٤٥٢٢ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنتُ أَمشِي معَ رَسُولِ الله ﷺ وعليهِ بُرْدٌ نَجْرانِيٌّ غليظُ الحاشِيَةِ، فأدركَهُ أعرابيٌّ فجَبذَهُ بردائِهِ جَبْذَةً شَدِيدةً، رَجَعَ نبيُّ الله في نَحْرِ الأَعْرابيِّ، حتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عاتِقِ رَسُولِ الله ﷺ قد أثَّرَتْ بها حَاشِيَةُ البُرْدِ منْ شِدَّةِ جَبْذَتِه، ثُمَّ قَالَ: يا مُحَمَّدُ! مُرْ لي منْ مالِ الله الذي عِندَكَ، فالتفَتَ إليهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ ضحِكَ، ثمَّ أمرَ لهُ بعَطاءٍ.
قوله: "وعليه برد نجراني غليظ الحاشية" الحديث.
"نجران": بلد باليمن. "حاشية" كل شيء: طرفه. "أدرك": إذا لحق. "جبذ" وجذب بمعنى. "النحر": موضع القلادة من الصدر. "الصفحة": الجانب.
يعني: جر أعرابي رسول الله ﷺ بردائه من خلفه جرًا شديدًا، بحيث رجع في نحره؛ يعني: اصطدم بنحره، وصار عاتقه متأثرًا من شدة جره بحاشية بُرْدِه ﷺ ، فلما التفت إليه طلب منه شيئًا من الزكاة، فضحك، وأمر له بالإعطاء.
وفيه إشارة إلى أنَّ مَن ولي على قوم يُستحبُّ له الاحتمال من أذاهم، والاحتمالُ في نفس الأمر حسن، ومن الحكام أحسن.
* * *
٤٥٢٣ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ أَحْسنَ النَّاسِ، وأجودَ النَّاسِ، وأشجَعَ النَّاسِ، ولقد فَزِعَ أهلُ المَدِينةِ ذَاتَ لَيلةٍ، فانطلقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوتِ، فاستقبلَهُم النَّبيُّ ﷺ قدْ سَبقَ الناسَ إلى الصَّوتِ، وهو يقول: "لَمْ تُراعُوا, لَمْ تُراعُوا"، وهوَ على فرسٍ لأبي طَلْحةَ عُرْيٍ ما عليهِ سَرجٌ، في عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: "لقدْ وجدْتُهُ بَحْرًا".
وقوله: "ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة" الحديث.
قال في "شرح السنة": معناه: استغاثوا، والفزع يكون بمعنى الخوف،
стр. 2802
ويكون بمعنى الاستغاثة.
قال أصحاب اللغة: يقال: فَزِعَ منه: إذا خاف، وفَزِعَ إليه: إذا استغاث والتجأ، ومنه المَفْزَع؛ أي: الملجأ.
"ذات ليلة"؛ أي: في ليلة. "انطلق": ذهب. "قبل الصوت": جانبه.
"الاستقبال": التوجه إلى شيء.
راع يَرُوعُ رَوْعًا: إذا خاف.
قال في "شرح السنة": يقال: فرسٌ عُرْيٌ وخيلٌ أَعْرَاء، ولا يقال: رجلٌ عُرْيٌ، ولكن عُرْيان، والعُرْي: مصدرٌ في الأصل وُصف به، ومعنى قوله: "فرس عُرْي": ليس عليه سرج.
قال في "الصحاح": عَرِيَ من ثيابه يَعْرَى عُرْيًا، فهو عارٍ وعُرْيان، والمرأة عُريانة، وما كان على فُعلان مؤنَّثه بالهاء.
ويقال للفرس: إنه لبحر؛ أي: واسع الجري، وإنما شبهه بالبحر؛ لأن البحر إذا كانت الريح طيبة يستريح مَن يركب فيه، فكذلك الفرس إذا كان جوادًا ولم يكن شموسًا يستريح راكبه، ويسيره كما يشاء بلا تعب.
* * *
٤٥٢٤ - وقَالَ جَابرٌ ﵁: ما سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ شَيئًا قطُّ فَقَالَ: لا.
قوله: "ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال لا"، (قطُّ) معناه: للماضي من الزمان، بخلاف (عَوْض)؛ فهو للمستقبل من الزمان، تقول: قطُّ ما فارقتك، وعَوْضُ لا أفارقك، ولا يجوز أن تقول: قط ما أفارقك، كما لا يجوز أن تقول: عوض ما فارقتك، ذكره في "الصحاح".
يعني: ما كان من شأنه ﷺ أن يرد السائل أبدًا، بل كان يعطي السائل إذا
стр. 2803
حضر عنده شيء من الأموال، وإلا كان يجيب بنعم.
* * *
٤٥٢٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ رَجُلاً سَألَ النَّبيَّ ﷺ غَنَمًا بينَ جبلَيْنِ فأعطَاهُ إيَّاهُ، فأتَى قَوْمَهُ فَقَال: أيْ قومِ! أسْلِمُوا، فَوَالله إنَّ مُحمَّدًا ليُعطِي عَطاءً ما يَخافُ الفقرَ.
قوله: "أي قوم أسلموا"، أي: للنداء، وهي للقريب. و (قومِ) - بكسر الميم - أصله: قومي، فحذفت الياء اكتفاء بكسرة الميم، والإسلام في اللغة: الانقياد والاستسلام، وفي الشرع: تصديق ما جاء به رسول الله ﷺ ، وهو والإيمان سواءٌ عند الجمهور.
و"ما يخاف": جواب القسم.
* * *
٤٥٢٦ - عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ ﵁: بيْنَمَا هو يَسيرُ معَ رَسُولِ الله ﷺ مَقْفَلَهُ منْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَتِ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حتَّى اضْطَرُّوهُ إلى سَمُرَةٍ فخطِفَتْ رداءَهُ، فوقَفَ النَّبيُّ ﷺ فقال: "أعطُوني رِدَائِي، لوْ كَانَ لي عَددُ هذِه العِضَاهِ نَعَمًا لَقسمْتُهُ بينكُمْ، ثمَ لا تَجِدُونَنِي بَخيلًا ولا كَذوبًا ولا جَبانًا".
قوله: "مَقْفَلَه من حنين" الحديث.
"المَقفَل" بفتح الميم والفاء: مصدر ميمي، من (قفل يَقْفُل): إذا رجع من السفر.
و"حُنين" بضم الحاء: موضعٌ بين مكة والطائف.
و"فعلقت الأعراب"؛ أي: طفقوا، وقيل: نشبوا.
стр. 2804
يقال: اضْطَرَّه إليه: ألجأه، وأصل اضْطَرَّ: اضْتَرَّ، فقلبت التاء طاء للتجانس.
و"السَّمُرة": من شجرة الطَّلْح، وسَمُر وسَمُرات جمع، ذكره في "منتخب الصحاح".
خَطِفَ يَخْطَف: إذا استلب.
قوله: "لو كان لي عَدَدَ هذه العضاه نَعَمٌ"، (نعم) اسم (كان)، و (لي) خبره واجب التقديم، و (عدد) منصوبٌ على المصدر؛ أي: لو كان لي نعمٌ تعدُّ عددَ هذه العِضَاه لقسمتها بينكم ولا أبالي، ويجوز أن ينصب على نزع الخافض؛ أي: لو كان لي نعمٌ بعدد هذه، فحذفت الباء، ثم نصب.
وقوله: "ثم لا تجدوني بخيلًا" بمعنى: لا تعلموني بخيلًا, و (بخيلًا) مفعوله الثاني، "ولا كذوبًا": عطف عليه، وكذا "ولا جبانًا".
واعلم أن وجودك للشيء قد يكون بالحواس الخمس، وقد يكون بالعلم والبصيرة، فإذا وجدته بالعلم والبصيرة يتعدى إلى مفعولين؛ لأنك عرفت ذلك الشيء على صفة (١)، وهو كما ذكر، وإذا وجدته بأحد الحواس يتعدَّى إلى مفعول واحد، كقولك: وجدت الضالة.
يعني: إذا رجع رسول الله ﷺ من غزوة حنين، طفقت الأعراب يسألونه شيئًا من النعم، وقد أحاطوا به ﷺ حتى ألجؤوه إلى شجرةٍ ذات شوكٍ من أشجار تلك البادية، فتعلق رداؤه بها، فوقف، ثم من غاية خُلُقه العظيم قال: "أعطوني ردائي، لو كان لي نعم بعدد هذه العضاه" يريد به الكثرة "لقسمته بينكم".
стр. 2805
ثم عرفهم السخاوة له والصدق والشجاعة فقال: (ثم لا تجدوني) الحديث؛ يعني: إذا جربتموني في الوقائع لا تجدوني متصفًا بالأوصاف الرذيلة، وفيه دليلٌ على جواز تعريف نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه؛ ليعتمد عليه.
قال في "الغريبين": العضاه: شجر أم غيلان، وقيل: كل شجر له شوك يَعْظُمُ، وهي جمع عِضَة، وأصلها: عِضَهة.
* * *
٤٥٢٧ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذا صلَّى الغَداةَ جَاءَ خَدمُ المَدِينةِ بآنِيَتهِمْ فيها المَاءُ، فَمَا يأتُونَ بإناءٍ إلَّا غَمسَ يَدهُ فِيْها، فرُبَّما جَاؤُوهُ في الغَداةِ البَارِدَةِ فيَغمسُ يَدهُ فيها.
قوله: "إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم" الحديث.
"صلاة الغداة": صلاة الصبح. "الخَدَم" بفتح الخاء والدال: جمع خادم غلامًا كان أو امرأة. "الآنية": جمع إناء، غمسه في الماء يبلُّه فانغمس؛ يعني: كان خدم المدينة يأتون بالأواني التي فيها الماء إلى رسول الله ﷺ ليغمس فيها يده متبركين لذلك، وكان رسول الله ﷺ يغمس في كل واحد من الأواني ولو جاؤوا بها في الغداة الباردة.
وفيه دليل على جواز أن يُطلب مثلُ ذلك وغيرُه ممَّا يُتبرك به من العلماء والصلحاء.
* * *
٤٥٢٨ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: كانتِ الأمَةُ منْ إمَاءِ أَهْلِ المَدِينةِ لَتأخذُ بيدِ رَسُولِ الله ﷺ فتنطَلِقُ بهِ حيثُ شاءَتْ.
стр. 2806
قوله: "كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ" الحديث.
"انطلق": إذا ذهب، وانطلق به: إذا أذهبه؛ يعني: لو أتى رسولَ الله ﷺ عبدٌ أو أمةٌ لحاجة لقضى حاجته، ولو دعاه إلى شغل لأجابه، بحيث لو كان يأخذ بيده ﷺ فيذهب به حيث شاء لَمَا أبى، تكريمًا وتفضُّلاً عليه ﷺ .
* * *
٤٥٢٩ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ امرَأةً كَانتْ في عَقْلِها شيءٌ، فقَالَت: يا رَسُولَ الله! إنَّ لي إليكَ حَاجَةً، فَقَال: "يا أُمَّ فُلانٍ! انظُري أيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حتَّى أقْضيَ لكِ حاجَتَكِ"، قال: فخَلا مَعَها في بَعْضِ الطُّرُقِ حتَّى فَرغَتْ منْ حَاجتِها.
قوله: "أي السكك شئت"، (السكك): جمع سكة، وهي ها هنا بمعنى الزقاق، والزقاق يذكَّر ويؤنَّث.
* * *
٤٥٣٠ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لم يكُنْ رَسُولُ الله ﷺ فاحِشًا ولا لعَّانًا ولا سَبَّابًا، كانَ يَقُولُ عندَ المَعْتَبَةِ: "ما لَهُ؟ تَرِبَ جَبينُه".
قوله: "كان يقول عند المعتبة: ما له؟ ترب جبينه"، (المعتبة): مَفْعَلة من عتِب يعتَب: إذا غضب، وهي الخصلة التي تجر العتب، كالمنجلة والمندمة (١) وغير ذلك.
قيل: المعنى بقوله: "ترب جبينه": السجود لله ، دعاء له بكثرة العبادة، وقيل: أراد بهذه الكلمة ما يراد بـ (تربت يمينه)؛ لِمَا فيهما من
стр. 2807
احتمال الدعاء عليه وله.
* * *
٤٥٣١ - عَنْ أَبي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: قيلَ: يا رَسُولَ الله! ادْعُ على المُشركينَ، قَالَ: "إنَّي لمْ أُبعثْ لعَّانًا، وإنَّما بُعِثتُ رَحْمةً".
قوله: "وإنما بعثت رحمة"، (إنما): للحصر؛ يعني: ما بعثت إلا رحمة للعالمين، أما كونه ﷺ رحمة للمؤمنين فظاهر، وكونه رحمة للكافر؛ فلا يعجل الله في عقوبته في الدنيا؛ لوجوده ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
* * *
٤٥٣٢ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ الخُدْرِيّ ﵁ قال: كانَ النَّبيُّ ﷺ أشدَّ حَياءً مِنَ العَذْراءِ في خِدْرِها، فإذا رَأَى شَيئًا يكرَهُهُ عَرَفْناهُ في وجههِ.
قوله: "كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها"، (العذراء): البكر، و (الخِدر) بكسر الخاء: الستر؛ يعني: كان النبي ﷺ أكثر حياء من البكر المخدَّرة التي من شأنها الحياء.
* * *
٤٥٣٣ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رأيتُ النبيَّ ﷺ مُستجْمِعًا قطُّ ضاحِكًا حتى أَرى منهُ لهَوَاتِهِ، إنَّما كانَ يَتبسَّمُ.
قوله: "ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا قط ضاحكًا" الحديث.
يقال: استجمع السيل: اجتمع من كل موضع، واستجمع الفرس جريًا؛ يعني: ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكًا كلَّ الضحك؛ يعني: ما ضحك بالقهقهة
стр. 2808
حتى أرى منه لهواته.
و"اللهوات": جمع لهاة، وهي ما في أقصى سقف الفم، كاللثة.
"كان يتبسم"، والتبسُّم دون الضحك.
* * *
٤٥٣٤ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ لمْ يكُنْ يَسرُدُ الحَدِيثَ كَسْردِكُمْ، كانَ يُحدَّثُ حَدِيثًا لو عَدَّهُ العَادُّ لأَحصَاهُ.
قوله: "لم يكن يسرد الحديث كسردكم، كان يحدَّث حديثًا لو عدَّه العادُّ لأحصاه" يقال: فلان يسرد الأحاديث سردًا؛ أي: يتابعها، ومثله: يسرد الصيام سردًا؛ أي: يواليه، ذكره في "الغريبين".
أحصى يحصي إحصاء: إذا عدَّ؛ يعني: ما كان أحاديثه ﷺ متتابعة بعضها في أثر بعض، كما هو عادة الناس في التحديث والإخبار، بل كان يفصل بين الكلامين في الإخبار حتى لا يشتبه على المستمع بعض كلامه ببعض؛ يعني: كان يتكلم بكلام مفهوم واضح في غاية الإيضاح والبيان.
قال في "شرح السنة": "ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردَكم هذا، ولكنه يتكلم بكلام بينه فصلٌ، يحفظه مَن جلس".
هذا دليل على المعنى الذي ذكر، وكان قليل الكلام بحيث لو أراد شخص أن يعدَّ أحاديثه لقدر أن يعدَّها بالسهولة.
* * *
٤٥٣٥ - وسُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂: ما كانَ النَّبيُّ ﷺ يَصنعُ في بيتهِ؟ قَالَت: كانَ يَكُونُ في مَهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعنِي: خِدمَةَ أَهْلهِ - فإذا حَضرتْ الصَّلاةُ خرجَ إلى الصَّلاة.
стр. 2809
قولها: "كان يكون في مَهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة" قال في "الصحاح": (المَهنة) بالفتح: الخدمة. وحكى أبو زيد، والكسائي: (المِهنة) بالكسر، وأنكره الأصمعي.
يعني: كان رسول الله ﷺ يشتغل بمصالح أهله وعياله في بيته، فإذا جاء وقت الصلاة خرج إليها.
* * *
٤٥٣٦ - وعَنْها قَالَتْ: "ما خُيرَ رَسُولُ الله ﷺ بينَ أمرَيْنِ قطُّ إلَّا أخذَ أيسَرَهُما, ما لمْ يكُنْ إِثْمًا، فإنْ كانَ إِثْمًا كانَ أبعدَ النَّاسِ منهُ، وما انتقمَ رَسُولُ الله ﷺ لنفسِهِ في شَيءٍ قَطُّ، إلَّا أنْ تُنْتَهكَ حُرمَةُ الله فيَنتقِمَ لله بها.
قولها: "وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط" الحديث.
(نقم): إذا كره وأنكر، و (انتقم): إذا عاقب أحدًا لنفسه.
قال في "الصحاح": (انتهاك الحرمة): تناولُها بما لا يحل، يقال: فلانٌ انتهك محارم الله؛ أي: فَعَل ما حرَّم الله فِعْلَه.
يعني: ما كان رسول الله ﷺ يعاقب أحدًا لنفسه؛ أي: في شيء يتعلق بنفسه, بل إذا أذنب أحد ذنبًا من الكبائر عاقبه لله سبحانه حدًا.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٥٣٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: لمْ يكُنْ رَسُولُ الله ﷺ فاحِشًا ولا مُتفحِّشًا، ولا سخَّابًا في الأَسْواقِ، ولا يَجزِي بالسَّيئةِ السَّيئةَ، ولكنْ يَعْفُو ويَصفحُ.
قولها: "لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا ولا سخابًا في
стр. 2810
الأسواق"، (الفاحش): ذو الفحش، كتامِرٍ ولابن؛ أي: ذو تمرٍ، وذو لبن، و (المتفحش) بتاء: المتكلَّف؛ أي: الذي يتكلف الفحش ويتعمده.
و (السَّخاب): كثير السَّخَب، وهو الصياح، والسَّخَب والصَّخَب بمعنًى.
و (الأسواق): جمع سوق، وهو موضع التجارة، وهو يذكَّر ويؤنث.
* * *
٤٥٤٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ يُحدِّثُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ كَانَ يَعُودُ المَرِيضَ، ويتْبعُ الجَنَازَةَ، ويُجيبُ دَعوةَ المَمْلُوكِ، ويَركَبُ الحِمَارَ، لقدْ رأيتُهُ يومَ خَيْبَرَ على حِمارٍ خِطامُه لِيفٌ.
قوله: "لقد رأيته يوم خيبر على حمارٍ خطامُه ليف"، (خيبر): موضع بالحجاز، ذكره في "الصحاح"، و (الخطام): الزمام. و (اللَّيف): خوص النخل، الواحدة: ليفة، وفيه دليلٌ على أن الركوب على الحمار سنة.
* * *
٤٥٤١ - وعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْصِفُ نَعلَهُ، ويَخِيطُ ثوبَهُ، ويَعمَلُ في بيتِه كَمَا يَعْمَلُ أحدُكُمْ في بيتِهِ.
قولها "يخصف نعله، ويخيط ثوبه"، (الخصف): ترقيع النعل طاقةً على طاقةٍ، وأصل (الخصف): الضم؛ يعني: كان رسول الله ﷺ يباشر ما يحتاج إليه من خصف النعل وخياطة الثوب وغير ذلك بيده الشريفة، تنزُّهًا عن التكبر والتكلف، كما قال: "أنا وأتقياء أمتي بُرآءُ من التكلف".
* * *
٤٥٤٢ - وقَالَتْ: كَانَ بَشَرًا منَ البشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، ويَحلُبُ شَاتَهُ، ويَخدُمُ نفسَهُ.
стр. 2811
قولها: "كان بشرًا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه" قال في "الصحاح": (البَشَر): الخلق، ويريد به: أولاد آدم، و (الفلي): النظر في الرأس أو في الثوب: هل فيه شيء من القمل؟
يعني: كان رسول الله ﷺ واحدًا من أولاد آدم من حيث الظاهر، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] وكان يعمل بيده ما يعنُّ له من الحوائج كما ذكر قبل، لكنه مخصوصٌ من حيث المعنى بالنبوة والرسالة والقرب من الله سبحانه ما لا يفوز به أحد من الرسل والملائكة، كما قال: "لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملكٌ مقرَّب ولا نبي مرسل".
* * *
٤٥٤٣ - وقِيْلَ لِزَيدِ بن ثَابتٍ ﵁: حدِّثْنا أَحَاديثَ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: كُنْتُ جَارَهُ، فكَانَ إذا نزلَ عَلَيهِ الوَحْيُ بعثَ إليَّ فكتَبْتُهُ لَهُ، وكانَ إذا ذَكَرْنا الدُّنْيا ذَكرَها مَعنا، وإذا ذَكَرْنا الآخِرَةَ ذَكَرَها معَنا، وإذا ذكَرْنا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ معَنا، فكُلُّ هذا أُحدِّثُكُمْ عنْ رَسُولِ الله ﷺ .
قوله: "كنت جاره، فكان إذا أنزل عليه الوحي" الحديث.
"الجار": الذي يجاورك. "بعث إلي": أرسل. "فكتبته له"؛ أي: كتبت الوحي لرسول الله ﷺ .
"وكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا"؛ يعني: إذا كنا شَرَعْنا في ذكر الدنيا كأنه يوافقنا في ذكرها، وكذلك إذا شرعنا في شيء من ذكر الآخرة وغيرها كان يوافقنا في ذكر ذلك، وهذا في قوله: "فكل هذا أحدثكم" إشارة إلى ما ذكر قبل.
واعلم أن ظواهر هذه الأحاديث كلِّها مستندة لضعفاء أمته ﷺ ، وكان ممهدًا بقواعد الشريعة المصطفوية، فلو لم يفعل ذلك لكان في الشرع ضيقٌ
стр. 2812
وحَرَجٌ، فقد أتى بذلك حتى يكون لضعفاء أمته مستندٌ من عنده ﷺ ، قال الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
* * *
٤٥٤٤ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إذا صَافحَ الرَّجُلَ لَم يَنزِعْ يَدَهُ مِنْ يدِهِ حتَّى يَكُونَ هوَ الَّذِي يَنزِعُ يَدَهُ، ولا يَصرِفُ وجهَهُ عنْ وجهِهِ حتَّى يكونَ هوَ الذِي يَصرِفُ وجهَهُ عنْ وجهِهِ، ولمْ يُرَ مُقدَّمًا رُكبتَيْهِ دينَ يَدَيْ جَليسٍ لهُ.
قوله: "كان إذا صافح الرجل لم ينزع يده من يده" الحديث.
(المصافحة والتصافح): الأخذ باليد. نزع ينزع نزعًا: إذا جرَّ. (الجليس) بمعنى المُجالس؛ يعني: ما كان من شأنه ﷺ أن يرفع ركبتيه عند من يجالسه، بل يخفضهما، تعظيمًا لجليسه.
وهذا من مكارم أخلاقه ﷺ ، وفيه تعليم لأمته أن يكرموا من يصافحهم ويجالسهم؛ جلبًا للمودة بينهم.
* * *
٤٥٤٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ لا يَدَّخِرُ شيئًا لِغدٍ.
قوله: "كان لا يدخر شيئًا لغد"، (ادخر يدَّخر): إذا أبقى شيئًا لنفسه للعاقبة، وأصل (ادخر): ادْتَخَر على زنة افْتَعَل، فقلبت التاء دالًا للتجانس، ثم أدغمت إحداهما في الأخرى؛ يعني: كان رسول الله ﷺ لا يبقي شيئًا لغدٍ توكلًا على الله سبحانه، واعتمادًا على خزائن الله التي لا نفاد لها.
وهذا الحديث مستندُ ذوي البصائر واليقين.
* * *
стр. 2813
٤٥٤٦ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ طَويلَ الصَّمْتِ.
قوله "كان رسول الله ﷺ طويل الصمت"، (طويل): نعتٌ من طال يطول، على زنة: ظَرُفَ يظرف، و (الصمت): السكوت؛ يعني: كان رسول الله ﷺ كثير السكوت؛ يعني: ما كان يتكلم إلا لحاجة، أو لجوابِ سائل، أو لتعليمِ طالب، فإذا تَقرَّر هذا؛ فالسكوت عما لا يعني من أهم المهمات، اقتداء برسول الله ﷺ .
* * *
٤٥٤٧ - وعَنْ جَاِبرٍ ﵁ قَالَ: كانَ في كَلامِ رَسُولِ الله ﷺ تَرْتيلٌ وتَرْسِيلٌ.
قوله: "كان في كلام رسول الله ﷺ ترتيل وترسيل"، (الترسل والترسيل): التبيين والإيضاح؛ يعني: كان كلام رسول الله ﷺ واضحًا مفهومًا فصيحًا في غاية الفصاحة.
* * *
٤٥٥٠ - عَنْ عبدِ الله بن سَلامٍ ﵁ قَالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ إذا جلَسَ يتحدَّثُ، يُكثِرُ أنْ يرفعَ طَرْفَهُ إلى السَّماءِ".
قوله: "كان رسول الله ﷺ إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء"، (التحدث): التكلم، (الطرف): العين؛ يعني: كان يكثر النظر إلى السماء حالة التكلم، ترقبًا لمجيء جبريل - صلوات الله عليهما - من عند الله سبحانه.
* * *
стр. 2814
٤ - باب المَبْعَثِ وَبدْءِ الوَحْيِ
(باب المبعث وبدء الوحي)
(المبعث)؛ يعني: البعث، وهو مصدرٌ ميمي من (بعث): إذا أرسل، (البدء): الابتداء، (الوحي): الرسالة والإلهام.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٥٥١ - عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ الله ﷺ لِأَرْبَعِينَ سَنةً، فمَكثَ بمكَّةَ ثَلاثَ عشْرةَ سَنةً يُوحَى إِليهِ، ثُمَّ أُمِرَ بالهِجرةِ فهَاجَرَ عشْرَ سِنينَ، ومَاتَ وهُوَ ابن ثَلاثٍ وستَّينَ سَنةً.
"بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة" الحديث.
اللام في (لأربعين): للتاريخ؛ أي: أرسل رسول الله ﷺ إلى كافة الخلق بعد أربعين سنة.
قال في "الصحاح": لام التاريخ، كقولك: كتبتُ لثلاثٍ خَلَوْنَ؛ أي: بعد ثلاث.
* * *
٤٥٥٢ - وعَنْ عمَّارِ بن أبي عمَّارٍ، عَنْ ابن عبَّاسٍ ﵃ قَالَ: أقامَ رَسُولُ الله ﷺ بمكّةَ خَمْسَ عشْرَة سَنةً، يَسمَعُ الصَّوْتَ ويَرَى الضَّوْءَ سَبعَ سنينَ ولا يَرَى شَيْئًا، وثَمَانِي سِنينَ يُوحى إلَيهِ، وأقامَ بالمدِينةِ عَشْرًا.
قوله: "ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئًا" الحديث.
"الضوء": الضياء؛ أي: كان في الليالي المظلمة يرى ضياء عظيمًا.
стр. 2815
قوله: "ولا يرى شيئًا" يجوز أن يريد به: ولا يرى شيئًا آخر سواه، أو: لا يرى شيئًا يعتدُّ به (١)، إذ في النظر إلى الضوء فقط لا فائدة للنبي ﷺ فيه.
وحاصل الحديث: أن الملك إذا نزل على نبي كان معه ضوء الملائكة، فينفر الطبع البشري منه، حتى يكاد يغشى عليه.
ولهذا كان يصيبه عند بُرَحاء الوحي أشباه ذلك، فيصير كأنه مغشيٌّ عليه، فاستؤنس أولًا بالضوء المجرد، ثم بعد ذلك غشيه الملك، هذا سر الحديث.
ويجوز أن يريد بالضوء: انشراح صدره قبل نزول الوحي، فسمَّى الانشراح في الصدر ضوءًا؛ ولمَّا تكمَّل انشراح صدره، ووصل العمر إلى الأربعين، وانتهى سن الشباب، وتكمَّل الحِلْم، استعد أن يكون واسطةً بين الله سبحانه وبين خلقه.
* * *
٤٥٥٥ - وعَنِ الزُّبَيْرِ بن عَدِيًّ ﵁، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قُبضَ رَسُولُ الله ﷺ وهُوَ ابن ثلاثٍ وسِتَّينَ، وأبو بَكْرٍ وهوَ ابن ثلاثٍ وسِتَّينَ، وعُمَرُ وهوَ ابن ثلاثٍ وسِتِّين وقَالَ مُحَمَّدُ بن إِسْمَاعيل: ثَلاثٍ وسِتَّينَ أكثرُ.
قوله: "قال محمد بن إسماعيل: ثلاث وستين أكثر" المراد به: البخاري صاحب "الصحيح".
* * *
٤٥٥٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ ما بُدِئَ بهِ رَسُولُ الله ﷺ منَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصَّادِقةُ في النَّومِ، فكَانَ لا يَرَى رُؤْيا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثمَّ حُببَ إليهِ الخَلاءُ، وكانَ يَخْلو بِغَارِ حِراءٍ فيَتحَنَّثُ فيهِ - وهو التَّعبُّدُ -
стр. 2816
اللَّياليَ ذَواتِ العَددِ قبلَ أنْ يَنزِعَ إلى أَهْلِهِ ويتزوَّدَ لذلكَ، ثُمَّ يَرجِعُ إلى خَديجةَ فيتَزوِّدُ لِمِثْلِها، حتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وهوَ في غَارِ حِراءٍ، فجَاءَهُ المَلَكُ فَقَال: "اقْرَأْ"، قَالَ: "ما أَنَا بقارِئٍ"، قَالَ: "فأخذَنِي فغَطَّنِي حتَّى بَلغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَني، فَقَال: اقْرَأْ، فَقُلتُ: مَا أَنَا بِقارِئٍ، فأخذَنِي فغَطَّني الثانيةَ حتَّى بلغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَال: اقْرَأْ، قُلْتُ: ما أَنَا بِقارِئٍ، فأخذَنِي فغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ "، فرجَعَ بها رَسُولُ الله ﷺ يَرْجُفُ فُؤادُهُ، فَدخَلَ على خَديْجَةَ فَقَال: "زَمِّلونِي، زَمِّلوني"، فزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لخَديجةَ ﵂ وأخْبَرَها الخبَرَ: "لقدْ خَشيتُ على نَفْسِي"، فقالتْ خَديجةُ: كلَاّ والله لا يُخْزِيكَ الله أبدًا، إنّكَ لَتَصِلُ الرَّحمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نَوائبِ الحَقِّ، ثُمَّ انطلقَتْ بهِ خَديجةُ إلى وَرَقَةَ بن نَوْفَلِ، ابن عمِّ خَديجَةَ، فقالتْ لهُ: يا ابن عمِّ! اسمَعْ مِن ابن أخِيْكَ، فقالَ لهُ وَرَقَةُ: يا ابن أخي! ماذا تَرَى؟ فأخبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الَّذي أَنْزلَ الله علَى مُوسَى، يا لَيْتَني فيها جَذَعًا، لَيْتَني أكونُ حيًّا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ "، قَالَ: نعمْ، لمْ يأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ مَا جِئْتَ بهِ إلَّا عُودِي، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أنْ تُوفِّيَ، وفترَ الوَحْيُ حتَّى حَزِنَ النَّبيُّ ﷺ فيما بلغنَا - حُزنًا غَدَا مِنْهُ مِرارًا كيْ يَترَدَّى منْ رُؤُوْسِ شَواهِقِ الجِبالِ، فكلَّما أَوْفَى بذِروَةِ جَبَلٍ لِكيْ يُلقِي نفسَهُ منهُ تبَدَّى لهُ جِبريلُ فَقَال: "يَا مُحَمَّدُ! إنَّكَ رَسُولُ الله حَقًا". فيَسكُنُ لذلكَ جأْشُهُ وتقِرُّ نفسُهُ.
قولها: "فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَقَ الصبح، ثم حبب إليه
стр. 2817
الخلاء، وكان يخلو بغار حراء" إلى قوله: "وأخبرها الخبر".
قال في "شرح السنة": فَلَقُ الصبح، وفَرَقُ الصبح: ضوؤه إذا انفلق، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١].
قال الإمام التُّورِبشْتي في "شرحه": (الفَلَق) بالتحريك: هو الصبح بعينه، قال ذو الرُّمَّة:
حتى إذا [ما] انجلى عن وجهه فلق
وإنما أضافه إلى الصبح لاختلاف اللفظين، وحسُنت هذه الإضافة لكون الفلق من الألفاظ المشتركة، يقال للخلق: الفلق، وللمطمئنِّ من الأرض: الفلق، كأنما شبهها بالفلق لإنارتها وإضاءتها وصحتها، هذا كله لفظ الإمام.
"ثم حبب إليه الخلاء"، (ثم): للتعقيب مع التراخي؛ يعني: بعدما رأى ﷺ هذه الرؤيا حبب إليه الخلوةُ والعزلة عن الناس، وكان يخلو بغار حراء.
الغار والغارة والمغارة: الكهف في الجبل.
قال في "شرح السنة": و (حراء): جبل بمكة، وهي مكسورة الحاء مفتوحة الراء ممدودة.
قال الخطابي: وأصحاب الحديث يَقْصُرونه، وأكثرهم يفتحون الحاء، ويكسرون الراء، سمعت أبا عمر [الزاهد] يقول: حراء: اسم على ثلاثة أحرف، وأصحاب الحديث يغلطون فيه في ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة، وأنشد:
وراق ليَرْقَى في حراء ونازل
هذا كله لفظ الخطابي.
ويجوز منع الصرف في (حراء) نظرًا إلى التأنيث، ويجوز صرفه نظرًا إلى التذكير.
стр. 2818
قال في "شرح السنة": (يتحنَّث فيه)؛ أي: يتعبد، والتحنُّث: التعبُّد، سمي به لأنه يُلقي به الحنثَ والذنبَ عن نفسه، ومثله: التحوُّب والتحرج والتأثم؛ لإلقاء الحَوْب والحَرَج والإثم عن نفسه.
قال في "الصحاح": (الليالي): جمع ليل، وأصلها: ليالٍ، كأهلٍ وأهالٍ، فزادوا فيها الياء على غير قياس، وهي نصبٌ على الظرف.
(الذوات): جمع ذات. (نزع) إلى الشيء الفلاني (ينزع نزعًا): إذا اشتاق. (تزود يتزود): إذا أخذ الزاد؛ يعني: كان يتعبد رسول الله ﷺ في غار حراء أيامًا قلائل قبل أن يشتد الشوق إلى أهله؛ يعني: كان لا يتبتل عن أهله بالكلية إلى خلوته، وكان معه في الخلوة زاد تلك الأيام، فإذا نفد زادُه كان يرجع إلى خديجة أم فاطمة ﵄ فيأخذ الزاد قَدْرَ ما يكفيه تلك الأيام.
"حتى جاءه الحق وهو في غار حراء"؛ أي: جاءه الوحي، هذا مستند أرباب السلوك في الخلوة والعزلة عن الناس.
قيل: الخلوة: أن يخلو الرجل عن غيره وعن نفسه بربه سبحانه، إذ شَغْلُ نفسك إياك أعظم جنايةً وأشدُّ نكايةً من شَغْلِ غيرك، إذ شغلُ العين قد ينقطع أحيانًا، والرجل لا ينفك من أن يسمع من نفسه حديثها، أو يُسمعها حديثه، إلا أن يشغله عن ذلك استماع كلام الله تعالى، أو مناجاته ربه.
ثم الخلوة نعمت الذريعةُ عن رضاع الطبيعة، إذ فيها تتبرأ ساحته عن طوارق الفضول وعوائق الذهول، وتنقاد له نفسه في العبادات، فمن كانت هذه صفته، فقلبه مَقَرٌّ لواردات علوم الغيب، ومَظْهَرٌ لتجليات الرب .
فكان رسول الله ﷺ يحب العزلة والخلوة؛ لأنه كان يجمع أشتات الفكر بهما، ويقطع نفسه القدسية عن مخالطة البشر.
قال في "شرح السنة": (الغط): الضغط الشديد، ومنه: الغط في الماء،
стр. 2819
ويروى: (فغتَّني)، ومعناه الغط أيضًا.
قال الإمام التوربشتي: وفي بعض الروايات: (فخنقني)، وفي بعضها: (فسأبني).
قال في "الصحاح": سأبت الرجلَ سأبًا: إذا خنقته حتى يموت، وغطَّه في الماء يغطُّه غطًا: مَقَله وغوَّصه فيه.
قال الحافظ أبو موسى: إنما قال: (غطه)؛ ليختبره هل يقول من تلقاء نفسه شيئًا إذا اضطر؟.
وقال الإمام التوربشتي في "شرحه": (الجَهدُ) بفتح الجيم وضمها، وبرفع الدال ونصبها، مروي، والأحسن: ضم الجيم ورفع الدال، معناه: بلغ مني الطاقة.
وقال: نصب الدال وَهْمٌ من الراوي، أو تجويزٌ من طريق الاحتمال؛ لأنه إذا نُصب معناه: غطه حتى بلغ الطاقة في ضغطه بحيث لم يبق فيه مزيد.
تقدير الكلام: بلغت المنتهى في الجهد، يقال: بلغت الجهدَ، وبلغني الجهدُ، قال تعالى: ﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وقال: ﴿بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨].
و (الجُهد) بضم الجيم: الطاقة، وبفتحها: النَّصَب والشدة؛ أي: بلغ الجهد مني أقصى المنتهى.
وهذا القول غير مستقيم؛ لأن البشر لا يقاوم الملك في القوة، لا سيما في أول الأمر؛ لأن النفس نفور عما لم تره، ومنذعرة منه؛ أي: خائفة.
قال في "شرح السنة": "يرجف فؤاده"؛ أي: يخفق، والرجفة: شدة الحركة.
"زملوني" معناه: دثَّروني، وتزمَّل الرجل بالثوب؛ اشتمل به، وجه طلبه
стр. 2820
التزميل: أنه أصابه رعدة من رؤية الملك وهيبته وعظمة القرآن، والمرتعد إذا زمِّل سكن به، فعبر عن هذا بالروع مجازًا، إذ الروع سبب الرعدة، فوضع السبب موضع المسبَّب.
قوله: "لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله" إلى قوله: "على نوائب الحق"، (كلا) هنا للردع، معناه: أمنع (١) من هذا الكلام.
(النوائب): جمع نائبة، وهي الحادثة؛ يعني: إذ رأى جبريلَ ﷺ أول ما رأى خشي على نفسه من أن يكون ذلك نوعَ تخبُّطٍ من الشيطان، وقد روي أنه ﷺ قال: "أظن أنه عرض في شبه جنون" فقالت خديجة ﵂: كلا. أي: ليس الأمر كما تظن، والله إنَّ مَن اتصف بهذه الصفات الشريفة، وتعوَّد بهذه الخصال الحميدة، حفظه الله سبحانه عما يكرهه، وجعله مصونًا في كنف لطفه وعنايته، وقولها كان مناسبًا لما قيل: إن مكارم الأخلاق تقي مصارع السوء.
قال في "شرح السنة": و"تحمل الكَلَّ"؛ أي: المنقطع، تريد: إنك تعين الضعيف، وأصل (الكَلِّ): الذي لا يُعِين نفسَه لضعفه، ومنه قيل: العيال كَلٌّ، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: ٧٦]؛ أي: ثقلٌ على وليه.
قال: ["وتكسب المعدوم"] وفي بعض الروايات: (وتَكْسِبُ المُعْدَم) وهو الأصوب؛ لأن (المعدوم) لا يدخل تحت الأفعال؛ أي (٢): تعطي العائل، يقال: كَسَبْتُ الرجلَ مالًا وأكسبته؛ أي: أعطيته، وبحذف الألف أفصح، هذا كله منقول من "شرح السنة".
قال الإمام التوربشتي: قلت: و (المعدوم) هي اللفظة الصحيحة بين أهل
стр. 2821
الرواية، وأجراها بعضهم على الاتساع، فرأى أنه أنزل العائل منزلة المعدوم مبالغة في العجز، كقولك للبخيل، والجبان: ليس بشيء.
وعليه قول المتنبي:
إذا رأى غير شيء ظنه رجلًا
وعلى مثل هذا يُحمل قول ابن أبي أوفى ﵁: كان النبي ﷺ يقلل اللغو. أي: لا يلغو رأسًا، قال الله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]؛ أي: لا يؤمنون لا قليلًا ولا كثيرًا، وإنما ذكرت لفظ (الكسب) أرادت: إنك لا تزال تسعى في طلب عاجز تنعشه، كما يسعى غيرك في طلب مال يُعينه، هذا كله لفظ الإمام.
يعني: الكسب هو الاستفادة، فكما أن غيرك يرغب أن يستفيد مالًا، فأنت ترغب أن تستفيد عاجزًا تعينه، وتجبر حاله.
فإن قيل: الإنسان يكسب مالًا لنفسه، والشخص لا يُكسب، بل المكسوب الذي هو المال.
قيل: فيه وجهان: أحدهما: أنك تبذل المال وتأخذ الثواب، فيكون على حذف المضاف، أو المعدوم إذا أعطيته شيئًا انقاد لك وتبعك، فكأنه صار مكسوبًا لك كالعبد المكسوب.
قيل: معنى قولها: "وتعين على نوائب الحق": تُعين مَن يصيبه الله تعالى بنوائبه من الفقر والقحط والخوف العظيم وغير ذلك، فأنت تدفعها عنهم، وتعينهم على دفع ذلك.
قول ورقة: "هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى" الحديث.
قيل: أهل الكتاب يسمُّون جبريل: الناموس، وهو المراد في الحديث.
стр. 2822
قال في "شرح السنة": (الناموس): صاحب سر الرجل، الذي يطلعه على باطن أمره، ويخصُّه بما يستره عن غيره، يقال: نَمَس الرجل يَنْمِسُ نَمْسًا، وقد نامستُه مُنامسةً: إذا ساررته، فالناموس: صاحب سرِّ الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر.
وقوله: "يا ليتني فيها جَذَعًا"؛ أي: شابًا، والأصل في الجَذَع: سنُّ الدواب، وفي حديث علي ﵁: "ثم أسلمت وأنا جَذَعةٌ" أراد: وأنا جَذَعٌ؛ أي: حَدَثٌ في السن، فزاد في آخره هاءً توكيدًا.
ونُصب (جذعًا) لأن معناه: يا ليتني كثت جَذَعًا، والتأنيث في قوله: (فيها) لإضمار النبوة والدعوة أو الدولة، يقول: يا ليتني كنت شابًا وقت دعوتك ونبوتك.
"أنصرْكَ نصرًا مؤزرًا"؛ أي: بالغًا، وآزَر فلانٌ فلانًا: إذا عاونه على أمره، قوله تعالى: ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ أي: قوَّاه، والأَزْر: القوة، قوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١]؛ أي: قوِّ به ظهري، هذا كله منقول من "شرح السنة".
النحو يقتضي أن يكون نصب (جذعًا) على الحال؛ لأن حذف (كان) وإبقاءَ خبره لا يجوز إلا عند القرينة، كما ورد: إنْ خيرًا فخير؛ لأن (إنْ) حرفُ شرطٍ، وهو من قرائن الفعل، فجاز معه دون غيره، فما قرِّر قد فُهم من نصين مختلفين لسيبويه.
قال في موضع: لا يجوز حذف (كان) وإبقاء خبره، قال: لو قلت: عبدَ الله المقتولَ، على تقدير: كن؛ لم يجز؛ لضعف (كان).
وقال في موضع: يجوز حذفه.
ففُهم من اختلاف نصيه: أنه لا يجوز إلا مع القرينة، فتقدير الكلام:
стр. 2823
يا محمد ليتني أعيش في أيام نبوتك جذعًا؛ أي: قويًا شابًا بقوة الجذع من الخيل.
أما نظر الشيخ - رحمة الله عليه - فإلى المعنى؛ لأنه تمنى البقاء، فدلالة الحال تجوِّز إضمارَ (كان)، الهمزة في "أومخرجيَّ" للاستفهام، والواو للعطف، فأصله: مُخْرِجوني، فحذفت النون للإضافة، فصار: مُخْرِجوي، فقلبت الواو ياء لأن الواو والياء إذا اجتمعتا والأولى منهما ساكنة، قُلبت الواو ياءً، وأُدغمت الياء في الياء، ثم أبدلت ضمةُ الجيم كسرةً لتصح الياء، فصار: مُخْرِجيَّ، ورفعُه تقديري.
و"عُودِيَ": ماضٍ مجهولٌ من المعاداة.
ونَشِبَ يَنْشَبُ نَشَبًا: إذا تعلَّق، ومعناه ها هنا: لبث، فمعنى قوله: "ثم لم ينشَبْ ورقة أن توفي": لم يمكث ورقة بعدما تكلم بهذا إلا أيامًا يسيرة، ثم قبض روحه.
إن قيل: بماذا يحكم لورقة بعد موته، أبالسعادة أم الشقاوة؟.
قيل: بالسعادة ودخول الجنة، للنقل والعقل:
أما النقل: فما روي أنه ﷺ قال: "رأيت قسًا في الجنة" إذ كان من علماء النصارى، ولأنه رآه في نومه قد لبس ثيابًا بيضاء، والثياب البيض تدل على حسن حاله.
وأما العقل: فلأنه كان على دين حق، ولم ينسخ بعد؛ لأنه - صلوات الله عليه - كان أولَ زمان إرساله، ولم يدَّع نسخ الأديان، فحكمُه حكمُ غيره من النصارى قبل نسخ دينهم، أو أنه اعترف بالنبوتين العيسوية والمحمدية، وتمنى البقاء في نصرة الدين، فكأنه قد آمن به ونصره.
فمعنى قوله: "وفتر الوحي": انقطع الوحي أيامًا. "وعدا"؛ أي: جاوز.
стр. 2824
"مرارًا": جمع مرة. "تردَّى": إذا سقط في بئر، أو تهوَّر من جبل، والتهوُّر: الوقوع في الشيء بقلَّةِ مبالاة، والمعنى الثاني هو المراد في الحديث.
"الشواهق": جمع الشاهق، وهو الجبل المرتفع. "أوفى": إذا وصل ذروته، وذروة كلِّ شيء: أعلاه.
"تبدَّى": إذا ظهر.
قوله: "حقًا": مصدر مؤكِّد للجملة السابقة، وهي قوله: "إنك رسول الله" وهو نصبٌ بفعل مضمر؛ أي: أحقَّ هذا الكلام حقًا.
و"الجأش": القلب. و"تقر"؛ أي: تستقر.
* * *
٤٥٥٧ - عَنْ جَابرٍ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يُحدِّثُ عَنْ فَترةِ الوَحْي قَالَ: "فبَيْنا أَنا أمشِي إذْ سَمِعْتُ صوتًا مِنَ السَّماءِ، فرفعتُ بَصَري، فإِذَا المَلَكُ الَّذي جَاءَنِي بحِراءٍ قاعِدٌ على كُرسِيٍّ بيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجُئِثْتُ منهُ رُعْبًا، حتَّى هَويْتُ إلى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فقُلتُ: زمِّلوني، زمِّلوني، فزمَّلُوني، فأنزَلَ الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إلى قوله -: ﴿فَاهْجُرْ﴾، ثُمَّ حَمِيَ الوَحْيُ وتَتَابَعَ".
قوله: "فجُئثت منه رعبًا حتى هويت إلى الأرض" الحديث.
"جُئِثَ" الرجل؛ أي: فزع، فهو مجؤوث؛ أي: مذعور، قال في "شرح السنة": ويروى: (جُئِثْتُ)، يقال: جُئِثَ الرجل، وجُثَّ وجوثَ؛ أي: فزع.
"رعبًا": نصبٌ على الحال أو المفعول المطلق؛ أي: ممتلئًا رعبًا؛ يعني: خوِّفت من ذلك الملك الذي جاءني مرعوبًا كل الرعب.
"حتى هويت إلى الأرض"؛ أي: سقطت.
стр. 2825
"زمَّله" في ثوبه؛ أي: لفَّه، وتزمَّل بثيابه؛ أي: تدثَّر، وأصل المدَّثر: المتدثر، فقلبت التاء دالاً، وأدغمت الدال في الدال.
"حمِي" بالكسر: إذا اشتد حرُّه، "تتابع" وتوالى: إذا جاء مرة بعد أخرى، ومعنى قوله: (ثم حمي الوحي وتتابع)؛ أي: بعد ذلك اشتد نزول الوحي من عند الله سبحانه متتابعًا، بحيث ما انقطع إلى أن قبض روحي.
* * *
٤٥٥٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ الحَارِثَ بن هِشامٍ ﵁ سَألَ رَسُول الله ﷺ فَقَال: يا رَسُوْلَ الله! كيفَ يأتِيكَ الوَحْيُ؟ فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أحْيانًا يأْتِيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهوَ أَشَدُّهُ عَليَّ، فَيُفْصِمُ عنِّي وقدْ وَعَيْتُ عنهُ ما قَالَ، وأحْيانًا يَتمثَّلُ لي المَلَكُ رجُلاً فيُكلِّمُني فأعِي ما يقولُ"، قالت عَائِشَةُ ﵂: ولقدْ رأيتُهُ يَنزِلُ عليهِ الوَحْيُ في اليومِ الشَّديدِ البرْدِ، فيَفْصِمُ عَنهُ وإنَّ جَبينَهُ ليَتَفَصَّدُ عَرَقًا.
قوله: "كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ .: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس" الحديث.
"كيف": سؤال عن الحال.
"الأحيان": جمع حين، وهو الزمان، وهي نصب على الظرف.
قال في "شرح السنة": "الصلصلة": صوت الحديد إذا حرك.
قال أبو سليمان الخطابي: يريد - والله أعلم - أنه صوت متدارك، يسمعه ولا يتثبَّته عند أول ما يَقْرع سَمْعَه حتى يتفهَّم ويستثبت، فيتلقفه حينئذ ويعيه، ولذلك قال: "وهو أشده علي".
"فينفصم عني" معناه: فينقطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:
стр. 2826
٢٥٦]، ومن روى: (فيُفصم عني) - وهو الأصح - فمعناه: يقطع عني.
"وقد وعيت"؛ أي: حفظت.
قولها: "ليتفصد عرقًا" قال الزمخشري: (تفصَّد)؛ أي: تصبَّب، يقال: تفصد وانفصد، ومنه (الفاصدان): مجريا الدموع. وانتصاب (عرقًا) على التمييز.
"الجرَس" بفتح الراء: الذي يعلَّق في عنق البعير.
قيل: وأصل (الوحي): الإشارة السريعة، ولتضمُّن السرعة يقال عند العجلة: الوحا الوحا. ويقال: توحَّ يا هذا؛ أي: أسرِعْ، ومنه يقال: أمرٌ وَحِيٌّ؛ أي: سريع.
قيل: الوحي أقسام:
قد يكون بالكلام، ولا يأتي ذلك إلا بواسطة ملك يمثَّل له في صورة بشرية، كجبريل تمثَّل له في صورة دِحْيَة الكلبي.
وقد يكون بالرمز والإشارة والكتابة، كما قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] قيل: معناه: أشار، وقيل: كتب.
وقد يكون بإلهام، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧].
وقد يكون بتسخير، كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].
وقد يكون بالرؤيا، قال النبي ﷺ : "انقطع الوحي وبقيت المبشرات" قيل: وما المبشِّرات؟ قال: "رؤيا المؤمن".
فالإلهام والتسخير والرؤيا ثلاثتها غير مختصةِ بالأنبياء، بل ربما تكون للأولياء، والتسخير قد يكون للجماد، قال الله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥].
стр. 2827
فجميع الأقسام شهد به التنزيل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، فالإلهام والتسخير والرؤيا دل عليها قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾، وسماع الكلام من غير واسطةِ ملكٍ دل عليه قوله سبحانه: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، وما هو بواسطة جبريل ﵇، أو ملكٍ آخر دل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١].
فقوله: (أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس) إشارة إلى السماع الحاصل من وراء الحجاب، ولذلك قال: (هو أشد علي)؛ فإنه لا يحصل ذلك إلا لمن انسدت له مواد الوساوس، وركدت له أسباب الحواس، وحصل له الإقبال بالكلية على الله ، وإنما كان كذلك لأن الحواس معزولةٌ عن مطالعة الملكوت.
ولا يستدعي إدراكُ الصور الفعلية والقولية إذا كانت من عوالم المعاني بواسطة ملكٍ النومَ لا زمانًا ولا ترتيبًا كما تستدعيها حالة اليقظة، بل وقعت وقعةً واحدة في نفس النائم، وانتقشت به، ولهذا صارت الرؤيا جزءًا من أجزاء النبوة، فإذا ثبت له هذا المقام، فحينئذ تنتقش الصور في قلبه الملكوتي الكامل، من الأنوار الملكوتية، وأسرار العلوم الغيبية، كما تنتقش الصور المحاذية للمرآة، بل يطالع (١) الجبروت وهو عبارة عن العندية والقرب.
فقلبُ رسول الله ﷺ كان متصفًا بذلك، ومتهيئًا لقبول الأنوار الملكوتية، وكان مطالعًا للجبروت، فصار مظهرًا للوحي القديم، قال ﷺ : "تنام عيناي ولا ينام قلبي".
فإذا عرفت ذلك: فاعرف أن الجبروت مرآة للملكوت، والملكوتُ مرآة للمَلَك، فالمَلَكي إذا انفتح له عين القلب، وحصل له كمال الاستعداد، يفوز
стр. 2828
بحظٍّ وافرٍ من الكشف والمشاهدة في مرآته التي هي الملكوت، فيطالع الأنوار الملكوتية ويشاهدها، وكذا الملكوتي إذا ظفر بمقام أتم (١)، يحصل له في مرآته التي هي الجبروت أسرار التدلَّيات والعندية.
وما المراد بقوله: (مثل صلصلة الجرس) إلا أن الوحي يأتيه بصوتٍ كصلصلة الجرس، فإنه قد ذُكر قبلُ أن هذا الإدراك لا يستدعي زمانًا ولا ترتيبًا، كما لا يستدعي الإدراك في المنام، لكن هذا الصوت الذي يسمعه هو صوت أجنحة الملائكة، كما روى البخاري بإسناده عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنها سلسلة على صفوان"، (الأجنحة): جمع جناح الطائر، وهو يده، (الخضعان والخضوع): التواضع، و (الصفوان): الحجر الأملس؛ يعني: صوت أجنحة الملائكة حالةَ ما قضى الله سبحانه أمرًا تواضعًا لأمره تعالى كصوت سلسلةٍ وقعت على الحجر الأملس.
* * *
٤٥٥٩ - عَنْ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا أُنزِلَ عَلَيهِ الوَحْيُ كُرِبَ لِذلِكَ وَتَرَبَّدَ وجْهُهُ.
وفي رِوَايةٍ: نكًسَ رأسَهُ، ونَكَسَ أَصْحَابُهُ رؤسَهُمْ، فلمَّا سُرِّيَ عنهُ رَفَعَ رأسَهُ.
قوله: "إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك، وتربد وجهه"، (الكرب): الغم الذي يأخذ بالنفس، تقول: كربه الغم: إذا اشتد عليه، (تربَّد وجهه واربَّد)؛ أي: تلوَّن، فصار كلون الرماد.
стр. 2829
قيل: يحتمل أنه كان يهتم بأمر الوحي اهتمامًا شديدًا، مما يطالَب به من حقوق العبودية والقيامِ بشكره تعالى، ويخاف على العصاة من أمته أن ينالهم غضب من الله سبحانه، فيأخذه الغم الذي يأخذ بالنفس، حتى يَعرفَ ذلك الوحيَ المأمورَ به فيستريح.
ويحتمل أنه كان تغيُّر وجهه وشدةُ غمه القاطعةُ للنَفس عند نزول الوحي من عظمة الله سبحانه، وعظمةِ وحيه القديم ولو كان في كسوة الحروف، فإنه لو لم يكن في كسوة الحروف لَذاب جبريل ﵇ عند تجلَّيه سبحانه له بأمرٍ من أوامره إلى أنبيائه المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، فإذا تقرَّر هذا؛ فكونُه في كسوة الحروف رحمةٌ من عنده تعالى لجميع عباده.
قوله: "نكس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم، فلما أثلي عنه رفع رأسه" (نكس رأسه): وطأطأ وأطرق؛ يعني: نظر إلى الأرض كالمتفكر. (أثلي عنه)؛ أي: قُطع عنه الوحي، قيل: (أثلي عنه)؛ أي: أُسري عنه، وقيل: صُرف عنه، وقيل: (أتلي) بالتاء؛ أي: قرئ عليه، وعلى هذا: تلي عليه، بغير الألف.
وقيل: أتلي عليه؛ أي: كُشف عليه، فالتاء بدل من الثاء؛ أي: أثلي عليه؛ يعني: كان النبي ﷺ يُطْرِقُ رأسه عند نزول الوحي تعظيمًا وإجلالاً للوحي القديم، والصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يطرقون رؤوسهم موافقةً له، فإذا كشف عنه رفعوا رؤوسهم.
قال الإمام التوربشتي: أرى صوابه: (فلما تلي عليه) من التلاوة.
* * *
٤٥٦٠ - عَنِ ابن عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لمَّا نَزلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ حتَّى صَعِدَ الصَّفا، فَجَعَلَ يُنادِي: "يا بني فِهْرٍ! يا بني عَدِيّ! "،
стр. 2830
لبُطونِ قُريشٍ، حتَّى اجتمعُوا، فجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لمْ يستطِعْ أنْ يَخرجَ أَرْسَلَ رَسُولاً لِينظُرَ ما هوَ، فجَاءَ أبو لَهَبٍ وقُريشٌ، فقال: "أرأيتُمْ إنْ أخبرتُكُمْ أنَّ خَيْلاً تخرُجُ منْ سَفْحِ هذا الجَبلِ - وفي رِوَايةٍ: أنَّ خَيْلاً تخرجُ بالوادِي تُريدُ أنْ تُغيرَ عليكُم - أكُنتُمْ مُصَدِّقيَّ؟ "، قالوا: نَعَمْ، مَا جرَّبنا عليكَ إلَّا صِدقًا، قَالَ: "فإنَّي نَذِيرٌ لَكُمْ بيْنَ يَدَيْ عذابٍ شَدِيدٍ"، قَالَ أبو لَهَبٍ: تبًّا لكَ، ألِهذا جَمعْتَنا؟ فنزلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١].
قوله: "فجعل ينادي يا بني فهر" الحديث.
"جعل" ها هنا بمعنى: طفق.
قال في "الصحاح": و (فِهْر) أبو قبيلة من قريش، وهو فهر بن مالك بن النَّضْر بن كنانة. و (عدي) من قريشٍ رهطُ عمر بن الخطاب ﵁، وهو عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.
و"البطون": جمع بطن، وهو دون القبيلة.
"أرأيتم" معناه: أخبروني. و"الخيل" ها هنا بمعنى: الفرسان، قال الله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]؛ أي: بفرسانك، و"الصفح": ناحية الشيء؛ يعني: أعلموني أني إن أخبرتكم بخروج الأعداء من ناحية هذا الجبل فهل أنتم تصدقوني فيه أم لا؟، قالوا: نعم، فإنا جربناك في الأمور، ووجدناك صادقًا.
"قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، (النذير): المنذر، (بين يدي عذاب شديد)؛ أي: قدَّام عذاب شديد إما في الدنيا أو في الآخرة.
"قال أبو لهب: تبًا لك، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ "، (تبًا له)؛ أي: خسرانًا وهلاكًا له، وهذا من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها كسقيًا ورعيًا؛ يعني: قال أبو لهب للنبي ﷺ : تبًا لك ألأجل هذا دعوتنا
стр. 2831
أجمعين؟ فأنزل الله سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ أي: خابتا وخَسِرتا، فعبَّر باليد عن نفسه، وهذا مجازٌ شائع، وهو إطلاق الجزء على الكل، وقيل: اليد زائدة، كما قيل: يد الرزايا، ويد الدهر، فعلى هذا المعنى يكون جاريًا مجرى الدعاء، وقوله: ﴿وَتَبَّ﴾ إخبار؛ أي: وقد تبَّ، ويجوز أن يكون توكيدًا للأول؛ أي: تبت يدا أبي لهب، وتب أبو لهب.
* * *
٤٥٦١ - عَنْ عبدِ الله بن مسعودٍ ﵁ قَالَ: بَيْنما رَسُولُ الله ﷺ يُصلِّي عِندَ الكَعبةِ، وجَمْعُ قُريشٍ في مَجالِسِهِمْ، إذْ قالَ قائِلٌ: أيُّكُمْ يقومُ إلى جَزورِ آلِ فُلانٍ فيَعْمِدُ إلى فَرْثِها ودَمِها وسَلاها، ثُمَّ يُمْهلُهُ حتَّى إذا سجدَ وضعَهُ بينَ كتِفَيْهِ؟ فانبعَثَ أَشْقَاهُمْ، فلمَّا سَجدَ وَضَعَهُ بينَ كتِفَيْهِ، وثَبَتَ النَّبيُّ ﷺ سَاجِدًا، فضَحِكوا حتَّى مَالَ بعضُهم على بَعضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فانطلقَ مُنطلِقٌ إلى فَاطِمةَ ﵂ فأخبَرَهَا، فأقبلَتْ تسعَى، وثَبَتَ النبيُّ ﷺ سَاجِدًا حتَّى ألقَتْهُ عنهُ، وأقبَلَتْ عَليهِمْ تسُبُّهُمْ، فلمَّا قضَى رَسُولُ الله ﷺ الصَّلاةَ قَالَ: "اللهمَّ! عليكَ بقريشٍ"، ثلاثًا - وكانَ إذا دَعا دَعا ثلاثًا، وإذا سألَ سألَ ثلاثًا - اللهمَّ! عليكَ بعَمرِو بن هِشامٍ، وعُتبةَ بن رَبيعةَ، وشَيْبَةَ بن رَبيعةَ، والوليدِ بن عُتْبةَ، وأُميَّةَ بن خَلَفٍ، وعُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطٍ، وعُمَارةَ بن الوَليدِ"، قَالَ عبدُ الله: فوَالله لَقَدْ رَأيتُهُمْ صَرْعَى يومَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبوا إلى القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وأُتبعَ أَصْحابُ القَلِيبِ لَعنةً".
قوله: "أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها" الحديث.
"أيُّ": اسمٌ مُعْرَبٌ يُستفهم به، و"الجزور" من الإبل: يقع على الذكر والأنثى، وهي تؤنث في اللفظ.
стр. 2832
"عمد يعمد": إذا قصد.
"الفرث": السِّرْجين ما دام في الكرش.
قال في "الصحاح": و (السَّلَى) مقصور: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي، إذا نزعت عن وجه الفصيل ساعة يولد، وإلا قتلته، وكذلك إذا انقطع السَّلَى في البطن، فإذا خرج السَّلَى سلمت الناقة وسلم الولد، فإذا انقطع في بطنها هلكت، وهلك الولد.
(إلى) في قوله: "إلى جزور" نصب على الحال؛ أي: أيُّ واحدٍ منكم يقوم قاصدًا إلى جزور آل فلان. وكذا (تسعى)، في قوله: "وأقبلت تسعى" نصب على الحال، و (تسبهم)، في قوله: "وأقبلت عليهم تسبهم".
"فانبعث أشقاهم"؛ أي: فذهب أشقى كفار قريش - وهو أبو جهل - إلى ما أمر به.
قال في "شرح السنة": وقال شعبة عن أبي إسحاق: إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور، فقذفت على ظهر رسول الله ﷺ .
وقال أيضًا فيه: قيل: كان هذا الصنيع منهم قبل تحريم هذه الأشياء من الفرث والدم وذبيحة أهل الشرك، ولم تكن تبطل الصلاة بها، كالخمر كان يصيب ثيابهم قبل تحريمها.
وقال أرشد الدين الفيروزاني في "شرحه": وفي قوله: "ثبت رسول الله ﷺ حتى ألقت فاطمة عنه" دليل على أن مَن كان في ركن من الصلاة إذا طرأ ناقض للصلاة، فينبغي أن يثبت في ذلك الركن حتى يندفع الناقض، فلو انتقل من ذلك الركن إلى ركن آخر قبل زوال الناقض بطلت صلاته.
و (عليك) في قوله ﷺ : "عليك بقريش، وعليك بعمرو بن هشام" اسم فعل معناه: خذ؛ يعني: خذهم مقهورين.
стр. 2833
و"صرعى": جمع صريع، وهي نصب على الحال من الضمير المنصوب في "رأيتهم"، و"بدر": موضع، وقيل: هو بئر كانت لرجل يقال له: بدرًا. و"القليب": البئر قبل أن يُطوى، يذكَّر ويؤنث.
و"أتبع أصحاب القليب لعنة" قيل؛ أي: لحقتهم اللعنة.
* * *
٤٥٦٢ - عن عَائِشَةَ ﵂ أَنَّها قَالَتْ: يا رَسُولَ الله! هل أتَى عَلَيكَ يَومٌ كانَ أَشَدَّ مِن يومِ أُحُدٍ؟ قَال: "لقدْ لَقيتُ منْ قومِكِ، وكانَ أشدَّ ما لَقيتُ منهُمْ يومَ العَقَبةِ، إِذْ عَرَضْتُ نفسِي على ابن عبدِ يالِيلَ بن عبدِ كُلالٍ فلمْ يُجِبني إلى مَا أردْتُ، فانطلقتُ وأنا مَهمومٌ على وجْهِي، فلمْ أستَفِقْ إلَّا بقَرْنِ الثَّعالِبِ، فرفعتُ رأسِي فإذا أنا بسَحابَةٍ قدْ أظلَّتْنِي، فنظَرْتُ فإذا فيها جِبريلُ، فنادَانِي فَقَال: إنَّ الله سَمِعَ قولَ قومِكَ وما ردُّوا عليكَ، وقدْ بعثَ إليكَ مَلَكَ الجبالِ لِتأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهِمْ"، قَالَ: "فَنَادانِي مَلَكُ الجبالِ وسلَّمَ عليَّ، ثمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُا إنَّ الله قدْ سَمِعَ قولَ قومِكَ، وأنا مَلَكُ الجِبالِ، وقدْ بَعَثنِي ربُّكَ إليكَ لِتأْمُرَني بأمْرِكَ، إنْ شِئتَ أنْ أُطْبقَ عليهِمُ الأخشَبَيْنِ"، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بل أرجُو أنْ يُخرِجَ الله منْ أصْلابهِمْ مَن يعبُدُ الله وحْدَهُ لا يُشرِكُ بهِ شَيئًا".
قوله: "وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة" الحديث.
قيل: أراد بـ (العقبة): جمرة العقبة التي هي بمنى، وهو موضعٌ بمكة، وأراد بيوم العقبة وشدَّته: اليوم الذي وقف عند العقبة في الموسم، فكان يدعو القبائل من العرب إلى الله سبحانه، فما أجابوا ذلك، فحزن رسول الله ﷺ واشتد عليه، وكان يفعل ذلك بعد وفاة عمه أبي طالب.
وكان أبو طالب ينصر رسول الله ﷺ على كفار قريش، فلما مات كان الكفار تؤذيه ﷺ ، فخرج إلى الطائف يدعو ثقيفًا إلى الله، فأبوا ذلك، فلما يئس
стр. 2834
منهم قدم مكة، فوجد الكفار أشد مما كانوا عليه من إيذائه ومخالفته، إلا شرذمة قليلين آمنوا به وصدقوه.
فلما أراد الله سبحانه إظهار دينه ونصرة نبيه وإنجاز وعده ذهب إلى الموسم يدعو قبائل العرب إلى الإسلام كما كان يفعل في كل موسم، فأجاب رهطٌ من الخزرج أراد الله بهم الخير بما دعاهم إليه، وقبلوا منه الإسلام، ثم رجعوا إلى بلادهم فدعوا أقوامهم إلى الإسلام، فأجابوهم إليه، حتى فشا فيهم الإسلام، حتى إذا كان العام المقبل، وصل إلى رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلًا منهم بالعقبة، فبايعوه على بيعة النساء، وهو أن لا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا ... إلى آخره.
قوله: "فانطلقت وأنا مهموم على وجهي"؛ أي: كأني مغشيٌّ عليه، "فلم أستفق إلا بقرن الثعالب"؛ أي: فلم يَزُلْ عني ذلك الغَشْيُ والغمُّ العظيم إلا بقَرْنِ الثعالب، وهو جبلٌ بين مكة والطائف، و (استفاق وأفاق) بمعنًى واحد.
و (إذا) في قوله: "فإذا أنا بسحابة"، و (إذا) فيها للمفاجأة.
(طبَّق)؛ أي: جعل الشيء فوق الشيء، محيطًا بجميع جوانبه، كما ينطبق الطبق على الأرض، فمعنى قوله: "أن أطبق عليهم الأخشبين"؛ يعني: ألقي عليهم جبلي مكة ليهلكوا.
قال في "شرح السنة": سميت (أخشبين): لصلابتهما وغلظ حجارتهما.
* * *
٤٥٦٣ - عن أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ يومَ أَحُدٍ وشُجَّ في رأسِهِ، فجَعلَ يَسْلُتُ الدمَ عنهُ ويقولُ: "كيفَ يُفلِحُ قومٌ شَجُّوا نبيَّهُمْ وكَسَروا رَباعِيَتَهُ؟! ".
стр. 2835
قوله: "كسرت رباعيته يوم أحد" الحديث.
قال في "الصحاح": (الرَّباعية) مثل الثمانية: السنُّ التي بين الثَّنية والناب، والجمع: رَبَاعِيَات.
"أحد": جبلٌ بالمدينة. "والشج": كسر الرأس. و"جعل": معناه: طفق.
"سلت الدم": إذا مسحه، وأزاله عنه. "أفلح": إذا ظفر وفاز به.
* * *
٥ - باب عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ
(باب علامات النبوة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٥٦٦ - قَالَ أَنَسٍ ﵁: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتاهُ جِبريلُ وهوَ يَلعبُ معَ الغِلْمانِ، فأخذَهُ فصَرَعَهُ، فشَقَّ عنْ قلبهِ، فاستخْرَجَ منهُ عَلَقةً فقال: "هَذَا حَظُّ الشَّيطانِ مِنْكَ"، ثُمَّ غَسَلهُ في طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لأَمَهُ وأَعادَهُ في مَكانِهِ، وجَاءَ الغِلْمانُ يَسْعَوْنَ إلى أُمِّهِ - يعني: ظِئْرَهُ - فقالوا: إنَّ مُحَمَّدًا قد قُتِلَ، فاستقبَلُوه وهوَ مُنْتَقِعُ اللَّونِ، قالَ أَنَسٌ ﵁: فكنْتُ أرَى أثرَ ذلك المِخْيَطِ في صَدرِه.
"فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج منه علقة" الحديث.
"صرع": إذا ألقى. و"استخرج"؛ أي: أخرج. و"العلقة": واحدة العلق، وهي دم غليظ.
يقال: (لأَمْتُ) الجرحَ والصَّدْع: إذا شددته فالتأم، فقوله: (لأمه) معناه: أصلحه.
стр. 2836
و"انتقع اللون وامتقع": إذا تغير من حزن أو فزع.
و"المِخْيَط والخِيَاط": الإبرة.
واعلم أن شقَّ صدره ﷺ صُوري، وسببه: أنه أراد الله أن يقدس قلبه وينوِّره بأنوار ألطاف جلاله، تحصيلًا لكمال الاستعداد حال الطفولة، وتهييئًا لقبول الوحي القديم السماوي، فتصير نفسه قدسية ملكوتية؛ لكونها منقادة للقلب، فكانت قابلة للأنوار الإلهية التي جعلت في القلب، فأرسل إليه جبريل صلوات الله عليهما، حتى شق صدره، فأخرج منه علقة، وهي التي تكون أمَّ المفاسد والمعاصي في الإنسان.
فلهذا قال بعدما أخرجه: "هذا حظ الشيطان"، ثم غسل قلبه بماء زمزم، فينبغي أن لا يستبعد عن الشق الصوري، فإن شأنه أعلى وأجلُّ أن تقيس نفسَه ﷺ على نفسك، فإنه لا غير ذلك في حقه، كما قال في صفة نفسه: "إلا أن الله أعانني عليه فأسلم"، مع أن النفس مجبولة على الكفر والضلال، وكذلك معراجه الذي هو جسماني خارجٌ عن قياسك وعقلك.
فإذا عرفت هذا؛ فاعرف أن هذا الحديث وأمثاله ينبغي أن تؤمن بظاهرها، ولا تتعرض لها بتأويل متكلف، بل تُحيل إلى قدرة الله القادر الحكيم، فإنه تعالى على كل شيء قدير.
* * *
٤٥٦٧ - وعن جَابرِ بن سَمُرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنِّي لأَعرِفُ حَجَرًا بمكَّةَ كانَ يُسَلِّمُ عليَّ قبلَ أنْ أُبعَثَ، إنَّي لأَعرِفُهُ الآن".
قوله: "إني لأعرف حجرًا بمكة، كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني
стр. 2837
لأعرفه الآن" قيل: سلام الحجر على الرسول يفسَّر على وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى يخلق فيه نطقًا معجزةً للرسول، فيكون كلام الجماد من جملة معجزاته، كما أن إحياء الميت من جملة معجزات عيسى ﵇، وهذا أقوى من إحياء الميت؛ لأن الله تعالى جعل جمادًا ناطقًا لم يكن له النطق أصلًا، بخلاف الميت، فإن له الحياة من قبل.
الثاني: أنه يشاهد من الحجر أنه لو كان ناطقًا لشهد بنبوته، وفيه تحريض على أن شهادة الإنسان أولى.
ووجه السلام عليه: أن يجعله مستأنسًا بنزول الوحي، فإذا نزل لا ينفر منه.
وعند علماء التصوف: كان النبي ﷺ ينحرف (١) له عالم الشهادة إلى عالم الغيب، فكان يسمع صوت الحجر حينما يسلم عليه بسمعه الظاهرة؛ لأنها صارت قدسية ملكوتية لذلك الانحراف (٢)، بل جميع جوارحه الشريفة كانت بهذه المثابة؛ لأنه كان يرى الآثار العلوية بعينه الظاهرة، كالمعراج وغير ذلك.
* * *
٤٥٦٨ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: إنَّ أهْلَ مكَّةَ سَألُوا رَسُولَ الله ﷺ أنْ يُريَهُمْ آيةً، فأرَاهُمْ القَمرَ شِقَّتَيْنِ، حتَّى رأَوْا حِراءَ بينهُما.
قوله: "فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما"، (الشق): الجانب؛ يعني: أَرَى رسولُ الله ﷺ كفار قريش حين سألوه أن يريهم ما يدل على نبوته من
стр. 2838
خرق العادة انشقاقَ القمر شقين بإشارته إليه، بحيث أنه كان جبل حراء مرئيًا بين الشقين.
قال تاج القراء في "تفسير اللباب": سأل أهلُ مكة رسولَ الله ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين، وعلى هذا جلُّ المفسرين، ورواه مسلم والبخاري في "صحيحيهما".
قال في "شرح السنة": قال جماعة من المنكرين على هذا الحديث: هذا أمر عجيب، ولو كان له حقيقةٌ لم يَخْفَ ذلك على العوام، ولتناقلته القرون، ولخلِّد ذكره في الكتب، وذكره أهل العناية بالسير والتواريخ.
قيل لهم: هذا شيءٌ طلبه قومٌ خاضٌّ على ما حكاه أنس، فأراهم ذلك ليلًا وأكثر الناس نيام ومستكنُّون بالأبنية، والأيقاظ في الصحارى والبوادي قد يتفق أن يكونوا مشاغيل في ذلك الوقت، وقد يكسف القمر فلا يشعر به كثير من الناس.
وإنما كان ذلك في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر، ولو دامت هذه الآية حتى يشترك فيها العامة والخاصة ثم لم يؤمنوا لاستؤصلوا بالهلاك، فإنَّ من سننه في الأمم قبلنا: أن نبيهم كان إذا أتى بآية عامة يدركها الحس، فلم يؤمنوا، أهلكوا، كما قال تعالى في المائدة: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] نزل في هذا المعنى، فلم يظهر الله تعالى هذه الآية للعامة لهذه الحكمة، والله أعلم.
هذا كله منقولٌ من "شرح السنة".
والعجب من المنكر أن يخالف النص الصريح، وهو قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١، ٢]، قال
стр. 2839
في "تفسير اللباب" في سبب النزول: عن ابن مسعود ﵁ قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة فاسألوا السُّفَّار، فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات.
* * *
٤٥٦٩ - وقَالَ ابن مَسْعُودٍ ﵁: انشقَّ القَمرُ على عهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِرقتَيْنِ: فِرْقَةً فوقَ الجبَلِ، وفِرْقَةً دُونَهُ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ "اشْهَدُوا".
قوله: "فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه" قيل: الفرق والفرقة: الفلق من الشيء إذا انفلق، والفلق؛ أي: القطعة والشق.
ووجه علوِّ فرقة وتسفُّل أخرى: التنبيه الشديد على حصول الانشقاق، إذ لو تساوتا لتُوهِّم أن شعاع القمر اتسع كما يتسع في ليلة البدر، فلما تباينتا علوًا وسفلًا ظهر الانشقاق الصريح.
* * *
٤٥٧٠ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قالَ أبو جَهْلٍ: هلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظهُرِكُمْ؟ فقيلَ: نعمْ، فقالَ: واللَاّتِ والعُزَّى، لَئِنْ رأيتُهُ يفعلُ ذلكَ لأَطأنَّ على رَقَبَتِهِ، فأتَى رَسُوْلَ الله ﷺ وهوَ يُصلِّي، زَعَمَ لِيَطأَ على رَقبَتهِ، فما فَجِئَهُم منهُ إلَّا وهوَ يَنْكِصُ على عَقِبَيْهِ ويَتَّقي بيدَيْهِ، فقيلَ لهُ: مالكَ؟ فقَالَ: إنَّ بينِي وبينَهُ لخَندقًا منْ نارٍ وهَوْلاً وأجنِحةً، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا".
قوله: "هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم" الحديث.
"التعفير": التمريغ، و (يعفِّر): معناه ها هنا: يسجد. "بين أظهركم"؛ أي: بينكم.
стр. 2840
قيل: "اللات": اسم صنم بالطائف، وقيل: كان رجلًا يلتُّ السَّوِيق للحاج، فلما مات عبدوه.
قال في "الصحاح": ويقال: "العزى": سَمُرةٌ كانت لغطفان يعبدونها، وكانوا بنوا عليها بيتًا وأقاموا لها سَدَنةً، فبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فهدم البيت وأحرق السمرة، وهو يقول:
يا عُزَّ كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك
السَّمُرة: شجرٌ في البادية، السَّدَنة: جمع سادن، وهو الخادم لبيت الأصنام.
"لأطأن على رقبته"؛ أي: لأضعن رجلي على رقبته.
"فجأ الأمرُ وفاجأ": إذا أتى بغتةً.
"نكص على عقبيه": إذا رجع، (العقِب) بكسر القاف: مؤخَّر القدم، وهي مؤنثة.
"أتَّقي" أصله: أَوْتقي، قلبت الواو تاء، وأُدغمت التاء في التاء، معناه: أحذر وأحترز.
"ما لك"؛ أي: أيُّ شيء لك؟.
"الخندق": الشق حول البلد.
"الهول": الخوف.
"الأجنحة": جمع جناح، وهو يد الطائر، والمراد بالأجنحة ها هنا: الملائكة الذين يحفظونه ﷺ .
"اختطف وخطف": إذا استلب وأخذ.
يعني: سأل أبو جهل أصحابه عن النبي ﷺ هل يضع جبهته للسجود؟