ﷺ بعبد العزى إشارةٌ إلى أنه كذَّاب؛ لأنه من اتَّسم بسمةِ الحدوث، واتصف بصفة النقائص والعيوب لا ينبغي له هذه الدعوى، وكيف حال من هو أضعفُ البشر خلقة، وأنقصهم بنية؛ لكونه مَؤوفًا بأقبحِ آفةٍ، وهو العور؟! فالحاصل: أن في دعواه الكاذبة استحالةٌ عظيمة بحيث يستحيلُ البحث فيه ذهنًا؛ لأن العلمَ بكذبه الصراح بديهيٌّ، فإذن لا حاجةَ إلى البيان والبرهان، فسبحانه عن الشبيه والنظير. قوله: "فمن أدركَهُ منكم فليقرأْ عليه فواتحَ سورةِ الكهف": (الفواتح): جمع فاتحة، وهي أولُ كلِّ شيء؛ يعني: من أدرك زمانه فليقرأ أوائلَ سورة الكهف، فإنه وقي وحفظ من فتنته. ورُوِي أنه ﷺ قال: "من داومَ على قراءةِ سورِة الكهفِ وُقِي فتنةَ الدجَّال، لو أدرك زمانه". إن قيل: لم خُصِّصت فواتح الكهف من بين سائر القرآن؟ قيل: مثل هذا من التعبدات التي لا يُعقَل معناها، ويحتمل أن يقال: لأن فواتحها مشتملةٌ على قصة أصحاب الكهف، وعصمتهم من دقيانوس وجنده،

стр. 2549

فكذا كل من كان يقرأها يحفظ من شرَّ الدجال ومَكرِهِ. وأيضًا إذا قرأ فواتح الكهف، فاطلع على فضائل أصحاب الكهف؛ لمَّا التجؤوا إلى الله تعالى، وفرُّوا بدينهم إليه من شرِّ دقيانوس، أكرمهم الله بتلك الكرامة، كذلك من ينكر المسيح الدجال يكرمه الله، ويثني عليه كما أثنى عليهم. وفيه تنبيهٌ على أن المؤمن قد يُبتلى بالظَّلَمة، ويصبر على دينه مع ظلم الظالم، فلا يرى ابتلاءه بالمسيح الدجَّال بدعةً في نفسه دون بقية المؤمنين. قوله: "إنه خارج من خَلَّةٍ بين الشام والعراق": (الخلة): السبيل بينهما؛ يعني: يخرج الدجال من طريق واقع بين الشام والعراق، فيفسد جانب يمينه وجانب يساره، بل جميع جوانب البلاد، إلا مكة والمدينة؛ فإنهما محفوظان من عند الله بالملائكة، والمعصومُ من عصمه الله تعالى. لكن قوله ﷺ : "فاثبتوا" تسليةٌ لقلوب من ابتلي بزمانه، وتنجيةٌ لمن امتثل بأمره، وثبت على دينه، ولو فعل به ما فعل من العقوبات الشديدة. قوله: "وما لبثه في الأرض ... " إلى قوله: "اقدروا له قدره"، قيل: يمكن إجراؤه على ظاهره، فإنه سبحانه على كلِّ شيء قدير، فكما نرى أن الدورة اليومية منقسمة على أربع وعشرين ساعة، ويزيد في أحدهما، وينقص من الآخر، فيمكن أن يطوَّلَ سبحانه فيزيد في يوم واحد أجزاء السنة، ويكون اليوم بقدر سنة. وسؤال الصلوات وجوابه منه ﷺ أنه ينبغي أن تُقدَّر بقدرِ أربعٍ وعشرين ساعة، فيمكن في كل مقدار من هذا خمس صلوات، والله أعلم. وأما إذا حملناه على التأويل المعنوي، فإن استطالةَ الأيام المكروهة واستقصارَ الأيام المحبوبة مشهورٌ عند العرب في نظمهم ونثرهم.

стр. 2550

فيكون معناه - والله أعلم -: أن فتنة الدجال وشدة بلائه على المؤمنين تكون في أول الأمر أشدُّ وأصعبُ، وكلما يمتدُّ الزمان، يضعفُ أمره، ويهونُ كيده؛ لأن الحقَّ يزيد كل وقت نورًا وعلاءً، والباطلَ يزيدُ امِّحاءً واضمحلالًا. وأيضًا فإن الناسَ إذا اعتادوا (١) بالبلاء والمحنة، فإنه يهون عليهم إلى أن يضمحلَّ أمره وكيده بالكلية، فهذا معنى قوله ﷺ : يوم كسنةٍ، وشهرٍ، وجمعةٍ. وأما سؤالهم عن صلوات تلك الأيام فمعناه - والله أعلم -: أنهم إذا وقعوا في ذلك البلاء العظيم، فيرخَّص لهم في ترك بعض الصلوات، كما يرخص المريض في ترك بعض الأركان، والمقاتل في بعضها، والمغشي عليه في ترك الجميع، ويلزمه القضاء، فهل تسقطُ عنهم في تلك الأحوال والأهوال؟ فأجاب ﷺ بأنه لا يسقط عنهم التكليف؛ لبقاء العقلِ المنوطِ به. قوله: "فيأمر السماءَ فتمطرُ، والأرضَ فتنبتُ، فتروحُ عليهم سارحتُهم أطولَ ما كانت ذُرى": (السارحة): الماشية التي تسرحُ بالغداة إلى مراعيها. وقال شمر: (السارحة): الإبل والغنم، ذكره في "الغريبين". (الذُّرى): جمع ذروة، وهي أعلى السنام. و"أسبغَ": أتمَّ. "الضُّروع": جمع الضرع، وهو الثدي. و"أمدَّه"؛ أي: زاده (٢). "الخواصر": جمع خاصرة، وهي ما تحت الجنب.

стр. 2551

يعني: يأمر السحاب بأن تمطرَ فتمطرُ، ويأمر الأرض بأن تنبتَ فتنبتُ، فتعود إليهم ماشيتهم سِمانًا كثيرة الدَّر، أسمنَ ما كانت قبل المَحْلِ. وقيل: إنما يريهم ذلك سحرًا وشعبذة، ولو كان ذلك على الحقيقة لَمَا بَعُدَ ذلك؛ أن يفعلَ الله سبحانه هذه الأفاعيلَ عند حركاتٍ يتحرَّك بها الدجَّال، كما أنه خلق الخُوارَ في العجل الذي صاغه السامري ابتلاء وامتحانًا لعباده، ولله سبحانه أن يمتحنَ عبادَهُ بما شاء. "مُمْحِلين"؛ أي: مُجدِبين، (أمحل): إذا دخل في الجدب؛ أي: القحط. "اليعاسيب": جمع يعسوب، وهو سيد النحل. قوله: "فيقطعه جَزْلتين"؛ أي: قطعتين. "رميةَ الغَرَضِ"؛ أي: الهدف، يريد أن بُعدُ ما بين القطعتين رمية الغرض؛ أي: يفصلُ بينهما. تهلَّلَ السحابُ ببرقِهِ: إذا تلألأ، و"تهلَّل وجه الرجل": إذا حَسُنَ من الفرح. قوله: "يضحك": حال من الضمير في فيقبل؛ أي: (فيقبل) ضاحكًا بشاشًا. قوله: "مَهْرُودَتين"؛ أي: شِقَّتين، أو حُلَّتين ملونتين؛ أي: مصبوغتين بالهُرْدِ، وهو صبغ يشبه العُروقَ، والعُروق: نباتٌ أصفر يُصبَغ به، وهو يقال بالفارسية: لا زرد. قال في "شرح السنة": ويروى هذا الحرف: (مهروذتين) بالدال والذال جميعًا؛ أي: مُمَصَّرَتين، والمُمَصَّرةُ من النبات: ما فيها صُفرةٌ. ويروى في وصف عيسى ﵇: رجل مربوع إلى البياض والحمرة، يمشي بين مُمَصَّرتين.

стр. 2552

"طأطأ رأسه": إذا خفضه، "تحدُّر": إذا نزل، "الجُمان": جمع جمانة، وهي حبَّةٌ تعمل من الفضة كالدُّرة، ذكره في "منتخب الصحاح". يعني: إذا خفض عيسى ﷺ رأسَهُ قطرَ من شعره قطراتٌ نورانية كاللآلئ، وإذا رفع رأسه نزلت تلك القطرات. "بباب لُد"، و (اللُّد) بالضم: موضع. اليدان: الطاقة. "لا يَدَانِ"؛ أي: لا طاقةَ. "الحَدْب": ما ارتفع من الأرض، النسلُ: الإسراع؛ أي: ينزلوا من كل مكان مرتفع بسرعة. (النُّشَّاب) بضم النون وتشديد الشين: السهام، واحده نشابة، والناشب: صاحب السهم. قوله: "فيرغبُ نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله"؛ أي: يدعون الله سبحانه بإهلاكهم واستئصالهم، يقال: (رغب إليه): إذا دعاه، و (رغب فيه)؛ أي: مال إليه، و (رغب عنه)؛ أي: مال عنه. "النَّغَف": الدود يكون في أنوف الإبل والغنم، واحده: نغفة. قوله: "فَرْسَى" بفتح الفاء والسين وسكون الراء: معناه: قتلى، واحده: فَرِيس، مثل: قتيل وقتلى، وصريع وصرعى، من (فرس الذئب الشاة فرسًا): إذا قتلها قتلًا، وأصل ذلك من دقِّ العنق، ثم استعير لكلَّ قتل، ومنه: فريسة الأسد. "البُخت": الإبل، مُعرَّب، (البخاتي) جمعه، ذكره في "منتخب الصحاح". "النَّهْبَل" (١): موضع.

стр. 2553

"الجَعاب": جمع جعبة، وهي غلاف النشاب. قوله: "ثم يرسل الله مطرًا لا يَكُنُّ منه بيتُ مدرٍ ولا وبرٍ": يقال: كننت الشيء وأكننته؛ أي: سترته؛ يعني: ثم يرسل الله مطرًا مِدْرارًا بحيث لا يستُر أحدًا بيتُ مدر ولا وبر من ذلك المطر، (لا يكن ...) إلى آخره صفة لقوله: "مطرًا". وقال أبو عمرو: "الزَّلَف": المصانع، واحدتها: زَلَفَةٌ؛ بفتح الكل، ذكره في "الغريبين"، وقيل: الإجَّانةُ الخضراء. قوله: "يَستظلُّون بقَحْفها": أصل القحف: العظم الذي فوق الدماغ، ثم استُعيرَ في الشجر. قوله: "يُبارَك في الرَّسلِ حتى أن اللِّقحةَ من الإبل لتكفي الفِئامَ من الناس"، (يبارك): يفاعَل - بفتح العين - من (البركة)، وهي: الكثرة والاتساع. و (الرِّسل) بكسر الراء: اللبن، و (اللِّقحة) بكسر اللام: الناقة التي نتجت حديثًا، والجمع: (لِقَح) و (لَقَح) بكسر اللام وفتحها وفتح القاف، و (ناقة لَقوح) بفتح اللام: إذا كانت غزيرة الدر، والجمع: لُقُح؛ بضم اللام والقاف. (الفِئام): الجماعة التي فيها كثرة وسعة من الناس، لا واحدَ له من لفظه، وهو اسم جمعٍ، لا جمع تكسير، وهو كالنسوة بالنسبة إلى المرأة، والقوم بالنسبة إلى الرجل. يعني: تُجعَل البركةُ والخير الكثير في اللبن في ذلك الزمان حتى أن ناقة واحدة ذات لبن، يكفي لبنها لجمع كثير من الناس، وكذلك بقرة واحدة يكفي لبنها لقبيلة عظيمة من الناس، ولبن شاة واحدة أيضًا يكفي لفخذ من الناس. و"الفخذُ في العشائر" أقل من البطن، والبطنُ أقل من القبيلة، والقبيلة: بنو أبٍ واحد.

стр. 2554

قوله: "بينما هم كذلك": (ما) في (بينما) عوضٌ عن المضاف إليه، و (إذ) في "إذ بعث" للمفاجأة، والعامل في (بينما) (بعث). يعني: متنعمون في طيب العيش والسعة، ويميلون إليه كلَّ الميل، ويسكنون فيه، ويتمادون في غرة وغفلة عظيمة، فأرسل الله عليهم فجأة ريحًا طيبة بين ذلك الزمانِ الخَضلِ، تجري تحت آباطهم، فيموت جميع من في ذلك الزمان من أهل الطاعة، ويبقى شِرارُ الناس ورذائلهم. "يتهارجون"؛ أي: يختلطون، يقال: هرج القوم يهرجون هرجًا، وهرج الفرس: إذا اشتد عدوه، (يتهارجون): حال من (شرار الناس)؛ يعني: يبقى شرارُ الناس متهارجين مختلطين اختلاطَ الحُمُرِ، "فعليهم تقوم الساعة". * * * ٤٢٣٢ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمنينَ، فَتَلْقاهُ المَسالِحُ، مَسالِحُ الدَّجَّالِ، فيقولونَ لهُ: أينَ تَعْمِدُ؟ فيقولُ: أَعْمِدُ إلى هذا الذي خَرَجَ، قال فيقولونَ لهُ: أَوَ ما تُؤمِنُ بِرَبنا؟ فيقولُ: ما بِرَبنا خَفاءٌ، فيقولونَ: اقتُلُوه، فيقولُ بعضُهُم لبعضٍ: أليسَ قد نَهاكُمْ ربُّكُمْ أنْ تقتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ، فينطلِقُونَ بهِ إلى الدَّجَّالِ، فإذا رآهُ المُؤْمِنُ قال: يا أيُّها النَّاسُ هذا الدَّجَّالُ الذي ذَكرَ رسولُ الله ﷺ ، قالَ: فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ النَّاسَ بهِ فيُشَبَّحُ، فيقولُ: خُذوهُ وشُجُّوهُ، فيُوسَعُ ظَهْرُهُ وبَطْنُهُ ضَرْبًا، قال فيقولُ: أما تُؤمِنُ بي؟ قالَ فيقولُ: أنتَ المَسِيحُ الدَّجَّالُ الكَذَّابُ، قالَ: فيُؤْمَرُ بهِ فيُؤْشَرُ بالمِئْشارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، قال: ثمَّ يَمْشي الدَّجَّالُ بينَ القِطْعَتَيْنِ، ثمَّ يقولُ لهُ: قُمْ، فيَستوِي قائِمًا، ثُمَّ يقولُ لهُ: أتُؤْمِنُ بي؟ فيقولُ: ما ازْدَدْتُ فيكَ إلا بَصيرَةً، قالَ: ثُمَّ يقُولُ: يا أيُّها النَّاسُ إنَّهُ لا يَفْعَلُ هذا بَعْدِي بأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، قال: فيأخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ فيُجعَلُ ما بينَ

стр. 2555

رقَبَتِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ نُحاسًا، فلا يَسْتطيعُ إليهِ سَبيلاً، قال: فَيَأْخُذُ بيدَيْهِ ورِجلَيْهِ فيَقْذِفُ بهِ، فيَحْسِبُ النَّاسُ أنَّما قذَفَهُ إلى النَّارِ، وإنَّمَا أُلقيَ في الجنَّةِ". فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هذا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهادَةً عندَ ربِّ العالمينَ". قوله: "فيتوجَّهُ قِبَله رجلٌ من المؤمنين"، (القِبَل) بكسر القاف وفتح الباء: النحو والجانب؛ يعني: يقبل نحو الدجال وجانبه رجلٌ من المؤمنين. "المَسالِح": جمع مَسْلَحة، وهم قوم ذوو سلاح. "البصائر": جمع بصيرة، وهي بصر القلب، وهي في الحقيقة انشراحُ الصدور وهدايته، واستقرارُ الهدى فيه. قال الكَلاباذي في "معاني الأخبار": هذا الحديث دليلٌ على أن الدجَّال لا يقدر على ما يريده، وإنما يفعلُ الله تعالى عند حركتِهِ في نفسه ومحل قدرتِهِ ما شاء الله أن يفعله؛ اختبارًا للخلق، وابتلاء لهم؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويَحيى من حيَّ عن بينة، ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء، فيرى من أرادَ الله إضلالَهُ أنه أمطرت السماء وأنبتت الأرض بأمره، فيصدقه، والمؤمن الموقن الذي أراد الله تعالى هدايته، يثبته على إيمانه، فيكذبه، ويستخفُّ بفعله، ويعلم أن السماء أمطرت وأن الأرض أنبتت بإذن الله تعالى، وأن الدجال أهونُ على الله تعالى من أن يقدِرَ على ذلك، فإن سُلَّطَ عليه حتى قتله، أحياه الله تعالى، فيكذبه ويقول: ما كنت فيك أشدَّ بصيرة من اليوم، فيتشجَّعُ المؤمن، ويهلك الكافر الضال الذي أراد الله تعالى أن يضله، فيصدقه بقوله: إنه قتله وأحياه، ثم يريد أن يقتله، فلا يتسلَّطُ عليه، فإن ما كان يفعله على التخييل مثل السحر الذي قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. * * *

стр. 2556

٤٢٣٤ - عن أنس، عن رسولِ الله ﷺ قال: "يَتْبعُ الدَّجَّالَ منْ يَهودِ أَصْبَهانَ سَبْعونَ ألفًا عليهِمُ الطَّيَالِسَةُ". قوله: "يتبع الدجال من اليهود أصفهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة ... " إلى آخره. (الطيالسة): جمع الطيلسان. * * * ٤٢٣٥ - وقالَ: "يأتي الدَّجَّالُ، وهوَ مُحَرَّمٌ عليهِ أنْ يَدخُلَ نِقابَ المَدينةِ، فينزِلُ بَعْضَ السِّباخِ التي تَلي المَدينَةَ، فيخرُجُ إليهِ رَجُلٌ، وهو خَيْرُ النَّاسِ، أو منْ خِيارِ النَّاسِ، فيقولُ: أَشْهدُ أنَّكَ الدَّجَّالُ الذي حَدَّثَنا رسولُ الله ﷺ حَديثَهُ، فيقولُ الدَّجَّالُ: أرأَيْتُمْ إنْ قَتلتُ هذا ثمَّ أَحْيَيْتُهُ هلْ تَشُكُّونَ في الأَمْرِ؟ فيقولونَ: لا، فيقتُلُهُ ثمَّ يُحْييهِ، فيقولُ: والله ما كُنْتُ فيكَ أَشَدَّ بَصيرةً منِّي اليَوْمَ، فيُريدُ الدَّجَّالُ أنْ يقتُلَهُ فلا يُسلَّطُ عليهِ". "النِّقاب": جمع نقب، وهو الطريق بين الجبلين، ذكره في "الغريبين". * * * ٤٢٣٦ - عن أبي هريرةَ عن رسولِ الله ﷺ قال: "يأتي المَسيحُ منْ قِبَلِ المَشْرِقِ هِمَّتُهُ المَدينةُ، حتَّى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ، ثمَّ تَصْرِفُ الملائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشَّامِ، وهُنالِكَ يَهلِكُ". قوله: "حتى ينزل دبر أحد ... " إلى آخره. الدُّبُرُ والدُّبْرُ: الظَّهرُ، قاله في "منتخب الصحاح". يعني: ينزل الدجالُ خلفَ جبل أحد، ثم تصرفُ الملائكةُ وجهه نحوَ الشام. * * *

стр. 2557

٤٢٣٧ - وعن أبي بَكرَةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "لا يَدخُلُ المَدينَةَ رُعْبَ المَسيحِ الدَّجَّالِ، لها يَوْمَئِذٍ سَبعةُ أبوابٍ عَلَى كلِّ بابٍ مَلَكانِ". قوله: "رعبَ المسيح"؛ أي: خوفه. * * * ٤٢٣٨ - عن فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ قالت: سَمِعْتُ مُنادِيَ رسولِ الله ﷺ يُنادِي: الصَّلاةَ جامِعَةً، فخَرَجْتُ إلى المَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ جَلَسَ عَلَى المِنبرِ وهوَ يَضْحَكُ فقال: "لِيَلزَم كلُّ إنْسانٍ مُصَلاهُ"، ثُمَّ قال: "هلْ تَدرونَ لِمَ جَمعتُكُمْ؟ " قالوا: الله ورسولُهُ أعلمُ، قال: "إِنَّي والله ما جَمَعْتُكُم لرَغْبةٍ ولا لرَهْبَةٍ، ولكنْ جَمَعتُكُمْ لأَنَّ تَميمًا الدَّارِيَّ كانَ رَجُلاً نَصْرانِيًّا، فجاءَ وأَسْلَمَ، وحَدَّثَني حَديثًا وافَقَ الذي كُنْتُ أُحَدِّثُكُم بهِ عنِ المَسيحِ الدَّجَّالِ، حدَّثَني أنَّهُ ركِبَ في سَفينةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثلاثينَ رَجُلًا منْ لَخْمٍ وجُذامَ، فلَعِبَ بهم المَوْجُ شَهْرًا في البَحْرِ، فَأَرْفَؤُوا إلى جَزيرةٍ حينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، فجَلَسُوا في أَقْرُبِ السَّفينةِ فدخَلُوا الجزيرةَ، فلقِيَتهُمْ دابَّةٌ أَهْلَبُ كثيرُ الشَّعَرِ، لا يَدْرونَ ما قُبُلُهُ منْ دُبُرِهِ منْ كثرةِ الشَّعَرِ، قالوا: ويلَكِ ما أنتِ؟ قالت: أنا الجَسَّاسَةُ، انطلِقُوا إلى هذا الرَّجُلِ في الدَّيْرِ فإنَّهُ إلى خَبَرِكُمْ بالأشْواقِ، قال: لمَّا سَمَّتْ لنا رجلًا فَرِقْنا منها أنْ تكونَ شَيطانةً، قال: فانطلَقْنا سِراعًا حتَّى دخَلْنا الدَّيْرَ، فإذا فيهِ أَعْظَمُ إِنْسانٍ ما رأيناهُ قطُّ خَلْقًا، وأشدُّهُ وِثاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ ما بينَ رُكبَتِهِ إلى كَعْبهِ بالحَديدِ، قُلنا: وَيْلَكَ ما أنتَ؟ قال: قدْ قَدَرْتُمْ علَى خَبرِي فأخبروني ما أنتُمْ؟ قالوا: نَحْنُ أُناسٌ مِنَ العَرَبِ ركِبنا في سَفينَةٍ بَحْريَّةٍ فلَعِبَ بنا البَحرُ شَهْرًا فدَخَلْنا الجزيرةَ، فلَقِيَتْنا دابَّةٌ أهْلَبُ فقالت: أنا الجَسَّاسَةُ، اعْمِدُوا إلى هذا الرَّجلِ في الدَّيْرِ، فأقبَلْنا إليكَ سِرَاعًا، فقال: أَخْبروني عنْ نَخْلِ بَيْسانَ هلْ تُثمِرُ؟ قُلْنا: نَعَم، ثُمَّ قال: أَما إنَّها يُوشِكُ أنْ

стр. 2558

لا تُثْمِرَ، قال: أَخْبروني عنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ هلْ فيها ماءٌ؟ قلنا: هيَ كثيرةُ الماءِ، قال: أَما إنَّ ماءَها يُوشِكُ أنْ يذهَبَ، قال: أَخْبروني عنْ عَيْنِ زُغَرَ هلْ في العينِ ماءٌ؟ وهلْ يَزْرَعُ أهلُها بماءِ العَيْنِ؟ قلنا: نعمْ، هيَ كثيرةُ الماءِ، وأهلُها يزرَعونَ مِنْ مائِها، قال: أَخْبروني عنْ نَبيَّ الأُمِّيينَ ما فعلَ؟ قالوا: قد خرجَ من مكةَ ونزلَ يثربَ، قال: أقاتَله العربُ؟ قلنا نعم، قال: كيفَ صَنَعَ بهمْ؟ فأخبرناهُ أنَّهُ قدْ ظَهَرَ علَى مَنْ يَليهِ مِنَ العَرَبِ وأطاعوهُ، قال: أَمَا إنَّ ذلكَ خَيْرٌ لهمْ أنْ يُطيعوهُ، وإنَّي مُخبرُكُم عنَّي، إنَّي أنا المَسِيحُ، وإني أُوشِكُ أنْ يُؤْذَنَ لي في الخُروجِ فأَخْرُجَ فأَسيرَ في الأَرْضِ فلا أَدَعَ قريةً إلَّا هَبَطْتُها في أربعينَ ليلةً غيرَ مكَّةَ وطَيْبَةَ، هُما مُحَرَّمَتانِ عليَّ كِلتاهُما، كُلَّما أَردْتُ أنْ أَدْخُلَ واحِدَةً مِنهُما استقبَلَني مَلَكٌ بيدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عنها، وإنَّ على كلَّ نَقْبٍ منها ملائِكَةً يَحرُسونَها"، قالَ رسولُ الله ﷺ ، وطَعَنَ بمِخْصَرتِهِ في المِنْبَرِ: "هذِه طَيْبَةُ، هذِه طَيْبَةُ، هذه طيبةُ"، يَعني: المَدينَةَ، "ألا هلْ كنتُ حَدَّثْتُكُمْ؟ " فقالَ النَّاسُ: نعمْ، قال: "ألا إِنَّهُ في بَحْرِ الشَّامِ أوْ بحْرِ اليَمَنِ، لا بَلْ منْ قِبَلِ المَشرِقِ ما هُوَ"، وأَوْمَأَ بيدِه إلى المَشرِقِ. قولها: "ينادي: الصلاة جامعة": في إعرابهما أربعُ صور: رفعهما؛ لكونهما مبتدأ وخبرًا، ونصبهما على تقدير: احضروا الصلاة في حال كونها جامعة، ورفع الأول ونصب الثاني على تقدير: هذه الصلاة في حال كونها جامعة، ونصب الأول ورفع الثاني على تقدير: احضروا الصلاة وهي جامعة، وعلى التقديرات الأربع محلُّ الجملة نصب؛ لكونها مفعول يُنادي، ومفعوله حكاية؛ لأن فيه معنى القول. قوله: "لَخْمٍ وجُذامٍ": قبيلتان. قال الخطابي في "معالمه": "فأرْفَؤوا إلى جزيرة" معناه: أنهم قرَّبوا السفينة إليها، يقال: أرفأت السفينة: إذا قربتها من الساحل، وهذا مرفأ السفن.

стр. 2559

و"أَقْرُب السفينة": يريد بها القوارب، وهي سفنٌ صغارٌ تكون مع السفن البحرية، كالجنائب لها، تتخذ لحوائجهم، واحدها: قارب، فأما (الأَقْرُب)؛ فإنه جمعٌ على غير قياس. و"الجسَّاسة": يقال: إنها تجسِّسُ الأخبارَ للدجَّال، وبه سُمِّيت جسَّاسة. و"الأهْلَب": الكثير الهلب، والهلب: الشعر، هذا كله لفظ الخطابي. (الأهلب): الفرسُ الكثير الشعر. ذكره في "منتخب الصحاح". "بيسان" بالباء المنقوطة تحتها بنقطة، وبعدها ياء منقوطة تحتها بنقطتين: موضعٌ ينسب إليه الخمر. و"الزُّغَز" بالزاي والغين المعجمة: موضعٌ قليل النبات. وقيل: (زُغَز) لا ينصرف، فإن كان كما زعم الكلبي: أنه اسم امرأة؛ للتعريف والتأنيث، فهو كامرأة سَمَّيتها بسفر، وإن كان (زُغَر) اسمَ رجلٍ ونُقِلَ غيرَ منصرف، فوجهه أنه كـ (عمر)، أصله: زاغر، لا ينصرفُ للعلمية والعدل. وقيل: علم للبقعة، واشتقاقه من (زغرَ الماء) بمعنى: زخر؛ إما أصلٌ، وإما بدلٌ من الخاء؛ لأن الغين والخاء من حروف الحلق، وبينهما تناسُبٌ. قوله: "بيده السيفُ صُلتًا"، (أصلَتَ السيفَ): إذا جرَّده من غمده، (صلتًا)؛ أي: مصلتًا، وهو مسلول. قوله: "وطعن بمِخْصَرتهِ في المنبر"، (المِخْصَرة): كالسوط، وكلُّ ما اختصر الإنسان بيده، فأمسكه من عصا ونحوها، ذكره في "منتخب الصحاح". سُمِّيت المدينة "طيبة"؛ لأنها طاهرة من الخبث والنفاق، كما قال ﷺ في المدينة: "المدينة كالكير تنفي خبثها، وينصع طيبها"، ذكره في "شرح السنة". قوله: "ألا إنَّه في بحرِ الشامِ، أو بحرِ اليمنِ، لا بل مِنْ قِبَلِ المشرقِ

стр. 2560

ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق": يحتملُ أن يكونَ لتردده ﷺ في ذلك الزمان؛ لأنه ما كان نزل عليه في ذلك وحيٌ مصرِّحٌ بمحله، بل على الاحتمال كما في علم الساعة. ويحتمل أن يكون لتنقُّلِ الدجَّال في هذه المواضع الثلاثة بمعنى: أنه لا يتجاوزُ هذه المواضع الثلاث، بل كل وقت يتنقلُ من هذه الأمكنة بعضها إلى بعض، فيكون في الأخبار نظير (أو) الإباحاة في قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين؛ أي: لا تتجاوزهما. و (ما) في (ما هو) بمعنى الذي؛ أي: الجانب الذي هو فيه. (أومأ)؛ أي: أشار. * * * ٤٢٣٩ - عن عبدِ الله بن عُمَرَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "رأيتُني الليلَةَ عِنْدَ الكعبةِ، فرأيتُ رَجُلًا آدمَ كأَحْسَنِ ما أنتَ راءٍ منْ أُدْمِ الرِّجالِ، لهُ لِمَّةٌ كأَحْسَنِ ما أنتَ راءٍ مِنَ اللِّمَمِ، قد رجَّلَها فهيَ تقطُرُ ماءً، مُتَّكِئًا على عَواتِقِ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بالبيتِ، فسألتُ مَنْ هذا؟ فقالوا: هذا المَسيحُ ابن مريمَ"، قال: ثمَّ إذا أنا برجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أعوَرِ العَيْنِ اليُمنَى، كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافِيةٌ، كأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بابن قَطَنٍ، واضعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ يَطوفُ بالبيتِ، فسألتُ: مَنْ هذا؟ فقالوا: هذا المَسِيحُ الدَّجَّالُ". وفي رِوايةٍ: قالَ في الدَّجَّال: "رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسيمٌ، جَعدُ الرَّأْسِ، أَعْوَرُ عَينهِ اليُمنَى، أقرَبُ النَّاسِ بهِ شَبَهًا ابن قَطَنٍ". قوله: "رأيتني الليلة": اعلم أنه لا يجوزُ اجتماعُ ضمير الفاعل والمفعول في شخص واحد؛ يعني: لا يجوز أن تقول: ضربتُني؛ التاء التي هي الفاعل، والياء في لفظة (ني) هي للمفعول، كلاهما ضمير نفسك في اللفظ والمعنى.
следующие страницы →