و"انتقع اللون وامتقع": إذا تغير من حزن أو فزع.
و"المِخْيَط والخِيَاط": الإبرة.
واعلم أن شقَّ صدره ﷺ صُوري، وسببه: أنه أراد الله أن يقدس قلبه وينوِّره بأنوار ألطاف جلاله، تحصيلًا لكمال الاستعداد حال الطفولة، وتهييئًا لقبول الوحي القديم السماوي، فتصير نفسه قدسية ملكوتية؛ لكونها منقادة للقلب، فكانت قابلة للأنوار الإلهية التي جعلت في القلب، فأرسل إليه جبريل صلوات الله عليهما، حتى شق صدره، فأخرج منه علقة، وهي التي تكون أمَّ المفاسد والمعاصي في الإنسان.
فلهذا قال بعدما أخرجه: "هذا حظ الشيطان"، ثم غسل قلبه بماء زمزم، فينبغي أن لا يستبعد عن الشق الصوري، فإن شأنه أعلى وأجلُّ أن تقيس نفسَه ﷺ على نفسك، فإنه لا غير ذلك في حقه، كما قال في صفة نفسه: "إلا أن الله أعانني عليه فأسلم"، مع أن النفس مجبولة على الكفر والضلال، وكذلك معراجه الذي هو جسماني خارجٌ عن قياسك وعقلك.
فإذا عرفت هذا؛ فاعرف أن هذا الحديث وأمثاله ينبغي أن تؤمن بظاهرها، ولا تتعرض لها بتأويل متكلف، بل تُحيل إلى قدرة الله القادر الحكيم، فإنه تعالى على كل شيء قدير.
* * *
٤٥٦٧ - وعن جَابرِ بن سَمُرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنِّي لأَعرِفُ حَجَرًا بمكَّةَ كانَ يُسَلِّمُ عليَّ قبلَ أنْ أُبعَثَ، إنَّي لأَعرِفُهُ الآن".
قوله: "إني لأعرف حجرًا بمكة، كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني
стр. 2837
لأعرفه الآن" قيل: سلام الحجر على الرسول يفسَّر على وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى يخلق فيه نطقًا معجزةً للرسول، فيكون كلام الجماد من جملة معجزاته، كما أن إحياء الميت من جملة معجزات عيسى ﵇، وهذا أقوى من إحياء الميت؛ لأن الله تعالى جعل جمادًا ناطقًا لم يكن له النطق أصلًا، بخلاف الميت، فإن له الحياة من قبل.
الثاني: أنه يشاهد من الحجر أنه لو كان ناطقًا لشهد بنبوته، وفيه تحريض على أن شهادة الإنسان أولى.
ووجه السلام عليه: أن يجعله مستأنسًا بنزول الوحي، فإذا نزل لا ينفر منه.
وعند علماء التصوف: كان النبي ﷺ ينحرف (١) له عالم الشهادة إلى عالم الغيب، فكان يسمع صوت الحجر حينما يسلم عليه بسمعه الظاهرة؛ لأنها صارت قدسية ملكوتية لذلك الانحراف (٢)، بل جميع جوارحه الشريفة كانت بهذه المثابة؛ لأنه كان يرى الآثار العلوية بعينه الظاهرة، كالمعراج وغير ذلك.
* * *
٤٥٦٨ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: إنَّ أهْلَ مكَّةَ سَألُوا رَسُولَ الله ﷺ أنْ يُريَهُمْ آيةً، فأرَاهُمْ القَمرَ شِقَّتَيْنِ، حتَّى رأَوْا حِراءَ بينهُما.
قوله: "فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما"، (الشق): الجانب؛ يعني: أَرَى رسولُ الله ﷺ كفار قريش حين سألوه أن يريهم ما يدل على نبوته من
стр. 2838
خرق العادة انشقاقَ القمر شقين بإشارته إليه، بحيث أنه كان جبل حراء مرئيًا بين الشقين.
قال تاج القراء في "تفسير اللباب": سأل أهلُ مكة رسولَ الله ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين، وعلى هذا جلُّ المفسرين، ورواه مسلم والبخاري في "صحيحيهما".
قال في "شرح السنة": قال جماعة من المنكرين على هذا الحديث: هذا أمر عجيب، ولو كان له حقيقةٌ لم يَخْفَ ذلك على العوام، ولتناقلته القرون، ولخلِّد ذكره في الكتب، وذكره أهل العناية بالسير والتواريخ.
قيل لهم: هذا شيءٌ طلبه قومٌ خاضٌّ على ما حكاه أنس، فأراهم ذلك ليلًا وأكثر الناس نيام ومستكنُّون بالأبنية، والأيقاظ في الصحارى والبوادي قد يتفق أن يكونوا مشاغيل في ذلك الوقت، وقد يكسف القمر فلا يشعر به كثير من الناس.
وإنما كان ذلك في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر، ولو دامت هذه الآية حتى يشترك فيها العامة والخاصة ثم لم يؤمنوا لاستؤصلوا بالهلاك، فإنَّ من سننه في الأمم قبلنا: أن نبيهم كان إذا أتى بآية عامة يدركها الحس، فلم يؤمنوا، أهلكوا، كما قال تعالى في المائدة: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] نزل في هذا المعنى، فلم يظهر الله تعالى هذه الآية للعامة لهذه الحكمة، والله أعلم.
هذا كله منقولٌ من "شرح السنة".
والعجب من المنكر أن يخالف النص الصريح، وهو قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١، ٢]، قال
стр. 2839
في "تفسير اللباب" في سبب النزول: عن ابن مسعود ﵁ قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة فاسألوا السُّفَّار، فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات.
* * *
٤٥٦٩ - وقَالَ ابن مَسْعُودٍ ﵁: انشقَّ القَمرُ على عهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِرقتَيْنِ: فِرْقَةً فوقَ الجبَلِ، وفِرْقَةً دُونَهُ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ "اشْهَدُوا".
قوله: "فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه" قيل: الفرق والفرقة: الفلق من الشيء إذا انفلق، والفلق؛ أي: القطعة والشق.
ووجه علوِّ فرقة وتسفُّل أخرى: التنبيه الشديد على حصول الانشقاق، إذ لو تساوتا لتُوهِّم أن شعاع القمر اتسع كما يتسع في ليلة البدر، فلما تباينتا علوًا وسفلًا ظهر الانشقاق الصريح.
* * *
٤٥٧٠ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قالَ أبو جَهْلٍ: هلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظهُرِكُمْ؟ فقيلَ: نعمْ، فقالَ: واللَاّتِ والعُزَّى، لَئِنْ رأيتُهُ يفعلُ ذلكَ لأَطأنَّ على رَقَبَتِهِ، فأتَى رَسُوْلَ الله ﷺ وهوَ يُصلِّي، زَعَمَ لِيَطأَ على رَقبَتهِ، فما فَجِئَهُم منهُ إلَّا وهوَ يَنْكِصُ على عَقِبَيْهِ ويَتَّقي بيدَيْهِ، فقيلَ لهُ: مالكَ؟ فقَالَ: إنَّ بينِي وبينَهُ لخَندقًا منْ نارٍ وهَوْلاً وأجنِحةً، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا".
قوله: "هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم" الحديث.
"التعفير": التمريغ، و (يعفِّر): معناه ها هنا: يسجد. "بين أظهركم"؛ أي: بينكم.
стр. 2840
قيل: "اللات": اسم صنم بالطائف، وقيل: كان رجلًا يلتُّ السَّوِيق للحاج، فلما مات عبدوه.
قال في "الصحاح": ويقال: "العزى": سَمُرةٌ كانت لغطفان يعبدونها، وكانوا بنوا عليها بيتًا وأقاموا لها سَدَنةً، فبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فهدم البيت وأحرق السمرة، وهو يقول:
يا عُزَّ كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك
السَّمُرة: شجرٌ في البادية، السَّدَنة: جمع سادن، وهو الخادم لبيت الأصنام.
"لأطأن على رقبته"؛ أي: لأضعن رجلي على رقبته.
"فجأ الأمرُ وفاجأ": إذا أتى بغتةً.
"نكص على عقبيه": إذا رجع، (العقِب) بكسر القاف: مؤخَّر القدم، وهي مؤنثة.
"أتَّقي" أصله: أَوْتقي، قلبت الواو تاء، وأُدغمت التاء في التاء، معناه: أحذر وأحترز.
"ما لك"؛ أي: أيُّ شيء لك؟.
"الخندق": الشق حول البلد.
"الهول": الخوف.
"الأجنحة": جمع جناح، وهو يد الطائر، والمراد بالأجنحة ها هنا: الملائكة الذين يحفظونه ﷺ .
"اختطف وخطف": إذا استلب وأخذ.
يعني: سأل أبو جهل أصحابه عن النبي ﷺ هل يضع جبهته للسجود؟
стр. 2841
فقيل: نعم، فأقسم بالأصنام على أنه لو أبصره يسجد لوضع رجله على رقبته، فأتى النبيَّ ﷺ وهو في الصلاة، وقصد أن يفعل ذلك، فلما قرب منه رأى النار العظيمة حوله والأهوال كما ذكر في الحديث الصريح، رجع إلى قومه خائفًا مضطربًا على عقبيه.
* * *
٤٥٧١ - وقَالَ عَدِيُّ بن حَاتِمٍ ﵁: بَيْنا أنا عندَ النَّبيِّ ﷺ إذْ أتاهُ رَجُلٌ فشَكا إليهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أتاهُ آخرُ فشَكا إليهِ قَطْعَ السَّبيلِ، فَقَالَ: "يا عَدِيُّ! هلْ رأيتَ الحِيرَةَ؟ "، قَالَ: نَعَم، قَالَ: "فإنْ طَالَتْ بِكَ حَياةٌ فلَتَرَيَنَّ الظَّعينَةَ تَرْتحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حتَّى تَطوفَ بالكَعْبةِ لا تَخَافُ أَحَدًا إلَّا الله، ولَئنْ طَالَتْ بكَ حَياةٌ لتُفْتَحنَّ كُنوزُ كِسْرَى، ولَئنْ طَالَتْ بِكَ حياةٌ لتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخرِجُ مِلْءَ كفِّهِ منْ ذهَبٍ أو فِضّةٍ، يَطلُبُ مَنْ يَقبَلُهُ منهُ فلا يَجِدُ أحدًا يَقبَلُهُ منهُ، ولَيلقَيَنَّ الله أحدُكُمْ يومَ يَلقاهْ وليسَ بينَهُ وبينَهُ تَرْجُمانٌ يُترجِمُ لهُ، فلَيقولَنَّ: أَلَمْ أبعَثْ إِليْكَ رَسُولًا فيُبلِّغَكَ؟ فيقولُ: بلَى، فيقولُ: ألَمْ أُعطِكَ مالًا وأُفْضلْ عليكَ؟ فيقولُ: بلَى، فيَنظُرُ عنْ يَمينِهِ فلا يرَى إلَّا جهنَّمَ، وينظُرُ عنْ يَسارِهِ فلا يرَى إلَّا جهنَّمَ، فاتَّقُوا النَّارَ ولوْ بشِقِّ تَمْرةٍ، فمَنْ لمْ يَجدْ فبكلمةٍ طيبةٍ". قالَ عَدِيٌّ: فرأيتُ الظَّعينَة تَرْتحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حتَّى تَطوف بالكعبةِ لا تخافُ إلَّا الله، وكنتُ فيمَنْ افتتحَ كُنوزَ كِسْرَى بن هُرْمُزَ، ولَئنْ طالَتْ بكُم حَياةٌ لَتَرَوُنَّ ما قالَ النَّبيُّ أبو القَاسِمِ ﷺ : يُخرِجُ مِلْءَ كفِّهِ.
قوله: "فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة" الحديث.
"الظعينة": المرأة ما دامت في الهودج، فإذا لم تكن فيه فليست بظعينة، والمراد ها هنا: المرأة، سواءٌ كانت في الهودج أم لا.
стр. 2842
"ترتحل"؛ أي: تذهب وتمشي. "الحِيرة" بكسر الحاء: مدينة بقرب الكوفة.
"الكنوز": جمع، وهو جمع كنز، وهو المال المدفون، وقد كنَزْتُه أَكْنِزُه.
و"كسرى": لقب ملوك الفرس - بفتح الكاف وكسرها -، وهو معرَّبُ خسرو. "ترجم" كلامه: إذا فسره بلسان آخر، ومنه: التَّرْجُمان، على وزن الزَّعْفَران، ويجوز بضم التاء وفتح الجيم (١) وبضَمهما.
قال عدي: كنت عند رسول الله ﷺ ، فأتاه رجل شاكيًا الفقر، وآخر شاكيًا قطع الطريق، فقال لي: يا عدي! إن طال عمرك ترى أمن الطريق، بحيث تذهب المرأة من الحيرة إلى مكة قاصدةً إلى البيت، آمنةً غير خائفة سوى الله تعالى، وترى الغنى والسعة بين الناس، بحيث لا يوجد فقير يقبل شيئًا من الأغنياء، ولتفتحن كنوز كسرى.
ثم قال عدي: ظهر صدق النبي ﷺ ، ورأيت المرأة من الحيرة إلى مكة، كما ذكر ﷺ ، وكنت مع من فتح كنوز كسرى بن هرمز، وقال: وقد بقي الثالث وهو السعة والغنى بين الناس، فمن طال به العمر منكم وجد ذلك.
قوله: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" تحريض على التصدُّق بالأموال على المساكين، والاجتناب عما لا يحل له أخذه.
* * *
٤٥٧٢ - وقَالَ أبو هُريْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَهلِكُ كِسْرَى ثُمَّ لا كسْرَى بَعْدَهُ، وقَيْصَرُ لَيَهْلِكَنَّ ثمَّ لا يكونُ قَيْصَرُ بعدَهُ، ولَتُنْفِقُنَّ كُنوزَهُما في سَبيلِ الله".
стр. 2843
قوله: "يهلك كسرى، ثم لا كسرى بعده وقيصر" الحديث.
"قيصر": لقب ملوك الروم؛ يعني: قال رسول الله ﷺ : يهلك كسرى هذا، ثم لا كسرى بعده إلى يوم القيامة؛ يعني: ينقطع ملكه ونسله، وقيصر: ليهلكن، ثم لا يكون قيصر بعده، ولتنفقن كنوزهم في سبيل الله.
قال في "شرح السنة": روي أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام، فمزق كتابه، فقال ﷺ : "تمزق ملكه". وكتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، فأكرم كتابه، ووضعه في مسك، فقال ﷺ : "ثبت ملكه".
والجمع بين الحديثين: أن كسرى: تمزَّق ملكه، فلم يبق له، وأُنفقت كنوزه في سبيل الله، وأَورث الله المسلمين أرضه، وقيصر: ثبت ملكه بالروم، وانقطع عن الشام، واستفتحت خزائنه التي كانت بها، وأنفقت في سبيل الله، فمعنى قوله: "لا قيصر بعده"؛ يعني: بالشام.
* * *
٤٥٧٣ - وقَالَ: "ليَفتَتِحَنَّ عِصَابةٌ مِنَ المُسلِميْنَ كَنْزَ آلِ كِسْرَى الذِي في الأَبْيَضِ".
قوله "ليفتتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذي في الأبيض"، (افتتح وفتح) بمعنى، (العصابة): الجماعة.
قيل: (الأبيض): عبارةٌ عن القصر الذي بالمدائن، ويقال له بالفارسي: سفيدكوشك.
قال الإمام التوربشتي: سمعت بعض أصحاب الحديث بهمدان يقول: القصر الأبيض الذي في الحديث هو حصن دارا، الذي هو ابن بهمن، أو دارا بن داراء، ويقال له: شهرستان.
стр. 2844
ولم أجد لقوله سندًا من الرواية المعتد بها.
واللام في "ليفتتحن": جواب قسم مقدر.
* * *
٤٥٧٤ - وعَنْ خَبَّابِ بن الأَرَتِّ ﵁ قَالَ: شَكَوْنَا إلى النَّبيِّ ﷺ ، وهوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الكَعْبةِ، وقدْ لَقِينا مِنَ المُشرِكِينَ شِدَّةً، فقُلنا: ألا تَدعو الله؟ فقعَدَ وهوَ مُحْمَرٌّ وجهُهُ، قَالَ: "كانَ الرَّجُلُ فيمَنْ كانَ قبلَكُمْ يُحفَرُ لهُ في الأرضِ فيُجعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ فَوْقَ رَأسهِ فيُشَقُّ باثنَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دينِهِ، ويُمشَطُ بأمشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمهِ مِنْ عَظْمٍ وعَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذَلكَ عَنْ دِينِهِ، والله لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأَمرَ، حتَّى يَسيرَ الرَّاكِبُ منْ صَنعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يخافُ إلَّا الله أو الذِّئبَ على غَنَمِهِ، ولكنَّكُمْ تَسْتَعجِلُونَ".
قوله: "فيجاء بالمنشار فيوضع فوق رأسه" الحديث.
"المنشار والمئشار" بالهمز: كلاهما الذي يشق بها الخشبة.
"الصد": جَعْلُ أحدٍ معرضًا عن شيء؛ يعني: ما كان العذاب الشديد يصرفه عن دينه.
"الأمشاط": جمع مشط، وهو ما يمتشط به.
"الأمر" ها هنا: بمعنى الدين.
"صنعاء": بلد باليمن. "حضرموت": بلدة، وقيل: اسم قبيلة، وقيل: حضرموت موضع حضرة صالح ﵇، فمات فيه، فسمي بهذا الاسم.
يعني: أخبر النبي ﷺ بظهور الدين على الأديان الباطلة، وظهوره عن فتن الكفرة المتمردين، بحيث لو سار راكب من المسلمين من صنعاء إلى حضرموت لكان آمنًا غيرُ خائفٍ سوى الله تعالى، أو الذئبِ على غنمه، ولو كان بينهما
стр. 2845
مسافة بعيدة؛ يعني: سيزول أذى المشركين عن المسلمين؛ لنكبتهم وقوة المسلمين، وفيه تحريضٌ على الصبر على الأذى، والتحمُّل على المشاق، وعدم الاستعجال في الأمور.
أشار بقوله: "أو الذئب على غنمه" إلى خلوِّ الطريق والأماكن عن الأعداء، فإن الصحارى إذا خلت ربما يظهر فيها الذئب.
* * *
٤٥٧٥ - وقَالَ أَنسٌ ﵁: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدخُلُ على أُمَ حَرامٍ بنتِ مِلْحانَ، وكَانتْ تحتَ عُبادَةَ بن الصَّامِتِ ﵁، فدَخَلَ عليها يَومًا فأطعَمَتْهُ، ثُمَّ جلسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ استيقَظَ وهُوَ يَضحَكُ، قالتْ: فقلتُ: وما يُضحِكُكَ يا رَسُولَ الله؟ قال: "نَاسٌ منْ أُمَّتِي عُرِضوا عَليَّ غُزاةً في سَبيلِ الله، يَركَبونَ ثَبَجَ هذا البَحْرِ، مُلوكًا على الأسِرَّةِ" - أوْ: "مِثْلَ المُلوكِ على الأسِرَّةِ" -، فقلتُ: يا رَسُولَ الله! ادع الله أنْ يَجعَلَنِي منهُمْ، فدَعا لَهَا، ثُمَّ وضَعَ رأسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وهوَ يَضحكُ، فقُلتُ: يا رَسُولَ الله! ما يُضحِكُكَ؟ قال: "نَاسٌ منْ أُمّتي عُرِضُوا عَليَّ غُزاةً في سَبيلِ الله" - كمَا قَالَ في الأُولى -، فقُلتُ: يا رَسُولَ الله! ادْعُ الله أنْ يَجعَلَنِي منهُمْ، قَالَ: "أنتِ مِنَ الأوَّلينَ"، فركِبَتْ أُمِّ حَرامٍ البَحرَ في زَمَنِ مُعَاويَةَ، فصُرِعتْ عَنْ دابَّتِها حِيْنَ خَرجَتْ مِنَ البَحرِ فهَلَكَتْ.
قوله: "يركبون ثبج هذا البحر، ملوكًا على الأسرة" الحديث.
قال في "الصحاح": ثَبَجُ كلِّ شيء: وسطه، وثَبَجُ الرمل: معظمه.
"الأسرة": جمع سرير، وهو ها هنا بمعنى: سفينة.
و"ملوكًا": نصب على الحال من الضمير في "يركبون"، والعامل فيه (يركب)،
стр. 2846
و"مثل" صفةُ مصدرٍ محذوف، تقديره: يركبون ركوبًا مثلَ ركوب الملوك.
ووجه دخوله ﷺ عليها وهي من الأجانب: أنه كان جميع نساء أمته ﷺ كالمحارم له، من حيث إنه طينةُ وجوده طاهرةٌ مقدَّسةٌ عن الخيانة في النظر وغيرِ ذلك مما يصدر عن بني آدم، فإن مثل هذا يتولد من النفس، ونفسُ غيره ﷺ ولو كانت منقادة لصاحبها - غير مأمونة فطرةً؛ لأن الشهوة مركَّبة مجبولة فيها، كما قال ﷺ : "إن الله كتب على ابن آدم حظَّه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة"؛ يعني: ركَّب فيه الشهوة، فنفسُه ﷺ مأمونةٌ لا يصدر منها إلا الطيب؛ لكونها قدسية ملكوتية، فكانت على طبيعة قلوب الأنبياء والأولياء صلوات الله عليهم أجمعين، كما قال ﷺ : "إن الله تعالى أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" فلكمال (١) ذاته وطهارة نفسه أن يصح منه ﷺ ما لا يصح من غيره، كما لو ادعى ولا بينةَ له؛ لكان القول قوله بلا يمينٍ، ولو ادعى على أحد وحكم لنفسه، ثبت له ذلك المدَّعى، ولو تَزوَّجَ لصح نكاحه من غير ولي وشهود، وكيف لا وهو أزكى وأفضلُ مَن في السماء والأرض؟.
* * *
٤٥٧٦ - وقَالَ ابن عبَّاسٍ ﵄: إنَّ ضمادًا قَدِمَ مَكَّةَ، وكَانَ منْ أَزْدِ شَنُوْءَةَ، وكَانَ يَرْقي مِنْ هذِه الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهاءَ أهْلِ مَكَّةَ يقُولُونَ: إنَّ مُحمَّدًا مَجنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أنَّي رَأَيْتُ هَذا الرَّجُلَ لَعَلَّ الله يَشْفِيهِ على يَدَيَّ، قالَ: فلِقَيَهُ فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ! إنَّي أَرْقِي منْ هذا الرِّيحِ، فهلْ لكَ؟ فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ ونَستَعينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ الله فلا مُضلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عبْدُهُ ورَسُولُهُ،
стр. 2847
أمَّا بَعْدُ"، فَقَالَ: أعِدْ عليَّ كَلِماتِكَ هؤلاءِ, فأعَادَهُنَّ عليهِ رَسُولُ الله ﷺ ثَلاثَ مرَّاتٍ، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعتُ قَوْلَ الكَهَنَةِ وقَوْلَ السَّحَرَةِ وقَوْلَ الشُّعَراءِ، فما سَمِعتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلاءِ, ولَقدْ بَلَغْنَ ناَعُوْسَ البَحرِ، هَاتِ يَدَكَ أُبايعْكَ عَلَى الإِسلامِ، قَالَ: فبايَعَهُ.
قوله: "إن ضمادًا قدم مكة وكان من أزد شنوءة" الحديث.
قيل: كان ضماد صديقًا للنبي ﷺ في الجاهلية، قال الإمام التوربشتي: ومن أصحاب الحديث مَن يقول: (صماد) أو (صمام بن ثعلبة)؛ أي: بالصاد المهملة، وليس بشيء، فإن الذي اختلف اسمه، فقيل: صمادًا، وصمام بن ثعلبة، هو السعدي الوافد على رسول الله ﷺ ، وأما الأزدي؛ فإنه ضماد بالضاد المعجمة لا محالة.
"قدم" فلان من سفره قدومًا: إذا رجع.
و"أزد شنوءة": قبيلة من اليمن.
"رَقَى يَرْقِي": إذا عالج الداء بشيء، يقرأ ثم ينفث فيه.
قال الحافظ أبو موسى: "الريح" كناية عن الجن ها هنا، سمَّوها أرواحًا لأنهم لا يرون، كما أن الأرواح لا ترى.
قيل: أشار بقوله: "هذه" إلى جنس العلة التي كانوا يعتقدون أنها تتولد من مسِّ الجن الذي هو نفخةٌ من نفخاتهم، فيسمونها الريح.
فلما أتى رسولَ الله ﷺ ضمادٌ قال له: هل لك رغبة أن أرقيك من الداء الذي بك؟ فقال له رسول الله ﷺ : "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ... " إلى آخره، فأعجبه كلام رسول الله ﷺ ، فقال: أعِدْ مرة أخرى، فأعادها ثلاث مرات، فقال: ما أحسن وأفصح هؤلاء الكلمات، لقد سمعتُ مقالة الكهنة والسحرة والشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات قط، ولو كنتَ منهم لكان
стр. 2848
كلامك مشابهًا لكلامهم.
ثم قال: "لقد بلغنا ناعوس البحر ... " إلى آخره، قيل: (الناعوس) في البحر: ما سكن فيه الأمواج، وهو الوسط، والقاموس: قعره.
قيل: معناه: انتهى إلى سويداء قلبي معنى كلماتك هذه، قيل: معناه: بلغْنا في سماع كلامك هذا لجةَ بحرٍ لا يتناهى قعرُه في الفصاحة وكثرة المعاني.
قال الحافظ أبو موسى: وقع في جميع نسخ "صحيح مسلم": "ناعوس البحر"، وفي سائر الروايات: "قاموس البحر"، وهو: وسطه ولجته، ولعله لم يجوِّد كِتْبتَه فصحَّفه بعضهم، وليست هذه اللفظة أصلًا في "مسند إسحاق" الذي روى عنه مسلم هذا الحديث، غير أنه قرنه بأبي موسى وروايته، فلعلها في روايته زيادة.
قال الإمام التوربشتي في "شرحه": (ناعوس البحر) خطأ لا سبيل إلى تقويمه من طريق المعنى والرواية، وقد أخطأ فيه الراوي، وروي ملحونًا؛ لأن هذه اللفظة مما لم يسمع في كلام العرب، والصواب فيه: (قاموس البحر).
قوله: "هات يدك أبايعك" قال في "الصحاح": هاتِ يا رجل - بكسر التاء - أي: أعطني، والاثنين: هاتِيَا، مثل: آتِيَا، والجمع: هاتوا، وللمرأة: هاتي، وللنساء: هاتين، بمثل عاطِينَ، قال الخليل: أصل هات: من آتى يؤتي، فقلبت الألف هاء.
و (أبايعك) مجزوم؛ لأنه جوابُ لـ (هات)، وفي (هات) معنى الشرط، تقديره: إن تعطني يدك أبايعْك.
قيل: (هات) الصحيح أنه اسم فعل، فالقياس فيه إفرادُه على كلِّ حال، ولهذا ما جاء: هاتيا، ولا هاتي للمرأة، بل جاء: هاتوا، تنبيهًا على أن اسم الفعل يتحمل الضمير.
* * *
стр. 2849
فصل في المِعْرَاجِ
(فصل في المِعْرَاجِ)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٥٧٧ - عَنْ قَتَادَةَ ﵁، عَنْ أَنَسِ بن مالِكٍ ﵁، عَنْ مالِكِ بن صَعْصَعَة ﵁: أَنَّ نبيَّ الله ﷺ حدَّثَهُم عَنْ لَيْلَةِ أُسرِيَ بهِ: "بَيْنَما أَنَا في الحَطِيمِ - وربَّما قَالَ: في الحِجْرِ - مُضطَجِعًا، إذْ أتانِي آتٍ فشقَّ ما بينَ هذِه إلى هذِه - يَعني: منْ ثُغْرةِ نَحْرِهِ إلى شِعْرَتِهِ - فاستخرجَ قَلبي، ثُمَّ أُتيتُ بطَسْتٍ منْ ذَهبٍ مملوءٍ إيْمانًا، فغُسِلَ قَلبي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُعيدَ - وفي روايةٍ: ثُمَّ غُسِلَ البَطْنُ بماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ إيْمَانًا وحِكْمةً - ثُمَّ أُتيتُ بِدابَّةٍ دُونَ البَغلِ وفوقَ الحِمارِ أبيضَ، يَضَعُ خَطْوَهُ عندَ أقصَى طَرْفِهِ، فحُمِلتُ عليهِ، فانطلقَ بي جِبريلُ، حتَّى أتَى السَّماءَ الدُّنيا، فاسْتفتَحَ، قيلَ: مَنْ هذا؟ قالَ: جِبريلُ، قيل: ومَن معكَ؟ قال: محمّدٌ، قيلَ: وقدْ أُرسلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرحبًا بهِ فنِعْمَ المجيءُ جاءَ، ففَتَحَ، فلمَّا خَلَصْتُ فإذا فيها آدمُ صَلَواتُ الله عليهِ، فَقَالَ: هذا أَبوكَ آدمُ فسَلِّمْ عليهِ، فسلَّمتُ عليهِ، فردَّ السَّلامَ ثُمَّ قَالَ: مَرحبًا بالابن الصَّالح والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتَى السَّماءَ الثَّانيةَ، فاسْتَفتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذا؟ قَال: جِبريلُ، قِيلَ: ومَنْ معكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وقَدْ أُرسلَ إليه؟ قَالَ: نَعمْ، قِيلَ: مَرحبًا بهِ فنِعْمَ المَجيءُ جَاءَ، ففَتَحَ، فلمَّا خَلَصْتُ إذا يَحيَى وعيسَى صلواتُ الله عليهما، وهُمَا ابنا خَالَةٍ، قَالَ: هذا يَحيَى وعيسَى فسلِّمْ عليهما، فسَلَّمتُ، فردَّا ثُمَّ قالا: مَرحبًا بالأخِ الصَّالح والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءِ الثَّالثةِ، فاسْتفتَحَ، قِيْلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيْلَ: ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيْلَ: وقدْ أُرسِلَ إليهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرحَبًا بهِ فنِعْمَ المَجيءُ جَاءَ،
في الجَنّةِ، وأمَّا الظّاهِرَانِ فَالنِّيلُ والفُراتُ، ثُمَّ رُفِعَ لي البَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ أُتيتُ بإناءٍ منْ خَمْرٍ وإناءٍ مِن لَبن وإناءٍ منْ عَسَلٍ، فأخذتُ اللَّبن، فَقَالَ: هِيَ الفِطرةُ التي أنتَ عليها وأُمَّتُكَ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَليَّ الصَّلاةُ خَمسينَ صَلاةً كُلَّ يومٍ، فرَجَعْتُ فمَررْتُ عَلَى مُوسَى فَقَال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بخَمسينَ صَلاةً كُلَّ يَومٍ، قَالَ: إنَّ أمَّتَكَ لا تَستطيعُ خَمسينَ صَلاةً في كُلِّ يومٍ، وإنَّي والله قدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وعَالَجْتُ بني إِسْرائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فارجِعْ إلى ربك فسَلْهُ التخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فرجَعْتُ، فوضَعَ عنِّي عَشْرًا، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَال مِثْلَهُ، فرجَعْتُ فوضَعَ عنَّي عَشْرًا، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فرَجَعْتُ فوضَعَ عنِّي عَشْرًا، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فقالَ مِثْلَهُ، فرجَعتُ فأُمِرْتُ بعَشْرِ صَلواتٍ كُلَّ يَومٍ، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فرجَعْتُ فأُمِرْتُ بخَمسِ صلواتٍ كُلَّ يومٍ، فرجَعتُ إلى مُوسَى فقال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قلت: أُمِرْتُ بخَمسِ صَلواتٍ كُلَّ يَومٍ، قال: إنَّ أُمَّتَكَ لا تَستطيعُ خَمسَ صَلواتٍ كُلَّ يومٍ، وإنَّي قدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وعَالَجْتُ بني إِسْرائيلَ أشَدَّ المُعَالجَةِ، فارجِعْ إلى ربكَ فسَلْهُ التخْفِيفَ لأُمَّتِكَ"، قَالَ: "سَأَلْتُ ربي حتَّى استَحْيَيْتُ ولكنِّي أرْضَى وأُسلِّمُ" قال: "فلمَّا جاوَزْتُ نادَى مُنادٍ: أمضَيْتُ فَريضَتِي، وخفَّفْتُ عن عِبادِي".
"حدثهم عن ليلة أسري به: بينما أنا نائم في الحطيم" الحديث.
"ليلة": مضافة إلى (أسري)، و (ليلة): يجوز أن تُبنى على الفتح لإضافتها إلى الماضي، وهو مبني، كقول الشاعر:
على حينَ عاتبتُ المشيب على الصبا
ويجوز أن تجر.
(سرى وأَسْرَى) بمعنى، فيعدى (أسري) بالباء.
стр. 2852
قال في "شرح السنة": "الحطيم": الحِجْر، سمي حَطيمًا لِمَا حُطم من جداره، فلم يسوَّ ببناء البيت، حُطم؛ أي: كُسر.
قيل: نقل عن مالك أنه قال: (الحطيم): ما بين المقام إلى الباب.
وعن ابن جريج: هو ما بين الركن والمقام وزمزم.
وعن ابن حبيب أنه قال: (الحِجْر) ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام، حيث ينحطم الناس للدعاء؛ أي: ينكسر.
وقيل: كان أهل الجاهلية يتحالفون هناك، ينحطمون بالأيمان.
قال في "الصحاح": قال ابن عباس: (الحطيم): جدار حجر الكعبة، و (الحِجْر): هو ما حول الحطيم.
(الثُّغرة) بالضم: ثغرةُ النَّحر التي بين الترقوتين.
و (الشَّعرة) بالكسر: منبتُ العانة، وقيل: هي شعر العانة.
وقيل: ويمكن أن يُقال: إن هذا الشق غير الشق الذي كان في صباه ﷺ ؛ لأن الشق الذي كان في زمان الصبا ليخرِجَ من قلبه مادة الهوى، والشق المذكور في الحديث: كان ليُدخلَ في قلبه كمالَ الحكم والمعرفة والإيمان.
كما ذكر في الحديث: "ثم حُشِيَ"؛ أي: مُلِئَ قلبُهُ إيمانًا وحكمة.
قوله: "ثم أُتِيْتُ بدابةٍ دونَ البغلِ وفوقَ الحمار ... " الحديث.
هذه الدابة عبارة عن البراق، وصفتها: أنها كانت لا تمرُّ على شيء، ولا تطأُ شيئًا إلا حييَ، وكذا لا يصل ريحُها إلى شيء إلا حَييَ.
وقيل: إن السَّامري قد أخذ شيئًا من تراب أثر حافرها، ثم ألقاه في فم العجل الذي صاغه من الذهب، فخار لهذا.
قوله: "يضعُ خَطوه عند أقصى طَرْفِهِ"، (أَقْصَى): أفعل التفضيل، من
стр. 2853
(قَصَا يَقْصُو): إذا بعد.
(الطَّرف) بالفتح: الجَانب، وبالسكون: العَيْنُ؛ يعني: هذه الدابة حينما يركبُها رسولُ الله ﷺ كانَتْ تضعُ خَطوها عند غايةِ نظرِهَا ومُنتهاه، لا عند ركوب غيره من الرسل والأنبياء - صلوات الله عليهم -؛ لأنه كان لكمال ذاته لا يتجاوز نظر علمه قدم حاله، بل اعتدلَتْ أحوالُه، فكان قلبُهُ وقَالبُهُ وظَاهرُهُ وبَاطنُهُ سواء، فلهذا وصل في المِعراج بالجسم والروح إلى ما وصل غيره من الأنبياء بالروح، وكان في هذا المقام ما التفتَ ظاهُره وباطنُه إلى ما سوى الله تعالى، فوصَلَ إلى مَا وَصَلَ، وفَازَ بما فَازَ.
ثم مدَحَهُ تعالى وتقَدَّسَ، وقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]، فلو لم يكن كذلك؛ لما وَصَلَ إلى هذا المقام، بل وَصَلَ إلى بعض السماوات كوصول غيره من الأنبياء إلى بعضها بحسب مراتبهم، كما ذكر في الحديث.
قوله: "فاستفتَحَ، قيل: مَنْ هذا؟ "، (استَفْتَحَ): إذا طلب الفتح، و (مَنْ) في (مَنْ هذا؟): استفهام.
قيل: أراد بذلك: تقريرَ شدة حراسةِ السَّماء وكثرة حراسها، وأن أحدًا لا يقدر أن يمرَّ عليها، ويدخل فيها، إلا بإذن مَنْ هو مُوكَّل عليها.
قيل: الاستفتاح من جبريل؛ لأنه كان معه رسول الله ﷺ ، ولو كان منفردًا لما احتاج إليه.
قوله: "وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا، فنِعْمَ المجيء جاء": (مرحبًا) نُصب على المصدر؛ أي: رحب مرحبًا.
(المَجيءُ): فاعل (نِعْمَ)، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: نعم المَجيءُ مجيء جاء، قيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: جَاءَ فنِعْمَ المَجيءُ مجيئه.
قيل: معنى قوله: (أُرسل إليه؟)؛ أي: أُرسل إليه العروج؟ لأن بعثةَ نبينا ﷺ -
стр. 2854
من معظمات الأمور ومشاهيرها، فكيفَ يجوزُ أن يخفى على الملائكة ظهورُها؟
قيل: ربما يخفى عليهم ظهورها، ولو كانَ مِنْ عظائم الأمور؛ لاستغراقهم فيما عنده تعالى وتقدَّس، ورُبما لا يخفى عليهم ظهورُها، لكنهم سألوا عن الإرسال تعجبًا بما أنعمَ الله عليه، أو فرحًا واستبشارًا لعُروجه.
قوله: "فلما خَلَصْتُ فإذا فيها آدمُ، فقال: هذا أبوكَ آدمُ، فسلَّم عليه": خَلَصْتُ؛ أي: بلغْتُ وأتيت.
قيل: أمرَ جبريلُ النبيَّ ﷺ بالتسليم على الأنبياء ﵈؛ لأنه كانَ مارًا عليهم، فكأنه قائمٌ، وهم قعودٌ، ومعلومٌ أن القائمَ يسلمُ على القاعد، وإن كان أفضل.
قيل: رأى النبيُّ ﷺ أرواحَ الأنبياء - صلوات الله عليهم - في السماوات، وفي بيتِ المقدس مُشكَّلة بصورهم التي كانوا عليها في الدنيا، إلا عيسى ﵇، فإنه يحتمل أنه رأى شخصَه لا رُوحه المُشكَّل بصورتهِ كرؤيته غيرَه من الأنبياء.
قوله: "وهُما ابنا خَالة"؛ يعني: يحيى وعيسى ﵉، كانا ابني خالة؛ لأن عيسى بن مريم ابنة عمران، وهو يحيى بن الأشيع بنت عمران.
قوله: "فلمَّا تَجاوَزْتُ بَكَى": يريد به: موسى ﵊.
قال الخطابي: لا يجوز أن يُتأوَّل بكاءُهُ على الحَسَدِ له؛ لأن ذلك لا يليقُ بصفات الأنبياء ﵈، وأنه بكى من الشَّفقة على أُمته إذا قَصرَ عددُهُم عن مَبْلَغِ أمة محمد ﷺ .
قيل: يحتمل أنه لما علم أنه نبيُّ آخرِ الزمان، وعلى عَقبه تقوم الساعة، فَأشفق من دنوها، فبكى.
стр. 2855
ويحتمل أنه لما علمَ أن الرسول سوف ينتهي إلى العرش، وما أرسل إليه إلا لإدراك الرؤية، حتى يحصلَ له شرفٌ لم يحصلْ لأحدٍ قبله، بكى رحمةً لنفسه، غِبطة لا حسدًا، إذ ليس المراد بقوله: "لأنَّ غلامًا جاء بعدي" حقارةَ شأنه، بل المرادُ منه: كثرةُ نعمِ الله تعالى وأفضالِهِ له في مدةٍ يسيرةٍ، فإن العربَ قد يطلقون الغُلام على الشَّاب القوي الذي لم يظهر فيه الضَّعف.
قوله: "وإذا ورقُها مثل آذانِ الفِيلَةِ"، الضمير في (ورقها) يعود إلى (سِدْرَةِ المُنتهى).
و (الفِيَلَةُ): جمع فيل، كـ: قِرَدَةٌ جمع قِرْدٍ، وباقي الحديث مفسر في (باب صفة الجنة).
قوله: "فإذا أربعةُ أنهار؛ نهرانِ باطنان، ونهرانِ ظاهران": قيل: إنما ذكر (بَاطنان)؛ لخفاء أمرهما، وفقدان المَثَل لهما في الشاهد، ولأنهما مخفيَّان عن أبصار الناظرين.
وقد جاء في حديث آخر: أنَّ أحدَهما يُقال له: الكَوثر، والثاني يقال له: نهر الرحمة.
وقيل: النهران الآخران إنما سُميا: ظاهرين؛ لأنهما يفيضان على الأرض، ويَسقيان الأشجار والزُّروع بلا تعب.
قوله: "ثم رُفع لي البيتُ المعمور": قيل: هو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة، حُرمته في السماء كَحُرمة الكعبة في الأرض، ويقال لهذا البيت: الضُّرَاح، بالضاد المعجمة المضمومة.
وشرح (إناء الخمر) و (إناء اللبن) مذكور في (باب بدء الخلق)، وقيل: ما اختار العسل؛ لأنه مشبه بالدنيا؛ لقوله ﷺ : "الدنيا حلوة خضرة" فلو اختاره لما كان مناسبًا لقوله، مباينًا لفقره ومسكنته حين عُرضَتْ عليه مفاتيح كنوز
стр. 2856
الدنيا: "أجوعُ يومًا وأشبعُ يومًا"، ولكانت مظنة لمفاسدَ كثيرة في أُمته من الهمَّ إلى جمع الدنيا والإكباب عليها، والحرصِ العظيم في تحصيلِها، المؤدي إلى مَرارة الفِطام الضروري عنها.
قوله: "هي الفِطرةُ أنتَ عليها وأمَّتُكَ"؛ يعني: قال لي جبرائيل ﵇: اخترت اللبن هي الفطرة؛ أي: ما اخترتَهُ هي الفطرةُ المذكورة التي جُبلْتَ أنتَ وأمَّتك عليها، وهي الاستعدادُ لقَبولُ السَّعادات الأبدية، التي أوَّلُها الانقيادُ للشرع، وآخرها الوصول إلى الله سبحانه.
قوله: "أمضيْتُ فريضتَيِ، وخفَّفْتُ عن عبادي"، يقال: (أمضيت الشيءَ الفلانيَّ): إذا أنفذتُه؛ يعني: نُودي: قد أَنفذْتُ فريضتي على عبادي، وخفَّفْتُ عنهم، فهي خمسُ فرائض كلَّ يوم وليلة في التخفيف، وخمسون فريضة في التضعيف.
كما قال في رواية أخرى: "فقال: هي خمسٌ، وهي خمسون, لا يُبدَّلُ القولُ لديَّ"؛ أي: لا تَبديل ولا خُلف لأمري، يعني: ما قضيْتُ عليكم من الفرائضِ لا تبديلَ له، فإن الخمسَ المخفَّفة في العددِ هي الخمسون عندي في التضعيف، [يعني: التخفيفُ من الخمسين إلى الخَمس نظرًا إلى المعنى والحقيقة؛ لأنه من باب الحَسنة، والحسَنةُ بعشرِ أمثالِهَا، فالصلواتُ الخمسُ في العشر تصير خمسين صلاةً، فلهذا خُفِّفَتْ إلى الخمس، فإذا كان كذلك، فالصلوات الخَمسون حكمها باقٍ في الأجر والثواب.
أو يريد: أنه يعطي على خَمس صلواتٍ من الثَّواب ما كان يعطي على الخمسين لو فعلوها، فيصيرُ الثواب خمس مئة ضعف] (١).
стр. 2857
قال أرشد الدين الفيروزاني في "شرحه": قيل: ويُحتمل أن تكون الصَّلوات الخمسون التي أوجبَها الله سبحانه قبل أن يخفِّفها إلى الخمس هي جميع ما يُؤَدَّى يومًا وليلة من الفرائض والسنن المؤقتة وغيرها، فعند عَدِّها يُعرف أنها خمسون.
والفرائضُ خمس، ورواتبها التي ما قبلها وما بعدها إحدى عشرة صلاة، فالصبح صلاة واحدة، والظهر قبلها صلاتان، وكذا بعدها صلاتان، والعصر قبلها صلاتان، والمغرب بعدها صلاة واحدة، وللعشاء بعدها صلاة واحدة، والوتر صلاتان؛ إحداهما المقدمة، والثانية هي الوتر، وصلاةُ الليل سِتُّ، وصلاةُ الضُّحى ست، وبين المغرب والعشاء ثلاثٌ، وتحيةُ المسجد عند دخولِه لكلِّ فريضةٍ خمس، وبين الأذان والإقامة خمس، وشُكر الوضوء خمس، وصلاة التسبيح والاستخارة وصلاة التوبة وصلاة الحاجة أربع، فمجموعها خمسون، فقد أوجب الله سبحانه في الأول الخَمسين كلها، ثم خَفَّفَ عن عباده، واقتصر على الخَمس رحمةً لهم، وصار الباقي مندوبًا إليها.
قال الخطابي رحمة الله عليه: ومراجعةُ النبي ﷺ في باب الصلاة إنما جاءَ من رسولنا محمد وموسى - صلوات الله عليهما -؛ لأنهما عَرَفَا أن الأمرَ الأولَ غيرُ واجبٍ قطعًا، فلو كان واجبًا قطعًا؛ لَمَا صدرَتْ منهما المراجعة، فصدورُ المراجعة دليلٌ على أنَّ ذلك غيرُ واجب قطعًا؛ لأن ما كان واجبًا قطعًا لا يَقبل التخفيف.
وقيل: فرضَ في الأول خمسين، ثم رَحِمَ عباده، ونَسَخَهَا بخمسٍ، كآية الرضاع وعدة المتوفى عنها زوجها، وفيه دليل أنه يجوزُ نسخُ الشيء قبلَ وُقُوعِهِ.
* * *
стр. 2858
٤٥٧٨ - ورَوَى ثَابتٌ عَنْ أنسِ ﵁: أَنَّ رسُولَ الله ﷺ قالَ: "أُتيتُ بالبُراقِ، وهوَ دابَّةٌ أبيضُ طويلٌ فَوقَ الحِمارِ ودُونَ البَغْلِ، يَقَعُ حافِرُهُ عندَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فركِبْتُهُ حتَّى أتيتُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فربَطْتُهُ بالحَلْقَةِ التي يَربطُ بها الأَنبيَاءُ"، قَالَ: "ثُمَّ دخلتُ المَسجِدَ فصلَّيْتُ فيهِ رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فجَاءَنِي جِبريلُ بإناءٍ مِنْ خَمْرٍ وإناءٍ منْ لَبن، فاخْتَرتُ اللَّبن، فَقَالَ جِبريْلُ: اختَرْتَ الفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بنا إلى السَّماءِ". وقَالَ في السَّماءِ الثَّالِثَة: "فإذا أَنَا بيُوسُفَ, إذا هوَ قدْ أُعطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ بي ودَعا لي بخَيْرٍ". وقالَ في السَّماءِ السَّابعة: "فإذا أنا بإِبْراهيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وإذا هوَ يَدخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبعونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعودونَ إليهِ، ثمَّ ذَهبَ بي إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، وإذَا وَرَقُها كآذانِ الفِيَلَةِ، وإذا ثَمَرُها كالقِلالِ، فلمَّا غَشِيَها منْ أمْرِ الله ما غَشِيَ تَغيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ منْ خَلْقِ الله يَستطيعُ أنْ يَنْعَتَها منْ حُسْنِها، وَأوْحى إِليَّ مَا أوْحَى، ففَرضَ عَليَّ خَمسينَ صلاةً في كُلِّ يَوْمٍ ولَيلةٍ، فنزَلْتُ إلى مُوسَى". وقال: "فلمْ أَزَلْ أرْجِعُ بَيْنَ ربي وبَيْنَ مُوسَى حتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إنَّهُنَّ خَمسُ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْمٍ وليلةٍ، لكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ، فذلِكَ خَمْسُونَ صلاةً، ومَنْ هَمَّ بحَسنةٍ فلمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لهُ حَسنةً، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لهُ عَشْرًا، ومَنْ همَّ بسَيئةٍ فلمْ يَعْمَلْها لمْ تُكْتَبْ شَيئًا، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ سَيئةً واحِدةً".
قوله: "وإذا هو قد أُعطي شَطْرَ الحُسْنِ فرحَّبَ بي"، (الشَّطْرُ): النصف.
وقيل: المراد به ها هنا: البعض، كما قال ﷺ : "الطهورُ شَطْرُ الإيمان"؛ أي: بعضه.
وقال شريح: أصبحتُ ونصفُ الناس عليَّ غِضَابٌ.
قال الشاعر:
стр. 2859
إذا متُّ كانَ الناسُ نصفين شامتٌ
وآخر مُثْنِ بالذي كنتُ أفعلُ
والمقصود منهما: البعض مطلقًا لا على التساوي، فإذا كان كذلك فمعناه: قد أعطي يوسف بعض الحُسْنِ.
قال الإمام أرشد الدين الفيروزاني في "شرحه": ويحتمل أن المراد: أنَّ الحُسْنَ شطرُهُ للرجال، وشطرُهُ للنساء، فقد يُوْصَفُ الرجل بالحُسْنِ من حيث لا تُوصف المرأة به، وكذلك تُوصَفُ المرأةُ بالجَمَال بما لا يُوْصَفُ به الرجال، فإعطاؤه شَطْرَ الحُسْنِ كونه أَحْسَنَ من جميع الرجال، وإن لم يكن أحسنَ من جميع الخلق رجالهم ونسائهم.
قوله: "فلما غَشِيَها من أَمْرِ الله ما غَشِيَهَا تغيَّرت": (غَشِيَهُ غِشْيَانًا): جَاءَهُ، الضمير في (غشيها) عائدٌ إلى (السِّدرة)؛ يعني: فلمَّا اختصَّ رسولُ الله ﷺ عند السدرة بعميم القُرُبَاتِ وعظيم الكَرَامات، غَشِيَ السِّدرةَ أنواعُ الألطافِ الإلهية، وفاضَ عليها ما لا يقدرُ أن يصفها الواصفون، تشريفًا لحبيبه ﷺ ، فلما غشيها تغيَّرَتْ السِّدرة من ذلك.
قوله ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] قيل: أوحى الله إلى عبده ورسوله ما أوحى.
وقيل: أوحى جبريل إلى النبي ﷺ ما أوحى الله سبحانه إليه, ولا يُعرف مقدار ما أوحى إليه حملة العرش في ليلة المعراج.
فما ذكره القصَّاص في الوحي، وقيدوه بأنه تعالى أوحى إليه كذا وكذا وحيًا، وأمره بأن يبلغ أمته بعضَ ما أوحي إليه، وأن لا يبلغهم بعضًا، غير مُلْتَفَتٍ إليه.
стр. 2860
قوله: "مَنْ همَّ بحسنةٍ فلم يعْمَلْها كُتِبَتْ له حسنة ... " الحديث.
يقال: (هَمَمْتُ بالشيء أَهُمُّ همًا): إذا أردْتُه؛ يعني: مَنْ أرادَ أن يعملَ حسنةً فلم يعمَلْهَا كُتِبَتْ له حسنة، فإن عَمِلَها كانَتْ له عشرَ حسنات، ومَنْ أرادَ أن يعملَ سيئةً فلم يَعْمَلْها لم تكتبْ له سيئة، فإن عَمِلَها كُتِبتْ له سيئة واحدة، هذا من جملة إنعامه الكامل على عباده، ونتائج سَبْق رحمته على غضبه.
* * *
٤٥٧٩ - عنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَبو ذَرٍّ يُحدِّث: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "فُرِجَ عنِّي سَقْفُ بَيتي وأَنَا بمكَّةَ، فنزلَ جِبريْلُ ففَرَجَ صَدرِي، ثم غَسلَهُ بماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جاءَ بطَسْتٍ منْ ذَهَبٍ مُمتلِئٍ حِكمةً وإِيْمَانًا فأفرَغَهُ في صَدرِي، ثم أطبَقَهُ، ثُمَّ أخذَ بيدِي فَعَرَجَ بي إلى السَّماءِ, فلمَّا جِئتُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا قَالَ جِبريلُ لخازِنِ السَّماءِ: افْتَحْ، فلمَّا فَتحَ عَلَوْنا السَّماءَ الدُّنْيا، فإِذَا رَجُلٌ قاعدٌ، على يَميِنه أَسْوِدَةٌ، وعلى يَسارِهِ أسْوِدَةٌ، إذا نَظَرَ قِبَلَ يَمينِهِ ضَحِكَ، وإذا نظرَ قِبَلَ شِمالِه بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بالنَّبيِّ الصَّالح والابن الصَّالحِ، قُلْتُ لِجبريلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا آدمُ، وهذِه الأَسْوِدَةُ عنْ يَمينِه وعنْ شِمالِهِ نَسَمُ بنيهِ، فأهْلُ اليَمينِ منهُمْ أهْلُ الجَنَّةِ، والأسْوِدَةُ التي عنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فإذا نَظَرَ عنْ يَمينه ضَحِكَ، وإذا نظرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَكَى".
وقال ابن شِهابٍ ﵁: فأخبرَني ابن حَزْمٍ: أنَّ ابن عبَّاسٍ ﵄ وأبا حَيَّةَ الأنصارِيَّ كانا يَقُولان: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "ثمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظَهرْتُ بِمُسْتَوًى أَسْمعُ فيهِ صَريفَ الأقلامِ".
وقالَ ابن حَزْمٍ وأنسٌ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "ففَرَضَ الله على أُمَّتي خَمسينَ صَلاةً، فرجَعْتُ حتَّى مَرَرْتُ على مُوسَى ﵇، فَرَاجَعَني، فوَضَعَ
стр. 2861
شَطْرَها"، وقَالَ في الآخرِ: "فراجَعْتُه، فَقَالَ: هِيَ خَمسٌ، وهي خَمْسُونَ، ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَال: رَاجِعْ ربَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ ربي، ثُمَّ انطلَقَ بي حتَّى انتهىَ بي إِلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وغَشِيَها ألْوانٌ لا أدْرِي ما هِيَ، ثمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فإذا فيها جَنَابذُ الُّلؤْلؤِ، وإذا تُرابُها المِسْكُ".
قوله: "فُرِجَ عَنِّي سَقْفُ بيتي ... " الحديث، (التَّفْرِيْجُ): الشقُّ والكشفُ؛ أي: شُقَّ سقفُ بيتي، وكُشِفَ.
(أَفْرَغَهُ)؛ أي: صَبَّه؛ أي: صَبَّ ما في الطَّسْت.
(أطْبَقَه)؛ أي: غَطَّاه.
(ولأَمَهُ)؛ أي: أصلحَ محلَّ الشقِّ من صدري.
قوله: "على يمينه أَسْوِدَةٌ، وعلى يَسارِهِ أَسْوِدَةٌ": قال في "شرح السنة": (الأَسْوِدَةُ): جَمْعُ سَوَاد، وهو شخص الإنسان.
قيل: سُمي الشخص سوادًا؛ لأنه يُرى من بعيدٍ أسود؛ يعني: كان على يمين ذلك الرجل ويساره جماعات متفرقون.
و (النَّسَمُ): جمع النَّسَمَة، وهي النفس، وكلُّ دابة فيها رُوح فهي نَسَمَة، و (النَّسَمُ): الرُّوح، وأراد: أرواحَ أولاده، قيل: هي الأجساد المصورة في صور الإنسان.
قوله: "ثم عُرِجَ بي حتى ظَهرْتُ لمستوى أسمعُ فيه صَريفَ الأقلام" يقال: (ظهرتُ البيت)؛ أي: صعدتُهُ، وعلوتُهُ، (المُسْتَوَى): المصعد والموضع العالي، من (استوى على الشيء): عَلاه، والمراد بـ (المستوى): ما استوى به صعوده؛ أي: لم يكن منفذ هناك ولا تَجاوز، كأنه مُنتَهى العالَم.
стр. 2862
و (صَريفُ الأقلام): صَوتُها عند الكتابة وجريانها على اللَّوح وغيره، والأصل فيه: صوت البكرة عند الاستقاء، يقال: (صَرَفَتِ البَكَرَةُ تَصْرِفُ صَرِيفًا).
وقيل: (صَرِيفُ الأقلام) عبارةٌ عن التَّجَلِّي له ﷺ ، فما أُوحي إليه من غير واسطة جبريل وغيره من الملائكة، فإن القلمَ يُنبئ عن مكتوبات (١) علمه تعالى، وبه الاطلاع على علم الله سبحانه، قال الله : ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤]، وأراد به: أنه يُسمِعُه صريفَ القلم في الوحي إليه، كما سمع موسى ﵇ في وحي التوراة إليه صريفَ الأقلام.
قال في "شرح السنة": قوله: (أسمع صريفَ الأقلام): يريد - والله أعلم -: ما تكتبه الملائكةُ من أقضية الله تعالى، وما ينسخونَهُ من اللوح المحفوظ.
وقال الإمام التوربشتي في "شرحه": وفي بعض طرق هذا الحديث: "حتى ظهرت المُسْتَوى"، (المُسْتَوى): المُنْتَصَبُ العَالي المرتفع، واللام في الروايتين: لام العاقبة؛ أي: إلى مُنتهى صُعوده إليه.
قوله: "فإذا فيها جَنَابذُ اللُّؤْلُؤِ، وإذا تُرابها المِسْكُ"، الضمير في (فيها) و (ترابها): يعود إلى الجنة.
و (الجَنَابذ): جمع جُنْبُذَة، وهي القبة الكبيرة، وهي معربة كُنْبَذ؛ يعني: في الجنة التي أُعِدَّت لِمَنْ آَمَنَ به قُبَابٌ من اللؤلؤ الشَّفْاف، وترابُها المسك.
* * *
٤٥٨٠ - عن عبدِ الله ﵁ قَالَ: لمَّا أُسرِيَ بِرَسُولِ الله ﷺ انتُهِيَ بهِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وهيَ في السَّماءِ السَّادِسَة، إليها يَنتهِي ما يُعْرَجُ بهِ مِنَ الأَرضِ
стр. 2863
فيُقبَضُ مِنْها، وإِليها يَنتهي ما يُهْبَطُ بهِ مِنْ فَوقِها فيُقْبَضُ مِنْها، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾؛ قَالَ: فَراشٌ منْ ذَهَبٍ، قَالَ: فأُعطِيَ رَسُولُ الله ﷺ ثَلاثًا: أُعطِيَ الصَّلواتِ الخَمسَ، وأُعطِيَ خَواتيمَ سُورَةِ البقَرَةِ، وغُفِرَ لمنْ لا يُشرِكُ بالله مِنْ أُمَّتِه شَيئًا المُقْحِمَاتُ.
قوله: "فَرَاشٌ من ذَهَبٍ": قال في "الغريبين": (الفَرَاش): ما تراه كصغار البقِّ، يتهافَت في النار.
قيل: وفي المثل: (أطيشُ من فَرَاشَة).
قوله: "وأُعطِيَ خواتيمَ سُورةِ البقرة": قيل: معناه: استجيب له ﷺ مضمون الآيتين: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخر السورة، ولمَنْ سَأل من أمته إذا رَعَى حَقَّ السؤال.
قوله: "وغُفِرَ لِمَنْ لا يشركُ بالله شيئًا من أُمته المُقْحِماتُ": قال في "الغريبين": (المُقْحِمَات)؛ أي: الذُّنوبُ العِظامُ التي تَقْحِمُ أصحابَها في قُحم النار؛ أي: تُلقيهم فيها، وفيه دليلٌ على أن الذنوب لا تحبطُ العملَ الصالح.
* * *
٤٥٨١ - وعن أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبيّ ﷺ : "لقدْ رأَيْتُنِي في الحِجْرِ وقريشٌ تَسْألُنِي عنْ مَسْرايَ، فَسَألَتْنِي عنْ أَشْيَاءَ منْ بيتِ المَقْدِسِ لمْ أُثْبتْها، فكُرِبْتُ كَرْبًا ما كُرِبْتُ مِثلَهُ، فرفَعَهُ الله لِي أَنظُرُ إليهِ، مَا يَسْألوننِي عَنْ شَيءٍ إِلَاّ أنبأْتُهُمْ، وَلقد رأيْتُنِي في جَماعةٍ مِنَ الأنبياءِ، فإذا مُوسَى قَائِمٌ يُصلِّي، فإذا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كأنّهُ مَنْ رِجالِ شَنُوءَةَ، وإذا عيسَى قائِمٌ يُصلِّي، أَقْربُ النَّاسِ بهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بن مَسعودٍ الثَّقَفيُّ، وإذا إِبْرَاهيمُ قائِمٌ يُصلِّي، أشبَهُ النَّاسِ بهِ صَاحِبُكُمْ - يَعني: نَفْسَهُ - فَحَانَتْ الصَّلاةُ فأَمَمْتُهُمْ، فلمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاةِ قَالَ لِيْ قَائِلٌ:
стр. 2864
يَا مُحَمَّدُ! هذا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ فسَلِّمْ عليهِ، فالتَفَتُّ إليهِ، فبَدَأَنِي بالسَّلامِ".
قوله: "لقد رأيتني في الحِجْرِ، وقريشٌ تسألني عن مَسْرَاي"، اللام في (لقد) جواب قسم مقدر؛ أي: والله لقد.
و (الحِجْرُ): عبارةٌ عما أحاطَ به الحَطيم، وهو واقع من الشمال، والمِيْزَاب إليه.
و (المَسْرَى): مصدر ميمي من سَرَى يَسْرِي: إذا ذهبَ في الليل.
* * *
فصل في المُعْجِزَاتِ
(فصل في المُعْجِزَاتِ)
(المُعْجِزَات): جمع مُعْجِزَة، وهي اسم فاعلة من (أَعْجَزَ): إذا فَاتَ عنه الطَّلب، وجعلَهُ عاجزًا عن الإتيان به.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٥٨٢ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَالَ: نَظرتُ إلى أَقْدَامِ المُشْرِكِينَ على رُؤوسِنَا ونَحْنُ في الغَارِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله! لوْ أنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إلَى قَدمِهِ أبْصَرَنا، فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ! ما ظنُّكَ باثْنَينِ الله ثالِثُهُمَا؟ ".
قوله: "ونحنُ في الغار"، (الغارُ والمَغَار): الكهفُ في الجبل.
قوله: "ما ظَنُّكَ باثنين الله ثالثُهُما"؛ يعني بـ (الاثنين): نفسه ﷺ وأبا بكر ﵁.
واتحاد الضمير في (الاثنين)، وفي (هما) في (ثالثهما): دليل على كرامة أبي بكر ﵁ وفضيلته.
* * *
стр. 2865
٤٥٨٣ - وقَالَ البَراءُ بن عَازِبٍ لأِبي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ! حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُما حِينَ سَرَيْتَ معَ رَسُولِ الله ﷺ ، قال: أسْرَيْنا لَيْلَتَنا ومِنْ الغَدِ حتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهيرَةِ وخَلا الطَّريقُ لا يَمُرُّ فيهِ أَحَدٌ، فرُفِعَتْ لنا صَخْرةٌ طَويْلةٌ لَهَا ظِلٌّ لمْ تأتِ عليهِ الشَّمسُ، فنزَلْنا عِندَهُ، وسَوَّيتُ للنَّبيِّ ﷺ مَكَانًا بيدِي يَنَامُ عليهِ، وبَسَطْتُ عليهِ فَرْوَةً، وقُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ الله! وأَنَا أنفُضُ ما حَوْلَكَ، فنامَ، وخَرَجْتُ أنفُضُ ما حَوْلَهُ، فإِذَا أَنَا براعٍ مُقبلٍ، قُلْتُ: أفي غَنَمِكَ لَبن؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أفتحلِبُ لي؟ قَالَ: نَعَمْ، فأَخَذَ شَاةً فَحَلَبَ في قَعْبٍ كُثْبةً مِنْ لَبن، ومَعِي إِدَاوةٌ، حَمَلتُها للنَّبيِّ ﷺ يَرْتَوِي فِيْهَا، يَشْرَبُ ويَتَوضَّأُ، فأتيْتُ النَّبيَّ ﷺ ، فكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ فوافَقْتُهُ حتَّى اسْتَيْقَظَ، فصَبَبْتُ مِنَ المَاءِ على اللَّبن حتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فقُلْتُ: اشرَبْ يَا رَسُولَ الله! فشَرِبَ حتَّى رَضيْتُ، ثُمَّ قَالَ: "ألَمْ يَأْنِ للرَّحِيلِ؟ "، قُلتُ: بَلَى، قال: فارْتحَلْنا بَعْدَ مَا مالَتِ الشَّمْسُ، واتَّبَعَنا سُراقَةُ بن مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أُتِينا يَا رَسُولَ الله! فَقَالَ: "لا تَحزَنْ، إنَّ الله مَعنا"، فدَعَا عَلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ فارتَطَمَتْ بهِ فرَسُهُ إلى بَطنِها في جَلَدٍ مِنَ الأرْضِ، فَقَال: إِنِّي أَرَاكُمَا دَعُوتُما عَلَيَّ فادعُوَا لي، فالله لكُمَا أنْ أرُدَّ عنكُما الطَلَبَ، فدَعا لهُ النَّبيُّ ﷺ فَنَجَا، فجَعَلَ لا يَلقَى أَحَدًا إلَاّ قَالَ: كُفيتُمْ مَا هُنَا، فلا يَلقَى أحدًا، إلَاّ ردَّهُ.
قوله: "حين سريتَ مع رسول الله ﷺ "، (سَرَى وأسرى): إذا ذهب بالليل.
قوله: "قام قائم الظهيرة"، (الظَهيرة والهَاجِرة): نصفُ النهار عند اشتدادِ الحَرِّ، يقال: أتيتُهُ حَرَّ الظَهيرَة: حين قامَ قائِمُ الظَّهيرة.
قوله: "فَرُفِعَتْ لنا صخرةٌ طويلةٌ"، قيل: وجدنا تلك الصخرةَ مرفوعة طويلة.
قوله: "وبَسَطْتُ عليه فَرْوَةً"، (الفروُ والفَرْوَةُ): ما يُلبس من جِلْدَ الضَّأن
стр. 2866
وغير ذلك، الضَّمير في (عليه) يعود إلى قوله: (مكانًا).
قوله: "وأنا أنفُضُ ما حَوْلَكَ"؛ أي: أَحفَظُ ما حَوْلَكَ، وأحرسُكَ من الأعداء؛ يعني: أكونُ طليعة، أرقبُ العدو والخوف، وأتحسسُ الأخبار من كل وجه.
قال في "الصحاح": نَفَضْتُ المكانَ واسْتَنْفَضْتُهُ وتَنَفَّضْتُهُ؛ أي: أبصرتُ جميعَ ما فيه، و (النَّفَضَةُ) بالتحريك: الجماعةُ يُبعثون في الأرض؛ لينظروا هل فيها عدوٌّ أو خوفٌ.
قوله: "فحلبَ في قَعْبٍ كُثْبَةً": (القَعْبُ) بفتح القاف: قَدَحٌ من خَشَبٍ مُقَعَّرٌ، و (الكُثْبَةُ) من اللبن: قَدْرُ حَلبة، وقال أبو زيد: مِلءُ القَدَحُ من اللبن، والجمع: كُثُب، ذكره في "الصحاح".
(الإِدَاوَة): المِطْهَرَة.
قوله: "يرتوي فيها"، (ارتوَى ورَوِي) بالكسر: إذا انكسرَ عطشُهُ بشرْبِ الماء، والضمير في (فيها) يعود إلى (الإِدَاوة).
قوله: "فوافَقْتُهُ حتى اسْتَيقظَ": قال الإمام التوربشتي في "شرحه": اختلف رواة (كتاب البخاري) في هذين اللفظين؛ أعني: (فوافقته حتى استيقظ، فمنهم مَن يرويه: "فوافقتُهُ حين" - بتقديم الفاء على القاف -، و (حين) التي هي للظرف، والمعنى: وافقَ إتياني إياه حين استيقظ، وكذلك وجدناه فيما يُعتد به من نُسَخِ البخاري.
ومما يشهدُ لهذه الرواية بالصِّحة ما رُوي في بعضِ طُرق هذا الحديث من "كتاب مسلم": "فوافقتُهُ وقد استيقظ".
ومنهم مَنْ يرويه على ما ذكرنا، في تقديم الفاء مع حرف (حتى)؛ أي: وافقته فيما هو اختاره من النوم.
стр. 2867
ومنهم مَنْ يرويه: - بتقديم القاف على الفاء - من الوُقوف، والمعنى: صبرتُ عليه، وتوقَفْتُ في المَجيءِ إليه، حتى استيقظَ.
وأَرى الداخل إنما دَخَلَ على مَنْ يَرويه بـ (حتى) التي هي الغاية مِن قوله: "فكرهت أن أُوقظَهُ" فرأى أنه كان نائمًا، فوافقه على النوم، أو تأنى به حتى استيقظ.
والوجه فيه: أنه فارقَهُ وهو نائمٌ، فَقَدَّرَ الأمرَ في ذلك على ما فَارقَهُ عليه، فكَرِهَ إيقاظَهُ قبلَ المجيءِ إليه، فلمَّا أتاهُ كان الأمرُ على خِلاف ما تَوَهَّمَهُ، ووجدَهُ قد استيقظَ، هذا كله لفظ الإمام.
قوله: "فشربَ حتى رضيتُ"؛ أي: فشربَ رسولُ الله ﷺ من ذلك اللبن قَدْرَ ما رضيْتُ به، وهو الاكتفاء دون التمذق.
قوله: "أَلَمْ يَأَنِ الرَّحيل؟ ": آنَ يَأنُ: إذا دخل وقت الشيء، (الرَّحيل، والرِّحْلَة والارْتِحَال): الذهاب؛ يعني: أَمَا دَخَلَ وقتُ الذهاب؟
قوله: "فارتطَمَتْ به فرسُهُ إلى بَطنِها في جَلَدٍ": يقول: (ارْتَطَمَ في الوَحْلِ): إذا وقع فيه ونَشَبَ، بحيث لا يقدِرُ أن يخرجَ منه، و (الجَلَدُ): الأرضُ الصلبة.
قوله: "فالله لَكُما"؛ أي: فالله كفيل عليَّ لكما أني لا أهمُّ بعد ذلك بغدر لكما، وأنتما تذهبان بسلامة؛ لانقطاع الطلب لكما، ويجوز أن يريد: أنه تعالى ردني عنكما، وأعلمُ أن كل مَنْ قصدَكُما يَرُدُهُ الحقُّ تعالى، فاذهبا بأمنٍ لا خوفَ عليكما.
قوله: "فجعَلَ لا يَلقَى أحدًا ... " الحديث، (جَعَلَ)؛ أي: طَفِقَ، (يلقى)؛ أي: يبصر. (كُفِيْتُم)؛ أي: استغنيتم؛ يعني: وقفَ سراقةُ في ذلك المكان، وما وَصلَ إليه أحدٌ من المشركين للطلب إلا رَدَّهُ؛ وفاءً بما عَهَدَ،
стр. 2868
ومراعاةً لما وَعَدَ.
* * *
٤٥٨٤ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: سَمِعَ عبدُ الله بن سَلامٍ بِمَقْدَمِ رَسُولِ الله ﷺ وهوَ في أَرْضٍ يَخْترِفُ، فَأَتَى النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي سَائِلُكَ عنْ ثلاثٍ لا يعلَمُهُنَّ إلَاّ نبيٌّ: فما أَوَّلُ أَشْراطِ السَّاعةِ؟ وما أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ وما يَنْزِعُ الوَلدَ إلى أبيهِ أوْ إلى أُمِّهِ؟ قَالَ: "أخبَرنِي بهِنَّ جِبريلُ آنِفًا، أمَّا أَوَّلُ أَشْراطِ السَّاعةِ فنارٌ تحشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ فزِيَادَةُ كَبدِ حُوتٍ، وإذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأةِ نَزَعَ الولدَ، وإِذَا سَبَقَ مَاءُ المَرأةِ نَزَعَتْ"، قَالَ: أَشْهدُ أنْ لا إِلَهَ إلَاّ الله وأنَّكَ رَسُولُ الله، ثُمَّ قَالَ: يا رَسُولَ الله! إنَّ اليَهُودَ قومٌ بُهْتٌ، وإنَّهُمْ إِنْ يَعلَمُوا بإسْلامِي قبلَ أَنْ تَسْألَهُمْ يَبْهتوني، فجَاءَت اليَهُودُ، فقال: "أيُّ رَجُلٍ عبدُ الله فيكُمْ؟ "، قالوا: خَيْرُنا، وابن خَيْرِنا، وسَيدُنا وابن سَيدِنا، قال: "أرأَيْتُمْ إنْ أسلَمَ عبدُ الله بن سَلامٍ؟ "، قالوا: أَعَاذَهُ الله مِنْ ذلكَ، فخرجَ عبدُ الله فَقَالَ: أَشْهدُ أنْ لا إلهَ إلَاّ الله وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، فَقَالوا: شَرُّنا وابن شَرِّنا، فانتقَصُوهُ، قال: هَذَا الَّذي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ الله!.
قوله: "سمعَ عبدُ الله بن سَلام بمَقدَمِ رسولِ الله ﷺ وهو في أرضٍ يَخْتَرِفُ"، (المَقْدَم) بفتح الميم والدال، معناه: القدوم، (يَخْتَرِفُ)؛ أي: يجتني الثمار.
قوله: "فزيادَةُ كَبدِ حُوت"، قال أرشد الدين الفيروزاني في "شرحه": هي طرفُهُ، وكذلك الزيادة، وهي أطيبُ ما يكون من الكبد، وتخصيصُ الكبد؛ لتنزهها من العظام.
وقد يقال: إنه الحوتُ الذي على ظَهره الأرض، وإذا جعلَ الأرضَ خبزًا
стр. 2869
طعمة لأهل الجنة، فالحوتُ كالإِدام لهم، ولعل ذلك إشارة إلى إعدامِ ما يَقبل التغيير والتأثر، كما روينا من ذبح الموت، الذي يُؤتى على صورة كَبشٍ أَملَحَ.
قوله: "وإذا سَبَقَ ماءُ الرجلِ مَاءَ المرأة نَزَعَ الولدُ، واذا سَبَقَ ماءُ المرأة نَزَعَتْ": (سَبَقَ): إذا عَلَا وغَلَبَ، يُقال: (نَزَعَ إليه في الشَّبه): إذا أشبهه، ذكره في "الغريبين".
يعني: إذا غلبَ ماءُ الرجل أشبهه الولد، وإذا غلبَ ماءُ المرأة أشبهها الولد.
قوله: "إنَّ اليهودَ قومٌ بُهْتٌ": قال في "الصحاح": يقول: (بَهَتَهُ بَهْتًا وبَهَتًا وبُهْتَانًا، فهو بَهَّاتٌ)؛ أي: قال عليه ما لم يفعله، فهو مَبْهُوتٌ، فـ (بُهْتٌ): جمعُ بَهُوْتٍ، على بناء المبالغة؛ يعني: اليهودُ لا يُبالون في الكَذبِ والافتراءِ على الناس.
قوله: "فانتَقَصُوه"، (انتَقَصَ): افتعل من النَّقْصِ، وهو العيبُ، يعني: بعدما أسلَمَ عبد الله بن سلام عَابَهُ اليهود، وحَقَّرُوه.
* * *
٤٥٨٥ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ شَاوَرَنا حِيْنَ بلَغَنا إِقْبالُ أبي سُفْيانَ، فَقَامَ سَعدُ بن عُبادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! والّذِي نَفْسِي بيدِهِ، لوْ أمَرْتَنَا أنْ نُخِيضَها البحرَ لأخَضْنَاها، ولوْ أمَرْتَنا أنْ نضرِبَ أكبَادَها إلى بَرْكِ الغِمادِ لفعَلْنا، قال: فندَبَ رَسُولُ الله ﷺ النَّاسَ، فانطَلَقُوا حتَّى نزَلُوا بَدْرًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هذا مَصْرَعُ فُلانٍ"، ويَضعُ يَدهُ على الأَرْضِ هَا هُنَا وهَا هُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أحدُهُمْ عن مَوْضعِ يَدِ رَسُولِ الله ﷺ .
قوله: "لو أَمَرْتَنَا أن نُخِيضَها البحرَ لأخَضْناها"، (الخَوضُ): الشُّروع في
стр. 2870
الماء، تقول: (خُضْتُ في الماء، وأَخَضْتُ غيري فيه)، والضميرُ في (أن نُخِيْضَها) و (لأَخَضْنَاها) و (أكبَادها): للخيلِ أو الإبل، والقرينةُ تدل عليه.
و (الأكبادُ): جمع كبد، و (ضَرْبُ الأكبَاد): عبارةٌ عن تكليفِ الخيلِ والإبلِ السيرَ الكثير، بحيث يَصِرْنَ ظَمْأَى من شدةِ مَسيرِها.
(نَدَبَ): إذا دعا، و (انطلق): إذا ذهب.
قال في "الصحاح": (بِرْك): على مثال قرد، اسم موضع بناحية اليمن.
قال الإمام التوربشتي: (بِرك الغِماد): بكسر الباء وبفتحها، وبضم الغين وبكسرها، إلا أن أصحَ الروايتين في (بِرك) كسر الباء.
(مَاطَ)؛ أي: بَعُدَ؛ أي: ما بَعُدَ مصرعُ من عَيَّنه رسول الله ﷺ من كفار قريشٍ عن موضعِ يده في بَدر.
* * *
٤٥٨٦ - وعَنِ ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ وهوَ في قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ: "اللهمَّ! أَنشُدُكَ عَهْدَكَ ووعْدَكَ، اللهمَّ! إنْ تَشَأْ لا تُعبَدُ بعدَ اليومِ"، فأَخَذَ أبو بَكْرٍ بيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ الله! ألْحَحْتَ على ربك، فخَرجَ وهوَ يَثِبُ في الدِّرْعِ وهوَ يقول: " ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ".
قوله: "اللهم أنشُدُكَ عهدَكَ ووعدَكَ"، قال في "الصحاح": (نَشَدْتُ فلانًا أنشُدُهُ نَشْدًا): إذا قلتَ له: (نشدْتُكَ الله)؛ أي: سألتُكَ بالله؛ كأنكَ ذكَّرتَهُ إياه، فَنَشَدَ؛ أي: تذكَّر، والمفهوم: أن هذا اللفظ يستعمل في السؤال عن الشيء.
و (العهد) ها هنا: بمعنى الأمان؛ يعني: أسألُكَ أمانَكَ من تنفيذ وَعدْكَ الذي وعدْتَني بالنصرة، و (الوعد) المذكور في الحديث: عبارةٌ عن قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: ٩]، وعما ذكر في السورتين: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَك﴾ [الفتح: ١]
стр. 2871
و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] وغيرهما.
قيل: إنما بالغَ في الدعاء مع أنه كانَ موعودًا بالنصرة من عنده سبحانه؛ لأنه وُعِدَ بالنَّصر، ولم يعينْ له زمانَ إنجازه، فخافَ مِنْ تأخرِ إنجازه، فبالغَ في الدعاء؛ لينجزَ له الوعدَ في ذلك الوقت.
قيل: قول أبي بكر: (حسبك يا رسول الله! ألحَحْتَ) إنما كان لأنه رأى منه ﷺ مبالغةً في الدعاء، وقد استعاذ منه ﷺ ، من الكلام القديم: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وقد فُسِّرَ هذا بالمبالغة في الدُّعاء، فخاف أن يكون النبي ﷺ قريبًا من هذا الحال، فذَكَر مضمونَ الآية.
والأحسن أن يُقال: إنَّ مبالغةَ رسولِ الله ﷺ في السؤالِ مع عِظَمِ ثقتِهِ بربه، وكمالِ علمِهِ به، تشجيعٌ للصحابة وتقويةٌ لقلوبهم؛ لأنهم كانوا يعرفون أن دعاءَه لا محالَةُ مستجابٌ، لا سيما إذا بالغَ فيه.
وقول أبي بكر ﵁: (حسبُكَ يا رسول الله! فقد ألححت) دليلٌ على أنه أقوى قلبًا من الصَّحابة، وأعلمُهم بالله منهم، وأعرَفُهم بإنجاِز وعدِه تعالى، لكنه ضعيفٌ بالإضافةِ إلى ما أتَىَ بهِ رسولُ الله ﷺ من المُبَالَغَةِ في الدعاء تحقيقًا؛ لأن النبي ﷺ كان ينظرُ إلى توحيدِهِ، واستغنائِهِ عن الخلق، متفكرًا في مضمُون قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]، فخافَ عن الإبطاء في إنجازِ وعدِه سبحانه.
والصِّدِّيقُ كان ينظرُ إلى صورةِ الوَعْدِ، فتقوَّى بإنجازه، من حيث أنه لا خُلْفَ في وعده، فبينهما بَونٌ بعيدٌ وفَرقٌ كبيرٌ؛ لأنه ﷺ كان ينظرُ في المبالغةِ في الدعاء إلى ذاته فحسب، وهو عبارةٌ عن (الجَمْع) بلسان الصوفية، والصِّديق كان ينظر في القول المذكور إلى إنجاِز وعده، وهو من الصِّفات، وهو عبارة عن (التفرقة) بلسانهم.
* * *
стр. 2872
٤٥٨٧ - وعنِ ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ يومَ بَدْرٍ: "هذا جِبريلُ آخِذٌ بِرَأسِ فرَسهِ، عَليهِ أداةُ الحَرْبِ".
قوله: "عليه أداةُ الحرب": الضمير في (عليه) يعود إلى جبريل ﵇.
(الأَدَاة): الآلة.
* * *
٤٥٨٨ - وقَالَ ابن عبَّاسٍ ﵄: بَيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِميْنَ يومئذٍ يَشتَدُّ في أثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بالسَّوْطِ فَوقَهُ، وصَوْتَ الفَارِسِ يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزومُ! إذْ نظرَ إلى المُشركِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فنظرَ إليهِ، فإذا هوَ قدْ خُطِمَ أنفُهُ وشُقَّ وجهُهُ كضَرْبةِ السَّوْطِ، فاخْضَرَّ ذلكَ أجْمَعُ، فجاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ رَسُولَ الله ﷺ ، فقال: "صَدَقْتَ، ذلكَ منْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثالِثةِ".
قوله: "بينما رجلٌ من المسلمين يومئذٍ يَشْتَدُّ"، أصل (بينَمَا) بينَ، فزيدت عليه (ما)، و (ما) عِوَضٌ عن المضاف إليه، وتقديره: بينَ أوقاتِ محاربتنا.
و (رجلُ): مبتدأ، و (من المسلمين): صفته، و (يشتدُّ): خبره، ومعناه: يعدو، والتنوين في (يومئذ) تنوين عوض؛ أي: يومَ إذ قامَتْ الحربُ.
قوله: "إذ سَمِعَ ضربةً بالسَّوط"، (إذ) ها هنا: للمفاجأة.
قوله: "أَقْدِمْ حَيْزوم! "، (الإقْدَام): الشجاعة، ويقال: (أقدم): زجرًا للفرس.
و (الحَيْزُوم): وَسَطُ الصَّدر وما ينضم عليه الحِزَام، و (الحزيم) مثله، و (حَيْزُوم): اسم فرسٍ من خيل الملائكة، ذكره في "الصحاح".
قوله: "قد خُطِمَ أنفُهُ": قال في "الغريبين": قال شِمَر: (الخَطْم): الأَثَرُ
стр. 2873
على الأَنف، كما يُخْطَمُ البعير بالكَيِّ، يُقال: (خَطَمْتُ البعير): إذا وَسَمْتَهُ بالكَيِّ بخطٍ من الأَنف إلى أَحد خَديه؛ يعني: ظَهَرَ على أنفه أثرُ ضَربة بالسَّوط.
قوله: "فاخضَرَّ ذلكَ أَجْمَعُ"؛ أي: اسودَّ أثرُ تلك الضَّربة كلِّهِ.
قوله: "ذلك من مَدَدِ السَّماء الثالثة": ذلك: إشارة إلى المَلَكِ المُقَاتل؛ يعني: ذلك القِتال من مَدَدِ أهل السماء الثالثة، يعني: الملائكة ﵈.
وإنما خَصَّصَ المدد بأهل السماء الثالثة؛ لأنه أرادَ أنه قد مدَّ مِنْ أكثرِ السماوات، فنبه بالتثليث على ذلك، أو لعلَّ أهلَ السماء الثالثة لهم هذا التأثيرُ المخصوص.
* * *
٤٥٩٠ - وعَنِ البَراءِ ﵁ قال: بَعثَ النَّبيُّ ﷺ رَهْطًا إِلى أَبي رافِعٍ، فدَخَلَ عليهِ عبدُ الله بن عَتِيكٍ بيتَهُ لَيْلاً وهوَ نائِمٌ فقتَلَهُ، فَقَالَ عَبدُ الله بن عَتِيكٍ: فوضَعْتُ السَّيفَ في بطنِهِ حتَّى أَخَذَ في ظهرِهِ فعرَفْتُ أنِّي قَتَلتُهُ، فَجَعَلْتُ أفتحُ الأبوابَ حتَّى انتهَيْتُ إلى دَرَجةٍ، فوضَعْتُ رِجْلِي، فوقعْتُ في لَيلةٍ مُقْمِرَةٍ، فانكسَرَتْ سَاقِي، فعصَبْتُها بِعِمَامةٍ، فانطلَقْتُ إلى أَصْحَابي فانتَهَيْتُ إلى النَّبيِّ ﷺ فحَدَّثتُهُ فَقَال: "ابْسُطْ رِجْلَكَ"، فبسَطْتُ رِجْلِي فمسَحَها، فكَأنَّها لمْ أشتَكِها قطُّ.
قوله: "بعثَ رسولُ الله ﷺ رهطًا إلى أبي رافع ... " الحديث.
(الرَّهط): ما دون العشرة من الرجال، لا يكون فيهم امرأة، ذكره في "الصحاح".
يريد بـ (أبي رافع): ابن أبي الحقيق اليهودي، وكان من أعداء رسول الله ﷺ ، بعدما نقضَ عهده، وكان يسعى في أذيته، ويهجوه، وكان له قَلعةٌ يتحصن بها، فبعثَ رسول الله ﷺ إليه رهطًا من الخزرج، وقد أمَّرَ عليهم عبد الله بن عَتيك، وكان
стр. 2874
رجلًا محتالًا، فدخل عليه بالحِيلة، فقتلَهُ نائمًا في ليلة.
قوله: "فجعلتُ أفتحُ الأبواب"، (جعلْتُ)؛ أي: طَفِقْتُ.
قوله: "في ليلة مُقمرة"، (المُقْمِرة): اسم فاعلة من (أقمرَت الليلة): إذا أضاءت.
قوله: "فعصبتُها بعِمامة"، (العَصْبَ): الشَدُّ؛ أي: شددْتُ رِجلي بخرقةٍ.
قوله: "فمَسَحَها، فكأنها لم أَشْتَكِهَا قط"؛ يعني: فإذا وصلتُ إلى النبي ﷺ ، فمسح رجلي بيده، فصارَتْ صحيحةً كما كانت قبلَ الكسر.
وفيه دليلٌ على أنَّ الذمي إذا نقضَ عهدَهُ يُقتل.
إن قيل: ما الجمعُ بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ : "الإيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ"؟
قيل: تخصيصُ العام كثيرٌ في القرآن والحديث، فقوله ﷺ : "الإيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ" مخصوصٌ بكافرٍ يتولدُ منه شرٌ كثير، وأبو رافع كان يؤذي النبيَّ ﷺ وسائرَ الصحابة، وكان يهجُوهم، فجازَ قتلُهُ.
* * *
٤٥٩١ - وقَالَ جَابرٌ: إنَّا يومَ الخَنْدَقِ نَحفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيْدَةٌ، فجَاءُوا النَّبيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِه كُدْيَةٌ عَرضَتْ في الخَنْدَقِ، فَقَالَ: "أَنَا نازِلٌ"، ثُمَّ قَامَ وبطنُهُ مَعصُوبٌ بحَجَرٍ، ولَبثْنا ثَلاثَةَ أيَّامٍ لا نَذوقُ ذَواقًا، فأخَذَ النَّبيُّ ﷺ المِعْوَلَ فضَربَ فعَادَ كَثِيْبًا أهْيَلَ، فانْكَفأْتُ إلى امرأَتِي فَقُلتُ: هَلْ عِندَكِ شَيءٌ؟ فإنِّي رَأيتُ بالنَّبيِّ ﷺ خَمَصًا شَدِيْدًا، فأخْرجَتْ جِرابًا فيهِ صاعٌ مِنْ شَعيرٍ، ولَنَا بُهَيْمةٌ داجِنٌ فذبَحْتُها، وطَحنْتُ الشَّعيرَ، حتَّى جَعَلْنا اللَّحْمَ في البُرْمَةِ، ثُمَّ جِئت النَّبيَّ ﷺ فسَارَرْتُهُ فقلْتُ: يا رَسُولَ الله! ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعيرٍ، فتَعَالَ أَنْتَ ونَفَرٌ معَكَ، فَصَاحَ النَّبيُّ ﷺ : "يَا أَهْلَ الخَنْدَقِ! إنَّ جَابرًا صَنعَ سُوْرًا، فَحَيَّ
стр. 2875
هَلا بكُمْ"، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، ولا تَخْبزُنَّ عَجينَكُمْ حتَّى أَجِيءَ"، وجاءَ فأخرَجَتْ لهُ عَجيْنًا فبَصَقَ فيهِ وبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إلى بُرْمَتِنا فبَصَقَ وباركَ، ثُمَّ قالَ: "ادْعِي خابزةً فلتَخْبزْ معَكِ، واقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ ولا تُنزِلُوها", وهُمْ ألفٌ، فأُقسِمُ بالله لأَكَلوا حتَّى تَركُوه وانحَرَفوا، وإنَّ بُرْمَتَنا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وإنَّ عَجيننَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ.
قوله: "فعرَضَتْ كُدْيَةٌ شديدة"، (عَرَضَتْ): إذا ظَهرت.
(الكُدْيَة): الأرضُ الصُّلبة، وجمعها: كُدًى، و (أكْدَى الحافرُ): إذا بَلَغَ الكُدْيَة، فلا يمكنه أن يحفر، ذكره في "الصحاح".
قوله: "فأخذ النبي ﷺ المِعْوَل، فضربَ، فعاد كثيبًا أَهْيَلَ": (المِعْوَل): الفأسُ العظيمة التي يُنْقَرُ بها الصخر، والجمع: (المَعَاوِل)، قاله في "الصحاح".
(الكَثِيبُ): التَّل من الرَّمل.
و (الأَهْيَلُ والهَيَال): السَّيَال، من (هَال): إذا انْصبَّ وسَالَ؛ يعني: فضربَ النبيُّ ﷺ تلكَ الكُدية، فصارتْ كثيبًا من الرمل ينصبُّ ويسيلُ.
قوله: "فانكفأْتُ إلى امرأتي": أي: فانصرفْتُ إليها.
قوله: "رأيتُ بالنبي ﷺ خَمصًا شديدًا"، (الخَمْص - بفتح الخاء وسكون الميم - والمَخْمَصَةُ والمَجَاعَة) ثلاثتها بمعنى الجوع.
قوله: "ولنا بُهَيْمةٌ داجِنٌ"، (البُهَيْمة): تصغير البَهْمَة، وهي ولَدُ الضَّأْنِ الذكر والأنثى، و (شاةٌ داجِنٌ): إذا أَلِفَتِ البيوت، واستأنَسَتْ، ومن العرب من يقولها بالهاء، وكذلك غير الشاة، ذكره في "الصحاح".
(البُرْمَة): القِدْرُ، وجمعها: (البرام) بالكسر.
قوله ﷺ : "إن جابرًا صَنَعَ سُورًا"، (سُورًا)؛ أي: طَعامًا، وهو فارسي معرب.