صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من النسخة الخطية لمكتبة دار الكتب المصرية، والمرموز لها بـ "ق"
стр. 37
صورة اللوحة الأولى من الجزء الثاني من النسخة الخطية لمكتبة دار الكتب المصرية، والمرموز لها بـ "ق"
стр. 38
صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من النسخة الخطية لمكتبة دار الكتب المصرية لها بـ "ق"
стр. 39
صورة غلاف النسخة الخطية لمكتبة شستربتي بإيرلندا، والمرموز لها بـ "ش"
стр. 40
صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية لمكتبة شستربتي بإيرلندا، والمرموز لها بـ "ش"
стр. 41
صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية لمكتبة شستربتي بإيرلندا، والمرموز لها بـ "ش"
стр. 42
صورة غلاف النسخة الخطية للمكتبة التيمورية، والمرموز لها بـ "ت"
стр. 43
صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية للمكتبة التيمورية، والمرموز لها بـ "ت"
стр. 44
صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية للمكتبة التيمورية، والمرموز لها بـ "ت"
стр. 45
صورة غلاف النسخة الخطية مجهولة المصدر، والمرموز لها بـ "م"
стр. 46
صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية مجهولة المصدر، والمرموز لها بـ "م"
стр. 47
صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية مجهولة المصدر، والمرموز لها بـ "م"
стр. 48
المفاتيح في شرح المصابيح
تأليف
العلامة مظهر الدين الزيداني الحسين بن محمود بن الحسن الزيداني المظهري الكوفي
المتوفى سنة ٧٢٧ هـ - رحمه الله تعالى -
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الأول]
стр. 49
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحمدُ الله مِلْءَ السماوات ومِلْءَ الأرض ومِلْءَ ما يشاء بعد هذه الأشياء، وأشكر له شكرًا يكون جميعُ المخلوقات حتَّى الهباء بالنسبة إليه كذرَّةٍ بالنسبة إلى كلِّ أجزاء الأرض والسماء، ثم ألتجِئُ من الاستحباءِ إلى حصن: لا أُحصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيت على نفسك، يا مَنْ آلاؤه عليَّ بلا إحصاء، وأكمل الصَّلاة وأدومها على رسوله محمد قدوة الأنبياء، ومتمَّم مكارم الأخلاق، ومُسدَّد الملة العوجاء، والتحية والرضوان على آله وأصحابه، وأزواجه وأولاده، ومَنِ اقتدى به إلى يوم الفصل والقضاء.
أمّا بعد:
فقد ألحَّ عليَّ زمرةُ خِلاني وثلة خُلَصائي أن أشرح لهم كتاب "المصابيح" تصنيف الإمامِ الهمامِ وليَّ الإنعام على أهل الإسلام، ركن الشريعة، مُحيي السنة، أبي محمد، الحسين بن مسعود الفرَّاء، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين الخير وأرضاه، وجعل الجنة مأواه، وطلبوا أن لا يكون مطولاً مُمِلًّا، ولا مختصرًا مُخِلًا، فأجبتهم إلى ذلك، وأوردتُ في أول الكتاب مقدمةً في اصطلاحات أصحابِ الحديث، وأنواع علوم الحديث، وأوردتُ فيه كلَّ راوٍ لم يكن مذكورًا في متن "المصابيح"، وتركتُ ذكر من هو مذكورٌ فيه، وسمَّيته بكتاب:
стр. 50
المَفَاتِيحُ فِي شَرْحِ المَصَابِيْحِ
وأستوهبُ من ربي الكريم الوهاب أن يسدِّدَ لساني، ويهديني إلى سبيل الصواب، فإنَّه إن أعانني ربي يتيسَّرُ لي كلُّ مستصعبٍ عسير، وإلا فلا أقدرُ على ما يقدر عليه من الكلام طفلٌ صغير، ولا يأتي مني قليل ولا كثير، ولا نَقيرٌ ولا قِطْميرٌ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي الكبير، ولا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوةَ على طاعته إلا بإعانته.
أما المقدمة في معرفة أنواع علم الحديث: فأنواع علم الحديث عشرون نوعًا:
النوع الأول: اشتراط الإسناد، وهو شيءٌ عظيمُ القدرِ عند أصحاب الحديث، والإسناد من الدين.
قال عبد الله بن المبارك: لولا الإسنادُ لقال من شاءَ ما شاءَ.
ودخل الزهريُّ على إسحاق بن أبي فروة يومًا، فجعل إسحاق يقول: قال رسول الله ﵇ كذا، قال رسول الله ﵇ كذا، فقال الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروةَ ما أجرأك على الله! ألا تسند حديثك؟! تحدثنا بأحاديث ليس لها خُطمٌ ولا أزمَّةٌ.
يعني: كل حديث ليس له إسناد كجملٍ ليس له زمامٌ وليس له مالك مُعيَّنٌ ضالٍ في البادية، وقد جاء الحديثُ بالنهي عن أخذ الجمل الضالِّ في البادية، فكذلك الحديث إذا لم يكن مرويًا عن رسول الله ﵇ بإسناد صحيح، أو لم يكن مكتوبًا في كتاب صنفه إمامٌ معتبر لم يجز قَبولُ ذلك الحديث، لأن النبي ﵇ قال: "اتقوا الحديثَ منِّي إلا ما علمتُم، فمَنْ كذبَ عليَّ متعمِّدًا، فليتبَّوأْ مقعدَهُ من النارِ".
стр. 51
فقد قيَّد ﵇ رواية الحديث عنه بالعلم، وكلُّ حديث ليس له إسنادٌ، ولا هو منقولٌ في كتاب مصنفه معتبر، لا تُعلَم روايةُ ذلك الحديث عن رسول الله ﵇، وإذا لم تُعلَم روايتُهُ عن رسول الله ﵇، فلا يجوز قَبولُهُ.
وإذا ثبت اشتراطُ الإسناد فمعلومٌ أن كل حديث إسناده أعلى، فهو أقوى، وبالقَبولِ أحرى، وعلُّو الإسناد يكون بقلة العدد، فكلُّ حديثٍ بين راويه وبين رسول الله أقلُّ عددًا، فهو أعلى من حديثٍ بين روايه وبين الرسول أكثرُ عددًا.
وقد يكون بشهرة الراوي بعلم الحديث، وكلُّ حديث يُروى عن رجل مشهور بعلم الحديث، فهو أقوى من حديث يُروى عن رجل غير مشهور بعلم الحديث، وإن كان الرجلُ الذي ليس مشهورًا بعلم الحديث أقربَ إلى رسول الله ﷺ من الرجل الذي هو مشهورٌ بعلم الحديث.
وكذلك الحديثُ الذي يرويه رجلٌ عالمٌ بعلم الحديث أو غيره أعلى من الحديث الذي يرويه رجل ليس بعالم؛ زاهدًا كان، أو غيرَ زاهد.
فقد قال وكيعٌ لتلامذته: أيُّ الإسنادين أحبُّ إليكم: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقال: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله، فقال: يا سبحان الله! الأعمشُ شيخٌ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه، وحديثٌ يتداوله الفقهاء خيرٌ من أن يتداوله الشيوخ.
وكذلك كلُّ حديث يرويه اثنان أعلى من حديث يرويه واحد، وما يرويه ثلاثة أعلى مما يرويه اثنان.
وكذلك كلُّ حديث يرويه من عُرِف بقوة الحفظ والمواظبة على تتبع الحديث وقراءته وكتبته ومطالعته، أعلى من حديث يرويه من لم يكن بهذه الصفة؛ لأن النسيانَ والغلطَ على من لا يواظب على تتبُّع الحديث أكثرُ احتمالًا
стр. 52
ممن يواظب على تتبُّعِ الحديث.
وكان أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ إذا نسي شيئًا ممَّا سمعه من رسول الله ﷺ ، ثم سمعه من رجل يحلَّفُ الرجلَ الذي سمع منه ما سمعه من رسول الله ﷺ ، ثم نسيه، وإنما فعل هذا للاحتياط في صحة الأحاديث.
وكلُّ ذلك تصريحٌ منهم بأنه لا يجوز إلا قَبولُ ما صحَّ من الحديث، بل لا ينبغي لمن له ديانة أن يقول قولًا أَو يفعل فعلًا ليس له عليه حجةٌ.
وينبغي أن يبحث الرجلُ عن حال من يروي عنه أنه صاحبُ عقيدة مرضية في الشرع، وصاحب تقوى وصدق وديانة، فإن كان كذلك يروي عنه، وإلا فلا.
وكذلك يبحث عن سِنِّه هل يحتمل سنه روايةَ من يروي عنه، وسماع الحديث منه؟ فإن لم يحتمل، فلا يروي.
النوع الثاني: الحديث الموقوف وهو: ما يكون إسناده متصلًا إلى الصحابي، فلمَّا وصل إلى الصحابي لا يقول الراوي من الصحابي: إنه قال الصحابي: قال رسول الله ﷺ كذا، وسمعت من رسول الله ﷺ كذا، بل يقول الراوي: إن فلانًا الصحابي يقول كذا، أو يفعل كذا، أو يأمر بكذا، وما أشبه ذلك.
ومن الموقوف ما يقول الصحابي: كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون كذا، ويقولون كذا، ويأمرون بكذا.
النوع الثالث: الحديث المرسل، وهو: ما يكون إسناده متصلًا إلى التابعي، فلما وصل إلى التابعي يقول التابعي: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل رسول الله ﷺ كذا.
واختلف في أن الحديث المرسل هل هو محتج به أم لا؟
وأقوى المراسيلِ مراسيلُ سعيد بن المسيب؛ لأنه كان فقيهًا صاحب فتوى، وأبوه صحابي من أصحاب الشجرة، وقد أدرك سعيدٌ عمر، وعثمان،
стр. 53
وعليًا، وطلحة، والزبير ... إلى آخر العشرة.
وقريبٌ من مراسيل سعيد مراسيل عطاء بن رباح، وسعيد بن هلال، ومكحول الدمشقي، وحسن بن أبي الحسن البصري، وإبراهيم النخعي.
ولم تكن المراسيلُ حجةً عند الشَّافعي إلَّا مراسيل سعيد بن المسيب ﵀.
النوع الرابع: المنقطع، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يروي أحدٌ عن شيخ لم يسمع منه، وهذا قبلَ أن يصل الإسناد إلى التابعي.
والثاني: أن يكون من الرواة رجلٌ مجهولٌ، مثل أن يقول أحد: حدثني رجل، عن فلان.
والثالث: أن يكون أحد الرواة مجهولًا من طريق، ومعروفًا من طريق آخر، مثاله: قال سفيان الثوري: حدثنا داود بن أبي هند قال: حدثنا شيخ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناسِ زمنٌ يُخيَّرُ الرجلُ بين العجز والفجور، فمن أدركَ ذلك الزمانَ فليختر العجزَ على الفجور"، فمن هذا الطريق هذا الحديث منقطع؛ لأن الشيخ الذي يروي داود بن أبي هند عنه هذا الحديث مجهول.
وقال علي بن أبي عاصم عن داود بن أبي هند: نزلتُ جديلةَ قيس - وهي اسم قبيلة - فسمعت شيخًا أعمى يقال له: أبو عمرو، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "ليأتينَّ على الناسِ زمانٌ يخيَّرُ الرجلُ بين العجز والفجور، فمن أدرك ذلك الزمانَ فليختر العجزَ على الفجور".
فهذا النوعُ ليس بمنقطع على الحقيقة؛ لأنه قد عُرِف في هذا الطريق الشيخُ الذي كان مجهولًا في الطريق الأول، ومن وصلَ إليه الطريق الأول دون الثاني، فالحديثُ يكون منقطعًا عنده.
стр. 54
النوع الخامس: المعضل، وهو: الحديث الذي يرويه أحدٌ من التابعين عن رسول الله ﷺ ، أو عن الصحابي المشهور.
وربما يكون الحديث معضلًا ومسندًا، بأن يرويَ الراوي الذي هو من أتباع التابعين عن رسول الله ﷺ في وقت حديثًا، وهو يروي ذلك الحديث عن تابعي، ويروي التابعي ذلك الحديث عن صحابي، ويرويه الصحابي عن رسول الله ﵇، وربما يروي حديثًا أحدٌ من أتباع التابعين عن رسول الله ﷺ ، فيكون معضلًا، ويروي ذلك الحديث رجلٌ آخر، ويكون إسناده متصلًا إلى رسول الله ﷺ ، فإذا ظهر اتصال إسناد الحديث المعضل إلى رسول الله ﷺ من ذلك الراوي ومن راوٍ آخر، خرج ذلك الحديث عن كونه معضلًا، بل يكون متصلًا، فإذا قال أحد من أتباع التابعين: إن فلانًا التابعي يفعل كذا، أو يقول كذا، أو يأمر بكذا، يكون ذلك الفعل أو القول أو الأمر موقوفًا على ذلك الرجل الذي هو من أتباع التابعين.
النوع السادس: المدرج، وهو: الحديثُ وقعَ فيه لفظٌ من كلام الصحابي أو التابعي، يظنه السامعُ أنه من جملة الحديث.
وإنما يُعرَف تمييزُ كلام الصحابي أو التابعي من كلام النبي بأن يرويَ ذلك الحديث رجلٌ آخرُ عن ذلك الراوي، ويقول: قال لي فلان الذي أروي عنه الحديث: إن هذا الحديث من كلامي.
فأما إذا روى أحدٌ حديثًا، وروى آخرُ ذلك الحديث، ووُجِدَ لفظٌ في حديث أحدهما، ولم يوجد ذلك اللفظ في حديث آخر، فذلك اللفظ لا يُعرَف يقينًا: أنه مدرجٌ؛ لإمكان سقوط ذلك اللفظ من حفظ الراوي الذي ليس في حديثه ذلك اللفظ، وقد وقع اختلافٌ بين الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ في ألفاظٍ، فلا يقال: هذا مدرج، إلا بدليل واضح.
стр. 55
النوع السابع: الغريب.
والثامن: العزيز.
والتاسع: المشهور.
وأما الغريب: فهو الحديث الذي يكون إسناده أيضًا متصلًا إلى رسول الله ﷺ ، ولكن يرويه راوٍ واحد؛ إما من التابعين، أو من أتباع التابعين، أو من أتباع أتباع التابعين.
أما العزيز: فهو الحديث الذي يكون إسناده أيضًا متصلًا إلى رسول الله ﷺ ، ولكن يرويه راويان، أو ثلاث.
والمشهور: كلُّ حديث يرويه جماعةٌ أكثرُ من ثلاثة.
والمستفيضُ بمعنى المشهور.
فمن المشهور نحو قوله: "طلبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلم"
وقوله ﵇: "نضَّر الله امرأ سمعَ مقالتي فوعاها".
ومنه: "الخوارجُ كلابُ النار".
ومنه: "لا نكاحَ إلا بوليٍّ".
ومنه: "إذا انتصفَ شعبانُ فلا صيامَ حتَّى رمضان".
ومنه: "أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ".
ومنه: "من سُئِلَ عن علمٍ علمه، فكتمه، أُلجِم بلجامٍ من النَّار".
ومنه: "من مسَّ ذكره، فليتوضأ".
ومنه: "من كان له إمام، فقراءةُ الإمام كقراءته".
ومنه: "الأذنانِ من الرأسِ".
стр. 56
ومنه: "صلاةُ القاعدِ على النصف من صلاة القائم".
وقوله ﵇: "إنمَّا الأعمالُ بالنياتِ، ولكلِّ امرئ ما نوى".
وقوله ﵇: "إنَّ الله لا يقبضُ العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس".
وقوله: "من أتى الجمعةَ فليغتسلْ".
وقوله: "إن خلقَ أحدِكُم يُجمَعُ في بطن أمَّه أربعين يومًا".
وقوله ﵇: "أُمِرتُ أن أسجد على سبعةِ أعضاء".
وقوله: "كلُّ معروفٍ صدقة".
وقوله: "إنمَّا جُعِلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ به".
وقوله: "تقتلُ عمَّارَ الفئةُ الباغية".
وقوله: كان رسول الله ﵇ يرفعُ اليدين في الصَّلاة عند الركوع، ورفع الرأسِ.
و: أمره بإفراد الإقامة.
وقوله ﵇: "المسلمُ من سَلِمَ المسلمون من لسانِهِ ويدِهِ".
وقوله: "لا تَقَاطعوا، ولا تَدَابروا".
والطِّوالات من الأحاديث مثل: حديث الإيمان، وحديث الزكاة، وحديث الحج، وحديث الإفك، وحديث التوبة، وحديث المعراج، وحديث الشفاعة، وحديث القبر، وحديث أُمِّ زَرْع.
النوع العاشر: السقيم والمريض، وهو: الحديث الذي طَعَنَ في صحته ثقةٌ أو أكثر، وهو ثلاثة أنواع: موضوع، ومقلوب، ومجهول.
فالموضوعُ: ما صحَّ عند أهل الحديث: أنه ليس بحديثٍ منقولٍ عن رسول الله ﵇، بل موضوعٌ وضعه أحدٌ.
стр. 57
والمقلوبُ: ما قلبه القلَاّبون؛ متنًا وإسنادًا، ومعنى المتن: اللفظ.
والمجهولُ: ما يكون مداره على مَن لا يُعرَف في رجال الحديث أصلًا.
أما المنكَرُ فالمراد به المقلوب والمجهول.
النوع الحادي عشر: المرفوع، وهو: الحديث المنقول عن رسول الله ﵇، وهو خلافُ الموقوف؛ فإن الموقوف منقول من الصحابي، كما تقدم ذكره.
النوع الثاني عشر: الضعيف، وهو: الحديثُ الذي فيه ضعف، وضعفُهُ يكون تارةً لضعفِ بعضِ الرواة من المردودين؛ من عدمِ العدالة، والروايةِ عمن لم يره، أو سوءِ الحفظ، أو تهمةٍ في العقيدة، أو عدمِ المعرفة بما يُحِّدث به، والإسناد إلى من لا يُعرَف.
وتارةً بعلل أُخَرَ مثل: الإرسال والانقطاع والتدليس.
والتدليس: أن يقول المحدث: قال فلان: سمعت من فلان، أو: أدرك فلان فلانًا، أو رأى فلان فلانًا؛ ليظن السامع أن المحدث سمع من فلان.
مثاله: قال أبو عوانة: حدثني الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر: أنَّ النبي ﵇ قال: "فلانٌ في النار".
قال أبو عوانة: قلت للأعمش: سمعت هذا من إبراهيم؟ فقال: لا، حدثني أبو حكيم بن جبير عنه. فظن أبو عوانة أن الأعمش يروي هذا الحديث عن إبراهيم التيمي، فلما سأله قال: لا أروي عن إبراهيم، بل عن حكيم بن جبير عن إبراهيم، وهذا تدليسٌ من الأعمش؛ ليظن أبو عوانة أنه سمع الحديث عن إبراهيم التيمي، هكذا أورده الحاكم النيسابوري في كتابه.
ومن جملة تلك الوجوه أيضًا: الاضطرابُ في الإسناد، وهو: أن يرويَ الحديث عن شيخ، ثم يرويه تارة أخرى عمن دونه أو فوقه، أو يرفع الحديث تارة ويوقفه أخرى.
стр. 58
والتعَّويلُ بمعنى: التدليس، يقال: هذا الحديث مُعَوَّل؛ أي: مدلَّس فيه.
النوع الثالث عشر: قال الشافعي: ليس الشاذُّ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ، إنما الشاذُّ أن يرويَ الثقة حديثًا يخالفُ فيه الناسَ، هذا هو الشاذُّ من الحديث.
مثاله: عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: رأيت رسول الله ﷺ في صلاة الظهر يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
هذا الحديثُ شاذٌّ؛ لأنه روى هذا الحديث جماعةٌ كثيرة لم يذكروا فيه صلاة الظهر.
النوع الرابع عشر: المسنَد، وهو: الحديث الذي إسناده متصلٌ إلى رسول الله ﷺ ، وهو جنس يدخل فيه الغريب والعزيز والمشهور، وغير ذلك مما كان إسناده متصلًا إلى رسول الله ﷺ .
والمتصلُ مثلُ المسند.
والحديث المُعنعَنُ بمعنى: المسند، وقيل: المعنعن ما يكون بلفظ "عن" من المحدث إلى رسول الله ﵇، مثل أن يقول المحدث: حدثني فلان، عن فلان، عن فلان ... إلى رسول الله ﵇.
النوع الخامس عشر: المسلسل، وهو: الحديث الذي يكون من المحدث إلى رسول الله ﵇ متصلًا عن نسق واحد، مثل أن يقول المحدث: أخبرني فلان، قال: أخبرني فلان، كل شيخ يقول: أخبرني إلى الصحابي، أو يكون جميعها بلفظ: حدثني إلى الصحابي، أو يكون بلفظ: سمعت.
فإن فعلَ رسولُ الله ﵇ في وقتِ تحدُّثِهِ بالحديث فعلًا، ينبغي
стр. 59
أن يفعل الصحابي ذلك الفعل إذا تحدَّثَ بذلك الحديث، وكذلك يفعل كلُّ شيخ ذلك الفعل، إلى آخر راوٍ لذلك الحديث.
مثاله: قال الحاكم: حدثني الزبير، عن عبد الواحد، قال: حدثني أبو الحسن يوسف بن عبد الأحد القِمَنِيُّ الشافعي بمصر، قال: حدثني سُليم بن شعيب الكسائي، قال: حدثني سعيدٌ الإمام، قال: حدثني شهاب بن خراش الحوشبي قال: سمعت يزيد الرقاشي يحدث عن أنسِ بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﵇: "لا يجدُ حلاوةَ الإيمانِ حتى يؤمنَ بالقدر خيرِهِ وشرِّه، وحلوِهِ ومرِّهِ".
قال: وقبض رسول الله ﵇ على لحيته، فقال: "آمنتُ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ، وحلوِهِ ومرِّهِ".
قال: وقبض أنس على لحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره.
وأخذ يزيد بلحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره.
وأخذ شهاب بلحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره.
قال: وأخذ سعيد بلحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره شره، وحلوه ومره.
قال: وأخذ سليمان بلحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره.
قال: وأخذ يوسف بلحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره.
وأخذ شيخنا الزبير بلحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره.
ومن هذا ذكرُ أنواعِ مصطلحات أصحاب الحديث المتداولة بينهم، ومن اصطلاحات المتأخرين بالأحاديث: الصِّحاح والحِسَان؛ يعنون بالصحاح: ما أخرجه الشيخان إماما أهلِ هذه الصنعة؛ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجُعْفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجَّاج القُشيري في كتابيهما، أو
стр. 60
أحدهما، وشرطهما: أن يرويا الحديث عن الصحابي المشهور بشرط أن يكون لذلك الحديث راويان من التابعين، وعلى هذا لا يجوز أن ينقص عن الراويين إلى أن يصل إلى المحدثين، كلهم ينبغي أن يكونوا ثقاتًا مشهورين.
ويعنون بالحسان: ما أخرجه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (١) السمرقندي، وأبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني ﵏.
وأحاديثُ الحسان كلها منقولةٌ عن الرواة العدول إلا أنه ما رُوِعي فيها الشرطُ المرعي في الصحاح، بل جَوَز أصحاب الحسان بأن يكون للصحابي راوٍ واحد من التابعين، وللتابعي كذلك راوٍ واحد، فكذلك إلى آخرهم.
وهذه المصنفاتُ السبعة - أعني: الصحاح، والحسان - معتبرةٌ مشهورة، إلا أن الصحاح أشد اعتبارًا واعتمادًا عليها، ولا يجوز لقائل أن يقول: كل حديث وجدناه في هذه الكتب السبعة قبلناه، وما لم نجد فيها لم نقبله؛ لأن الأحاديث الصحاح المعتبرة غير منحصرة في هذه الكتب السبعة، قد صُنِّفت كتبٌ كثيرة معتبرة معتمدٌ عليها غير هذه السبعة، وطريق قبَولِ الحديث: أن ينظر إلى ناقله، فإن كان ناقله معتبرًا وإسناده متصلًا إلى رسول الله ﵇، فهو مقبول.
النوع السادس عشر: المختصر، وهو: الحديثُ الذي رُوِي بعضه، وتُرِك بعضه.
النوع السابع عشر: المقتصي، ومثله المتقصي، ومثله المستقصي، وهو: الحديث الذي رُوِي جميعه من غير أن يُترَكَ منه شيءٌ.
стр. 61
النوع الثامن عشر والتاسع عشر: الناسخ والمنسوخ، وهما الحديثان المتناقضان؛ أحدهما متأخِّرٌ عن الآخر، فالمتأخر ناسخ، والمتقدم منسوخ، والنسخُ: إبطال الحكم المتقدم.
النوع العشرون: في اصطلاحاتهم في الإجازة، وهو أنواع:
أحدها: أن يسمع من لفظ المحدث يحدثه، وليس مع المستمع أحدٌ فيقول المستمع: حدثني فلان، فإن كان مع المستمع أحد يقول: حدثنا فلان.
الثاني: أن يقرأ على المحدث بنفسه فيقول: أخبرني فلان، وإن قُرِئ عليه وهو حاضر فيقول: أخبرنا فلان.
وقد اختُلِفَ في أن القراءة على المحدث هل هو إخبار أم إنباء؟ فالجمهورُ على أنه إخبار.
النوع الثالث: أن يعرضَ المستفيد كتابًا أو جزءًا على المحدث، وينظرَ فيه المحدث، ويروي المحدث أنه سماعه أو قراءته أو تصنيفه، فيقول المحدث للمستفيد: أجزت لك أن تروي عني ما في الكتاب، فإذا روى المستفيد ذلك الكتاب يقول: أنبأني فلان بهذا.
واختُلِفَ في هذا النوع أنه إجازة، أم ليس بإجازة حتى يسمعَ من المحدث، أو يقرأ على المحدث؟ فمذهبُ مالك وسفيان بن عيينة وجمع كثير: أنه إجازة، وعند بعض: ليس بإجازة، والمختار في عصرنا: أنه إجازة.
النوع الرابع: أن لا يقول المحدث مشافهة للمستفيد: اروِ عني هذا الكتاب، بل يكتب إليه من مدينة إلى مدينة: أني أجزتُ لفلان يروي عني الكتاب الفلاني، أو يكتب إليه: يا فلان! إروِ عني الكتاب الفلاني، فهذا أيضًا إجازة، ويقول المكتوب إليه إذا روى ذلك الكتاب: كتب إلي فلان وأجازني أن أروي عنه هذا الكتاب.
стр. 62
النوع الخامس: أن يقول المحدث للمستفيد مشافهة: أجرت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، من غير أن يرفعَ ذلك الكتاب بيده إليه، فهذا أضعفُ من النوع الثالث، وأقوى من النوع الرابع.
ويقال للنوع الأول: السماع، وللنوع الثاني: الإخبار، وللنوع الثالث: العرض والمناولة، وللرابع: الكتابة، وللخامس: الإجازة.
ويقول المستفيد في النوع الخامس: أجازني فلان، ولو قال: أنبأني، جاز.
وأقوى هذه الأنواع الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، وقد جوَّز بعض المتأخرين أن يقول المحدث: أجرت لمن أدرك حياتي أن يرويَ عني كلَّ ما صحَّ عنده روايتي عن شيوخي.
هذا ذكر اصطلاحات أصحاب الحديث ﵏.
° ° °
стр. 63
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، والصلاة التامة الدائمة على رسوله المُجْتبى محمدٍ سيدِ الورى، وعلى آله نجوم الهُدى.
قال الشيخ الإمام، الأجَلُّ السيدُ، محيي السنَّةِ، ناصرُ الحديث، ركن الإسلام، قُدوة الأمّة، إمام الأئمة، أبو محمد الحسينُ بنُ مسعودٍ الفَرَّاءُ، البَغويُّ، نوَّر الله قبره:
أمّا بعد، فهذه ألفاظٌ صدرَتْ عن صدر النُّبوة، وسُنن سارت عن مَعْدِن الرسالة، وأحاديثُ جاءت عن سيدِ المرسلين وخاتَم النَّبيين، هُنَّ مصابيحُ الدُّجى، خرجَتْ عن مِشْكاةِ التقوى التَّقيِّ، ممّا أوردها الأئمةُ في كتبهم، جمعتُها للمنقطعين إلى العبادة؛ لتكونَ لهم بعد كتاب الله حظًّا من السنن، وعَونًا على ما هم فيه من الطاعة.
تركتُ ذكرَ أسانيدها حَذَرًا من الإطالة عليهم، واعتمادًا على نقل الأئمة، وربّما سمِّيتُ في بعضها الصحابيَّ الذي يرويه عن رسول الله ﷺ لمعنًى دعا إليه، وتجدُ أحاديثَ كلِّ بابٍ منها تنقسم إلى صِحاح وحِسان.
أعني بـ (الصّحاح): ما أخرجه الشيخانِ؛ أبو عبد الله محمدُ بن إسماعيلَ الجعفيُّ البخاريُّ، وأبو الحسينِ مسلمُ بنُ الحجاجِ القُشيري النيسابوريُّ
стр. 64
رحمهما الله، في جامِعيهما، أو أحدهما.
وأعني بـ (الحسان): ما أورده أبو داودَ سليمانُ بنُ الأشعثِ السجستانيُّ، وأبو عيسى محمدُ بن عيسى الترمذيُّ، وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم ﵏ مما لم يخرجه الشيخان، وأكثرُها صِحاحٌ بنقل العدل عن العدل، غير أنها لم تبلُغ غايةَ شرطِ الشيخين في عُلُو الدرجة من صحة الإسناد؛ إذ أكثرُ الأحكامِ ثبوتُها بطريقٍ حسنٍ.
وما كانَ فيها من ضَعيف أو غريبٍ أشرتُ إليه، وأعرضتُ عن ذِكْرِ ما كان منكرًا أو موضوعًا، والله المستعان وعليه التُّكلان.
روي عن عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنَّيَّاتِ، وإنَّما لامرِئٍ ما نوَى، فَمَنْ كانتْ هِجرتُهُ إلى اللهِ ورسولهِ، فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولهِ، ومَنْ كانتْ هِجْرتُه إلى دُنيا يُصِيبُها أو إلى امرأةِ يتزوَّجُها فهِجْرَتُه إلى ما هاجَرَ إليه".
* * *
стр. 65
(شَرحُ دِيبَاجَةِ الكِتَابِ)
قوله: "الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى"، (الحمدُ): يطلق على جميل صفات الموصوف، والشكرُ على إنعامه، والله يحمد نفسه، ولا يشكره، والثناء: ذكر فضائل من أثنيت عليه، وفي هذه الألفاظ اختلاف كثير، ونحن لا نطول بحث اللغة، كي لا يطول الكتاب.
و"سلام على عباده الذين اصطفى"؛ أي: سلام من الله تعالى ومنا نازل أو واقع على الذين اصطفاهم الله؛ أي: اختارهم الله من الأنبياء والأولياء والملائكة، وجميع أهل طاعته.
و (اصطفى) أصله: اصتفى، وهو افتعل من (صفا يصفو)، وإذا كان فاء فعل افتعل حرفًا من حروف الإطباق، وهي: الصاد والضاد والطاء والظاء، تُقلَبُ تاء افتعل طاءً؛ ليكون مجانسًا لفاء فعل افتعل في الإطباق.
والمصنفُ أورد هذه الألفاظ تيمنًا بقوله تعالى لرسوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩].
والتنكيرُ في (سلام) بمعنى التعريف في إفادة العموم في كثير من المواضع، كما يقال: والله لا أشرب ماء، ولا أشرب الماء؛ فإن حكمهما واحد.
وقيل: التنكير ههنا لأجل أن السلام من الله على عباده لا يكون قليلاً، حتى يتفاوت بين التنكير والتعريف.
وعادةُ جميع المصنفين أن يبتدئوا في أول كتبهم بالحمد لله؛ تمسكًا بما رواه أبو هريرة: أن النبي ﵇ قال: "كلُّ خطبة ليس فيها تشهُّدٌ، فهي كاليدِ الجذماء"، وفي رواية: "كلُّ كلامٍ لا يبدأ فيه بالحمد، فهو أجذمُ".
الخِطبةُ: طلبُ زوجة وغيرها من الحاجات، والتشهُّدُ: كل ذكر يذكر فيه
стр. 66
كلمتا الشهادة كخطبة النكاح، وخطبة الجمعة، وقراءة التحيات في الصلاة.
الجذماء: تأنيث (الأجذم)، وهو المقطوع.
"والصلاة التامة الدائمة على رسوله المجتبى، محمد سيد الورى، وعلى آله مصابيح الهدى"، وفي نسخة: "نجوم الهدى".
الصلاةُ على النبي من الله: إرادةُ التشريف ورفع الدرجات، ومن الملائكة: الاستغفار والثناء وطلب زيادة الدرجة له، ومن المؤمنين: الدعاء وزيادة رفع الدرجة أيضًا له.
وأراد بالتامة: أن تكون أكملَ وأتمَّ ما يُعطى أحدٌ من الأنبياء والملائكة وغيرهم من الفضيلة والكرامة.
وأراد بالدائمة: أن يكون نزولُ الصَّلاة عليه متصلًا غيرَ منقطع.
(الرَّسول): فَعول بمعنى: المرسل، وهو مفعول، من (أرسل): إذا بعث.
والفرقُ بين الرسول والنبي: أن الرسولَ: من بعثه الله إلى قومٍ وأنزل معه كتابًا، أو لم ينزل عليه كتابًا، ولكن أمره بحُكمٍ لم يكن ذلك الحكم في دين الرسول الذي كان قبله.
والنبيَّ: من لم يُنزِل عليه كتابًا، ولم يأمره بحكم جديد، بل أمره بأن يدعو الناس إلى دين الرسول الذي كان قبله.
وقيل: الرسولُ من نزل عليه جبريل، وأمره بتبليغ رسالة الله تعالى إلى الناس.
والنبي من لم ينزل عليه جبريل، سمع صوتًا أو رأى في المنام: أنك نبي، فبلغْ رسالةَ الله تعالى إلى الناس.
والنبيُّ هو الذي ينُبِئ؛ أي: يخبر عن الله تعالى، فعيل بمعنى (مُفعِل)
стр. 67
بكسر العين، وقيل: بمعنى (مفعَل) بفتح العين، فعلى الوجه الأول: مُبلِّغ ومُخبِرٌ عبادَ الله بما أمرهم الله من الأحكام.
وعلي الوجه الثاني معناه: أنه رجل أخبره الله وعلمه القرآن والأحكام وغير ذلك مما علمه.
ويجوز أن يقال للرسول: مرسل ونبي، كلاهما جاز له، ولا يجوز أن يقال للنبي: مرسل، بل يقال له: نبي.
المُجتبَى: مفعول من (اجتبى) بمعنى: اصطفى.
(محمد): اسم مفعول من التحميد، وهو مبالغةٌ في الحمد والتكثير في الحمد؛ يعني: هو من حمده الله حمدًا كثيرًا لما فيه من الخصال الحميدة.
(الورى): الخلق.
(المصابيح): جمع المصباح، وهو معروف، (الهدى): الطريق المستقيم؛ يعني بمصابيح الهدى: أنهم أرشدوا المؤمنين إلى طريق الدين وأظهروا الدين.
"أما بعد: فهذه ألفاظ صدرت عن صدر النبوة، وسنن سارت عن معدن الرسالة، وأحاديث جاءت عن سيد المرسلين وخاتم النبيين".
لفظة: (أما)، لتفصيل ما أجمله القائل؛ يعني: حين ابتدأ الكتاب بالحمد لله لا يعلم أحدٌ ما يريد، ففصَّل وبيَّن بعد هذا ما يريد من التصنيف.
و (بعد) كان أصله: بعد حمد الله والصلاة على رسوله، فترك ذكر المضاف إليه للعلم به، فلما قطع لفظة (بعد) عن المضاف إليه بنيَ على الضم.
فـ (هذه) مبتدأ، و (ألفاظ) خبره.
وقوله: (صدرت) جملة صفة الألفاظ، وما بعده مضاف معطوف على هذه الجملة.
стр. 68
ومعنى: صدرت؛ أي: خرجت وجاءت عن (صدر النبوة)؛ أي: عن لسان من له صدر النبوة، وصدر القوم: أجلُّهم وأكبرهم في الرتبة؛ يعني به: عن سيد المرسلين.
(السنن): جمع سنة، والسُّنة: السيرة والطريقة وصورة الوجه، والمراد بها ههنا: ما بيَّنه النبيُّ من أمور الدين.
(المعدِن) بكسر الدال: الموضعُ الذي يخرج منه الذهب والفضة والياقوت وغير ذلك من الجواهر؛ يعني به ها هنا: عمن هو موضع الرسالة.
(الرسالة): ما أرسل الله رسلَهُ به من أحكام الدين؛ يعني: هو الذي ظهر من أحكام الدين.
(الأحاديث): جمع أحدوثة، وهي ما يُحدَّثُ به، والحديث مثله، ويجوز أن تكون (الأحاديث) جمع: حديث، فيكون جمعًا على غير قياس.
و (الخاتم): اسم فاعل من (ختم يختم): إذا أتمَّ شيئًا وطبع عليه، كطبع صرة الذثهب وغيرها؛ يعني: نبينا محمدًا ﵇ أتم النبيين، وختم عليهم؛ يعني: لا يجيءُ بعده نبي.
"هنَّ مصابيحُ خرجت عن مشكاة التقوى"، (هن)؛ أي: الأحاديث كالأنوار يهتدي المسلمون بنورها، ويتخلَّصون من ظلمة الكفر والجهل، ويصلون إلى نور الشريعة وفضاء الطريقة والحقيقة، فمن حفظ حديثًا واحدًا عن اعتقاد صحيح تنوَّر وأضاء ساحاتِ صدره، وارتحلت الظلمةُ الشيطانيةُ عن قلبه، فإن عمل به ازداد نورًا على نوره، فكلما يزيد الرجلُ حفظَ الأحاديث والعملَ بها يزداد نورًا على نوره حتى يظهر نورُ التجلي في فضاء قلبه، ويجلس سلطانُ الحقيقة على كراسي التقوى المصفوفة على فراش قلبه، فحينئذ لا يضرُّه من خذله، ولا من خالفه، ويستغفرُ له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان
стр. 69
في جوف الماء.
(خرجت)؛ أي: خرجت المصابيح، عن (مشكاة التقوى)؛ أي: عن صدر النبوة الذي هو معدن التقوى ومبين التقوى.
(المشكاة): الكوَّةُ التي تكون في الحائط وغيره، يوضع فيها المصباح، وقيل: المشكاة هي الظرف الذي فيه الدهن والفتيلة، والمصباح هو الضوء.
شبَّه المصنف ﵀ الأحاديثَ بالمصابيحِ، وفم النبي أو صدره بالمشكاة، وهي تشبيه على غاية الحسن والفصاحة.
"مما أوردها الأئمةُ في كتبهم، جمعتُها للمنقطعين إلى العبادة؛ لتكون لهم بعد كتاب الله حظًّا من السنن، وعونًا على ما هم فيه من الطاعة".
(أوردها)؛ أي: من الأحاديث التي جمعها الأئمة في كتبهم، ورد الرجل: إذا أتى بنفسه، وأورده غيره: إذا أتى به.
(الأئمة): جمع الإمام.
(للمنقطعين إلى العبادة)؛ أي: لمن انقطع عن جمعِ المال، وأعرضَ عن الدنيا، وتوجَّه إلى العبادة وأمرِ الآخرة، فمن كانت هذه صفته لا بدَّ له من معرفة الأحاديث؛ لأنَّ من أراد أن يسلكَ من مفازة بعيدة، لا يمكنه سلوكها إلا بدليل حاذقٍ يَقتدي به، ويمشي على أثره؛ ليوصله إلى المقصد، فلا سبيلَ أبعدَ وأخوفَ من سبيل الآخرة، فإذن لا بد لسالك هذا السبيل من دليلٍ حاذقٍ، ودليلُ هذا السبيل رسولُ الله ﵇، فلا بدَّ لسالكي سبيل الآخرة من الاقتداء بأفعال رسول الله ﵇ وأقواله، ولا سبيلَ إلى معرفة أفعاله وأقواله بعد الصحابة إلا بتتبع الأحاديث، فإن أفعال رسول الله ﵇ وأقواله منقولة فيها، فمن حُرِم الأحاديثَ حُرِم خيرَ الدنيا والآخرة، ومن رُزِقَ منها حظًّا رُزِقَ حظًّا كاملًا من خير الدُّنيا والآخرة.
стр. 70
وأحاديث رسول الله ﵇ كالمطر النازل، وصدور الناس كالأرض، فكلُّ صدر قبلها مع عقيدة صحيحة، وعظَّم شأنها، يثبت في صدره فنون الرياحين، وأصناف النبات الذي ينتفعُ به الناس ويشفي المريض، ومن تقبلها ولكن لا عن عقيدة صحيحة، ولم يعظم شأنها، تثبت في أرض صدره أنواع الشكوك التي يتأذَّى بها الناس؛ يعني: يتولد منه النفاق والمجادلة والتكبر، ودليلُ ما قلنا قولُهُ تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾ [الأعراف: ٥٨] إلى آخر الآية.
(ليكون لهم بعد كتاب الله حظًّا من السنن)؛ يعني: يكون لهم حظان:
أحدهما: بقراءتهم القرآن والعمل به.
والثاني: بقراءتهم الأحاديث والعمل بها، فمن علم القرآن وعمل به ولم يعلم الأحاديث لم يكن حظه تامًا؛ لأن جميعَ أحكام الشريعة من الأمر والنهي، والحلال والحرام، وأحوال الإنسان من الموت إلى دخول أهل الجنةِ الجنةَ، وأهل النَّارِ النَّارَ، وغير ذلك ليس مذكورًا في القرآن، بل بعضُ هذه الأشياء مذكورٌ في القرآن، وبعضُهُ غيرُ مذكور، ودليلُ ما قلناه ما قال رسول الله ﵇: "أيحسبُ أحدُكم متكئًا على أريكته، فظنَّ أن الله تعالى لم يحرِّمْ شيئًا إلا ما في القرآنِ، ألا وإني والله قد أمرتُ ووعظت، ونهيت عن أشياءَ، إنها كمثل القرآن وأكثر ... " إلى آخر الحديث.
(وعونًا على ما هم فيه من الطاعة)؛ يعني: ليتعلموا كيفية العبادة، وقدر وظائف رسول الله وأوراده من الصوم والصلاة وغير ذلك، فإن العملَ بسنَّةٍ من سنن رسول الله ﷺ يتضاعف ثوابه - وإن كانت عبادة قليلة - على عبادة ليست بسنة، وإن كانت عبادة كثيرة.
"تركت ذكر أسانيدها حذرًا من الإطالة عليهم، واعتمادًا على نقل الأئمة".
стр. 71
(الأسانيد): جمع إسناد، وهو: رواية واحد عن أصحاب الحديث عن واحد هكذا متصلًا إلى رسول الله ﵇.
(الحذر): الاحتراز، (حذرًا)؛ أي: للحذر.
(الإطالة): أصله إطوال، فنُقِلت فتحة الواو إلى الطاء، وقُلِبت ألفًا، ثم حُذِفت إحدى الألفين، وأدخلت الهاء عوضًا عن الألف المحذوفة، ومعناه: التطويل.
(الاعتماد): الاكتفاء بأحدٍ والاتكاء عليه؛ يعني تركت ذكر رواة كلِّ حديثٍ بيني وبين رسول الله ﵇ لشيئين:
أحدهما: كيلا يطولَ الكتاب.
والثاني: اكتفاءً بإيراد الأئمة الذين استخرجتُ هذه الأحاديث عن كتبهم.
ذكر الرواة؛ يعني: إذا أورد الأئمة رواة الأحاديث بينهم وبين رسول الله ﵇ وصحَّحوا الأحاديث، فلا حاجةَ لي إلى أن أذكر الرواة.
"وربما سميتُ في بعضها الصحابي الذي يرويه عن رسول الله ﵇".
(ربما): كلمة التقليل، كما أن (كم) كلمة التكثير، فهذا اللفظ يدلُّ على أن أكثرَ أحاديث هذا الكتاب لم يورد المصنف الصحابي الذي يرويها، وأقلَّها أورد الصحابي الذي رواها عن رسول الله ﵇، ونحن نجدُ بخلاف ذلك؛ لأنا نجد أكثرَ أحاديثه مذكورًا فيه الصحابي وأقلَّها لم يكن الصحابي فيها مذكورًا، ولعل المصنفَ ذكر قليلًا من الصحابة (١) في متن الكتاب، وكتب بعضًا من الرواة عن رسول الله ﵇ في الحواشي، فكتب النساخون في المتن ما كتبه المصنف
стр. 72
في الحواشي، فصار الرواة المذكورون في متن الكتاب كثيرًا، والمتروكون ذكرهم قليلًا، فإذا كان كذلك فقد صحَّ قول المصنف: وربما سميت في بعضها الصحابي؛ لأن ما أورده كان قليلًا، فكثَّره النساخون في المتن، والدليل على هذا وِجْداننا نسخَ هذا الكتاب مختلفةً في ذكر الرواة؛ فبعضُ النسخ يكون فيه راوٍ، ولم يكن ذلك الراوي في نسخة أخرى، ولذلك أكثر النسخ متفاوتة.
"لمعنى دعا إليه"؛ يعني: لا حاجة إلى أن أذكر الصحابي ولا غيره من الرواة؛ لأن رواة أحاديث كتابي هذا مذكورة في كتب الأئمة، ولكن ذكرت لبعض الأحاديث الصحابي الذي يرويه عن رسول الله ﵇ لما في ذكره [من] احتياج، وذلك الاحتياجُ يكون من وجوه:
أحدها: أن يكونَ للحديث رواةٌ كثيرة من الصحابة بألفاظ مختلفة، كلُّ واحد يرويه بلفظ آخر، فإن لم أذكر الصحابي، لم يُعرَف أن هذه العبارة روايةُ أيِّ صحابي من الذين يروون ذلك الحديث، فلأجل أن يُعلم أن ذلك الألفاظ رواية أيهم، ذكرت صحابيَّ ذلك الحديث.
والثاني: أن يروي الحديثَ جماعةٌ، وفي رواية بعضهم ضعف أو إنكار؛ إما بجهالة الراوي، أو يكون الحديث مرسلًا أو منقطعًا وغير ذلك، وليس في رواية بعضهم ضعف وخلل، فحينئذ لا بدَّ من ذكر الصحابي حتى يعلمَ المحدثون أن هذا الراوي من الذين في روايتهم ضعف، أم من الذين ليس في روايتهم ضعف.
والثالث: أن يكون الحديثُ يعارضه حديثٌ آخر، ويكون أحدُ الحديثين المتعارضين منسوخًا، فلا بد ههنا من ذكر الصحابي حتى يُعلَم كونه متقدمًا في الإسلام أو متأخرًا، مثل أن يروي أحدٌ حديثًا، ومات في السنة الثانية من الهجرة، وأسلم في السنة الثالثة أحدٌ، وروى حديثًا يعارض حديث الصحابي
стр. 73
الذي مات في السنة الثانية، فيُعلَم أن حديثَ الصحابيِّ الذي أسلم في السنة الثالثة ناسخٌ لحديث الصحابي الذي مات في السنة الثانية إذا كان الحديثان متناقضين؛ لأن التناقضَ في الشرع غيرُ جائز.
والرابع: أن يروي أحد حديثًا فيه حكمٌ مطلق، ويروي آخر ذلك الحديث، وقد قيَّد في روايته هذا الحكم الذي كان مطلقًا في رواية ذلك، فلا بدَّ من ذكر الصحابي حتى يتميَّز راوي الحديث المقيد من راوي الحديث المطلق، مثاله: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "وكاءُ السهِ العينان، فمن نامَ فليتوضَّأ"، أطلق الحكمَ في هذا الحديث، ولم يبيِّن أن الوضوء على من نام قاعدًا أو مضطجعًا.
وروى ابن عباس: أن النبي ﵇ قال: "إن الوضوء على من نام مضطجعًا، فإنه إذا اضطجعَ استرخَتْ مفاصلُهُ"، فقيَّد في هذا الحديث وجوبَ الوضوء على من نام مضطجعًا.
"وتجدُ أحاديثَ كلَّ باب منها تنقسم إلى صحاح وحسان".
و (تجد)؛ أي: وتجد أيها المخاطب، (منها)؛ أي: من الأحاديث المجموعة في هذا الكتاب؛ يعني: تجد أحاديث كل باب من الأحاديث المجموعة في هذا الكتاب ينقسم على قسمين: أحدها: صحاح، والآخر: حسان، وقد ذكر الأحاديث الصحاح والحسان قبل هذا في مقدمة الكتاب.
"أعني بـ (الصحاح): ما أخرجه الشيخان، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ﵀" أشار بقوله: (أعني) [إلى] أن الصحاح والحسان اصطلاحٌ وضعه هو، وليس شيئًا وضعه المتقدمون؛ لأنه لو كان شيئًا وضعه المتقدمون لقالَ: عنوا، وما قال: أعني.
стр. 74
ومعنى (أعني): أريد، من (عني يعني عناية): إذا أراد، وأكثرُ استعماله في إرادة المعاني من الألفاظ يقال: عنى فلان بما تكلم هذا المعنى.
(أخرجه الشيخان)؛ أي: أورده الشيخان، وجمعه الشيخان، والضمير في (أخرجه) راجعٌ إلى صحاح.
و (الجعفي): نسبة إلى جُعفة، وهي اسم بلد، ونُسِب البخاريُّ إلى جُعفة وإلى بُخارى؛ لكونهما وطنين له.
و (قشيرٌ): اسم قبيلة، نسب مسلم إليه.
في "جامعيهما"؛ أي: في كتابيهما (الجامع): الكتاب، سمي الكتاب جامعًا؛ لأنه يجمع أحاديث أو كلمات متفرقة في موضع واحد.
يعني: سميت الأحاديث التي أوردها الشيخان في كتابيهما أو أوردها أحدهما في كتابه صِحاحًا.
"وأعني بـ (الحسان): ما أورده أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني وأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم"؛ يعني: سميت الأحاديث التي أوردها أصحاب الصحاح السبعة غير البخاري والمسلم حِسانًا.
وقد ذكر أسامي أصحاب الصحاح السبعة في مقدمة الكتاب، فكلُّ واحد منسوبٌ إلى بلد إلا القُشيري؛ فإنَّ القشيرَ اسم قبيلة.
و (الحسان): جمع حسن كـ (جِمَال).
"وأكثرها صحاح بنقل العدل عن العدل غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في علوِّ الدرجة من صحة الإسناد"
و (أكثرها)؛ أي: أكثر الأحاديث الحسان؛ يعني: لا يُظنَّ أن الأحاديث الحسان ليست معتبرة مرضية، بل كلها صحيحة منقولة عن العدول، ولكن لم
стр. 75
تبلغ غاية شرط الشيخين اللذين هما صاحبا الصحاح، وشرط أصحاب الحسان في مقدمة الكتاب.
"إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن"؛ يعني: الأحاديث الحسان التي أوردها الأئمة الخمسة المذكورة كلُّها مرتبة على أبواب الأحكام: من الطهارة، والوضوء، والغسل، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والبيع، والنكاح، والجنايات، وغير ذلك من الأحكام، والأحكامُ لا تثبت إلا بحديث منقول عن العدول، وهذا بخلاف من رتَّب أحاديث كتابه بإسناد كل واحد من الصحابة والتابعين؛ فإنه إذا أراد أن يذكر جميع ما يرويه أبو هريرة مثلًا، لا بدَّ أن يذكر كلَّ حديث يرويه أبو هريرة سواء كان راويه من التابعين أو أتباع التابعين أو غيرهم عدلًا أو غير عدل، فمن رتَّب كتابه على هذا الترتيب، لا يمكنه أن يذكر في كتابه الأحاديث المنقولة في الكتب المعتبرة المصنفة قبله.
و (إذ) في قوله: (إذ أكثر الأحكام) للعلة؛ يعني: علة قولي: و (أكثرها صحاح بنقل العدل عن العدل): أن أحاديث هذه الأئمة مرتبة على الأحكام، والأحكام لا تثبت إلا بأحاديث معتبرة. هذا ما قاله أحدٌ في شرح قوله: إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن.
ويحتمل أن يكون المراد من قوله: إذ (أكثر الأحكام) أن أحكام الشرع التي أجمع عليها الأئمة مثل الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل وغيرهم من الأئمة وأتباعهم ليس كلها ثابتة بالأحاديث المروية على شرط البخاري والمسلم، بل أكثر الأحكام ثابتة بالأحاديث المروية على شرط أصحاب الحسان. "وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه"؛ يعني: للأحاديث ألقاب كالضعيف، والغريب، والمرسل، والمنقطع، والمنكر، وغير ذلك، فكلُّ واحد من هذه الألقاب قد ذُكِرَ في مقدمة الكتاب.