← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

قوله: "لا يقتسِمُ ورثتي دِينارًا ... " الحديث. قال في "شرح السنة": قال سفيان بن عُيينة: كان أزواجُ النبيِّ ﷺ في معنى المُعْتَدَّات، إذ كنَّ لا يجوز لهنَّ أن ينكِحْنَ أبدًا، فَجَرَتْ لهنَّ النفقة. وأراد بـ (العامل): الخليفة بعده، وكان النبيُّ ﷺ يأخذ نفقةَ أهلِه من الصَّفَايا التي كانت له من أموال بني النَّضير وفَدَك، ويَصْرِفُ الباقي في مصالح المسلمين. ثم وَلِيَها أبو بكر ﵁، ثم عمرُ ﵁ كذلك، فلما صارت إلى عثمان ﵁ استغنى عنها بماله، فأقطعَها مروانُ وغيرُه من أقاربه، فلم تزل في أيديهم حتى ردَّها عمرُ بن عبد العزيز. * * * ١ - باب في مَنَاقِبِ قُرَيْشِ وَذِكْرِ القَبَائِلِ (باب في مناقب قريش وذكر القبائل) (المناقب) جمع مَنْقَبة، وهي الفضيلة والشرف، و (القبائل): جمع قبيلة. ٤٦٧٦ - عَنْ أبي هُريْرَة ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُريشٍ في هذا الشَّأنِ، مُسْلِمهُم تَبَعٌ لِمُسلمِهم، وكَافرُهم تَبَعٌ لِكَافِرِهم". قوله: "الناسُ تَبَعٌ لقريشٍ في هذا الشَّأن"، معناه: تفضيل قريش على قبائل العرب، وتقديمِها في الإمامة والإمارة. قوله: "مُسْلِمُهم تَبَعٌ لمسلمهم"؛ أي: مَنْ كان مسلمًا فيتبعهم، ولا يخرُج عليهم.

стр. 2942

وقوله: "وكافرُهم تبعٌ لكافرهم" ليس على معنى الأول، إنما أخبر أنهم لم يزالوا متبوعين في زمان الكُفر، إذ كان أمرُ البيت - الذي هو شرفُهم - إليهم. ويحتمل أن يكون معناه: أنهم إذا كانوا خيارًا سَلَّط الله عليهم الخِيار منهم، وإن كانوا أشرارًا سَلَّط الله عليهم الأشرار، كما قيل: أعمالكم عُمَّالُكم، هذا كله لفظ "شرح السنة". قال الخطابي: كانت العرب تقدِّم قريشًا وتعظِّمُها، وكانت دارُهم مَوْسِمًا، والبيتُ الذي هم سَدَنتُه مَنْسَكًا، وكانت لهم السِّقاية والوِفادة، يُطْعِمون الحجيج ويسقونهم، فحازوا به الشرفَ والرِّياسة عليهم. * * * ٤٦٧٨ - عَنِ ابن عُمَرَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لا يزالُ هذا الأَمرُ في قُريْشٍ ما بَقِيَ مِنْهُم اثنَانِ". قوله: "لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بَقِيَ منهم اثنان"، يريد بـ (هذا الأمر): الخلافة. * * * ٤٦٧٩ - وعَنْ مُعَاوِيةَ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ هذا الأَمرَ في قُريشٍ لا يُعَادِيْهم أَحَدٌ إِلَاّ كَبَّهُ الله على وجْهِهِ، ما أَقَامُوا الدِّين". قوله: "إنَّ هذا الأمرَ في قريش لا يُعَاديهم أحدٌ ... " الحديث. يعني: الخلافة في قريش لا يخالِفُهم أحدٌ في ذلك إلا أذلَّه الله، ما داموا أنَّهم يحافظون الدِّينَ وأهلَه. * * *

стр. 2943

٤٦٨٠ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُول: "لا يَزالُ الإِسلامُ عَزِيْزًا إلى اثنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً، كلُّهم مِن قُريشٍ". وفي رِوَايَةٍ: "لا يزَالُ أمرُ النَّاسِ مَاضيًا ما وَلِيَهم اثنا عَشَرَ رَجُلاً كلُّهم مِن قريشٍ". وفي رِوَايَةٍ: "لا يزَالُ الدَّينُ قَائِمًا حتَّى تَقَومَ السَّاعةُ، أو يكونَ عليهم اثنا عَشَرَ خَليْفَةً كلُّهم مِن قُريْشٍ". قوله: "لا يزالُ الإسلامُ عزيزًا إلى اثني عشرَ خليفةً كلُّهم من قريش"، ينبغي أن يُحمل على العادِلين، فإنهم إذا كانوا على سَنَنِ الرسولِ ﷺ وطريقتِه يكونون خلفاء، وإلا فلا، ولا يلزم أن يكونوا على الوَلَاء، وإن كان المراد من ذلك على الوَلَاء وكانوا مسمَّين بها على المجاز. * * * ٤٦٨١ - وَقَالَ: "غِفَارُ غَفَرَ الله لها، وأَسْلَمُ سَالَمَها الله، وعُصَيَّةُ عَصَتِ الله ورسُولَه". قوله: "غِفَارٌ غفَر الله لها، وأَسْلَمُ سَالَمها الله، وعُصَيَّةُ عَصَتِ الله ورسولَه"، ثلاثتها أسماء قبائل، قال في "شرح السنة": قيل: إنما دعا لغِفار وأَسْلَم؛ لأن دخولَهما في الإسلام كان من غيرِ حرب، وكان غِفَارٌ تذل بسرقة الحجاج أن تنسب إليها، فدعا رسولُ الله ﷺ أن يمحو تلك السيئةَ عنهم، ويغفر لهم. وأما عُصَيَّة فهم الذين قتلوا القُرَّاء ببئر مَعُونة، بعثهم ﷺ سَرِيَّة، فقتلوهم، وكان النبيُّ ﷺ يَقْنُت عليهم في صلاته. * * *

стр. 2944

٤٦٨٢ - وقَالَ: "قُريْشٌ، والأَنْصارُ، وجُهَيْنةُ، ومُزَيْنةُ، وأَسلمُ، وغِفارُ، وأَشجعُ = مَوَالِيَّ ليس لهم مَوْلًى دُونَ الله ورَسُولِهِ". قوله: "قريش والأنصارُ وجُهَينة ومُزَينة وأَسْلَم وغِفَار وأَشْجَع موالي"؛ يعني: هؤلاء القبائل أحِبَّائي وأنصاري، هذا إذا روي (موالي) بالإضافة، أما إذا رُوي بالتنوين فمعناه: بعضهم لبعض أنصارٌ وأحِبَّاء. * * * ٤٦٨٣ - وقَالَ: "أسلمُ، وغِفارُ، ومُزَيْنةُ، وجُهَيْنَةُ، خيرٌ مِن بني تميمٍ، ومِن بني عَامرٍ، والحَلِيفَيْنِ بني أَسَدٍ وغَطَفَانَ". قوله: "والحليفين بني أسد وغطَفان"، سُمَّي الحليفان؛ لأنهم تحالَفُوا على التَّناصر والتعاون. ٤٦٨٤ - عَنْ أَبي هُريْرَة ﵁ قَالَ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ بني تَمِيمٍ مُنذُ ثَلاثٍ، سَمِعتُ مِن رَسُولِ الله ﷺ يقولُ فيهم، سَمِعتُه يَقُولُ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتي على الدَّجَّالِ"، قال: وجَاءَتْ صَدَقَاتُهم فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هذه صَدَقَاتُ قومِنَا"، وكانَتْ سَبيَّةٌ منهم عِنْدَ عَائِشةَ ﵂ فقالَ: "أعَتْقِيها فإنَّها مِن وَلَدِ إسماعيل". قوله: "أعتِقيها فإنَّها مِنْ ولد إسماعيل"، فيه دليل على جواز استِرقاق العرب، ذكره في "شرح السنة". * * * مِنَ الحِسَان: ٤٦٨٦ - وعَنِ ابن عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللهمَّ! أَذَقْتَ أوَّلَ قُريشٍ نَكَالاً فأذِقْ آخرَهُم نَوَالاً".

стр. 2945

قوله: "اللهمَّ أَذَقْتَ أولَ قريش نَكالاً فاذِقْ آخِرَهم نَوَالاً"، قال في "الغريبين": النَّكال: العقوبة التي تُنَكَّلُ الناسَ عن فعل ما جعلت له جزاء، قيل: أراد به القَحْط والغلاء. النَّوال والنَّول: العطاء. * * * ٤٦٨٨ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الأَزْدُ أَزْدُ الله في الأَرْضِ، يُريدُ النَّاسُ أنْ يَضَعُوهم ويَأْبَى الله إلَّا أنْ يرفَعَهم، ولَيَأتينَّ على النَّاسِ زَمانٌ يَقُولُ الرَّجلُ: يَا لَيْتَ أَبي كانَ أَزْدِيًا، ويا ليتَ أمي كانَت أَزْدِيَّةً"، غريب. قوله: "الأزْدُ أزدُ الله في الأرض"؛ أي: أهلُ نصرته وحفظِه. * * * ٤٦٩٠ - عَنِ ابن عُمَرَ ﵁: عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "في ثَقِيفٍ كذَّابٌ ومُبيرٌ"، قيل: الكَذابُ هو المُختَارُ بن أبي عُبيدٍ، والمُبيرُ هُوَ الحَجَّاج بن يُوْسُفَ، قَالَ هِشامُ بن حَسَّانَ: أَحْصَوْا ما قتلَ الحَجَّاجُ صَبْرًا فبلَغَ مئةَ ألفٍ وعِشْرينَ ألفًا. قوله: "في ثقيف كَذَّابٌ ومُبيرٌ"، قيل: قد أشارت إليهما أسماءُ بنت أبي بكر أمُّ عبدِ الله بن الزبير ﵃ في حديثها، وأرادت بالكذَّاب: المُختار بن أبي عُبيد ابن مسعود الثقفي، أبوه من أَجِلَّة الصحابة، أمَّرَه عمرُ أميرُ المؤمنين ﵁ على جيش، وإليه ينسب يوم جبر، وقد استشهد يومئذٍ، إلا أن ابنه المسمى بالمختار كان متدلَّسًا مَكَّارًا، وكان يطلب الدُّنيا بالدِّين. فقيل: شَهِد بسوء سيرته، وكثرةِ مَكْره عليه كثيرٌ من علماء التابعين؛ مثل الشعبي وسُويد وغيرهما، وكان يتنقَّص عليًا ﵁، وذلك قد عُرف منه، وكان يدَّعي محبَّته، وقد أفسد على قوم من الشيعة عقائدَهم، بحيث كانوا ينسبون إليه

стр. 2946

في عقائدهم الفاسدة، ويقال لهم المُختارية، وقيل: كان يدَّعي النبوة بالكوفة. وأرادت أسماء بنت أبي بكر بالمُبير: الحَجَّاج، كما قالت: (أما المُبير فلا إِخالُك إلا إيَّاه)، إخالك - بكسر الهمزة أفصح من فتحها -، معناه: أظنُّكَ إياه، عائد إلى الحجاج. قوله: "أَحْصَوا ما قَتَل الحجَّاجُ صَبْرًا": (أحصوا)؛ أي: عَدُّوا، (صبرًا)؛ أي: مَصْبورًا، معناه: محبوسًا أسيرًا. قيل: لما قَتَل الحجاجُ عبدَ الله بن الزبير جاءت أمُّه أسماءُ بنت أبي بكر الصديق ﵁ فرأته مَصْلُوبًا، فحاضَتْ بعد كِبَرِ سِنَّها، وخَرَجَ اللبن من ثديها، فرجزت تقول: حَنَّت إليه مَرَاتِعُه ... دَرَّتْ عليه مَرَاضعُه ثم دخلت على الحجَّاج فقالت: أما آن لهذا المصلوبِ أن ينزل؟ فقال الحجاج: خَلُّوا بينها وبين جِيفتِها. * * * ٤٦٩٣ - عَنْ أَبي هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِندَ النَّبيَّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ أَحسبُه مِن قيْسٍ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! الْعَنْ حِمْيَرًا، فقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "رَحِمَ الله حِمْيَرًا، أفواهُهم سَلامٌ، وأيدِيهم طَعامٌ، وهم أَهْلُ أَمنٍ وإيمانٍ"، منكر. قوله: "فجاءه رجلٌ - أحسبَهُ من قيس - ... " الحديث. قال الإمام التوربشتي في "شرحه": يروي هذا الحديث مولى عبد الرحمن ابن عوف، عن أبي هريرة، وله أحاديثُ مناكير، يرويها عنه، وألحق لفظَ (المنكر) بعضُ أهل المعرفة بالأحاديث بهذا الكتاب؛ لأن المصنف لو عَرَف أنه منكر لَمَا أورده فيه؛ لأنه قال في دِيباجة الكتاب: وأعرضت عن ذكر ما كان منكرًا.

стр. 2947

ويمكن أنْ يُقال: لفظ (المنكر) مما أورده المصنِّفُ في الكتاب، لا مِنْ مُلْحَقات بعض أهل المعرفة، كما ذكر الإمام، وإن كان مُعْرِضًا عن ذكره؛ لأن المناكير المذكورة في هذا الكتاب لا تزيد على أحاديث ثلاثة. فإذا كان كذلك فلو أوردها مع الاعتراف بالإعراض عنها فكأنَّه ما أوردها؛ لأنه بإضافة أحاديث الكتاب غيرُ ملتفتٍ إليها لِقِلَّتِها، كما أن قصيدةً عربية لو كان فيها لُفَيظات فارسية لَمَا أَخْرَجتها عن كونها عربية، فكذلك هذا، فكذلك ثور أسود لو كان في مَتْنِه شعيراتٌ بيضٌ لَمَا أخرجته عن كونه أسود، فكذا هذا. * * * ٤٦٩٦ - عَنْ عُثْمان بن عَفَّان ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَن غَشَّ العَربَ لَمْ يَدخلْ في شَفاعَتي، ولَم تَنَلْهُ مَوَدَّتي"، غريب. قوله: "مَنْ غَشَّ العربَ لم يدخُلْ في شفاعتي، ولم تَنَلْهُ مَودَّتي"، إنما قال هذا؛ لأنه بِلُغتهم نزل القرآن، وبلُغتهم تُعرف فضيلته، إذ تزداد فصاحتُه على فصاحتهم، وأيضًا هم تحمَّلوا الشريعة ونقلوها إلى الأمم، وضبطُوا حديثَه وأفعالَه، ونقلوا إلينا معجزاتِه، ولأنهم مادةُ الإسلام، وبهم فُتحت البلاد، ولأنهم أولادُ إسماعيلَ ﵇ ومَعَدِّ بن عدنان أصل العرب؛ أعني: مادة قريش وسكان الجزيرة. وأما أولاد قحطان بن هُود فهم أيضًا عرب، واختلف النسَّابون في العرب الخُلَّص: قيل: هم القَحْطانية دون العدنانية؛ لأن إسماعيل كان لغتُه سُرْيانية كلغة الخليل ﵈، فلما سَكَن الحجازَ تعرَّب وتعلَّم؛ لأنه تزوَّج إلى جُرْهم وغيرهم.

стр. 2948

وقيل: العرب القديم العدنانية والقحطانية لم تكن عَرَبًا عاربة. قال الأزهري: العربي منسوب إلى عَرَبة بلدٍ بناه إسماعيلُ ﵇، والتجاذب بين الفريقين كثيرٌ قديمًا وحديثًا. * * * ٤٦٩٨ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيَّ ﷺ قال: "المُلْكُ في قُريشٍ، والقَضَاءُ في الأَنْصَارِ، والأَذانُ في الحَبشَةِ، والأَمَانةُ في الأَزْدِ"، يَعِني: اليَمينَ. قوله: "القَضَاءُ في الأنصار"، (القضاء): الحكم، ويريد به: الحكم الجزئي، وإنما قال هذا تَطْييبًا لقلوبهم؛ لأنهم آوَوا ونَصَرُوا، وبهم قامَ عمودُ الإسلام، وفي بلدهم ظهر الإسلام، وبنيت المساجد، وجُمِّعَت الجمعة. * * * ٢ - باب مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ ﵃ - (بابُ مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ ﵃) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٦٩٩ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا أَصْحَابي، فَلَو أنَّ أَحَدَكُم أَنفقَ مِثَلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهم ولا نَصِيفَهُ". قوله: "لا تسبُّوا أصْحَابي، فلو أنَّ أحدَكم أنفقَ مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بَلَغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه"، قيل: (النصيف): مِكْيال يسع نِصْفَ مُدٍّ. قال في "شرح السنة": والنصيف بمعنى النَّصْف، وكذلك تقول للعُشْر عَشير، وللخُمس خميس، وللتّسْع تسيع، وللثُّمن ثمين، واختلفوا في السُّبع

стр. 2949

والسُّدس والرُّبع، فمنهم من يقول: سَبيع وسَدِيس ورَبيع. قال أبو عبيد: ولم نسمع أحدًا يقول في الثُّلث شيئًا من ذلك. ومعنى الحديث: أن جَهْدَ المُقِلِّ منهم واليسير من النفقة - مع ما كانوا فيه من شدة العيش والصَّبر - أفضلُ عند الله من الكثير الذي يُنفقه مَنْ بعدَهم. الضمير في "نصيفه" عائد إلى أحدهم، لا إلى المُد. وتحقيق المعنى - والله أعلم -: أنَّ فضيلةَ الصحابة - رضوان الله عليهم - إنما كانت لصحبة رسولِ الله ﷺ ، ولأنهم أدركوا زمانَ الوحي، فلو عُمِّر أحدٌ منا ألفَ سنة مثلاً، وامتثل أوامرَه سبحانه، وانزجر عن نواهيه مدةَ عُمُرِه، بل كان أعبدَ الناسِ في وقته، لما يوازي جميعُ عبادته ساعةً من صحبته ﷺ ، فإذا كان كذلك ففضيلتهم لا يوازى بها البتة. * * * ٤٧٠٠ - عَنْ أَبي بُرْدَة ﵁، عَنْ أَبيْهِ: قَالَ: رَفَعَ - يعني: النبيَّ ﷺ رأسَهُ إلى السَّماءِ، وكَانَ كثيرًا مَا يَرفعُ رَأسَه إلى السَّماءِ فقالَ: "النجومُ أَمَنَةٌ للسَّماءِ، فإذا ذهبَتِ النَّجومُ أتى السَّماءَ ما تُوعَدُ، وأنا أَمَنَةٌ لأصَحَابي، فإذا ذهبْتُ أَتَى أَصحَابي مَا يُوعَدُونَ، وأَصْحَابي أَمَنَةٌ لأُمَّتي، فإذا ذَهبَ أَصْحَابي أتى أُمَّتي ما يُوعَدُون". قوله: "أنا أَمَنةٌ لأصحابي"، (الأمنة): الأمان والرحمة، يقال: رجل أُمَنَة وأَمَنَة - بالفتح والضم -: إذا كان يثق (١) بكلِّ أحد. * * *

стр. 2950

٤٧٠١ - عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يأتي على النَّاسِ زَمَانٌ فيَغْزُو فِئَامٌ مِن النَّاسِ فيَقُولُونَ: هل فِيْكُم مَن صَاحَبَ رَسُولَ الله ﷺ ؟ فيقُولُونَ: نَعَم، فيُفتَحُ لَهُم، ثُمَّ يَأتِي على النَّاسِ زَمَانٌ فيَغزُو فِئَامٌ مِن النَّاسِ فيُقالُ: هلْ فيكُم مَن صَاحبَ أَصحَابَ رَسُولِ الله ﷺ ؟ فيقولونَ: نَعَمْ، فيُفتَحُ لَهُم، ثُمَّ يأتي على النَّاسِ زَمَانٌ فيَغزو فِئَامٌ مِن النَّاسِ فيُقَالُ: هَلْ فيكُم مَن صَاحَبَ مَن صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ الله ﷺ ؟ فيقولونَ: نَعَمْ، فيُفتَحُ لهم". وزادَ بعضُهم: "ثُمَّ يَكُونُ البَعْثُ الرَّابعُ فيُقَالُ: انظُرُوا هلْ تَرَوْنَ فيهم أَحَدًا رَأَى مَن رَأَى أَحدًا رَأَى أَصحَابَ النَّبيِّ ﷺ ؟ فيُوجَدُ الرَّجُلُ فيُفتَحُ لَهُ". قوله: "فيغزو فئامٌ من الناس"، (الفئام): الجماعة من الناس، لا واحدَ له من لفظه، والعامة تقول: فِيام، بلا همز، ذكره في "الصحاح". * * * ٤٧٠٢ - وعَنْ عِمرانَ بن حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خيرُ أُمَّتي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذينَ يَلُونَهم، ثُمَّ إنَّ بَعدَهم قَوْمًا يَشهدُونَ ولا يُستَشهَدونَ، ويَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُون، ويَنذُرُونَ ولا يَفُونَ، ويَظهرُ فيهمُ السِّمَنُ". وفي رِوَايةٍ: "ويَحلِفُونَ ولا يُستَحْلَفُونَ". ويُروَى: "ثُمَّ يَخْلُفُ قومٌ يُحبُّونَ السُّمَانَة". قوله: "ثمَّ إنَّ بعدَكم قومًا يَشْهدُون ولا يُستشهدون"، قال الإمام التوربشتي: في أكثر نسخ "المصابيح": (ثم إن بعدكم) وليس برواية، بل الرواية: (بعدهم). قوله: "ويظهرُ فيهم السَّمَن"، قال محمد بن عثمان بن أبي ليلى: معنى

стр. 2951

(السِّمن) ها هنا: جمع المال، والحرص على الدنيا، ذكره في "شرح السنة". قيل: (السمن) ها هنا عبارة عن الغَفْلة، وقلَّة الاهتمام بأمر الدين، فإن الغالب على حال السمين ذلك. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٧٠٣ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَكْرِمُوا أَصحَابي فَإنَّهُم خِيارُكم، ثُمَّ الذينَ يَلُونهم، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثم يَظهرُ الكَذِبُ، حتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَحلِفُ ولا يُستحلَفُ، ويَشهدُ ولا يُستشهدُ، أَلَا فمَن سَرَّه بُحْبُوحةُ الجَنَّةِ فليَلْزمِ الجَمَاعةَ، فإنَّ الشَّيطانَ معَ الفَذِّ، وهو من الاثنينِ أَبْعَدُ، ولا يَخلُونَّ رَجُلٌ بامرأةٍ فإنَّ الشَّيطانَ ثالِثُهُمَا، ومَن سرَّتْهُ حَسَنَتُه وسَاءَتْهُ سَيئَتُه فهُوَ مؤمِنٌ". قوله: "فمَنْ سَرَّه بَحْبُوحَةُ الجنَّةِ فليلزمِ الجماعة"، بحبوحةُ كلِّ شيء: وسَطُه وخِيارُه. قوله: "فإن الشيطانَ مع الفَذَّ"؛ أي: مع الفرد؛ أي: الذي مع رأيه دونَ رأي الجماعة. * * * ٤٧٠٤ - عَنْ جَابرٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمًا رَآني، أو رَأَى مَن رَآني". قوله: "لا تمسُّ النارَ مسلمًا رآني، أو رأى مَنْ رآني"، فيه دليل على فضل الصحابة على غيرهم، وفضلِ التابعين على أتباعهم. * * *

стр. 2952

٤٧٠٥ - عَنْ عبدِ الله بن مُغَفَّلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الله الله في أَصْحَابي، الله الله في أَصْحَابي، لا تَتَّخِذُوهُم غرَضًا مِنْ بَعدِي، فمَن أَحبَّهم فبحُبي أَحبَّهم، ومَن أَبغضَهم فَببُغضي أَبغضَهُم، ومَن آذاهُم فَقْد آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَد آَذَى الله، ومَنْ آذَى الله فيُوشِكُ أنْ يَأخُذَه"، غريب. قوله: "الله الله في أَصحابي"؛ أي: اتقوا الله في أصحابي؛ يعني: لا تَذْكُروهم إلا بالتعظيم والتَّوقير. قوله: "لا تتخذوهم غرضًا من بعدي"، (الغرض): الهدف؛ أي: لا تجعلوهم هدفًا لكلامِكم القبيح؛ أي: لا ترمُوهم بالوقائع وغيرِ ذلك مما لا يجوز. * * * ٤٧٠٧ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَثَلُ أَصحَابي في أَمَّتِي كَالمِلْحِ في الطَّعَامِ لا يَصلُحُ الطَّعَامُ إلا بالمِلْحِ". قوله: "مَثَلُ أصحابي في أمَّتي كالمِلْح في الطعام، لا يَصْلُح الطعامُ إلا بالملح"، قال الحسنُ البصري: فقد ذهب مِلْحُنا، فكيف نُصْلِح؟ ذكره في "شرح السنة". * * * ٤٧٠٨ - عَنْ ابن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يُبَلَّغُني أَحَدٌ عَنْ أَحدٍ مِنْ أصحَابي شَيئًا فإنَّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِليْهِم وأَنَا سَليمُ الصَّدْرِ". قوله: "وأنا سليمُ الصَّدر"؛ أي: من الغِلِّ والحِقْد. حاصل هذا الحديث: أنه ﷺ يتمنَّى أن يخرُجَ من الدنيا وقلبُه راضٍ عن

стр. 2953

أصحابه، لم يحقِدْ على أحد منهم، فرِضاهُ رِضَى الحقِّ، فتطِيبُ عاقبةُ الصحابة كلِّهم لَمَّا مضى الرسولُ راضيًا عنهم، فَيَنْهى أن يُنْهى إليه شيءٌ من مَسَاوئهم، فيخرج عن الدنيا وقد حَقِدَ عليهم مُغْتَاظًا، وغَيظُه يُهْبطُ درجةَ ذلك الصحابي، فيصيرُ متعرِّضًا لغضب الله، وقد كان رؤوفًا بأصحابه، فيحترِزُ من السَّخط الإلهي، وفيه أيضًا دليل على سَتر العيوبِ على المسلم، فيستُرُ على مَنْ سَتَره الله. * * * ٣ - باب مَنَاقِبِ أَبي بَكْرِ الصَّديق ﵁ - (بابُ مَنَاقِبِ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيق ﵁) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٠٩ - عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَليَّ في صُحبَتِهِ ومَالِهِ أبا بكرٍ، ولَوُ كُنتُ مُتَّخِذًا خليلاً مِن أُمتي لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ، ولكنْ أُخُوَّةُ الإسلامِ ومَودَّتُه، لا يَبقَى في المسجدِ خَوْخةٌ إلا خَوْخَةُ أبي بكرٍ". وفي روايةٍ: "لو كُنْتُ مُتَّخِذًا خَليلاً غيرَ ربي لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ". قوله: "إنَّ مِنْ أمَنَّ الناسِ عليَّ في صُحبته ومالِه أبو بكر"؛ أي: مِنْ أَسْمَحِهم وأكثرهم بَذْلاً باختياره، مِنْ: منَّ عليه مَنًّا، بمعنى: الإحسان، لا مِنْ: منَّ عليه مِنَّة؛ لأن المِنَّة تَهْدِم الصَّنيعة، فلا يستحقُّ صاحبها الحمد، ولأنه ليس لأحد مِنَّة على رسول الله ﷺ ، بل المِنة له على جميع الأمة. قوله: (أبو بكر)، قياسه: أبا بكر، ليكون اسم (إنّ)، والجار والمجرور خبره، لكن روي برفع (أبو) وفيه أوجه: الأول: أن تكون (من) زائدة على مذهب الأخفش؛ أي: إنَّ أمنَّ الناس.

стр. 2954

الثاني: أن يكون (أبو بكر) جوابًا عن سؤال، كأنه قيل له: مَنْ أمنَّ الناس عليك؟ فقال إن أمنَّهم أبو بكر، فرفع على الحكاية. الثالث: أن تكون (إن) بمعنى: نعم، جوابًا لا تعمل شيئًا. قوله: "ولو كنتُ مُتَّخذًا خليلًا من أمَّتي لاتخذتُ أبا بكرٍ"، قال في "شرح السنة"؛ أي: جعلته مخصوصًا بالمحبة، يقال: دعا فلان فخلَّل؛ أي: خَصَّ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. وقيل: هو مِنْ تَخَلُّل المودَّة القلب، وتمكُّنها منه. وقيل: الخليل: الفقير، والخَلَّة: الحاجة، كأنه لم يجعل فقره وحاجته إلا إليه، إلا أن الاسم من الفقر: الخَلة: بفتح الخاء، ومن المحبة: بضم الخاء. قوله: "لا تبقيَّن في المسجد خَوخَةٌ إلا خَوخَةُ أبي بكر"، قال في "الغريبين": قال الليث: وناس يسمون هذه الأبوابَ التي تسمَّيها العرب خَوخات: مُخْترقات، قال: والخوخة مخترق بين البيتين يُنْصَبُ عليهما باب. وفيه دليل واضح على خلافته بعده، وعلى أنه أحقُّ الناسِ بالنيابة عنه حياةً ومماتًا؛ لأنه قد خَصَّه بما لا يُشَارَك فيه. * * * ٤٧١٢ - عن جُبَير بن مُطعِمٍ ﵁ قال: أَتَتِ النَّبيَّ ﷺ امرأةٌ فَكَلَّمَتْهُ في شيءٍ، فأمرَها أنْ ترجعَ إليه، قالت: يا رسولَ الله! أرأيتَ إنْ جئتُ ولم أجدْكَ؟ كأنَّها تريدُ المَوْتَ، قال "فإنْ لَمْ تَجِديني فَأْتِي أبا بكرٍ". قولها: "أرأيتَ إن جئتُ ولم أجدْكَ - كأنَّها تُريد الموت -"، (أرأيت)؛ أي: أخبرني.

стр. 2955

قوله: "إن لم تَجِدِيني فأتي أبا بكر" دليلٌ على خلافة أبي بكر ﵁. * * * ٤٧١٣ - وعن عمرِو بن العاصِ ﵁: أَنَّ النَّبيِّ ﷺ بعثَه على جَيْشِ ذاتِ السَّلاسِلِ، قالَ: فأَتيتُه فقُلتُ: أيُّ الناسِ أَحبُّ إليكَ؟ قال: "عائشةُ"، قلتُ: مِن الرِّجالِ؟ قال: "أبوها"، قلتُ: ثُمَّ مَن؟ قال: "عمرُ"، فعدَّ رِجالاً، فَسكتُّ مخافَةَ أنْ يجعلَني في آخرِهم. قوله: "بعثه على جيش ذات السلاسل" قيل: سُمُّوا بذات السلاسل؛ لأنهم قد رَبَطَ بعضُهم بعضًا بالسلاسل كيلا ينهزموا. * * * ٤٧١٥ - عن ابن عُمَرَ ﵁ قال: كُنَّا في زَمَنِ النَّبيِّ ﷺ لا نَعدِلُ بأبي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمانَ، ثم نَتْرُكُ أَصْحابَ النبيِّ ﷺ لا نُفاضلُ بينَهم. وفي روايةٍ: كُنا نقولُ ورسولُ الله ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبيِّ ﷺ عن بعدَه أبو بكرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمانُ. قوله: "لا نَعْدِلُ بعد النبيِّ ﷺ أحدًا بأبي بكر ثم عمرَ ثم عثمان، ثم نتركُ أصحابَ النبيِّ ﷺ لا يتفاضل بينهم"، قال في "شرح السنة": قال أبو سليمان الخطابي: وجه ذلك - والله أعلم -: أنه أراد به الشيوخ وذوي الأسنان منهم الذين كان رسولُ الله ﷺ إذا حَزَبهُ أمرٌ شاورَهم فيه، وكان عليٌّ ﵁ في زمان رسولِ الله حديثَ السنَّ، ولم يُرِدْ ابن عمرَ ﵁ الإزراءَ بعليًّ ﵁، ولا تأخيرَه عن الفضيلة بعد عثمان، وفضْلُه مشهور لا ينكره ابن عمر، ولا غيرُه من الصحابة - رضوان الله عليهم -، وإنما اختلفوا في تقديم عثمان عليه:

стр. 2956

فذهب الجمهور من السَّلَف إلى تقديم عثمان عليه، وذهب أكثر أهل الكوفة إلى تقديمه على عثمان، وسُئل سفيان: ما قولك في التفضيل؟ فقال: أهل السنة من أهل الكوفة يقولون: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان، وأهل السنة من أهل البصرة يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، قيل: ما تقول أنت؟ قال أنا رجل كوفي، وقد ثبت عن سفيان: أنه قال آخر أقواله: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٧١٦ - عن أبي هريرَةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ما لأَحدٍ عِنْدَنا يدٌ إلا وقد كافَأْنَاهُ ما خلا أبا بَكْرٍ، فإنَّ لهُ عندَنا يدًا يُكافئُه الله بِهِ يومَ القِيامةِ، وما نَفَعَني مالُ أَحَدٍ قَطُّ ما نفعَني مالُ أبي بكرٍ، ولو كنتُ مُتَّخِذًا خليلًا لاتخَذْتُ أبا بكرٍ خليلًا، ألا وإنَّ صاحبَكم خليلُ الله". قوله: "ما لأحدٍ عندنا يدٌ إلا وقد كافأْنَاه ما خلا أبا بكرٍ، فإنَّ له عندنا يدًا يكافئه الله به"، قيل: أراد بـ (اليد): النعمة، وهو بَذَلَها كلَّها إيَّاه ﷺ ، وهي المال والروح والولد. * * * ٤٧١٩ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا ينبغي لقومٍ فيهم أبو بكرٍ أَنْ يَؤُمَّهم غيرُه"، غريب. قوله: "لا ينبغي لقومٍ فيهم أبو بكر أن يؤمَّهم غيرُه"، هذا دليل على فضله على جميع الصحابة، فإذا ثبت هذا فقد ثبتت خلافتُه؛ لأن خلافةَ المفضولِ مع

стр. 2957

وجود الفاضل لا تصِحُّ. * * * ٤٧٢١ - وعن عائِشَةَ ﵂: أنَّ أبا بَكْرٍ ﵁ دَخَلَ على رسولِ الله ﷺ فقالَ: "أنتَ عَتيقُ الله من النَّارِ، فيَومَئذٍ سُمِّيَ عَتِيْقًا". قوله: "فيومئذ سُمِّي عتيقًا"، (العتيق): فعيل بمعنى مُفعل، كحكيم بمعنى مُحْكم. * * * ٤٧٢٢ - عن ابن عُمَرَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أنا أَوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عنه الأرضُ، ثُمَّ أبو بَكْرٍ، ثُمَ عُمَرُ ثُمَّ آتي أَهْلَ البقيعِ فيُحشرُونَ معي، ثُمَّ أَنْتَظِرُ أهلَ مَكَّةَ حتى أُحشَرَ بينَ الحَرَمَيْنِ". قوله: "أنا أولُ مَنْ تنشَقُّ عنه الأرضُ، ثم أبو بكر"؛ يعني: أنا أُحشر أول الخلق، ثم يُحشر من أمتي أبو بكر. * * * ٤ - باب مَنَاقِبِ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁ - (بَابُ مَنَاقِبِ عُمَرَ ﵁) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٢٤ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لقد كانَ فيما قَبْلَكُم مِن الأُممِ مُحَدَّثونَ، فإنْ يَكُ في أُمتي أَحَدٌ فإنه عُمَرُ".

стр. 2958

قوله: "لقد كانَ فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثون"، قال في "شرح السنة": المُحَدَّث: المُلْهم يُلقى الشيء في رُوعه، يريد: قومًا يُصيبون إذا ظنوا، فكأنهم حُدَّثوا بشيء، فقالوا، فتلكَ منزلةٌ جليلة من منازل الأولياء. يعني كلام الشيخ رحمة الله عليه: أن عمر ﵁ كان صادقَ الظنِّ صائبًا، لصفاء قلبه الطاهر، الذي هو محلُّ إلهامه سبحانه، فصار كمن حُدَّث بشيء، فأخبر عنه مُعاينة. قوله: "فإن يكُ في أمَّتي أحدٌ فإنَّه عمرُ"، قيل: ما قاله النبيُّ ﷺ على التردُّد، فإنَّ أمته أفضل الأمم، فإذا وُجدت هذه الطائفة في الأمم السالفة، فأولى أن تُوجد في أمته ﷺ أكثرُ عددًا، وأفضلُ مرتبة. وإنما قال ذلك على سبيل المبالغة والتأكيد، كما لو كان لك صَدِيق حقيقي، تقول: إن يكن لي صديق فَفُلان، تريد بهذا الكلام: اختصاصَه بكمال الصداقة والمحبة، لا نفي ذلك. * * * ٤٧٢٥ - وعن سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ ﵁ قال: استأذَنَ عُمَرُ بن الخَطَّابِ على رسولِ الله ﷺ وعِنْدَه نِسْوَةٌ مِن قُرَيْشٍ يُكَلَّمْنَهُ، عاليةً أَصْواتُهنَّ، فلَمَّا استأذنَ عمرُ قُمْنَ فبْادَرْنَ الحِجَابَ، فدخَلَ عُمَرُ ورسولُ الله ﷺ يَضْحَكُ فقالَ: أَضْحَكَ الله سِنَّكَ يا رسولَ الله! مِمَّ تَضْحَكُ؟ فقالَ النبيُّ ﷺ : "عَجِبْتُ مِن هؤلاءِ اللاتي كُنَّ عندي، فلمَّا سَمعنَ صَوْتَكَ ابتَدَرْنَ الحِجَابَ"، قال عُمَرُ: يا عَدُوَّات أنفُسِهنَّ! أَتَهَبنني ولا تَهَبن رسولَ الله؟ فقُلنَ: نَعَم، أنَتَ أَفَظُّ وأغلظُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إيْهِ يا ابن الخطابِ! والذي نفسي بيدِهِ، ما لَقِيَكَ الشَّيطانُ سالكًا فَجًّا قَطُّ إلا سَلَكَ فَجًا غيرَ فَجِّكَ".

стр. 2959

قوله: "أتَهبننِي ولا تَهَبن رسولَ الله ﷺ "، قال في "شرح السنة"، (تهبنني) من قولهم: هِبْتُ الرَّجُلَ: إذا وقَّرتُه وعظَّمتُه، يقال: هَبِ النَّاسِ يَهَابُوك؛ أي: وقِّرهم يُوقَّروك. قوله: "ما لَقِيَكَ الشَّيطانُ سالكًا فَجًّا قطُّ إلا سَلَكَ فَجًّا غيرَ فَجِّكَ"، (الفج): الطريق الواسع، ومنه قوله تعالى: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠]؛ أي: طرقًا واسعة. وفيه دليل على صلابته وقوته في الدين، وغَلَبته على عدو الله سبحانه، حتَى يَفِرَّ من الفَجِّ الذي كان يسلكه. * * * ٤٧٢٦ - عن جابرٍ ﵁ قال: قالَ النّبيُّ ﷺ : "دَخَلْتُ الجَنَّةَ فإذا أنا بالرُّمَيْصَاء، امرأةِ أبي طَلْحَةَ - وسَمِعْتُ خَشْفَةً، فقلتُ: مَن هذا؟ فقالَ: هذا بلالٌ، ورأيتُ قَصْرًا بفِنَائهِ جاريةٌ فقلتُ: لِمَنْ هذا؟ فقال: لعُمَرَ، فأردْتُ أنْ أدخُلَهَ فانظرَ إليه فذكرتُ غيرتَكَ"، فقال عُمَرُ ﵁: بِأَبي وأُمِّي يا رسولَ الله! أعليكَ أغارُ؟ قوله: "فإذا أنا بالرُّمَيصاء"، (الرميصاء): امرأة أبي طلحة. الرَّمَصُ: وَسَخٌ يجتمع في المُوق، فإن جَمَد فهو رَمَصٌ، وإن سال فهو غَمَصٌ، والرجل أَرْمص، والمرأة رَمْصاء، والتصغير رُمَيصاء. قوله: "وسمعتُ خَشْفَة"، قال في "شرح السنة": الخشفة: الحركة، ومعناها ها هنا: ما يسمع من وَقعْ القدم - الوقع: التأثير -؛ يعني: صوت قَرْعِ النعل. قوله: "بأبي وأمِّي يا رسولَ الله! أعليكَ أَغَارُ"، الباء في (بأبي) للتعدية،

стр. 2960

تقدير الكلام: تُفْدَى بأبي وأمي (أنت) مبتدأ، و (بأبي) خبره. * * * ٤٧٢٩ - عن أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "بَيْنا أنا نائمٌ رأيتُني على قَلِيبٍ عليها دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ منها ما شَاءَ الله، ثُمَّ أخذَها ابن أبي قُحَافةَ فَنَزَعَ بها ذَنُوبًا أو ذَنُوبينِ، وفي نَزْعِه ضَعْفٌ والله يغفِرُ لهُ ضعْفَه، ثُمَّ استَحالَتْ غَرْبًا، فأخذَها ابن الخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقريًا مِن النَّاسِ يَنزِعُ نَزْعَ عُمَرَ، حتى ضَرَبَ النَّاسُ بعَطَنٍ". قوله: "بينا أنا نائمٌ رأيتُني على قَليب عليها دَلْوٌ"، (القليب): البئر قبل أن تُطْوى، تُذكَّر وتؤنَّث، وضدها الطَّويّ، وهي المَطْوية بالحجارة أو الآجُر. قوله: "ثم أخذها ابن أبي قُحافة فنزع بها ذَنُوبًا أو ذنوبين، وفي نَزْعه ضَعْفٌ"، يريد بـ (ابن أبي قحافة): أبا بكر، (الذَّنوب) - بفتح الذال -: الدَّلو المَلأى ماء. قال في "شرح السنة": (وفي نَزْعه ضعف)، لم يُرِدْ به نسبةَ النقصِ والتقصير إلى الصِّدِّيق في القيام بالأمر، فإنه جَدَّ بالأمر، وتحمَّلَ من أَعْباء الخلافة - أي: مشقَّاتها - ما كانت الأمة تعجَزُ عن تحمُّلها. فلذلك قالت عائشةُ ﵂: توفي رسولُ الله ﷺ , وارتَّدتِ العربُ، واشْرَأَبَّ النفاقُ، ونزل بأبي ما لو نَزَلَ بالجبال الرَّاسيات لَهَاضها - كسرها -. قال عمر في أبي بكر ﵄: لقد أَتْعبَ مَنْ بعده = بل ذلك إشارة إلى أنَّ الفتوح كانت في زمن عمر أكثرَ مما كانت في زمن الصدِّيق، لِقِصَر مدة أيام ولاية الصديق، فإنه لم يَعِشْ في الخلافة أكثرَ من سنتين وشيء، وامتدَّت ولايةُ

стр. 2961

عمر ﵁ عشرَ سنين. وقيل: (الذَّنوبان) إشارة إلى خلافته سنتين وأيامًا. قوله: "والله يغفر له ضعفَه"؛ أي: ضعفَ زمان خلافته، وذلك ما حدث في زمانه من ارتداد قوم، واتِّباعِهم مسيلمةَ الكذَّاب، وإنكار قوم الزكاة، وغير ذلك من أعباء الخلافة، أو المراد بالضعف: قصر مدة خلافته كما ذُكر قَبْلُ. فإذا كان كذلك فالضعف في المباشَر فيه الذي هو الزمانُ، لا في المباشِر الذي هو الصدِّيقُ، لكنه نَسبَهُ إليه إطلاقًا لاسم المَحَلِّ على الحال، وذلك مجاز سائغ في كلام العرب. قوله: "ثم استحالَتْ غَرْبًا": ثم انقلبت الذَّنوبُ غربًا، و (الغرب): الدَّلو العظيمة، فإذا فُتِحت الراء؛ فهو الماء السائل بين البئر والحوض، وأراد: أن عمر لمَّا أخذ الدلو عَظُمت في يده، ذكره في "شرح السنة". يعني: قَوِيَ الدينُ في زمانه، واتَّسعت عَرْصَتُه بفتح البلاد وانقياد أهلها له طَوعًا وكَرْهًا. * * * ٤٧٣٠ - ورواهُ ابن عُمَرَ، عن رسولِ الله ﷺ وقال: "ثُمَّ أخذَها ابن الخَطَّابِ مِن يَدِ أبي بَكْرٍ فاستحالَتْ في يدِه غرْبًا، فلم أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفرِي فَرْيَهُ، حتى رَوِي النَّاسُ وضَرَبوا بعَطَنٍ". قوله: "فلم أرَ عَبْقريًا يَفْرِي فَرِيَّه"، قال في "شرح السنة"؛ أي: يَعمل عملَه، ويَقْوى قوَّتَه، ويقطع قطْعَه، يقال: تركته يَفْري الفَري: إذا عمل عملًا فأجاد، وهذا كله إشارة إلى ما أكرم الله به عمر ﵁ من امتداد مدة خلافته، ثم القيام فيها بإعزاز الإسلام، وحفظِ حدوده، وتقوية أهله. و (العبقري) يُوصف به كل شيء يبلغُ النهايةَ في معناه.

стр. 2962

قال في "الغريبين": قال أبو عبيد: قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقري، فقال: يقال: هذا عبقريُّ قوم، كقولهم: سيدهم وكبيرهم وقَويُّهم وقُوَّتُهم ونحو ذلك. وقيل: العبقري: موضعٌ تَزْعُم العرب أنه من أرض الجِنِّ، ثم نَسَبُوا إليه كلَّ شيء تَعَجَّبوا من حِذْقه أو جَودة صَنْعَتِه أو قوته، وأراد به ها هنا: الرجل القوي. قوله: "رَوِيَ الناسُ وضربوا بعَطَنٍ"، (العطن): مَبْرَك الإبل حول الماء إذا صَدَرَتْ عنه. قال في "شرح السنة"، معناه: حتى رَوَوا وأَرْووا إِبلَهم، فأبركوها، وضربوا لها عَطَنًا. * * * ٤٧٣٢ - وقالَ عليٌّ ﵁: ما كُنَّا نُبْعِدُ أنَّ السَّكينَةَ تَنْطِقُ على لِسانِ عُمَرَ. قوله: "ما كنَّا نُبْعِدُ أنَّ السكينةَ تَنْطِقُ على لسان عمر"، قال في "شرح السنة": وقال ابن عمر ﵁: ما نزل بالناس أمرٌ قطُّ فقالوا فيه، وقال عمرُ فيه، إلا نزلَ فيه القرآنُ على نحو ما قال. وقال عبد الله بن مسعود: ما رأيت عمرَ قطُّ وإلا كان بين عينيه مَلَكٌ يُسَدِّدُه. قيل: ويحتمل أنه أراد بالسكينة: المَلَك الذي يُلْهِمُه ذلك القولَ. * * *

стр. 2963

٤٧٣٦ - عن بُرَيْدَةَ قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ في بَعْضِ مَغَازيه، فلمَّا انصَرَفَ جاءَتْ جارَيةٌ سَوْداءُ فقالت: يا رسولَ الله! إنَّي كنتُ نَذَرْتُ: إنْ رَدَّكَ الله صَالِحًا أنْ أَضْرِبَ بينَ يَدَيْكَ بالدُّفِّ وأَتَغَنَّى، فقالَ لها رسولُ الله ﷺ : "إنْ كنتِ نَذَرْتِ فاضْرِبي وإلَاّ فلا"، فجَعَلَتْ تَضْرِبُ فدَخَلَ أبو بَكْرٍ وهي تَضْرِبُ، ثُمَّ دخلَ عليٌّ وهي تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمانُ وهي تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فألقَت الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا ثُمَّ قَعَدَتْ عليه، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الشيطانَ ليَخافُ مِنْكَ يا عُمَرُ! إنِّي كُنْتُ جالِسًا وهي تَضْرِبُ، فدخلَ أبو بَكْرٍ وهي تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وهي تَضْربُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمانُ وهي تَضْرِبُ، فلمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ ألقَت الدُّفَّ"، غريب صحيح. قوله: "فقالَ لها رسولُ الله ﷺ : إن كنتِ نَذَرْتِ فاضْرِبي" دليل على أنَّ الوفاء بالنذر الذي فيه قُربة واجب، وانما كان نذرَ تبرُّر؛ لأنها قد عَلَّقت ذلك بقُدومه من بعض مغازيه، والفَرحُ بقدومه قُربة، سيما عن موقع الهَلاك. وفيه دليل على أن سماعَ الدُّفَّ مباحٌ. * * * ٤٧٣٧ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ جالِسًا في المَسْجِدِ، فسمعْنَا لَغَطًا وصَوْتَ صِبْيَانٍ، فقامَ رسولُ الله ﷺ فإذا حَبَشِيَّة تَزْفِنُ والصِّبْيانُ حَوْلَها، فقال: "يا عائِشَةُ! تعالَيْ فانظري"، فجئتُ فَوَضَعْتُ لَحْيَيَّ على مَنْكِبِ رسولِ الله ﷺ ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إليها ما بينَ المَنْكِبِ إلى رأسِهِ، فقالَ لي: "أَمَا شَبعْتِ؟ أَمَا شَبعْتِ؟ "، فَجَعَلْتُ أقولُ: لا؛ لأَنْظُرَ منزلَتي عِنْدَهُ، إذ طَلَعَ عمرُ، فارفَضَّ الناسُ عَنْها، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنِّي لأَنْظُرُ

стр. 2964

إلى شياطينِ الجِنِّ والإِنسِ قد فَرُّوا مِن عُمَرَ"، قالَت: فَرَجَعْتُ. صحيح غريب. قولها: "فسمِعْنا لَغَطًا"، (اللغط) - بالفتح -: الصوت العالي. قولها: "فإذا حبشيَّةٌ تَزْفِنُ"، (الزَّفَن): الرَّقْص. قوله: "فوضعت لَحيي"، (اللَّحي): مَنْبت الأسنان، والتثنية: لَحْيان. قولها: "فارفضَّ الناسُ عنها"؛ أي: تفرَّقوا عن تلك الحبشية، إذا رأوا عمر ﵁ وكان مَهِيبًا في غاية المَهَابة. وفيه دليلٌ على عِظَمِ خُلُقِ رسولِ الله ﷺ ، وجواز السَّماعِ في المسجد. * * * ٥ - باب مَنَاقِبِ أَبي بَكْر وَعُمَرَ ﵄ - (بابُ مَنَاقِبِ أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٣٨ - عن أبي هُريرَةَ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قال: "بينَما رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إذ أَعْيَا فرَكِبَها، فقالَت: إنَّا لم نُخلَقْ لهذا، إنَّما خُلِقْنا لحِراثةِ الأَرْضِ"، فقالَ النَّاسُ: سُبْحانَ الله! بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "فإنِّي أُومِنُ بهِ أنا، وأبو بَكْرٍ، وعُمَرُ"، وما هُمَا ثَمَّ، وقالَ رسولُ الله ﷺ : "بينَما رَجُلٌ في غَنَمٍ لهُ إذ عَدَا الذِّئْبُ على شاةٍ منها فأَخَذَها، فأَدْرَكَها صاحبُها فاستَنْقَذَها، فقالَ لهُ الذِّئْبُ: فمَن لها يومَ السَّبُعِ يَوْمَ لا راعِيَ لها غيري؟ "، فقالَ النَّاسُ: سُبْحانَ الله! ذِئْبٌ يَتَكلَّمُ،

стр. 2965

فقالَ النبيُّ ﷺ : "فأنا أُوْمِنُ بهِ، وأبو بَكْرٍ، وعُمَرُ"، وما هُما ثَمَّ. قوله: "إنَّا لم نُخْلَقْ لهذا، إنما خُلِقنا لحراثة الأرضِ" دليل على أن وضعَ الأحمال على البقر وركوبَها غيرُ مرضيٍّ، وما نَطَقَ وخَرَقَ العادةَ إلا ليعلِّم أنه خُلِقَ لهذا لا لذلك، فلما صدَّقه الرسولُ صار قولُه قولًا قاطعًا يدلُّ على ذلك. قوله: "فإنِّي أؤمن به أنا وأبو بكرٍ وعمرُ"؛ يعني: نحن نصدق أن الله سبحانه قادرٌ على أن يُنْطِقَ البقرةَ وغيرَها من الحيوان، بل قادِرٌ على أن يُنْطِق الحمار، فإنَّه على كل شيء قدير، وفيه دليل على تفضيل الشيخين أبي بكرٍ وعمرَ على غيرهما. قوله: "فَمَنْ لها يومَ السَّبعْ يومَ لا راعيَ لها غيري"، قال في "شرح السنة": قال الأعرابي: (يوم السبع) - بسكون الباء - يعني: يوم القيامة، والسبع: الموضع الذي عنده المَحْشَر، والسبع: الذعر أيضًا، يقال: سبعت الأسد: إذا ذعرته، وهو على هذا التفسير: يومَ الفَزَع، وقيل: يوم السبع: يوم القيامة حين يموت الناس ويبقى هو مع الغنم. وقيل: يوم السبع: عيدٌ كان لهم في الجاهلية، يشتغلون بعيدهم ولَهْوِهم، وليس بالسَّبُع الذي يأكل الناس. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٧٣٩ - عن أبيِ سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ أَهْلَ عِلِّيينَ، كما تَرَوْن الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ في أُفُقِ السَّماءِ، وإنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ لَمِنْهُمْ، وأَنْعَما". قوله: "إنَّ أهلَ الجنة ليتراءون أهلَ عِلِّيين كما ترون الكوكبَ الدُّرِّي"،

стр. 2966

مضى شرح (عِلِّيين) في (باب صفة الجنة). قوله: "وإنَّ أبا بكرٍ وعمرَ لَمِنهم وأَنْعَما"، (أنعما)؛ أي؛ زادا على تلك المنزلة، يقال: قد أحَسَنت إليَّ وأنعمت؛ أي: زدت عليَّ الإحسان. وفي بعض الروايات: قيل لأبي سعيد: ما أَنْعَما؟ قال: أهل ذلك هما. وقيل: أنعما؛ أي: صارا إلى النعيم ودخلا فيه، كما يقال: أَجْنَبَ الرجلُ: إذا دخل في الجَنوب، وأشمل: إذا دخل في الشَّمال، ذكره في "شرح السنة". قال الإمام التوربشتي: وفي أكثر نسخ "المصابيح": (لمنهم) واللام زائدة على الرواية، فإنه نقل هذا الحديث من "كتاب الترمذي"، وفيه: "منهم وأنعما" من غير لام، وإن صح روايةُ مَنْ روى: (لمنهم) كانت اللام للتأكيد، تدخل في خبر (إن)، والواو في (وأنعما) معطوف على الاستقرار المحذوف، وهو عامل الظرف في (منهم) خبر (إنّ)؛ أي: إن أبا بكر وعمر استقرا منهم وأنعما. * * * ٤٧٤٤ - عن ابن عُمَرَ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ خَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ ودَخَلَ المَسْجِدَ وأبو بِكْرٍ وعُمُرُ، أَحَدُهما عن يَميِنه والآخَرُ عن شِمالِه، وهوَ آخِدٌ بأَيْدِيهما، فقالَ: "هكذا نُبْعَثُ يومَ القِيامةِ"، غريب. قوله: "خرجَ ذاتَ يوم"؛ أي: خرج رسولُ الله ﷺ من الحُجْرة يومًا. قوله: "وهو آخِذٌ بأيديهما، فقال: هكذا نُبعثُ يومَ القيامة" دليل على فضيلتهما على سائر الناس غيرِ الأنبياء والمُرْسلين. * * *

стр. 2967

٤٧٤٥ - عن عبدِ الله بن حَنْطَب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأَى أبا بَكرٍ وعُمَرَ فقال: "هذانِ السَّمْعُ والبَصَرُ"، مرسل. قوله: "هذانِ السمعُ والبصرُ"، (هذان): إشارة إلى الشيخين، قيل: هما بالإضافة إلى الدِّين بمنزلة السمع والبصر بالإضافة إلى الجسد. قيل: حَنطَب عند أصحاب الحديث: مفتوح الحاء والطاء. * * * ٤٧٤٦ - عن أبي سعيدٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ما مِن نَبيٍّ إلا وَلَهُ وزيرانِ مِن أَهْلِ السَّماءِ، ووَزيرانِ مِن أَهْلِ الأَرْضِ؛ فأمَّا وزيرايَ من أَهْلِ السَّماءِ فجبْريلُ وميكائيلُ، وأَمَّا وزيرايَ مِن أَهْلِ الأَرْضِ فأبو بَكْرٍ وعُمَرُ". قوله: "ما مِنْ نبيٍّ إلا ولهُ وزيران"، قال في "الصحاح": الوزير: المُوازِر، كالأكيل: المُواكل؛ لأنه يحمِلُ عنه وِزْره؛ أي: ثِقْلَه؛ يعني: إذا حَزَبهُ أمرٌ شاورهما، كما أن المَلِكَ إذا حَزَبهُ أمرٌ شاور الوزيرَ، وفيه أيضًا دليل على فضيلتهما على جميع الأمة. * * * ٤٧٤٧ - عن أبي بَكْرَة ﵁: أنَّ رَجُلًا قالَ لرسولِ الله ﷺ : رَأَيْتُ كأنَّ ميزانًا نَزَلَ مِن السَّماءِ فوُزِنْتَ أَنتَ وأبو بَكْرٍ فَرَجْحْتَ أنتَ، ووُزِنَ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ فَرَجَحَ أبو بَكْرٍ، ووُزِنَ عُمَرُ وعُثْمَانُ فَرَجَحَ عُمَرُ، ثم رُفِعَ الميزانُ، فاستاءَ لها رسولُ الله ﷺ ، يعني فساءَهُ ذلكَ، فقالَ: "خِلافَةُ نبُوَّةٍ، ثُمَّ يُؤْتي الله المُلْكَ مَن يشاءُ". قوله: "فاسْتَاءَ لها رسولُ الله ﷺ "، قيل: (استاء) افتعل من السَّوء، كما يقال: اغتَمَّ من الغَمِّ؛ يعني: أصابه ﷺ غَمُّ عظيم من قول الرائي: "ثمَّ رُفِعَ

стр. 2968

الميزان"، وقد أوَّلَها: أن زمان الخلافة قليلٌ ثم تصير إلى المَمْلكة. * * * ٦ - باب مَنَاقِبِ عُثمانَ بن عَفَّانَ ﵁ - (بَابُ مَنَاقِبِ عُثْمانَ بن عَفَّانَ ﵁) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٤٨ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ مُضْطَجِعًا في بَيْتِه كاشفًا عن فَخِذَيْهِ أو ساقيْهِ، فاستَأْذَنَ أبو بَكرٍ فأَذِنَ له، وهو على تلكَ الحالِ، فتَحَدَّثَ، ثُمَّ استَأْذَنَ عُمَرُ فأَذِنَ لهُ وهو كذلكَ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ استَأْذَنَ عُثْمانُ فَجَلَسَ رسولُ الله ﷺ وسَوَّى ثِيابَهُ، فلمَّا خَرَجَ قالت عائِشَةُ ﵂: دخلَ أبو بَكْر فلَمْ تَهْتَشَّ لهُ وَلَمْ تُبَالِه، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فلم تَهْتَشَّ لهُ ولم تُبَاله، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَّاَنُ فَجَلَسْتَ وسَويتَ ثِيابَكَ! فقالَ: "ألا أَسْتَحْيي مِن رَجْلٍ تَسْتَحْيي مِنْهُ المَلائِكَةُ". قوله: "فلم تهتشَّ له"؛ أي: ما ظهر منك هَشَاشة ولا بَشَاشة لدخوله؛ (الهشاشة) و (الاهتشاش): الفرح، و (الهَشُّ): اللِّين والرخوة. وفيه دليل على توقير عثمان ﵁ عند رسول الله ﷺ ، ولكن لا يدلُّ على حطِّ منزلة أبي بكر وعمر ﵄ عنده ﷺ وقلة الالتفات إليهما؛ لأن قاعدةَ المحبة إذا كَمُلَت واشتدَّت ارتفعَ التكلفُ، كما قيل: إذا حَصَلت الأُلْفة بَطَلت الكُلْفة. قوله: "كاشفًا عن فخذيه"، هذا مُستَند مالك، فإن الفخذ عنده ليس بعورة. * * *

стр. 2969

مِنَ الحِسَان: ٤٧٥٠ - عن طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ الله ﵁ قال: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "لِكُلِّ نبيٍّ رَفيقٌ ورفيقي - يعني في الجَنَّةِ - عُثْمانُ"، غريب منقطع. قوله: "لكل نبيِّ رفيقٌ، ورفيقي في الجنة عثمانُ"، وفيه دليل على عظم قَدْره وارتفاع منزلته ﵁. قال الإمام التوربشتي في "شرحه": هذا حديث ضعيفُ السَّند، ومع الضَّعف ليس بمتصل، رواه شُريح عن شيخ من زُهرة لم يُسَمِّه. * * * ٤٧٥١ - عن عبدِ الرَّحمنِ بن خَبَّابٍ ﵁ قال: شَهِدْتُ النَّبيَّ ﷺ وهو يَحُثُّ على جَيْشِ العُسْرَةِ، فقامَ عُثْمَانُ فقالَ: يا رسولَ الله! عليَّ مِئَةُ بعيرٍ بأَحْلاسِها وأَقْتابها في سبيلِ الله، ثُمَّ حَضَّ على الجيشِ، فقامَ عُثْمانُ فقال: عليَّ مِئَتا بعيرٍ بأَحْلاسِها وأَقتابها في سبيلِ الله، ثُمَّ حَضَّ على الجيشِ، فقامَ عثمانُ فقالَ: عليَّ ثلاثُ مِئَةِ بعيرٍ بأَحْلاسِها وأَقْتابها في سبيلِ الله، فأنا رَأيتُ رسولَ الله ﷺ يَنْزِلُ عن المِنْبرِ وهو يقولُ: "ما على عُثْمانَ ما عَمِلَ بعدَ هذهِ، ما على عُثْمانَ ما عَمِلَ بعدَ هذهِ". قوله: "شهدتُ النبيَّ ﷺ وهو يَحُثُّ على جيش العُسْرة"، والمراد بجيش العسرة: غزوة تبوك، وإنما سُمِّيت جيش العسرة؛ لأنها كانت في زمان اشتداد الحَرِّ والقَحْط والجَدْب، بحيث يَعْسُر عليهم الخروجُ فيها. قيل: كان مع رسول الله ﷺ يوم بدر ثلاث مئة وثلاثة عشر، ويوم أحد سبع مئة، ويوم الحديبيَة ويوم خيبر ألف وخمس مئة، ويوم الفتح عشرة آلاف، ويوم حُنين اثنا عشَر ألفًا، ويوم تبوكَ ثلاثون ألفًا، وهي آخر مغازيه.

стр. 2970

قوله: "عليَّ مئة بأَحْلاسها وأَقْتَابها"، (الأحلاس): جمع حِلْس، وهي كِسَاء رقيق يكون تحت البَرْذَعة، و (الأقتاب): جمع قَتَب - بالتحريك -، وهو رَحْلٌ صغير على قَدْرِ السَّنَام، ذكره في "الصحاح". قوله: "ما على عثمان ما عَمِلَ بعدَ هذه"؛ أي: ما عليه أن لا يعملَ بعد هذه من النَّوافل دون الفرائض؛ لأن تلك الحسنة تكفيه عن جميع النوافل، كما ذكر في حديث أنس بن أبي مرثد الغَنَوي في آخر الفَصْل في المِعْراج. * * * ٤٧٥٣ - عن أنسٍ ﵁ قال: لَمّا أُمِرَ رَسُولُ الله ﷺ ببَيْعَةِ الرِّضْوَانِ كانَ عُثْمانُ رَسُولَ رَسُولِ الله ﷺ إلى مَكَّةَ، فَبَايَعَ النَّاسَ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ عُثْمانَ في حاجَةِ الله وحاجَةِ رَسولِهِ"، فضرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ على الأُخرَى، فكانَتْ يَدُ رسولِ الله ﷺ لِعُثْمانَ خَيْرًا مِنْ أَيْدِيهِمْ لِأَنْفُسِهم. قوله: "لمَّا أمرَ رسولُ الله ﷺ ببيعة الرِّضوان", وهي البيعة التي كانت تحت الشجرة يوم الحديبيَة، وإنما سُمِّيت ببيعة الرضوان؛ لأنه نزلت في أصحابها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] * * * ٤٧٥٣/ م - عن ثُمامَةَ بن حَزْنٍ القُشَيْريِّ قال: شَهِدْتُ الدَّارَ حينَ أَشْرَفَ عليهم عُثْمانُ فقال: أَنشُدُكم الله والإِسَلامَ، هل تعلمونَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَدِمَ المَدينةَ وليسَ بها ماءٌ يُستعذَبُ غيرُ بئرِ رُومَةَ فقال: "مَن يشتري بئرَ رُومَةَ يَجعل دَلْوَه مع دلاء المُسلمينَ بخيرٍ له منها في الجَنَّةِ؟ "، فاشتريتُها مِن صُلْبِ مالي، فأنتم اليومَ تَمنَعونَني أنْ أَشْرَبَ منها حتَّى أَشْرَبَ مِن ماءِ البَحْرِ! فقالوا: اللهم! نَعَم، قال: أَنشُدُكم الله والإِسلامَ، هل تعلمونَ أنَّ المسجدَ ضاقَ بأهلِهِ فقالَ

стр. 2971

رسولُ الله ﷺ : "مَن يَشْتري بُقْعَةَ آلِ فُلانٍ فيزيدُها في المَسْجِدِ بخيرٍ لهُ منها في الجنةِ"، فاشتريْتُها مِن صُلْبِ مالي، فأنتم اليومَ تمنعونَني أنْ أُصلِّيَ فيها ركعتينِ؟ قالوا: اللهم! نَعَم، قال أَنشدُكم الله والإِسلامَ، هل تعلمونَ أني جَهَّزتُ جيشَ العُسرةِ مِن مالي؟ قالوا: اللهم! نعم، قال: أَنشدُكم الله والإِسلامَ، هل تعلمونَ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ على ثَبيرِ مَكَّةَ ومعَهُ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ وأنا، فتحرَّكَ الجبلُ حتى تساقطَتْ حِجارَتُه بالحَضيضِ، فركضَهُ برجلِهِ وقال: "اُسْكُنْ ثَبيرُ، فإنَّما عليكَ نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدانِ؟ " قالوا: اللهمَّ! نَعَم، قال: الله أكبرُ، شَهِدُوا ورَبِّ الكَعْبةِ أَنِّي شَهيدٌ، ثلاثًا. قوله: "شهدتُ الدارَ حين أَشْرَفَ عليهم عثمانُ ﵁"، (شهدت)؛ أي: حضرت، (الدار): عبارة عن دار عثمان التي قد حاصروه فيها. (أشرف عليهم)؛ أي: اطَّلع عليهم. قوله: "أنشدُكُم الله والإسلامَ"، قال الحافظ أبو موسى: يقال: نشدتُكَ نِشْدَةً ونِشْدانًا، وناشدتك؛ أي: سألتُكَ بالله وبالإسلام، وتعدِيتُه إلى مفعولين إما لأنه بمنزلة دعوتُ، حيث قالوا: نشدتك الله وبالله، كما قالوا دعوتُه زيدًا وبزيد، أو ضَمَّنُوه معنى: ذكرتُ، و (أنشدتك بالله) خطأٌ. قوله: "مَنْ يشتري بئر رُومة يجعل دَلْوه كدِلاء المسلمين"، قيل: بئر رومة في العقيق الأصغر، وفي المدينة عقيقان؛ العقيق الأصغر: قُطِعَ عن حَرَّة المدينة، والعقيق الآخر أكبر منه وفيه بئر عُروة. قوله: (يجعل دَلْوه كدِلاء المسلمين) ليس مستند جواز الوقف على نفسه؛ لأن إلقاء الدَّلو فيها لا يفتقر إلى شرط بحكم العموم، فإذا ثبت هذا فذكره وعدم ذكره سيَّان، كما لو قال: جعلت هذا مسجدًا وأصلي فيه كما يصلي فيه المسلمون.

стр. 2972

قوله: "كان على ثَبير مكة"، (ثبير): جبل مكة. قوله: "تساقطَتْ حجارتُه بالحضيض، فَرَكَضَهُ برجله"، (الحضيض): القَرار من الأرض عند مُنْقَطَع الجبل، (فركضه برجله)؛ أي: ضرب الجبل برجله. * * * ٤٧٥٥ - عن مُرَّةَ بن كَعْبٍ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ ، وذكرَ الفتنَ فقرَّبَها، فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ في ثَوْبٍ، فقالَ: "هذا يومَئذٍ على الهُدَى"، فقمْتُ إليهِ فإذا هو عثمانُ بن عفَّانَ ﵁ قال: فأَقْبَلْتُ عليهِ بوجهِهِ فقلتُ: هذا؟ قال: "نعم"، صحيح. قوله: "فمرَّ رجلٌ مُقَنَّع في ثوب"؛ أي: مستتر في ثوب، يريد به: عثمان ﵁. قوله: "هذا يومئذ على الهُدى"، (هذا): إشارة إلى ذلك الرجل المقنَّع؛ يعني: عثمان؛ يعني: إذا ظهرت الفتنُ يكون عثمان ﵁ على الهُدى. وفيه دليل على كونه مظلومًا. * * * ٤٧٥٦ - عن عائِشَةَ ﵂: أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "يا عُثْمانُ! إنَّه لعلَّ الله يُقَمِّصُكَ قَمِيصًا، فإنْ أرادوكَ على خَلْعِه فلا تَخْلَعْه لهم". قوله: "يا عثمانُ! إنه لعلَّ الله يُقَمِّصُكَ قميصًا، فإنْ أرادوك على خَلْعه فلا تَخْلَعه لهم"، قال ابن الأعرابي: القميص: الخلافة، والقميص: غلاف القلب، والقميص: البرذون الكثير القُمَاص، ذكره في "الغريبين".

стр. 2973

يعني: قال رسولُ الله ﷺ لعثمانَ: إن الله سبحانه سيجعلك خليفة، فإن الناس إنْ قصدوا عَزْلَك عن الخلافة، فلا تعزِلْ نفسَك عنها لأجلهم، فلهذا الحديث كان عثمان ﵁ ما عَزَلَ نفسَه حين حاصروه يوم الدار. * * * ٤٧٥٨ - عن أبي سَهْلَةَ ﵁ قال: قال لي عُثْمانُ يومَ الدَّارِ: إنَّ رسولَ الله ﷺ قَد عَهِدَ إليَّ عَهْدًا، وأنا صابرٌ عليهِ. صَحَّ، والله الموفِّقُ. قوله: "قد عَهِدَ إليَّ عهدًا، وأنا صابرٌ عليه"، يحتمل أن يريد بهذا العهد: قوله ﷺ : "فإنْ أرادُوكَ على خَلْعه فلا تَخْلَعْه لهم". * * * ٧ - باب مَنَاقِبِ هؤلاءِ الثَّلاثةِ ﵃ - (بابُ مَنَاقِبِ هؤلاءِ الثَّلاثَةِ ﵃) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٥٩ - عن أنسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ ﵃، فَرَجَفَ بهم فَضَرَبَه برِجْلِه، فقالَ: "اثبُتْ أُحُد، فإنَّما عليكَ نبيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهيدانِ". قوله: "فرجَفَ بهم"؛ يعني: فتحرَّك بهم واضطرب، يقال: رَجَفَ يَرجُفُ رَجْفًا ورَجَفَانًا: إذا اضطرب. قوله: "وشهيدان"؛ يعني: عمر وعثمان ﵄. * * *

стр. 2974

٤٧٦٠ - عن أبي موسى الأَشْعَريِّ ﵁ قال: كُنْتُ معَ النَّبيِّ ﷺ في حائطٍ مِن حِيْطانِ المَدينةِ، فجاءَ رَجُلٌ فاستَفْتَحَ، فقال النبيُّ ﷺ : "افتَحْ لهُ وبشِّرْهُ بالجَنّةِ"، فَفَتَحْتُ لهُ، فإذا أبو بَكْرٍ، فَبَشَّرْتُه بما قالَ رسولُ الله ﷺ ، فحَمِدَ الله، ثُمَّ جاءَ رَجُل فاستَفْتَحَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "افتَحْ لهُ وبشِّرْهُ بالجَنَّةِ"، ففَتَحْتُ لهُ فإذا عُمَرُ، فأَخْبَرْتُه بما قالَ النَّبيُّ ﷺ ، فحَمِدَ الله، ثُمَّ استَفْتَحَ رَجُلٌ، فقال لي: "افتَحْ لهُ وبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ على بَلْوَى تُصِيبهُ"، فإذا عُثْمانُ، فأخبرتُه بما قالَ رسولُ الله ﷺ ، فحَمِدَ الله، ثُمَّ قال: الله المستعانُ. قوله: "كنت مع النبيِّ ﷺ في حائطٍ من حيطان المدينة"، (الحائط): البستان، والحيطان جمعُه. قوله: "فجاء رجلٌ فاستفتح"، (استفتح): إذا طلَبَ فتحَ الباب. قوله: "على بَلْوى تصيبه"، (البلوى): البلاء، قيل: أراد بالبلوى: ما أصابه يوم الدار من أذى المُحاصرة والقتل وغيرِ ذلك مما يكرهه. قوله: "ثم قال: الله المُسْتعان"؛ يعني: ثم قال عثمان ﵁ بعد ما حَمِدَ الله تعالى: الله المستعان، وفي ضمن قوله: (الله المستعان) شيئان: تصديقُ النبيِّ ﷺ فيما أَخْبر، والاستعانة من الله في ذلك. * * * ٨ - باب مَنَاقِبِ عَلِيِّ بن أَبي طَالِبِ ﵁ - (بابُ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بن أَبي طَالِبِ ﵁) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٦٢ - عن سعدِ بن أبي وَقَّاصٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ لعَليٍّ:

стр. 2975

"أنتَ مِنِّي بِمَنْزِلةِ هارونَ مِن مُوسَى، إلا أنَّه لا نبَيَّ بعدي". قوله ﷺ لعليٍّ: "أنتَ منِّي بمنزلة هارونَ مِنْ موسى إلا أنَّه لا نبيَّ بعدي"، قيل: إنما صدَر هذا الكلامُ من النبيِّ ﷺ يومَ غزوة تبوك، وقد خَلَّف عليًا ﵁ على أهل بيته، وأَمَره أن يُقيمَ في المدينة، ويراعي أحوالَهم يومًا فيومًا، ثم قال المنافقون: ما تركَه إلا لكونه مُسْتَثْقَلًا عنده، فخفَّف عنه ثِقْلَه. فلما سمع عليٌّ ﵁ ذلك، تأذَّى من هذا الكلام، وقصد إلى ذلك الغزو، فأتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! زعم أهلُ النفاق أنك ما خلَّفتني إلا لكوني ثقيلًا عليك، فخفَّفْت ثِقْلي عن نفسك، فقال ﷺ : كَذَبُوا ما خَلَّفتك إلا لكرامتك عليَّ، ولأنك مني، فارجع إلى أهلي، واخلُفني فيهم بما أَمَرْتُك، أمَا ترضى بأن تكون مِنِّي بمنزلة هارون من موسى. فالذي يستدلُّ بهذا الحديث على أنَّ الخلافة بعد رسول الله ﷺ كانت لعليٍّ ﵁ فاستدلالُه بذلك غيرُ صواب؛ لأن الخلافة الجزئية في حياته لا تدل على الخلافة الكلِّية بعد وفاته ﷺ ، بل إنما يُستدل على قربه واختصاصه بما لا يُباشر إلا بنفسه ﷺ ، وإنَّما اخْتُصَّ بذلك؛ لأنه يكون بينه وبين رسولِ الله ﷺ طرفان: القرابة والصُّحبة، فلهذا اختاره بذلك دون غيرِه، والله أعلم. قال الخطابي: ضَرَبَ رسولُ الله ﷺ المَثَلَ باستخلاف موسى هارونَ ﵈ على بني إسرائيل، حين خرج إلى الطُّور، ولم يُرِدْ به الخلافة بعد الموت، فإن المَضْروبَ به المثل - وهو هارون - كان موتُه قبلَ وفاة موسى، وإنما كان خليفةً في حياته في وقتٍ خاصٍّ، فليكُن كذلك فيمن ضُرِبَ له المَثَلُ به. * * *

стр. 2976

٤٧٦٣ - وقال عليٌّ ﵁: والذي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، إنَّه لَعَهْدُ النَّبيِّ الأُمِّيِّ ﷺ إليَّ: أنْ لا يُحِبني إلا مُؤْمِنٌ، ولا يُبْغِضَنِي إلا مُنافِقٌ. قوله: "والذي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرأَ النَّسمَة إنَّه لعهدُ النبيِّ" الواو في (والذي) للقسَم، و (إنه) جواب القسم، (فلق): إذا شَقَّ، (برأ): إذا خَلَق، (النسمة): الإنسان. * * * ٤٧٦٤ - عن سَهْلِ بن سَعْدِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ يومَ خَيْبَرَ: "لأَعطِيَنَّ هذهِ الرَّايةَ غدًا رَجُلًا يَفتحُ الله على يَدَيهِ، يُحِبُّ الله ورسولَهُ، ويحبُّهُ الله ورسولُه"، فلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا على رسولِ الله ﷺ ، كلُّهم يَرْجُونَ أنْ يُعطَاها، فقالَ: "أينَ عليُّ بن أبي طالب؟ "، فقالوا: هوَ يا رسولَ الله! يشتكي عَيْنَيهِ، قالَ: "فاَرْسِلوا إليهِ"، فأُتيَ بهِ، فبصقَ رسولُ الله ﷺ في عَيْنَيهِ، فبَرَأَ حتى كأنْ لم يكنْ بهِ وَجَعٌ، فأعطاهُ الرايةَ، فقال عليٌّ: يا رسولَ الله! أُقاتِلُهم حتى يكونُوا مثلَنا؟ فقالَ: "انفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزِلَ بساحتِهم، ثم ادعُهم إلى الإِسلامِ، وأخبرْهم بما يَجِبُ عليهم من حَقِّ الله فِيهِ، فوالله لأَنْ يهديَ الله بكَ رَجُلًا واحِدًا خيرٌ لكَ مِن أنْ تكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ". قوله: "فَبصَقَ رسولُ الله ﷺ في عينيه، فَبَرَأ"؛ يعني: ألقى رسولُ الله ﷺ بُزَاقَه في عَينَي عليٍّ ﵁، فزال الوجَعُ عنهما في الحال. قوله: "أقاتِلُهم حتَّى يكونوا مِثْلَنا"؛ يعني: أُحاربهم حتى يُسْلِموا، قالَ رسول الله ﷺ : "انفُذْ على رِسْلِك، حتى تنزلَ بِسَاحَتِهم"؛ يعني: امْضِ على رِفْقِكَ ولِينك، و (الرَّسْل): السير اللَّين، (الساحة): الأرض، (بساحتهم)؛ أي: بأرضهم. * * *

стр. 2977

٤٧٦٧ - عن زيدِ بن أَرْقَمَ، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَن كنتُ مَوْلاهُ فعليٌّ مَوْلاهُ". قوله: "مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه"، قال الحافظ أبو موسى: أي: مَنْ كنت أتولاه فعليٌّ يتولَّاه؛ يعني: مَنْ كنت أُحِبُّه فعليٌّ ﵁ يحبُّه، وقيل: من كان يتولاني فعليٌّ يتولاه. وقيل: سبب ذلك: أن أسامةَ بن زيد قال لعليٍّ ﵁: لستَ مولاي، إنما مولايَ رسولُ الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه". وروي عن الشافعي ﵁ أنه قال: أراد بذلك وَلاءَ الإسلام، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]؛ أي: وليُّهم وناصِرُهم، فعلى القولِ الأخير معناه: أنَّ ولاء الإسلام يشتمل على الذي يشتمل كل مسلم من مُراعاة حرمة الإسلام في صَون النفس والمال والسلامة في الآخرة. وقيل: قد ثبت أنَّ رسولَ الله ﷺ وَلِي الإجابة، إذا دعا أن يُجاب، وقد كان علي ﵁ وليَّ الدعوة بما بعثه رسولُ الله ﷺ مع أبي بكر حين جعله أميرَ الحجِّ بالناس، فبعث عليًا ليقرأ على الناس سورةَ براءة، وأن يبلِّغَهم حكمَ الله ورسولِه، فقال أبو بكرِ لرسول الله ﷺ : لِمَ تبعثُ عليًا؟ فقال: "لا يُبلِّغ عني إلا رجلٌ مني"، فحينئذ علي ولي الدعوة إلى الحق، فيجوز له أن يدعو الناس إلى الله سبحانه نيابة عنه ﷺ ، ويجوز لجميع الأمة أن يجيبوا دعوتَه اتِّباعًا لرسول الله ﷺ ، فإذا عرفتَ ذلك فاعرف أنَّ مَنْ وافقه وافقَ الرسولَ ﷺ ، ومن خالفه فقد خالفَه ﷺ . وفي الحديث الذي بعده دليلٌ على فضيلة عظيمةٍ لعليٍّ ﵁. * * * ٤٧٧٣ - عن جابرٍ ﵁ قال: دَعَا رسولُ الله ﷺ عَلِيًا يَوْمَ الطَّائِف فانتَجَاهُ، فقالَ النَّاسُ: لقد طالَ نَجْوَاهُ مع ابن عَمِّه، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما انتَجَيْتُهُ،

стр. 2978

ولكنَّ الله انتجَاهُ". قوله: "ما انْتُجَيتُه ولكنَّ الله انتْجَاهُ"، يقال: انتجيته: إذا خَصَصْته لمناجاتك؛ يعني: بلَّغته عن الله تعالى ما أمرني أن أبلِّغه عن الله على سبيل النَّجْوى، فحينئذ انْتَجاهُ الله سبحانه لا انتجيتُه. * * * ٤٧٧٤ - عن أبي سعيدٍ ﵁ قال: قالَ رَسولَ الله ﷺ لِعَلِيٍّ: "يا عليُّ! لا يَحِلُّ لأَحَدٍ يُجْنِبُ في هذا المَسْجدِ غيري وغيرُك" قال ضرَارُ بن صُرَدٍ: معناهُ: لا يَحِلُّ لأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُه جُنُبًا غيري وغيرُك. هذا حديثٌ غريبٌ. قوله: "لا يَحِلُّ لأحدٍ يستطْرِقُه جُنُبًا غيري وغيرُك"؛ لأنه كان ممرَّ أبوابهما في المسجد، بخلاف غيرهما، فإنه لم يكن له مَمَرَّ دارِه في المسجد. اعلم أن فضائلَ عليٍّ ﵁ أكثرُ مِنْ أنْ تُحصى، وهذه الأحاديث شاهدة بها، لكن هذه الأحاديث لا تقاوم ما أوجب تقديمَ أبي بكر ﵁؛ لأن تقديمه إنما ثبت بالإجماع، والإجماع حكمُه حكمُ آية نزلت في زمان الوحي، وهذه الأحاديث أحاديث آحاد، فكيف تقاوم الإجماع؟ * * * ٩ - باب مَنَاقِبِ العَشرَةِ ﵃ - (بابُ مَنَاقِبِ العَشرَةِ) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٧٦ - قال عُمَرُ ﵁: ما أَحَدٌ أَحَقُّ بهذا الأَمْرِ مِن هؤلاءِ النَّفَرِ الذينَ

стр. 2979

تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ وهوَ عَنْهم راضٍ، فَسَمَّى: عليًا وعُثْمانَ والزُّبَيْرَ وطَلْحَةَ وسَعْدًا وعَبْدَ الرَّحمنِ. قوله: "ما أحدٌ أحقُّ بهذا الأمرِ من هؤلاء النَّفَرِ الذين تُوفِّي رسولُ الله وهو عنهم راضٍ"، (النفر) - بالتحريك - عدَّةُ رجال من ثلاثة إلى عشرة، يريد بهذا الأمر: الخلافة؛ يعني: قال عمر ﵁ عند وفاته: الخلافة بعدي بين هؤلاء الستة المذكورة في الحديث، فإنَّ رسولَ الله ﷺ كان راضيًا عنهم عند وفاته ﷺ . وهم أفضلُ الناس في هذا الزمان، فإذا دفن عمر ﵁ أجمعوا على خلافة عثمان ﵁. إن قيل: توفِّي رسولُ الله ﷺ وهو راضٍ عن جميع الصحابة، فَلِمَ خَصَّ عمرُ هؤلاءِ الستةَ بالرضا؟. قيل: لم يُرِدِ الرِّضوانَ الشاملَ لهم، بل رضوانًا يخُصُّهم، ويستحقون بذلك أن يكونوا خلفاء، فهذا معنى الرضا. * * * ٤٧٧٨ - عن جابرٍ ﵁ قال: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَن يأتيني بخَبَرِ القَوْمِ؟ " - يومَ الأَحْزابِ -، قالَ الزُّبيرُ: أنا، فقالَ النبيُّ ﷺ : "إنَّ لكُلِّ نبَيٍّ حَوَارِيًّا وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ". قوله: "لكل نبيٍّ حواريّ، وحواريّ الزبير"، قال في "شرح السنة": المراد منه الناصر، والحوارِيون من أصحاب عيسى ﵇ كانوا أنصارًا له، وسُمُّوا الحواريين؛ لأنهم كانوا يغسِلون الثياب فيُحوِّرُونها؛ أي: يُبيضُونها. * * *

стр. 2980

٤٧٨٠ - عن عليٍّ ﵁ قال: ما سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ جَمَعَ أَبَوَيهِ لأَحَدٍ إلا لسَعْدِ بن مالكٍ، فإنِّي سَمِعْتُه يقولُ يومَ أُحُدٍ: "يا سَعْدُ! ارْمِ فِدَاكَ أبي وأمي". قوله: "إلا لسعد بن مالك"؛ يعني: سعد بن أبي وقَّاص. ٤٧٨٢ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: سَهِرَ رسولُ الله ﷺ مَقْدَمَهُ المَدينةَ ليلةً فقال: "لَيْتَ رَجُلًا صالِحًا يَحْرُسُني"، إذ سَمِعْنَا صوْتَ سِلاحٍ، فقالَ: "مَن هذا؟ " قال: سَعْدٌ، قال: "ما جاءَ بكَ؟ " قال: وَقَعَ في نَفْسِي خَوْفٌ على رسولِ الله ﷺ فَجئْتُ أَحرُسُه، فَدَعَا لهُ رسولُ الله ﷺ ، ثُمَّ نامَ. قوله: "وقع في قلبي خوفٌ على رسولِ الله ﷺ فَجِئْتُ أَحْرُسُه" دليلٌ على التوافق بين رسولِ الله ﷺ وبين الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأنه لمَّا جرى في خاطره ﷺ طَلَبُ الحراسةِ، تحرَّك ضميرُ سعدٍ للقيام بها، فقام بها. * * * ٤٧٨٥ - عن أبي هُريرَةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ على حِراءَ هو وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ وعثمانُ وعليٌّ وطَلْحَةُ والزُّبيرُ، فتحرَّكَتْ الصَّخْرَةُ، فقالَ رسولَ الله ﷺ "اِهْدَأْ، فما عَلَيْكَ إلا نبَيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهيدٌ"، وزادَ بعضُهم: "وَسَعْدُ بن أبي وقَّاصٍ"، ولم يَذْكُرْ عَلِيًّا. قوله: "اهدأ، فما عليكَ إلا نبيٌّ أو صدِّيقٌ أو شهيد"، (اهدأ)؛ أي: اسْكُن. * * * ٤٧٨٨ - عن الزُّبَيْرِ ﵁ قال: كانَ على النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعانِ فنَهَضَ إلى الصَّخْرةِ، فلم يَسْتَطِعْ، فَقَعَدَ طَلْحَةُ تَحْتَه حتَّى استَوَى على الصَّخْرةِ،
следующие страницы →