← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] وغيرهما. قيل: إنما بالغَ في الدعاء مع أنه كانَ موعودًا بالنصرة من عنده سبحانه؛ لأنه وُعِدَ بالنَّصر، ولم يعينْ له زمانَ إنجازه، فخافَ مِنْ تأخرِ إنجازه، فبالغَ في الدعاء؛ لينجزَ له الوعدَ في ذلك الوقت. قيل: قول أبي بكر: (حسبك يا رسول الله! ألحَحْتَ) إنما كان لأنه رأى منه ﷺ مبالغةً في الدعاء، وقد استعاذ منه ﷺ ، من الكلام القديم: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وقد فُسِّرَ هذا بالمبالغة في الدُّعاء، فخاف أن يكون النبي ﷺ قريبًا من هذا الحال، فذَكَر مضمونَ الآية. والأحسن أن يُقال: إنَّ مبالغةَ رسولِ الله ﷺ في السؤالِ مع عِظَمِ ثقتِهِ بربه، وكمالِ علمِهِ به، تشجيعٌ للصحابة وتقويةٌ لقلوبهم؛ لأنهم كانوا يعرفون أن دعاءَه لا محالَةُ مستجابٌ، لا سيما إذا بالغَ فيه. وقول أبي بكر ﵁: (حسبُكَ يا رسول الله! فقد ألححت) دليلٌ على أنه أقوى قلبًا من الصَّحابة، وأعلمُهم بالله منهم، وأعرَفُهم بإنجاِز وعدِه تعالى، لكنه ضعيفٌ بالإضافةِ إلى ما أتَىَ بهِ رسولُ الله ﷺ من المُبَالَغَةِ في الدعاء تحقيقًا؛ لأن النبي ﷺ كان ينظرُ إلى توحيدِهِ، واستغنائِهِ عن الخلق، متفكرًا في مضمُون قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]، فخافَ عن الإبطاء في إنجازِ وعدِه سبحانه. والصِّدِّيقُ كان ينظرُ إلى صورةِ الوَعْدِ، فتقوَّى بإنجازه، من حيث أنه لا خُلْفَ في وعده، فبينهما بَونٌ بعيدٌ وفَرقٌ كبيرٌ؛ لأنه ﷺ كان ينظرُ في المبالغةِ في الدعاء إلى ذاته فحسب، وهو عبارةٌ عن (الجَمْع) بلسان الصوفية، والصِّديق كان ينظر في القول المذكور إلى إنجاِز وعده، وهو من الصِّفات، وهو عبارة عن (التفرقة) بلسانهم. * * *

стр. 2872

٤٥٨٧ - وعنِ ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ يومَ بَدْرٍ: "هذا جِبريلُ آخِذٌ بِرَأسِ فرَسهِ، عَليهِ أداةُ الحَرْبِ". قوله: "عليه أداةُ الحرب": الضمير في (عليه) يعود إلى جبريل ﵇. (الأَدَاة): الآلة. * * * ٤٥٨٨ - وقَالَ ابن عبَّاسٍ ﵄: بَيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِميْنَ يومئذٍ يَشتَدُّ في أثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بالسَّوْطِ فَوقَهُ، وصَوْتَ الفَارِسِ يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزومُ! إذْ نظرَ إلى المُشركِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فنظرَ إليهِ، فإذا هوَ قدْ خُطِمَ أنفُهُ وشُقَّ وجهُهُ كضَرْبةِ السَّوْطِ، فاخْضَرَّ ذلكَ أجْمَعُ، فجاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ رَسُولَ الله ﷺ ، فقال: "صَدَقْتَ، ذلكَ منْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثالِثةِ". قوله: "بينما رجلٌ من المسلمين يومئذٍ يَشْتَدُّ"، أصل (بينَمَا) بينَ، فزيدت عليه (ما)، و (ما) عِوَضٌ عن المضاف إليه، وتقديره: بينَ أوقاتِ محاربتنا. و (رجلُ): مبتدأ، و (من المسلمين): صفته، و (يشتدُّ): خبره، ومعناه: يعدو، والتنوين في (يومئذ) تنوين عوض؛ أي: يومَ إذ قامَتْ الحربُ. قوله: "إذ سَمِعَ ضربةً بالسَّوط"، (إذ) ها هنا: للمفاجأة. قوله: "أَقْدِمْ حَيْزوم! "، (الإقْدَام): الشجاعة، ويقال: (أقدم): زجرًا للفرس. و (الحَيْزُوم): وَسَطُ الصَّدر وما ينضم عليه الحِزَام، و (الحزيم) مثله، و (حَيْزُوم): اسم فرسٍ من خيل الملائكة، ذكره في "الصحاح". قوله: "قد خُطِمَ أنفُهُ": قال في "الغريبين": قال شِمَر: (الخَطْم): الأَثَرُ

стр. 2873

على الأَنف، كما يُخْطَمُ البعير بالكَيِّ، يُقال: (خَطَمْتُ البعير): إذا وَسَمْتَهُ بالكَيِّ بخطٍ من الأَنف إلى أَحد خَديه؛ يعني: ظَهَرَ على أنفه أثرُ ضَربة بالسَّوط. قوله: "فاخضَرَّ ذلكَ أَجْمَعُ"؛ أي: اسودَّ أثرُ تلك الضَّربة كلِّهِ. قوله: "ذلك من مَدَدِ السَّماء الثالثة": ذلك: إشارة إلى المَلَكِ المُقَاتل؛ يعني: ذلك القِتال من مَدَدِ أهل السماء الثالثة، يعني: الملائكة ﵈. وإنما خَصَّصَ المدد بأهل السماء الثالثة؛ لأنه أرادَ أنه قد مدَّ مِنْ أكثرِ السماوات، فنبه بالتثليث على ذلك، أو لعلَّ أهلَ السماء الثالثة لهم هذا التأثيرُ المخصوص. * * * ٤٥٩٠ - وعَنِ البَراءِ ﵁ قال: بَعثَ النَّبيُّ ﷺ رَهْطًا إِلى أَبي رافِعٍ، فدَخَلَ عليهِ عبدُ الله بن عَتِيكٍ بيتَهُ لَيْلاً وهوَ نائِمٌ فقتَلَهُ، فَقَالَ عَبدُ الله بن عَتِيكٍ: فوضَعْتُ السَّيفَ في بطنِهِ حتَّى أَخَذَ في ظهرِهِ فعرَفْتُ أنِّي قَتَلتُهُ، فَجَعَلْتُ أفتحُ الأبوابَ حتَّى انتهَيْتُ إلى دَرَجةٍ، فوضَعْتُ رِجْلِي، فوقعْتُ في لَيلةٍ مُقْمِرَةٍ، فانكسَرَتْ سَاقِي، فعصَبْتُها بِعِمَامةٍ، فانطلَقْتُ إلى أَصْحَابي فانتَهَيْتُ إلى النَّبيِّ ﷺ فحَدَّثتُهُ فَقَال: "ابْسُطْ رِجْلَكَ"، فبسَطْتُ رِجْلِي فمسَحَها، فكَأنَّها لمْ أشتَكِها قطُّ. قوله: "بعثَ رسولُ الله ﷺ رهطًا إلى أبي رافع ... " الحديث. (الرَّهط): ما دون العشرة من الرجال، لا يكون فيهم امرأة، ذكره في "الصحاح". يريد بـ (أبي رافع): ابن أبي الحقيق اليهودي، وكان من أعداء رسول الله ﷺ ، بعدما نقضَ عهده، وكان يسعى في أذيته، ويهجوه، وكان له قَلعةٌ يتحصن بها، فبعثَ رسول الله ﷺ إليه رهطًا من الخزرج، وقد أمَّرَ عليهم عبد الله بن عَتيك، وكان

стр. 2874

رجلًا محتالًا، فدخل عليه بالحِيلة، فقتلَهُ نائمًا في ليلة. قوله: "فجعلتُ أفتحُ الأبواب"، (جعلْتُ)؛ أي: طَفِقْتُ. قوله: "في ليلة مُقمرة"، (المُقْمِرة): اسم فاعلة من (أقمرَت الليلة): إذا أضاءت. قوله: "فعصبتُها بعِمامة"، (العَصْبَ): الشَدُّ؛ أي: شددْتُ رِجلي بخرقةٍ. قوله: "فمَسَحَها، فكأنها لم أَشْتَكِهَا قط"؛ يعني: فإذا وصلتُ إلى النبي ﷺ ، فمسح رجلي بيده، فصارَتْ صحيحةً كما كانت قبلَ الكسر. وفيه دليلٌ على أنَّ الذمي إذا نقضَ عهدَهُ يُقتل. إن قيل: ما الجمعُ بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ : "الإيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ"؟ قيل: تخصيصُ العام كثيرٌ في القرآن والحديث، فقوله ﷺ : "الإيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ" مخصوصٌ بكافرٍ يتولدُ منه شرٌ كثير، وأبو رافع كان يؤذي النبيَّ ﷺ وسائرَ الصحابة، وكان يهجُوهم، فجازَ قتلُهُ. * * * ٤٥٩١ - وقَالَ جَابرٌ: إنَّا يومَ الخَنْدَقِ نَحفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيْدَةٌ، فجَاءُوا النَّبيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِه كُدْيَةٌ عَرضَتْ في الخَنْدَقِ، فَقَالَ: "أَنَا نازِلٌ"، ثُمَّ قَامَ وبطنُهُ مَعصُوبٌ بحَجَرٍ، ولَبثْنا ثَلاثَةَ أيَّامٍ لا نَذوقُ ذَواقًا، فأخَذَ النَّبيُّ ﷺ المِعْوَلَ فضَربَ فعَادَ كَثِيْبًا أهْيَلَ، فانْكَفأْتُ إلى امرأَتِي فَقُلتُ: هَلْ عِندَكِ شَيءٌ؟ فإنِّي رَأيتُ بالنَّبيِّ ﷺ خَمَصًا شَدِيْدًا، فأخْرجَتْ جِرابًا فيهِ صاعٌ مِنْ شَعيرٍ، ولَنَا بُهَيْمةٌ داجِنٌ فذبَحْتُها، وطَحنْتُ الشَّعيرَ، حتَّى جَعَلْنا اللَّحْمَ في البُرْمَةِ، ثُمَّ جِئت النَّبيَّ ﷺ فسَارَرْتُهُ فقلْتُ: يا رَسُولَ الله! ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعيرٍ، فتَعَالَ أَنْتَ ونَفَرٌ معَكَ، فَصَاحَ النَّبيُّ ﷺ : "يَا أَهْلَ الخَنْدَقِ! إنَّ جَابرًا صَنعَ سُوْرًا، فَحَيَّ

стр. 2875

هَلا بكُمْ"، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، ولا تَخْبزُنَّ عَجينَكُمْ حتَّى أَجِيءَ"، وجاءَ فأخرَجَتْ لهُ عَجيْنًا فبَصَقَ فيهِ وبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إلى بُرْمَتِنا فبَصَقَ وباركَ، ثُمَّ قالَ: "ادْعِي خابزةً فلتَخْبزْ معَكِ، واقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ ولا تُنزِلُوها", وهُمْ ألفٌ، فأُقسِمُ بالله لأَكَلوا حتَّى تَركُوه وانحَرَفوا، وإنَّ بُرْمَتَنا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وإنَّ عَجيننَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ. قوله: "فعرَضَتْ كُدْيَةٌ شديدة"، (عَرَضَتْ): إذا ظَهرت. (الكُدْيَة): الأرضُ الصُّلبة، وجمعها: كُدًى، و (أكْدَى الحافرُ): إذا بَلَغَ الكُدْيَة، فلا يمكنه أن يحفر، ذكره في "الصحاح". قوله: "فأخذ النبي ﷺ المِعْوَل، فضربَ، فعاد كثيبًا أَهْيَلَ": (المِعْوَل): الفأسُ العظيمة التي يُنْقَرُ بها الصخر، والجمع: (المَعَاوِل)، قاله في "الصحاح". (الكَثِيبُ): التَّل من الرَّمل. و (الأَهْيَلُ والهَيَال): السَّيَال، من (هَال): إذا انْصبَّ وسَالَ؛ يعني: فضربَ النبيُّ ﷺ تلكَ الكُدية، فصارتْ كثيبًا من الرمل ينصبُّ ويسيلُ. قوله: "فانكفأْتُ إلى امرأتي": أي: فانصرفْتُ إليها. قوله: "رأيتُ بالنبي ﷺ خَمصًا شديدًا"، (الخَمْص - بفتح الخاء وسكون الميم - والمَخْمَصَةُ والمَجَاعَة) ثلاثتها بمعنى الجوع. قوله: "ولنا بُهَيْمةٌ داجِنٌ"، (البُهَيْمة): تصغير البَهْمَة، وهي ولَدُ الضَّأْنِ الذكر والأنثى، و (شاةٌ داجِنٌ): إذا أَلِفَتِ البيوت، واستأنَسَتْ، ومن العرب من يقولها بالهاء، وكذلك غير الشاة، ذكره في "الصحاح". (البُرْمَة): القِدْرُ، وجمعها: (البرام) بالكسر. قوله ﷺ : "إن جابرًا صَنَعَ سُورًا"، (سُورًا)؛ أي: طَعامًا، وهو فارسي معرب.

стр. 2876

قوله ﷺ : "فحيَّ هلا بكُم"؛ أي: يا رجالُ! هَلُمُّوا إلى الطَّعام الذي صَنَعَ لكم جابر، يقال: (حَيَّهَلَ الثَّريد)، معناه: هَلُمَّ إلى الثريد، فتحت ياؤه لالتقاء الساكنين، وبنيت (حيَّ) مع (هل) اسمًا واحدًا، مثل: (خمسة عشر)، وسُمِّي به الفعل، ويستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، فإذا وقفت عليه قلت: (حيِّ هَلا)، والألف لبَيَانِ الحَركة، كالهاء في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ و ﴿حِسَابِيَهْ﴾؛ لأن الألف من مخرج الهاء، قاله في "الصحاح". قيل: إذا وصلْتَ قلت: (حَيَّ هَلَ بكذا)، ويجوز: (حيَّ هلاً) بالتنوين. قوله: "فبسقَ فيه وباركَ": (بَسَقَ وبَصَقَ وبَزَقَ): إذا رمى بالبزاق في الشيء. و (بَارك) هنا بمعنى: برَّك؛ أي: دَعا له بالبَرَكَةِ. (عَمَدَ): إذا قَصَدَ. قوله ﷺ : "واقدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُم"، يقال: (قَدَحْتُ المَرَق): إذا غرفْتُهُ، و (القُدحة) بالضم: الغُرْفَة، يقال: (أعطني قُدْحَةً من مَرَقَتِكَ)؛ يعني: قال رسول الله ﷺ لامرأة جابر: "اغرفي"؛ يعني: من البُرمَة، ولا تنزليها، والصَّحابة كانوا ألفًا، ففعلَتْ ذلك، فأقسمَ جابرٌ بالله أنهم لأكلوا حتى تركُوهُ وانحرَفوا؛ أي: مالوا إلى أماكنهم. "وإن بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كما هِيَ، وإن عَجيننا لَيُخْبَزُ كما هو"؛ أي: أن البُرمة مغليةٌ تفورُ، فيُسمع لها غَطيط، و (الغَطْغَطَة): شِدَّةُ غَليان القدر، وأن العجينَ كان باقيًا كما هو. * * * ٤٥٩٢ - وقَالَ أَبو قتَادَةَ: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ لِعمَّارٍ حِينَ يَحفِرُ

стр. 2877

الخَنْدَقَ، فجَعلَ يَمسحُ رأسَهُ ويقول: "بُؤْسَ ابن سُمَيَّةَ، تَقتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ". قوله: "فجعلَ يمسحُ رأسَه"؛ أي: فطفق رسولُ الله ﷺ يمسحُ رأسَ عمارَ ابن ياسر. قوله: "بُؤْسَ ابن سُمَيَّةَ، تقتُلُكَ الفئةُ الباغيةُ"، (البُؤسُ): الشِّدة والمشقة. ويريد بـ (ابن سُمَيَّة): عمار بن ياسر، و (سميَّة): اسمُ أمه؛ يعني: يا شِدَّةَ ابن سميَّة التي تصلُ إليه في حالِ أن تقتلك الفئةُ الباغيةُ، قاله ﷺ تَرَحُّمًا له وشفقةً عليه. فعلى هذا (بُؤس) منادى مضاف، وإن رُوي بالرفع: فـ (بؤس) خبرُ مبتدأ محذوف، و (ابن سميَّة): منادى مضاف، تقديره: يصيبك بؤسٌ وشدة يا بن سمية أو (بؤس) فاعل فعل محذوف؛ أي: يصيبُكَ بؤسٌ يا ابن سُمية. و (أهل البغي) يعني بهم: معاوية ﵁ وقومه، ثم ظهر صِدق قوله ﷺ ، فقتَلَهُ أهلُ البغي، وكان مع علي ﵁. * * * ٤٥٩٣ - وقَالَ سُلَيمانُ بن صُرَدٍ: قالَ النَّبيُّ ﷺ حِيْنَ أُجْلِيَ الأحزابُ عنهُ: "الآنَ نَغزوهُم ولا يَغزونَنا، نحنُ نسَيرُ إليهِمْ". قوله: "حين أُجْلِيَ الأحزابُ عنه"، (الأحزابُ): الطوائفُ التي تجتمع على محاربة الأنبياء، ذكره في "الصحاح". يعني: حين انهزمَ الأحزاب عنه ﷺ قال: "الآن نغزُوهم"؛ يعني: قد أُخبرَ بأن الظَّفر قد جاءَ عليهم في هذه الساعة. * * *

стр. 2878

٤٥٩٤ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لمَّا رَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الخَنْدَقِ ووَضَعَ السِّلاحَ واغْتَسلَ، أَتاهُ جِبريلُ وهو يَنْفُضُ رَأسَهُ مِن الغُبارِ، فقالَ: "لَقَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ، والله ما وَضَعتُهُ، اخرُجْ إِليهِمْ"، قالَ النَّبيُّ ﷺ : "فأَيْنَ؟ فأشارَ إلى بني قُرَيْظَةَ". قوله "وهو يَنْفُضُ رأسَهُ من الغُبار"، (النَّفْضُ): تحريكُ الشيء ليزولَ ما عليه من الغُبار وغيره؛ يعني: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يمسحُ الغبارَ عن رأس جبريل ووجهه - صلوات الله عليهما -. قوله: "اخرُجْ إليهم"، (إلى) نصب على الحال؛ يعني: يا محمد! اخرجْ قاصدًا إلى بني قريظة، وهم اليهود. قوله: "فأين"؛ أي: فأين أقصد؟ * * * ٤٥٩٥ - قَالَ أَنَسٌ: كَأنِّي أنظُرُ إلى الغُبارِ سَاطِعًا في زُقاقِ بني غَنْمٍ مِنْ مَوْكِبِ جِبريلَ ﵇ حِينَ سَارَ رَسُولُ الله ﷺ إلى بني قُرَيْظَةَ". قوله: "في زُقاقِ بني غَنْم": (الزُّقاق) بضم الزاي: السَّكَّةُ، وهو عند أهل الحجاز مؤنث، وعند بني تميم مذكر. و (بنو غَنْم): قبيلة من الأنصار. "مَوْكِبِ جِبريل": جيشه، يقال لجَماعة الفرسان: موكب، وكذا الجماعة: الرُّكبان أيضًا، و (الرُّكبان): هم الذين رَكبوا الإبل. * * * ٤٥٩٦ - وقَالَ جَابرٌ ﵁: عَطِشَ النَّاسُ يومَ الحُدَيْبيَةِ ورَسُولُ الله ﷺ بيْنَ

стр. 2879

يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فتَوضَّأَ مِنها، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نحوَهُ، قَالُوا: لَيسَ عِنْدَنا مَاءٌ نَتَوضَّأُ بهِ ونَشْربُ إِلَاّ ما في رَكْوَتِكَ، فوَضَعَ النَّبيُّ ﷺ يَدَهُ في الرَّكْوَةِ، فَجَعَلَ المَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابعِهِ كَأَمْثَالِ العُيونِ، قَالَ: فشَرِبنا وتَوضَّأْنا، قيلَ لِجَابرٍ: كَمْ كُنْتُم؟ قَالَ: لوْ كُنَّا مِائةَ ألْفٍ لَكَفانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرةَ مِئَةً. قوله: "فوضع النبي ﷺ يده في الرَّكْوَة، فجعل الماء يفورُ من بين أصابعه كأمثال العُيون"، (الرَّكْوَة): ظَرفٌ يُتوضأ منه ويُشرب فيه. (جعل)؛ أي: طفق. قال الحافظ أبو موسى: كلُّ شيءٍ جاشَ وغَلى فقد فَارَ، وفَارَ الماءُ من العَين. قال الله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] يقال: فَارَتِ القِدْر تَفُورُ فَورًا وفَوَرَانًا: إذا جَاشَتْ. قوله: "كَمْ كُنتم؟ "، (كم): خبر مقدم؛ يعني: كَمْ رجلاً كنتم؟ * * * ٤٥٩٧ - وقَالَ البَراء بن عازِبٍ ﵁: كُنَّا معَ رَسُولِ الله ﷺ أَرْبَع عَشْرةَ مِئَةً يومَ الحُدَيْبيَةِ، والحُدَيْبيَةُ بِئرٌ، فنَزَحْنَاها، فلَمْ نترُكْ فيها قَطْرةً، فبلَغَ ذَلِكَ النَّبيَّ ﷺ ، فأَتَاها فجَلَسَ على شَفِيرِها، ثُمَّ دَعَا بإناءٍ مِنْ مَاءٍ فتوضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ ودَعا، ثُمَّ صَبَّهُ فيها، ثُمَّ قَالَ: "دَعُوها سَاعةً"، فأَرْوَوا أنفُسَهُمْ ورِكابَهُمْ حتَّى ارتَحَلوا. قوله: "فَنَزَحْنَاها"، (النَّزْحُ): الاستقاء؛ أي: استقينا ما في الحديبية. قوله: "على شَفِيرها"، (الشَّفِير): الطَّرف، الضمير في (شفيرها) يعود إلى الحديبية.

стр. 2880

قوله: "ثم صَبهُ فيها"؛ يعني: ثم صَبَّ الماء الذي مضمض به رسول الله ﷺ ، (فيها)؛ أي: في الحديبية. قوله: "فأَرْوَوا أنفسَهم ورِكَابهم حتى ارتَحلوا"، (الرِّكاب): الإبل التي يسار عليها، الواحدة: راحِلة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع: الرَّكب. و (الارتحال): الذَّهاب؛ يعني: كانوا هم وركابهم يرتَوُون منها مُدَّةَ إقامتهم هنالك. * * * ٤٥٩٨ - وقَالَ عِمْرانُ بن حُصَيْنٍ ﵁: كُنَّا في سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فاشتَكَى إليهِ النَّاسُ مِنَ العَطشِ، فنزَلَ، فدَعا فُلانًا ودَعا عَليًّا فقال: "اذْهَبا فابتَغِيا المَاءَ"، فانطلَقا فلَقِيا امرأةً بينَ مَزادَتَيْنِ - أو سَطيحَتَيْنِ - مِنْ مَاءٍ، فجَاءَا بها إلى النَّبيِّ ﷺ فاستَنْزَلوها عَنْ بَعيرِها، ودَعا النَّبيُّ ﷺ -بإناءٍ ففرَّغَ فيهِ منْ أفواهِ المَزادَتَيْنِ، ونُودِيَ في النَّاسِ: اسْقُوا واسْتَقوا، قال: فشَرِبنا عِطَاشًا أَرْبعينَ رَجُلاً حتَّى رَوِينا، فمَلأْنا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنا وإِداوَةٍ، وايمُ الله لَقْدْ أُقلِعَ عنها وإنَّهُ لَيُخيَّلُ إلَيْنا أنَّها أَشَدُّ مِلأَةً منها حِينَ ابتَدأَ. قوله: "فتلقيا امرأة بين مزادتين - أو سطيحتين - من ماء، فجاءا بها إلى النبي ﷺ "، (التلقي): الاستقبال. قيل: المزادة كالمزود، وهو وعاء يُوضَعُ فيه طعامُ السفر، فالعربُ جعلوا المزادة للماء تفريقًا بين الوِعاءين في الاسم. قال في "الغريبين": قال ابن الأعرابي: السَّطِيحةُ من المزاد: إذا كانت من جلدين قوبل أحدهما بالآخر، فسُطِحَ عليه. قوله: "فاستنزلوها عن بعيرها": الهاء تعود إلى (المرأة)؛ يعني: أنزلوها

стр. 2881

عن بعيرها، استنزل وأنزل بمعنى. قوله: "فشربنا عطاشًا أربعين رجلاً": (عطاشًا) نصب على الحال من الضمير في (شربنا)، و (أربعين) حال من الضمير في (عطاشًا)، ويجوز أن يكون حالًا بعد حال. "الإداوة" بكسر الهمزة: المطهرة. قوله: "وايم الله لقد أقلع عنها وإنه ليُخيَّلُ إلينا أنها أشدُّ مِلأة منها حين ابتدأ"، (وايم الله)؛ أي: والله، (الإقلاع عن الأمر الفلاني)؛ أي: الكف عنه. (التخيُّل): التشبيهُ على غَرَرٍ من غير يقين. و (المَلأَة) بفتح الميم: فَعْلَة من الملْء. يعني: حلف الراوي وقال: والله لقد انفكت الجماعة عن تلك المزادة والماء، ورجعوا عنها، "وإنه ليخيل إلينا": وإن الشأن والحديث ليُشبه إلينا أن تلك المزادةَ كانت أكثرَ ماءً من تلك الساعة التي كان الناسُ يبتدئون بالشرب فيها والاستقاء منها. * * * ٤٥٩٩ - وقَالَ جَابرٌ ﵁: سِرْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ حتَّى نَزَلنا وادِيًا أفْيَحَ، فذهَبَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْضي حَاجتَهُ فَلَمْ يرَ شَيئًا يَسْتتِرُ بهِ، وإذا شَجَرتانِ بِشَاطِيءِ الوادِي، فانطلَقَ رَسُولُ الله ﷺ إِلىَ إِحْداهُما فأخَذَ بغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِها فَقَال: "انْقادِي عَليَّ بإذنِ الله"، فانقادَتْ مَعَهُ كالبَعيرِ المَخْشوشِ الذي يُصانِعُ قائِدَهُ حتَّى أتَى الشَّجَرَةَ الأُخرَى، فأخذَ بغُصْنٍ منْ أغصَانِها فقال: "انقادِي عليَّ بإذنِ الله"، فانقادَتْ معهُ كذلك، حتَّى إذا كانَ بالمَنْصَفِ ممَّا بينهُما قال: "التَئِما عليَّ بإذنِ الله"، فالتَأَمَتا، فجلسْتُ أُحدِّثُ نفسِي، فحانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ فإِذَا أَنَا

стр. 2882

برسولِ الله ﷺ مُقبلاً، وإذا الشَّجَرتانِ قدْ افْتَرَقَتَا، فقامَتْ كُلُّ واحِدةٍ منهُما على ساقٍ. قوله: "حتى نزلنا واديًا أفيحَ"؛ أي: أوسع، يقال: بحر أفيحُ بينُ الفيح؛ أي: واسع. قوله: "فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته"، (ذهب)؛ أي: طفق. قوله: "وإذا شجرتين بشاطيء الوادي": (إذا) ها هنا: للمفاجأة. و (شجرتين): نصب بفعل مضمر، تقديره: فإذا رأى رسولُ الله ﷺ شجرتين بشاطيء. و (شاطيء الوادي): طرفه. قوله: "انقادي عليَّ بإذن الله": (انقادي): أمر مؤنث من (انقاد): إذا أطاع؛ يعني: قال رسول الله ﷺ ] لواحدةٍ من تينك الشجرتين: انقادي عليَّ، فانقادت له؛ معجزة له ﷺ . قوله: "كالبعير المخشوش": (المخشوش): الذي جعل في أنفه الخِشاش - بكسر الخاء - ليُقادَ به، و (الخِشاش): ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب وغير ذلك لينقادَ. قوله: "يصانعُ قائده"؛ أي: يوافقه، وينقاد له. قال في "الصحاح": المُصانعة: الرشوة، وفي المثل: (من صانعَ بالمال لم يَحْتشمْ من طلب الحاجة)؛ أي: لم يستحِ وقيل: المصانعة: أن تصنعَ لصاحبك شيئًا؛ ليصنعَ لك شيئًا. قوله: "حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما"، (المَنصَف) بفتح الميم والصاد: نصف الطريق.

стр. 2883

الضمير في (بينهما) عائد إلى الشجرتين. يعني: حتى إذا كان رسول الله ﷺ بنصف الطريق من موضع تينك الشجرتين قال لهما: "التئما عليَّ بإذن الله"؛ أي: اجتمعا. قوله: "فحانت مني لفتةٌ"، (حان): إذا أتى وقت الشيء. (لَفْتة): فَعْلة من (الالتفات). يعني: كنت مُشتغلاً بنفسي، مطرقَ النظر، لا ألتفت إلى شيء، فالتفتُّ بغتة، فرأيت تلك المعجزة؛ افتراقَ الشجرتين بعد اجتماعهما. * * * ٤٦٠٠ - عَنْ يَزيْدَ بن أبي عُبَيْدٍ ﵄ قال: رأيتُ أثَرَ ضَرْبةٍ في سَاقِ سَلَمةَ ابن الأكْوَعِ ﵁ فقلتُ: يا أبا مُسْلمٍ! ما هذِه الضَّرْبةُ؟ قال: ضَرْبةٌ أصَابَتْنِي يومَ خَيْبَرَ، فقالَ النَّاسُ: أُصيْبَ سَلَمَةُ، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ فنَفثَ فيهِ ثَلاثَ نَفَثَاتٍ، فمَا اشْتَكَيْتُها حتَّى السَّاعةِ. قوله: "أُصيبَ سلمةُ"؛ أي: أصابته جراحةٌ. * * * ٤٦٠١ - وقَالَ سهْلُ بن سَعْدٍ ﵁: قالَ رَسُولَ الله ﷺ يومَ خَيْبَرَ: "لأُعْطِيَنَّ هذِه الرَّايةَ غَدًا رَجُلاً يَفتحُ الله على يَديهِ يُحبُّ الله ورسولَهُ ويُحبُّهُ الله ورسولُهُ"، فلمَّا أصْبحَ النَّاسُ غَدَوْا على رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَال: "أَيْنَ عليُّ بن أبي طالِبٍ؟ "، فقالوا: هوَ يا رَسُولَ الله! يَشْتَكِي عيْنَيْهِ، فأُتِيَ بهِ، فبَصقَ في عَيْنَيْهِ ودَعا لهُ فَبَرَأَ حتَّى كأنْ لَمْ يَكُنْ بهِ وجَعٌ، فأعطاهُ الرايةَ. قوله: "فلمَّا أصبح الناس غدَوا على رسول الله ﷺ "، يقال: (غدا عليه)

стр. 2884

إذا أتاه وقتَ الغداة. قوله: "فبرَأ"؛ أي: فشُفِي. هذا الحديث دليلٌ على فضيلة عليٍّ ﵁. * * * ٤٦٠٢ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: نَعَى النَّبيُّ ﷺ زَيْدًا وجَعْفَرًا وابن رَواحةَ لِلنَّاسِ قبلَ أنْ يأتيَهُمْ خبرُهُمْ فَقَالَ: "أخذَ الرَّايةَ زَيْدٌ فأُصيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعفَرُ فأُصيبَ، ثُمَّ أخذَ ابن رَواحَةَ فأُصيبَ - وعَيْناهُ تَذرِفان - حتَّى أخذَ الرَّايةَ سَيْفٌ منْ سُيوفِ الله - يَعني: خَالدَ بن الوليدِ ﵁ حتَّى فتحَ الله عليهِم". قوله: "نعى النبي ﷺ زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناسِ قبل أن يأتيهم خبرُهم"، يقال: نعاه له نَعيًا ونُعيانًا بالضم: إذا أتاه بخبرِ موتِهِ؛ يعني: أخبر رسول الله ﷺ الصحابة ﵃ بموتهم. وفيه دليلٌ على جواز النعي. قوله: "وعيناه تذرفان"؛ أي: عينا رسول الله تسكبان العبراتِ لهؤلاء الثلاثة. وفيه دليلٌ على جواز البكاء للميت. * * * ٤٦٠٣ - وقَالَ عَبَّاسٌ ﵁: شَهِدتُ معَ رَسُولِ الله ﷺ يومَ حُنَيْنٍ، فلمَّا الْتَقَى المُسْلِمُونَ والكُفّارُ وَلَّى المُسْلِمُونَ مُدبرينَ، فطفِقَ رَسُولُ الله ﷺ يَرْكُضُ بَغلتَهُ قِبَلَ الكُفَّارِ وأَنَا آخِذٌ بلِجامِ بَغلةِ رسولِ الله ﷺ أكُفُّها إرَادَةَ أنْ لا تُسرِعَ، وأَبُو سُفيانَ بن الحَارِثِ ﵁ آَخِذٌ برِكابِ رَسُولِ الله ﷺ ، فنَظَر رَسُولُ الله ﷺ -

стр. 2885

وهوَ على بَغلتِهِ كالمُتطاوِلِ عليْها إلى قِتالهِمْ فقال: "هذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ! "، ثُمَّ أَخَذَ حَصَياتٍ فرَمَى بهِنَّ وجُوهَ الكُفَّارِ ثُمَّ قال: "انهَزَموا ورَبِّ مُحَمَّدٍ"، فوالله ما هُوَ إلَاّ أنْ رَماهُمْ بحَصَياتِهِ، فما زِلْتُ أرَى حَدَّهُمْ كَلِيلاً وأمْرَهُمْ مُدبرًا. قوله: "شهدت مع رسولِ الله ﷺ يومَ حُنين"، (شهدت): حضرت، و (حُنين): موضعٌ، يذكَّر ويؤنَّث، فإن قصدتَ به البلدَ والموضع ذكَّرته وصرفته، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥]، وإن قصدت به البلدة والبقعة أنَّثته ولم تصرفه، كما قال الشاعر: نَصَرُوا نبيَّهمُ وشدُّوا أزرَهُ ... بحُنينَ يومَ تواكَلَ الأبطالُ قوله: "ولى المسلمون مدبرين"، (ولَّى): إذا أدبر. قوله: "يركض بغلته قِبَل الكفار"، (يركض)؛ أي: يعدو. (قبل الكفار)؛ أي: نحوهم. قوله: "أكفُّها إرادةَ أن لا تسرعَ"، (أكفها)؛ أي: أمنعُ البغلة؛ لكي لا تسرع في العَدْوِ نحو الكفار. قوله: "فنظر رسولُ الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم"، الواو في (وهو) للحال، و (هو) مبتدأ، و (على بغلته) خبره، والكافُ في (كالمتطاول) حالٌ من الضمير المرفوع في (على بغلته). يعني: نظر رسول الله ﷺ إلى قتالهم، في حال كونه راكبًا على بغلته، كائنًا كالمتطاول عليها؛ أي: الغالب القادر على سوقها. قوله: "هذا حين حَمِيَ الوطيسُ" يقال: (حمي الوطيس): إذا اشتد [ت] الحرب، و (الوطيس) أيضًا: التنور، ذكره في "الصحاح".

стр. 2886

(هذا) إشارةٌ إلى القتال؛ يعني: القتال حين قامت الحرب على ساقها واشتدت. قوله: "ثم أخذ حصيات، فرمى بهن وجوه الكفار": (الحَصَيات): جمع حَصَاة، وهي حجر صغيرة. الرميُ إنما صدرَ من رسول الله ﷺ من حيث الظاهر، لكنه تعالى نفاه عنه حقيقةً؛ دفعًا للسبب، وأضافَ إلى نفسه تعالى من حيث الحقيقة؛ إثباتًا للمسبب؛ لأنه لا فاعلَ في عالم الوجود إلا الله سبحانه في الحقيقة، فقال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. وفيه وفي الذي بعده دليلٌ على أن ركوب البغلة سنةٌ. * * * ٤٦٠٤ - وقِيْلَ للبَراءِ بن عَازِبٍ ﵁: أفَرَرْتُمْ يومَ حُنَيْنٍ؟ قال: لا والله ما ولَّى رَسُولُ الله ﷺ ، ولكنَّ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحابهِ لَيسَ عليهِم كثيرُ سِلاحٍ، فلَقُوا قَومًا رُماةً لا يَكادُ يَسقُطُ لهُمْ سَهْمٌ، فرَشَقُوهُمْ رَشْقًا ما يَكادونَ يُخطِئونَ، فأقبَلُوا هُناكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، ورَسُولُ الله ﷺ على بَغلتِهِ البَيْضَاءِ، وأبو سُفيانَ ابن الحَارِثِ ﵁ يَقُودُهُ، فنزلَ واستنصَرَ وقال: "أَنَا النَّبيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابن عبدِ المُطَّلِبْ" ثُمَّ صَفَّهُمْ. قوله: "فلقوا قومًا رماة لا يكاد يسقطُ لهم سهمٌ"، (لقي): إذا أبصر، (الرماة): جمع رامي، الضمير في (لقوا) عائد إلى الشبان؛ يعني: الشبان - وهو جمع الشاب - رأوا قومًا رامين من الأعداءِ شديدي الرمي. "فرشقوهم رَشْقًا"، الضمير المرفوع في (رشقوا) يعود إلى الرماة،

стр. 2887

والمنصوب إلى الشبان؛ أي: فرموا بأجمعهم رميًا شديدًا، بحيث لا يكادون يخطئون في الرمي. قوله: "فنزل واستنصر"؛ أي: فنزل رسولُ الله ﷺ عن بغلته. و (استنصر)؛ أي: طلب النصر من الله سبحانه. قوله: "أنا النبيُّ لا كذبْ ... أنا ابن عبدِ المطلبْ" قيل: هذا رجزٌ، والرجز خارجٌ مما أجمعَ عليه الشعراء من القوانين الموضوعة في العروض. قيل: ربما صدرَ عن شخص كلامٌ موزون لا على قصدِ الشعر، فلا يُعدُّ ذلك الكلام عليه شعرًا. وإنما قال: "أنا ابن عبد المطلب" تعريفًا لنفسه؛ لأنه كان مشهورًا عند العرب أن لابن عبد المطلب نبأً عظيمًا ونبوة، وقد كان أصحابُ الأخبار والكهانُ يتحدثون بأن النبي ﷺ الموعود في آخر الزمان من بني عبد المطلب، فذهبَ رسول الله ﷺ يذكِّرهم بما اشتهرَ فيهم؛ ليرجعوا عن قتالهم. * * * ٤٦٠٥ - قَالَ البَرَاءُ: كُنَّا والله إِذَا احْمَرَّ البَأْسُ نتَّقِي بِهِ، وإنَّ الشُّجاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحاذِي بهِ، يَعني: رسولَ الله ﷺ . قوله: "كنا والله إذا احمرَّ البأسُ نتَّقي به"، يريد باحمرار البأس: اشتدادَ الحرب، قال في "شرح السنة": يقال: موت أحمر؛ أي: شديد، وحمر القيظ: شدة حرها، وسَنَةُ حمراء: شديدة، والعرب تصف عام الجدب بالحُمرةِ. ويقال: إن آفاق السماء تحمرُّ أعوامَ القحط.

стр. 2888

يعني: كنا نجعل رسولَ الله ﷺ واقية لنا من الأعداء عند اشتداد الحرب، قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ [المزمل: ١٧] أي: كيف يكون بينكم وبين العذاب واقية إن جحدتم يوم القيامة؟ ذكره في "شرح السنة". * * * ٤٦٠٦ - وقَالَ سَلَمَةُ بن الأَكْوَعِ ﵁: "غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ -حُنَيْنًا، فوَلَّى صَحابةُ رَسُولِ الله ﷺ ، فلمَّا غَشُوا رَسُولَ الله ﷺ نَزَلَ عَنِ البَغْلةِ، ثُمَّ قَبضَ قَبْضةً مِنْ تُرابٍ مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ اسَتَقْبَلَ بها وُجُوهَهُمْ، فَقَال: "شَاهَتِ الوُجوهُ"، فَمَا خَلَقَ الله منهُمْ إنْسَانًا إِلَاّ مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرابًا بِتِلْكَ القَبْضةِ، فوَلَّوْا مُدبرينَ. قوله: "فلما غشُوا رسولَ الله ﷺ نزل عن البغلةِ"، (غشي غشيانًا): إذا جاءه؛ يعني: فلما جاء الكفار رسول الله ﷺ نزل عن بغلته، فقبض قبضة من التراب، فرمى وجوههم، فملأ الله تعالى عيونهم من ترابِ تلك القبضةِ بقدرته القديمة، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. قوله: "شاهت الوجوهُ"؛ أي: قَبُحَت، يقال: (شاه يشوه شوهًا): إذا قبح. قيل في الحديث: "رأيت في الجنة امرأة شَوْهاءَ إلى جنب قصر، فقلت: لمن هذه؟ قالوا: لعمرَ" ﵁، قال القتيبي: الشوهاءُ الحسنة. فعلى هذا يكون (الشَّوْه) من الأضداد، كـ (الجَوْن) للبياض والسواد. * * * ٤٦٠٧ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: شَهِدْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ -حُنَيْنًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسلامَ: "هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فلمَّا حَضَرَ

стр. 2889

القِتَالُ قاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ القِتالِ وكثُرَتْ بهِ الجِراحُ، فجَاءَ رَجُلٌ فقال: يَا رَسُولَ الله! أَرَأَيْتَ الذِي تَحدَّثْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قاتَلَ في سَبيلِ الله مِنْ أَشَدِّ القِتالِ فكثُرَتْ بهِ الجِرَاحُ، فَقَال: "أَمَا إِنَّهُ منْ أَهلِ النَّارِ"، فكادَ بعضُ المُسْلِمِينَ يَرتابُ، فبَيْنَما هُمْ عَلَىَ ذَلِكَ إذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الجِراحِ فَأَهْوَى بيَدِه إلى كِنانتِهِ فانتزَعَ سَهْمًا فانتحَرَ بهِ، فاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمينَ إلى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالوا: يا رسولَ الله! صَدَّقَ الله حَديثَكَ، قَدْ انتحَرَ فُلانٌ وقتلَ نفسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الله أَكْبرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبدُ الله ورَسُولُهُ، يَا بِلالُ! قُمْ فأذِّنْ: لا يَدخلُ الجَنَّةَ إِلَاّ مُؤْمِنٌ، وإنَّ الله لَيُؤيدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفاجِرِ". قوله: "فكثرت به الجراح": (الجراحُ): جمع جِراحة، بالكسر. قوله: "فكاد بعض المسلمين يرتاب"، (ارتاب): إذا شكَّ؛ أي: فقَرُبَ بعضُ المسلمين أن يرتابوا في قول النبي ﷺ في شأن ذلك المجروحِ المُجِدِّ في القتال أنه من أهل النار، فتضَحَ حاله أنه من أهل النار، وما ارتابوا، ويأتي شرح حاله في باقي الحديث. قوله: "فأهوى بيده إلى كنانتِهِ، فانتزع سهمًا، فانتحرَ بها"، (أهوى بيده): إذا ألقاها، والمراد به ها هنا: مال إلى الكِنانةِ، [وهي] الجَعْبة. (فانتزع سهمًا)؛ أي: سلَّه. قال في "الصحاح": يقال: انتحرَ الرجلُ؛ أي: نحر نفسه، وفي المثل: سُرِق السارقُ فانتحرَ. يعني: مال إلى كنانته، فسلَّ سهمًا، فقتل نفسه بذلك. قوله: "فاشتدَّ رجالٌ من المسلمين إلى رسول الله ﷺ "، (اشتد إليه)؛ أي: عدا قاصدًا إليه.

стр. 2890

قوله: "الله أكبر! أشهد أني عبد الله ورسوله"، (الله أكبر): كلامٌ يقال عند الفرح؛ يعني: فرح رسول الله ﷺ حينما ظهرَ صدقُهُ، فقال: (الله أكبر ...) إلى آخره. قوله: "إن الله ليؤيدُ هذا الدين بالرجل الفاجر"، أيَّد يؤيد تأييدًا: إذا قوَّى؛ يعني: أن الله سبحانه ليقوي هذا الدين - يعني: الدين المحمدي - وينصره بالرجل الفاسق والكافر، كما هو في زماننا. حاصله: ينصره بكلِّ أحدٍ؛ ليقوي إظهاره، ولئلا ينقطعَ إلى ارتفاع التكليف. * * * ٤٦٠٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ الله ﷺ حتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إليهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيءَ وما فَعَلَهُ، حتَّى كَانَ ذَاتَ يَومٍ عندِي، دَعا الله ودَعاهُ، ثُمَّ قال: "أشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ! أنَّ الله قَدْ أَفتانِي فِيْمَا استفتَيْتُهُ، جَاءَنِي رَجُلانِ، جَلَسَ أحدُهُما عندَ رأْسِي والآخرُ عِندَ رِجْلِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُما لِصَاحبهِ: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قالَ: مَطْبوبٌ، قَالَ: ومَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبيدُ بن الأَعْصَمِ اليَهُودِيُّ، قَالَ: فِيْ ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قال: فَأَينَ هوَ؟ قَالَ: في بِئْرِ ذَرْوانَ"، فَذَهَبَ النَّبيُّ ﷺ في أُناسٍ مِنْ أَصْحَابه إلى البئْرِ فَقَال: "هذِهِ البئْرُ الَّتي أُريتُها، وكأَنَّ مَاءَها نقُاعَةُ الحِنَّاءِ، وكأَنَّ نَخْلَها رُؤُوسُ الشَّياطِينِ"، فاستخرجَهُ. قوله: "سحر رسول الله ﷺ ، حتى إنه ليخيَّلُ إليه أنه فعلَ الشيءَ وما فعله"؛ يعني: سحرَهُ لبيدُ الأعصم اليهودي، فغلب عليه النسيانُ، بحيث إنه اشتبهَ عليه من حيث النسيان: أنه فعل الشيء الفلاني وما فعله، أو ما فعل الشيء الفلاني وقد فعله.

стр. 2891

قوله: "أشعرتِ يا عائشة! أن الله قد أفتاني مما استفتيته"، (أشعرت)؛ أي: علمت. (أفتاني)؛ أي: بيَّن لي فيما طلبت منه سبحانه من البيان الواضح في شرح كيفية ذلك السحر، وفي من سحره، ويأتي البيان في باقي الحديث. قوله: "مطبوب"؛ أي: مسحور، وقيل: (الطبُّ): السحرُ، وقيل: كُنَّي عن السحر بالطبِّ الذي هو علاجه، كما كُنَّي عن اللديغ بالسليم؛ تفاؤلاً من اللدغ إلى السلامة، وكما كُنَّي عن البيداء المهلكة بالمفازة؛ تفاؤلاً من الهلاك إلى النجاة والفوز. وقيل: هو من الأضداد؛ لأنه يقال لعلاج الأدواء: طب، ولعلاج السحر أيضًا: طب، بل هو من أشدِّ الأدواء وأعظمها. وقيل: يحتمل أن العربَ استعاروا في السحر الطبَّ لدقته وخفاء أمره، والطبيب: عبارةٌ عمَّا هو الفطن بالشيء والحاذق له. قوله: "في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر", (المُشاطة): الشعرُ الذي يسقط من الرأس واللحية عند الامتشاطِ بالمشط. (الجُفُّ): وعاء الطلع، وهو قِشْرُهُ، ويروى: "في جُبِّ طلعةِ ذكرٍ"، قال أبو عمرو: يقال لوعاء الطلع: جُفٌّ وجُبٌّ، ويريد بالجبِّ: داخل الطلع، كما يقال لداخل الركيَّة من أولها إلى أسفلها: جب، وقيل: (طلعة ذكر) على الإضافة، وأراد بالذكر: فحل النخل. قوله: "في بئرِ ذَرْوان" موضعٌ، قال الإمام شهاب الدين التُّورِبشتي: في "كتاب مسلم": "في بئر ذِي أَرْوان". قال الإمام: وأراها أصوبَ الروايتين؛ لأن (أروان) بالمدينة أشهر من (ذروان)، وذو أروان على مسيرة ساعة من المدينة، وفيه بني مسجدُ الضرار،

стр. 2892

هذا كله لفظُ الإمام. قوله: "هذه البئر التي أريتها"؛ أي: هذه البئر هي التي أراني جبريلُ إياها. قوله: "وكأن ماءها نقاعة الحناء"؛ أي: كأنَّ ماءَ تلك البئر متغيرٌ لونه، كمثل ماء نُقِعَ فيه الحناء. قوله: "وكأنَّ نخلها رؤوسُ الشياطين، فاستخرجه": أراد بالنخل طلع النخل، وقيل: إنما أضاف النخل إلى البئر؛ لأنه كان مدفونًا فيها، وإنما شبهه برؤوس الشياطين؛ لقبح صورته وكراهة منظره؛ لأن العربَ إذا استقبحوا شيئًا شبَّهوه بوجه الشيطان ورأسه لقبحه، وإن لم يكونوا رأوه، والكلامُ القديمُ منزَّلٌ على سنن كلامهم؛ قال الله : ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]. وقيل: إنها رقيقة كرؤوس الحيات، والحية لخبثها يقال لها: شيطان. قال الشيخ في "شرح السنة": قال الخطابي: قد أنكر قومٌ من أصحاب الطبائع السحرَ، وأبطلوا حقيقتَهُ، ودفع آخرون من أهل الكلام هذا الحديث، وقالوا: لو جاز أن يكون له تأثيرٌ في رسول الله ﷺ ، لم يُؤمَنْ أن يُؤثِّرَ ذلك فيما يُوحَى إليه من أمر الشرع، فيكون فيه ضلالُ الأمة. الجواب: أن السحر ثابت، وحقيقته موجودةٌ، اتفق أكثر الأمم من العرب والفرس والهند وبعض الروم على إثباته، وهؤلاء أفضلُ سكان الأرض، وأكثرهم علمًا وحكمة، وقد قال الله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر﴾ [البقرة: ١٠٢] , وأمرَ بالاستعاذة منه، فقال: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، ووردَ في ذلك عن رسول الله ﷺ أخبارٌ لا ينكرها إلا من أنكر العِيانَ والضرورةَ, وفرَّع الفقهاءُ فيما يلزم الساحرَ من العقوبة، وما لا أصلَ له لا يبلغُ هذا المبلغَ في الشهرة والاستفاضة، فنفي السحر جهلٌ، والردُّ على من نفاه لغوٌ. فأما ما زعموا من دخول الضرر في الشرع بإثباته، فليس كذلك؛ لأنَّ

стр. 2893

السحرَ إنما يعمل في أبدانهم (١)، وهم بشر، يجوزُ عليهم من العلل والأمراض ما يجوزُ على غيرهم، وليس تأثير السحر بأبدانهم بأكثر من القتل وتأثير السم وعوارض الأسقام فيهم، وقد قُتِلَ زكريا وابنه، وسُمَّ نبينا - صلوات الله عليه - بخيبرَ. فأما أمرُ الدين فإنهم معصومون فيما بعثهم الله تعالى وأرصدهم له، وهو جلَّ ذكرُهُ حافظٌ لدينه، وحارسٌ لوحيه أن يلحقه فساد أو تبديل. وإنما كان خُيلَ إليه أنه يفعلُ الشيء في أمر النساء خصوصًا، وهذا من جملة ما تضمَّنه قولُهُ تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فلا ضررَ إذًا فيما لحقه من السحر على نبوته وشريعته، والحمدُ لله على ذلك، والسحرُ من عمل الشيطان، يفعلُهُ في الإنسان بنفثه ونفخه وهمزه ووسوسته، ويتولاه الساحرُ بتعليمه إياه، ومعونته عليه، فاذا تلقَّاه عنه، استعملَهُ في غيره بالقول والنفث في العقد، وللكلام تأثيرٌ في الطباع والنفوس، ولذلك صار الإنسان إذا سمع ما كره يحمى ويغضب، وربما حُمَّ منه، وقد مات قوم بكلامٍ سمعوه، وقولٍ امتعضوا منه، ولولا طولُ الكلام لذكرناهم، هذا كلامُ الخطابيِّ في كتابه، هذا كله لفظ الشيخ، قدس الله روحه. فإن قيل: كمال النبوةِ يمنعُ من حلول اختلال السحر بجسمِ النبي؟ قيل: لا يطول ذلك، بل يزول سريعًا، فكأنه ما حلَّ. وفائدةُ الحلول تنبيهٌ على أن هذا بشرٌ مثلكم، وعلى أن هذا السحرَ تأثيرُهُ حقٌّ؛ إذ أثَّر في أكمل إنسان، فكيف غيره؟ وصار ذلك كصدورِ ذنبٍ صغيرٍ يُنبَّهُ عليه في الحال.

стр. 2894

فإن قيل: فلمَ جاءه في بيان السحر ملكان آخران غير جبريل ﵇؟ قيل: لأنه صاحبُ الوحي فقط، فهو أرفعُ درجة من هذا. * * * ٤٦٠٩ - عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قَالَ: بَيْنما نَحْنُ عِندَ النَّبيِّ ﷺ -وهوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الخُويْصِرَةِ، وهوَ رَجُلٌ مِنْ بني تَميمٍ، فَقَال: يا رَسُولَ الله! اعدِلْ، فَقَال: "ويلَكَ! فمَنْ يَعدِلُ إذا لمْ أعدِلْ؟ قدْ خَبْتُ وخَسِرْتُ إِذَا لمْ أكُنْ أعدِلُ"، فَقَال عُمرُ: ائْذَنْ لي أَنْ أَضْرِب عُنُقَهُ، فَقَالَ: "دَعْهُ، فَإِنَّ لهُ أَصْحَابًا يَحقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ معَ صَلاتِهِمْ، وصِيامَهُ معَ صِيامِهِمْ، يَقْرَؤُوْنَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إلى نَصْلِهِ، إلى رِصَافِهِ، إلى نَضيهِ - وهو: قِدْحُهُ - إلى قُذَذِهِ، فلا يُوجدُ فيهِ شيءٌ، قَدْ سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ، آيتُهُمْ رَجُلٌ أَسْودُ إِحْدَى عضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرأَةِ، أو مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، ويَخرُجونَ على حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ". قالَ أبو سَعِيْدٍ: أَشْهَدُ أنَّي سَمِعْتُ هذا الحَديْثَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وأَشْهَدُ أنَّ عليَّ بن أبي طالِبٍ ﵁ قاتَلَهُمْ وأَنَا معَهُ، فأمرَ بذلكَ الرَّجُلِ فالتُمِسَ، فأُتِيَ بهِ حتَّى نظَرتُ إليهِ على نَعْتِ النَّبيِّ ﷺ الذي نَعَتَهُ. وفي رِوَايَةٍ: أقبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْنتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَال: يَا مُحَمَّدُ! اتَّقِ الله، قَالَ: "فمَنْ يُطيعُ الله إذا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُني الله على أهلِ الأرضِ فلا تَأْمَنُوني؟ "، فَسَألَ رَجُلٌ قَتْلَهُ فمنعَهُ، فلَمَّا ولَّى قال: "إنَّ مِنْ ضئْضئِ هذا قَوْمًا يَقْرَؤُونَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ، يَمْرُقونَ مِنَ الإِسلامِ مُروقَ السَّهْم مِنَ الرَّمِيَّةِ، فيَقتُلُونَ أهلَ الإِسلامِ، ويَدَعُونَ أهلَ الأوْثَانِ، لَئِنْ أدْرَكتُهُمْ لأقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ".

стр. 2895

قوله: "وهو يقسمُ قَسمًا"، (القسم) بفتح القاف: مصدر، وبكسرها معناه: الحظُّ والنصيب، قيل: لا وجهَ لكسر القاف في هذا الحديث؛ لأنه يختصُّ إذا انفرد نصيب. وقيل: هذا القسمُ كان في غنائم حُنين، قسمها بالجِعرانةِ. قوله: "أتاه ذو الخُوَيصرة، وهو رجلٌ من بني تميمٍ"، قال في "تفسير الوسيط": اسمه: حرقوص بن زهير، وهو أصلُ الخوارج، ونزلت فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] الآية. قوله: "قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" قيل: (خبتَ وخسرتَ) على ضمير المخاطب، لا على ضمير المتكلم، وإنما أضافَ الخيبةَ والخسرانَ إلى المخاطب؛ لأنه إذا اعتقد أنه لا يعدلُ مع أنه مبعوثٌ؛ ليكون رحمة للعالمين، قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فقد خابَ وخسر. ووجهُ ضمير المتكلم كان أظهر. وإنما لم يأذنْ لعمر ﵁ أن يقتله؛ لأنه كان يتلفظُ بكلمة الإسلام، وكان يُصلي، والنبيُّ ﷺ نهى عن قتل المصلين. قوله: "فقال: دعه؛ فإن له أصحابًا" الحديث. قال في "شرح السنة": فإن قيل: كيف منعَ عمرَ عن قتله مع قوله: "لئن أدركتهم لأقتلنهم"؟ قيل: إنما أباحَ قتلهم إذا كثروا، وامتنعوا بالسلاح، واستعرضوا الناس، ولم تكنْ هذه المعاني موجودةً حين منعَ من قتلهم، وأولُ ما ظهر ذلك في زمان علي ﵁، وقاتلهم، حتى قتل كثيرًا منهم. وقيل: إنما وُجِدَ ذلك بعد النبي ﷺ بسبع وعشرين سنة.

стр. 2896

قوله: "يقرؤون القرآن لا يجاوزُ تراقيَهم"، (التراقي): جمع ترقوة، وهي العظام بين نقرة النحر والعاتق؛ أي: لا يجاوزُ ما يقرؤون من القرآن عن ظاهرهم إلى باطنهم، ولا عن قالبهم إلى قلبهم. يعني: لا تقبل طاعاتهم، ولا ترفعُ إلى الله سبحانه، فقلبُ المؤمن يقرأُ القرآن، ولسانُهُ ممرُّه، وقلبُ المجرم ممرُّ القرآن، ولسانه مقرُّه، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الحجر: ١٢ - ١٣]. قوله: "يمرُقون من الدين كما يَمرُق السهمُ من الرمية"، (مرق): إذا خرج؛ يعني: يخرجون من الدين؛ أي: من طاعة الله وطاعة الأئمة. (كما يمرق)؛ أي: يخرج "السهم من الرِّمِية"، (الرَّميةُ): الصيدُ الذي تقصده فترميه، ومروق السهم من الرمية: عبارةٌ عن خروجه إلى الجانب الآخر، وعدم قرارِهِ فيها. قوله: "ينظر إلى نَصلِهِ، إلى رِصافِهِ، إلى نضَيهِ - وهو قِدحه - إلى قُذَذِهِ". قال في "الصحاح": (الرِّصاف): وهي العَقَبُ الذي يُلوَى فوق الرُّعْظِ، (يلوى)؛ أي: يشد، و (الرُّعْظ): مدخل النصل. و (نَضيُّ السهم): ما بين الريش والنصل. و (القِدح) بالكسر: السهمُ قبل أن يُراشَ، ويركب نصله. و (القُذَذ): ريش السهم، الواحدة: قُذَّة. قال بعض الشارحين: المراد بالنصل: القلبُ الذي هو المؤثر المتأثر، فإذا نظرت إلى قلبه، فلا تجدُ فيه أثرًا ممَّا شَرَعَ فيه من العبادات. والمراد بالرِّصاف: الصدرُ الذي هو محلُّ الانشراح، وانفساحِ مجاري الأوامر، وتحملِ مشاقِّ التكليف، فلم ينشرحْ لذلك، ولم يظهرْ فيه أثرُ السعادة.

стр. 2897

والمراد بالنضي: البدن، وإن تحمَّلَ تكاليفَ الشرع من الصوم والصلاة وغير ذلك، لكنه لم يحصل له من ذلك فائدة. والمراد بالقُذَذ: أطرافه التي هي بمثابة الآلاتِ لأهلِ الصناعات والحرف، فلم يحصل له منها فائدة ما يُحصلُ لأهل السعادة. قوله: "فلا يوجد فيه شيءٌ قد سبق الفَرْث والدم"؛ يعني: نفذَ في الدين نفوذًا سريعًا، بحيث لم يتأثَّرْ به، ولم ينتفعْ منه، كما نفذَ السهم في الرمية، بحيث لم يتعلَّق به شيءٌ من الفرث والدم. و (الفَرْث): الروث. يعني: هؤلاء ليس لهم في الإسلام نصيبٌ، ولا لهم بذلك تعلقٌ، كما أن السهمَ المذكور لم يتعلَّقْ بالفرث والدم من تلك الرمية. قوله: "أو مثل البَضعةِ تَدَرْدَرُ"، (البَضعة) بفتح الباء: قطعة لحم. (تدردر)؛ أي: تحرَّكُ، فتجيء وتذهب. قوله: "يخرجون على خيرِ فرقة"، يريد بخير فرقة: عليًا وأصحابه، رضوان الله عليهم. "نعت ينعت": إذا وصف. قوله: "غائِرُ العينين، ناتِئُ الجبهة، كثُّ اللحية، مشرفُ الوجنتين"، (غائر): اسم فاعل من (غارت عينه تغور غورًا وغؤورًا): إذا دخلت في الرأس. (ناتئ الجبهة): مرتفع الجبهة. (كثَّ الشيءُ كثاثة)؛ أي: كَثُفَ، والنعت منه: كَثٌّ. (المشرِفُ)؛ أي: العالي، (الوَجْنة): الخد. قوله: "إن من ضئْضئِ هذا"؛ أي: من أصله، و (هذا) إشارةٌ إلى ذي

стр. 2898

الخُوَيصرةِ التميمي، والخوارجُ من نسله. قوله: "لأقتلنهم قتلَ عاد"، قيل: يريد بـ (قتل عاد) استئصالَهم بالإهلاك؛ لأن عادًا هلكت بالصيحة مُستأصَلين بالإهلاك، ولم يُقتَلوا. * * * ٤٦١٠ - وقَالَ أَبُو هُريرَةَ ﵁: كُنْتُ أدعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَامِ وهيَ مُشرِكَةٌ، فدَعَوْتُها يَومًا، فأسمعَتْنِي في رَسُولِ الله ﷺ ما أكْرَهُ، فأَتيْتُ رَسُولَ الله ﷺ وأَنَا أَبْكِي قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! ادْعُ الله أنْ يَهدِيَ أُمَّ أبي هُرَيْرَةَ، فَقَال: "اللهمَّ! اهْدِ أُمَّ أبي هُرَيْرَةَ"، فخرجتُ مُستبْشِرًا بدَعْوةِ نَبيِّ الله ﷺ ، فلمَّا صِرْتُ إلى البَابِ، فإذا هوَ مُجَافٌ، فسمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ، فقالتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! وسَمِعتُ خَضْخَضَةَ المَاءِ، فاغتَسَلَتْ، ولبسَتْ دِرْعَها، وعَجِلَتْ عنْ خِمارِها، ففَتحَتِ البَابَ، ثُمَّ قَالَت: يا أبا هُرَيْرةَ! أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَاّ الله وأشهدُ أنِّ مُحَمَّدًا عبْدُهُ ورسُوْلُهُ، فرجَعْتُ إلى رسولِ الله ﷺ وأنا أبكِي مِنَ الفَرح، فحمِدَ الله وقالَ خَيْرًا. قوله: "فإذا هو مُجافٌ"، (المجاف): اسم مفعول من (أجفتُ الباب): إذا رددته. قوله: "خَشْفَ قدميَّ"؛ أي: صوتهما، و (الخشفة): الحركة. قولها: "مكانَكَ"، و (مكانك) اسم فعل معناه: الزمْ. قوله: "خضخضَةَ الماءِ"؛ أي: تحريكه. و"درع المرأة": قميصها، وهو ذكر. * * * ٤٦١١ - وقَالَ أَبُو هُريْرَةَ ﵁: إنَّكُمْ تَقُولُون: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرةَ عَنِ

стр. 2899

النَّبيِّ ﷺ ، والله المَوعِدُ، وإنَّ إخْوَتِي مِنَ المُهاجِرينَ كانَ يَشغَلُهُم الصَّفْقُ بالأسْواقِ، وإنَّ إخْوَتِي مِنَ الأنْصَارِ كَانَ يشغَلُهُمْ عَمَلُ أموالِهِمْ، وكنْتُ امْرَءًا مِسْكينًا، ألزَمُ رَسُولَ الله ﷺ على مِلْءَ بَطنِي، وقالَ النَّبيُّ ﷺ -يَومًا: "لَنْ يَبسُطَ أَحَدٌ منكُمْ ثَوْبهُ حتَّى أقضيَ مَقالتِي هذهِ ثُمَّ يَجمعُهُ إلى صَدرِهِ فيَنسَى منْ مَقالتِي شيئًا أبدًا"، فبسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غيرُهَا، حتَّى قضَى النَّبيُّ ﷺ مَقالَتَهُ ثُمَّ جَمَعْتُها إلى صَدرِي، فَوالذِي بَعثَهُ بالحَقِّ ما نَسيتُ مِنْ مَقالتِهِ تِلْكَ إلى يَومِي هذا. قوله: "والله الموعدُ"؛ أي: لقاء الله سبحانه يوم القيامة موعدنا؛ يعني: مرجعُنا إليه تعالى، فيظهرُ عنده صدقُ الصادق وكذبُ الكاذب لا محالةَ. قوله: "يشغلهم الصفقُ با لأسواق"؛ أي: البيع والشِّراء، قال في "الغريبين": قيل للبيعة: صفقة؛ لضرب اليد على اليد عند عقدِ البيع، يقال: (صَفَقَ بيده) و (صَفَحَ) سواء. يريد بـ "المهاجرين": أهل مكة، وبـ "الأنصار": أهل المدينة؛ يعني: أهلُ مكة كان تشغلهم التجارات عن ملازمتهم رسولَ الله ﷺ ، وأهلُ المدينة كان يشغلهم عملهم في نخيلهم - التي هي أموالهم - عن ملازمتهم رسولَ الله ﷺ أيضًا، وكنت مُلازمًا رسولَ الله ﷺ ، وما كان لي شيءٌ يشغلني، فلهذا كثرت روايتي عنه ﷺ . قوله: "لن يبسُطَ أحدٌ منكم ثوبَهُ حتى أقضيَ مقالتي هذه"، قيل: كانت مقالة رسول الله ﷺ الدعاءَ للصحابة بالحفظ والفهم. * * * ٤٦١٢ - وقَالَ جَرِيْرُ بن عبدِ الله: قالَ لي رَسُولُ الله ﷺ : "ألا تُريحُني منْ ذِي الخَلَصَة؟ "، فقلتُ: بلى يا رَسُولَ الله! وكُنْتُ لا أثبُتُ على الخَيْلِ، فَذَكَرتُ

стр. 2900

ذلِكَ للنَّبيِّ ﷺ ، فضربَ بِيَدِهِ على صَدرِي حتَّى رَأَيتُ أثرَ يَدِهِ في صَدرِي، وقَالَ: "اللهمَّ! ثَبتْهُ، واجعلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا"، قَالَ: فَمَا وقَعْتُ عنْ فرَسِي بَعْدُ، فانْطَلقَ في مِئَةٍ وخَمسينَ فارِسًا منْ أحْمَسَ، فحرَّقَها بالنَّارِ وكَسرَها. قوله: "ألا تُريحُني من ذي الخَلَصة؟ "؛ أي: ألا تُخلِّصني منه؟ و (ذو الخَلَصة): بيت لِخَثْعَمْ، وكان يسمَّى: كعبة اليمامة، وكان فيه صنم يقال له: الخلصة. قوله: "خمسين فارسًا من أحمَسَ"؛ أي: من قريش، وإنما لُقِّبَ قريشٌ حُمْسًا؛ لتشددهم في دينهم؛ لأنهم كانوا لا يستظلون أيام منى، ولا يدخلون البيوت من أبوابها، وغير ذلك من تشدداتهم. و (الأحمس): الشجاع، و (عامٌ أحمسُ)؛ أي: شديد. وقيل: الحُمْسُ سبع قبائل؛ قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة وبنو نضر بن معاوية. * * * ٤٦١٣ - وَقَالَ أَنَسٌ ﵁: إنَّ رَجُلاً كانَ يكتُبُ للنَّبيِّ ﷺ ، فارتدَّ عن الإِسلامِ، ولحِقَ بالمُشركينَ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ الأرضَ لا تَقبَلُهُ"، فأخبرَنيِ أبو طَلْحةَ أنَّهُ أتَى الأرضَ التي ماتَ فيها، فوجدَهُ مَنْبُوذًا، فَقَالَ: مَا شَأنُ هذا؟ فَقَالُوا: دَفنَّاهُ مِرارًا فلمْ تَقبَلْهُ الأرضُ. قوله: "إنَّ رجلاً كان يكتبُ للنبي ﷺ فارتدَّ عن الإسلام، ولحق بالمشركين" الحديث. أراد بالرجل: عبد الله بن أبي السرح؛ يعني: كان يكتب الوحي، فلمَّا أملى النبيُّ ﷺ قولَهُ سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى

стр. 2901

آخرها، فلمَّا وصل إلى قوله: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ خطَر ببالِهِ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، تعجَّبَ من تفصيل خلق الإنسان طورًا بعد طور، فأملاها رسولُ الله ﷺ كذلك؛ يعني: ما جرى في خاطرِهِ، فقال عبد الله: إنْ كانَ قوله وحيًا، فأنا نبيٌّ ويُوحَى إلي. فسبقه الحكمُ الأزليُّ بكفره فارتد، ولحق بالمشركين، نعوذ بالله من ذلك. * * * ٤٦١٤ - وقَالَ أَبُو أيُّوب: خرجَ النَّبيُّ ﷺ وقد وَجَبَت الشَّمْسُ، فَسمِعَ صَوْتًا فَقَال: "يَهودُ تُعذَّبُ في قبُورِها". قوله: "وقد وَجَبت الشمسُ"، (وجبت): إذا غربت، (الجِبَةُ): الغروب. قوله: "فسمع صوتًا، فقال: يهودُ تعذَّبُ في قبورها"، فسماعُ هذا الصوت له ﷺ ؛ إما قد كُشِفَ له من عالم الغيب، كما كُشِفَ له أشياءُ كثيرة من الغيب، ومثلُ هذا لا ينكشف إلا لنبي أو ولي، قال الله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، أو سمع بسمعه الملكوتي القدسي ﷺ . وفيه دليلٌ على أن عذابَ القبر حقٌّ. * * * ٤٦١٥ - وَقَالَ جَابرٌ ﵁: قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ منْ سَفَرٍ، فلَمَّا كَانَ قُرْبَ المَدينةِ هَاجَتْ رِيحٌ تكادُ أنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بُعِثَتْ هذِه الرِّيحُ لمَوْتِ مُنافِقٍ"، فقَدِمَ المَدِينَةَ، فإذا عَظيمٌ مِنَ المُنافِقينَ قدْ ماتَ. قوله: "هاجت ريحٌ تكادُ أن تدفن الراكب"؛ أي: ممَّا ثار من الغبار والتراب

стр. 2902

والرمل؛ يعني: كان يقرب أن يتوارى الراكبُ من شدة ثورانِ هذه الريح. وفيه دليلٌ على صدق نبوته وصحتها، أنه ظهر في مستقبل الزمان ما أخبر عنه في الماضي تحقيقًا وتصديقًا لما أخبر عنه. * * * ٤٦١٦ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: خرَجْنا معَ النَّبيِّ ﷺ حتَّى قَدِمْنَا عُسْفانَ، فأَقَامَ بِهَا لَيالِيَ، فقالَ النَّاسُ: ما نَحْنُ هَا هُنا في شَيءٍ، وإنَّ عِيالَنا لَخُلوفٌ مَا نَأْمَنُ عليهِمْ، فبَلَغَ ذلكَ النَّبيَّ ﷺ ، فَقَال: "والَّذِي نَفْسي بيدِه، ما مِنَ المَدينةِ شِعْبٌ ولا نَقْبٌ إلَاّ عليهِ مَلَكانِ يَحْرُسَانِها حتَّى تَقْدَموا إليها"، ثُمّ قال: "ارتَحِلُوا"، فارتَحَلْنا، وأقبَلْنا إلى المَدِينةِ، فوَالَّذِي يُحْلَفُ بهِ، ما وَضَعْنا رِحَالَنا حِينَ دَخَلنا المَدِينَةَ حتَّى أَغَارَ عَلَيْنا بنو عَبدِ الله بن غَطَفانَ، ومَا يَهْيجُهُمْ قبلَ ذلكَ شيءٌ. قوله: "حتى قدمنا عُسْفان"، (القدوم): الرجوع عن السفر، و (عُسْفان): موضع قريبٌ من المدينة. قوله: "وإن عِيالنا لخُلوفٌ ما نأمنُ عليهم" يقال: الحيُّ حيٌّ خلوفُ؛ أي: لم يبقَ منهم أحد، قيل: معناه: ليس فيها إلا النساء من غير الرجال، فلهذا ما نأمنْ عليهم. قوله: "ما من المدينة شِعبٌ ولا نقبٌ إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا إليها" (الشِّعب) بكسر الشين: الطريق في الجبل، وكذلك (النقب) و (المنقب). (الحِراسة): الحفظ. * * *

стр. 2903

٤٦١٧ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فبَيْنا النَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ في يومِ جُمُعَةٍ فَقَامِ أعْرَابيٌّ فَقَالَ: يا رَسُولَ الله! هَلَكَ المَالُ، وجَاعَ العِيالُ، فادْعُ الله لَنَا، فَرَفعَ يدَيْهِ ومَا نرَى في السَّماءِ قَزَعَةً، فوَالَّذِي نفسِي بيَدِهِ، ما وضَعَهُما حتَّى ثارَ السَّحابُ أمثالَ الجِبالِ، ثُمَّ لمْ يَنْزِلْ عنْ مِنبَرِهِ حتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحادَرُ على لِحيَتهِ، فمُطِرْنا يومَنا ذلكَ، ومِنَ الغَدِ، ومِنْ بعدِ الغَدِ، حتَّى الجُمْعَةِ الأَخرَى، فقامَ ذلكَ الأعرابيُّ، أو غيرُهُ، فَقَال: يا رسولَ الله! تَهدَّمَ البناءُ, وغَرِقَ المَالُ، فادْع الله لَنَا، فرفَعَ يدَيْهِ وقال: "اللهمَّ! حَوالَيْنا ولا علَيْنا"، فَمَا يُشيرُ إلى ناحيَةٍ مِنَ السَّحابِ إِلَاّ انفرَجَتْ، وصَارَتِ المَدِينةُ مِثْلَ الجَوْبَةِ، وسَالَ الوادِي قَناةُ شَهَرًا، ولم يَجِئْ أَحَدٌ منْ ناحِيَةٍ إلَاّ حَدَّثَ بالجَوْدِ. وفي رِواية: قال: "اللهمَّ! حَوالَيْنا ولا عَلَيْنَا، اللهمَّ! على الآكَامِ والظِّرَابِ وبُطونِ الأوْدِيةِ ومَنابتِ الشَّجرِ"، قال: فأَقلَعَتْ، وخَرَجْنا نمشِي في الشَّمسِ. قوله: "أصابت الناس سنةٌ"؛ أي: قَحْطٌ وجَدْب. قوله: "وما نرى في السماء قَزَعة"، (القزعة): القطعة من السحاب، والجمع: القزع. قوله: "رأيت المطر يتحادَرُ على لحيته"، (يتحادر)؛ أي: يتساقط، قيل: يريد أن السقف قد وَكَفَتْ حتى نزل الماءُ عليه. قوله: "صارت المدينة مثل الجَوْبة"، (الجوبة) بفتح الجيم: الفرجة في السحاب، وقيل: الجوبة: الترس؛ لاستدارتها، وقيل: فيه إضمار تقديره: صار حوالي المدينة مثل الجوبة، قيل: معناه: انفرجت السحابة عن سمتها. قوله: "وسال الوادي قناة شهرًا": سالَ الوادي مثل القناةِ شهرًا، ويروى:

стр. 2904

"سال وادي قناةُ شهرًا"، فـ (قناة) اسم الوادي، فلهذا غير مصروف. قوله: "ولم يجئ أحدٌ من ناحية إلا حدَّث بالجودِ"؛ يعني: ما جاءنا أحدٌ من جانب من جوانب المدينة إلا أخبرنا بالمطر الكثير، يقال: جِيْدَت الأرض، فهي مجيدة. قوله: "اللهم على الآكامِ والظِّراب"، (الآكَام): جمع أَكَمة، وهي ما ارتفع من الأرض. و (الظِّراب): جمع ظِرْب؛ بكسر الراء، وهو أيضًا ما ارتفع من الأرض كالرَّبوة، وقيل: الظراب ما دون الآكام، وقيل: الآكام والتلال واحد، إلا أن الآكام ما كان أعلاه منبسطًا، والتلال ما كان أعلاه حادًا. قوله: "فأقلعت"؛ أي: أقلعت السحاب؛ أي: انكشفت، و (السحاب): جمع سحابة. * * * ٤٦١٨ - وقَالَ جَابرٌ ﵁: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذا خَطَبَ اسْتَنَد إِلى جِذْع نَخلةٍ منْ سَوارِي المَسْجدِ، فَلَمَّا صُنِعَ لهُ المِنبر فاستَوَى عليهِ، صَاحَت النَّخلةُ الَّتي كَانَ يَخطُبُ عِندَها حتَّى كَادَتْ أَنْ تَنشَقَّ، فنزَلَ النَّبيُّ ﷺ حتَّى أخذَهَا فضَمَّها إليهِ، فجَعَلَتْ تَئِنُّ كَمَا يَئِنُّ الصَّبيُّ الذي يُسَكَّتُ حتَّى استقرَّتْ، قَالَ: "بَكَتْ على مَا كانتْ تَسمَعُ مِنَ الذِّكْرِ". قوله: "كان النبيُّ ﷺ إذا خطبَ استندَ إلى جذعِ نخلةٍ من سواري المسجدِ"، قال الإمام التُّورِبشتي في "شرحه": وفي بعض نسخ "المصابيح": (استسند)، وليس بشيء، وإنما هو (استند). و (السواري): جمع سارية، وهي الأُسطُوانة.

стр. 2905

قوله: "حتى أخذها فضمَّها إليه"؛ يعني: حتى أخذ رسولُ الله ﷺ تلك النخلةَ، فعانقها. قوله: "فجعلت تئنُّ أنينَ الصبيِّ الذي يُسكَّتُ، حتى استقرتْ"، (جعلت)؛ أي: طفقت. (تئن)؛ أي: تصيحُ. (التسكيتُ): جعلُ الشخص ساكتًا. اعلم أن أنين النخلة وبكاءها لمفارقة النبيِّ ﷺ كان مسموعًا له ﷺ وللصحابة ﵃ أجمعين بأسماعهم الباطنة القدسية الملكوتية، لا بأسماعهم الظاهرة الملكية، أو كان معجزةً رسول الله ﷺ ترغيبًا للكفرة والمنافقين في إسلامهم، وتحريضًا عليهم بذلك، فإذا كان كذلك، كان مسموعًا لهم بأسماعهم الظاهرة. * * * ٤٦١٩ - عَنْ سَلَمَة بن الأَكْوَعِ ﵁: أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عندَ رَسُولِ الله ﷺ بشمالِهِ، فقال: "كُلْ بيَميِنِكَ"، فَقَال: لا أستطيعُ، قال: "لا استَطَعْتَ"، مَا منعَهُ إلا الكِبْرُ، قَالَ: فما رفعَها إلى فيهِ. قوله: "أنَّ رجلاً أكلَ عند رسول الله ﷺ بشمالِهِ فقال: كُلْ بيمينك"، اسم هذا الرجل: بشر بن راعي العير، وقيل: بُسْر بالسين المهملة. وكان رجلاً شجاعًا (١). وفيه دليلٌ على أن الأكلَ باليمين من السنن. * * *

стр. 2906

٤٦٢٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ أنَّ أَهْلَ المَدينةِ فَزِعُوا مَرّةً، فركِبَ النَّبيُّ ﷺ -فرسًا لأبي طَلحَةً بَطيئًا فكَانَ يَقْطِفُ، فَلمَّا رَجَعَ قَالَ: "وَجَدْنا فرسَكُمْ هذا بَحْرًا"، فكانَ بعدَ ذلكَ لا يُجارَى. وفي رِوَايَةٍ: فَمَا سُبقَ بعدَ ذلكَ اليَومِ. قوله: "فركبَ النبيُّ ﷺ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، وكان يَقْطِفُ"، (قطفت الدابة): إذا مشت مشيًا ضيقًا، وتُسمَّى هذه الدابة قَطُوفًا، وقيل: بطيئًا؛ أي: لم يكن سريع السير. قوله: "وجدنا فرسكم هذا بَحْرًا"؛ أي: واسع الجري، فصارت هذه الصفة له ببركِة رُكوبِ رسول الله ﷺ بعد أن كان بطيء السير. قوله: "فكان بعدَ ذلك لا يُجارَى"؛ أي: لا يُقاوَم في الجري، وفي رواية: (لا يُحاذَى)؛ يعني: كان لا يحاذيه فرسٌ يجري معه. * * * ٤٦٢١ - وَقَالَ جَابرٌ ﵁: تُوفِّي أَبي وعَليهِ دَيْنٌ، فعَرَضْتُ على غُرَمائِهِ أنْ يَأْخُذُوا التَّمرَ بما عليهِ فأبَوْا، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ فقلتُ: قدْ عَلِمْتَ أنَّ والِدي استُشْهِدَ يومَ أُحُدٍ وتَرَكَ دَيْنا كَثِيرًا، وإنَّي أُحِبُّ أنْ يَراكَ الغُرَماءُ، فقالَ لي: "اذهَبْ فبَيْدِرْ كُلَّ تمرٍ على ناحِيةٍ", ففعلتُ، ثمَّ دعَوْتُهُ، فلمَّا نَظَروا إليهِ كأنّهُمْ أُغْروا بي تلكَ السَّاعةَ، فلمَّا رأَى ما يَصنعونَ طَافَ حولَ أعظَمِها بَيْدَرًا ثلاثَ مرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَس عليهِ، ثمَّ قال: "اُدْعُ لي أصحابَكَ"، فَمَا زالَ يَكِيلُ لهُمْ حتَّى أَدَّى الله عنْ والِدي أَمَانَتَهُ، وأَنَا أَرْضى أنْ يُؤَدِّيَ الله أمانَةَ والِدي ولا أَرْجِعَ إلى أَخَواتِي بتمرةٍ، فسَلَّمَ الله البَيادِرَ كُلَّها وحتَّى إنِّي أنظُرُ إلى البَيْدَرِ الَّذي كانَ عليهِ النَّبيُّ ﷺ كأنَّها لمْ تَنْقُصْ تَمرةً واحِدةً.

стр. 2907

قوله: "توفِّي أبي وعليه دينٌ"، (توفي أبي)؛ أي: مات. قوله: "فبيدِرْ كلَّ تمرٍ على ناحية"، (بيدِرْ) أمرٌ من (بيدَر): إذا دِيسَ الطعامُ في البيدر، وهو موضعٌ يُداسُ فيه الطعام، ويجمع فيه التمر والزبيب. يعني: اجعلْ أنواعَ تمرِكَ ببيدرٍ؛ أي: صبرة واحدة. قوله: "فلما نظروا إليه كأنهم أُغْروا بي تلك الساعةَ"، الضمير في (إليه) يعود إلى النبي ﷺ ، يقال: (أغرى به)؛ أي: أولع به، والاسم: (الغَراء) بالفتح ممدودًا؛ يعني: فلما نظر الغرماءُ إلى رسول الله ﷺ ؛ كأنهم هُيجُوا وحُرِّضوا علَّي في التشديد، واعتاضوا (١) رسول الله ﷺ ؛ أنهم أرادوا أن يأخذوا الأصلَ والتمرَ؛ لأنه كان في أعينهم قليلاً، وكانوا يهود. قوله: "حتى أدَّى الله عن والدي أمانته"؛ أي: دينه؛ لأنه كان مُؤتمنًا على أدائه، قال الله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]؛ أي: ما ائتمنتم عليه، وقال أيضًا: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، قيل: وإنما سَمَّى الدين أمانة مع أنه مضمون؛ لائتمان مَنْ له الدينُ على مَنْ عليه الدين. قوله: "فسلَّمَ الله البيادرَ كلَّها" الحديث. التسليمُ ها هنا: جعلُ أحدٍ سالمًا؛ يعني حفظ الله بلطفه جميع البيادر، وجعلها سالمةً عن النقصان، سيما ذلك البيدر الذي جلس عليه النبي ﷺ ، كأنه ما نقصَ منه تمرةٌ واحدة ببركةِ جلوسِهِ ﷺ . * * * ٤٦٢٢ - وقَالَ جَابرٌ: إنَّ أُمَّ مالِكٍ كَانتْ تُهْدي للنَّبيِّ ﷺ في عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا،

стр. 2908

فيأتِيها بنوهَا فيَسألونَ الأُدْمَ وليسَ عِندَهُمْ شَيءٌ، فتعمِدُ إلى الذِي كانتْ تُهْدي فيه للنَّبيِّ ﷺ فَتَجِدُ فيهِ سَمْنًا، فما زالَ يُقيمُ لَهَا أُدْمَ بيتِها حتَّى عَصَرَتها، فأتَتِ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: "عصرتيها؟ "، قالتْ: نعمْ، قَالَ: "لوْ تَركتِيها ما زالَ قائِمًا". قوله: "إن أمَّ مالكٍ كانت تُهدي للنبيِّ في عُكَّةٍ لها سمنًا"، قال الإمام التُّورِيشتي في "شرحه": إن أمَّ مالك في الصحابيات اثنتان؛ أم مالك البَهْزِيَّة، وهي التي تروي حديث الفتنة، وأم مالك الأنصارية، وهي التي علَّمها رسول الله ﷺ : أن تقول في دُبُرِ كل صلاة: "سبحان الله عشرًا، والحمد لله عشرًا، والله أكبر عشرًا". وصاحبة العكة هي البَهْزِية، وقد رُوي مثلُ ذلك في أمِّ أوسٍ البَهْزِيَّة، ذكرتُ كلَّ واحدة منهما في بابها من الكنى، فلا أدري أهي واحدةٌ اختلف فيها؛ لاختلاف الكنيتين، أم هما اثنتان، هذا كله منقولٌ من "شرحه". قال في "الصحاح": يقال لمثل الشَّكوة ممَّا يكون فيه السَّمنُ: عُكَّة؛ بالضم، والجمعُ: العُكَك، والعِكاك، و (الشكوة): قربة صغيرة. يقال: أهديت له وإليه: أرسلت إليه الهدية، تقدير الكلام: كانت تُهدي سمنًا للنبي ﷺ في عُكَّة لها. قوله: "فما زالَ يُقيمُ لها أُدْمَ بيتِها حتَّى عَصرتها"؛ أي: فما زال ذلك السمن في العُكَّة أدم بيتها لبركة رسول الله ﷺ ، حتى نقَّتها من السمن. قوله: "لو تركتِيها ما زالَ قائمًا"؛ أي: ما زال أدمُ بيتِك قائمًا لو تركت ما فيها من السمن وما عصرتيها، فإن البركة تنزل في شيء ولو كان قليلاً، فإذا نزلت البركة في شيء قليلٍ كَثُر ذلك القليل، فالياء في (تركتيها) و (عصرتيها) للإشباع. * * *

стр. 2909

٤٦٢٣ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: قَالَ أبو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَد سَمِعتُ صَوْتَ رسولِ الله ﷺ ضَعيفًا أعرِفُ فيهِ الجُوعَ، فهلْ عِندَكِ منْ شيءٍ؟ قَالَتْ: نعمْ، فأخرجَتْ أَقْرَاصًا منْ شَعِيْرٍ، ثُمَّ أخرجَتْ خِمارًا لَها فلَفَّتِ الخُبزَ ببعضهِ، ثمَّ دَسَّتْهُ تحْتَ يَدِي، ولَاثَتْنِي ببعضهِ، ثمَّ أرسَلَتْنِي إلى رسولِ الله ﷺ ، قَالَ: فذهبتُ بهِ، فوجَدْتُ رَسُولَ الله ﷺ في المَسجِدِ ومعهُ نَاسٌ، فقُمتُ فسلَّمتُ عليهِمْ، فقالَ في رَسُولُ الله ﷺ : "أرسلكَ أبو طَلْحَةَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "بطعامٍ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: "قُوموا"، فانطلَقَ، وانطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، حتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فأخبَرْتُهُ، فَقَالَ أبو طَلْحَةَ: يا أُمَّ سُلَيْمٍ! قد جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ بالنَّاسِ وليسَ عِندَنا ما نُطْعِمْهُم، فقَالَتْ: الله ورسُولُهُ أَعْلَمُ، فانطلقَ أبو طَلْحَةَ حتَّى لَقِيَ رَسُولَ الله ﷺ ، فأقبَلَ رَسُولُ الله ﷺ وأبو طَلْحَةَ معهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هَلُمَّي يا أُمَّ سُلَيْم! ما عِنْدَك"، فأتَتْ بذلك الخبزِ، فأَمَر به رَسُول الله ﷺ فَفُتَّ، وعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً، فأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فيهِ مَا شَاءَ الله أنْ يقولَ، ثُمَّ قال: "ائْذَنْ لِعَشَرةٍ"، فأذِنَ لهُمْ، فأكَلوا حتَّى شَبعوا ثُمَ خرَجوا، ثُمَّ قال: "ائْذَنْ لِعَشَرةٍ، ثُمَّ لِعَشَرةٍ"، فأكَلَ القَومُ كُلُّهم وشَبعُوا، والقومُ سَبعونَ أو ثَمانونَ رَجُلاً. ويُروى أَنَّه قال: "ائْذَنْ لِعَشَرةٍ"، فدَخَلوا فَقَالَ: "كُلوا، وسَمُّوا الله"، فأَكَلوا حتَّى فَعَلَ ذلك بِثَمانينَ رَجُلاً، ثمَّ أَكَلَ النَّبيُّ ﷺ وأهلُ البيتِ وتَرَكَ سُؤْرًا. ويُروى: فجَعَلْتُ أنظُرُ: هلْ نَقَصَ منها شَيءٌ؟!. ويُروَى: ثُمَّ أَخَذَ ما بَقِيَ فجَمَعَهُ، ثُمَّ دَعا فيهِ بالبَرَكَةِ، فَعَادَ كمَا كانَ، فقال: "دُونَكُمْ هذا". قوله: "ثم أخرجَتْ خِمارًا لها، فلفَّت الخبزَ ببعضه"، (الخمار): ما يستر رأس المرأة، وهو المَقْنَعة، (لفَّ): إذا جَمَع.

стр. 2910

قوله: "ثم دسَّتْهُ تحت يدي ولاثَتْني ببعضه"، (الدسُّ): الإخفاء، يقال: لاثَ العمامةَ على رأسه؛ أي: عَصَبها على رأسه؛ يعني: لفَّتِ الخبزَ بعضَه على بعض، ثم أخفته تحت يدي، وعَصَبت على رأسي الطرفَ الآخر. قوله: "هلُمِّي يا أمَّ سُلَيم ما عندكِ"؛ يعني: أحضري ما عندك. قوله: "فأتتْ بذلك الخبزِ، فأمرَ به رسولُ الله ﷺ فَفُتَّ"؛ أي: جُعل فَتِيتًا. قوله: "فأدمته"، يقال: أَدم يَأدِم أَدْمًا وإدامًا؛ أي: جعلت أمُّ سُليم السمنَ الذي في العُكَّة إدامًا لذلك الفَتِيت. قوله: "ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ... " الحديث. قيل: إنما قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: "ائذن لعشرة عشرة"، ولم يقل: ائذن للكلِّ بمرة واحدة،؛ لأن الجمع الكثير إذا نظروا إلى طعامٍ قليل يزداد حرصُهم على الأكل، ويظنون أن ذلك الطعام لا يُشْبعهم، ولا يكفيهم. فإذا كان كذلك، فالحرص على الأكل مَمْحَقَة للبركة، وإذا كان الأمر بالعكس كما أن الطعام يزيد على قدر ما يكفي الآكلين، فلا يهيج حرصُهم على الأكل، وتطمئنُّ نفوسُهم، فعند ذلك نزولُ البركة متوقَّع من عند الله سبحانه، فلهذه الحكمة قال ﷺ : "ائذن لعشرة عشرة". قوله: "وتركَ سؤرًا" - السُّؤر بالضم والهمز -: البقيَّة. قوله: "دونَكم هذا"؛ أي: خذوه، (هذا) اسمٌ للأمر كـ (صَهٍ ومَهٍ). قيل: تقال هذه الكلمة عند الإغراء بالشيء والتحريض عليه؛ يعني: إذا شبع القوم قال لهم رسولُ الله ﷺ : "دونكم هذا"؛ أي: عليكم بهذا وكُلُوه. * * *
следующие страницы →