وتلخيص المعنى: أن وجودَه الطاهرَ ودُرَّه النبويَّ الزاهر - صلوات الله عليه - حُفِظَ في صُلْبِ آدمَ بنظرِ العناية، وغُذِيَ بلُبَابِ المَحَبَّة، وشَرُفَ آدمُ وبنوه به ﷺ ، فأمر بنزوله ظهرًا فظهرًا إلى أن وصل إلى قبيلة هاشم، وهو بالإضافة إلى سائر الخلائق شرفًا وفضلًا، كالقلب بالإضافة إلى سائر الأعضاء.
* * *
٤٤٧٩ - عَنْ أَبي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: قَالُوا: يا رَسُولَ الله! متَى وَجَبَتْ لكَ النُّبُوَّةُ؟ قال: "وآدمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسدِ".
قوله: "متى وجَبَتْ لك النبوةُ؟ قال: وآدمُ بين الروحِ والجسد". (متى): سؤالٌ عن الزمان، والواو في (وآدم) للحال.
(وجبت)؛ أي: ثَبَتَتْ؛ يعني: ثبتت نبوتي في حال أنَّ آدمَ بين الرُّوح والجَسَد.
* * *
٤٤٨٠ - وعَنِ العِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّه قَالَ: "إِنَّي عِنْدَ الله مَكتوْبٌ: خَاتَمُ النَّبيينَ، وإنَّ آَدمَ لمُنْجَدِلٌ في طِينَتهِ، وسَأُخبرُكُمْ بأوَّلِ أَمْرِي: دَعْوةُ إِبراهِيْمَ، وبشَارَةُ عيسَى، ورُؤْيا أُمِّي الَّتي رَأَتْ حِينَ وضَعَتْني وقدْ خَرجَ لها نُور أضَاءَتْ لَها منهُ قُصُورُ الشَّامِ".
قوله: "إني عند الله مكتوبٌ خاتَم النَّبيين، وإن آدم لمُنْجَدِلٌ"، الحديث.
(المُنْجَدِلُ): الساقط، والمُجْدَّلُ المُلْقى بالجَدَالة، وهي الأرض، ذكَره في "الغريبين".
قال الزمخشري في "الفائق": (انجَدل) مطاوع جَدَلهَ، إذا ألقاه على الأرض،
стр. 2767
وأصلُه الإلقاءُ على الجَدَالة وهي الأرض الصلبة، وهذا على سبيل إنابة فعلٍ منابَ فعل، و"الطينة": الخِلقْةَ، من قولهم طانَه الله على طينتك؛ أي: خَلقَهَ.
قال: والجارُّ الذي هو (في) ليس يتعلَّقُ بمنجدل، وإنما هو خبرٌ ثان، لأن الواو مع ما بعدها في محل النصبِ على الحال من (المكتوب)، والمعنى: كنتُ خاتمَ الأنبياءِ في الحال التي آدمُ مطروحٌ على الأرض حاصلٌ في أثناء الخلق، لما يفرغ من تصويره وإجراء الروح فيه، هذا كلُّه لفظ الزمخشري.
وإنما قال: (في طينته) خبر ثان، لا ظرفُ (منجدل)، لأنه لو كان ظرفَه فسدَ المعنى، إذ يصير تقديره: انجدل في الطين، وليس ذلك معناه، بل معناه أنه كان طِينًا، ثم صُوَّرَ على شكل الآدمي، وأُطْرِحَ على الأرض، كما تُطْرَحُ الأصنام والصُّوَرُ.
"الصُّورةُ: الجماد".
قوله: "سأخبركم بأولِ أمري، دعوةُ إبرا هيم ... " إلى آخره.
قال في "شرح السنة": قوله تعالى حكايةً عنه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩]
قال في "اللُّبَاب": يريد بالآيات خبرَ مَن مضى وخبرَ مَن بقيَ إلى يوم القيامة، والضمير في (فيهم) و (منهم) يعود إلى الذرية.
وقال أيضًا في "شرح السنة": وبشَارة عيسى ﵇ قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، الضمير في (لها) عائدٌ إلى قوله (أخي)، واللام للعِلَّة، والضمير في (منه) يعود إلى (النور).
"القصور": جمع قصر، وهو بيتٌ رفيع، معناه أنه قد سأل الخليلُ ﵇ الحضرةَ الإلهيةَ أن يبعثَ في ذريته منهم، كما قال تعالى حكاية عن قوله:
стр. 2768
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [البقرة: ١٢٩] الآية.
وقد بَشَّرَ عيسى ﵇ بمجيئه إلى العالم، قال الله حكايةً عن قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وأُمَّي حين ولدتني قد رَأَت أنه خرجَ منها نورٌ، أضاءت من ذلك النورِ لها قصورُ الشام لأجلها، وذلك النورُ عبارةٌ عن نبوته ﷺ ، وكيف لا وقد أضاءت نبوته ما بين المشرق والمغرب واضمحل بها ظلمة الكفر والضلالة.
* * *
٤٤٨١ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَنَا سيدُ ولَدِ آدمَ يَومَ القِيامَةِ ولا فَخْرَ، وبيَدِيْ لِواءُ الحمْدِ ولا فخرَ، ومَا منْ نَبيًّ يومَئذٍ آدمُ فمن سِواهُ إلَاّ تَحْتَ لِوائِي، وأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنشقُّ عنهُ الأَرْضُ ولا فَخْرَ".
قوله: "وبيدي لواء الحمد ولا فخر ... "، الحديث.
اللَّواء - بكسر اللام وبالمد -: رايةُ الأمير، لكنه دون الأعلام والبنود، ذكره في "الصحاح".
سُمَّيَ لواءَ الحمد؛ لأنه ﷺ يحمدُ الله تعالى في الحالة التي معه اللَّواءُ يومَ القيامة، حمدًا يليق بذاته سبحانه، على أن قرَّبه إليه، وفضَّلَه على جميع عباده الأنبياء والمرسَلين وغيرِهم، من أهل المَحْشر، وحوَّجَهم إلى أن يحضُروا تحت لوائه جَذِلين، وإلى شفاعته راغبين، بل مضطرين مُلْجَئين، وتواضعَ ﷺ مع هذا الفَضْل والكمال.
وقال: "ولا فخر"؛ يعني ما لي مفاخرةٌ بذلك؛ يعني: لا أذكره مفاخرةً طبعًا كما هي عادةُ العرب، بل أذكُره لتعدُّدِ النَّعَم، لأنه مَحْضُ فَضْلِه وإنعامه علي.
стр. 2769
وقيل: معناه: لا أفتخرُ بذلك، بل فَخْرِي بربي الذي أعطاني هذه المرتبةَ.
وقيل: لا أفتخرُ بذلك لأنه ما حَصَلَ بسعيي وكَسْبي حتى أفتخرَ به.
و (نبي) في "وما من نبي": للعموم؛ لأن النكرةَ التي تقع بعد النفي تَعُمُّ وتَشْمَل، والتنوين في "يومئذٍ" تنوينُ العِوَض، تقديرُه: يومَ إذ تقومُ الساعةُ.
و"من" في "مَنْ سِوَاه" موصولٌ، و (سواه) صلته؛ لأنه نصبٌ على الظَّرْف، وهو عطفٌ على (آدم)، و (آدم) عطفُ بيان لقوله: (ما مِن نَبيٍّ)، أو بدل؛ يعني: لا نبيَّ يومَ القيامة - يعني: آدم وغيره من الأنبياء والمرسلين - إلا أن يحضُروا تحت لوائي، وأنا أُحْشَرُ قبلَ الخلائق كلِّهم، ولا فخرَ، بل لطفُ منِّ الله وفَضْلِه.
* * *
٤٤٨٢ - عنْ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَلسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ ، فخَرجَ، فسمِعَهُمْ يَتذاكَرونَ، قَالَ بعضُهُمْ: إِنَّ الله اتَّخذَ إِبْراهِيمَ خَليلاً، وقَالَ آخرُ: مُوسُى كلَّمهُ الله تَكْلِيْمًا، وقالَ آخرُ: فعيسَى كَلِمةُ الله ورُوحُهُ، وقَالَ آخرُ: آدمُ اصْطَفَاهُ الله، فخَرجَ عَلَيهِم فسَلَّمَ وقَالَ: "قدْ سَمِعْتُ كَلامَكُمْ وعَجَبَكُمْ أنَّ إِبْراهيمَ خَلِيْلُ الله وهوَ كذلِكَ، ومُوسَى نَجيُّ الله وهوَ كذَلكَ، وعِيْسَى رُوْحُهُ وكَلِمتُهُ وهُوَ كذلكَ، وآدمُ اصْطَفاهُ الله وهُوَ كذلكَ، أَلَا وأَنَا حَبيبُ الله ولا فَخْرَ، وأَناَ حَامِلُ لِواءِ الحَمْدِ يَومَ القِيامةِ ولَا فَخْرَ، تحتَهُ آدَمُ فمنْ دُونَهُ ولا فخرَ، وأنا أوَّلُ شَافِعٍ وأوَّلُ مُشفَّعٍ يومَ القِيامةِ ولا فَخْرَ، وأَنا أوَّلُ مَنْ يُحرِّكُ حِلَقَ الجنَّةِ فيَفتَحُ الله لِيَ فيُدْخِلُنِيْها ومَعِي فُقَراءُ المُؤمِنينَ ولا فَخْرَ، وأَنَا أكْرَمُ الأوَّلينَ والآخِرينَ على الله ولا فَخْرَ".
قوله: "فخرج سَمِعَهم يتذاكرون"، الحديث.
стр. 2770
(سَمِعَ): نصب على الحال من الضمير في (خرج)، وهو يعودُ إلى رسول الله ﷺ ، و (قد) مُقدَّرَة.
و (يتذاكرون) أيضًا نصب على الحال من الضمير المنصوب في (سمعهم)؛ يعني: خرجَ رسولُ الله ﷺ ، وقد سَمِعَهم مُتَذَاكِرين في فضائل الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وهي مذكورةٌ في الحديث.
فإذا خرجَ سلَّم عليهم، وصَدَّقَ كلامَهم في الفضائل، وقال: قولُكم في فضيلة كلَّ واحد منهم ﵈ حَقٌّ وصِدقٌ، ولكني حبيبُ الله سبحانه ولا فخرَ؛ يعني: لا أذكره مفاخرةً، بل أذكرُه إظهارًا لفَضْلِه الكاملِ وإنعامِه السابغِ عليَّ، لأني مأمورٌ بذلك، قال الله ﷻ : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]
"الخليل": الصديق.
و"ألا" كلمة تنبيه، معناها: تنبهوا، "الحبيب": فعيل، بمعنى مفعول، قيل: مَنْ قاسَ الحبيبَ بالخليل فقد أخطأ، فإن الخليلَ اشتقاقه من الخلَّة، التي هي الحاجة، فكأن إبراهيم كان كلُّ افتقاره إلى الله تعالى، فمِن هذا الوجه اتخذَه الخليلُ، والحبيبُ اشتقاقهُ من المحبة، والفعيل يُستعمل بمعنى الفاعل، وبمعنى المفعول كالشَّهيد.
فكأنه ﷺ محبوبٌ ومُحِبٌّ، وأصيبت حَبَّةُ قلبهِ بالمَحَبَّة؛ لأنك إذا قلتَ حبيبه كأنك أصبتَ حَبَّةَ قلبه، كما يقول كَبَّدْتُه وفَأَّدْتُه ورَأَّسْتُه في إصابة الكَبدِ والفُؤَاد والرأس، والخليلُ مُحِبٌّ لحاجته إلى من يُخَالُّه، والحبيب مُحِبٌّ لا لغرض.
"المُشَفَّع": الذي قُبلَت شَفَاعتُه.
و"الحِلَقُ": جمع حَلْقَة، وهي حَلْقَة الباب؛ يعني: بابَ الجنة.
стр. 2771
وقوله: "ومعي فقراءُ المؤمنين"، دليلٌ على فضلهم وكرامتهم عند الله سبحانه، وإنما اختصُّوا بهذه الكرامة لأنهم متَّصِفُون بالفقر، وهو ما اختاره رسول الله ﷺ حين عُرِضَتْ مفاتيحُ خزائن الأرض، فقال: "أريدُ أن أجوعَ يومًا، وأشبعَ يومًا": وقال في "آداب المريدين": ليس الفقرُ عند الصُّوفِيَّة الفاقةُ والعُدْمُ، بل الفَقْرُ المحمودُ الثقةُ بالله، والرِّضَا بما قَسَمَ الله سبحانه.
(الفَاقَةُ): الحاجةُ، والفقرُ، و (العُدْم): - بضم العين وسكون الدال - بمعناها.
قوله: "وأنا أكرمُ الأَوَّلين والآخِرين على الله"، دليلٌ على أنه أفضلُ مَن في السماوات والأرض.
* * *
٤٤٨٣ - عَنْ عَمْرِو بن قَيْسٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "نَحْنُ الآخِرونَ، ونَحْنُ السابقُونَ يومَ القِيامةِ، وإنَّي قَائِلٌ قَوْلًا غيرَ فَخْرٍ: إبْراهِيمُ خليلُ الله، ومُوسَى صَفِي الله، وأَنَا حَبيْبُ الله، ومعِي لِواءُ الحَمْدِ يومَ القِيامةِ، وإنَّ الله وعَدَنِي في أُمَّتِي وأَجَارَهُمْ مِنْ ثَلاثٍ: لا يَعمُّهُمْ بسَنةٍ، ولَا يَستأصِلُهُمْ عَدُوٌّ، ولا يَجْمعُهُمْ عَلَى ضَلالَةٍ".
قوله: "نحن الآخِرون، ونحن السَّابقون يوم القيامة"، الحديث.
يعني: نحن الآخِرون في المجيء إلى الدنيا، والسابقون يومَ القيامة في دخول الجنة، وغيرِ ذلك من الفضائل.
و"موسى صَفِيُّ الله"؛ أي: مختاره.
و"أجارَهم من ثلاثٍ"؛ أي: أنقذَهم وحَفِظَهم من ثلاث خصال.
стр. 2772
قال في "الصحاح": يقال: أجاره الله من العذاب؛ أي: أنقذه.
* * *
٤٤٨٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَنَا أوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إذَا بُعِثوا، وأَنَا قائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وأَنَا خَطيبُهُمْ إذَا أنْصَتُوا، وأَنَا مُستَشفِعُهُمْ إذا حُبسُوا، وأَنا مُبشَّرُهُمْ إذَا آيسُوا، الكَرامةُ والمَفَاتيحُ يَومَئِذٍ بيَدِي، ولواءُ الحَمْدِ يومَئذٍ بيدي، وأَنَا أكْرمُ ولَدِ آدمَ على ربي، يَطوفُ عَليَّ ألفُ خَادِمٍ كأنَّهُمْ بَيْضٌ مَكْنونٌ أو لُؤلؤٌ مَنْثورٌ"، غريب.
قوله: "أنا أولُ الناسِ خروجًا إذا بعثوا، وأنا قائِدُهم إذا وَفَدُوا"، الحديث.
(بَعَثَ) الحديثَ: إذا نشره.
(القائدُ): واحد القادة، مَن قاد الفرسَ وغيرَه يقودُ قَوْدًا.
قال في "الصحاح": (وفدَ) فلان على الأمير؛ أي: وردَ رسولًا، فهو وافدٌ، والجمع: وَفْد، مثل صاحبة وصَحْب.
"أنْصَتَ": إذا سَكَت.
"المُسْتَشْفَع": اسم مفعول مِن (استشفعتُه إلى فلان)؛ أي: سألتُه أن يَشْفَعَ لي إليه، ذكره في "الصحاح".
"أيس يَيْأَسُ": إذا قَنَط، (المكنون): اسم مفعول مِن (كَنَّ) إذا سَتَر، و"بيضٌ مَكْنُون"؛ أي: لؤلؤٌ مخزونٌ مستورٌ في صَدَفه، لم تمسَّه الأيدي، ذكرَه بعض المُفَسِّرين.
و"المنثور": اسم مفعول من نثر السكر وغيره نثارًا.
و"أو" في قوله: "أو لؤلؤ منثور" شكٌّ من الراوي.
стр. 2773
يعني: أنا مُقدَّمٌ في الخروج عن القبر على سائر الناس كلِّهم، فإذا وَرَدُوا على الله سبحانه فأنا متبوعُهم، وإذا سكتُوا متحيرين فأنا خطيبُهم.
يعني: يكونُ لي قدرةٌ على الكلام في ذلك الوقت، وإذا حُبسُوا في الموقف، ولم يحاسَبوا، أشفعُ لهم في المقام المحمود الموعودِ لي، فتقبل شفاعتي، فيحاسَبون.
وإذا أَيسُوا الكرامة؛ أي: وإذا قَنَطُوا من لطفه ورحمته تعالى بَشَّرْتُهم بالرحمة والرضوان.
"والمفاتيحُ يومئذٍ بيدي"؛ يعني: مفاتيحُ كلَّ خيرٍ بيدي في ذلك اليوم، وإنما قال هذا؛ لأنه يصلُ أنواعَ اللطف والرحمة من الله سبحانه إلى أهل العَرَصَات من الأنبياء وغيرِهم بواسطة شفاعته العامة في المقام المحمود وغير ذلك، كما هو مذكورٌ في الحديث.
وكما أنَّ المفاتيحَ سببٌ للفتح، فهو سببٌ لما ينفتح من فَضْلِه العَمِيم تعالى على عباده.
* * *
٤٤٨٦ - عَنْ أَبيْ هُريْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "فأُكْسَى حُلَّةً منْ حُلَلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ أقومُ عَنْ يَمينِ العَرْشِ، لَبسَ أَحدٌ مِنَ الخَلائِقِ يَقومُ ذلكَ المَقامَ غَيْري".
"فأُكْسَى حُلَّةً من حُلَلِ الجَنَّة"، (الحُلَل): جمع حُلَّة، وهي إزارٌ ورداء.
قوله: "ثم أقومُ عن يمين العرش ... " إلى آخره، (العَرْشُ): سرير الملك؛ يعني: بعد أن أَشْرُفَ بتلك الحالة الأبدية أقومُ عن يمين العرش، وذلك المقامُ مختصٌّ بي.
* * *
стр. 2774
٤٤٨٧ - عَنْ أبي هُريْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "سَلُوا الله لِيَ الوَسيلَة"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! ومَا الوَسيلَةُ؟ قَالَ: "أَعْلَى درَجةٍ في الجَنَّةِ، لا ينالُها إِلَاّ رَجُلٌ واحِدٌ، أرجُو أنْ أكُونَ أَنَا هوَ".
قوله: "وما الوسيلةُ؟ قال: أعلى درجةٍ في الجنة"، الحديث.
(الوَسِيلَةُ): ما يُتَقَرَّبُ به إلى الغير، المراد بها ها هنا ما فسَّره رسول الله ﷺ .
و (درجة): جرٌّ؛ لأنها مضافٌ إليها لـ (أَعْلَى)، الضمير في (لا ينالها) يعودُ إلى الدرجة.
قوله: "أرجو أن أكونَ أنا هو"؛ يعني: أرجو مِن الله أن يَرْزُقَني الوسيلةَ، وأنْ أكونَ ذلك الرَّجُلَ الذي تكونُ الوسيلةُ له بفضْلِه، وإنما ذكرَ الكلامَ مبهَمًا على سبيل التواضع، لأنه قد عرف جَزْمًا على أنها له، (أنا) مبتدأ، و (هو) خبره، والجملةُ خبرُ (أكون).
* * *
٤٤٨٨ - عَنْ أُبيَّ بن كَعْبٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إذا كانَ يومُ القِيامَةِ كُنْتُ إمَامَ النَّبيينَ وخَطيبَهُمْ، وصاحِبَ شفاعَتِهِمْ غيرَ فَخْرٍ".
قوله: "إذا كان يوم القيامة"، (كان) هنا تامة، معناه: أتى أو وقع.
* * *
٤٤٨٩ - عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ لِكُلَّ نبيًّ وُلاةً مِنَ النَّبيينَ، وإنَّ وَلِيي أَبي خَلِيلُ رَبي"، ثُمَّ قَرأَ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨].
قوله: "إنَّ لكلِّ نبيًّ ولاةً مَن النبيين"، الحديث.
стр. 2775
(الولاةُ): جمع وَلِيًّ، وهو بمعنى الصَّدِيق والحَبيب؛ يعني: أنَّ لكلَّ نبيًّ أحباءَ وقُرَنَاء، وهو أَوْلَى بهم، وأقربُ إليهم في جميع الأوقات.
"وولِيي أبي"؛ يعني: به إبراهيم صلوات الله عليهما، وقد بيَّنَ لقولهم: "وخليلُ ربي" بإضافة الخليل إلى قوله: (ربي)، أنَّ قولَه: (أبي) يعني به: إبراهيم ﷺ ، لا كما ذكر في كتاب "المصابيح"، وهو قوله: (ووليي أبي).
هذا معنى كلام الإمام التُّوْرِبشْتِي في "شرحه".
فعلى هذا (خليل ربي) معطوف على (ربي)، الذي هو مرفوع.
وكان قياسه أن يكون: وليي أبي خليلُ ربي، من غير (واو)؛ ليكون عطفَ بيانٍ لـ (أبي)، لأن الواو تؤدَّي إلى التغاير، فيؤذِنُ بأن الروايةَ: وليي أبي وخليلي ربي، كما هو في كتاب "المصابيح".
* * *
٤٤٩٠ - عَنْ جَابرٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّ الله بَعثَنِي لِتَمَامِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وكَمَالِ مَحاسِنِ الأفعْالِ".
قوله: "إنَّ الله بعثني لتمامِ مكارمِ الأخلاق، وكمالِ محاسنِ الأفعال".
(بَعَثَ) إذا أَرْسَلَ، (التمامُ): مصدرُ (تَمَّ) إذا كَملَ، (المكارم): جمع مَكْرُمَة، وهي خصلةٌ يُكْرَمُ الشخصُ بها؛ أي: يَسْتَحِقُّ أن يكون كريمًا، والكَرَمُ ليس نفسَ السَّخَاء، ولهذا يوصَفُ العَرْشُ والقرآن بالكريم، بل الكريم صفةٌ محمودةٌ عالية.
و (الأخلاقُ): جمع خُلُق، و (المحاسن): جمع حُسْن، جمعٌ غير قياسي.
يعني: إن الله سبحانهَ بعثني إلى العالَم ليتمَّمَ بوجودي مكارمَ أخلاقِ عبادهِ، ويُكَمَّلَ بي محاسنَ أفعالهم.
* * *
стр. 2776
٤٤٩١ - عَنْ كَعْبٍ ﵁ يَحْكِي عَنِ التَّوراةِ قَالَ: نَجدُ مَكتوبًا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله، عَبدِي المُختارُ، لا فَظٌّ ولا غَليظٌ، ولا سَخَّابٌ بالأَسْواقِ، ولا يَجزِي بالسَّيئةِ السَّيئةَ، ولكنْ يَعفُو ويَغْفِرُ، مَوْلدُهُ بمكَّةَ، وهِجرتُهُ بطَيْبةَ، ومُلكُهُ بالشَّامِ، وأُمَّتُهُ الحمَّادونَ، يَحمَدونَ الله في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، يَحْمَدونَ الله في كلِّ مَنْزِلَةٍ، ويُكبرونَهُ على كُلِّ شَرَفٍ، رُعاةٌ للشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلاةَ إذا جَاءَ وقتُهَا، يَتأزَّرُونَ على أَنْصافِهِمْ، ويتوَضَّؤُون على أَطرافِهِمْ، مُنادِيهِمْ يُنادِي في جَوِّ السَّماءِ، صفُّهُمْ في القِتالِ وصَفُّهُمْ في الصَّلاةِ سَواءٌ، لهُمْ باللَّيلِ دَوِيٌّ كدَوِيَّ النَّحلِ.
قوله: "مولده بمكةَ، وهجرتُه بطَيْبة، ومُلْكُه بالشام"، الحديث.
(المَوْلِد): موضع الولادة، (الهِجْرة): تركُ الوطنِ والذهابُ إلى موضعٍ آخر.
(طيبة): مدينة الرسول ﷺ ، وهي غيرُ منصرف للعَلَمية والتأنيث، وكذلك مكة.
(ومُلْكُه بالشام)، يريد بالملك ها هنا النُّبُوَّةَ والدِّين؛ يعني: يَعُمُّ دينهُ جميعَ البلدان، لكن الشام يغلبُ على سائر البلادِ في اتَّباع أهلِها له، والأمْنِ من غَلَبة الكفار عليها، كما قال ﷺ : "عليكم بالشام".
وأيضًا: مُلْكُه ظهرَ بالجهاد مع الكفار، ومِنْ فَتْحِ الشام إلى اليوم لا ينقَطِعُ الجهادُ بها، ولهذا أَمَرَ بالمسافرة إليه، ليغزوا، وليرابطوا، وأيضًا فهناك المسجدُ الأقصى وقبورُ أكثرِ الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
و"الحَمَّادُ": كثير الحمد.
"المنزلة" ها هنا بمعنى المَنْزِل.
قال في "الصحاح": والمنزلة والمنزلُ واحدٌ.
стр. 2777
قال ذو الرمة:
أَمَنْزِلَتَيْ مَيًّ سلامٌ عليكما ... هلِ الأَزْمُنُ اللَاّئي مَضَيْنَ رَوَاجِعُ
أي: يا مَنْزِلتَيْ مَيًّ: وهي اسمُ امرأةٍ.
"الشرف": المكان العالي.
(الرعاة): جمع الراعي، مِن (رَعَى) إذا حَفِظَ.
قيل: المراد بـ "رعاةِ الشمس" الذين يحْفَظُون أوقاتَ الصلوات بطلوع الشمس وغروبها ودُلُوكها، وَينْظُرُون في سيرها؛ ليعرِفُوا مواقيتَها، وهذا دليلٌ على أنَّ معرفَة النجوم قَدْرَ ما يُعْرَفُ به مواقيت الصلاةِ مطلوبةٌ.
قال الشيخ محيي السنة في "التهذيب": معرفةُ دلائلِ القِبْلَةِ فرضٌ على العَيْن أم فرضٌ على الكفاية؟.
فيه وجهان: أَصَحُّهما فرضٌ على العين، يجبُ على كل بَصيرٍ أن يتعلَّمَها؛ لأنها تحصُلُ في ليالٍ ذواتِ عَدَدٍ، بخلاف تعلُّمِ العِلْم كان فرضًا على الكفاية، لا يحصل إلا بأن يَجْعَلَ مُعْظَمَ عمرهِ فيه.
قوله: "يتأزَّرُون على أنصافهم"؛ أي: يشدُّون الأُزُرَ على أنصافهم؛ أي: من السُّرَّةِ إلى تحت الركبة.
قوله: "ومناديهم ينادي في جو السماء"، قيل: (المنادي): المؤذَّن، (الجَوُّ) ما بين السماء والأرض؛ يعني: يؤذِّنُ مؤذِّنُوهم في جوِّ السماء؛ أي: في مواضعَ عاليةٍ مثل المنارة وغيرها.
"ولهم بالليل دويٌّ كدويِّ النحل"؛ يعني: لهم في الليل أصواتٌ خَفِيَّةٌ في التسبيح والتهليل وقراءة القرآن كدويِّ النحل، وهو هنيمته.
* * *
стр. 2778
٢ - باب أَسْمَاءِ النَّبيَّ ﷺ وَصِفَاتُهُ
(باب أسماء النبي ﷺ وصفاته)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٤٩٣ - عَنْ جُبَيْرِ بن مُطْعِم ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُول: "لِي خَمْسةُ أَسمَاءٍ: أَنا مُحمَّدٌ، وأَنَا أَحْمَدُ، وأَنا المَاحِي الذِي يَمحُو الله بي الكُفرَ، وأَنَا الحَاشِرُ الذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلى قَدمَيَّ، وأَنا العَاقِبُ"، والعَاقِبُ: الَّذي لَيسَ بعدَهُ نبيٌّ".
"يُحْشَرُ الناسُ على قدمي"، وقيل: على أَثَري.
قال في "شرح السنة"؛ أي: أنه يُحْشَرُ أولُ الناس، كقوله: "أنا أول من تنشق عنه الأرض".
* * *
٤٤٩٤ - وعَن أَبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُسمَّي لِنَفسِهِ أَسْماءً، فَقَال: "أَنا مُحَمَّدٌ، وأَحْمَدُ، والمُقَفِّي، والحَاشِرُ، ونبيُّ التَّوْبةِ، ونبيُّ الرَّحمَةِ".
قوله: "والحاشر، ونَبيُّ الرحمة"، قال في "الغريبين": قال شمر: المُقَفِّي والعاقبُ: واحدٌ، وهو المولَّي الذاهبُ، يقال: قَفَّى عليه؛ أي: ذهبَ به، فكأن المعنى أنه آخر الأنبياء، فإذا قَفَّى فلا نَبيَّ بعدَه.
وقال ابن الأعرابي: المُقَفَّي: المُتَّبعُ للنَّبيين، والمقفَّى - بفتح الفاء -: اسمُ مفعول من قُفَّىَ تقفيةً، إذا اتُّبعَ.
стр. 2779
وإنما سُمِّيَ (نبيَّ التوبة) - و (التوبةُ): الرجوعُ - لأن الكَفَرَة كان رجوعُهم إلى الإسلام في زمانه، ويكونُ رجوعُهم إلى الإسلام بعدَه إلى يوم القيامة بدعوته، وكذا العصاةُ يرجِعُون إلى الطاعة ببركته.
قال في "شرح السنة": فإن قيلَ: فقد قال ﷺ : "أنا نبيُّ الرحمة، ونبيُّ المَلَاحِم" كيف وجهُ الجَمْعِ بينهما؟.
قال: "بُعِثْتُ بالرَّحْمَة"، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فكيف يكونُ مبعوثًا بالرحمة، وقد بُعِثَ بالسيف؟
قيل: هو مبعوثٌ بالرحمة كما ذُكِرَ، وكما أَخْبَر الله تعالى، وذلك أن الله تعالى بَعثَ الأنبياء، وأَيَّدَهم بالمعجزات، فمن أنكرَ من تلك الأمم الحقَّ بعد الحُجَّةِ والمُعْجِزَة عُذِّبُوا بالهَلَاك والاسْتِئْصال، ولكن الله أمر نبيَّه بالجهاد معهم بالسيف؛ ليرتدِعُوا من الكفر، ولم يحتاجوا إلى السيف، فإن للسيف بقيةً، وليس مع العذاب المنزَل بقية.
قال في "شرح السنة": قلتُ: ومما يؤيدُ ذلك حديثُ عائشةَ ﵂: إن الله بعثَ إليه مَلَكَ الجبال، فقال: إن شئتَ أن أُطْبقَ عليهم الأَخْشَبين؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل أرجو أن يُخْرِجَ الله من أصلابهم من يعبُدُ الله وحدَه، لا يُشْرِكُ به شيئًا".
وهو مبعوثٌ أيضًا بالرَّحْمة من حيث إنَّ الله تعالى وضعَ في شريعته عن أمته ما كان في شرائع الأمم السالفةِ عليهم من الآصار والأَغْلال التي كانَتْ عليهم، هذا كلُّه لفظُ "شرح السنة".
(الملاحم): جمع مَلْحَمَة، وهي الوقعةُ العظيمةُ في الفتنة؛ يعني: الحروبَ العظيمة التي ظهرت.
(الارتداع): الامتناع.
стр. 2780
(الأخشبان): جبلا مكة.
وفي الحديث: "لا تزولُ مكةَ حتى يزولَ أخشباها": ذكره في "الصحاح".
(الآصار): جمع إِصْر بكسر الهمز، وهو العَهدُ والثقل، و (الأغلال): جمع غُلًّ.
قال في "تفسير اللُّبَاب" في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ أي: خَفَّفْتُ عنهم ما شُدِّدَ عليهم في التوراة من العهود والأثقال، كالقاتل لا ينجيه إلا القصاص، ولا ديةَ ولا عفوَ، وقطعُ الأعضاء الخاطئة، وقَرْضُ الثوب إذا أصابته نجاسة، وشَبَّهَها بالأغلال للزومها لزومَ الغُلِّ في العُنُق.
* * *
٤٤٩٥ - وعَنْ أَبي هُريْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلَا تَعجَبونَ كيفَ يَصرِفُ الله عنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ ولَعْنَهُمْ؟ يشتِمونَ مُذَمَّمًا، ويَلعَنوقَ مُذَمَّمًا، وأَنَا مُحَمَّدٌ".
قوله: "ألا تَعْجَبُون كيف يَصْرِفُ الله عني شَتْمَ قُرَيشٍ"، الحديث.
(كيف): سؤالٌ عن الحال، و"اللَّعْنُ": الطردُ والإبعاد من الخير، و (اللَّعْنَةُ): اسمٌ منه، و"الشَّتْمُ": السَّبُّ، والاسم الشتيمة، يريد بالشتمِ: أن زوجة أبي لهبٍ العوراءَ بنتَ حربٍ، كانت تسمِّيه بمُذَمَّم بدل مُحمَّد.
تقول: مُذمَّمًا قَلَيْنَا، ودينَه أَبَيْنا، وأمرَه عَصَيْنا، "قَلَيْنَا" معناه أبغضْنا، و (المُذَمَّم): اسم مفعول من التذميم، وهو بمعنى مذمومٌ كثيرًا، وهو نقيضُ مُحمَّد.
* * *
стр. 2781
٤٤٩٦ - وعَنْ جَابرٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "سَمُّوا باسْمِي ولا تَكَنَّوْا بكُنْيَتِي، فإنَّي إنَّما جُعِلْتُ قاسِمًا أقسِمُ بينكُمْ".
قوله: "سَمُّوا باسمي ولا تَكْنُوا بكنيتي"، الحديث.
(الاكتناءُ): عبارةٌ عما يقول لرجل أبو فلان ولامرأة أم فلان، والكُنْية: اسمٌ لكلَّ واحدٍ منهما.
والعربُ أنَّ مَنْ كان عندَهم وقارٌ وعِزَّةُ يخاطبونه بالكُنْية، كما أن العَجَمَ يخاطِبُون الأشراف وذوي الأقدار باللقب، مثل جمال الدين وشمس الدين وغير ذلك من الألقاب، فإذا وجبَ على الأمة أن يوقَّروا نبيَّهم أكثرَ مما يوقَّرون غيرَه وجبَ عليهم التمييزُ بين خطابه وخطاب غيرِه، عاملين بمضمون الآية: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
فلهذا نهى عن الاكتناء بكنيته، فإذا كان كذلك فالنهيُ كان مختصًّا بزمنه، لكي يتميَّزَ خطابُه عن خطاب غيرِه، فإذا تقرَّر هذا يجوزُ في هذا الزمان الاكتناء بكنيته.
* * *
٤٤٩٧ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرَة ﵁ قَالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ قدْ شَمِطَ مُقدَّمُ رأْسِهِ ولِحْيتهِ، وكَانَ إذا ادَّهنَ لم يَتبيَّنْ، وإذا شَعِثَ رَأسُهُ تَبيَّنَ، وكانَ كثيرَ شَعْرِ اللِّحْيةِ، فقالَ رجلٌ: وجهُهُ مِثْلُ السَّيْف؟ قال: لا كانَ مِثْلَ الشَّمسِ والقَمرِ، وكانَ مُستَديرًا، ورَأيتُ الخَاتَمَ عندَ كَتِفهِ مِثْلَ بَيْضةِ الحَمامَةِ يُشبهُ جَسَدَهُ.
قوله: "قد شَمِطَ مقدَّمُ رأسهِ ولحيتهِ"، الحديث.
شَمِطَ يَشْمَط شَمَطًا: إذا ابيضَّ بعضُ شَعْر رأسِه.
стр. 2782
و"المُقدَّم" - بضم الميم وفتح الدال -: نقيض المؤخَّر.
و"اللِّحية" - بكسر اللام -: الشعرُ الذي ينبُتُ في الذَّقْن.
يعني: ظهرَ الشيبُ في مقدَّمِ رأسِه ولحيتِه ﷺ ، فإذا طَلَاه بالدُّهْن لم يَظْهَر الشيب، وإذا تفرَّقَ ظهر.
"ادهن": إذا جعل في رأسه أو لحيته الدُّهْن، وأصلُه: ادْتَهن على زِنَةِ افتعل، فقُلِبت التاء دالاً، ثم أُدْغِمَت إحداهما في الأخرى، فصار ادَّهن.
و"تبين": أي: ظَهَرَ.
و"شَعِثَ" يُشْعَثُ شَعَثًا: إذا اغبرَّ شَعْرُ رأسِه وتَفَرَّقَ. و"المستدير": بمعنى المُدَوَّر، وهو فاعلٌ من (اسْتَدار) إذا دارَ حولَ شيءٍ.
قيل: "خاتم النبوة" كان عَلَمًا من أعلام النبوة، مذكورًا في الكتب المنزَّلة، وإنما اختصَّ بالخاتم الذي هو طابع النبوة متَّصِلاً ببدنه عند كتفه ﷺ ، لأنه كَمَلَتْ به النبوة، وانْخَتَمَتْ به الرسالة، فقد انسدَّ به مَخْزَنُ النبوة ومَعْدِنُ الرسالة.
فإذا تقرَّر هذا عَلِمْنا أنَّ الله عَرَّفَنا خَتْمَ نبوته ﷺ بما هو متعارَفٌ بيننا تقريبًا لأفهامنا، وذلك أنَّ القاعدة المُطَّرِدَة: أن يختِمَ على المخزن اشتياقًا فيه، وإنما خَلَقَه جزءًا من بدنه ليكون معرِّفًا لصدقه، أكملَ تعريفًا وأتمَّ بيانًا، من حيث إنه مخصوصٌ بذلك من بين سائر الناس، والله أعلم.
ثم في خَلْقِه هذه العلامةَ في ظهره - وهي خاتم النبوة بين كتفيه - فوائد:
الأولى: خاتم النبوة، وقد تقدَّم.
الثانية: ليكونَ له المُعْجِزُ اللَاّزِم والعارض كما كان لموسى ﵇ من اليد والعصا.
الثالثة: جُعِلت لموسى المعجزة في يده السابقة على البدن، وجعل
стр. 2783
لرسولنا في خلفه؛ ليدلَّ على تقدُّم موسى وتأخُّر نبينا ﵉ في الزمان، والمتأخَّرُ يحصل كمال المتقدم ونفسه، ثم لموسى كانت اليد البيضاء تتعلَّقُ معجزتُها بإخراجِ اليَدِ إذا أراد إظهارَ المعجزة، ونبيُّنا كان خاتم النبوة لازمًا في ظهره، كَشَفَها أو لم يكشف، وأرادها أو لم يُرِدْ.
فإذا عرفت هذا: فاعرِفْ أنَّ دوامَ الخاتم دليلٌ على دوام نبوَّته ومِلَّته إلى قيام الساعة.
يريد بقوله: "مثل بيضة الحمام" تشبيهَه بها في الحَجْم والصورة، لا بياضها؛ لأنه كان يشبهُ بدنَه ﷺ في اللون؛ يعني: كان ناتئًا فيها بين كتفيه على شكل بيضتها.
* * *
٤٤٩٨ - عَنْ عَبدِ الله بن سَرْجِسَ ﵁ قَالَ: رَأيتُ النَّبيَّ ﷺ وأَكَلْتُ مَعهُ خُبْزًا ولَحْمًا - أو قَالَ: ثَرِيْدًا - ثمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ، فنظَرتُ إلى خَاتَم النُّبوَّةِ بينَ كتِفَيْهِ عندَ ناغِضِ كَتِفِهِ اليُسرَى، جُمْعًا، عليه خِيْلانٌ كَأمْثالِ الثَّآلِيلِ.
قوله: "ثم دُرْتُ خلفَه، فنظرتُ إلى خاتم النبوة بين كتفيه"، الحديث.
(دُرْتُ)، مِن: دارَ حول شيءٍ، يدور دَوْرًا ودَوَرَانًا، وأدارَه غيره.
قال في "الغريبين": قال شمر: الناغض من الإنسان: أصل العُنُق حيث يَنْغُضُ رأسُه، ونَغْضُ الكتف: هو العظم الرقيق على طرفها.
وقال غيره: الناغض: فَرْعُ الكتف، وفَرْعُ الشيء أعلاه.
"جمعًا": نصب على المصدر؛ أي: جمع جمعًا.
"عليه خيلان"، والخيلان: جمع الخال، وهو نقطةٌ سوداءُ تظهر في البشرة، تزيد الجمال.
стр. 2784
و"الثآليل": جمع ثُؤْلُول، قيل: هو خراجٌ صُلْبٌ يخرجُ على البدن، والخُرَاجُ - بالضم -: ما يخرُجُ في البدن من القروح.
قول الراوي في أول الحديث: "وأكلتُ معه خبزًا ولحمًا": دليلٌ على جواز تناوُلِ الإدام بالخبز، بل يجوزُ أن يؤتدَمَ بالأطْعِمَة اللَّذيذة؛ لأنه وردَ: اللَّحْمُ سيدُ الطعام.
ودليلٌ أيضًا على التواضع للفقراء والضعفاء بالمؤاكلة وغيرها، ودليلٌ على صدق الراوي إذا قيَّده بأنه واكلَ الرسول فأكلَ معه كذا وكذا تعيينًا لزمن الحديث.
* * *
٤٤٩٩ - وَقَالَ السَّائِبُ بن يِزيْدَ: نَظرتُ إلى خَاتَمِ النُّبوَّةِ بينَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرَّ الحَجَلَةِ.
قوله: "مثل زِرِّ الحَجَلَة"، قيل: الزَّرُّ - بتقديم الزاي المنقوطة على الراء المهملة المشددة - مرويٌّ، وكذلك الحَجَلَةُ - بفتح الحاء والجيم - مرويةٌ.
قال في "شرح السنة": أراد به: الأزرار التي تُشَدُّ على ما يكونُ في حِجَال العرائس من الكِلَلِ والسُّتُور ونحوها.
وقال الخطابي: سمعتُ من يقول: زِرُّ الحَجَلة: بيضةُ حَجَلِ الطَّيْر، يقال للأنثى منها: الحَجَلَة، وللذَّكَر: اليعقوبُ، وهذا شيءٌ لا أحقِّقه.
معنى قوله: شيء لا أُحَقَّقه، أنه ما وجدَ الزِّرَّ بمعنى البيضةِ في كلام العرب، ولكنه موافقٌ من حيث المعنى للأحاديث التي وردتْ في خاتم النبوة.
* * *
стр. 2785
٤٥٠٠ - وعَنْ أُمِّ خَالِدٍ بنتِ خَالِدِ بن سَعيْدٍ: أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بثيابٍ فيها خَميصَةٌ سَودَاءُ صَغِيْرَةٌ، فقَالَ: "ائْتُونِي بأمِّ خَالدٍ فأُتِيَ بها تُحمَلُ، فأخَذَ الخَميصَةَ بيدِهِ فألبَسَها، قَالَ: أبْلي وأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وأَخْلِقي، ثُمَّ أَبْلِي وأخْلِقي"، وكانَ فيها عَلَمٌ أخْضَرُ أو أصْفَرُ، فَقالَ: "يا أُمَّ خَالدٍ! هذا سَناه"، وهيَ بالحبَشِيّةِ حَسَنَةٌ، قَالَتْ: فذهبْتُ أَلْعبُ بِخَاتَمِ النُّبوَّةِ، فزَبَرَني أبي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "دَعْها".
قوله: "أُتِيَ النبي ﷺ بثياب فيها خَمِيصَةٌ سوداءُ صغيرةٌ"، الحديث.
(الخَمِيصَةُ): كساءٌ أسودُ مربَّعٌ له عَلَمان.
و"تُحْمَل": حال من الضمير في "بها"؛ أي: أُتِيَ بأمَّ خالدٍ محمولةً؛ لأنها طِفْلٌ.
"أَبْلِي": أمرُ مخاطَبةٍ من الإبلاء، وهو جَعْلُ الثوبِ خَلَقًا، وكذلك و"أخلقي": أمرُ مخاطَبةٍ من الإخلاق، وهو أيضًا بمعنى الإبلاء، وهذا التكرارُ دعاءٌ لها من عنده ﷺ في طولِ العمر، كأنه قال لها: عَمَّرَكِ الله تَعْمِيرًا في حالة إلباسه إياها.
"زَبرَ": فعلٌ ماض من الزَّبْر، وهو التخويفُ والتهديد.
"دعْها"؛ أي: اترُكْها، وهذا أمر قد أُمِيتَ ماضيه ومَصْدَرُه، وهذا الحديث يجوزُ أن يكونَ مسنَدًا للمشايخ - قدس الله أرواحهم - في إلباس الخرْقَة.
* * *
٤٥٠١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَيْسَ بالطَّويلِ ولا بالقَصِيْرِ، ولَيْسَ بالأَبيَضِ الأَمْهَقِ ولا بالآدَمَ، ولَيْسَ بالجَعْدِ القَطَطِ ولا بالسَّبْطِ، بَعَثَهُ الله على رَأسِ أَرْبَعينَ سَنةً، فأقَامَ بمكَّةَ عَشْرَ سِنينَ وبالمَدِينةِ عَشْرَ سِنينَ،
стр. 2786
وتَوفَّاهُ الله على رأسِ ستِّينَ سَنةً، ولَيْسَ في رأسِهِ ولِحْيَتِهِ عِشرُونَ شَعرةً بيضَاءَ.
وقوله: "ليس بالطَّويل البائن ولا بالقصير، وليس بالأبيضِ الأَمْهَقِ"، الحديث.
قال في "الغريبين": الأَمْهَقُ: الأبيضُ الكريهُ البياضِ كلَوْن الجَصِّ، يقول: كان بَينَ البياض؛ أي: يقول الراوي: كان رسول الله ﷺ بَينَ البياض، كما ورد: (كان أزهر اللون)؛ أي: بينَ اللون، والزُّهْرَة: البياضُ النَّير، وهو أحسنُ الألوان.
وقيل: الآدمُ هنا بمعنى الأَحْمَر.
"الجَعْدُ القَطَط"، قيل: معناه: شديدٌ الجُعُودة، مثل أشعارِ الحَبَش.
"السَّبطُ": الذي ليس له تكسُّرٌ، يقال: هو جَعْدٌ رَجِلٌ.
* * *
٤٥٠٢ - وفي رِوَايَةٍ عن أَنَسٍ ﵁ يَصِفُ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: كانَ رَبْعةً منَ القومِ، لَيسَ بالطَّويلِ ولا بالقَصِيرِ، أَزهَرَ اللَّونِ.
قال في "شرح السنة": معنى قوله: (رَبْعة): هو الرجلُ بين الرَّجُلَين، كما قال: (ليس بالطَّويل ولا بالقصير)؛ يعني: ليس قَدُّه ﷺ بطويلٍ بائنٍ طولُه؛ أي: ظاهر، ولا بقصيرٍ، بل هو رَبعٌ، ولا لونُه بأبيضَ شديدِ البياض، لا يخالِطُه حُمْرَةٌ، ولا بأحمرَ شديدِ الحُمْرة، لا يخالطُ حمرتَه شيءٌ من البياض، بل كان لونُه بين البياضِ والحُمْرَة، وقدُّه بين الطول والقِصَر، وشعرُه بين الجَعْد والسَّبطِ، فالوسطُ بين الشيئين مختارٌ، فالمختارُ للمختار مختارٌ.
* * *
стр. 2787
٤٥٠٣ - وقَالَ: كانَ شَعرُ رَسُولِ الله ﷺ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ.
وفي رواية: بَيْنَ أُذُنَيْهِ وعَاتِقِهِ.
قوله: "إلى أَنْصَافِ أذنيه"، (الأنصاف): جمع نصف؛ يعني: كان شعرُه ﷺ مسترسِلاً، محاذيًا لأنصاف أذنيه.
وفي رواية أخرى: كان يصلُ إلى ما بين أذنيه وعاتقِه ﷺ : فاختلافُ الروايتين محمولٌ إلى الزمانين؛ يعني: كان شَعْرُه ﷺ في زمانٍ يصِلُ إلى أنصاف أذنيه، وكان في زمان يصِلُ إلى ما بين أذنيه وعاتقه.
* * *
٤٥٠٤ - وقَالَ: كَانَ ضَخْمَ الرَّأْسِ والقَدَمَيْن، لمْ أرَ بعدَهْ ولا قبلَهُ مِثْلَه، وكانَ بَسِطَ الكفَّيْن.
وفي رواية: كانَ شَثْنَ القَدَمَيْن والكَفَّيْن.
قوله: "وكان ضَخْمَ الرَّأْسِ والقَدَمين"، الحديث.
(الضَّخْم): الغليظُ من كُلَّ شيء؛ يعني: كان رأسُه ﷺ ليس بصغيرٍ ولا كبيرٍ بل وسطًا، وكذلكَ قدماه ﷺ وسط بين الصَّغير والكبير.
قوله: "وكان بَسِطَ الكفَّين"؛ يعني: كانت صورة كَفَّيه ﷺ ذاتَ بَسْطٍ حَسَنٍ، وليس المراد ببسط الكَفَّين في الحديث الجودَ والسَّخَاوة، بل جودُه مشهورٌ معلوم من أحاديثَ وأخبارٍ أُخَر.
قوله: "شَثْنَ الكفين والقدمين": قال في "الغريبين": قال أبو عبيد؛ يعني: أنهما إلى الغِلَظِ والقِصَرِ أَمْيلُ.
وقال خالد: الشُّثُونَةُ لا تَعِيبُ الرجال، بل هي أَشَدُّ لقَبْضهم وأَصْبَرُ لهم على المِرَاس، ولكنه يَعيبُ النساءَ.
стр. 2788
وقال غيرُه: هو الذي في أنامله غِلَظٌ بلا قِصَر، دَلَّ على ذلك ما رُوِيَ في صفته ﷺ : (أنه كان سائلَ الأطراف)؛ أي: مسترسلَها من غير قَبْضٍ ولا تَشَنُّجٍ، وقد شَثُنَ وشَثِنَ وشَنِثَ شَثَنًا وشَنَثًا، فهو شَثِنُ العَقِبين.
* * *
٤٥٠٥ - وعَنِ البَراءِ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْن، لهُ شَعَرٌ بَلَغَ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، رَأَيْتُهُ في حُلَّةٍ حَمْراءَ، لمْ أرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنهُ.
قوله: "كان النبي ﷺ مربوعًا"، الحديث.
المربوعُ والرَّبع والرَّبْعَةُ واحدٌ، يقال: رجل رَبْعةٌ، وامرأة رَبْعَةٌ؛ أي: مربوعُ الخَلْق، لا طويلٌ ولا قَصير.
"شحمة الأذن": معلَّق القُرْط.
* * *
٤٥٠٦ - وفي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: مَا رَأيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ أَحْسنَ في حُلَّةٍ حَمْراءَ منْ رَسُولِ الله ﷺ ، شَعْرُهُ يَضرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيْدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَيسَ بالطَّويلِ ولا بالقَصِيرِ.
و"اللِّمَّةُ" - بالكسر -: الشعرُ الذي تجاوزَ شحمةَ الأُذُن، فإذا بلغتِ المَنْكِبَين فهي جُمَّة، ذكره في "الصحاح".
* * *
٤٥٠٧ - عَنْ سِمَاكِ بن حَرْبٍ، عَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ ضَليعَ الفمِ، أَشْكَلَ العَينِ، مَنْهُوشَ العَقِبَيْنِ، قِيْلَ لسِماكٍ: ما ضَليعُ الفَم؟ قَالَ: عَظِيْمُ الفَم، قِيْلَ: مَا مَنْهوشُ العَقِبَيْنِ؟ قَالَ: قَليْلُ لَحْمِ
стр. 2789
العَقِبَيْنِ، قِيْلَ: ما أشْكَلُ العَيْنِ؟ قال: طَوْيلُ شَقِّ العَيْنِ.
قوله: "ضليع الفَم، أَشْكَل العينِ، مَنْهُوش العَقِبين": تفسيرُه مذكورٌ في الحديث.
قال في "شرح السنة": قال أبو عُبيد: الشُّهْلَةُ: الحُمْرَةُ في سَوَادِ العين، والشُّكْلَةُ: الحُمْرَةُ في بياضِ العين، وهو محمودٌ.
قال: ويُرْوَى: (مَنْهُوس) بالسين غيرِ المعجمة، ومعناه أيضًا: قليلٌ لَحْمُها.
والنَّهْسُ: أَخْذُ ما على العَظْمِ من اللَّحْم بأطرافِ الأسنان، والنَّهْشُ: بالأَضْراس، ويقال: نُهِشَتْ عَضُداه: إذا دُقَّتَا.
* * *
٤٥٠٨ - عَنْ أَبي الطُّفَيْل ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله، كَانَ أَبْيضَ مَليحًا مُقَصَّدًا.
"كان أبيضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا".
(المَلِيحُ): الحَسَنُ، مِن: مَلُح الشيءُ - بالضم - يَمْلُح مُلوحةً ومَلاحةً؛ أي: حَسُنَ.
(المُقَصَّد): اسم مفعول من قُصِّدَ، إذا كان وسطًا بين الطُّول والقِصَر، والجَسامة والنَّحافة.
قال في "شرح السنة" و"الغريبين"؛ أي: ليس بجسيمٍ ولا قصيرٍ، وقيل: هو القَصْدُ من الرجال نحو الرَّبْعَة.
* * *
стр. 2790
٤٥٠٩ - وسُئِلَ أَنسٌ عنْ خِضَابِ رَسُولِ الله ﷺ فَقَال: إنّهُ لمْ يَبلُغْ ما يَخضبُ، لو شِئْتُ أنْ أعُدَّ شَمَطاتِهِ في لِحيَتِه.
وفي رِوَايَةٍ: لو شِئْتُ أَنْ أعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ في رَأسِهِ.
وفي رِوايَةٍ: إِنَّما كَانَ البَياضُ في عَنْفَقَتِهِ، وفي الصُّدْغَيْنِ، وفي الرَّأسِ نَبْذٌ.
قوله: "في الرأس نَبْذٌ"، قال في "الصحاح": في رأسه نَبْذٌ من شيب، وأصاب الأرض نَبْذٌ من مطر؛ أي: شيءٌ يسير؛ يعني: البياضُ في عَنْفَقَتِه، وفي صدْغَيه، وفي رأسِه ﷺ كان قليلاً، بحيث يسهلُ عَدُّ تلك الشَّعراتِ البيضِ.
* * *
٤٥١٠ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أزْهَرَ اللَّونِ، كأنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلؤُ، إذا مشَى تَكَفّأَ، وما مَسِسْتُ دِيباجَةً ولا حَريرَةً ألْيَنَ منْ كَفَّ رَسُول الله ﷺ ، ولا شَمِمْتُ مِسْكًا ولا عَنْبرًا أَطْيبَ مِنْ رائحةِ النَّبيِّ ﷺ .
قوله: "كأن عرقَه اللُّؤلُؤ، إذا مشى تَكفَّأ"، الحديث.
يعني: كان عَرَقُهُ ﷺ صافيًا في غاية الصفاء.
و (إذا مشى تكفَّأ) تكفُّؤًا؛ أي: تمايَلَ إلى قُدَّام، كما تَتَكَفَّأ السفينةُ في جَرْيها، والأصلُ فيه الهمزة، ثم تُرِكَت، ذَكَرَه في "الغريبين".
يعني: كان مشيُه ﷺ وسطًا، وكذا جميع أوصافهِ وسطٌ؛ لأنَّ طَرَفَي الأمورِ غيرُ محمود.
* * *
٤٥١١ - عَنْ أَنسٍ ﵁، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ ﵂: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ
стр. 2791
يأْتِيها فَيَقِيلُ عِندَها، فتَبْسُطُ نِطْعًا فيَقِيلُ عَلَيْهِ، وكَانَ كَثيرَ العَرَقِ، فكانتْ تجمعُ عَرَقَهُ فتجْعَلُهُ في الطَّيبِ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "يا أُمَّ سُلَيْمٍ! ما هَذَا؟ "، قَالَتْ: عَرَقُكَ نجْعَلُهُ في طِيبنا، وهوَ مِنْ أطْيَبِ الطَّيبِ.
وفي رِوَايَةٍ: قَالَتْ: يا رَسُولَ الله! نرجُو برَكَتَهُ لصِبْيانِنا، قَالَ: "أَصبْتِ".
قوله: "فيَقِيلُ عندَها، فتَبْسُطُ نِطعًا"، الحديث.
قَالَ يقِيل قَيلُولةً: إذا نامَ نِصْفَ النهار.
الضمير في (عندها) إلى أم سليم.
بَسَطَ يَبْسُطُ بَسْطًا: إذا فَرَشَ فراشًا.
(النِّطْعُ): فِراشٌ من الجِلْد.
قال في "الصحاح": فيها أربعُ لغات: نَطْعٌ ونَطَعٌ ونِطْعٌ ونِطَعٌ، وهذا دليلٌ على جواز التقرُّب إلى الله سبحانه بآثارِ المشايخ والعلماء والصلحاء.
قوله: "نرجو بركتَه لصبياننا، قال: أصبتِ".
(البركةُ): كثرةُ الخير ونماؤه.
(الصَّبيان): جمع صَبيًّ، وهو الغلام، وسِنُّ الصبيِّ في الشَّرْع إلى البلوغ، وفي الطَّبِّ: بعد النهوض، وقبلَ الشِّدَّة، وهو ألَاّ تكون الأسنان قد استوفتْ السقوط والنبات.
و (الإصابة): وجدان الصواب.
* * *
٤٥١٢ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ صَلاةَ الأُولى، ثُمَّ خَرَجَ إلى أهلِهِ وخرجْتُ مَعَهُ، فاستقْبَلَهُ وِلْدانٌ، فَجَعلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهمْ واحِدًا وَاحِدًا، وأمَّا أنا فَمسَح خَدِّي، قَالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أو رِيحًا كَأنَّما أخرَجَهَا منْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ.
стр. 2792
قوله: "صَلَّيتُ مع رسول الله ﷺ صلاةَ الأُولى" الحديث.
(صلاة الأُولَى): صلاة الظهر.
"خرج إلى أهله"؛ أي: خرجَ عن مسجده قاصِدًا إلى أهله.
"الاستقبال": التوجُّهُ إلى شيء.
"الوِلْدَان": جمع وليد، وهو الصبيُّ والعَبْد.
"فجعل يمسح"؛ أي: طَفِقَ يَمْسَح.
"الخدُّ": أحد جانبي الوجه.
"واحدًا واحدًا": نصب على الحال.
"فوجدتُ لِيَدِه بَرْدًا": البَرْدُ ها هنا: الراحةُ والطَّيب.
"جُؤْنَة العَطَّار": ظَرْفٌ فيه عِطْرٌ؛ يعني: إذا مسحَ ﷺ خَدَّيَّ بيدهِ وجدتُ رَوْحًا وراحةً من يَدِه، أو رائحةً طَيبةً زَكِيَّةً؛ يعني: إذا أخرجَ يدَه من كُمَّه ﷺ فكأنه أخرجَها من جُؤْنة العَطَّار.
وفيه دليلٌ على الترحُّم على الأهل والأولاد، والشَّفَقَةِ عليهم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٥١٣ - عَنْ عَلِيًّ بن أَبيْ طَاِلبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَيْسَ بالطَّويلِ ولا بالقَصِيرِ، ضَخْمَ الرَّأسِ واللِّحيةِ، شَثْنَ الكَفَّيْنِ والقَدمَيْن، مُشْرَبًا حُمْرَةً، ضَخْمَ الكَرادِيسِ، طَويلَ المَسْرُبَةِ، إِذَا مشَى تَكفّأَ تَكفُّأً كأنَّما يَنحطُّ منْ صَبَبٍ، لَمْ أرَ قبلَهُ ولا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ . صح.
قوله: "مُشْرَبٌ حُمْرَةً، ضَخْمَ الكَرَادِيس"، الحديث.
стр. 2793
قال الحافظ أبو موسى: مختلِطٌ بياضُه بالحُمْرة.
و (الإشرابُ): خَلْطُ لونٍ بلونٍ، وقد أُشْرِبَ حُمْرةً وصُفْرةً، والاسم: الشُّرْبة.
قال في "الغريبين": قال أبو بكر: معنى: ضَخْم الكَرَاديس: ضخمُ الأعضاء، والكَرَادِيس: رؤوسُ العظام، ويقال لكتائب الخيل: كراديس.
قال في "الصحاح": "المَسْرُبة" - بضم الراء -: الشعر المستدَقُّ الذي يأخذُ من الصَّدْر إلى السُّرَّة.
و"الصَّبَب": ما انحدرَ من الأرض، وجمعُه: أَصْباب.
قال في "شرح السنة": يريد: أنه كان يمشي مَشْيًا قويًا، يرفَعُ رِجْلَه من الأرض رفْعًا بائنًا، لا كمَنْ يمشِي اختيالاً، ويقارِبُ خطاه تَنَعُّمًا.
(البائن): الظاهر.
(الاختيال): التكبر.
(الخطا): جمع خطوة، وهي ما بين القدمين.
* * *
٤٥١٤ - وعَنْ عَلِيًّ ﵁، كَانَ إذا وصَفَ النَّبيَّ ﷺ ، قَالَ: لمْ يكُن بالطَّويلِ المُمَّغِطِ ولا بالقَصِيرِ المُتردِّدِ، كَانَ رَبْعةً منَ القَومِ، ولمْ يكُنْ بالجَعْدِ القَطَطِ ولا بالسَّبطِ، كَانَ جَعْدًا رَجِلاً ولم يكُن بالمُطَهَّمِ ولا بالمُكَلْثَمِ، وكانَ في وجْهِهِ تَدْويرٌ، أَبيَضُ مُشْرَبٌ، أدْعَجُ العَينَيْنِ، أَهْدَبُ الأَشْفارِ، جَلِيْلُ المُشَاشِ والكَتَدِ، أَجْرَدُ ذو مَسْرُبَةٍ، شَثْنُ الكفَّيْنِ والقَدمَيْنِ، إذا مشَى يَتقلَّعُ كأنَّما يمشِي في صَبَبٍ، وإذا التَفَتَ التَفَتَ مَعًا، بَيْنَ كتفَيْهِ خَاتَمُ النُّبوَّةِ، وهوَ خَاتَمُ النَّبيينَ، أَجْودُ النَّاسِ كَفًّا، وأَرْحبُهُمْ صَدْرًا، وأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وأليَنُهُمْ عَرِيْكَةً،
стр. 2794
وأَكْرمُهُمْ عَشيرةً، مَنْ رآهُ بَديهةً هَابَهُ، ومَنْ خَالَطَهُ مَعرِفةً أَحبَّهُ، يَقُولُ ناعِتُهُ: لَمْ أرَ قبلَهُ ولا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ .
قوله: "لم يكن بالطويل المُمَّغِط، ولا بالقصير المتردد"، الحديث.
(المُمَّغِط): البائنُ الطُّول.
قال أبو زيد: يقال: أَمْغَطَ النهارُ؛ أي: امتدَّ، وأمغطتُ الحبلَ فامتغطَ وامَّغَطَ.
وقال أبو تراب في كتاب "الاعتقاد": مُمَعَّطًا ومُمَغَّطًا بالعين والغين، ذكره في "الغريبين".
و"المتردِّد"؛ أي: الداخل بعضُه في بعضٍ قَصْرًا.
و"المطهَّم": البادِنُ الكثيرُ اللَّحْم.
و"المُكَلْثَم" من الوجوه: القصيرُ الحَنَك، الناتئُ الجبهة، المستديرُ الوجه، ولا يكون ذلك إلا مع كثرةِ اللَّحْم، والمعنى: أنه كان أَسِيلَ الخَدِّ، ولم يكنْ مُستديرَ الوَجْه.
و"الأَدْعَج": أسود العين.
و"الأَهْدَب": الطويل الأَشْفَار.
و"جَليل المُشَاش"؛ أي: عظيمُ رؤوس المناكبِ والعِظَام، و (المَشَاشُ): رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين.
و (الكَتَدُ): مَجْمَعُ الكَتِفَين وهو الكاهِلُ، ذكره في "شرح السنة".
(الحَنَك): ما تحت الذَّقْن من الإنسان، و (الدَّاني): القريب، و (الأَسِيل): الطويل.
قوله: "وإذا التفتَ التفتَ معًا"؛ يعني: إذا نظر كان ينظرُ بعينيه كما هو
стр. 2795
جميعًا، ولم يكن ينظرُ بطرف عينيه كما هو عادة المتكبرين وذَوِي الغَضَب.
قوله: "وأصدق الناسِ لهجةً، وألينُهم عَرِيكةً، وأكرمُهم عشيرةً"، الحديث.
(اللهجَة): طَرَفُ اللِّسان.
و (العَرِيكة): الطبيعة والجانب.
قال ابن الأعرابي: هي شِدَّة النَّفْس.
وقال الخليل: يقال: فلان لينُ العريكة: إذا كان سَلِسًا، لم يكن فيه إباء؛ يعني: إذا سُئِلَ أجاب.
و (العشيرةُ): الصُّحْبة، والعشير: الصاحب.
(البَدِيهة): المفاجأة، يقال: بَدَهْتُه بأمر: إذا فاجَأْته، ذكره في "شرح السنة".
و (الناعت): اسم فاعل مِن (نَعَتَ) إذا وصف.
قال الحافظ أبو موسى: النَّعْتُ: وصفُ الشيءِ بما فيه من حُسْنٍ.
قال الخليل: ولا يقال في المذموم إلا أنْ يتكلَّف مُتَكلِّفٌ، فيقول: نَعْتُ سُوْءٍ، فأما الوصف فيقال فيهما؛ يعني: في المحمود والمذموم، فكل نعتٍ وصفٌ، وليس كل وصفٍ نَعْتًا.
كان رسولُ الله ﷺ أصدقَ الناسِ كلامًا، وأحسنَهم طبعًا وخُلُقًا، وأكرمَهم صحبةً، فمنْ رآه أولَ ما رآه كان يمتلئ قلبهُ مهابةً منه، بحيث ما كان يقدِرُ أن ينظر إليه أُبَّهة وجَمالاً وعَظَمةً ووقارًا، فإذا بسطَه كان له الانبساطُ ببَسْطِه ﷺ ، وكان أحبَّ الناسِ إليه، فالحاصلُ أنه ﷺ كان مَجْمَعَ الكَمَالات ومنبعها في الصُّورة والمعنى.
* * *
стр. 2796
٤٥١٥ - عَنْ جَابرٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لَم يَسلُكْ طَرِيقًا فيَتبعُهُ أَحَدٌ إلَاّ عَرَفَ أنَّهُ قدْ سَلَكَهُ منْ طِيبِ عَرْفهِ.
قوله: "لم يَسْلُكْ طريقًا فيتبعُه أحدٌ"، الحديث.
(السُّلُوكُ): المشيُ والذَّهاب، تَبعَ يَتْبَعُ تَبَعًا وتَباعةً: إذا مشى خلفَه.
و (الطريقُ): السبيل.
(العَرْف) - بفتح العين -: الرائحةُ؛ يعني: ما كانَ رسولُ الله ﷺ يمشي في طريقٍ إلا وقد ظهرَ فيه رائحةُ طِيبهِ مِن مشيهِ ﷺ ، بحيث لو كان يمشي أحدٌ عَقِيبَ مَشْيه؛ لعرفَ أنه ﷺ مشى في ذلك الطريق؛ لشهرته بذلك.
وهذا ممَّا اختصَّ به ﷺ دون غيره من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.
* * *
٤٥١٦ - قِيلَ للرُّبَيعِ بنتِ مُعَوِّذِ بن عَفْراءَ ﵂: صِفي لَنَا رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَتْ: يا بنيَّ! لوْ رَأَيتَهُ رَأَيتَ الشَّمسَ طَالِعةً.
قوله: "صِفِي لنا رسولَ الله ﷺ "، (صِفِي): أمرُ مؤنَّثٍ حاضرةٍ، وهي الرُّبَيع، مِن: وصَفَ يصِفُ.
* * *
٤٥١٧ - وعَنْ جابرِ بن سَمُرةَ ﵁ قَالَ: رَأَيتُ رسُولَ الله ﷺ في لَيْلَةٍ إضْحِيانٍ، فجَعلتُ أنظُرُ إلى رَسُولِ الله ﷺ وإلى القَمرِ وعليهِ حُلَّةٌ حَمْراءُ فإذا هو أَحسنُ عندي مِنَ القَمرِ.
قوله: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ في ليلةٍ إضْحِيان، فجَعَلْتُ أَنْظُرُ"، الحديث.
стр. 2797
(في ليلة إِضْحِيَان)؛ أي: مُضيئة مُقْمِرة، يقال: ليلةٌ إِضْحِيَان وإِضْحِيَانة، ويومٌ ضحْيَان، ذكره في "الغريبين".
(جَعَلْتُ)؛ أي: طَفِقْتُ.
قوله: "وعليه حُلَّةٌ حمراء"؛ أي: حُلَّة فيها خطوطٌ حُمْر، كالحِبَرَة وغيرها من الثياب.
قال الخَطَّابي في "المَعَالم": قد نهى رسول الله ﷺ الرِّجَال عن لُبْسِ المُعَصْفَر، وكَرِهَ لهم الحُمْرَة في اللَّباس، فكان ذلك منصرِفًا إلى ما صُبغَ من الثياب بعد النَّسْج، فأما ما صُبغَ غَزْلهُ، ثم نُسِجَ، فغيرُ داخلٍ في النهي.
و (الحُلَل): إنما هي بُرودُ اليمنِ حمرٌ وصفرٌ وخُضْر، وما بين ذلك من الألوان، وهي لا تُصْبَغُ بعد النسج، ولكن يَصْبَغُ الغزلُ، ثم يُتَّخَذُ منه الحُلَل، وهي العَصْب، وسمَّيَ عصبًا؛ لأن غزله يُعْصَب، ثم يُصْبَغ، ثم يُنسَج، هذا كلُّه لفظ الخَطَّابي.
فالخَطَّابي - رحمة الله عليه - أشار بهذا البيان إلى أنَّ تلك الحُلَّةَ التي لَبسَها رسولُ الله ﷺ مما صُبغَ غَزْلُه، ثم نُسِجَ.
* * *
٤٥١٨ - عَنْ أبي هُريرةَ ﵁ قَالَ: ما رأيتُ شيئًا أحسنَ منْ رَسُولِ الله ﷺ كأنَّ الشَّمسَ تَجرِي في وجههِ، وما رأيتُ أحدًا أسرعَ في مَشْيهِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ كأنَّما الأرضُ تُطْوَى لهُ، إنَّا لَنُجْهِدُ أنفُسَنا، وإنَّه لَغيرُ مُكترِثٍ.
قوله: "إنا لنُجْهِدُ أَنْفُسَنا، وانه لغَيْرُ مُكْتَرِثٍ"، قال في "الصحاح": يقال: جَهَدَ دابَّتَه، وأَجْهَدَها: إذا حملَ عليها في السَّيْر فوق طاقتها.
و (إنه لغير مُكْتَرِثٍ): قيل؛ أي: غيرُ مُسْرعٍ، بحيث تلحَقُه مَشَقَّةٌ.
стр. 2798
يقال: كَرَثَه الأمرُ: إذا بلغَه منه مشقةٌ؛ يعني: كان رسول الله ﷺ إذا مشى بالعادة ما قدَرْنا أن نلحَقَه مسرعين في المشي، ولو كنَّا مُجْتَهِدين في ذلك.
* * *
٤٥١٩ - عن جَابرِ بن سَمُرةَ ﵁ قَالَ: كانَ في ساقَيْ رَسُولِ الله ﷺ حُمُوشَةٌ، وكانَ لا يضحكُ إِلَاّ تَبسُّمًا، وكُنْتُ إذا نظَرتُ إليهِ قُلتُ: أكْحَلُ العَينَيْنِ، وليسَ بأكْحَلَ.
قوله: "كان في ساقَي رسولِ الله ﷺ حُمُوشَةٌ، وكان لا يَضْحَكُ إلا تَبسُّمًا"، الحديث.
(الحموشة) بالحاء المهملة وبالشين المعجمة: الدقَّة، يقال: رجل أحمش الساقين: دقيقهما.
تبسَّم وبَسَم: إذا حرك شفته لابتداء الضحك، و (ضحك): إذا أظهر سنَّه مبالغة، ذكره في "تفسير اللباب"، والضحك إنما يظهر عند التعجب.
كَحَلَ عينَه وتكحَّل واكتحل: إذا جعل الكحل فيها.
يعني: كان رسول الله ﷺ طَلْقَ الوجه بسَّامًا، لكنه لا يضحك، وكان عينه كحلًا خِلْقةً؛ يعني: أكحل العينين من حيث الخلقةُ لا بالاكتحال، وهذا معنى قول الراوي: "وليس بأكحل"، و (أكحل) غير منصرف؛ لكونه وصفًا ووزنَ فعل.
قال في "الصحاح": الأكحل: الذي يعلو جفونَ عينه سوادٌ.
* * *
стр. 2799
٣ - باب في أَخْلاقِهِ وشَمَائِلِهِ ﷺ -
(باب في أخلاقه وشمائله ﷺ )
مِنَ الصِّحَاحِ:
(من الصحاح):
٤٥٢٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَدمتُ النَّبيَّ ﷺ عشرَ سِنينَ فما قَالَ لِي أُفًّ، ولا: لِمَ صَنَعتَ؟ ولا: ألا صَنَعتَ.
"فما قال لي أف، ولا لم صنعت، ولا ألا صنعت"، (الأُف) في أصل اللغة: وسخ الظفر والأذن، قال في "الغريبين": يقال لكل ما يُضجر منه ويستثقل: أفًّ له، وفيه عشر لغات: أُفُّ وأُفَّ وأُفِّ وأُفٌّ وأُفًّا وأُفًّ وأُفَّهْ، إِفًّ لك - بكسر الهمزة -، وأُفْ - بضم الهمزة وتسكين الفاء -، وأُفَّى، هذا كله في "الغريبين".
فالثلاثة الأُول غيرُ منوَّنة، والثلاثة الثانية منونةٌ، والسابعُة بالهاء، والعاشرة (أُفَّى) على وزن فُعلى، والهمزة مضمومة في الكل إلا في الثانية، كما ذكر.
قال ابن الجوزي في "تفسيره": معنى (أف): النتن والتضجُّر، وأصلها: نفخك الشيء ليسقط عنك من ترابٍ ورماد، ونفخُك المكان تريد إماطة الأذى عنه، فقيل لكلِّ مستثقَلٍ.
و (لَم): حرفٌ يستفهم به، وأصله: (لِمَا)، ثم حذفت منه الألف فرقًا بين (ما) الاستفهامية و (ما) الخبرية إذا دخل عليهما حرفُ الجر؛ لأنه أكثر استعمالًا فخصَّ بالحذف، ولأنه غير حتى يصير كأنه ليس بما الذي يجب تصدُّره.
و (ألا): حرف تحضيضٍ، معناه: لمَ لا؛ يعني: ما قال لي رسول الله ﷺ -
стр. 2800
قط ما كان فيه أدنى تبرُّمٍ وملالٍ مدةَ ما خدمْتُه، ولا لشيء فعلتُه قال لي: لمَ فعلْتَه، ولا لشيء لم أفعله - وكنت مأمورًا به - قال لي: لِمَ لمْ تفعل.
وهذا الحديث مستَنَد أهل التحقيق الذين لا ينظرون إلى أفعالهم ولا إلى أفعال جميع الخلائق في سائر أحوالهم، بل ينظرون إلى فعل الحق - تعالى وتقدس - لا على عقيدة الجبرية، بل يقطعون الوسائط والأسباب بما لهم من المكاشفة والوجدان، وهؤلاء يسمَّون بلسان الصوفية: الأولياء بالأفعال.
* * *
٤٥٢١ - وقَالَ أَنسٌ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ أَحْسنِ النَّاسِ خُلُقًا، فأرسَلَنِي يومًا لِحاجَةٍ، فقلتُ: والله لا أذهبُ، وفي نفسِي أنْ أذهبَ لِما أمرَنِي بهِ رَسُولُ الله ﷺ ، فخَرجتُ حتى أمُرَّ على صبيانٍ وهُمْ يَلعبونَ في السُّوقِ، فإذا رَسُولُ الله ﷺ قدْ قَبضَ بِقَفايَ مِنْ ورائِي، قَالَ: فنظرتُ إليهِ وهو يَضحكُ فقال: "يا أُنَيْسُ! ذَهَبْتَ حيثُ أَمَرتُكَ؟ "، قُلتُ: نعمْ، أنا أذهبُ يا رَسُولَ الله!
قوله: "قد قبض بقفاي من ورائي" الحديث.
"قبض": إذا أخذ، "القفا" مقصورًا: مؤخَّر العنق، يذكَّر ويؤنث، و"وراء" - ممدودًا - بمعنى: خلف، وقد يكون بمعنى قدَّام، وهو من الأضداد، ذكره في "الصحاح"، وهي ها هنا بمعنى خلف، و"أنيس": تصغير أنس.
قول أنس: "نعم أنا أذهب" - في جواب رسول الله ﷺ لمَّا قال له "ذهبت" معناه: أذهبت إلى مأموري؟ فقال له: (نعم) - يُوِهمُ أنه ذهب، وإن كان ما ذهب، لكن لمَّا عزم على الذهاب عليه صح أن يقول: نعم، إذ المأمول كالموجود، ثم صرح بقوله: (أنا أذهب).
* * *
стр. 2801
٤٥٢٢ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنتُ أَمشِي معَ رَسُولِ الله ﷺ وعليهِ بُرْدٌ نَجْرانِيٌّ غليظُ الحاشِيَةِ، فأدركَهُ أعرابيٌّ فجَبذَهُ بردائِهِ جَبْذَةً شَدِيدةً، رَجَعَ نبيُّ الله في نَحْرِ الأَعْرابيِّ، حتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عاتِقِ رَسُولِ الله ﷺ قد أثَّرَتْ بها حَاشِيَةُ البُرْدِ منْ شِدَّةِ جَبْذَتِه، ثُمَّ قَالَ: يا مُحَمَّدُ! مُرْ لي منْ مالِ الله الذي عِندَكَ، فالتفَتَ إليهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ ضحِكَ، ثمَّ أمرَ لهُ بعَطاءٍ.
قوله: "وعليه برد نجراني غليظ الحاشية" الحديث.
"نجران": بلد باليمن. "حاشية" كل شيء: طرفه. "أدرك": إذا لحق. "جبذ" وجذب بمعنى. "النحر": موضع القلادة من الصدر. "الصفحة": الجانب.
يعني: جر أعرابي رسول الله ﷺ بردائه من خلفه جرًا شديدًا، بحيث رجع في نحره؛ يعني: اصطدم بنحره، وصار عاتقه متأثرًا من شدة جره بحاشية بُرْدِه ﷺ ، فلما التفت إليه طلب منه شيئًا من الزكاة، فضحك، وأمر له بالإعطاء.
وفيه إشارة إلى أنَّ مَن ولي على قوم يُستحبُّ له الاحتمال من أذاهم، والاحتمالُ في نفس الأمر حسن، ومن الحكام أحسن.
* * *
٤٥٢٣ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ أَحْسنَ النَّاسِ، وأجودَ النَّاسِ، وأشجَعَ النَّاسِ، ولقد فَزِعَ أهلُ المَدِينةِ ذَاتَ لَيلةٍ، فانطلقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوتِ، فاستقبلَهُم النَّبيُّ ﷺ قدْ سَبقَ الناسَ إلى الصَّوتِ، وهو يقول: "لَمْ تُراعُوا, لَمْ تُراعُوا"، وهوَ على فرسٍ لأبي طَلْحةَ عُرْيٍ ما عليهِ سَرجٌ، في عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: "لقدْ وجدْتُهُ بَحْرًا".
وقوله: "ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة" الحديث.
قال في "شرح السنة": معناه: استغاثوا، والفزع يكون بمعنى الخوف،
стр. 2802
ويكون بمعنى الاستغاثة.
قال أصحاب اللغة: يقال: فَزِعَ منه: إذا خاف، وفَزِعَ إليه: إذا استغاث والتجأ، ومنه المَفْزَع؛ أي: الملجأ.
"ذات ليلة"؛ أي: في ليلة. "انطلق": ذهب. "قبل الصوت": جانبه.
"الاستقبال": التوجه إلى شيء.
راع يَرُوعُ رَوْعًا: إذا خاف.
قال في "شرح السنة": يقال: فرسٌ عُرْيٌ وخيلٌ أَعْرَاء، ولا يقال: رجلٌ عُرْيٌ، ولكن عُرْيان، والعُرْي: مصدرٌ في الأصل وُصف به، ومعنى قوله: "فرس عُرْي": ليس عليه سرج.
قال في "الصحاح": عَرِيَ من ثيابه يَعْرَى عُرْيًا، فهو عارٍ وعُرْيان، والمرأة عُريانة، وما كان على فُعلان مؤنَّثه بالهاء.
ويقال للفرس: إنه لبحر؛ أي: واسع الجري، وإنما شبهه بالبحر؛ لأن البحر إذا كانت الريح طيبة يستريح مَن يركب فيه، فكذلك الفرس إذا كان جوادًا ولم يكن شموسًا يستريح راكبه، ويسيره كما يشاء بلا تعب.
* * *
٤٥٢٤ - وقَالَ جَابرٌ ﵁: ما سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ شَيئًا قطُّ فَقَالَ: لا.
قوله: "ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال لا"، (قطُّ) معناه: للماضي من الزمان، بخلاف (عَوْض)؛ فهو للمستقبل من الزمان، تقول: قطُّ ما فارقتك، وعَوْضُ لا أفارقك، ولا يجوز أن تقول: قط ما أفارقك، كما لا يجوز أن تقول: عوض ما فارقتك، ذكره في "الصحاح".
يعني: ما كان من شأنه ﷺ أن يرد السائل أبدًا، بل كان يعطي السائل إذا
стр. 2803
حضر عنده شيء من الأموال، وإلا كان يجيب بنعم.
* * *
٤٥٢٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ رَجُلاً سَألَ النَّبيَّ ﷺ غَنَمًا بينَ جبلَيْنِ فأعطَاهُ إيَّاهُ، فأتَى قَوْمَهُ فَقَال: أيْ قومِ! أسْلِمُوا، فَوَالله إنَّ مُحمَّدًا ليُعطِي عَطاءً ما يَخافُ الفقرَ.
قوله: "أي قوم أسلموا"، أي: للنداء، وهي للقريب. و (قومِ) - بكسر الميم - أصله: قومي، فحذفت الياء اكتفاء بكسرة الميم، والإسلام في اللغة: الانقياد والاستسلام، وفي الشرع: تصديق ما جاء به رسول الله ﷺ ، وهو والإيمان سواءٌ عند الجمهور.
و"ما يخاف": جواب القسم.
* * *
٤٥٢٦ - عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ ﵁: بيْنَمَا هو يَسيرُ معَ رَسُولِ الله ﷺ مَقْفَلَهُ منْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَتِ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حتَّى اضْطَرُّوهُ إلى سَمُرَةٍ فخطِفَتْ رداءَهُ، فوقَفَ النَّبيُّ ﷺ فقال: "أعطُوني رِدَائِي، لوْ كَانَ لي عَددُ هذِه العِضَاهِ نَعَمًا لَقسمْتُهُ بينكُمْ، ثمَ لا تَجِدُونَنِي بَخيلًا ولا كَذوبًا ولا جَبانًا".
قوله: "مَقْفَلَه من حنين" الحديث.
"المَقفَل" بفتح الميم والفاء: مصدر ميمي، من (قفل يَقْفُل): إذا رجع من السفر.
و"حُنين" بضم الحاء: موضعٌ بين مكة والطائف.
و"فعلقت الأعراب"؛ أي: طفقوا، وقيل: نشبوا.
стр. 2804
يقال: اضْطَرَّه إليه: ألجأه، وأصل اضْطَرَّ: اضْتَرَّ، فقلبت التاء طاء للتجانس.
و"السَّمُرة": من شجرة الطَّلْح، وسَمُر وسَمُرات جمع، ذكره في "منتخب الصحاح".
خَطِفَ يَخْطَف: إذا استلب.
قوله: "لو كان لي عَدَدَ هذه العضاه نَعَمٌ"، (نعم) اسم (كان)، و (لي) خبره واجب التقديم، و (عدد) منصوبٌ على المصدر؛ أي: لو كان لي نعمٌ تعدُّ عددَ هذه العِضَاه لقسمتها بينكم ولا أبالي، ويجوز أن ينصب على نزع الخافض؛ أي: لو كان لي نعمٌ بعدد هذه، فحذفت الباء، ثم نصب.
وقوله: "ثم لا تجدوني بخيلًا" بمعنى: لا تعلموني بخيلًا, و (بخيلًا) مفعوله الثاني، "ولا كذوبًا": عطف عليه، وكذا "ولا جبانًا".
واعلم أن وجودك للشيء قد يكون بالحواس الخمس، وقد يكون بالعلم والبصيرة، فإذا وجدته بالعلم والبصيرة يتعدى إلى مفعولين؛ لأنك عرفت ذلك الشيء على صفة (١)، وهو كما ذكر، وإذا وجدته بأحد الحواس يتعدَّى إلى مفعول واحد، كقولك: وجدت الضالة.
يعني: إذا رجع رسول الله ﷺ من غزوة حنين، طفقت الأعراب يسألونه شيئًا من النعم، وقد أحاطوا به ﷺ حتى ألجؤوه إلى شجرةٍ ذات شوكٍ من أشجار تلك البادية، فتعلق رداؤه بها، فوقف، ثم من غاية خُلُقه العظيم قال: "أعطوني ردائي، لو كان لي نعم بعدد هذه العضاه" يريد به الكثرة "لقسمته بينكم".
стр. 2805
ثم عرفهم السخاوة له والصدق والشجاعة فقال: (ثم لا تجدوني) الحديث؛ يعني: إذا جربتموني في الوقائع لا تجدوني متصفًا بالأوصاف الرذيلة، وفيه دليلٌ على جواز تعريف نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه؛ ليعتمد عليه.
قال في "الغريبين": العضاه: شجر أم غيلان، وقيل: كل شجر له شوك يَعْظُمُ، وهي جمع عِضَة، وأصلها: عِضَهة.
* * *
٤٥٢٧ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذا صلَّى الغَداةَ جَاءَ خَدمُ المَدِينةِ بآنِيَتهِمْ فيها المَاءُ، فَمَا يأتُونَ بإناءٍ إلَّا غَمسَ يَدهُ فِيْها، فرُبَّما جَاؤُوهُ في الغَداةِ البَارِدَةِ فيَغمسُ يَدهُ فيها.
قوله: "إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم" الحديث.
"صلاة الغداة": صلاة الصبح. "الخَدَم" بفتح الخاء والدال: جمع خادم غلامًا كان أو امرأة. "الآنية": جمع إناء، غمسه في الماء يبلُّه فانغمس؛ يعني: كان خدم المدينة يأتون بالأواني التي فيها الماء إلى رسول الله ﷺ ليغمس فيها يده متبركين لذلك، وكان رسول الله ﷺ يغمس في كل واحد من الأواني ولو جاؤوا بها في الغداة الباردة.
وفيه دليل على جواز أن يُطلب مثلُ ذلك وغيرُه ممَّا يُتبرك به من العلماء والصلحاء.
* * *
٤٥٢٨ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: كانتِ الأمَةُ منْ إمَاءِ أَهْلِ المَدِينةِ لَتأخذُ بيدِ رَسُولِ الله ﷺ فتنطَلِقُ بهِ حيثُ شاءَتْ.