٤٦٢٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ أنَّ أَهْلَ المَدينةِ فَزِعُوا مَرّةً، فركِبَ النَّبيُّ ﷺ -فرسًا لأبي طَلحَةً بَطيئًا فكَانَ يَقْطِفُ، فَلمَّا رَجَعَ قَالَ: "وَجَدْنا فرسَكُمْ هذا بَحْرًا"، فكانَ بعدَ ذلكَ لا يُجارَى.
وفي رِوَايَةٍ: فَمَا سُبقَ بعدَ ذلكَ اليَومِ.
قوله: "فركبَ النبيُّ ﷺ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، وكان يَقْطِفُ"، (قطفت الدابة): إذا مشت مشيًا ضيقًا، وتُسمَّى هذه الدابة قَطُوفًا، وقيل: بطيئًا؛ أي: لم يكن سريع السير.
قوله: "وجدنا فرسكم هذا بَحْرًا"؛ أي: واسع الجري، فصارت هذه الصفة له ببركِة رُكوبِ رسول الله ﷺ بعد أن كان بطيء السير.
قوله: "فكان بعدَ ذلك لا يُجارَى"؛ أي: لا يُقاوَم في الجري، وفي رواية: (لا يُحاذَى)؛ يعني: كان لا يحاذيه فرسٌ يجري معه.
* * *
٤٦٢١ - وَقَالَ جَابرٌ ﵁: تُوفِّي أَبي وعَليهِ دَيْنٌ، فعَرَضْتُ على غُرَمائِهِ أنْ يَأْخُذُوا التَّمرَ بما عليهِ فأبَوْا، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ فقلتُ: قدْ عَلِمْتَ أنَّ والِدي استُشْهِدَ يومَ أُحُدٍ وتَرَكَ دَيْنا كَثِيرًا، وإنَّي أُحِبُّ أنْ يَراكَ الغُرَماءُ، فقالَ لي: "اذهَبْ فبَيْدِرْ كُلَّ تمرٍ على ناحِيةٍ", ففعلتُ، ثمَّ دعَوْتُهُ، فلمَّا نَظَروا إليهِ كأنّهُمْ أُغْروا بي تلكَ السَّاعةَ، فلمَّا رأَى ما يَصنعونَ طَافَ حولَ أعظَمِها بَيْدَرًا ثلاثَ مرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَس عليهِ، ثمَّ قال: "اُدْعُ لي أصحابَكَ"، فَمَا زالَ يَكِيلُ لهُمْ حتَّى أَدَّى الله عنْ والِدي أَمَانَتَهُ، وأَنَا أَرْضى أنْ يُؤَدِّيَ الله أمانَةَ والِدي ولا أَرْجِعَ إلى أَخَواتِي بتمرةٍ، فسَلَّمَ الله البَيادِرَ كُلَّها وحتَّى إنِّي أنظُرُ إلى البَيْدَرِ الَّذي كانَ عليهِ النَّبيُّ ﷺ كأنَّها لمْ تَنْقُصْ تَمرةً واحِدةً.
стр. 2907
قوله: "توفِّي أبي وعليه دينٌ"، (توفي أبي)؛ أي: مات.
قوله: "فبيدِرْ كلَّ تمرٍ على ناحية"، (بيدِرْ) أمرٌ من (بيدَر): إذا دِيسَ الطعامُ في البيدر، وهو موضعٌ يُداسُ فيه الطعام، ويجمع فيه التمر والزبيب.
يعني: اجعلْ أنواعَ تمرِكَ ببيدرٍ؛ أي: صبرة واحدة.
قوله: "فلما نظروا إليه كأنهم أُغْروا بي تلك الساعةَ"، الضمير في (إليه) يعود إلى النبي ﷺ ، يقال: (أغرى به)؛ أي: أولع به، والاسم: (الغَراء) بالفتح ممدودًا؛ يعني: فلما نظر الغرماءُ إلى رسول الله ﷺ ؛ كأنهم هُيجُوا وحُرِّضوا علَّي في التشديد، واعتاضوا (١) رسول الله ﷺ ؛ أنهم أرادوا أن يأخذوا الأصلَ والتمرَ؛ لأنه كان في أعينهم قليلاً، وكانوا يهود.
قوله: "حتى أدَّى الله عن والدي أمانته"؛ أي: دينه؛ لأنه كان مُؤتمنًا على أدائه، قال الله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]؛ أي: ما ائتمنتم عليه، وقال أيضًا: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، قيل: وإنما سَمَّى الدين أمانة مع أنه مضمون؛ لائتمان مَنْ له الدينُ على مَنْ عليه الدين.
قوله: "فسلَّمَ الله البيادرَ كلَّها" الحديث.
التسليمُ ها هنا: جعلُ أحدٍ سالمًا؛ يعني حفظ الله بلطفه جميع البيادر، وجعلها سالمةً عن النقصان، سيما ذلك البيدر الذي جلس عليه النبي ﷺ ، كأنه ما نقصَ منه تمرةٌ واحدة ببركةِ جلوسِهِ ﷺ .
* * *
٤٦٢٢ - وقَالَ جَابرٌ: إنَّ أُمَّ مالِكٍ كَانتْ تُهْدي للنَّبيِّ ﷺ في عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا،
стр. 2908
فيأتِيها بنوهَا فيَسألونَ الأُدْمَ وليسَ عِندَهُمْ شَيءٌ، فتعمِدُ إلى الذِي كانتْ تُهْدي فيه للنَّبيِّ ﷺ فَتَجِدُ فيهِ سَمْنًا، فما زالَ يُقيمُ لَهَا أُدْمَ بيتِها حتَّى عَصَرَتها، فأتَتِ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: "عصرتيها؟ "، قالتْ: نعمْ، قَالَ: "لوْ تَركتِيها ما زالَ قائِمًا".
قوله: "إن أمَّ مالكٍ كانت تُهدي للنبيِّ في عُكَّةٍ لها سمنًا"، قال الإمام التُّورِيشتي في "شرحه": إن أمَّ مالك في الصحابيات اثنتان؛ أم مالك البَهْزِيَّة، وهي التي تروي حديث الفتنة، وأم مالك الأنصارية، وهي التي علَّمها رسول الله ﷺ : أن تقول في دُبُرِ كل صلاة: "سبحان الله عشرًا، والحمد لله عشرًا، والله أكبر عشرًا".
وصاحبة العكة هي البَهْزِية، وقد رُوي مثلُ ذلك في أمِّ أوسٍ البَهْزِيَّة، ذكرتُ كلَّ واحدة منهما في بابها من الكنى، فلا أدري أهي واحدةٌ اختلف فيها؛ لاختلاف الكنيتين، أم هما اثنتان، هذا كله منقولٌ من "شرحه".
قال في "الصحاح": يقال لمثل الشَّكوة ممَّا يكون فيه السَّمنُ: عُكَّة؛ بالضم، والجمعُ: العُكَك، والعِكاك، و (الشكوة): قربة صغيرة.
يقال: أهديت له وإليه: أرسلت إليه الهدية، تقدير الكلام: كانت تُهدي سمنًا للنبي ﷺ في عُكَّة لها.
قوله: "فما زالَ يُقيمُ لها أُدْمَ بيتِها حتَّى عَصرتها"؛ أي: فما زال ذلك السمن في العُكَّة أدم بيتها لبركة رسول الله ﷺ ، حتى نقَّتها من السمن.
قوله: "لو تركتِيها ما زالَ قائمًا"؛ أي: ما زال أدمُ بيتِك قائمًا لو تركت ما فيها من السمن وما عصرتيها، فإن البركة تنزل في شيء ولو كان قليلاً، فإذا نزلت البركة في شيء قليلٍ كَثُر ذلك القليل، فالياء في (تركتيها) و (عصرتيها) للإشباع.
* * *
стр. 2909
٤٦٢٣ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: قَالَ أبو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَد سَمِعتُ صَوْتَ رسولِ الله ﷺ ضَعيفًا أعرِفُ فيهِ الجُوعَ، فهلْ عِندَكِ منْ شيءٍ؟ قَالَتْ: نعمْ، فأخرجَتْ أَقْرَاصًا منْ شَعِيْرٍ، ثُمَّ أخرجَتْ خِمارًا لَها فلَفَّتِ الخُبزَ ببعضهِ، ثمَّ دَسَّتْهُ تحْتَ يَدِي، ولَاثَتْنِي ببعضهِ، ثمَّ أرسَلَتْنِي إلى رسولِ الله ﷺ ، قَالَ: فذهبتُ بهِ، فوجَدْتُ رَسُولَ الله ﷺ في المَسجِدِ ومعهُ نَاسٌ، فقُمتُ فسلَّمتُ عليهِمْ، فقالَ في رَسُولُ الله ﷺ : "أرسلكَ أبو طَلْحَةَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "بطعامٍ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: "قُوموا"، فانطلَقَ، وانطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، حتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فأخبَرْتُهُ، فَقَالَ أبو طَلْحَةَ: يا أُمَّ سُلَيْمٍ! قد جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ بالنَّاسِ وليسَ عِندَنا ما نُطْعِمْهُم، فقَالَتْ: الله ورسُولُهُ أَعْلَمُ، فانطلقَ أبو طَلْحَةَ حتَّى لَقِيَ رَسُولَ الله ﷺ ، فأقبَلَ رَسُولُ الله ﷺ وأبو طَلْحَةَ معهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هَلُمَّي يا أُمَّ سُلَيْم! ما عِنْدَك"، فأتَتْ بذلك الخبزِ، فأَمَر به رَسُول الله ﷺ فَفُتَّ، وعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً، فأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فيهِ مَا شَاءَ الله أنْ يقولَ، ثُمَّ قال: "ائْذَنْ لِعَشَرةٍ"، فأذِنَ لهُمْ، فأكَلوا حتَّى شَبعوا ثُمَ خرَجوا، ثُمَّ قال: "ائْذَنْ لِعَشَرةٍ، ثُمَّ لِعَشَرةٍ"، فأكَلَ القَومُ كُلُّهم وشَبعُوا، والقومُ سَبعونَ أو ثَمانونَ رَجُلاً.
ويُروى أَنَّه قال: "ائْذَنْ لِعَشَرةٍ"، فدَخَلوا فَقَالَ: "كُلوا، وسَمُّوا الله"، فأَكَلوا حتَّى فَعَلَ ذلك بِثَمانينَ رَجُلاً، ثمَّ أَكَلَ النَّبيُّ ﷺ وأهلُ البيتِ وتَرَكَ سُؤْرًا.
ويُروى: فجَعَلْتُ أنظُرُ: هلْ نَقَصَ منها شَيءٌ؟!.
ويُروَى: ثُمَّ أَخَذَ ما بَقِيَ فجَمَعَهُ، ثُمَّ دَعا فيهِ بالبَرَكَةِ، فَعَادَ كمَا كانَ، فقال: "دُونَكُمْ هذا".
قوله: "ثم أخرجَتْ خِمارًا لها، فلفَّت الخبزَ ببعضه"، (الخمار): ما يستر رأس المرأة، وهو المَقْنَعة، (لفَّ): إذا جَمَع.
стр. 2910
قوله: "ثم دسَّتْهُ تحت يدي ولاثَتْني ببعضه"، (الدسُّ): الإخفاء، يقال: لاثَ العمامةَ على رأسه؛ أي: عَصَبها على رأسه؛ يعني: لفَّتِ الخبزَ بعضَه على بعض، ثم أخفته تحت يدي، وعَصَبت على رأسي الطرفَ الآخر.
قوله: "هلُمِّي يا أمَّ سُلَيم ما عندكِ"؛ يعني: أحضري ما عندك.
قوله: "فأتتْ بذلك الخبزِ، فأمرَ به رسولُ الله ﷺ فَفُتَّ"؛ أي: جُعل فَتِيتًا.
قوله: "فأدمته"، يقال: أَدم يَأدِم أَدْمًا وإدامًا؛ أي: جعلت أمُّ سُليم السمنَ الذي في العُكَّة إدامًا لذلك الفَتِيت.
قوله: "ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ... " الحديث.
قيل: إنما قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: "ائذن لعشرة عشرة"، ولم يقل: ائذن للكلِّ بمرة واحدة،؛ لأن الجمع الكثير إذا نظروا إلى طعامٍ قليل يزداد حرصُهم على الأكل، ويظنون أن ذلك الطعام لا يُشْبعهم، ولا يكفيهم.
فإذا كان كذلك، فالحرص على الأكل مَمْحَقَة للبركة، وإذا كان الأمر بالعكس كما أن الطعام يزيد على قدر ما يكفي الآكلين، فلا يهيج حرصُهم على الأكل، وتطمئنُّ نفوسُهم، فعند ذلك نزولُ البركة متوقَّع من عند الله سبحانه، فلهذه الحكمة قال ﷺ : "ائذن لعشرة عشرة".
قوله: "وتركَ سؤرًا" - السُّؤر بالضم والهمز -: البقيَّة.
قوله: "دونَكم هذا"؛ أي: خذوه، (هذا) اسمٌ للأمر كـ (صَهٍ ومَهٍ).
قيل: تقال هذه الكلمة عند الإغراء بالشيء والتحريض عليه؛ يعني: إذا شبع القوم قال لهم رسولُ الله ﷺ : "دونكم هذا"؛ أي: عليكم بهذا وكُلُوه.
* * *
стр. 2911
٤٦٢٤ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بإناءٍ وهوَ بالزَّوْراءِ، فوَضَعَ يَدهُ في الإِناءِ فجعَلَ الماءُ يَنبُعُ منْ بينِ أَصَابعِهِ، فتوضَّأَ القَوْمُ، قال قَتادةُ ﵁: قُلتُ لِأَنَسٍ: كمْ كنتُمْ؟ قالَ: ثَلاثَ مَئِةٍ، أوْ زُهَاءَ ثَلاثَ مِئَةٍ.
قوله: "وهو بالزَّوراء"، (الزوراء): هو اسم موضع بالمدينة، قيل: سميت بذلك لبعدها من المدينة، أو لازْوِرَارِها عن المسجد، و (الزوراء): البئر البعيدة القَعْر.
قوله: "أو زُهاء ثلاث مئة"، (الزهاء) - بضم الزاي - معناه: المِقْدار.
* * *
٤٦٢٥ - عَنْ عبدِ الله بن مَسْعودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نعُدُّ الآياتِ برَكَةً، وأنتُمْ تَعُدُّونَها تَخْوْيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ فَقَلَّ المَاءُ، فَقَالَ: اطلُبوا فَضْلةً من مَاءٍ, فَجَاءُوا بإناءٍ فيهِ مَاءٌ قليلٌ، فأدْخَلَ يَدَهُ في الإِناءِ, ثمَّ قَالَ: "حَيَّ على الطَّهورِ المُبارَكِ، والبَرَكَةُ مِنَ الله"، فلقن رأيتُ الماءَ يَنبُعُ منْ بينِ أَصَابعِ رَسُولِ الله ﷺ ، ولَقدْ كُنَّا نَسْمعُ تسبيح الطَّعامِ وهوَ يُؤْكَلُ.
قوله: "كنَّا نعُدُّ الآياتِ بركةً، وأنتم تعدُّونها تخويفًا"، قيل: (الآيات) ها هنا بمعنى المعجزات، سميت المعجزات آية؛ لأنها علامةٌ على نبوَّته ﷺ .
وقيل: أراد ابن مسعود ﵁ بذلك: أن عامة الناس لا ينفع فيهم إلا آيات نزلت بالعذاب والتخويف، وخاصَّتهم - يعني بهم: الصحابة رضوان الله عليهم - كان ينفع فيهم الآياتُ المُقْتَضية للبركة.
أصل (البركة): الثبات والدوام، ومنه: البركة والبُروك والبَرْك الذي هو الصدر، فـ (تبارك الله) معناه: دام عظمته وجلاله دوامًا وثباتًا لا إبطال له، ولهذا لا يقال: يتبارك الله، مضارعًا؛ لأن انتقال الأزمنة على القديم محال.
стр. 2912
ومعنى البركة في الشرع: داوم الإيمان، وامتثال الأمر، ودوام الوعد بحُسْن العاقبة، كما فعل الرسولُ ﷺ بجماعةٍ وعدَهم وعدًا دائمًا لا ينقطع بأنهم من سُكَّان الجنة، سعادتُهم أبديَّة لا انقطاعَ لها.
قوله: "حيَّ على الطَّهور المُبارك"، (حيَّ) - مفتوح الياء - اسمٌ لفعل الأمر، ومعناه: أسرِعْ، كما تقول العرب: حيَّ على الثَّريد؛ أي: أسرع إليه.
قوله: "كنَّا نَسْمعُ تسبيحَ الطَّعامِ وهو يُؤكل"، تسبيح الطعام إن كان بين يدي النبي ﷺ ، وهو يأكله فبركةُ يدِه وصَلَتْ إلى الطعام، فصار الطعام يسبح الله تعالى على أنْ جعلَه مأكولَ خيرِ الأنبياء، فإن خير الطعام ما يأكله الخَير، وسماع تسبيح الطعام كان معجزةً ظاهرة له ﷺ ، وإن لم يكن بين يديه فيكون تسبيحه أيضًا معجزة له، إذ الطعامُ جماد، وتسبيح الجماد خَرْقُ العادات.
واعلم أن تسبيحَ الطعامِ والحَصَى وغيرَ ذلك من معجزاته: إنما كان مُسْتَغْربًا بالنسبة إلى عالَم الحِكْمة؛ لأن ما وُجد في عالم الحكمة لا يحصُل إلا بالأسباب؛ لأنه مركَّب من العناصر الأربعة، وأما عالَم القُدرة فهو غير مركَّب.
فحينئذ لا يحتاج إلى الأسباب والمواد، فعند إرادته القديمة تعالى بإظهار معجزة على يد نبي من الأنبياء صلوات الله عليهم يظهرُ ما هو من عالَم القدرة الذي لا تركيب فيه على يده؛ كتسليم حجر، أو تسبيح طعام، وغير ذلك مما يعجَزُ الخلْقُ عن إتيان مثله، فيلزمهم تصديقُه في دعوى النبوة؛ لأنه بشرٌ مثلُهم، فلو لم يكن مؤيَّدًا من عنده تعالى لَمَا قَدَرَ عليه، كما لا يَقْدِرون عليه.
* * *
٤٦٢٦ - قَالَ أَبُو قَتادَة ﵁: خَطَبنا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "إنَّكُمْ تَسيرُونَ عَشيَّتَكُمْ ولَيْلَتَكُمْ، وتأْتونَ المَاءَ إِنْ شَاءَ الله غَدًا"، فانطلقَ الناسُ لا يَلْوِي أَحدٌ على أَحدٍ، قال أبو قَتادَةَ ﵁: فبَيْنَما رَسُولُ الله ﷺ يَسيرُ حتَّى ابْهارَّ اللَّيلُ، فمَالَ
стр. 2913
عنْ الطَّريقِ، فوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: "احْفَظُوا علَيْنا صَلاتَنا"، وَكَانَ أوَّلَ مَنْ استَيْقَظَ رَسَولُ الله ﷺ والشَّمْسُ في ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: "ارْكَبُوا"، فركِبنا، فسِرْنا، حتَّى إذا ارتفَعَتِ الشَّمسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعا بمِيضأَةٍ كانتْ معِي فيها شَيءٌ منْ ماءٍ، فتوضَّأَ مِنْها وُضُوءًا دُونَ وُضوءٍ، قال: وبقيَ فيها شَيءٌ منْ مَاءٍ، ثُمَّ قال: "احْفَظْ علَيْنا مِيضَأَتَكَ فسيَكونُ لَها نَبأٌ", ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ بالصَّلاةِ، فصَلَّى رسولُ الله ﷺ ركعتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الغَداةَ، ورَكِبَ ورَكِبنا مَعَهُ، فانتَهينا إلى النَّاسِ حِينَ امتدَّ النَّهارُ وحَمِيَ كُلُّ شيءٍ وهُم يقولون: يا رَسُولَ الله! هلَكْنا عَطَشًا، فقال: "لا هُلْكَ عَلَيْكُمْ"، ودَعا بالمِيضأَةِ، فَجَعلَ يَصُبُّ وأبو قَتادَةَ يَسقيهِمْ، فلمْ يَعْدُ أنْ رَأَى النَّاسُ ماءً في المِيضأَةِ فتَكَابُّوا عليها، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أحْسِنوا المَلأَ، كُلُّكُم سَيَرْوَى"، قال: ففعلَوا، فجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُبُّ ويَسقِيهِمْ، حتَّى ما بَقِيَ غَيْرِي وغَيْرُ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ صَبَّ فقالَ لي: "اشرَبْ"، فقلتُ: لا أشرَبُ حتَّى تَشْرَبَ يا رَسُولَ الله! قَالَ: "إنَّ سَاقِيَ القَومِ آخِرُهُم شُرْبًا"، قال: فشرِبْتُ وشَرِبَ، قال: فأتَى النَّاسُ المَاءَ جامِّينَ رِواءً.
قوله: "لا يلوي أحد على أحد"؛ أي: لا يميل أحدٌ إلى أحد، ولا يلتفت إليه، بل يمشي وحدَه قاصدًا إلى الماء.
قوله: "يسير حتى ابهارَّ اللَّيلُ"؛ أي: انتصف، وبُهْرة الشيء: وسطه.
قوله: "اركَبُوا، فَرَكِبنا، فَسِرْنا، حتى إذا ارتفعت الشمس نَزَل" وإنما أخَّر القضاء ليكون دليلاً على أن قضاء صلاة نام عنها أو نسِيَها لا يجب على الفور، بل على التراخي مدةَ عمره، ولا يأثم، وإنما لم يقض في ذلك الموضع الذي فاتت الصلاة عنه، بل انتقل إلى موضع آخر، ليعلِّم أن الموضعَ الذي ارتكب الشخصُ فيه مَنْهيًّا أو تَرَكَ مأمورًا يُستحبُّ له أن يفارِق ذلك الموضع، ثم يأتي بما تَرَكَه في موضعٍ آخرَ ترغيمًا للشيطان.
стр. 2914
قوله: "ثم دعا بمِيْضَأة كانت معي"، (الميضأة): مطهرة يتوضأ بها، مفعلة من الوضوء.
قوله: "فتوضَّأ وضوءً دون وضوء"؛ أي: توضأ وضوءً وَسَطًا بين ما هو على الكمال وبين ضده، وإنَّما رَضيَ بما هو أدنى لقلة الماء.
قوله: "حتَّى امتدَّ النهارُ، وحَمِيَ كلُّ شيء"؛ أي: حتى ارتفع النهار، واشتد حرارةُ كلَّ شيء.
قوله: "تكابوا عليها"؛ أي: ازْدَحموا على المِيْضَأة.
قوله: "أحسِنُوا المَلأَ كلكم"، قال في "الصحاح": المَلأَ: الخُلُق، فيقال: ما أحسنَ مَلأَ بني فلان؛ أي: عشرتهم وأخلاقهم، والجمع أَمْلاء.
وفي الحديث: أنه قال لأصحابه حين ضربوا الأعرابي: "أحسنوا أملاءكم كلكم"، الضمير في (أحسنوا كلكم) تأكيد؛ أي: أحسِنوا كلُّكم الأخلاقَ.
قوله: "فأتى الناسُ الماءَ جامِّينَ رِواءً"، (الرِّواء) جمع رَيَّان، كعِطاش جمع عَطْشان، قيل: معناه: أتى الناس ممتلئين من الماء، من قولهم عندي جُمَام القفيز دقيقًا - بالضم لا غير -، وبالفتح: يُستعمل في الفرس، وبالكسر: يستعمل في القَدَح ملآن من الماء، هذا قول الفَرَّاء.
قال غيره: يجوز أن يقال جَمام المَكُوك وجُمامه وجِمامه - بالفتح والضم والكسر -، هذا معنى كلام صاحب "الصحاح".
وقيل: معناه: أتى الناس مُسْتريحين بحيث زال تعبُهم وعَناؤهم، مِنَ الجَمام - بالفتح - وهو الراحة.
* * *
стр. 2915
٤٦٢٧ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: لمَّا كَانَ يَومُ غَزوةِ تَبوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، فَقَالَ عُمرُ ﵁: يَا رَسُولَ الله! ادْعُهُمْ بفَضْلِ أزْوادِهمْ، ثمَّ ادْعُ الله لهُمْ عليها بالبَرَكةِ، فقال: "نَعَمْ" فدَعا بنطَعٍ فبُسِطَ، ثُمَّ دَعا بفَضْلِ أزْوادِهمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بكَفِّ ذُرَةٍ، ويَجيءُ الآخرُ بكَفِّ تَمرٍ، ويَجيءُ الآخَرُ بكِسْرةٍ، حتَّى اجتمَعَ على النَّطَعِ شَيءٌ يَسيرٌ، فدَعا رَسُولُ الله ﷺ بالبَرَكَةِ، ثُمَ قَالَ: "خُذوا في أَوْعيَتِكُمْ"، فأخَذوا في أوْعِيَتهِم حتَّى مَا تَرَكوا في العَسْكَرِ وِعاءً إلَّا مَلَؤُوهُ، قَالَ: فأكَلوا حتَّى شَبعوا، وفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا الله وأنَّي رَسُولُ الله، لا يَلْقَى الله بهِما عبدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فيُحْجَبَ عن الجَنَّةِ".
قوله: "أصاب الناسَ مَجَاعةٌ"، (المجاعة): الجوع.
قوله: "ثم دعا بِفَضْل أَزْوادهم"، الفضل والفَضْلة: ما فَضَل من شيء.
(الأزواد): جمع زاد، وهو طعام يُتَّخذ للسفر؛ يعني: طلب رسول الله ﷺ منهم أن يأتوا ببقيَّة أَزْوادهم.
قوله: "فدعا رسولُ الله ﷺ بالبركة"، قيل: البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وذلك إما أن يَجْعلَ الله سبحانه القليلَ مُشْبعًا بقدرته القديمة، أو يزيدَ في أجزائها زيادةً غيرَ محسوسة، ابتلاء للآكلين؛ لأن في الغيب ابتلاء للمؤمنين المُوقنين.
قوله: "لا يلقى الله بهما عبدٌ غيرُ شَاكٍّ فيُحْجَبَ عن الجنَّة"، الضمير في (بهما) للشهادتين.
(فيحجب): منصوب على جواب قوله: (لا يلقى)؛ يعني: مَنْ لقي الله سبحانه بالشهادتين - يعني: بالإسلام - من غير تردد وشك، فلا يُحجب عن الجنة البتَّةَ.
* * *
стр. 2916
٤٦٢٨ - وقَالَ أنَسٌ ﵁: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ عَروسًا بزَيْنَبَ، فعَمَدَتْ أُمَّي أُمُّ سُلَيْمٍ إلى تَمرٍ وسَمنٍ وأَقِطٍ، فَصَنَعَتْ حَيْسًا فجعلَتْهُ في تَوْرٍ، فَقَالتْ: يَا أَنَسُ! اذهَبْ بهذا إلى رَسُولِ الله ﷺ فقُلْ: بَعَثَتْ بهذا أُمِّي إليكَ، وهيَ تُقْرِئُكَ السَّلامَ، وتَقُولُ: إنَّ هذا لكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ الله! فذهبْتُ فقلتُ، فَقَالَ: "ضَعْهُ"، ثُمَّ قَالَ: "اذهبْ فادْعُ لي فُلانًا وفُلانًا وفُلانًا - رِجالاً سمّاهُمْ -، وادْعُ مَنْ لَقِيتَ"، فدعَوْتُ مَنْ سَمَّى ومَنْ لَقِيتُ، فرجعتُ، فإذا البَيْتُ غَاصٌّ بأهلِهِ، قِيلَ لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ عَدَدُكمْ؟ قال: زُهاءَ ثَلَاثِ مِئَةٍ، فَرَأَيتُ النَّبيَّ وَضَع يَدَهُ على تِلْكَ الحَيْسَةِ، وتَكلَّمَ بَما شَاءَ الله، ثُمَّ جَعَلَ يَدعُو عَشَرَةً عَشَرةً يأْكُلونَ منهُ ويقولُ لهُمْ: "اذْكُروا اسْمَ الله عَلَيْهِ، ولْيأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَليهِ"، قال: فَأَكَلوا حتَّى شَبعوا، فخَرَجَتْ طَائِفةٌ ودَخلَتْ طَائِفةٌ حتَّى أكَلوا كلُّهُمْ، فقالَ لي: "يا أنسُ! ارْفَعْ"، فرفَعْتُ، فَمَا أدْرِي حِينَ وضَعْتُ كَانَ أكثرَ أمْ حينَ رَفَعْتُ!.
قوله: "كان النبي ﷺ عَرُوسًا بزينب"، والعَروس يُستعمل في الرجل والمرأة جميعًا.
قال في "الصحاح": يقال: رجُلٌ عَروس في رجال عُرُس، وامرأة عروس في نساء عرائس، وفي المَثَل: كاد العَروسُ يكون أميرًا. وسببُ الاستواءِ المبالغةُ في عَرُوس؛ كَصَبُور.
قوله: "فعمَدَتْ أميِّ أمُّ سُلَيم إلى تَمْرٍ وسَمنٍ وأَقِطٍ، فصنَعَتْ حَيْسًا" (عَمَدت)؛ أي: قصدت، و (الحيس): تمر يُخْلط بالسمن، و (الأقط)، و (التور): إناء يُشرب فيه.
قوله: "فرجعَتْ، فإذا البيتُ غاصٌّ بأهله"، قال الحافظ أبو موسى: يقال: غَصَّ الموضعُ بالقوم: إذا امتلأ بهم.
* * *
стр. 2917
٤٦٢٩ - قَالَ جَابرٌ ﵁: غزَوْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأَنَا على نَاضحٍ قدْ أعْيا فلا يَكَادُ يَسيرُ، فَتَلاحَقَ بِي النَّبيُّ ﷺ فَقَالَ: "ما لِبَعيرِكَ؟ "، قُلْتُ: قدْ عَييَ، فتخلَّفَ رَسُولُ الله فَزَجَرَهُ ودَعا لَهُ، فما زالَ بينَ يَدَي الإِبلِ قُدَّامَها يَسيرُ، فَقَالَ لِي: "كيفَ تَرى بَعيرَكَ؟ " قلتُ: بخَيْرٍ، قدْ أصابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قال: "أفَتَبيعُنِيهِ بِوُقيَّةٍ؟ "، فبعْتُهُ على أنَّ لي فَقارَ ظهرِهِ إلى المدينةِ، قَالَ: فلمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ المَدِينةَ غَدَوْتُ عليهِ بالبَعيرِ، فأَعْطَانِي ثَمْنَهُ، ورَدَّهُ عليَّ.
قوله: "وأنا على نَاضحٍ قد أَعْيا"، (الناضح): بعير يُسْتَسْقى عليه الماء.
(عيي): إذا عَجَز عن المشي وغيره.
قوله: "فما زال بين يدَي الإبلِ قُدَّامَها يسيرُ"؛ يعني: فما دام ذلك البعير يسير قدَّامَ الإبلِ سيرًا شديدًا بركة لدعاءِ رسول الله ﷺ .
قوله: "فبعته على أنَّ لي فَقَارَ ظهرِه إلى المدينة"، (الفَقَار): عِظام الظَّهْر، والمراد به ها هنا: الظَّهر؛ أي: ركوب فَقَار ظهرِه؛ يعني: بعتُ البعير من رسول الله ﷺ على أنه يكون مركوبًا لي إلى المدينة، فلمَّا قدمنا المدينة ردَّ ثمنَ البعيرِ إليَّ، ووهبَ لي البعير أيضًا، وفيه دليلٌ على جواز استثناء بعض منفعة المَبيع مدةً.
* * *
٤٦٣٠ - عَنْ أَبي حُمَيْدٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ غَزْوَةَ تَبوكَ، فأتَيْنا وادِي القُرَى على حَديقةٍ لامْرأةٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اخْرُصُوهَا"، فخَرَصْناهَا، وخَرَصَها رَسُولُ الله ﷺ عَشَرَةَ أوْسُقٍ وقال: "أحْصِيْهَا حتَّى نَرجِعَ إِلَيكِ إِنْ شَاءَ الله "، وانْطَلَقْنا حتَى قَدِمْنَا تَبوكَ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ستَهُبُّ عَلَيكُمُ اللَّيلةَ رِيحٌ شَديدةٌ، فلا يَقُمْ فيها أَحدٌ، فمَنْ كَانَ لَهُ بَعيرٌ فلْيَشُدَّ عِقالَهُ"، فهَبَّتْ رِيحٌ شَديدةٌ، فَقَامَ رَجَلٌ فحَملَتْهُ الرِّيحُ حتَّى ألْقَتْهُ بجَبَلَ طَيئٍ، ثُمَّ أقبَلْنا
стр. 2918
حتَّى قَدِمنا وادِي القُرَى، فَسَألَ رَسُولُ الله ﷺ المَرأَةَ عنْ حَديقتِها، "كَمْ بَلَغَ تمرُها؟ "، فَقَالت: عَشَرَةَ أوْسُقٍ.
قوله: "فأتينَا وادي القُرى على حديقة"، (وادي القرى): موضع، (الحديقة): عبارة عن كل بستان عليه حائط.
قال في "الغريبين": قال أبو عبيدة: الحديقة: كل ما أحاط به البناء، يقال: حَدَق به، وأَحْدَق به.
قوله "بجبلي طيء"، جبلا طيء؛ أحدهما سَلْمى، والآخر أَجَأ، على وزن فعلى، بفتح الكل، وهما بأرض نجد.
* * *
٤٦٣١ - وقَالَ أَبُو ذَرٍّ، قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إنَّكُمْ ستَفْتَحُونَ مِصْرَ، وهيَ أَرْضٌ يُسمَّى فيها القِيراطُ، فإذا فتَحتُموها فأحْسِنوا إلى أَهلِها فإنَّ لَها ذِمَّةً ورَحِمًا - أَوْ قَالَ: ذِمَّةً وصِهْرًا - فإِذَا رَأيتُم رجُلَيْنِ يَخْتصِمَانِ في مَوْضعِ لَبنةٍ فاخْرُجْ مِنْهَا"، قَالَ: فَرَأَيْتُ عبدَ الرَّحمنِ بن شُرَحْبيلَ بن حَسَنةَ وأَخاهُ رَبيعةَ يَخْتصِمانِ في مَوْضعِ لَبنةٍ فخرجْتُ منها.
قوله: "إنكم ستفتحونَ مِصْرَ وهي أرضٌ يسمَّى فيها القِيراطُ", تقديره: إنكم ستفتحون مِصْرَ، ومِصْرُ أرضٌ يسمَّى فيها؛ أي: في مصر (القيراط).
قال الطحاوي في "مشكل الآثار": إن أرضَ مصرَ يسمى فيها القيراط؛ لأنَّ أهلَها يستعملونه في السبِّ وإسماع المكروه، فيقولون: أعطيت فلانًا قيراطًا؛ أي: أسمعته المكروه، ويقولون: اذهب وإلا أعطيك القراريط؛ أي: السب والشتم، إنما ينبههم على صفة تلك البلدة بخصوصها، وإنما ينبههم عند فتحها عن خُلُق أهلها، أو معجزة لأن هذا من الغيب.
стр. 2919
قوله: "فإنَّ لها ذِمَّة ورَحِمًا، أو: ذمةً وصِهْرًا" قيل: الذمة المراد بها الذَّمام الذي حصل لهم من جهة إبراهيم بن النبي ﷺ من مارِية القِبْطية، فإنها من مصر، وأما الرَّحِم فمن جهة هاجرَ أمِّ إسماعيل صلوات الله عليهما، فإنها أيضًا من مصر، وقيل: الصِّهر مختصٌّ بمارية، والذَّمَّة بهاجر.
قوله: "فإذا رأيتُم رجلين يختصِمان في موضع لَبنة ... " الحديث.
قيل: قد ظهر هذه الخصومة في آخر خلافة عثمان ﵁ حين عَتَبوا عليه ولايةَ عبدِ الله بن سعد بن أبي سَرْح، أخيه من الرَّضَاعة، فكان منهم ما كان، وإنما قال لأبي ذر: (فاخرج منها) شفقةً عليه ونظرًا له، كيلا يتضرَّر من تلك الخصومة التي هي مادَّة الفتن.
وهذا الذي قد أخبر ﷺ قبل وقوعه، وقد وقع = من جملة معجزاته أيضًا ﷺ .
* * *
٤٦٣٢ - عَنْ حُذَيْفَة ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "في أَصحَابي - وفي رَوِايَةٍ: في أُمَّتِي - اثْنا عَشَرَ مُنافِقًا، لا يَدخُلونَ الجَنَّةَ ولا يَجدونَ رِيحَها حتَّى يَلِجَ الجمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، ثَمانِيةٌ منهُم تَكفِيهِم الدُّبَيْلَةُ: سِراجٌ مِنَ النارِ تَظهرُ في أكتافِهِم حتَّى تَنْجُمَ في صُدورِهِم".
قوله: "حتى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياط"، وَلَج يَلِجُ: إذا دخل، (السَّم): الثقبة، (الخياط) - بكسر الخاء -: الإبرة.
قوله: "ثمانيةٌ منهم تَكْفيهم الدُّبَيلة"، (الدبيلة) في الأصل هي الدَّاهية، وهي مصغَّرة للتكبير، واستعمل في الطاعون وقَرحة متصلِّبة شديدة كانت تظهر في أكتافهم.
стр. 2920
قوله: "سِراجٌ من النَّار تظهرُ في أكتافهم حتى تَنْجُمَ في صدورهم"، يقال: نَجَم النَّبتُ يَنْجُم: إذا خرج؛ يعني: تلك القَرحة تظهر في أكتافهم مثل سراجٍ من النار لشدة أَلَمِها وحرقة محلِّها، حتى يَسْرِيَ فيها إلى الصدور ويَهْلَك صاحبُها.
* * *
٤٦٣٣ - عَنْ جَابرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ يَصْعَدُ الثَّنِيَّةَ ثَنيَّةَ المُرارِ فإنَّهُ يُحَطُّ عنهُ ما حُطَّ عنْ بني إسْرائيلَ"، فكانَ أوَّلَ مَنْ صَعِدَها خَيْلُنا خَيْلُ بني الخَزْرجَ، ثمَّ تَتامَّ النَّاسُ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وكُلُّكُمْ مَغفورٌ لهُ إِلَاّ صاحِبَ الجَملِ الأحمرِ"، فَأتَيْنَاهُ فقُلنا لهُ: تَعَالَ يَستغفِرْ لكَ رَسُولُ الله ﷺ ، فقال: والله لأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أحبُّ إليَّ منْ أنْ يَستغفِرَ لِي صاحِبُكُم، وكَانَ رَجُلًا يَنشُدُ ضَالَّةً لهُ.
قوله: "مَنْ يَصعَدُ الثنيَّةَ ثنيَّةَ المُرارِ، فإنه يُحَطُّ عنه ما حَطَّ عن بني إسرائيل"، قيل: ثنية المرار - بضم الميم -: عَقَبة منسوبة إلى شجرة مُرّ، يقال لها: المُرار.
قال الحافظ أبو موسى في "المُغيث": هو ما بين مكة والمدينة من طريق الحديبية، قيل: لعلَّ هذه الثنية كان صعودُها شاقًّا على الناس، إما لقُربها من العدو، أو لصعوبة طريقها، فلهذا قال: (يُحَطُّ عنه ما حَطَّ عن بني إسرائيل) حين امتثلوا قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف: ١٦١].
قوله: "ثم تتامَّ النَّاسُ"؛ أي: صَعِدَ الناسُ الثنيةَ كلُّهم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٦٣٤ - عَنْ أَبي مُوْسَى الأَشْعرِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ أبو طَالِبٍ إلى الشَّامِ،
стр. 2921
وخَرجَ مَعَهُ النَّبيُّ ﷺ في أَشْياخٍ منْ قُريشٍ، فلمَّا أشْرَفوا على الرَّاهِبِ، هَبَطوا فحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فخرجَ إليهِم الرَّاهِبُ، وكانوا قَبْلَ ذلكَ يَمُرُّونَ بهِ فَلا يَخرُجُ إليهِمْ، قَالَ: فهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فجَعَلَ يَتخلَّلُهُم الرَّاهِبُ حتَّى جَاءَ فأخذَ بيدِ رَسُولِ الله ﷺ ، قال: هذا سَيدُ العَالَمِينَ، هذا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ، يَبعثُهُ الله رَحمَةً للعَالَمينَ، فقالَ لهُ أَشْياخٌ منْ قُريشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ قال: إنَّكُمْ حِينَ أشْرَفْتُم مِنَ العَقَبةِ لم يَبْقَ شَجرٌ ولا حجرٌ إلَّا خَرَّ سَاجِدًا، ولا يَسجَدانِ إلَّا لِنَّبيٍّ، وإنَّي أَعْرِفُهُ بَخَاتَمِ النُّبوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْروفِ كتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لهُمْ طَعَامًا، فلمَّا أَتاهُمْ وكانَ هوَ في رِعْيَةِ الإِبلِ قَالَ: أَرسِلوا إِليْهِ، فأقبَلَ وعلَيهِ غَمامَةٌ تُظِلُّهُ، فلمَّا دَنا مِنَ القَومِ وجَدَهُمْ قدْ سَبقوهُ إلى فَيْءِ الشَّجَرَةِ، فلمَّا جَلَسَ مالَ فَيْءُ الشَّجرةِ عَلَيْهِ فَقَال: انظُروا إلى فَيْءِ الشَّجَرةِ مَالَ عليهِ، فَقَالَ: أنشُدُكُم الله، أيُّكُمْ ولِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فلم يَزَلْ يُناشِدُهُ حتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ، وبعثَ معهُ أَبُو بَكرٍ ﵁ بِلالاً (١)، وزوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الكَعْكِ والزَّيْتِ.
قوله: "فلمَّا أشرفُوا على الرَّاهب هَبَطوا فحلُّوا رِحَالَهم"، (أشرف عليه): اطلع عليه، (الراهب): الزاهد من النصارى، قيل: اسم هذا الراهب كان بَحيرا،
стр. 2922
وكان أعلم النصارى، وموضعه كان بصرى من بلاد الشام.
(هبط): إذا نزل، (حلَّ)؛ أي: فتح.
قوله: "فجعل يتخلَّلُهم الراهبُ"، (جعل)؛ أي: طَفِق، (تخلَّلَ في الشيء): إذا دخل في خَلَله، وهو الوسَط.
قوله: "وإنَّي أعرِفُه بخاتَم النُّبوة أسفلَ من غُضْروفِ كَتفِه"، (الغضروف): ما لان من العَظْم، وقيل: غضروف: فوق الكتف، وغضروفة اللحم: الذي بين الكتفين.
قوله: "فلم يَزَلْ يُنَاشِده حتَّى رَدَّه"؛ يعني: لم يزل الراهبُ يقول لأبي طالب: بالله عليك أنْ تردَّ محمدًا ﷺ إلى مكةَ، واحفظْه من العدو، حتى ردَّه إلى مكة.
قيل: كان الراهب يخاف أن يذهبوا به إلى الروم، فتقتله الروم، فلذلك ناشدَ أبا طالب عمَّه حتى ردَّه ﷺ إلى مكة.
* * *
٤٦٣٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بالبُراقِ لَيْلةَ أُسْرِيَ بهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فاسْتَصْعَبَ عليهِ، فَقَالَ لهُ جبريلُ: "أَبمُحَمَّدٍ تفعلُ هذا؟ فَمَا ركِبَكَ أَحَدٌ أَكْرمُ على الله مَنْهُ"، قَالَ: فارْفَضَّ عَرَقًا. غريب.
قوله: "مُلْجَمًا مُسْرَجًا"، (ملجمًا)؛ أي: مَشْدودًا عليه اللِّجام، (مُسْرجًا)؛ أي: موضوعًا عليه السَّرج؛ يعني: كان مُهيّأً للركوب.
قوله: "فاستصْعَبَ عليه"؛ أي: صعب عليه الركوب؛ يعني: ما قدر أن يركبَه.
قوله: "فارفَضَّ عَرَقًا"؛ أي: سال منه العَرَق وترشَّش.
* * *
стр. 2923
٤٦٣٧ - وعَنْ بُرَيْدةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لمَّا انتهَيْنا إلى بيتِ المَقْدِسِ قالَ جِبريلُ بأُصبُعِهِ، فخَرَقَ بها الحَجرَ، فشدَّ بهِ البُراقَ".
قوله: "قال جبريل ﷺ بإصبعه، فخرق بها الحجر، فشد به البراق"، (قال به)؛ أي: أشار بإصبعه الحجر، فشقَّ الحجر بإصبعه، فانشق، ثم شَدَّ البراق بذلك الحجر.
* * *
٤٦٣٨ - عن يَعلى بن مُرَّة الثَّقَفيِّ قَالَ: ثَلاثةُ أَشْياءَ رأَيْتُها مِنْ رَسُولِ الله ﷺ : بَيْنا نحنُ نسَيرُ معهُ إِذْ مَرَرْنا ببَعِيرٍ يُسْنَى عَلَيهِ، فلَمَّا رَآهُ البَعيرُ جَرْجَرَ، فوضَعَ جِرانَهُ، فوقَفَ عليهِ النَّبيُّ ﷺ فَقَال: "أينَ صاحِبُ هذا البعيرِ؟ "، فجَاءَهُ، فَقَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَقَالَ: بلْ نَهَبُهُ لكَ يَا رَسُولَ الله! وإنَّهُ لِأَهلِ بيتٍ ما لهُم مَعيشَةٌ غيرُهُ، فقال: "أَمَّا إِذَ ذَكَرتَ هذا منْ أمْرِهِ فإنَّه شَكا كَثْرَةَ العملِ وقِلَّةَ العَلَفِ، فأحْسِنوا إليهِ"، ثُمَّ سِرْنا حتَّى نَزَلْنا مَنْزِلاً، فَنَامَ النَّبيُّ ﷺ ، فجَاءَتْ شَجَرةٌ تَشُقُّ الأَرضَ حتَّى غشِيَتْهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلى مَكانِها، فلمَّا استيقظَ رَسُولُ الله ﷺ ذَكَرْتُ لهُ، فقال: "هِيَ شَجرةٌ استأْذَنَتْ ربَّها في أَنْ تُسَلِّمَ على رَسُولِ الله ﷺ ، فأذَنِ لَها"، قال: ثُمَّ سِرْنا، فمَرَرْنا بماءٍ، فأتَتْهُ امرأَةٌ بابن لَهَا بهِ جِنَّةٌ، فأخذَ النَّبيُّ ﷺ بمَنْخِرِهِ، ثُمَّ قَالَ: "اخرُجْ، إِنَّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله ﷺ "، ثمَّ سِرْنا، فلمَّا رَجَعْنا مَرَرْنا بذلكَ المَاءِ، فَسَألَها عَنْ الصَّبيِّ، فَقَالَتْ: والَّذِي بعثَكَ بالحَقِّ، ما رأَيْنا منهُ رَيْبًا بَعدَك.
قوله: "ببعيرٍ يُسنَى عليه"؛ أي: يُسْتَقى عليه.
قوله: "فلما رآه البعيرُ جَرْجَرَ"، (جرجرَ)؛ أي: صَوَّتَ وصاح، (الجرجرة): صوت يردِّده البعير في حَنْجَرته، يقال: جَرْجَرَ البعير، فهو جَرْجَار، كما يقال: ثَرْثرَ
стр. 2924
الرجل، فهو ثَرْثار.
قوله: "فوضعَ جِرانَه"، (جِرانُ البعير): مقدَّم عُنقه من مَذْبَحه إلى مَنْحَره.
قوله: "فأتته امرأةٌ بابن لها به جُنَّة" أي: بالابن جُنونٌ.
قوله: "ثم قال: اخْرُج"، أي: ثم قال رسول الله ﷺ للجنون: اخرج.
قوله: "والذي بعثكَ بالحقِّ ما رأينا منه رَيبًا بعدَك"، (الريب): الشك؛ أي: ما رأينا منه ما أوقعَنَا في شكِّ من حاله ورِيبة بعدَكَ.
وقيل: صوابه (رَئيًّا)، الرَّئي: الذي يُرى من الجِنِّ في صورة حيوان كحيَّةٍ وغيرها.
* * *
٤٦٣٩ - وَقَالَ ابن عبَّاسٍ ﵄: إنَّ اَمْرأةً جَاءَتْ بابن لَها إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ ابني بهِ جُنونٌ، وإِنَّهُ يأخُذُهُ عِنْدَ غَدائِنا وعَشائِنا، فمَسَحَ رَسُولُ الله ﷺ صَدرَهُ ودَعا، فثَعَّ ثَعَّةً، وخرجَ منْ جَوْفِهِ مثلُ الجَروِ الأَسْودِ يَسعَى.
قوله "فثعَّ ثَعَّةً، وخرجَ من جوفه مثل الجِرْو الأسود يَسْعَى"، ثَعَّ الرجل ثَعًّا: إذا قاء.
(الجِرْو): ولد الكَلْب وغيره من السباع.
وفيه دليل على جواز الرُّقية إذا لم يكن فيها غير اسمِ الله سبحانه.
* * *
٤٦٤١ - وقَالَ ابن عُمَرَ ﵁: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ، فأقبَلَ أَعْرَابيٌّ، فَلَمَّا دَنا قَالَ لهُ رَسُولُ الله ﷺ : "تشهدُ أنْ لا إِله إلَّا الله وحدَهُ لا شَريكَ
стр. 2925
لهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ؟ "، قَالَ: ومَنْ يَشْهَدُ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "هذِهِ السَّلَمَةُ"، فَدَعَاهَا رَسُولُ الله ﷺ وهوَ بِشَاطِيءِ الوَادِي، فَأَقبَلَتْ تَخُدُّ الأَرْضَ حتَّى قامَتْ بينَ يَدَيْهِ، فاستَشْهَدَها ثَلَاثًا، فَشَهِدَتْ ثَلاثًا أَنَّه كَمَا قَالَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلى مَنْبتِها.
قوله: "هذه السَّلَمة"، قيل: (السلمة): شجرة من العِضَاه، ورقُها القَرَظ، والقَرَظ: ما يُدبغ به الجِلد.
قوله: "فدعاها رسولُ الله ﷺ وهو بشاطيء الوادي، فأقبلت تَخُدُّ الأرضَ، حتى قامتْ بين يديه"؛ يعني: النبي ﷺ كان واقفًا بشاطيء الوادي؛ أي: طَرفه، (تَخُدُّ الأرض)؛ أي: تشقُّها، والخَدُّ: الشَّقُّ، (بين يديه)؛ أي: عنده.
* * *
٤٦٤٢ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: بِمَ أَعْرِفُ أَنَّكَ نبيٌّ؟ قَالَ: "إنْ دَعَوْتُ هذا العِذْقَ منْ هذهِ النَّخْلَةِ يَشْهَدُ أنَّي رَسُولُ الله"، فدَعاهُ رَسُولُ الله ﷺ ، فَجَعلَ يَنزِلُ منَ النَّخْلَةِ حتَّى سَقَطَ إلى النَّبيَّ ﷺ ، ثمَّ قال: "ارجِعْ"، فَعَادَ، فَأَسْلَمَ الأَعْرابيُّ. صَحَّ.
قوله: "إنْ دعوتُ هذا العِذْقَ من هذه النَّخلة"، (العِذق) - بكسر العين - الكِبَاسة، والكِبَاسة من النخل بمنزلة العُنْقود من العِنَب، والعَذْق - بالفتح -: النَّخْلة.
* * *
٤٦٤٣ - عَنْ أبي هُريْرَة ﵁ قَالَ: جَاءَ ذِئبٌ إلى رَاعِي غَنْمٍ فأخذَ منها
стр. 2926
شَاةً، فطَلبَهُ الرَّاعِي حتَّى انتزَعَها منهُ، قَالَ: فصَعِدَ الذَّئبُ على تَلًّ فأقْعَى واستَقَّر وقال: عَمَدتُ إلى رِزْقٍ رَزَقَنِيهِ الله أَخَذْتُهُ ثمَّ انتزَعْتَهُ منِّي؟ فقالَ الرَّجلُ: تالله إنْ رأيتُ كاليومِ! ذِئبٌ يَتكلَّمُ؟ فقالَ الذِّئبُ: أَعجَبُ منْ هذا رَجُلٌ في النَّخَلاتِ بينَ الحَرَّتَيْنِ يُخْبرُكُم بِمَا مَضَى وبمَا هوَ كَائِنٌ بعدَكُمْ، قال: وكَانَ الرَّجُلُ يَهُودِيًا، فجَاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فأخبرَهُ وأسلَمَ، فصَدَّقَهُ النَّبيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ النبيُّ ﷺ : "إنَّها أَمَاراتٌ بينَ يَدَي السَّاعَةِ، فقد أَوْشَكَ الرَّجُلُ أنْ يَخرُجَ فلا يَرجِعَ حتَّى تُحدِّثَهُ نَعْلاهُ وسَوْطُه بِمَا أَحدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ".
قوله: "فأقْعى واسَتَثْفَر"، (الإقعاء): أن يجلس على وِرْكيه, وينصبَ يديه، و (الاستثفار): إدخال ذَنبَه من بين أَلْيتيه كما هو عادة الكِلاب.
قوله: "تالله إنْ رأيتُ كاليومِ ذئبٌ يتكلَّم"، قال في "الفائق"؛ أي: ما رأيتُ أُعجوبة مثلَ أعجوبةِ اليوم، فحذف الموصوف، وأقيم الصفةَ مقامَه، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
قوله: "بين الحَّرتين"؛ أي: الحجرين، والحَرَّة: حجارة سُود بين جبلين.
* * *
٤٦٤٤ - عَنْ أبي العَلاءِ عَنْ سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا معَ النَّبيِّ ﷺ نتَداول منْ قَصْعَةٍ مِنْ غُدْوَةٍ حتَّى اللَّيلِ، تَقُومُ عَشَرة وتَقْعُدُ عَشَرةٌ، قُلنا: فَمَا كانتْ تُمَدُّ؟! قَالَ: منْ أيِّ شَيءٍ تَعْجَبُ؟ ما كانتْ تُمَدُّ إِلَاّ مِنْ هَا هُنَا، وأَشَارَ بيدِهِ إِلى السَّماءِ.
قوله: "كنَّا مع النبيِّ ﷺ نَتَداوَلُ من قَصْعَة، مِنْ غَدْوة حتى الليل"؛ أي: نتناوب بأكل الطعام منها طولَ النهار.
قوله: "فما كانت تُمَدُّ"؛ أي: مِنْ أين تُمَدُّ؛ أي: تُزاد القَصْعة من الطعام؟
стр. 2927
يعني: من أين يكثُر الطعام فيها؟
"قال" النبيُّ ﷺ : "من أيِّ شيء تَعْجَب؟ "؛ أي: لا تَعْجَب، فإنَّ القَصْعة لا يكثُر فيها الطعام إلا مِنْ عَالَمِ القُدْرة، وهو عبارة عن نزول البركة فيما في القصعة من الطعام، وهو معنى قوله ﷺ : "ما كانت تمد ... " إلى آخر الحديث.
* * *
٤٦٤٥ - عَنْ عبدِ الله بن عَمرٍو ﵁: أَنَّ نبيَّ الله ﷺ خَرَجَ يومَ بَدرٍ في ثَلَاثِ مِئةٍ وخَمْسةَ عَشَرَ، فقال: "اللهمَّ! إنَّهُمْ حُفاةٌ فاحمِلْهُمْ، اللهمَّ إنَّهُمْ عُراةٌ فاكْسُهُمْ، اللهمَّ إنَّهُمْ جِياعٌ فأَشْبعْهُمْ"، ففَتحَ الله لَهُ، فانقَلَبوا وما منهُمْ رَجُلٌ إلَّا وقد رَجَعَ بجَمَلٍ أو جَمَلَيْنِ، واكْتَسَوا وشَبعوا.
قوله: "اللهمَّ إنَّهم حُفَاة فاحمِلْهُم"، (الحفاة): جمع الحافي، وهو الذي يمشي بلا نَعْل ولا مَدَاسٍ، يقال: أحملت فلانًا؛ أي: أعَنْتُه على الحمل؛ يعني: اللهمَّ أعطِ كلَّ واحد منهم المركوب.
(الجياع): جمع جائع.
* * *
٤٦٤٦ - عَنِ ابن مَسْعُودٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قال: "إنّكُمْ مَنصورُونَ ومُصِيْبُونَ ومَفتوحٌ لَكُمْ، فمَنْ أَدرَكَ ذلكَ منكُمْ فليَتَّقِ الله، ولْيأْمُرْ بالمَعْروفِ، ولْيَنْهَ عَنِ المُنكَرِ".
قوله: "ومفتوحٌ لكم"؛ يعني: تُفتح لكم البلادُ الكثيرة.
* * *
٤٦٤٧ - وَعَنْ جَابرٍ ﵁: أنَّ يَهودِيَّةً مِنْ أَهلِ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاةً مَصلِيَّةً،
стр. 2928
ثمَّ أهدَتْها لِرَسُولِ الله ﷺ فأَخذَ رَسُولُ الله ﷺ الذِّرَاعَ فأَكَلَ منها، وأكلَ رَهْطٌ منْ أَصحَابهِ معهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ارْفَعوا أيْدِيَكُمْ"، وأَرْسَلَ إلى اليَهودِيَّةِ، فدَعَاها فقال: "سَمَمْتِ هذِه الشاةَ؟ "، فقالت: مَنْ أخبَرَكَ؟ فقال: "أخبَرَنِي هذِه في يَدِي"، يَعني: الذَّراعَ، قالتْ: نَعَمْ، قلتُ: إنْ كانَ نَبيًّا فلنْ يَضُرَّهُ، وإنْ لمْ يكُنْ نبيًّا اسْتَرَحْنا منهُ، فعفَا عَنْهَا رَسُولُ الله ﷺ ولم يُعاقِبْها.
قوله: "سَمَّتْ شاةً مَصْلِيَّة"، (المَصْلية): المَشْوِيَّة، مِنْ صَلَيْتُ اللحمَ: إذا شويته بالصِّلاء، وهي النار.
قيل: اسم هذه المرأة زينب بنت الحارث، وهي بنت أخي مَرحَب بن أبي مرحب.
قيل: لصفيةَ بنت حُيي شاةٌ مَصْلية سَمَّتها، وأكثَرَتْ في الكتف والذراع، لمَّا عرفتهما أنهما أحبُّ إلى رسول الله ﷺ ، فعفا عنها رسولُ الله ﷺ ، ولم يعاقِبْها.
قال الإمام التُّورِبشْتي في "شرحه": وفي هذا اختلاف؛ لأنه قد روي أنه ﷺ أمر بقتلها فقُتِلت، والجمع بين الروايتين أنه عفا عنها أولاً، فلمَّا مات بِشْر بن البراء من الأَكْلة التي ابتلَعَها أَمَرَ بقتلها، فقُتلت في الحال.
* * *
٤٦٤٨ - عَنْ سَهْلِ بن الحَنْظَلِيَّةِ: أنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ يَومَ حُنَيْنٍ، فأطْنَبُوا السَّيْرَ حتَّى كَانَ عَشِيَّةً، فجَاءَ فَارِسٌ فقال: يا رَسُولَ الله! إنَّي طَلعْتُ عَلَى جَبَلِ كَذا وكَذا، فإذا أَنَا بهَوازِنَ على بَكْرَةِ أَبيهِمْ بظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ، اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فتبسَّمَ رَسُولُ الله ﷺ وقال: "تِلكَ غَنيمَةُ المُسلِمِينَ غدًا إنْ شَاءَ الله"، ثُمَّ قال: "مَنْ يَحرُسُنا الَّليلةَ؟ "، قالَ أَنَسُ بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوِيُّ: أَنَا يا رَسُولَ الله! قال: "اركَبْ"، فركِبَ فرَسًا لهُ فقال: "استقْبلْ هذا الشَّعْبَ حتَّى
стр. 2929
تكونَ في أَعْلاهُ"، فلمَّا أَصْبَحْنا خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ إلى مُصَلَاّه فركَعَ ركعَتَيْن ثُمَّ قال: "هلْ حَسِسْتُم فارِسَكُمْ؟ "، فقالَ رَجُلٌ: ما أَحْسَسْنا، فثُوِّبَ بالصَّلاة، فجعَل رَسُولُ الله ﷺ وهو يُصلي يَلْتَفِتُ إلى الشِّعْبِ، حتى إذا قَضَى الصَّلاةَ قال: "أبشِروا فقدْ جاءَ فارِسُكُمْ"، فجعَلْنا نَنْظُرُ إلى خِلالِ الشَّجرِ في الشَّعْبِ، وَإِذَا هوَ قدْ جاءَ حتَّى وَقَفَ على رَسُوِل الله ﷺ فقال: إِنَّي انطلَقْتُ حتَّى كُنْتُ في أَعلَى هذا الشَّعْبِ حَيْثُ أمرَنِي رَسُولُ الله ﷺ ، فلمَّا أَصبحْتُ طَلَعتُ الشِّعبَيْنِ كليهما فلم أرَ أَحَدًا، فقالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "هلْ نزلْتَ الليلةَ؟ "، قال: لا، إلَّا مُصَلِّيًا أوْ قَاضيَ حَاجَةٍ، قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فلا عَلَيْكَ أنْ لا تَعمَلَ بَعدَها".
قوله: "فأطْنَبوا السَّيرَ"؛ أي: بالغوا في السير.
قوله: "إني طلعت على جبل كذا، فإذا أنا بِهَوازن على بَكْرة أبيهم بِظُعُنِهم ونَعَمِهم"، يقال: طلَعتُ على القوم؛ أي: أتيتهم، وطَلِعْتُ الجبلَ - بالكسر -؛ أي: عَلَوتُه.
وهَوَازن: قبيلة من قيس، وهو هوازن بن مَنصور بن عِكْرمة بن خَصَفَة بن قيس عَيلان.
ويقال: جاؤوا على بَكْرة أبيهم، للجماعة إذا جاؤوا معًا، ولم يتخلَّف منهم أحد، وليس هناك بَكْرة في الحقيقة، ذكره كله في "الصحاح".
قيل: الظَّعْن: جماعة الرجال والنساء الذين يَظْعُنون؛ يعني: قال الفارس: أتيت الجبل الفلاني، ورأيت قبيلة هوازن بأجمعِهم، كانوا مجتمعين إلى حُنين.
قوله: "هل حَسِسْتُم فارِسَكم؟ "؛ أي: هل أدركتم فارسَكم؟ يريد: أنسَ ابن مَرْثد الذي أرسله رسولُ الله ﷺ ليتفحَّصَ عن حال العدو.
قوله: "فثوِّبَ بالصلاة"؛ أي: أُقيم.
قوله: "فجعَلَ رسولُ الله ﷺ وهو يصلِّي يلتفت إلى الشَّعْب، حتى قضى الصلاة"، (جعل)؛ أي: طَفِق، والواو في (وهو) واو الحال؛ يعني: طَفِقَ
стр. 2930
رسولُ الله ﷺ مصلِّيًا يلتفت إلى الشِّعب، حتى فرغ من الصلاة، وفيه دليل على أن الالتفات في الصلاة لا يُبْطِلُها.
قوله: "فلا عليكَ أن لا تعملَ بَعْدَها"؛ أي: فلا بأس عليك أن لا تعمل بعد هذه الليلة من الفضائل والنَّوافل؛ لأنه قد حصل لك فضيلةٌ كافية بتلك الحسنة، وأما الواجبات فلا تَسْقُط عن أحد ما دام حيًا.
* * *
٤٦٤٩ - وعن أَبي هُريْرَة ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ بتَمَراتٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! ادْعُ الله فيهِنَّ بالبَرَكَةِ، فضَمَّهُنَّ ثُمَّ دَعا لِي فيهنَّ بالبَرَكَةِ، قال: "خُذهُنَّ فاجعَلْهُنَّ في مِزْوَدِكَ، كُلَّمَا أَرَدْتَ أنْ تأخُذ منهُ شَيْئًا فأدْخِلْ فيهِ يَدَكَ فخُذْهُ، ولا تَنْثُرْهُ نَثْرًا"، فقدْ حَمَلْتُ منْ ذلكَ التَّمرِ كَذا وكَذا مِنْ وَسْقٍ في سَبيلِ الله، فكُنّا نَأْكُلُ مِنهُ ونُطْعِمُ، وكانَ لا يُفارِقُ حِقْوِي حتَّى كانَ يَوْمُ قَتْلِ عُثمانَ فإنَّهُ انقطَعَ.
قوله: "وكان لا يفارِقُ حِقْوِي، حتَّى كان يومُ قتلِ عثمان ﵁، فإنَّه انقطَعَ"، (الحِقْو): الخَضْر وَمَشُّد الإزار؛ أي: كان مِزْودي لا يفارق وَسَطي إلى يوم قَتْلِ عثمان ﵁، فإنه فاتَ مني في ذلك اليوم، وذلك لأن الفساد إذا كثُر وشاع بين الناس ارتفعت البركةُ، كما أنَّ بالصلاح تنزل البركة، فبالفساد تزولُ وترتفع.
* * *
٦ - باب الكَرَامَاتِ
(باب الكرامات)
(الكرامات) جمع كرامة، وهي تلو المعجزات وتتمتها.
стр. 2931
اعلم أن الكراماتِ حقٌّ، كما أن المعجزات حق، وكلتاهما من عالَم القُدرة بحيث تَنْخَرِق القدرة إلى الحكمة، حتى يظهر ما يكون خارقًا للعادة، في كِسْوة ما هو ملكي، لكن الفرق بينهما: أن المعجزةَ معدودةٌ للأنبياء متى أرادوها؛ إما باختيارهم أظهروها، وإما باقتراح الأمة إيَّاهم، فكيف ما كان يسهُل عليهم إظهارُها، وإنما كان كذلك لأنهم كانوا مُمَهِّدين للشريعة، وسبب تمهيدهم هو المعجزة، فلو لم يسهُل عليهم إظهارُها لَمَا ثَبَتَ لهم الأديان، فلهذا سَهُل عليهم ذلك، وما صعب عليهم.
وأما الكرامات فهي بخلاف المعجزات، فإنَّ الولي ربما يقدِر أن يأتي بها، وربَّما لا يقدر، فرقًا بينها وبين المعجزة.
* * *
٤٦٥١ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ أُسَيْدَ بن حُضَيْرٍ وعَبَّادَ بن بِشْرٍ تَحدَّثَا عِنْدَ النَّبيَّ ﷺ في حَاجةٍ لَهُمَا حتَّى ذَهبَ مِن الَّليلِ سَاعةٌ، في لَيْلةٍ شَدِيْدةِ الظُّلمةِ، ثُمَّ خَرَجَا مِن عِندِ رَسُولِ الله ﷺ يَنْقَلِبانِ وبيَدِ كُلَّ واحدٍ مِنْهُمَا عُصَيَّةٌ، فَأَضَاءَتْ عَصَا أَحدِهِما لَهُمَا حتَّى مَشَيَا في ضَوْئِها، حَتَّى إِذَا افترقَتْ بِهِما الطَّريقُ أَضَاءَت بالآخرِ عَصَاهُ، فمَشَى كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا في ضَوءِ عَصَاهُ حَتَّى بَلَغَ أَهْلَه.
قوله: "بيدِ كلِّ واحد منهما عُصَيَّة، فأضاءَتْ عصا أحدهما"، (عُصَية) تصغير عصا، وإنما ظهرت الهاء في عُصية؛ لأن العصا مؤنثٌ سَمَاعي، والمؤنث السماعي في تقدير الهاء، فضوء عَصَاهُما كان كرامة لهما.
* * *
٤٦٥٢ - وقَالَ جَابرٌ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أبي مِنَ اللَّيلِ فَقَال ما أُراني
стр. 2932
إِلَّا مَقْتُولاً في أَوَّلِ مَن يُقتَلُ مِن أَصحَابِ النَّبيِّ ﷺ ، وإِنَّي لا أَتْركُ بعدي أَعَزَّ عليَّ مِنْكَ غيرَ نفسِ رَسُولِ الله ﷺ ، وإنَّ عَليَّ دَيْنًا فاقْضِ، واستَوْصِ بأخواتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيْلٍ، ودَفَنْتُه معَ آخرَ في قبرٍ.
قوله: "ما أُراني إلا مقتولاً في أوَّلِ مَنْ يُقتل من أصحاب النبيَّ ﷺ "، (أُرى)؛ أي: أَظُن، و (ني) مفعوله الأول، و (مقتولاً) مفعوله الثاني، وقوله: (ما أراني إلَاّ مقتولاً) كان كرامة له.
قوله: "فاستوصِ بأخواتك خيرًا"؛ أي: اقبل لهنَّ وصيتي بالخير.
* * *
٤٦٥٣ - وقَالَ عَبدُ الرَّحمنِ بن أَبي بَكْرٍ ﵄: إنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُناسًا فُقَراءَ، وإنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَن كَانَ عِندَهُ طَعَامُ اثنينِ فلْيَذهبْ بثالثٍ، ومَن كَانَ عندَه طَعَامُ أَربَعةٍ، فليَذهبْ بخَامِسٍ، أو سَادِسٍ"، وإنَّ أَبَا بكرٍ جَاءَ بثَلاثةٍ، وانطلقَ النَّبيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، وإنَّ أبا بَكْرٍ تَعَشَّى عِندَ النَّبيِّ عن ﷺ ، ثُمَّ لَبثَ حتَى صُلِّيَت العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فلبثَ حتَّى تَعَشَّى النَّبيُّ ﷺ ، فجَاءَ بعدَ ما مَضَى مِن الَّليلِ ما شَاءَ الله، قالَتْ له امرأتُهُ: مَا حَبَسَكَ عن أَضْيَافِكَ؟ قَالَ: أَوَ مَا عَشَّيْتِيهم؟ قالَت: أَبَوا حتَّى تَجيءَ، فغضبَ وقَالَ: والله لَا أَطْعَمُه أَبَدًا، فَحَلفَتِ المَرأةُ أنْ لا تَطعمُه، وحَلَفَ الأَضْيَاف أَنْ لا يَطَعمُوه، قَالَ أبو بكرٍ ﵁: كانَ هذا مِن الشَّيطانِ، فَدَعَا بالطَّعَامِ فأَكَلَ وأَكَلُوا، فجَعَلُوا لا يرفعُون لُقْمَةً إِلَاّ رَبَتْ مِن أَسْفلِها أَكثَرُ منها، فقالَ لامرأتِه: يا أُختَ بني فِرَاس! ما هذا؟ قَالَت: وقُرَّةِ عيني، إِنَّها الآنَ لأَكثرُ منها قبلَ ذلكَ بِثَلاثِ مِرارٍ، فأكلوا، وبَعَثَ بها إِلى النَّبيَّ ﷺ ، فذُكِرَ أَنَّه أَكَلَ منها.
قوله: "تعشَّى عند النبيَّ ﷺ "، (تعشى): إذا أكل العشاء، وهو طعام الليل.
стр. 2933
قوله: "أوما عشّيتِهم؟ قالت: أَبَوا حتَّى تجيء"، الهمزة في (أوما عشيتهم) للاستفهام، والواو للعطف، (التعشية): إعطاء العشاء أحدًا، (أبى): إذا أنكرَ وما قبلَ.
قوله: "لا يرفعونَ لُقمةً إلا رَبَتْ من أسفلها"، (ربت)؛ أي: زادت.
* * *
٤٦٥٥ - وقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لمَّا أَرادُوا غَسْلَ النَّبيِّ ﷺ قَالُوا: لا نَدري، أَنُجَرِّدُ رَسُولَ الله ﷺ مِن ثيابهِ كما نُجَرِّدُ مَوتَانَا، أمْ نَغْسِلُه وعَلَيْهِ ثِيابُه؟ فلمَّا اختلفُوا أَلْقَى الله عليهم النَّومَ، حتَّى مَا مِنهُم رَجُلٌ إلا وَذَقْنُه في صَدْرهِ، ثُمَّ كلَّمَهُم مُكَلَّمٌ مِن نَاحِيَةِ البيتِ لا يَدرُونَ مَن هُوَ: اغِسلُوا النَّبيَّ وعليهِ ثِيابُه، فَقَامُوا فَغَسلوهُ وعليهِ قَميصُه، يَصبُّونَ المَاءَ فَوْقَ القَميصِ ويُدَلِّكُونَهُ بالقَمِيْصِ.
قوله: "فغسَّلوه، وعليه قميصه ... " الحديث.
قال في "شرح السنة": وَلِيَ غسلَه ﷺ وتكفينَه عليٌّ والعباسُ والفَضْلُ بن عباس وأسامةُ بن زيد، ونَزَلَ في قبره عليٌّ وأسامةُ والفضلُ.
وفيه دليل على أن غسل الميت مع قميصه مستحب.
* * *
٤٦٥٦ - عَنْ ابن المُنْكَدِرِ: أنَّ سَفِيْنَةَ مَولَى رَسُولِ الله ﷺ أخَطْأَ الجيشَ بأرضِ الرُّومِ، أَوْ أُسِرَ، فانطلقَ هارِبًا يلتمِسُ الجيشَ فإذا هو بالأسدِ، فقال: يا أبا الحَارثِ! أنا مَولَى رَسُولِ الله ﷺ ، كَانَ مِن أمري كَيْتَ وكَيْتَ، فأقبلَ
стр. 2934
الأَسَدُ، لهُ بَصبَصَةٌ، حتَّى قَامَ إلى جنبهِ، كُلَّما سَمِعَ صَوتًا أَهْوَى إِليْهِ، ثُمَّ أَقبلَ يَمْشِي إِلى جَنْبهِ حتَّى بَلَغَ الجَيْشَ، ثُمَّ رَجَعَ الأَسَدُ.
قوله: "أنَّ سفينةَ مولى رسولِ الله ﷺ أخطأ الجيشَ بأرضِ الرُّوم"؛ يعني: أَضَلَّ طريقَه بحيث لا يَهْتدي إليهم سبيلاً.
قوله: "أبا الحارث"؛ أي: يا أبا الحارث، وأبو الحارث كُنيةُ الأَسَد.
قوله: "بَصْبَصَةٌ حتى قام إلى جنبه"، (البصبصة): تحريكُ الذَّنَب، كما يفعله الكَلْبُ عند التملُّق إلى صاحبه.
قوله: "كلَّما سَمِعَ صوتًا أهوى إليه"؛ أي: كما سمع الأسدُ صوتًا قَصَدَه.
* * *
٤٦٥٧ - عَنْ أَبي الجَوْزَاءِ ﵁ قال: قُحِطَ أَهْلُ المَدِينَةِ قَحْطًا شَدِيْدًا، فَشَكَوْا إلَى عَائِشةَ ﵂ فَقَالَت: انظُروا قبرَ النَّبيَّ ﷺ فاجعَلُوا مِنهُ كُوًى إلى السَّماءِ، حتَّى لا يكونَ بينَهُ وبينَ السَّماءِ سَقفٌ، ففعلُوا فمُطِرُوا مَطَرًا حتَّى نبتَ العُشْبُ وسَمِنَتِ الإِبلُ، حتَّى تَفتَّقَتْ مِنَ الشَّحمِ، فسُمِّيَ عامَ الفَتْقِ.
قولها: "فاجعلُوا منه كُوى"، (الكوى): جمع كُوَّة، وهي مَنْفَذٌ في جدار وغيره؛ أي: اجعلوا من قبرِ النبيَّ ﷺ منافذَ إلى السماء.
قوله: "حتى تفتَّقت الإبل"، (تفتقت)؛ أي: اتسعت، قيل: تفتقت أسنمتها من السمن، وقيل: انتفخت خواصِرُها من الرعي.
قوله: "فسمِّي عامَ الفَتْق"؛ أي: سمي ذلك العام عامَ الخَصْب والسَّعَة والنعمة لكثرة المطر.
قيل: أما الكشف عن قبر النبيَّ ﷺ ونزول المطر فهي نكتة، وهي أن
стр. 2935
السماء إذا رأتْ قبرَ رسولِ الله ﷺ بَكَت، بحيث سال الوادي من بكائها، وهذه نكتة لا بأس بها، فإنه تعالى قال حكاية عن الكفار إذا ماتوا: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]، فحقيقٌ أن تبكي السماء على فَقْدِ النبيَّ ﷺ ؛ لأنه يقوى تأثيرُ الروح الطاهرة المقدسة في الأرض المدفون جثته فيها اشتياق الروح إلى البدن المألوف.
ويحتمل أن ذلك الكشف كأنه وسيلة إلى الله تعالى في الاستسقاء، وكما كان حيًا يستسقي فَيُجاب في الحال، كذلك إذا استُسْقِي به وهو ميت.
ويحتمل أنه إذا انكشف شيء من قبره يطلب منه انكشاف معجزة من معجزاته بعد وفاته، فالحق يجيب، ليظهر صدقَ الرسولِ حيًا وميتًا بدعائه لهم.
وفيه دليل على أن الميت ينتفع بدعاء الأحياء، ويصل دعاؤهم إليه.
* * *
٤٦٥٨ - عَنْ سَعِيْدِ بن عَبْدِ العَزيزِ قَالَ: لمَّا كَانَ أيَّامَ الحَرَّةِ لم يُؤَذَّنْ في مَسْجدِ النَّبيِّ ﷺ ثلاثًا ولم يُقَمْ، ولم يَبْرَحْ سَعِيْدُ بن المُسَيَّبِ مِن المَسْجدِ، وكانَ لا يَعْرِفُ وقْتَ الصَّلاةِ إلَّا بِهَمْهَمَةٍ يَسمعُها مِن قَبرِ النَّبيَّ ﷺ .
قوله: "لمَّا كان أيامُ الحَرَّة"، (كان) ها هنا تامة؛ أي: وقع، قيل: هي وقعة في المدينة مشهورة في زمن يزيد بن معاوية.
قوله: "وكان لا يعرفُ وقتَ الصلاة إلا بِهَمْهَمَةٍ يسمَعُها من قبر النبي ﷺ "، (الهمهمة): تَرْديد الصوتِ في الصَّدر، وحمار هِمْهِيم: يُهَمْهِم في صوته، ذكره في "الصحاح".
* * *
٤٦٦٢ - عَنْ عُقْبَةَ بن عَامرٍ ﵁ قَالَ: صلَّى رَسُولُ الله ﷺ على قَتلى أُحُدٍ
стр. 2936
بَعد ثَمانِ مسنينَ كالمُودَّعِ للأَحْياءِ والأَمْواتِ، ثُمَّ طَلَعَ المِنْبرَ فقال: "إنَّي بينَ أَيْديكُم فَرَطٌ، وأَنَا عَلَيْكُم شَهيْدٌ، وإِنَّ مَوْعِدَكُم الحَوضُ، وإنَّي لأَنظرُ إليهِ من مَقَامِي هذا، وإنِّي قَدْ أُعطِيتُ مفاتيحَ خَزَائنِ الأَرْضِ، وإنَّي لَسْتُ أخْشَى عليْكُم أنْ تُشرِكُوا بَعدِي، ولكنْ أَخْشَى عليْكُم الدنيا أنْ تَنَافسُوا فيها". وزَادَو بعضُهم: "فتَقْتَتِلُوا فتَهْلَكُوا كَمَا هلَكَ مَن كانَ قبلَكم".
قوله: "صلَّى رسولُ الله ﷺ على قَتْلى أُحُدٍ بعد ثمانِ سنين"، المراد بالصلاة ها هنا: الاستغفار؛ يعني: أوان انقضاء عُمُرِه المقدَّس، أمره الله بالاستغفار لشهداء أُحد، وكان هذا منه وداع للأحياء والأموات، وإعلام أنهم بعد شهادتهم تزداد درجاتُهم بدعائه لهم.
قوله: "إنَّي بين أيديكم فَرَطٌ"، (الفرط) - بالتحريك -: الذي يتقدَّم الوارِدة، فيهيئ لهم الأَرسان والدَّلاء، ويَمْدُر الحِيَاض، ويَسْتَقِي لهم، وهو فعل بمعنى فاعل، كتبع بمعنى تابع، يقال: رجل فَرَطٌ وقوم أيضًا, ذكره في "الصحاح".
يعني: أنا سابقُكم ومتقدِّمُكم، تلخيصه: أني إذا تقدمت كنت كالشفيع لكم عند الله تعالى، فإذا مُتُّم، وانقلبتم إلى دار الآخرة انتفعتم بجِواري فيها، كما كنتم تنتفعون بي حيًا، فهو شفيع الأمة، وهو نسبُهم في الدنيا والآخرة.
قوله: "ولكن أخشى عليكُم الدُّنيا أن تنافَسُوا فيها"؛ أي: أنْ تَرغبوا في الدنيا، وتَمَالوا إليها.
* * *
٤٦٦٣ - وعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إنَّ مِن نِعَمِ الله عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تُوفِّيَ في بَيْتِي، وفِي يَوْمِي، وبينَ سَحري ونَحري، وأنَّ الله جَمَعَ بينَ ريقي وريقِهِ عِنْدَ مَوتِهِ، دَخَلَ عليَّ عبدُ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ وبيدِهِ سِوَاكٌ، وأَنَا
стр. 2937
مُسْنِدةٌ رَسُولَ الله ﷺ ، فرأيتُهُ يَنْظُرُ إِلَيه، فعَرَفْتُ أنهُ يُحِبُّ السِّواكَ، فَقُلتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فأَشَارَ برأسِهِ أنْ نَعَمْ، فتَناولْتُهُ، فاشتَدَّ عَلَيهِ فَقُلْتُ: أُلَينُه لكَ؟ فأَشَارَ برأسِهِ: أنْ نَعَمْ، فلَيَّنْتُه، فأَمَرَّهُ على أَسْنَانِهِ، وبينَ يديْهِ رَكْوَةٌ فيها ماءٌ، فجعلَ يُدخِلُ يدَهُ في الماءِ فيَمسحُ بها وجْهَهُ ويَقُولُ: "لا إلهَ إلا الله، إنَّ للمَوتِ سَكَراتٍ"، ثُمَّ نَصَبَ يده فجعلَ يقولُ: "في الرَّفيقِ الأَعلَى"، حتَّى قُبضَ ومالَتْ يدُه.
قولها: "إنَّ رسول الله ﷺ توفِّي في بيتي، وفي يومي، وبين سَحْري ونَحْري"، (السحر) - بالفتح والضم -: الرئة، و (النحر): موضع القِلادة من الصدر.
وقال أبو عبيدة: هو ما لحق ولصق بالحُلْقوم من أعلى البطن.
قال الحافظ أبو موسى: قال القتبي: بلغني عن عمارة، عن عقيل، عن بلال بن جرير: أنه قال: إنما هو (بين شجري ونجري) - بالشين المنقوطة والجيم -، (الشجر): التشبيك، يريد: أنه قبض رسول الله ﷺ وقد ضَمَّته بيدها إلى نحرها وصدرها، قال الحافظ: الرواية هي الأولى.
قولها: "وأن الله جَمَعَ بين رِيقي وريقِه عند موته"، والجمع بين الريقين مفهوم من باقي الحديث، وهو أنها ليَّنَتِ السواكَ بريقها، وأعطته رسولَ الله ﷺ ، فأَمَرَّه على أسنانه ﷺ ، فاجتمع الريقان.
قوله: "إنَّ للموت سَكَرات"، (السكرات): جمع سَكْرة، وهي الشدة والمَشقَّة.
قوله: "في الرفيق الأعلى"، قال في "شرح السنة": قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، كأنه أراد: أَلْحِقْني بالله.
وقال الأزهري: غَلِط هذا القائل، و (الرفيق) ها هنا: جماعة الأنبياء - صلوات الله عليهم - الذين يسْكُنون أعلى عِلِّيين، اسم جاء على فعيل معناه:
стр. 2938
الجماعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
(في) وتعلق بفعل محذوف تقديره: اجعلني في الرفيق الأعلى؛ أي: الرفيق: الأنبياء؛ أي: أرواحهم السَّاكنات في حَظيرة القُدس، واجعلني في مكان الرفيق الأعلى، وأراد بـ (الرفيق الأعلى): نفسَه، وأراد بالمكان: المقام المحمود المخصوص به؛ أي: اجعلني ساكنًا فيه.
* * *
٤٦٦٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ، سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "ما مِن نبيِّ يمَرضُ إِلَاّ خُيرَ بينَ الدُّنيا والآخرةِ"، وكانَ في شكواهُ التي قُبضَ بها أخذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيْدةٌ، فسمعتُهُ يقولُ: "معَ الذينَ أَنْعمْتَ عليهم مِن النَّبيينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهداء والصَّالحينَ"، فعَلِمتُ أَنَّه خُيرَ.
قوله: "وكان في شَكْواه الذي قُبضَ فيه"، (الشكوى) ها هنا: المرض؛ يعني: في مرضه الذي مات فيه ﷺ .
قوله: "أخذته بُحَّةٌ شديدةٌ"؛ أي: سُعال شديد، والأصل في البُحَّة: الغلظة في الصوت، يقال: رجل بُحٌّ.
* * *
٤٦٦٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لمَّا ثَقُلَ النَّبيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغشَّاهُ الكَربُ، فقالَتْ فاطِمَةُ ﵂: وَاكَرْبَ أَبَاه! فقالَ لها: "ليسَ على أَبيكِ كَرْبٌ بعدَ اليوم"، فلمَّا مَاتَ قالَتْ: يا أَبَتَاهُ! أجابَ ربًّا دَعَاه، يا أبتاهُ! مَنْ جَنَّةُ الفِردَوسِ مَأواهُ، يا أبتاهُ! إلى جِبْريلَ نَنْعَاهُ، فلمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ: يا أَنَسُ! أَطَابَتْ أَنْفُسُكُم أنْ تَحْثُوا على رَسُولِ الله ﷺ التُّرابَ؟!.
قوله: "لما ثَقُلَ النبيُّ ﷺ جعل يتغشاه"؛ يعني: لمَّا اشتدَّ مرضه ﷺ طَفِقَ
стр. 2939
له يتغطَّى ويتستَّر بالثياب.
قيل: أراد بقوله: (يتغشاه): يُغْمى عليه من شدة مرضه ﷺ .
قوله لفاطمة ﵂: "ليس على أبيكِ كربٌ بعدَ اليوم"، قال في "شرح السنة": يريد لا يصيبه بعد اليوم نَصَبٌ ولا وَصَبٌ يجد له ألمًا، إذا قضى إلى دار الآخرة والسلامةِ الدائمة.
قال إسحاق بن إبراهيم المَوصِلِي في كتاب له مشتمل على تزييف بعض ما ذكره أصحاب الحديث في شرحه معنى قوله ﷺ لفاطمة: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم": أنه كَرْبُه وشفقَتُه على أمته بعد موته، لِمَا عَلِمَ من وقوع الاختلاف والفتن بعده.
قال الخطابي: هذا ليس بشيء؛ لأنه لو كان كما زعم لم تكن شفقتُه باقيةً على أمته بعد موته؛ لأنه ﷺ قَيَّد، وقال: "ليس على أبيكِ كربٌ بعد اليوم"، وليس كذلك؛ لأن شفقته على أمته كانت دائمةً مدةَ حياته، وتكون باقيةً بعد موته إلى قيام الساعة؛ لأنه مبعوثٌ إلى كافة الخلق، قرنًا بعد قرن إلى يوم القيامة، وإنما هو ما يَجِدُه من كُرَب الموت، وكان بَشَرًا ينالُه الوَصَبُ، فيجد له من الألم مثل ما يجدُ الناسُ وأكثر، وإن كان صبرُه عليه واحتمالُه أحسن.
قولها: "يا أبتاه! " أصله: يا أبي، فالتاء بدل من الياء؛ لأنهما من حروف الزوائد، والألف للنُّدبة لمَدِّ الصوت، والهاء للسَّكْت.
قال الحافظ أبو موسى: هي نُدْبة، ولا بد لها من إحدى العلامتين (يا) أو (وا)؛ لأن الندبة لإظهار التوجُّع، ومد الصوت وإلحاق الألف في آخرها للفصل بينها وبين النداء، وزيادة الهاء في الوقف إرادة بيان الألف؛ لأنها خَفِيَّة، وتحذف في الوصل كقولك: واعمر أمير المؤمنين.
* * *
стр. 2940
مِنَ الحِسَان:
٤٦٦٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ المَدينةَ لَعِبَتْ الحَبَشَةُ بحرابهم فرحًا لِقُدومِه.
قوله: "لعبتِ الحَبَشةُ بحِرَابهم"، الحراب: جمع حَرْبة، وهي سِنان كبير، يكاد يكون نصفَ السيف، على شَكْل خِنْجَر كبير.
* * *
٤٦٦٨ - وَقَال: لمَّا كَانَ اليَومُ الَّذي دَخَلَ فيهِ رَسُولُ الله ﷺ المَدينةَ أضاءَ مِنها كُلُّ شَيءٍ، فلمَّا كَانَ اليَومُ الَّذي مَاتَ فيهِ أَظْلمَ مِنها كُلُّ شَيءٍ، وما نَفَضْنَا أَيْدِينَا مِنَ التُّرابِ وإنَّا لَفِي دفنِهِ حتَّى أَنْكَرْنَا قُلوبنا.
قوله: "وما نفضنا أيدينا عن التراب حتى أنكرْنَا قلوبنا"، (النفض): تحريكُ الشيء ليزولَ ما عليه من التراب والغُبار.
يعني: أن الصحابة ﵃ أخبروا عن تغيُّر أحوالهم الذي ظهر فيهم بعدما دُفِنَ الرسول ﷺ ، وذلك أنهم لم يجدوا صَفَاءَ قلوبهم الذي كان في حياته ﷺ ، بل وجدوه متغيرًا عما كان في حضرته، وكذلك غيره من الأُلفة والتودُّد والرَّقة فيما بينهم كانت متغيرة، وما كان ذلك إلا لانقطاع الوحي السَّمَاوي، والمفارقة عن صحبته التي هي مُوجِبة للسعادات الأبدية الدائمة، لكنَّ تصديقَهم لله ولرسولِه ولِمَا أتى به مِنْ عندِه كان ثابتًا كما هو، بل أكملُ وأبلغُ.
* * *
٤٦٧٢ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا يَقْتَسِمُ ورثتي دِينارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نفقةِ نِسَائي وَمَؤُنَةِ عَامِلي فهو صدقةٌ".
стр. 2941
قوله: "لا يقتسِمُ ورثتي دِينارًا ... " الحديث.
قال في "شرح السنة": قال سفيان بن عُيينة: كان أزواجُ النبيِّ ﷺ في معنى المُعْتَدَّات، إذ كنَّ لا يجوز لهنَّ أن ينكِحْنَ أبدًا، فَجَرَتْ لهنَّ النفقة.
وأراد بـ (العامل): الخليفة بعده، وكان النبيُّ ﷺ يأخذ نفقةَ أهلِه من الصَّفَايا التي كانت له من أموال بني النَّضير وفَدَك، ويَصْرِفُ الباقي في مصالح المسلمين.
ثم وَلِيَها أبو بكر ﵁، ثم عمرُ ﵁ كذلك، فلما صارت إلى عثمان ﵁ استغنى عنها بماله، فأقطعَها مروانُ وغيرُه من أقاربه، فلم تزل في أيديهم حتى ردَّها عمرُ بن عبد العزيز.
* * *
١ - باب في مَنَاقِبِ قُرَيْشِ وَذِكْرِ القَبَائِلِ
(باب في مناقب قريش وذكر القبائل)
(المناقب) جمع مَنْقَبة، وهي الفضيلة والشرف، و (القبائل): جمع قبيلة.
٤٦٧٦ - عَنْ أبي هُريْرَة ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُريشٍ في هذا الشَّأنِ، مُسْلِمهُم تَبَعٌ لِمُسلمِهم، وكَافرُهم تَبَعٌ لِكَافِرِهم".
قوله: "الناسُ تَبَعٌ لقريشٍ في هذا الشَّأن"، معناه: تفضيل قريش على قبائل العرب، وتقديمِها في الإمامة والإمارة.
قوله: "مُسْلِمُهم تَبَعٌ لمسلمهم"؛ أي: مَنْ كان مسلمًا فيتبعهم، ولا يخرُج عليهم.
стр. 2942
وقوله: "وكافرُهم تبعٌ لكافرهم" ليس على معنى الأول، إنما أخبر أنهم لم يزالوا متبوعين في زمان الكُفر، إذ كان أمرُ البيت - الذي هو شرفُهم - إليهم.
ويحتمل أن يكون معناه: أنهم إذا كانوا خيارًا سَلَّط الله عليهم الخِيار منهم، وإن كانوا أشرارًا سَلَّط الله عليهم الأشرار، كما قيل: أعمالكم عُمَّالُكم، هذا كله لفظ "شرح السنة".
قال الخطابي: كانت العرب تقدِّم قريشًا وتعظِّمُها، وكانت دارُهم مَوْسِمًا، والبيتُ الذي هم سَدَنتُه مَنْسَكًا، وكانت لهم السِّقاية والوِفادة، يُطْعِمون الحجيج ويسقونهم، فحازوا به الشرفَ والرِّياسة عليهم.
* * *
٤٦٧٨ - عَنِ ابن عُمَرَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لا يزالُ هذا الأَمرُ في قُريْشٍ ما بَقِيَ مِنْهُم اثنَانِ".
قوله: "لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بَقِيَ منهم اثنان"، يريد بـ (هذا الأمر): الخلافة.
* * *
٤٦٧٩ - وعَنْ مُعَاوِيةَ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ هذا الأَمرَ في قُريشٍ لا يُعَادِيْهم أَحَدٌ إِلَاّ كَبَّهُ الله على وجْهِهِ، ما أَقَامُوا الدِّين".
قوله: "إنَّ هذا الأمرَ في قريش لا يُعَاديهم أحدٌ ... " الحديث.
يعني: الخلافة في قريش لا يخالِفُهم أحدٌ في ذلك إلا أذلَّه الله، ما داموا أنَّهم يحافظون الدِّينَ وأهلَه.
* * *
стр. 2943
٤٦٨٠ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُول: "لا يَزالُ الإِسلامُ عَزِيْزًا إلى اثنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً، كلُّهم مِن قُريشٍ".
وفي رِوَايَةٍ: "لا يزَالُ أمرُ النَّاسِ مَاضيًا ما وَلِيَهم اثنا عَشَرَ رَجُلاً كلُّهم مِن قريشٍ".
وفي رِوَايَةٍ: "لا يزَالُ الدَّينُ قَائِمًا حتَّى تَقَومَ السَّاعةُ، أو يكونَ عليهم اثنا عَشَرَ خَليْفَةً كلُّهم مِن قُريْشٍ".
قوله: "لا يزالُ الإسلامُ عزيزًا إلى اثني عشرَ خليفةً كلُّهم من قريش"، ينبغي أن يُحمل على العادِلين، فإنهم إذا كانوا على سَنَنِ الرسولِ ﷺ وطريقتِه يكونون خلفاء، وإلا فلا، ولا يلزم أن يكونوا على الوَلَاء، وإن كان المراد من ذلك على الوَلَاء وكانوا مسمَّين بها على المجاز.
* * *
٤٦٨١ - وَقَالَ: "غِفَارُ غَفَرَ الله لها، وأَسْلَمُ سَالَمَها الله، وعُصَيَّةُ عَصَتِ الله ورسُولَه".
قوله: "غِفَارٌ غفَر الله لها، وأَسْلَمُ سَالَمها الله، وعُصَيَّةُ عَصَتِ الله ورسولَه"، ثلاثتها أسماء قبائل، قال في "شرح السنة": قيل: إنما دعا لغِفار وأَسْلَم؛ لأن دخولَهما في الإسلام كان من غيرِ حرب، وكان غِفَارٌ تذل بسرقة الحجاج أن تنسب إليها، فدعا رسولُ الله ﷺ أن يمحو تلك السيئةَ عنهم، ويغفر لهم.
وأما عُصَيَّة فهم الذين قتلوا القُرَّاء ببئر مَعُونة، بعثهم ﷺ سَرِيَّة، فقتلوهم، وكان النبيُّ ﷺ يَقْنُت عليهم في صلاته.
* * *
стр. 2944
٤٦٨٢ - وقَالَ: "قُريْشٌ، والأَنْصارُ، وجُهَيْنةُ، ومُزَيْنةُ، وأَسلمُ، وغِفارُ، وأَشجعُ = مَوَالِيَّ ليس لهم مَوْلًى دُونَ الله ورَسُولِهِ".
قوله: "قريش والأنصارُ وجُهَينة ومُزَينة وأَسْلَم وغِفَار وأَشْجَع موالي"؛ يعني: هؤلاء القبائل أحِبَّائي وأنصاري، هذا إذا روي (موالي) بالإضافة، أما إذا رُوي بالتنوين فمعناه: بعضهم لبعض أنصارٌ وأحِبَّاء.
* * *
٤٦٨٣ - وقَالَ: "أسلمُ، وغِفارُ، ومُزَيْنةُ، وجُهَيْنَةُ، خيرٌ مِن بني تميمٍ، ومِن بني عَامرٍ، والحَلِيفَيْنِ بني أَسَدٍ وغَطَفَانَ".
قوله: "والحليفين بني أسد وغطَفان"، سُمَّي الحليفان؛ لأنهم تحالَفُوا على التَّناصر والتعاون.
٤٦٨٤ - عَنْ أَبي هُريْرَة ﵁ قَالَ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ بني تَمِيمٍ مُنذُ ثَلاثٍ، سَمِعتُ مِن رَسُولِ الله ﷺ يقولُ فيهم، سَمِعتُه يَقُولُ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتي على الدَّجَّالِ"، قال: وجَاءَتْ صَدَقَاتُهم فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هذه صَدَقَاتُ قومِنَا"، وكانَتْ سَبيَّةٌ منهم عِنْدَ عَائِشةَ ﵂ فقالَ: "أعَتْقِيها فإنَّها مِن وَلَدِ إسماعيل".
قوله: "أعتِقيها فإنَّها مِنْ ولد إسماعيل"، فيه دليل على جواز استِرقاق العرب، ذكره في "شرح السنة".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٦٨٦ - وعَنِ ابن عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللهمَّ! أَذَقْتَ أوَّلَ قُريشٍ نَكَالاً فأذِقْ آخرَهُم نَوَالاً".
стр. 2945
قوله: "اللهمَّ أَذَقْتَ أولَ قريش نَكالاً فاذِقْ آخِرَهم نَوَالاً"، قال في "الغريبين": النَّكال: العقوبة التي تُنَكَّلُ الناسَ عن فعل ما جعلت له جزاء، قيل: أراد به القَحْط والغلاء.
النَّوال والنَّول: العطاء.
* * *
٤٦٨٨ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الأَزْدُ أَزْدُ الله في الأَرْضِ، يُريدُ النَّاسُ أنْ يَضَعُوهم ويَأْبَى الله إلَّا أنْ يرفَعَهم، ولَيَأتينَّ على النَّاسِ زَمانٌ يَقُولُ الرَّجلُ: يَا لَيْتَ أَبي كانَ أَزْدِيًا، ويا ليتَ أمي كانَت أَزْدِيَّةً"، غريب.
قوله: "الأزْدُ أزدُ الله في الأرض"؛ أي: أهلُ نصرته وحفظِه.
* * *
٤٦٩٠ - عَنِ ابن عُمَرَ ﵁: عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "في ثَقِيفٍ كذَّابٌ ومُبيرٌ"، قيل: الكَذابُ هو المُختَارُ بن أبي عُبيدٍ، والمُبيرُ هُوَ الحَجَّاج بن يُوْسُفَ، قَالَ هِشامُ بن حَسَّانَ: أَحْصَوْا ما قتلَ الحَجَّاجُ صَبْرًا فبلَغَ مئةَ ألفٍ وعِشْرينَ ألفًا.
قوله: "في ثقيف كَذَّابٌ ومُبيرٌ"، قيل: قد أشارت إليهما أسماءُ بنت أبي بكر أمُّ عبدِ الله بن الزبير ﵃ في حديثها، وأرادت بالكذَّاب: المُختار بن أبي عُبيد ابن مسعود الثقفي، أبوه من أَجِلَّة الصحابة، أمَّرَه عمرُ أميرُ المؤمنين ﵁ على جيش، وإليه ينسب يوم جبر، وقد استشهد يومئذٍ، إلا أن ابنه المسمى بالمختار كان متدلَّسًا مَكَّارًا، وكان يطلب الدُّنيا بالدِّين.
فقيل: شَهِد بسوء سيرته، وكثرةِ مَكْره عليه كثيرٌ من علماء التابعين؛ مثل الشعبي وسُويد وغيرهما، وكان يتنقَّص عليًا ﵁، وذلك قد عُرف منه، وكان يدَّعي محبَّته، وقد أفسد على قوم من الشيعة عقائدَهم، بحيث كانوا ينسبون إليه