Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
عليه السلام، فكان أقرب إليه في الشبه عروة بن مسعود الثقفي.
* * *
٤٤٤٣ - عَنِ ابن عبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَيتُ لَيْلةَ أُسرِيَ بي موسَى رَجُلًا آدمَ طُوَالًا جَعْدًا كأنَّهُ منْ رِجَالِ شَنوءَةَ، ورَأَيتُ عيسَى رَجُلًا مَربوعَ الخَلْقِ إلى الحُمرَةِ والبَيَاضِ سَبطَ الرَّأسِ، ورَأَيتُ مالِكًا خَازِنَ النَّارِ، والدَّجالَ في آياتٍ أَرَاهُنَّ الله إيَّاهُ ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ ".
قوله: "رجلًا آدم طُوَالًا جَعْدًا"، الحديث.
(آدم): نعتٌ من الأُدْمة، وهي السُّمْرة.
و (الطُّوالُ) - بضم الطاء -: الطويلُ، لكنه وُضعَ للمبالغة في الطُّول، نحو كُبَار.
جَعُدَ الشعر فهو (جَعْدٌ)، (المربوعُ): لا طويلٌ ولا قصيرٌ، والرَّبْعَةُ مثلُه.
"إلى الحمرِة والبياض"؛ يعني: كان يضربُ لونُه إلى الحمرة والبياض؛ يعني: ما كان أحمرَ قانيًا ولا أبيضَ نقيًا، بل كان لونُه بين اللَّونين.
"سَبَطَ الرأسَ"؛ أي: مسترسِلَ شعرِ رأسِه، يقال: سَبطَ فهو سَبَطٌ.
"والدجَّالَ في آيات أراهُنَّ الله إياه": (الآياتُ): جمع آية، وهي العلامة، و (أراهُنَّ) صفةُ (آيات)؛ يعني: أراه الدجالَ أيضًا مع آياتٍ أُخَرَ ما حكاها، فإذا كان خروجُه موعودًا ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ في شكٍّ ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] و (اللِّقاء): الرؤيةُ، و (لا تَكُنْ) خطابٌ لمن سَمعَ هذا الحديثَ إلى يومِ القيامة.
* * *
٤٤٤٤ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي
стр. 2732
لَقِيتُ موسَى - فَنَعَتَهُ -، فإذا رَجُلٌ مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الشَّعرِ، كأنَّهُ منْ رِجالِ شَنُوءَةَ، ولَقيْتُ عيسَى رَبْعَةٌ أَحمَرُ، كأنَّما خرجَ منْ دِيْمَاسٍ - يعني: الحَمَّام - ورأيتُ إِبْراهِيمَ صلَواتُ الله عَلَيْهِ، وأنا أشبَهُ ولدِهِ بهِ، قَالَ: وأُتِيتُ بإِنَاءَيْنِ أحدُهُما لَبن والآخَرُ فيهِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبن فشرِبْتُهُ، فَقِيْلَ لي: هُدِيتَ الفِطْرةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الخَمرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ".
قوله: "وأُتِيتُ بإناءَين؛ أحدُهما: لبن، والآخرُ فيه خَمْر"، الحديث.
كان قياسُ العربية في قوله ﷺ : (أحدُهما فيه لَبن) كما قال: (فيه خمرٌ)، لكنه عدَلَ عن القياس، لأنه ﷺ أراد تكثيرَ اللبن، فلما كَثُرَ صار كأنَّ الإناءَ انقلبَ لَبنًا، فجعلَه لبنًا كلَّه، تكثيرًا لِمَا يختارُه.
ولمَّا كان الخمرُ منهيًّا عنه قَلَّلَه؛ أي: إناءٌ فيه خمرٌ قَليلٌ، والظاهر: أنه أراد باللبن الحليبَ لا الرائبَ، إذ ذاك عند العرب غالبًا، وإنما عُرِضَ عليه كلاهما؛ ليَظْهَرَ للملائكة تفضيلهُ واختيارهُ ما هو الصواب، والمأتيُّ بهما كان اختراعًا إلهيًا في الحال، لا مأخوذًا من الدنيا، إذ لم يكن المأتيُّ بهما في عالم الكون والفساد، بل في عالم الملكوت.
قوله: "أمَا إنَّكَ لو أخذتَ الخمرَ غَوَتْ أمتُك"، (أَما): كلمةُ تنبيه؛ أي: لو اخترتَ الخمرَ بدلَ اللبن لضلَّتْ أمتُك.
* * *
٤٤٤٥ - عَنِ ابن عبَّاسِ قَالَ: سِرْنا معَ رسُولِ الله ﷺ بيْنَ مكَّةَ والمَدِينَةِ، فَمَرَرْنا بِوادٍ فَقَالَ: "أيُّ وادٍ هَذَا؟ " فَقَالوا وَادِي الأَزْرَقِ، قَالَ: "كأنِّي أنظُرُ إلى موسَى، فذكَرَ منْ لونِهِ وشَعْرِهِ شَيْئًا، واضعًا أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤارٌ إلى الله بالتَّلبيَةِ مارًّا بهذا الوَادِي"، قَالَ: ثُمَّ سِرْنا حتَّى أَتَيْنا عَلَى ثَنِيَّةٍ فَقَال: "أيُّ ثَنِيَّةٍ هذهِ؟ " قالوا: هَرْشَى أو: لِفْتٌ، فَقَال: "كَأنِّي أنظُرُ إلَى يُونُسَ عَلَى ناقَةٍ حَمْراءَ,
стр. 2733
عليهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطامُ ناقَتِهِ خُلْبَةٌ مَارًّا بِهَذا الوَادِي مُلبيًا".
قوله: "كأني أنظرُ إلى موسى، فَذكَرَ مِنْ لونهِ وشَعْرهِ شيئًا، واضعًا إصبعيه في أذنيه"، الحديث.
(واضعًا): نصب على الحال، و (إصبعيه) مفعوله.
"الجُؤَارُ": الصياح، يقال: فلان جأَرَ إلى الله ؛ أي: تضرَّع.
و"التلبية": مصدرُ (لبَّى) إذا قال: لَبّيك، وأصل لَبَّى: لَبَّبَ، فقُلِبت الباءُ الآخرة ياءً للخِفَّة، فصار: لَبَّى تَلْبيةً، فَأُجْرِيَ مُجْرى: وصَّى توصيةً؛ يعني: أن النبي ﷺ في الوادي الأزرق الذي بين مكة والمدينة حينما كُشِفَ له من عالَم الغيب حالاتُ موسى ويونس ﵉ في الإحرام والتلبية ممَّا جرى عليهما في الحجِّ وغير ذلك، من حِلْيةِ موسى، ولباسِ يونسَ، ووصفِ ناقته وذكر أن "خِطَامَ ناقتهِ خُلْبَةٌ"؛ أي: زمامُ ناقتِه ليفةُ نَخْل = أخبر عن ذلك كلِّه.
"مارًا" و"ملبيًا": نصب على الحال مِن يونس.
"هَرْشَى": ثنية في طريق مكة، "وَلفت" أيضًا: موضعٌ في طريق مكة.
هذا دليلٌ على أنَّ لأرباب القلوب أن يُخبروا عما كُشِفَ لهم من المغيَّبات.
* * *
٤٤٤٦ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "خُفِّفَ عَلَى دَاودَ القُرآنُ، فكَانَ يأمرُ بدوابهِ فتُسرَجُ، فَيقْرَأُ القُرآنَ قبلَ أنْ تُسرَجَ دَوابُّهُ، ولا يأكُلُ إلَّا مِنْ عَمِلِ يَدِهِ".
قوله: "خُفِّفَ على داود القرآنُ"، الحديث.
(القرآنُ) ها هنا بمعنى القراءة.
стр. 2734
قال في "الغريبين": (القرآن): سُمِّيَ به لأنه جُمعَ فيه القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد، وكلُّ شيء جمعتَه فقد قَرَأْتَه.
"الدواب": جمع دابة، وهي التي تُرْكَبُ، والمراد بها ها هنا الفَرَس.
"فتُسْرَجُ"؛ أي: فتُجْعَلُ الدوابُّ ذاتَ سُرُوج؛ يعني: خُفِّفَ على داود ﵇ قراءةُ الزَّبُور، بحيث لو أمرَ بِسَرْجِ دابته مبتدئًا في قراءته لفرغ من قراءته "قبل أن تُسْرَجَ"، وهذا من جملة معجزاته ﵇، وكثيرًا ما نُقِلَ هذا وأمثالُه من أولياءِ أمةِ نبينا محمد ﷺ من طَيِّ الأرض وغيرِ ذلك؛ لقطع مسافات بعيدةٍ طَرْفَة عين، وينبغي أن يُعتقَد أن كراماتِ الأولياء حقٌّ، وهي تتمةُ معجزاتِ الأنبياء صلوات الله عليهم.
* * *
٤٤٤٧ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "كَانتْ اِمْرأتَانِ مَعَهُما ابناهُما، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بابن إِحْدَاهُما، فَقَالتْ صَاحِبَتُها: إنَّما ذَهبَ بِابنكِ، وقَالَتِ: الأُخرى: إنَّما ذَهَبَ بابنكِ، فتَحَاكمَتا إِلى دَاوْدَ، فَقَضَى بهِ لِلْكُبرى، فخَرجَتَا عَلَى سُلَيْمانَ بن داودَ، فَأخْبَرتَاهُ فَقَال: ائْتُوني بالسِّكَينِ أشقُّهُ بَيْنَكُما، فَقَالتْ الصُّغرَى، لَا تَفعَلْ، يَرحَمُكَ الله، هُوَ ابنها، فَقَضَى بهِ للصُّغرَى".
قوله: "فتحاكمَتا إلى داودَ، فقضى به للكُبْرى"، الحديث.
(التحاكُم): الترافُع، وهو أن يرفعَ كلُّ واحدٍ من الخَصْمين شرحَ حاله إلى الحاكم.
"فقضى"؛ أي: حكمَ "به"؛ أي: بالابن "للكبرى"، تأنيثُ الأكبر، و"الصغرى"، تأنيثُ الأَصْغَر.
"فخرجَتَا على سليمان"؛ أي: خرجتا من عند داودَ، ودخلَتا على سليمانَ
стр. 2735
عليهما السلام، فأخبرتَاه بما حكَمَ داود ﵇ بذلك، فألهمه الله سبحانه ما كان محرِّكًا للرحمة والأمومية والمحَّبة والبُغْض، وهو قوله: "ائتوني بالسِّكِّين أَشُقُّه بينكما"، فقالت أمه التي هي الصغرى خوفًا على ذهاب روحه:
"لا تفعلِ" الشقَّ يا نبي الله، "فإنه ابنها"، فحكمَ به للصغرى؛ لوجودِ هذه القوينة المعينة لها، وهي الرَّأْفةُ والشَّفقةُ، واعلم أن قضاءهما حقٌّ وصدق؛ لكونهما مجتهِدَين، وكلُّ مجتهدٍ مصيبٌ.
ومستندُ قضائهما في هذه القضية نفسُ القرينة، لكنَّ القرينةَ التي حكمَ بها سليمان ﵇ كانت أقوى من حيث الظاهرُ، فقد غلبَ على ظنه بذلك أنه ابن للصغرى، فحكمَ لها بالابن.
قال بعض الشارحين: ويحتمل أن قرائنَ الأحوالِ كانت في شرعهم بمثابة البَينة، فلهذا حكمُوا بها.
* * *
٤٤٤٨ - عَنْ أَبيْ هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "قالَ سُلَيْمانُ صَلَواتُ الله عليهِ: لأَطوفَنَّ اللَّيلةَ عَلَى تِسعِيْنَ امرأةً - وفي رِوَايَةٍ: على مِئَةِ امرأةٍ - كُلُّهنَّ تَأتِي بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبيلِ الله، فَقَالَ لهُ المَلَكُ: قُلْ: إنْ شاءَ الله، فلمْ يقُلْ ونَسِيَ، فَطَافَ عليهِنَّ، فلمْ تحمِلْ منهُنَّ إلَّا امْرأةٌ واحِدةٌ جَاءَتْ بشِقِّ رَجُلٍ، وايْمُ الَّذي نَفْسُ محمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ الله، لَجَاهَدُوا في سَبيْلِ الله فُرسَانًا أَجْمَعُونَ".
قوله "لأطوفَنَّ الليلة على تسعين امرأةً - وفي رواية بمئة امرأة - كلُّهن تأتي بفارسٍ يجاهد"، الحديث.
(اللامُ) في (لأطوفنَّ) جوابُ قَسَمٍ مقدَّر، تقديرُه: والله لأَطُوفَنَّ، و (الطوافُ)
стр. 2736
هنا كنايةٌ عن المُجَامَعة.
(كلُّهن) مبتدأٌ و (تأتي) خبرُه، و (يجاهد): صفةٌ لفارس، (الشِّقُّ): نصف الشيء، وناحية الجَبل، والأَخُ، والمراد به ها هنا المعنى الأول: (شِقُّ رَجُلٍ)؛ أي: نصف رجل.
يعني: قال سليمان ﵇: والله لأجامِعَنَّ الليلةَ تسعينَ امرأةً، وروي: مئة امرأة، كلُّ واحدة منهنَّ تلدُ فارسًا يجاهدُ في سبيل الله، وما ذَكَرَ عَقِيبَه: إن شاء الله تعالى، فجامع النسوةَ التسعين أو المئة كلَّهن، فما حملتْ منهن إلا واحدةٌ، فجاءت بولدٍ نصفُه أَشَلُّ، فقال رسولُ الله ﷺ : "وايمِ الذي نفسُ محمدٍ بيدهِ"؛ أي: والذي نفسُ محمدٍ في قبضة قدرته، "لو قال إن شاء الله" لحصل مقصودهُ، وحملَتْ كلُّ واحدةٍ منهن، وأتت - كما ذكر - كلُّ واحدةٍ منهن بفارسٍ يجاهد في سبيل الله.
قوله: "لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون"، فـ (أجمعون) تأكيد للضمير في (جاهدوا)، و (فرسانًا) نصب على الحال من الضمير في (جاهدوا).
وفيه دليلٌ على أن مَن قال: أعملُ للشيء الفلانيِّ غدًا، فينبغي أن يذكر عَقِيبَه: إن شاء الله؛ تبرُّكًا وتيمُنًا وتسهيلًا لذلك العمل.
* * *
٤٤٤٩ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "كَانَ زَكرِيَّا نجَّارًا".
قوله: "كان زكرِيَّا نَجَّارًا"، (زكريَّا) غيرُ منصرفٍ للعَلَمية والعُجْمة، وفيه إشارةٌ إلى أن الحِرَف مطلوبةٌ.
* * *
стр. 2737
٤٤٥٠ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أَنا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى بن مَريمَ في الأُولَى والآخِرةِ، الأَنْبيَاءُ إِخْوةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وأُمَّهاتُهُمْ شَتَّى، ودينُهُمْ واحِدٌ، ولَيْسَ بَيْننا نَبيٌّ".
قوله: "أنا أولى الناسِ بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة"، الحديث.
قال في "منتخَب الصحاح": بنو العَلَّاتِ أولادُ الرجلِ من نسوة شَتَّى، والأَعْيان: الإخوةُ بنو أب وأم، والأخياف: إخوةٌ آباؤهم شتَّى؛ أي: متفرقة.
"أَولى" - بفتح الهمز -: أفعل التفضيل مِن (وَلِيَ) إذا قرب، و"الأَوْلَى"؛ أي: الدنيا.
يعني: أنا أقربُ الناس بعيسى ﵉ في الدنيا والآخرة.
"وليس بيننا نبيٌّ"؛ يعني: ليس بيني وبينه نبيٌّ، بل جئت بعدَه، كما قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، ثم بيَّن أن دينَ الأنبياء - صلوات الله عليهم - واحدٌ، وإن كانت شرائعهم مختلفةً، كما أنَّ أولادَ العَلَّاتِ أبوهم واحدٌ، وإن كانت أمَّهاتهم شَتَّى؛ لأن الأنبياءَ عن آخرهم يَدْعون الخَلْقَ إلى الله تعالى.
* * *
٤٤٥١ - وعَنْ أَبي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "كُلُّ بني آدَمَ يَطْعنُ الشَّيْطانُ في جَنبَيْهِ، بإِصْبعَيْه حِينَ يُولَدُ، غيرَ عيسَى بن مَرْيمَ، ذَهَبَ يَطْعنُ فَطَعنَ فَوَقعَ في الحِجَابِ".
قوله "كلُّ بني آدمَ يَطْعَنُ الشيطانُ في جنبيه بإصبعيه"، الحديث.
"ذهب"؛ أي: طَفِقَ، (الطَّعْنُ): الضرب، وهو ها هنا بمعنى المَسِّ.
قيل: "الحجابُ" ها هنا عبارةٌ عن المَشِيمَة، وهي ما فيه الولدُ؛ يعني:
стр. 2738
يَمَسُّ الشيطانُ بإصبعيه - يعني السبابة والوسطى - جَنْبَي جميعِ بني آدم حين يولَدُ إلا عيسى ﵇.
فإنه ما وصلَ إليه مِن مِسِّه، لأنه ما طَعَنَ في المشيمة، بحيث ما كان متأثِّرًا من طَعْنِه، وإنما لم يتأثَّرْ من مَسِّه؛ لأن الله تعالى أعاذَ مريمَ وأولادَها من الشيطان تقبُّلًا لنَذْرِ حَنَّةَ أمِّها، وأعاذ بها مريمَ وذريتها، لقوله تعالى حكايةً عنها: ﴿سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، فهذا لا يخلو إما أن يكونَ من الفضائل أو الخصائص، فإنْ كان من الفضائل، فنبيُّنا ﷺ أَوْلَى بذلك، لأنه أفضلُ من في السماوات والأرض، وإن كان من الخصائص فيجوزُ أن يختصَّ عيسى ﵇ بذلك، فإن الخاصية لا تَقْبَلُ الاشتراك.
* * *
٤٤٥٢ - عَن أَبي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلَّا مَرْيمُ بنتُ عِمرَانَ وآسِيَةُ امرَأةُ فِرعَوْنَ، وفَضْلُ عَائِشةَ عَلَى سَائِر النِّسَاءِ كفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ".
قوله: "كَمَلَ من الرجالِ كثيرٌ، ولم يكمُلْ من النساء إلا مريمُ"، الحديث.
يعني: كَثُرَ أهلُ الكمال في الرجال وهم الأنبياءُ والأولياءُ، فإنهم الكاملون المكمِّلون.
يعني: الكامِلون في أنفسهم، والمكمِّلون لغيرهم، على حسب مراتبهم في عِلْمهم ومعرفتهم بالله سبحانه.
وأما النساء: فما كَمَلَ منهنَّ إلا مريمُ بنت عمران، وآسيةُ زوجةُ فرعون ﵄ في زمانهما؛ لأنه وردتْ أحاديثُ أخرى في كمال خديجةَ وفاطمةَ وعائشةَ ﵅.
стр. 2739
وسنذكر فضلَهن في (باب مناقب أزواج النبي ﷺ ) مستقصًى مشروحًا - إن شاء الله تعالى - وحدَه.
وقوله: "فضلُ عائشةَ على النساء كفَضْلِ الثَّرِيد على سائر الطعام"، سيأتي البحث في ذلك أيضًا في (باب مناقب أزواج النبي ﷺ ) إن شاء الله.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٤٥٣ - عَنْ أَبي رَزْينٍ قَالَ: قُلتُ: يا رَسُولَ الله! أَينَ كَانَ ربنا قبلَ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَال: "كَانَ في عَمَاءٍ مَا تحتَهُ هَوَاءٌ ومَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وخَلَقَ عَرْشَهُ علَى المَاءِ"، وقَال يَزيدُ بن هَارُون: العَمَاءُ؛ أَيْ: لَيْسَ مَعَه شَيءٌ.
قوله: "كان في عَماءٍ، ما تحته هواءٌ، وما فوقه هواءٌ، وخلقَ عرشَه على الماء"، قال في "الغريبين": قال أبو عُبيد: (العَمَاءُ): السحابُ في كلامِ العرب، لا يُدْرَى كيف كان ذلك العَماء.
وحُكِيَ عن أبي الهيثم أنه قال: هو في عَمًى مقصود، قال: وهو أمرٌ لا تدركه عقولُ بني آدم، ولا يبلغُ كُنْهَه الوصْفُ، ولا يُدْرِكُه الفَطِنُ.
(ما) في (ما تحته وما فوقه) للنفي؛ أي: ما فوقَه وما تحته هواءٌ؛ أي: شيءٌ، والواو في (وخلق) للحال، و (قد) مقدَّرة؛ يعني قد كان الله سبحانه في الأَزَل في عَمَاءٍ؛ أي: في صفةٍ لا ندري كيفيتَها، بل نؤمنُ بذلك، كما أرادَها، ونَكِلُ عِلْمَها إليه سبحانه، كما نعرفُ ذاتَه تعالى، ونؤمنُ به بلا كيف.
فالحاصِلُ: أن هذا وأمثالَه وجبَ على السامع أن يؤمنَ بظاهره، ويصدِّقَه، ويعرضَ عن التفتيش في حقيقة ذلك حتى لا يقعَ في التشبيه والتعطيل.
* * *
стр. 2740
٤٤٥٤ - عَنِ العَبَّاس بن عَبْد المُطَّلِب ﵁: زَعَمَ أنَّه كانَ جَالِسًا في البَطْحاءِ في عِصَابةٍ ورَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ فيهِمْ، فمرَّتْ سَحابَةٌ فنظَرُوا إليها، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ما تُسَمُّونَ هَذِه؟ "، قَالُوا: السَّحَابُ، قَالَ: "والمُزْنُ"، قَالُوا: والمُزْنُ، قَالَ: "والعَنَانُ"، قَالُوا: والعَنَانُ، قَالَ: "هَلْ تَدرَونَ مَا بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ؟ "، قَالُوا: لا نَدرِي، قَالَ: "إنَّ بُعْدَ مَا بينَهُما إِمَّا واحِدَةٌ وإِمَّا اثنَتانِ أو ثَلَاثٌ وسَبْعُونَ سَنةً، والسَّماءُ الَّتي فَوْقَها كَذلِكَ، حتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاواتٍ، ثُمَّ فَوْقَ السَّماءِ السَّابعَةِ بحرٌ بَيْنَ أَعْلاهُ وأَسْفلِهِ كَمَا بَينَ سَماءٍ إلى سَماءٍ، ثُمَّ فوقَ ذَلِكَ ثَمَانِيةُ أوْ عَالٍ بَيْنَ أَظْلافِهنَّ ورُكَبهنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إلى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهورِهِنَّ العَرْشُ بَينَ أَسْفلِهِ وأَعلاهُ مَا بَينَ سَماءٍ إلى سماءٍ، ثُمَّ الله فَوْقَ ذَلِكَ".
قوله: "ما تُسمُّون هذه؟ قالوا: السَّحاب"، (ما) للاستفهام بمعنى التقرير، و (هذه) إشارة إلى السحابة، و (ما) مفعولٌ مقدَّم، و (هذه) مفعولُه الثاني، تقديره؛ أيُّ شيءٍ تسمون هذه؟، و (السَّحَابُ) خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: هي السحاب، وكذلك (المُزْن) و (العَنان)، إن روي بالرفع، وإن روي بالنصب فهو مفعولُ فِعْلٍ مقدَّر، تقديرُه: نُسمِّيها السحابَ.
"المُزْن": السحابُ الأبيضُ، واحدُه مُزْنَةٌ، و"العَنَان": السَّحَاب، وإنما سُمِّي عَنَانًا؛ لأنه عَنَّ في السماء؛ أي: ظَهر.
قوله: "إنَّ بُعْدَ ما بينهما إمَّا واحدةٌ وإمَّا اثنتان أو ثلاثٌ وسبعون سنةً"، الضمير في (بينهما) يعود إلى السماء والأرض؛ يعني: بُعْدُ ما بين السماء والأرض إمَّا واحدةٌ وسبعون سنةً، أو اثنتان وسبعونَ، أو ثلاثٌ وسبعون سنةً، وكذا السماء التي فوق السماء الدنيا إلى السماء السابعة.
قوله: "ثم فوقَ السماءَ السابعةِ بحرٌ بينَ أعلاه وأسفلِه كما بينَ سماءٍ إلى
стр. 2741
سماء"، الضمير في (أعلاه وأسفله) يعودُ إلى البحر.
قوله: "ثم فوقَ ذلك ثمانيةُ أوعالٍ بين أَظْلَافِهِنَّ وورِكِهِنَّ مثلُ ما بين سماءٍ إلى سماء ... " إلى آخره، (الأَوْعالُ): جمع وَعْل، وهو العنزُ الوحشيُّ، و (الأَظْلاف): جمع ظِلْفٌ، وهو للبقرة والشاة، والظِّلْفُ بمثابة الحافرِ للدَّابة، والوَرِكُ ما فوقَ الفَخِذ.
وذلك إشارة إلى البحر؛ يعني فوق ذلك البحر ثمانيةُ أملاك، وهم الذين يحملون العَرْش، الضمير في "أسفله وأعلاه" يعود إلى العرش.
قوله: "ثم الله فوق ذلك"، (ذلك) إشارة إلى العَرْش؛ يعني: الله سبحانه فوق العرش عُلُوًّا بالشأن لا بالمكان، تعالى عما يقول الجاهلون.
* * *
٤٤٥٥ - عَنْ جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ الله ﷺ أَعْرابيٌّ فَقَال: جُهِدَتْ الأنفُسُ وجَاعَ العِيالُ، ونُهِكَتْ الأَمْوالُ، وهَلكَت الأَنْعامُ، فاسْتَسْقِ الله لَنَا، فإنَّا نستَشْفِعُ بِكَ عَلَى الله، ونستَشْفِعُ بالله عَلَيْكَ، فَقَال النَّبيُّ ﷺ : "سُبحَانَ الله، سُبحانَ الله"، فَمَا زَالَ يُسبحُ حتَّى عُرِفَ ذلكَ في وُجوهِ أَصْحَابهِ، ثُمَّ قَالَ: "وَيْحَكَ! إنَّهُ لا يُستَشْفَعُ بالله علَى أَحَدٍ، شَأنُ الله أَعْظَمُ مِنْ ذلكَ، ويْحَكَ! أَتَدْرِي مَا الله؟ إنَّ عَرْشَهُ علَى سَمَاواتِهِ لَهَكَذا - وقَالَ بأَصابعِهِ مِثْلَ القُبَّةِ عليهِ -، وإنَّه لَيَئِطُّ بهِ أطِيطَ الرَّحْلِ بالرَّاكِبِ".
قوله: "جُهِدَت الأنفسُ، وجاعَ العيالُ، ونُهِكَت الأموالُ"، الحديث.
(الجَهْدُ): المشقة، وبالضم: الطاقة.
(الأنفس): جمع نفس، والنفسُ: الروحُ والدمُ والجَسَد، والمراد بها ها هنا الجسد.
стр. 2742
(وجاع): فعل ماضٍ من الجوع، وهو ضد الشبع.
(العيالُ): جمع عائل، مِن (عال) إذا افتقر.
وعيالُ الرجل: من يَتَمَوَّنُه من الزوجة والأولاد والعبيد والإماء.
"نُهِكَت" إذا نَقَصَتْ، يقال: نهكَتْه الحمَّى إذا جَهَدَتْه ونَقَصَتْه من قوته.
"الأنعام": جمع نَعَم، وهو الإبلُ والبقرُ والغَنَم.
"الاستسقاء": طلب السقي، و"الاستشفاع" طلب الشفاعة.
"سبحان الله"، نصب على المصدر، ولا يتغيَّرُ نصبُه لأنه من مصادرَ لا تنصرف، (سبحان الله) كلمة تقالُ عند التعجُّب "الشأن": الأمر والحال، "ويحك"؛ يعني: أتى أعرابيٌّ رسولَ الله ﷺ مشتكيًا عن قلة المطر والجَدْب.
فقال: يا رسول الله! أخذت النفوسُ في الفتك والشِّدَّة، والعيال في الجوع والعَبْرة، وهلكت المواشي والضروع، ونقصتِ الثمارُ والزُّروع، فاطلب من الله سبحانه أن يسقِيَنا بلُطْفه بغيثٍ مِدْرار ومُغيث، ونحن نطلبُ الشفاعة بوجودك على الله سبحانه، ونطلبُ الشفاعَة أيضًا بالله سبحانه عليك؛ يعني: نجعلُك شفيعًا على الله سبحانه؛ ليجيب دعاءنا، ونجعلُه تعالى شفيعًا عليك؛ ليحصل مقصودُنا، بأن تستسقيَ لنا من الله سبحانه، فقال النبي ﷺ .
"سبحان الله"، متعجِّبًا عن قوله: (إنا نستشفع بالله عليك).
"فما زال"؛ أي: فما دام "يسبح"؛ أي: يكرر التسبيحَ "حتَّى عُرِفَ ذلك"؛ أي: التغيُّر "في وجوه أصحابه" ﷺ ؛ أي: ساءهم تكريرُ التسبيح منه ﷺ ، وتوهَّموا أنه غضبَ من هذا السؤال، فخافوا من غضبه، وتغيرتْ وجوهُهم خوفًا من الله تعالى، فلمَّا أَثَّرَ فيهم الحزنُ رقَّ لهم، وقطعَ التسبيحَ، وبيَّنَ عظمة الرب حتَّى نُزِّهَ أن يَجعلَ أحدًا من الخلق وسيلةً إليه، فإنه أعظمُ من ذلك.
стр. 2743
ثم قال: "ويحك! شأنُ الله أعلى وأجلُّ أن يستشفِعَ على أحد"، ثم قال: "أتدري"؛ أي: أتعلم وتعرف "ما الله؟ "؛ أي: ما عظمةُ الله سبحانه؟ وطَفِقَ يقِّرر عظمة الله .
وقال: "إن عرشَه على سمواته هكذا، وقال بأصابعه"؛ أي: أشار بأصابعه.
قال الخطابي: هذا الكلام إذا أُجْرِيَ على ظاهره كان فيه نوعٌ من الكيفية، والكيفية عن الله سبحانه وصفاتِه منفيةٌ.
فعُقِلَ أن المراد منه ليس تحقيقَ هذه الصفة ولا تحديدَه على هذه الهيئة، وإنما هو كلامُ تقريب، أريد به تقريرُ عظمة الله وجلاله سبحانه، وإنما قُصِدَ به إفهامُ السائل من حيث يدركُه فَهْمُه، إذ كان أعرابيًا جِلْفًا لا علمَ له بمعاني ما دقَّ من الكلام، وبما لَطُفَ منه عن درك الأفهام.
وقوله: "إنه ليئِطُّ به"؛ معناه: إنه ليعجزُ عن جلاله وعظمته حتَّى يَئِطَّ به، إذا كان معلومًا أن "أطيطَ الرَّحْلِ بالراكب" إنما يكون لقوةِ ما فوقَه، ولعَجْزِه عن احتماله.
فقرَّر بهذا النوعِ من التمثيل عنده معنى عظمةِ الله وجلاله وارتفاعِ عَرْشِه؛ ليعلمَ أن الموصوفَ بعلو الشأن وجلالة القَدْر وفخامة الذَّكْر لا يُجْعَلُ شفيعًا إلى ما هو دونَه في القَدْر وأسفلَ منه في الدرجة، وتعالى الله عن أن يكون مشبَّهًا بشيء، أو مكيَّفًا بصورة خَلْق، أو مُدْرَكًا بحدٍّ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
* * *
٤٤٥٦ - عَنْ جَاِبرٍ بن عَبْدِ الله ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "أُذِنَ لِي أَنْ أُحدِّثَ عنْ مَلَكٍ منْ ملائِكَةِ الله مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنيهِ إِلَى
стр. 2744
عَاتِقِهِ مَسِيْرةُ سَبْعِ مِئَةِ عَامٍ".
قوله: "أُذِنَ لي أن أُحَدِّثَ عن مَلَكٍ"، الحديث، يقال: أُذِنَ له في الشيء ففعله إذنًا.
"الحَمَلَةُ"؛ جمع حامل.
"شَحْمَة الأُذُن"، مُعَلَّقُ القُرْط؛ يعني: ما لان من الأذن.
"العاتق"، موضعُ الرداء من الكَتِف، يذكَّرُ ويؤنَّث، ذكره في "منتخب الصحاح".
يعني: قال النبي ﷺ : صرت مأذونًا مِن حضرته تعالى وتقدَّس أن أخبرَ أمتي عن كيفية عِظَمِ جُثَّةِ مَلَكٍ من الملائكة الذين يحمِلُون العرش، فقال: "ما بينَ شحمة أذنيه إلى كتفيه مقدارُ سبع مئة سنة"، فقدرتُه تعالى لا تتقاصر من خلق جثته، وأعظم من هذا، فإنه على كل شيء قدير.
* * *
٤٤٥٧ - عَنْ زُرَارَةَ بن أَوْفَى ﵁: أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ لِجبْريلَ ﵇: "هل رَأَيتَ ربَّك؟ "، فانتفضَ جِبْريلُ ﵇ فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ! إنَّ بَيني وبيْنَهُ سَبْعِيْنَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ لَو دنَوْتُ منْ بَعْضها لَاحْتَرَقْتُ.
قوله: "فانتفضَ جبريلُ"، الحديث.
(انتفضَ): إذا تحرَّكَ؛ أي: ارتعدَ شديدًا من عظمة ذلك السؤال.
"الدنو": القرب، و"الحجاب": عبارةٌ عن كمال الله ونقصانِ جبريل، من حيث إن الله قديمٌ أزليٌّ أبديٌّ، وهو مخلوقٌ موسومٌ بسمة الحدوث، فالحجاب من طرف جبريلَ ﵇.
وقول جبريل: "لو دنوتُ من بعضها لاحترقت"؛ يعني: لو تجاوزتُ على
стр. 2745
فرض المحال عن مقامي المعلوم الذي أُمِرْتُ أن أعبدَ الله ثمَّةَ وهو في السماء؛ لاحترقتُ وهلكتُ.
والدليل على هذا: قولُه تعالى حكايةً عن قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، فلهذا إذا سئل ارتعد خوفًا من الله سبحانه.
وهذا الحديث دليلٌ على حقيقة رؤية الله في دار البقاء، فإنه إذا كانت مستحيلةً لما سألَ النبيُّ ﷺ عنها.
* * *
٤٤٥٨ - عَنِ ابن عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ الله خَلَقَ إسْرافيلَ مُنْذُ يَومَ خَلَقَهُ صَافًّا قَدمَيْهِ لا يَرْفَعُ بَصَرَه، بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّبِّ ﵎ سَبْعُونَ نُورًا، مَا مِنْها مِنْ نُورٍ يَدْنُو مِنهُ إلَّا احتَرقَ"، صَحَّ.
قوله: "منذ يومَ خلَقَه صافًّا قدميه" (منذ) ها هنا حرفُ جر، وهو بمعنى (في)، و (صافًّا) نصب على الحال من الضمير المنصوب في (خلقه)، و (قدميه) مفعولُه.
* * *
٤٤٥٩ - عَنْ جَابرٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لَمَّا خَلَقَ الله تعالى آدمَ وذُرِّيَّتَهُ قَالَتِ المَلائِكةُ: يَا ربِّ! خَلَقتَهُمْ يَأْكُلونَ ويَشْرَبُونَ ويَنْكِحُونَ ويَرْكَبُونَ، فَاجْعَلْ لَهمُ الدُّنيا ولَنَا الآخرة، قَالَ الله تَعَالَى: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلقْتُهُ بِيَديَّ، ونَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحِي، كمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ".
قوله: "لا أَجعلُ من خَلَقْتُه بيديَّ، ونفخْتُ فيه من روحي كمن قلتُ له: كن فكان".
стр. 2746
الضميرُ في (خَلَقْتُه) و (فيه) يعود إلى (من)، وهو آدمُ ﵇، وأضاف الروح إلى نفسه تعالى إضافَة المُلْك للتشريف والتخصيص، كبيت الله وناقة الله.
يعني: لا أجعلُ كرامةَ من خَلَقْتُه بيديَّ؛ أي: بوَصْفَي الجلالِ والإكرام، وهو آدم وذريته صلوات الله عليه = كرامةَ مَنْ خلقتُه بكلمة: (كن)؛ أي: بمجرَّد الأمر، وهو المَلَك.
يعني: لا يستوي البشرُ والمَلَك في الكرامة والقربة إلي، بل كرامةُ البَشَر أكثرُ، ومنزلتُه أَعلى وأجلُّ.
وهذا من جملة ما يَستَدِلُ به أهلُ السنة في تفضيل الأنبياء على الملائكة صلوات الله عليهم.
قال محيي السنة في "معالم التنزيل" في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]: والأَولى أن يقال: عوامُّ المؤمنين أفضلُ من عوامِّ الملائكة، وخواصُّ المؤمنين أفضلُ من خواصِّ الملائكة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧].
ورويَ عن أبي هريرة عنه قال: المؤمن أكرمُ على الله من الملائكة الذين عنده.
* * *
١ - باب فَضَائِلِ سَيدِ المُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ
(باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله عليه)
(الفضائلُ): جمع فضيلة، وهي خلافُ النقيصة.
стр. 2747
مِنَ الصَّحَاحِ:
٤٤٦٠ - قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بُعثتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بني آدمَ قَرْنًا فقَرْنًا، حتَّى كُنتُ منْ القَرْنِ الذِي كُنتُ مِنْهُ".
قوله: "بُعِثْتُ من خيرِ قرونِ بني آدمَ قَرْنًا فقَرْنًا، حتَّى كنتُ من القَرْن الَّذي كنتُ منه".
قال في "شرح السنة": (القَرْنُ): كلُّ طبقةٍ مُقْتَرِنين في وقتٍ واحد، قيل: سُمَّيَ قَرْنًا؛ لأنه يَقْرِنُ أمةً بأمةٍ وعالَمًا بعالَمٍ، وهو مصدر (قَرَنْتُ)، وجُعِلَ اسمًا للوقت أو لأهله، وقيل: القَرْنُ ثمانون سنة، وقيل: أربعون سنة.
وفي الحديث دليلٌ على تفضيل النبي ﷺ على غيره من الخَلْق، وعلى تفضيل أمته على سائر الأمم السابقة؛ لاتباعهم إياه ﷺ .
* * *
٤٤٦١ - وقَالَ: "إِنَّ الله اصْطَفَى كِنانَةَ مِنْ ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفَى قُريْشًا مِنْ كِنَانةَ، واصْطَفَى مِنْ قُريْشٍ بني هَاشِمٍ، واصْطَفَانِي مِنْ بني هَاشِمٍ".
ويُرْوَى: "إنَّ الله اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، واصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْماعيلَ بني كِنَانَةَ".
قوله: "إنَّ الله اصطفى كِنَانَة من ولدِ إسماعيلَ، واصطفى قُرَيشًا من كِنَانَة"، الحديث.
يعني: أن الله سبحانه اختار كنانة من ولد إسماعيلَ؛ أي: من قبائلِ العرب، واختار قريشًا من كنانةَ، واختار بني هاشمٍ من قريش، واختارني - يعني: النبي ﷺ من بني هاشم.
وأبو قريشٍ النَّضْر بن كِنَانة، بكسر الكاف، وقريشٌ سُمُّوا قريشًا؛ لأنهم
стр. 2748
كانوا يَتَّجِرُون، ويسافرون للتجارة، وهي تصغير قَرْش، والقَرْشُ التكسُّبُ والجَمْع، أو لعِظَمِ أمرِهم وقُوَّتِهم فسُمُّوا بقريش، لأن القريشَ قيل: هي دابةٌ عظيمةٌ في البحر لا يقاوِمُها شيء.
قال الشاعر:
وقريشٌ هي التي تَسْكُنُ البَحْـ ... ـرَ بها سُمِّيتْ قريشٌ قُرَيشًا
سُلِّطَتْ بالعُلُوِّ في لُجَّةِ البحـ ... ـر على سائرِ البحور جُيوشا
تأكلُ الغَثَّ والسمينَ ولا تَتْـ ... ـرُكُ فيه لذي الجَناحين رِيشا
هكذا في البلاد حَيُّ قريشٍ ... يأكلُونَ البلادَ أَكْلًا كَمِيشا
ولهم آخرَ الزمانِ نبيٌّ ... يُكْثِرُ الصَّدَ فيهم والخُمُوشا
قال ابن الحاجب في "شرح المفصل": قريشٌ على نوعين: قريشُ البَطْحَاء، وقريشُ الضَّواحِي.
وقريشُ البطحاء: هم الذين نزلوا ببطحاءِ مكة، والبطحاءُ: تأنيث أَبْطَح، وهو مَسِيلُ الماءِ الذي فيه حجارةٌ صِغَارٌ.
وقريشُ الضواحي: مَن خرجَ منها، والنازلون البطحاء خيرهم، والنازلون وسطها خيرَ الخَيْر، والضواحي جمع ضاحية، وهو بمعنى الناحية.
يقال: ضاحية كلِّ شيء ناحيتُه البارِزَة؛ يعني: الذين نزلُوا ببطحاءِ مكةَ خيرٌ من الذين نزلوا بضواحيها، والذين نزلُوا بوسَطِ البَطْحاء خيرٌ من الذين نزلُوا بالبطحاء، وكان عادةُ ساداتِ قريشٍ أن ينزِلُوا بوسطِ بطحاءِ مكة.
قيل: السرُّ في تفضيل قريشِ البطَاح: ورودُ جميعِ قبائلِ أيامِ الحاجِّ إليهم، فيخاطِبُونهم بلغاتٍ مختلفة، فعند إحاطتهم بجميعها يختارُون الأفصحَ من اللُّغَات، فإذا كانوا أفصحَ الباقين جاءَ اختيارُهم، إذ فضيلةُ العرب بالفصاحة،
стр. 2749
ألا ترى أن القرآن غَلَبهم بشدة فصاحته.
يعني: النبي ﷺ من ساداتِهم، بل سيدُ ساداتِهم.
* * *
٤٤٦٢ - وقَالَ: "أَنَا سَيدُ وَلَدِ آدمَ يَومَ القِيامَةِ، وأوَّلُ مَنْ يَنشَقُّ عَنهُ القَبرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ".
قوله: "أنا سيدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامة، وأولُ من ينشقُّ عنه القبر"، الحديث.
"المُشَفَّعُ": مفعولٌ مِن (شُفِّعَ) إذا قَبلَ الشفاعة؛ يعني: أنا أول من تُعادُ فيه الروحُ يومَ القيامة، وأنا أولُ من يُشَفَّعُ للعصاة من أمتي، وأنا أولُ من تُقْبَلُ شفاعتُه.
وفي الحديث دليلٌ على أنَّه أفضلُ من سائر الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.
وفيه دليلٌ أيضًا على ثبوت الشفاعة لغيره ﷺ من الأنبياء والملائكة والمؤمنين.
* * *
٤٤٦٣ - وقَالَ: "أَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَومَ القِيامَةِ، وأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقرَعُ بَابَ الجَنَّةِ".
قوله: "أنا أكثرُ الأنبياء تَبَعًا يوم القيامة"، الحديث.
"القَرْعُ": الدَّقُ، و (تَبَعًا) نصب على التمييز؛ أي: تَبَعِي أكثرُ من أتباع الأنبياء؛ يعني: أمتي أكثرُ من أمم جميع الأنبياء صلوات الله عليهم.
стр. 2750
"وأنا أول من يدخل الجنة".
* * *
٤٤٦٤ - وقَالَ: "آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَومَ القِيامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الخازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأحَدٍ قَبلَك".
قوله: "آتي بابَ الجنة يوم القيامة فأستفتح"، الحديث.
(آتي): نفسُ متكلِّمٍ في المستقبل، مِن (أتى يأتي).
(فأستفتح) أيضًا للمتكلِّم من الاستفتاح، وهو طلبُ الفتح.
"الخازن": واحد الخَزَنَة، وهو مَلَكٌ موكَّلٌ بحفظ الجنة، سُمِّيَ خازنًا لأن الجنةَ خزانةُ الله ، أعدَّها للمؤمنين، وهو حافظُها.
"مَن" في "مَن أنت" للاستفهام بمعنى السؤال.
"بك أُمِرْتُ"؛ أي: أُمِرْتُ بفتح بابك؛ يعني: أُمِرْتُ بأن أفتح لكَ بابَ الجنة أولُ، ثم لغيرك من الأنبياء والمرسلين.
* * *
٤٤٦٦ - وقال: "نَحْنُ الآخِرونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيا، والأوَّلونَ يومَ القِيامَةِ، المَقْضيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلائقِ".
قوله "نحن الآخِرون من أهل الدنيا، والأَوَّلونَ يومَ القيامة، المقضيُّ لهم قَبْلَ الخلائق".
(المَقْضيُّ): مفعولٌ مِن قضى حاجته يقضي، وأصلُه: مَقْضُوْي، على وزن مَفْعُول، قُلِبَت الواو ياءً، وأُدغمت الياء في الياء، فصار مَقْضيًا.
و (الخلائِقُ): جمع خَلِيقة، وهي الخَلْق، الضمير في (لهم) يعودُ إلى الأولين.
стр. 2751
يعني: نحن الآخرون زمانًا، والأولون فضيلةً وقدرًا، وتنقضي حوائجنا؛ يعني: حوائج أمتي من الحساب، والجواز على الصراط، ودخول الجنة قبل قضاءِ حوائج الخلائق.
* * *
٤٤٦٧ - وقَالَ: "أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ في الجَنَّةِ، لمْ يُصَدَّقْ نبيٌّ مِنَ الأَنبياءِ مَا صُدِّقْتُ، وإنَّ مِنَ الأَنبيَاءِ نَبيًّا مَا صَدَّقهُ منْ أُمَّتهِ إِلَّا رَجُلٌ واحِدٌ".
قوله: "أنا أولُ شفيعٍ في الجنة، لم يُصَدَّقْ نبيٌّ من الأنبياء"، الحديث.
(الشفيعُ)؛ يعني: الشافع؛ أي: أنا شافعٌ للعصاة من أمتي في دخول الجنة.
(ما) في (ما صُدِّقْتُ) للمصدر؛ أي: ولم يُصَدَّقْ نبيٌّ من الأنبياء تصديقًا مثل تصديق أمتي إياي، فالأنبياء في الأتباع والتصديق يتفاوتون، فمنهم من صدَّقه كثيرٌ من الناس كموسى ﵇، ومنهم مَنْ صَدَّقَه قليلٌ كنوح ولوط ﵉.
ومنهم مَن صَدَّقَه أقلُّ من القليل وهو واحدٌ، كمن ذكره رسول الله ﷺ في الحديث.
* * *
٤٤٦٨ - وقَالَ: "مَثَلي ومَثَلُ الأَنْبياءِ كمثَلِ قَصْرٍ أُحسِنَ بنيانُهُ، وتُرِكَ مِنْهُ مَوْضعُ لَبنةٍ، فَطَافَ بهِ النُّظَّارُ يتَعجَّبونَ مِنْ حُسْنِ بنيانِهِ إلَّا مَوْضعَ تِلكَ اللَّبنةِ، فكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ مَوْضعَ تِلْك اللبنةِ، فتَمَّ بيَ البنيانُ، وخُتِمَ بيَ الرُّسُلُ".
وفي رِوَايَةٍ: "فَأنَا اللَّبنةُ، وأَنَا خَاتَمُ النَّبيينَ".
стр. 2752
قوله: "مَثَلي ومثلُ الأنبياءِ كمَثَلِ قَصْرٍ أُحْسِنَ بنيانُه"، الحديث.
(القَصْرُ): واحد القصور، وهو دارٌ رفيعةٌ، عاليةُ البنيان، جمع بناء، و (اللَّبنة): واحدة اللَّبن، وهو ما يُبنى به البيوت.
"طاف" طوفًا وطَوَفانًا: إذا دار حولَ الشيء.
"النُّظَّار": جمع ناظر [مثل] الكتَّابُ جمع كاتب.
"سَدَدْتُ"؛ أي: أَصْلَحْتُ الخَلَل؛ يعني: مَثَلِي في تبليغ الرسالة إلى الكافَّةِ ومَثَلُ سائر الأنبياء صلوات الله عليهم في تبليغ رسالتهم إلى أممهم كمَثَل قَصْرٍ، قَوِيَ أساسُه وكامِلُ بنيانِه، سوى مقدارِ لَبنةٍ، فإنه قد بقيَ من بنيانه قَدْرُ ذلك، بحيث إنه مَن دخلَ فيه مثلًا، ونظر إليه، فقد أعجَبه حسنُه، إلا مقدارَ تلك اللَّبنة المستعمَرة، فسدَدْتُ تلك الفُرْجَة، وأصلَحْتُها، وذلك كناية عن نبوتي ورسالتي على الكافة، التي هي الخاتمة لبنيان دارِ النبوة، والرافعة لأداء الرسالة.
* * *
٤٤٦٩ - وقَالَ: "مَا مِنَ الأنبياءِ مِنْ نبيٍّ إِلَّا قدْ أُعطِيَ مِنَ الآياتِ مَا مِثْلُهُ آمنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِى أُوتيْتُ وَحْيًا أَوْحَى الله إليَّ، فأرجُو أنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابعًا يَوْمَ القِيامةِ".
قوله: "ما من الأنبياء من نبيٍّ إلا قد أُعطيَ من الآيات"، الحديث.
(من) في (من نبي) زائدة، لأنها تزادُ بعد النفي إجماعًا، و (من) في (الأنبياء) و (من) في (من الآيات) للبيان لِمَا مثَّلَهُ، وهي ها هنا بمعنى المعجزات، واحدتُها آيةٌ.
و (ما) في "ما مِثْلُه" موصولٌ، و (مِثْلُه) مبتدأ، و"آمن" خبره، والموصولُ مع صلته المفعولُ الثاني لـ (أعْطِيَ)؛ يعني: ما كان نبيٌّ من الأنبياء إلا أنَّ الله
стр. 2753
تعالى أعطاه شيئًا من المعجزات مِثْل ما آمنَ عليه البشرُ، وصدقوه؛ أي: ما يناسِبُه في ذلك الزمان، وينقادُ له أهلهُ، كقلب العصا ثعبانًا في زَمَنِ موسى، وإخراج اليد البيضاء؛ لأنَّ الغلبةَ في زمنهِ السحرُ، فأتاهم بما هو فوقَ السحر، وفي زمن عيسى الطِّبُّ، فأتاهم بما هو أعلى من الطب، كإحياء الموتى، وإبراء الأَكْمَه، وفي زمن رسولنا البلاغة والفصاحة، فجاء القرآن، وأبطَلَ الكُلَّ.
و (إنما) في "إنما كان الذي" للحَصْر؛ يعني: ما كان الذي أعطيت إلا وحيًا.
وفي الحديثِ إشارةٌ إلى معنًى دقيقٍ، وهو الوَحْيُ المنزَّل عليه، وهو عبارةٌ عن القرآن العظيم، الذي هو أعظمُ معجزاتهِ، الذي لا ينقرِضُ بموته، بل يبقى إلى يوم القيامة، وإذا استمرَّ المُعْجِزُ كَثُرَ أتباعه، فيكثُرُون كلَّ وقت، فلا ينقطعُ إلى منقرَضِ العالم، وغيرُه من الأنبياء انقرضَتْ معجزاتُهم بموتهم، فلذلك قلَّ تَبَعُهم.
* * *
٤٤٧٠ - وقَالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلي: نُصِرْتُ بالرُّعبِ مَسيرَةَ شَهرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجدًا وطَهُورًا، فأيُّما رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أدرَكَتْهُ الصَّلاةُ فليُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ ولمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلي، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وكَانَ النبي يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ عَامَّة".
ويُروَى: "فُضلْتُ على الأَنْبياءِ بسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوامعَ الكَلِم - وذكرَ هذهِ الأَشْيَاءَ إلَّا الشَّفاعةَ وَزَاد: - وخُتِمَ بيَ النَّبيُّونَ".
قوله "أُعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهن أحدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بالرُّعْب"، الحديث.
خمسًا؛ أي: خمسَ خصال:
стр. 2754
الأولى: (نصرت بالرعب)، والثانية: "وجُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا"، والثالثة: "وأُحِلَّتْ لي الغنائم"، والرابعة: "وأُعطيتُ الشفاعة"، والخامسة: "وبعثْتُ إلى الناس عامَّةً".
(الرُّعب) - بضم الراء -: الخوف.
"مسيرة شهر": مسافة شهر.
قال في "شرح السنة": (نُصِرْتُ بالرعب مسيرةَ شهر)؛ معناه: أن العدَّو يخافني وبيني وبينه مسيرةُ مسافةِ شهرٍ، وكان ذلك من نصرِ الله إياه.
قوله: (وجُعلت لي الأرض مسجدًا)، أراد أن أهلَ الكتاب ما أبيحتْ لهم الصلاةُ إلا في بِيَعهم وكنائسهم، والبيَعُ جمع بَيْعَة، وهو موضعُ الصلاة للنصارى، والكنائس: جمع كنيسة وهي موضع الصلاة لليهود.
وأباح الله لهذه الأمة الصلاةَ حيث كان، تخفيفًا عليهم وتيسيرًا، ثم خصَّ منها المقبرة والحمام والمكان النَّجِسَ، فنُهُوا عن الصلاة فيها نهيَ كراهةٍ لا نهيَ تحريم.
قوله: "وطَهُورًا"، أراد به الترابَ، كما بيَّنه في الحديث الآخر: "وجُعِلَتْ تربتُها لنا طَهُورًا".
قوله: (وأُحِلَّت لي الغنائمُ)، أراد أن الأممَ المتقدمةَ منهم من لم يكن أُبيح لهم جهادُ الكفار، فلم يكن لهم مغانمُ، ومنهم من أُبيحَ لهم الجهادُ، ولكن لم يُبَحْ لهم الغنائم، فكانت غنائمهم تُوْضَع، فتأتي نارٌ فتحرقها، وأباحها الله لهذه الأمة.
(الغنائم): جمع غنيمة، وهي ما يُؤْخَذُ من أموال الكفار قهرًا.
قوله: (وأُعْطِيتُ الشفاعة)، فهي الفضيلة العظمى التي لا يشاركُه فيها أحدٌ يوم القيامة، وبها سادَ الخلقَ كلَّهم، حتى قال: "أنا سيد ولد آدم"، وهو
стр. 2755
المقامُ المحمودُ الذي أعطاه ، الألف واللام في قوله: "وكان النبيُّ قبلي" للجِنس عند النحويين، والعهدِ عند الأصوليين، وهو لبيانِ الماهيَّةِ المتعلِّقة في الرسل، لا لتعيين الذات، وتلك الماهيَّةُ عبارةٌ عن النبوة، وهي إخبارٌ عن الله إلى عباده، فكلُّ مَن وجدَ فيه هذا المعنى يُسمَّى نبيًا، فعلى قول النحويين معناه: كان الأنبياء قبلي.
وعلى قول الأصوليين قوله: (كان النبي) يشمل جميع الأنبياء على سبيل البدل، وعلى المذهَبين جميعًا معناه: كان جميع الأنبياء - صلوات الله عليهم - قبلي يُبْعَثُون إلى أقوامٍ مخصوصين؛ يعني: يبعث كلُّ واحدٍ منهم إلى قومه خاصةً، وبُعِثْتُ إلى كافَّةِ الخَلْق.
قوله: "ويروى: فُضلْتُ على الأنبياء بسِتٍّ"؛ أي: بسِتِّ خِصَالٍ، وفي رواية أخرى أن النبي ﷺ قال فُضلْتُ على جميع الأنبياء بسِتِّ خصال، وهي عبارةٌ عن الخصالِ الخمسِ المتقدمة، وذكرها كلَّها سوى الشَّفَاعة.
"وزاد" على الخمس: "وخُتِمَ بي النَّبيون".
* * *
٤٤٧١ - وَقَالَ: "بُعِثْتُ بجَوامِعِ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وبَيْنا أَنَا نائِمٌ رأَيتُني أُتيتُ بِمَفاتِيح خَزائِنِ الأَرْضِ فوُضعَتْ في يَدِي".
قوله: "بعثت بجوامعِ الكَلِم"، الحديث.
(الجوامع): جمعُ جامعةٍ، وهي التي تَجْمَع، و (الكَلِمُ): جمع كلمة، وهي ما يُتَكلَّمُ به، في اللغة، وفي الاصطلاح: عبارةٌ عن اسمٍ واحد، أو فعلٍ مَحْضٍ واحد، أو حرفٍ واحدٍ.
قال في "الغريبين": يريدُ بجوامع الكَلِم القرآنَ، جمعَ الله بلُطْفِه في
стр. 2756
الألفاظ اليسيرة - أي: القليلة - منه معاني كثيرة.
وقال في "شرح السنة": معناه: إيجازُ الكلامِ في إسباغ من المعاني، فالكلمة القليلةُ الحروفِ منها ما يتضمَّنُ كثيرًا من المعاني، وأنواعًا من الأحكام.
الإيجاز: مصدر أوجز الكلام إذا قصره، والإسباغُ: مصدر أسبغَ عليه النعمة إذا أتمَّها.
قوله: "رأيتني أُتيتُ بمفاتيح خزائنِ الأرض"، (رأيتني): من الرؤيا، اجتمعَ فيه ضميرُ الفاعل والمفعول، وهذا من خاصية أفعال القلوب؛ لأنه لا يستحيل اجتماعُ الفاعل والمفعول فيها، يقول: ظننتُني منطلِقًا، فالمفعولُ الأول متيقَّن، والثاني مظنونٌ، لأن المفعولَ الأول ذاتُك، ولا شكَّ لك في ذاتك، فإذا كان كذلك لم يجتمعْ ضميرا الفاعل والمفعول في الحقيقة، فحينئذ (رأيتني) بمعنى عَلِمْتُني.
(المفاتيح): جمع مِفْتَاح، وهو ما تُفتَحُ به الأبواب.
(الخزائن): جمع خزانة، قال في "الغريبين": الخِزَانة: عمل الخازن، أو الموضع، أو الوعاء الذي يُخْزَنُ فيه الشيء، مِن (خَزَنَ المال) إذا غيَّبَه.
قال في "شرح السنة": يحتملُ أن يكونَ هذا إشارةً إلى ما فُتِحَ لأمته وجنودِه من الخزائن، كخزائنِ كسرى وقيصر، ويحتملُ أن يكونَ المرادُ منه: معادنَ الأرض التي فيها الذهبُ والفضةُ وأنواعُ الفِلِزِّ؛ أي: ستُفْتَحُ البلدانُ التي فيها هذه المعادنُ والخزائنُ، فتكونُ لأمته.
قال أبو هريرة: ذهبَ رسولُ الله ﷺ وأنتم تَنْشِلُونها، أي: تستَخْرِجُونَها، الفِلِزُّ: ما ينقِّيه الكِيرُ مما يذابُ من جواهر الأرض.
المعادِنُ: جمع مَعْدِن، مِن عدنْتُ البلدَ: توطَّنْتُه، وسُمِّيَ معدِنًا؛ لأن الناس يقيمون فيه الصَّيفَ والشتاءَ.
* * *
стр. 2757
٤٤٧٢ - وقَالَ: "إنَّ الله زَوَى لِيَ الأَرْضَ فرَأَيتُ مَشَارِقَها ومَغَارِبَها، وإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِي مِنْها، وأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمرَ والأَبْيضَ، وإنِّي سَألتُ رَبي لأُمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بسَنَةٍ عَامَّةٍ، وأَنْ لا يُسلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أنفُسِهِمْ فَيَستَبيحَ بَيْضَتَهُمْ، وإنَّ رَبي قَالَ: يا محمّدُ! إنِّي إذَا قَضَيتُ قَضَاءً فإنَّهُ لا يُرَدُّ، وإِنِّي أَعْطَيْتُك لأُمَّتِكَ أنْ لا أُهلِكَهُمْ بسَنَةٍ عَامَّةٍ، وأنْ لا أُسلِّطَ عَلَيهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أنفُسِهِمْ فيَستَبيحَ بَيْضَتَهُمْ، ولو اجتَمعَ عَلَيْهِم مَنْ بأَقْطَارِهَا، حتَّى يكُونَ بعضُهُمْ يُهلِكُ بعضًا ويَسبي بعضُهُمْ بَعضًا".
قوله: "وإنَّ أمتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لي منها"، الحديث.
(زُوِيَ): ماضٍ مجهول، معناه: جُمِعَ، (زَوَى) إذا تعدَّى بـ (إلى) معناه: جمع، وإذا تعدَّى بـ (عن) معناه: بَعَّد.
قال في "الغريبين": زُوِيتْ لي الأرضُ؛ أي: جُمِعَتْ.
وقال عمر ﵁ للنبي ﷺ : لمَّا زوى الله عنك من الدنيا؛ أي: لما نَحَّى عنك.
قال الخطابي: توهَّمَ بعض الناس أن حرف (مِن) ها هنا للتبعيض، وليس ذلك على ما توهَّمُوه، وإنما معناه التفصيلُ للجملة المتقدمة، والتقديمُ لا يناقِضُ الجملة، لكن يأتي عليها، ويستوفيها جزءًا جزءًا.
والمعنى: أن الأرضَ زُويتْ جملتُها له مرةً واحدةً فيراها، ثم هي تُفتَحُ له جزءًا فجزءًا، حتى يأتي عليها كلِّها.
"الكنز": المالُ المدفون.
قيل: أراد بـ "الأحمر والأبيض" كنوزَ كسرى من الفضة والذهب، أفاءَها الله على أمته.
стр. 2758
وقيل: أراد العربَ والعجمَ، جَمَعَهم الله في دينه ودعوته، ذكرهما في "الغريبين".
قال الحافظ أبو موسى: (الأَحْمَرُ): ملك الشام، و (الأبيضُ): مَلِكُ فارس، قاله رسول الله ﷺ في حَفْر الخندق.
قال إبراهيم الحربي: إنما قال لملكِ فارسَ الكنز الأبيض؛ لبياض ألوانهم، وكذلك قيل لهم: بنو الأحرار؛ يعني: البيض، ولأن الغالبَ على كنوزهم الوَرِقُ، وهو الأبيضُ، وإنما فتحها عمر ﵁، وأخذ أبيضَ المدائن، وهو موضعُ المسجدِ اليوم.
قال: والغالب على ألوان أهل الشام الحمرةُ، وعلى بيوت أموالهم الذهبُ، وهي حمراء.
(السَّنَةُ): القَحْطُ، (العامَّة): ضدُّ الخاصَّة، من عَمَّ عمومًا، إذا شملَ، "سنة عامة"؛ أي: قَحْطٌ شاملٌ لجميعِ الخلق، "التسليطُ": الغلبة والقهر.
"يستبيح بَيْضَتَهم"، قال في "الغريبين": قال شمر: يريد جماعتَهم وأصْلَهم.
وقال الأصمعيُّ: بيضةُ الدار وَسَطُها ومُعْظَمُها، (الاستباحةُ): الاستحالة.
"الأقطارُ": جمع قُطْر، وهو الجانبُ والنَّاحِيةُ.
"يَسْبي": مضارعٌ مِن (سبَى يَسْبي سَبْيًا)، إذا أسرَ أسيرًا؛ يعني سألتُ الله ألَّا يُهْلِكَ أمتي بقَحْطٍ يشمَلُ جَمِيعَهم، بحيث يَسْرِي إلى جميع بلدان المُسْلِمين وأمصارِهم، وألَّا يغلب عليهم الأعداءُ من غيرهم؛ أي: من الكفرة، فيستأصلوهم، فأجابَ الله دعاءَه ﷺ عليهم.
وقال: "يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُرَدُّ، وإني أعطيتُك لأمتك أن لا أُهلِكَهم بسَنَةٍ عامَّةٍ" إلى آخره.
стр. 2759
قوله: "إني قضيتُ قضاءً فإنه لا يُرَدُّ"؛ يعني: إذا حكمتُ بوقوعِ شيءٍ فإنه غير مردودٍ لا محالة.
واعلمْ أنَّ لله تعالى قضى في خلقه قضاءين مبرَمًا ومُعَلَّقًا، وأمَّا القضاءُ المُعَلَّقُ فهو عبارةٌ عما قَدَّرَه في الأَزَل مُعَلَّقًا بفِعْل، كما قال: إنْ فَعَلَ الشيءَ الفلانيَّ فكان كذا أو كذا، وإن لم يفعلْه فلا يكونُ كذا وكذا.
وهو من قَبيل ما يتطرَّقُ إليه المَحْوُ والإثباتُ، كما قال تعالى في مُحْكَم كتابه ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩].
وأما القضاء المُبْرَمُ؛ فهو عبارةٌ عما قَدَّره سبحانه في الأزل من غير أن يُعَلِّقَه بفعل، فهو في الوقوع نافذٌ غايةَ النَّفَاذ، بحيث لا يتغيَّرُ بحالٍ، ولا يتوَّقفُ على الَمْقضيِّ عليه ولا الَمْقضيِّ له؛ لأنه من عِلْمِه بما يكون وبما كان، وخلافُ معلومه مستحيلٌ قطعًا، وهذا مِن قَبيلِ ما لا يتطرَّقُ إليه المَحْوُ والإثبات، قال الله : و ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]، وقال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩]، وقال ﷺ : "لا مردَّ لقضائه، ولا مانعَ لحكمه".
فقولُه ﷺ حكايةً عن الله سبحانه: "إني قضيتُ قضاءً فإنه لا يُرَدُّ" من القَبيل الثاني، وما ذَكَرَه تعالى في إجابة دعاءِ حبيبه ﷺ إلا لتأكيد الإجابة، والاعتماد عليها غايةَ الاعتماد.
* * *
٤٤٧٣ - عَنْ سَعْدٍ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ مرَّ بمَسجِدِ بني مُعَاوِيةَ، دَخَلَ فرَكعَ فيهِ رَكعتَيْنِ، وصَلَّيْنا مَعَهُ، ودَعا ربَّهُ طَوْيلاً، ثمَ انْصَرَفَ، فَقَال ﷺ : سَأَلْتُ ربي، ثَلَاثًا فأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ، ومَنعَنِي وَاحِدةً: سَألتُ ربي أنْ لا يُهلِكَ أُمَّتِي بالسَّنَةِ فأَعْطَانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يُهلِكّ أُمَّتي بالغَرَقِ فأعْطَانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يَجْعَلَ بأسَهُمْ بَيْنَهُمْ فمَنعَنِيها".
стр. 2760
قوله: "مرَّ بمسجدِ بني معاوية دخلَ فركعَ فيه ركعتين"، الحديث.
(مسجد بني معاوية)، قيل: هو في المدينة حرسها الله، وبنو معاويةَ بطنٌ من الأنصار.
"ركع"؛ أي: صلَّى طويلاً؛ أي: دعاءً طويلاً.
"انصرفَ": رجع، "البأس" ها هنا: الشدة في الحرب، يريد "بالغرق": الغَرَق العام.
يعني: سألتُ ربي أَلَاّ يُهلكَ جميع أمتي بالغَرَق، كما غَرِقَ قوِمُ فرعونَ كلُّهم، وكما غَرِقَ قومُ نوح ﵇ بالطوفان.
"فأعطانيها"؛ أي: أعطاني الله تعالى تلك المسألة، فأجاب دعائي فيها.
وسألتُه تعالى ألَاّ يوقِعَ بين أمتي الحربَ الشديدةَ، "فمَنَعَنِيها"؛ أي: فمَنَعَنِي تلكَ المسألةَ، وما أجابَ دعائي فيها.
* * *
٤٤٧٤ - عَنِ عَطَاءِ بن يَسَارٍ ﵁ قَالَ: لَقِيْتُ عَبْدَ الله بن عَمرِو بن العَاصِ ﵁ قُلْتُ: أخبرْني عَنْ صِفةِ رَسُولِ الله ﷺ في التَّوْراةِ، قَالَ: أجَلْ، والله إنَّهُ لمَوصُوفٌ في التَّوْراةِ ببعْضِ صِفتِهِ في القُرآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وحِرْزًا للأُمييْنَ، أَنتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتوكِّلَ، لَيْسَ بفَظٍّ ولا غليْظٍ ولا سَخَّابٍ في الأَسْواقِ، ولا يَدْفَعُ بالسَّيئةِ السَّيئةَ ولكنْ يَعفُو ويَغْفِرُ، ولنْ يَقبضَهُ حتَّى يُقيمَ بهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لا إِلهَ إلَاّ الله، وتُفتَحُ بِهَا أَعيُن عُميٌ، وآذان صُمٌّ, وقُلوبٌ غُلفٌ، ورَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابن سَلَام.
قوله: "قال أَجَلْ، والله إنه لموصوفٌ في التوراة"، الحديث.
стр. 2761
(أَجَلْ) في التصديق مِثْلُ (نَعَم) في الاستفهام.
الضمير في (إنه) للرسول ﷺ ، و (إنه) جوابُ القسم.
الحِرْزُ: الحِفْظُ، الأُمِّيُّ ها هنا منسوبٌ إلى أمَّ القرى، وهي مكة، ويحتمل أن يقال: منسوب إلى ما عليه العربُ، وهو عدم الكتابة، قال في "الغريبين" في تفسير "بُعِثْتُ إلى أمةٍ أُمِّية": قيل: هي التي على أصل ولادِة أُمَّهاتها، لم تتعلَّمِ الكتاب.
قوله: "وحِرْزًا للأميين": معناه: أنه من جملة صفاتِه المذكورةِ في التوراة أنه ﷺ بُعِثَ حفظًا لأمته من عذاب الاستئصال، كما ذُكِرَ في الحديثين اللذين تقدَّما.
وقيل: معناه: وحفظًا لهم من العذاب مطلَقًا ما دامَ فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
"الفظ": الرجل الغليظ، و"الغليظ": فعيلٌ مِن (غَلُظَ غَلَظًا) إذا كان فيه فظاظة.
قال في "شرح السنة": معنى قوله: "ليس بفظًّ"؛ أي: غليظِ الجانب، سيئ الخُلُق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
"الصَّخَّاب": كثير الصَّخَب، والصَّخَبُ: الصياحُ.
(دَفَع) إذا مَنعَ، فقوله: "لا يدفَعُ السيئةَ بالسيئة"؛ معناه: لا يسيء إلى مَن أساءَ إليه، بل يعفو عن المسيء، ويُحْسِنُ إليه، وتسمية الثاني سيئةً ازدواجٌ.
"الإقامة" ها هنا بمعنى التقويم، والتقويم: جعلُ الشيء مستقيمًا.
"المِلة" - بكسر الميم -: الدِّين والشَّريعة.
стр. 2762
"العوجاء": ضد المستقيمة.
قوله: "يُقيمُ به المِلَّةَ العَوْجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله": معناه: أنَّ الله سبحانه قال: يُزيلُ الكُفْرَ بوجودِ رسولي وحبيبي ﷺ ، أنْ يدعوَ الناسَ عن آخرِهم إلى كلمةِ التوحيد، وهي اعترافُهم بأنه لا إله في عالَمِ الوجودِ وفي الوجود إلا الله برسالته ﷺ .
و (لا) في "لا إله" لنفي الجنس، و (إله) اسمه، وخبره مقدَّرٌ؛ أي: في الوجود، والله مرفوعٌ بدلاً عن محلِّ المَنْفيِّ، و (لا) مع المنفي مبنيٌّ على الفَتْح؛ لتضمُّنهِ (مِنْ) الاستغراقية.
"الأعين": جمع عين، "العُمْي" - بضم العين -: جمع أعمى، و"الصم": جمع أَصَمَّ، و"الغُلْفُ": جمع أَغْلَف، وهو الذي لا يَفْهَم، كأنَّ قلبه في غِلَاف.
فقوله: "تفتح بها ... " إلى آخره، قيل: معناه: أنه يفتحُ أعينَ الكُفَّار الذين ذَكَرَهم الله في كلامه القديم وآذانَهم وقلوبَهم بكلمة لا إله إلا الله؛ يعني: يدعوهم النبيُّ ﷺ إلى الإيمان، ويحرِّضُهم على ذلك، فيوِفِّقهم الله تعالى لَقبوله والامتثال بأوامره سبحانه، قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩].
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٤٧٥ - عَنْ خَبَّابِ بن الأَرَتِّ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ صَلَاةً فأطَالَها، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! صَلَّيْتَ صَلَاةً لمْ تكُنْ تُصلِّيْها! قال: "أجَلْ، إنَّها صلاةُ رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ، إِنَّي سَألتُ الله فِيها ثلاثًا فأَعْطانِي اثنتَيْنِ ومَنعنِي واحِدَةً: سَأَلتُهُ أَنْ لا يُهلِكَ أُمَّتي بسَنَةٍ فأَعْطَانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يُسلِّطَ علَيهِمْ عَدُوًّا مِنْ
стр. 2763
غَيْرهِمْ فأعْطانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يُذيقَ بَعْضَهُمْ بأْسَ بعْضٍ فمنعَنِيها".
قوله: "إنها صلاةُ رَغْبةٍ ورَهْبةٍ"؛ أي: صلاةٌ فيها رغبة إلى الله تعالى، ورَهْبةٌ؛ أي: خوفٌ منه تعالى؛ يعني: صلاةٌ مشتمِلَةٌ على الخضوع والخشوع، تعليمًا لأمته إذا ظهرَ لهم أمرٌ عظيمٌ وخوفٌ شديدٌ، أو رجاءٌ إلى الله سبحانه، يلتجِئون إلى صلاةِ رغبةٍ ورَهْبةٍ، ليزولَ عنهم ذلك بفضْلِه ورحمته.
ويحصلُ ذلك المطلوبُ بلُطْفِه، وما كانت صلاتُه ﷺ إلا بهذه الكيفية المذكورة؛ يعني: مشتمِلَةً على الخضوع، لكنه أظهرَ عن نفسه الخضوعَ في هذه الصلاة تَلْقِينًا لهم، حتى يعرِفُوا كيفيةَ السؤالِ مِنْ حَضْرَتِه تعالى.
* * *
٤٤٧٦ - عَنْ أَبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ الله أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلاثِ خِلالٍ: أنْ لا يَدعُوَ عَلَيكُم نبيُّكُم فتَهلِكُوا جَمِيْعًا، وأنْ لا يَظهرَ أَهْلُ البَاطِلِ على أَهْلِ الحَقِّ، وأنْ لا تَجتمِعُوا على ضَلَالةٍ".
قوله "إن الله أَجَاركُمْ من ثلاثِ خِلَالٍ"، الحديث.
(أجارَ) إذا حَفِظَ، (الخِلالُ): جمع خَلَّة، بفتح الخاء، وهي الخَصْلةَ؛ يعني: أنَّ الله سبحانه حَفِظَكم من ثلاثِ خِصَالٍ، كرامة لكم، وتعظيمًا لنبيكُم ﷺ .
الأُولى: "أن لا يدعوَ عليكُم نَبيُّكم"؛ يعني محمدًا ﷺ ،"فَتْهلَكُوا"؛ أي: فتَهْلَكُوا كلُّكُم، كما دعا الأنبياءُ على أُمَمهم، فهَلَكُوا حين ما آمنوا بهم، وما صدَّقُوا ما أَتَوا به مِن عندِه تعالى.
والثانية: "أن لا يظهرَ أهلُ الباطل على أهلِ الحق"، قيل: ألَاّ يغلِبَ الكُفَّارُ على المُسْلمِين، بصرفهم عما هو حقٌّ؛ يعني: عن الإسلام إلى الكفر، كما فَعَلَ الكُفَّارُ بقوم موسى ﵇ في غيبته بأنْ حَمَلُوهم على عِبادَةِ
стр. 2764
العِجْل، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣].
والثالثة: "أن لا تَجْتَمِعُوا على ضلالة"، قيل: معناه: لا تَتَّفِقُوا على شيءٍ باطلٍ، فإنكم إذا اتفقتُم على شيءٍ فهو حقٌّ، يقومُ مَقامَ النَّصِّ، ومَنْ خالَفَه فهو على الباطلِ، قال الله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] , وفيه دليلٌ على أن إجماعَ الأمة مُتَّبَعٌ في الأحكام الشرعية.
* * *
٤٤٧٧ - وعَنْ عَوْفِ بن مالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَنْ يَجْمَعَ الله تعالى على هذِهِ الأُمَّةِ سَيفَيْنِ: سَيفًا مِنْها وسَيفًا مِنْ عدُوَّها".
قوله: "لن يَجْمَعُ الله على هذه الأمةِ سيفين، سيفًا منها وسيفًا من عَدُوِّها"؛ يعني: لا يَجْمَعُ أبدًا على هذه الأمة؛ يعني: الأمةَ المسلمةَ، الذين آمنوا بي وصدَّقُوا ما أَتيتُ به من عندِ الله سبحانه من الآيات = سيفين؛ أي: المحاربةُ العامةُ منهم ومن الكفار؛ يعني: لا يجتمعُ عليهم الكفارُ والمسلمونَ جميعًا بالمحاربة معهم، بل إمَّا أن يحارِبَ بعضُ المسلمين بعضًا، أو يحاربَهم الكُفَّارُ، و (لن) لتأكيد النفي، والمبالغةِ في المستقبل.
* * *
٤٤٧٨ - عَنِ العَبَّاس ﵁: أَنَّه جَاءَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فكأنَّهُ سمِعَ شَيْئًا، فَقَامَ النَّبيُّ ﷺ عَلى المِنْبَرِ فَقَالَ: "مَنْ أَنَا؟ "، فَقَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ الله، قَالَ: أَنَا مُحمَّدُ ابن عبدِ الله بن عبدِ المُطَّلِب، إنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ فجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِرقتَيْنِ فجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ فِرقةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ
стр. 2765
قَبيلةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيوْتًا فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ بَيْتًا، فَأَنَا خَيْرُهُمْ نفْسًا وأَنَا خَيْرُهُمْ بَيتًا".
قوله: "فكأنه سَمِعَ شيئًا، فقام النبيُّ ﷺ على المِنْبر"، الحديث.
الضميرُ في (كأنه) للعَبَّاس؛ يعني: كَأَنَّ العباسَ عمَّ النبي ﷺ سَمِعَ شيئًا في حَقَّه. "فقام على المِنْبر"؛ أي: وَعَظَ أُمَّتَه.
فقال: "من أنا؟ " (مَنْ) للاستفهام، سؤالُ تقرير، و (أنا) عائدٌ إلى حقيقته وكماله النَّبوي المُصْطَفَوي الذي ما كانوا يعرفونه، وما عرفوا، ثم بَيَّنَ بعضَ كمالاته وفضائله.
فقوله: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب"، تواضُعًا منه ﷺ مع فضائله التي لا تُحْصَى، وتَلْقينًا لأمته بالتواضع.
فقوله: "ثُمَّ جَعَلَهم فِرْقَتين"؛ أي: صَيَّر الخلقَ فريقين: العربَ والعَجَمَ.
"فجَعَلني في خيرهم فِرْقَةً"، (فِرْقَةً) نُصِبَ على التمييز؛ أي: خَلَقَني في خيرِ الخَلْق، وهم العَرَب.
"ثُمَّ جعلَ العربَ قبائلَ، فجعلني في خيرِهم قبيلةً"؛ أي: خَلَقَني في القبيلةِ التي هي خيرُ القبائل، وهي قريشٌ.
"ثم جَعَلَ تلك القبيلةَ بيوتًا"؛ أي: بُطونًا، والبطونُ: جمع بَطْنٍ، وهو دونَ القبيلة.
"فجَعَلَني في خيرِهم بيتًا"؛ أي: خَلَقَني في خيرِ البيوت، وهم قبيلةُ هاشم.
"فأنا خيرُهم نَفْسًا، وخَيرُهم بيتًا"؛ يعني: إذا تقرَّرَ هذا فأنا خيرُ جميعِ الخلائق نَفْسًا وبيتًا.
стр. 2766
وتلخيص المعنى: أن وجودَه الطاهرَ ودُرَّه النبويَّ الزاهر - صلوات الله عليه - حُفِظَ في صُلْبِ آدمَ بنظرِ العناية، وغُذِيَ بلُبَابِ المَحَبَّة، وشَرُفَ آدمُ وبنوه به ﷺ ، فأمر بنزوله ظهرًا فظهرًا إلى أن وصل إلى قبيلة هاشم، وهو بالإضافة إلى سائر الخلائق شرفًا وفضلًا، كالقلب بالإضافة إلى سائر الأعضاء.
* * *
٤٤٧٩ - عَنْ أَبي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: قَالُوا: يا رَسُولَ الله! متَى وَجَبَتْ لكَ النُّبُوَّةُ؟ قال: "وآدمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسدِ".
قوله: "متى وجَبَتْ لك النبوةُ؟ قال: وآدمُ بين الروحِ والجسد". (متى): سؤالٌ عن الزمان، والواو في (وآدم) للحال.
(وجبت)؛ أي: ثَبَتَتْ؛ يعني: ثبتت نبوتي في حال أنَّ آدمَ بين الرُّوح والجَسَد.
* * *
٤٤٨٠ - وعَنِ العِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّه قَالَ: "إِنَّي عِنْدَ الله مَكتوْبٌ: خَاتَمُ النَّبيينَ، وإنَّ آَدمَ لمُنْجَدِلٌ في طِينَتهِ، وسَأُخبرُكُمْ بأوَّلِ أَمْرِي: دَعْوةُ إِبراهِيْمَ، وبشَارَةُ عيسَى، ورُؤْيا أُمِّي الَّتي رَأَتْ حِينَ وضَعَتْني وقدْ خَرجَ لها نُور أضَاءَتْ لَها منهُ قُصُورُ الشَّامِ".
قوله: "إني عند الله مكتوبٌ خاتَم النَّبيين، وإن آدم لمُنْجَدِلٌ"، الحديث.
(المُنْجَدِلُ): الساقط، والمُجْدَّلُ المُلْقى بالجَدَالة، وهي الأرض، ذكَره في "الغريبين".
قال الزمخشري في "الفائق": (انجَدل) مطاوع جَدَلهَ، إذا ألقاه على الأرض،
стр. 2767
وأصلُه الإلقاءُ على الجَدَالة وهي الأرض الصلبة، وهذا على سبيل إنابة فعلٍ منابَ فعل، و"الطينة": الخِلقْةَ، من قولهم طانَه الله على طينتك؛ أي: خَلقَهَ.
قال: والجارُّ الذي هو (في) ليس يتعلَّقُ بمنجدل، وإنما هو خبرٌ ثان، لأن الواو مع ما بعدها في محل النصبِ على الحال من (المكتوب)، والمعنى: كنتُ خاتمَ الأنبياءِ في الحال التي آدمُ مطروحٌ على الأرض حاصلٌ في أثناء الخلق، لما يفرغ من تصويره وإجراء الروح فيه، هذا كلُّه لفظ الزمخشري.
وإنما قال: (في طينته) خبر ثان، لا ظرفُ (منجدل)، لأنه لو كان ظرفَه فسدَ المعنى، إذ يصير تقديره: انجدل في الطين، وليس ذلك معناه، بل معناه أنه كان طِينًا، ثم صُوَّرَ على شكل الآدمي، وأُطْرِحَ على الأرض، كما تُطْرَحُ الأصنام والصُّوَرُ.
"الصُّورةُ: الجماد".
قوله: "سأخبركم بأولِ أمري، دعوةُ إبرا هيم ... " إلى آخره.
قال في "شرح السنة": قوله تعالى حكايةً عنه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩]
قال في "اللُّبَاب": يريد بالآيات خبرَ مَن مضى وخبرَ مَن بقيَ إلى يوم القيامة، والضمير في (فيهم) و (منهم) يعود إلى الذرية.
وقال أيضًا في "شرح السنة": وبشَارة عيسى ﵇ قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، الضمير في (لها) عائدٌ إلى قوله (أخي)، واللام للعِلَّة، والضمير في (منه) يعود إلى (النور).
"القصور": جمع قصر، وهو بيتٌ رفيع، معناه أنه قد سأل الخليلُ ﵇ الحضرةَ الإلهيةَ أن يبعثَ في ذريته منهم، كما قال تعالى حكاية عن قوله:
стр. 2768
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [البقرة: ١٢٩] الآية.
وقد بَشَّرَ عيسى ﵇ بمجيئه إلى العالم، قال الله حكايةً عن قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وأُمَّي حين ولدتني قد رَأَت أنه خرجَ منها نورٌ، أضاءت من ذلك النورِ لها قصورُ الشام لأجلها، وذلك النورُ عبارةٌ عن نبوته ﷺ ، وكيف لا وقد أضاءت نبوته ما بين المشرق والمغرب واضمحل بها ظلمة الكفر والضلالة.
* * *
٤٤٨١ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَنَا سيدُ ولَدِ آدمَ يَومَ القِيامَةِ ولا فَخْرَ، وبيَدِيْ لِواءُ الحمْدِ ولا فخرَ، ومَا منْ نَبيًّ يومَئذٍ آدمُ فمن سِواهُ إلَاّ تَحْتَ لِوائِي، وأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنشقُّ عنهُ الأَرْضُ ولا فَخْرَ".
قوله: "وبيدي لواء الحمد ولا فخر ... "، الحديث.
اللَّواء - بكسر اللام وبالمد -: رايةُ الأمير، لكنه دون الأعلام والبنود، ذكره في "الصحاح".
سُمَّيَ لواءَ الحمد؛ لأنه ﷺ يحمدُ الله تعالى في الحالة التي معه اللَّواءُ يومَ القيامة، حمدًا يليق بذاته سبحانه، على أن قرَّبه إليه، وفضَّلَه على جميع عباده الأنبياء والمرسَلين وغيرِهم، من أهل المَحْشر، وحوَّجَهم إلى أن يحضُروا تحت لوائه جَذِلين، وإلى شفاعته راغبين، بل مضطرين مُلْجَئين، وتواضعَ ﷺ مع هذا الفَضْل والكمال.
وقال: "ولا فخر"؛ يعني ما لي مفاخرةٌ بذلك؛ يعني: لا أذكره مفاخرةً طبعًا كما هي عادةُ العرب، بل أذكُره لتعدُّدِ النَّعَم، لأنه مَحْضُ فَضْلِه وإنعامه علي.
стр. 2769
وقيل: معناه: لا أفتخرُ بذلك، بل فَخْرِي بربي الذي أعطاني هذه المرتبةَ.
وقيل: لا أفتخرُ بذلك لأنه ما حَصَلَ بسعيي وكَسْبي حتى أفتخرَ به.
و (نبي) في "وما من نبي": للعموم؛ لأن النكرةَ التي تقع بعد النفي تَعُمُّ وتَشْمَل، والتنوين في "يومئذٍ" تنوينُ العِوَض، تقديرُه: يومَ إذ تقومُ الساعةُ.
و"من" في "مَنْ سِوَاه" موصولٌ، و (سواه) صلته؛ لأنه نصبٌ على الظَّرْف، وهو عطفٌ على (آدم)، و (آدم) عطفُ بيان لقوله: (ما مِن نَبيٍّ)، أو بدل؛ يعني: لا نبيَّ يومَ القيامة - يعني: آدم وغيره من الأنبياء والمرسلين - إلا أن يحضُروا تحت لوائي، وأنا أُحْشَرُ قبلَ الخلائق كلِّهم، ولا فخرَ، بل لطفُ منِّ الله وفَضْلِه.
* * *
٤٤٨٢ - عنْ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَلسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ ، فخَرجَ، فسمِعَهُمْ يَتذاكَرونَ، قَالَ بعضُهُمْ: إِنَّ الله اتَّخذَ إِبْراهِيمَ خَليلاً، وقَالَ آخرُ: مُوسُى كلَّمهُ الله تَكْلِيْمًا، وقالَ آخرُ: فعيسَى كَلِمةُ الله ورُوحُهُ، وقَالَ آخرُ: آدمُ اصْطَفَاهُ الله، فخَرجَ عَلَيهِم فسَلَّمَ وقَالَ: "قدْ سَمِعْتُ كَلامَكُمْ وعَجَبَكُمْ أنَّ إِبْراهيمَ خَلِيْلُ الله وهوَ كذلِكَ، ومُوسَى نَجيُّ الله وهوَ كذَلكَ، وعِيْسَى رُوْحُهُ وكَلِمتُهُ وهُوَ كذلكَ، وآدمُ اصْطَفاهُ الله وهُوَ كذلكَ، أَلَا وأَنَا حَبيبُ الله ولا فَخْرَ، وأَناَ حَامِلُ لِواءِ الحَمْدِ يَومَ القِيامةِ ولَا فَخْرَ، تحتَهُ آدَمُ فمنْ دُونَهُ ولا فخرَ، وأنا أوَّلُ شَافِعٍ وأوَّلُ مُشفَّعٍ يومَ القِيامةِ ولا فَخْرَ، وأَنا أوَّلُ مَنْ يُحرِّكُ حِلَقَ الجنَّةِ فيَفتَحُ الله لِيَ فيُدْخِلُنِيْها ومَعِي فُقَراءُ المُؤمِنينَ ولا فَخْرَ، وأَنَا أكْرَمُ الأوَّلينَ والآخِرينَ على الله ولا فَخْرَ".
قوله: "فخرج سَمِعَهم يتذاكرون"، الحديث.
стр. 2770
(سَمِعَ): نصب على الحال من الضمير في (خرج)، وهو يعودُ إلى رسول الله ﷺ ، و (قد) مُقدَّرَة.
و (يتذاكرون) أيضًا نصب على الحال من الضمير المنصوب في (سمعهم)؛ يعني: خرجَ رسولُ الله ﷺ ، وقد سَمِعَهم مُتَذَاكِرين في فضائل الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وهي مذكورةٌ في الحديث.
فإذا خرجَ سلَّم عليهم، وصَدَّقَ كلامَهم في الفضائل، وقال: قولُكم في فضيلة كلَّ واحد منهم ﵈ حَقٌّ وصِدقٌ، ولكني حبيبُ الله سبحانه ولا فخرَ؛ يعني: لا أذكره مفاخرةً، بل أذكرُه إظهارًا لفَضْلِه الكاملِ وإنعامِه السابغِ عليَّ، لأني مأمورٌ بذلك، قال الله ﷻ : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]
"الخليل": الصديق.
و"ألا" كلمة تنبيه، معناها: تنبهوا، "الحبيب": فعيل، بمعنى مفعول، قيل: مَنْ قاسَ الحبيبَ بالخليل فقد أخطأ، فإن الخليلَ اشتقاقه من الخلَّة، التي هي الحاجة، فكأن إبراهيم كان كلُّ افتقاره إلى الله تعالى، فمِن هذا الوجه اتخذَه الخليلُ، والحبيبُ اشتقاقهُ من المحبة، والفعيل يُستعمل بمعنى الفاعل، وبمعنى المفعول كالشَّهيد.
فكأنه ﷺ محبوبٌ ومُحِبٌّ، وأصيبت حَبَّةُ قلبهِ بالمَحَبَّة؛ لأنك إذا قلتَ حبيبه كأنك أصبتَ حَبَّةَ قلبه، كما يقول كَبَّدْتُه وفَأَّدْتُه ورَأَّسْتُه في إصابة الكَبدِ والفُؤَاد والرأس، والخليلُ مُحِبٌّ لحاجته إلى من يُخَالُّه، والحبيب مُحِبٌّ لا لغرض.
"المُشَفَّع": الذي قُبلَت شَفَاعتُه.
و"الحِلَقُ": جمع حَلْقَة، وهي حَلْقَة الباب؛ يعني: بابَ الجنة.
следующие страницы →