← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

"وأَنْقُوا البَشَرَة"، يعني: فطهِّرُوا البشرةَ من الوَسَخِ، وأوصِلُوا إليها الماءَ، فلو كان في موضع وَسَخٌ بحيث لا يصلُ الماءُ إلى تحته لم تُرفَعِ الجنابة. * * * ٣٠٤ - وقال عليٌّ ﵁: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ تركَ مَوْضِعَ شَعرةٍ من الجنابَةِ لَمْ يَغْسِلْهَا؛ فُعِلَ بها كذا وكذا من النَّار"، قال عليٌّ ﵁: فَمِنْ ثَمَّ عادَيْتُ رأسي. قوله: "فُعل بها كذا وكذا"، أي: فُعِلَ بتلك الشعرةِ من العَذاب ومسِّ النار عذابًا شديدًا. "قال علي فمِن ثَمَّ", أي: من أجلِ أنْ سمعتُ هذا التهديدَ، "عاديتُ رأسي"، أي: فعلتُ بشعر رأسي فعلَ العدوِّ بالعدوِّ، يعني: قطعتُ شعرَ رأسي مخافةَ ألَاّ يصلَ الماءُ إلى جميع شعري، وقد صحت الروايةُ: أن عليًا ﵁ كان يَجُزُّ شعرَ رأسه؛ ليصل الماء إلى جميع رأسه. وروي مثله عن حُذَيفة. * * * ٣٠٥ - قالت عائشة ﵂: كان النبيُّ ﷺ لا يتوضَّأُ بعدَ الغُسْلِ. قولها: "لا يتوضأ بعد الغسل"، هذا يحتملُ أمرين: أحدهما: أن يتوضَّأَ في ابتداء الغُسْل، فإذا فرغَ من الغُسْل يكتفي بذلك الوضوءِ ولا يتوضَّأُ مرةً أخرى، والحُكْمُ كذلك في الفِقْه. والثاني: أن يستنجيَ ويوصِلَ الماءَ بنية الغُسْل إلى جميع أعضائه، ولا يتوضَّأُ لا قبلَ الغُسْلِ ولا بعده، بل إذا ارتفعَ الحدثُ الأكبرُ وهي الجنابة يرتفعُ الحدثُ

стр. 457

الأصغر وهو ما يحتاجُ فيه إلى الوضوء، والحُكْمُ كذلك في الفقه. * * * ٣٠٦ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسول الله ﷺ يغسِلُ رأْسَهُ بالخِطْمِيِّ وهو جُنُبٌ، يجتزئُ بذلك، ولا يصبُّ عليه الماءَ. قولها: "يغسل رأسه بالخِطْمِيِّ"، (الخِطْمِيُّ) بكسر الخاء: شيءٌ معروفٌ يُغْسَلُ به الرأس. "يجتزِئُ بذلك"، أي: يكتفي بذلك الخِطْمِيِّ. صورة هذا الحديث: أن يصبَّ رسولُ الله على رأسه الماءَ بنيةِ رفعِ الجنابةِ حتى يصلَ الماءُ إلى جميعِ شعرهِ، ثم يجعل الخِطْمِيَّ على رأسه؛ للتبرُّدِ وتطييبِ الرأس، ويترك الخِطْمِيَّ على رأسِه، ولا يصبُّ على رأسِه الماءَ بعد ذلك؛ لأنه ارتفعتِ الجَنابةُ عن رأسه قبل جَعْلِ الخِطْمِيِّ على رأسه، ثم يَصُبُّ على بدنه الماءَ؛ لرفع الجَنَابة من باقي بدنه، وإنما قلنا: غسَلَ باقي بدنه؛ أي: بعد جَعْلِ الخِطْمِيِّ على رأسه؛ لأن عائشة ﵂ قالت: "يغسلُ رأسَه بالخِطْمِيِّ وهو جُنُب" يعني: عند جَعْلِ الخِطْمِيِّ على رأسه كان جُنُبًا بالنسبة إلى باقي أعضائه، لا بالنسبة إلى رأسه. * * * ٣٠٧ - عن يَعْلى بن أُمية: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحبُّ الحَيَاءَ والتستُّرَ، فإذا اغْتَسَلَ أحدُكُمْ فليَسْتَتِرْ". قوله: "حَيِيٌّ" بياءين: الأُولى مكسورةٌ مخفَّفة، والثانية مشدَّدة مرفوعة، وأصله: (حييي) بثلاث ياءات على وزن (عليم)، فأُدغمت الثانية في الثالثة، يعني: إن الله كريمٌ تاركٌ لفضْحِ العباد، ومتجاوزٌ عن سيئاتهم.

стр. 458

قوله: "سِتِّير"، أي: ساترٌ على عيوب الناس، لا يهْتِكُ أستارَهم. قوله: "يحبُّ الحياء والتَّسَتُّر"، يعني: يحبُّ هاتين الصورتين من عباده، كما قال رسول الله ﵇: "تخلَّقُوا بأخلاق الله"، يعني: ليكنْ فيكم صفاتُ الله مما يمكن أن يكونَ في المخلوق، يعني: كونوا رحماءَ على عباد الله، كما كان الله رحيمًا على عباده، وكذلك باقي الصفات من الكرم والُّلطْف وغير ذلك. يعني: ليسْتُرْ كلُّ واحد منكم عورتَه، وليستَحْيي عن كَشْفِها إلا عند الخَلَاء، وحَلْقِ العانة، وغيرِ ذلك مما كان ضرورةً. تَسَتَّر وأَسْتَرَ: إذا سَتَرَ الرجلُ نفسه. "يَعْلَى": اسم أبيه: أمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث بن بكر. * * * * ٧ - باب مُخالَطةَ الجُنُب وما يُباح لَهُ (باب مخالطة الجُنُب وما يباحُ له) قوله: (المخالطةُ): المجالسةُ والمؤاكلةُ، وغيرُ ذلك مما يَجري بين اثنين من المعاشرة. "وما يُباحُ له"، أي: وما يَحِلُّ للجُنُب. مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٠٨ - قال أبو هُريرة ﵁: لَقِيَنِي رسولُ الله ﷺ وأنا جُنُبٌ، فأخذَ بيدي فمشيتُ معَهُ حتى قعدَ، فَانْسَلَلْتُ فأتيتُ الرحلَ فاغتسلتُ، ثمَّ جئتُ وهو

стр. 459

قاعدٌ، فقال: "أينَ كنتَ يا أبا هِرٍّ؟ "، فقلت له: لَقِيتَني وأنا جُنُبٌ، فكرِهْتُ أنْ أُجالِسَكَ وأنا جُنُبٌ، فقال: "سُبْحَانَ الله، إِنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُس". قوله: "فانسللت"، (الانسلالُ): الخروجُ من بين شيءٍ، ومن بينِ قومٍ، (فانسلَلْتُ)؛ أي: أخرجتُ يدي من يده، وكرهتُ أن أجالسَه جُنُبًا. "فأَتَيْتُ الرَّحْلَ"، أي: أتيت الماءَ بين الرَّحْل، وهو ما كان مع المسافر من الأقمشة، والرَّحْلُ أيضًا: الموضعُ الذي نزلَ فيه القومُ. قوله: "يا أبا هِرٍّ"، اعلم أن هذه الكنيةَ وضعها رسول الله ﵇ حين رآه وفي ثوبه شيءٌ، فقال: "ما في ثوبك يا عبد الرحمن؟ " فقال: هِرَّةٌ، فقال: "أنت أبو هريرة"، فاشتهرَ بهذه الكُنية، وأحبَّ أن يدعوَه الناسُ بهذه الكنية؛ لبركة لفظِ رسولِ الله ﵇: "يا أبا هر" وربما قال له: "يا أبا هريرة"، ويجوز حذف الهمزة من الكُنية، يقال: يا با فلان. قوله: "فقلت له"، يعني: قلتُ له: كنتُ جُنُبًا حين رأيتَني مشيتُ واغتسلتُ. قوله: "سبحان الله"، هذا اللفظُ يقال عند التعجُّب، يعني: تعجب رسول الله ﵇ من فِعْلِ أبي هريرة، وقال: "إن المؤمن لا يَنْجُسُ"، يعني: المؤمن طاهرٌ لا يصيرُ نجسًا بكونه جُنُبًا، بل يجوزُ مخالَطَةُ الجُنُب ومؤاكلَتُه. * * * ٣٠٩ - وذكر عُمرُ ﵁ لِرسولِ الله ﷺ أنَّهُ تُصيبُهُ الجَنابةُ مِنَ اللَّيْلِ، فقالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "توضَّأْ، واغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثمَّ نَمْ". ٣١٠ - وقالتْ عائشةُ ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا كانَ جُنُبًا فأرادَ أنْ يأْكُلَ أوْ يَنَامَ توضَّأَ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ.

стр. 460

قوله: "توضَّأْ واغسِلْ ذَكَرَكَ"، يعني: يُستحَبُّ للجُنُبِ أن يغسِلَ ذكرَه ويتوضَّأَ، كما يتوضَّأُ للصلاة، ثم يأكلُ أو يشربُ أو يجامعُ مرةً أخرى أو ينام. * * * ٣١١ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدُكُمْ أهلَهُ، ثمَّ أرادَ أنْ يعودَ فليتوضَّأْ بينَهُمَا وُضُوءًا"، رواه أبو سعيد الخدري. قوله: "إذا أتى أحدكم أهله ... " إلى آخره. يعني: إذا جامعَ مرةً ثم أراد أن يجامِعَ ثانيةً؛ فليغسِل الرجلُ والمرأةُ فرجيهما ويتوضأا؛ لأن هذا أطيبُ وأكثرُ للنشاط والتلَذُّذ. * * * ٣١٢ - وقال أنس ﵁: كانَ النبيُّ ﷺ يطوفُ على نِسائِهِ بِغُسْلٍ واحدٍ". قوله: "يطوف على نسائه بغُسْلٍ واحد"، يعني: يجامعُ نساءَه بغُسْلٍ واحدٍ، وهذا دليلٌ على أن الجُنُبَ يجوزُ له أن يجامِعَ ثانيةً وثالثةً، أو أكثرَ، ولا يجبُ عليه أن يغسِلَ لكلَّ مجامعةٍ غُسْلًا، بل يكفي جميع الوطآت غسل واحد. * * * ٣١٣ - وقالت عائشة ﵂: كانَ النبيُّ ﷺ يَذْكُرُ الله على كُلِّ أَحْيَانِهِ. قوله: "يَذْكُرُ الله على كل أحيانهِ"، يعني: يجوزُ ذِكْرُ الله من التسبيح والتهليل وغيرِهما في حال الجَنَابة وغيرها، إلا أنه لا يجوزُ تلاوة القرآن للجُنُب. * * *

стр. 461

٣١٤ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: خرجَ النبيُّ ﷺ مِنَ الخلاءِ، فأُتِيَ بطعامٍ، فَذَكَرُوا لهُ الوُضُوءَ, فقال: "أُريدُ أنْ أُصلِّيِ فأتوضَّأَ؟! ". قوله: "فذكروا له الوضوء"؛ يعني: قالوا له: أتتوضأ ثم تأكل أم لا؟ قال: لست أريد أن أصلي حتى أتوضأ. قوله: "أريد" أصله: أأريد بهمزتين، فحذفت الهمزة الأولى التي هي للاستفهام. قوله: "فأتوضأ" الفاء هي الناصبة للفعل المستقبل؛ لأنها جواب الاستفهام. وهذا الحديث دليلٌ على جواز الأكل والشرب بغير الوضوء. * * * مِنَ الحِسَان: ٣١٥ - قالت مَيْمُونة ﵂: أجْنَبْتُ أنا ورسولُ الله ﷺ ، فاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَة وفضَلَ فيها فَضْلَةٌ، فجاءَ النبيُّ ﷺ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فقلتُ: إنَّي قد اغتَسَلْتُ منها، فاغْتَسَلَ، وقال: "إنَّ الماءَ ليسَ علَيْهِ جَنَابَةٌ"، وفي رواية: "إنَّ الماءَ لا يُجْنِب". قولها: "من جفنة"، (الجفنة): القصعة الكبيرة. قوله: "إن الماء ليس عليه جنابة"؛ يعني: الماء الذي أدخل الجنبُ فيه يدَه طاهرٌ مطهِّرٌ إذا لم ينو المغتسلُ بإدخال يده الإناءَ رفعَ الجنابة من كفه، فإنْ نوى رفع الجنابة من كفه صار ذلك الماء مستعملًا؛ لأن الجنابة انتقلت من كفه إلى الماء. ويعني بالمانع: كون الرجل ممنوعًا من الصلاة وغيرها ممَّا لا يجوز

стр. 462

للجنب، والماء الذي ينفصل من أعضاء الجنب فهو مستعملٌ أيضًا؛ لأن المانع الذي كان على الجنب انتقل إلى الماء المنفصل عن الأعضاء، حتى يكون غير مطهِّرٍ. قوله: "لا يجنب"، أجنب يجنب: إذا صار جنبًا. * * * ٣١٦ - وقالت عائشة ﵂: كان رسولُ الله ﷺ يُجنِبُ فيغتَسِلُ، ثمَّ يستَدْفِئَ بي قبلَ أن أَغْتَسِل. قولها: "يستدفئ بي"؛ أي: يطلب الدفاءة بي، والدفاءة: الحرارة، يعني: يغتسل رسول الله ﵇، ويضع أعضاءه على أعضائي من غير حائلٍ؛ ليجد حرارةً من أعضائي؛ ليزول عنه البرد. وإنما قلنا: يضع أعضاؤه على أعضائها من غير حائلٍ؛ لأنه معلومٌ أن الغرض من إيراد هذا الحديث: بيانُ طهارة أعضاء الجنب، وإنما يكون هذا الحديثُ دليلًا على طهارة أعضاء الجنب إذا كان وصول البدنين بغير حائلٍ، وأما مع الحائل فيجوز وصول شيء طاهرٍ بشيءٍ نجسٍ مع حائلٍ بينهما، ألا ترى أنه يجوز الصلاة في أرض نجسة إذا كان بينها وبين المصلِّي سجادة. * * * ٣١٧ - وقال علي ﵁: إنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يخرجُ مِنَ الخلاءِ، فيُقْرِئُنا القُرآنَ، ويأكلُ معنَا اللحمَ، وكان لا يحجُبُهُ - أو لا يحجُزُهُ - عَنْ قِراءةِ القُرآنِ شيءٌ وليسَ الجنابة. قوله: "يُقْرئنا القرآن"، أَقْرَأ يُقْرئ: إذ علَّم تعليمًا، (يقرئنا)؛ أي: يعلِّمنا القرآن.

стр. 463

و (أو) في قوله: "أو: يحجزه" شكٌّ من الراوي أن عليًا قال: (لا يحجبه)، أو قال: (لا يحجزه). والحجب والحجز: المنع. "ليس الجنابة": أي: إلا الجنابة. * * * ٣١٨ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقرأُ الجُنُبُ ولا الحائضُ شيئًا مِنَ القُرآنِ". قوله: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن": (لا) ها هنا للنهي، وانكسرت الهمزة لالتقاء الساكنين. وقوله: (لا تقرأ) بالجزم، وقوله: (شيئًا من القرآن) يعني: لا يجوز القليل والكثير، وبه قال الشافعي، إلا أن يقول: بسم الله، والحمد لله، على قصد الذكر. وجوَّز مالك قراءةَ القرآن للحائض لخوف النسيان، وجوَّز للجنب أن يقرأ بعض آيةٍ، ولا يُتمها. ولأبي حنيفة روايتان؛ إحداهما كمالك، وأصحُّهما كالشافعي. * * * ٣١٩ - وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "وَجِّهُوا هذه البُيوتَ عَنِ المسجدِ، فإنِّي لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ". قوله: "وجِّهوا هذه": أمر مخاطبين، من التوجُّه، وهذا اللفظ إذا كان بعده (عن) معناه: الإعراض والصرف عن جانب إلى جانب آخر، وإذا كان بعده (إلى) معناه: الإقبال إلى الشيء.

стр. 464

كانت أبواب بعض البيوت حول مسجد رسول الله ﵇ مفتوحة إلى المسجد يمرون في المسجد، فأمرهم رسول الله ﵇ أن يصرفوا أبواب بيوتهم من المسجد إلى جانب آخر، كيلا يمر الجنب والحائض في المسجد، فمذهب أبي حنيفة ﵁ تحريم مرور الجنب في المسجد. ومذهب الشافعي ﵁ ومالك: جواز المرور فيه دون المكث. ومذهب أحمد والمُزني: جواز المكث فيه. * * * ٣٢٠ - وقال: "لا تدخُلُ الملائكَةُ بيتًا فيهِ صُورةٌ، ولا كلبٌ، ولا جُنُبٌ"، رواه علي ﵁. وهذا فيمَن يتخذ تأْخير الاغتسال عادةً تهاونًا بها. قوله: "لا تدخل الملائكة ... " إلى آخره؛ يعني: لا تدخل ملائكة الرحمة والبركة في بيتٍ فيه هذه الثلاثة، ولا تدخل الملائكة في هذا البيت بالخير. وأما الملائكة الذين يكتبون أعمال العباد لا يمتنعون بهذه الأشياء، بل يدخلون مواضع الخير والشر، وإنما لا تدخل ملائكة الرحمة بيتًا فيه هذه الأشياء لقبح هذه الأشياء. وأما (الصورة): فلأنَّ جَعْلَ الصورة تشبيهٌ بخلق الله، وأيُّ ذنب أعظم من ذنب مَن يشبِّه نفسه بالله في التصوير؟ والمحرَّم من الصور ما كان من صور الحيوانات على شيء مرتفع من الأرض كالجدار والستر. وأما صورةُ غير الحيوان وصورة الحيوان في البساط وما يجلس عليه

стр. 465

الرجل، فلا بأس به. وأما (الكلب)، فيأتي بحثه. وأما (الجنب): فالمراد منه: جنبٌ يقدر على الغُسل ولا يغتسل حتى يمضي عليه أوقاتُ الصلوات، وتفوت عنه الصلوات، ولا يغتسل. وأما تأخير الغسل ما لم تفت عنه الصلاة فلا بأس به، ولكن المستحبُّ تعجيل الغسل. * * * ٣٢١ - وعن عمَّار بن ياسر ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "ثلاثةٌ لا تَقْرَبُهُمُ الملائكةُ: جيفةُ الكافِرِ، والمتضمِّخُ بالخَلوقِ، والجُنُبُ إلَاّ أن يتوضَّأَ". قوله: "جيفة الكافر" أراد بـ (جيفة الكافر): ذاتَه في الحياة وبعد الموت؛ لأن الكافر نجسٌ بعيدٌ من الرحمة في الحياة، وبعد الموت سمي جيفةً لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. "والمتضمخ بالخلوق"، (التضمُّخ) التلظُّخ، و (الخلوق) بفتح الخاء: طيبٌ معروفٌ يجعل من الزعفران مع غيره. ووجهُ النهي عن الخلوق؛ لمَا فيه من الرُّعونة والتشبُّهِ بالنساء، والنهي عن الخلوق مختص بالرجال دون النساء. قوله: "إلا أن يتوضأ": يعني: لا تقربُ ملائكة الرحمة أيضًا الجنبَ إلا أن يتوضأ، وهذا تهديدٌ وزجرٌ عن تأخير الغسل، كي لا تعتاد نفسُه بحالةٍ لا يجوز فيها الصلاة واللبثُ في المسجد وقراءة القرآن، بل ليعجِّل الغسل، وإن لم يقدر على الغسل فليتوضأ. ويحتمل أن يريد بالوضوء ها هنا الغسل.

стр. 466

اسم جد "عمار": عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين العنسي. * * * ٣٢٢ - وفي الكتاب الذي كتبَهُ رسولُ الله ﷺ لعمْرِو بن حَزْم: "وأَنْ لا يَمَسَّ القُرآنَ إلَاّ طاهِرٌ". قوله: "أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهر": يعني: لا يجوز حملُ المصحف ولا مسُّه إلا طاهرًا. روى هذا الحديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، اسم جد عمرو: زيد بن لوذان الخزرجي. * * * ٣٢٣ - وقال ابن عمر ﵄: مَرَّ رجلٌ على النبيِّ ﷺ وهو يَبُولُ، فسلَّمَ علَيْهِ، فلمْ يَرُدَّ عليهِ حتَّى كادَ الرَّجُلُ أنْ يَتوارى، فضَربَ بيدَيْهِ على الحائطِ ومسحَ بهِما وجهَهُ، ثمَّ ضربَ ضَرْبَةً أُخرى فمسحَ ذراعَيْهِ، ثمَّ رَدَّ على الرَّجُلِ السَّلامَ، وقال: "إنَّهُ لَمْ يمنَعْني أنْ أرُدَّ عليكَ السَّلامَ إلَاّ أنِّي لَمْ أَكُنْ على طُهْرٍ". وروي: أنه لَمْ يَرُدَّ علَيْهِ حَتَّى توضَّأَ، ثمَّ اعتذَرَ إليْهِ فقال: "إنِّي كَرِهْتُ أنْ أَذْكُرَ الله إلَاّ على طُهْرٍ". قوله: "أن يتوارى"؛ يعني: أن يستتر ويغيب. "ضرب بيديه"؛ يعني: ضرب رسول الله ﵇ يديه على الجدار للتيمم، وهذا إن كان على الحائط ترابٌ طاهرٌ صحَّ التيمم بالاتفاق، وإن لم يكن على الحائط ترابٌ طاهر صحَّ عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن أبا حنيفة جوَّز التيمم بضرب اليد على الحجر والأرض، وما كان من أجزاء الأرض، وإن لم يكن عليه تراب.

стр. 467

وتيمُّمُ النبي ﵇ ثم ردُّ السلام يدلُّ على استحباب ذكر الله بالوضوء والتيمم؛ لأن السلام اسمٌ من أسماء الله، وردُّ السلام عليه بعد التأخير يدلُّ على وجوب ردِّ السلام. قوله: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام" يدل على أن مَن قصر في جواب أحدٍ يُستحبُّ أن يعتذر إليه، ويخبرَه أنه لم يؤخِّر جوابه للتكبُّر، بل لعذر. قوله: "وروي أنه لم يرد عليه ... " إلى آخره، معناه ظاهرٌ، والله أعلم. * * * ٨ - باب أَحكامِ المِيَاهِ (باب أحكام المياه) (المياه): جمع الماء، الماء: أصله ماه، فقُلبت الهاء همزًا. مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَبُولَّنَ أحدُكُمْ في الماء الدَّائِم الذي لا يَجري ثمَّ يغتَسِلُ فيهِ". قوله: "في الماء الدائم"، (الدائم): الواقف، فوجْهُ النهي عن البول في الماء الواقف: أن الماء إن كان دون القلَّتين ينجسُ؛ فلا يجوز الاغتسالُ منه، وإن كان قلتين فلعله يتغير، فحينئذٍ يصير نجسًا بالتغير، ولو كان الماء كثيرًا على غاية الكثرة، فلا يجوز البول فيه أيضًا؛ لأنه لو جوِّز البول فيه ربما يبول فيه واحد بعد واحد، حتى يتغير من كثرة البول. * * * ٣٢٥ - وقال: "لا يَغتسِلُ أحدُكُمْ في الماءِ الدَّائمِ وهو جُنُبٌ"، رواه

стр. 468

أبو هريرة ﵁. قوله: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" هذا النهي إنما يكون في الماء الذي هو دون القلتين؛ لأن الجنب إذا اغتسل في ماء دون القلتين يصير الماء مستعملًا، فحينئذٍ قد أفسد الماء على الناس؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يغتسل أو يتوضأ منه بعد ذلك. * * * ٣٢٦ - وقال جابر: نَهى رسولُ الله ﷺ أنْ يُبالَ في الماءِ الرَّاكِدِ. قوله: "في الماء الراكد"، (الراكد): الواقف. * * * ٣٢٧ - وقال السَّائب بن يَزيد: ذهَبَتْ بي خالَتي إلى النبيِّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله! إنَّ ابن أُخْتِي وَجِعٌ، فَمسحَ برأْسي، فدعا لي بالبَرَكَةِ، ثمَّ توضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثمَّ قُمْتُ خلفَ ظهرِهِ، فنظرتُ إلى خاتَمِ النُّبوَّةِ بينَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ. قوله: "إن ابن أختي وجعٌ"، (وجِع) بفتح الواو وكسر الجيم؛ أي: مريض. "من وَضوئه" بفتح الواو؛ أي: من ماء وضوئه. قوله: "مثل زر الحجلة"، (الزر) بكسر الزاي المنقوطة وبعدها راءٌ غيرُ منقوطةٍ مشدَّدةٌ، و (الحجلة) بفتح الحاء والجيم. الزر: البَيْض، والحجلة: القبحة، وهو الطائر المعروف، وبيضها فيه نقوشٌ تضرب إلى الحمرة. وقيل: الزر واحدُ أزرارِ حَجَلة العروس.

стр. 469

يعني: يُشْبِهُ خاتمُ النبوة بيضَ القيح والحمام، أو زرَّ حجلة العروس (١) ويأتي وصفُ خاتم النبوة في وصف رسول الله ﵇. واسم جد "السائب": سعيد بن ثمامة بن الأسود. * * * من الحِسان: ٣٢٨ - عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا كانَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل نَجسًا"، ويروى: "فإنَّه لا يَنْجُس". قوله: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا"، ويروى: "فإنه لا ينجس". (القلَّة): الجرة الكبيرة التي تسع مئتين وخمسين رطلًا بالبغدادي، فيكون قَدْرُ القلتين خمس مئة رطلٍ، وقيل: ست مئة رطل. قوله: "لم يحمل نجسًا"؛ أي: لا يقبل النجاسة، بل يدفع النجاسة عن نفسه، يعني: لا ينجس، وهذا بشرطِ أن لا يتغير، فإذا كان الماء قلَّتين ولم يتغير فهو طاهرٌ مطهِّر، وإن كان فيه جيفةٌ مثلًا، فإن تغيَّر نجس. وقَدْرُ القلتين يسمَّى: كثيرًا، ودونهما يسمى: قليلًا. وعند أبي حنيفة: الكثير: الغدير العظيم الذي لو حرِّك أحد جوانبه لم تتحرك جوانبه الأخرى، وفي بعض رواياته: الكثير: ما يكون طولُه عشرة أذرعٍ، وكذلك عرضه. * * *

стр. 470

٣٢٩ - وقال أبو سعيد الخُدرِيُّ ﵁: قيلَ: يا رسولَ الله! أنتوضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضاعَةَ، وهِيَ بئرٌ تُلْقَى فيها الحِيَضُ ولُحومُ الكلابِ والنَّتْنُ؟ فقالَ ﷺ : "إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ". ٣٣٠ - ورُوي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "خُلِقَ الماءُ طَهورًا لا يُنجِّسُهُ إلَاّ ما غيَّرَ طعمَهُ أو ريحَهُ". قوله: "من بئر بضاعة"، (بضاعة) بضم الباء، وهي بئرٌ في المدينة. قوله: "تلقى فيها الحِيَضُ ولحوم الكلاب والنَّتْن"، و (الحيض): جمع حيضة بكسر الحاء، وهي الخرقةُ التي تستعملها المرأة في دم الحيض. و (النَّتْن): الشيء الذي له رائحةٌ كريهة. وتأويل هذا: أن الناس يُلقون الحِيَضَ ولحومَ الكلاب والنَّتْنَ في الصحارى، وخلفَ بيوتهم، فيجري عليها ماء المطر، ويُلقيها الماء إلى تلك البئر؛ لأنها في ممر الماء، وليس معناه: أن الناس يلقون الحيض ولحوم الكلاب والنتن في بئر يُستقى منها الماء (١)؛ لأن هذا ممَّا لا يجوِّزه كافرٌ، فكيف يجوِّزه صحابة رسول الله ﵇ ورضي عنهم. قوله: "إن الماء طهور" تأويله: إن الماء الذي تسألون عنه - وهو ماء بئر بضاعة - طاهر؛ لأنه أكثر من قلَّتين. قال أبو داود رحمة الله عليه: مددتُ فيه ردائي، فإذا عرضُه ستةُ أذرع. قال قتيبة بن سعيد: قلت لقيِّم بئر بضاعة: كم كان فيها من الماء؟ قال: إذا كان كثيرًا فإلى العانة، وإذا كان قليلًا فإلى دون العورة.

стр. 471

قوله: "لا ينجسه شيء" تقديره: لا ينجسه شيءٌ ما لم يتغيَّر. * * * ٣٣١ - وقال أبو هريرة ﵁: "سألَ رجلٌ رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله! إنَّا نركبُ البحرَ، ونحمِلُ مَعَنَا القليلَ مِنَ الماءِ، فإنْ تَوَضَّأْنَا بهِ عَطِشْنَا، أفنتوضَّأُ بماءِ البحر؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ، والحِلُّ مَيْتَتُهُ". قوله: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته": الضمير في (هو الطهور) يرجع إلى (البحر)؛ يعني: ماؤه طهورٌ (١)، وميتته حلال، فالحوتُ حلالٌ بالاتفاق، والضفدع حرامٌ بالاتفاق، والسرطان حرام أيضًا في أصح القولين، وكذلك ما يعيش في الماء والبر. فأما ما لا يعيش في البر ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن جميعه حلال. والثاني: حرام. والثالث: ما يؤكل شبهُه في البر يؤكل، وما لا يؤكل شبهه في البر لا يؤكل. * * * ٣٣٢ - عن أبي زيد، عن عبد الله بن مَسْعود ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لَهُ ليلةَ الجِنِّ: "ما في إداوَتِكَ؟ "، قال: قلت: نبَيذٌ، قال: "تمرةٌ طيِّبَةٌ وماءٌ طَهُور"، فتوضَّأَ مِنْهُ.

стр. 472

قال الإمام: هذا ضعيف، وأبو زيد مجهولٌ، وقد صحَّ: ٣٣٣ - عن عَلْقمة، عن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قال: لَمْ أَكُنْ ليلةَ الجِنِّ مَعَ رسولِ الله ﷺ . ففي روايةٍ: عبد الله بن مسعود كان معه، وفي رواية: زيد بن ثابت معه، لا ابن مسعود. قوله: "ليلة الجن"، (ليلة الجن): هي الليلة التي جاءت الجن رسول الله ﵇، وذهبوا به إلى قومهم ليتعلموا منه الدين. قوله: "ما في إداوتك"، (الإداوة): المطهرة، يعني: أيُّ شيء في إداوتك؟. "النبيذ": التمر أو الزبيب المنبوذ في الماء، كانوا يفعلون هذا ليحلوَ ماؤهم؛ لأن ماءهم كان مالحًا، أو مرًا، وربما يفعلون هذا لأن الماء إذا كان فيه تمرٌ أو غيره من الحلاوة كان أوفقَ وأنفع. واعلم أنه يجوز عند أبي حنيفة التوضُّؤ بالماء المتغيِّر بشيءٍ طاهرٍ كالتمر وغيره. وعند الشافعي: لا يجوز إذا تغيَّر بحيث يضاف ذلك الماء إلى ذلك التمر أو غيره. * * * ٣٣٤ - عن كَبْشَة بنت كَعْب بن مالك ﵄، وكانت تحت ابن أبي قَتادة: أنَّ أبا قَتَادة دخلَ عليها، فسكبَتْ لهُ وَضوءًا، فجاءتْ هِرَّةٌ تشربُ مِنْهُ، فأَصغَى لها الإِناءَ، قالت: فرآني أنظُرُ إليه، فقال: أتعجبين يا بنتَ أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّها لَيْسَتْ بنجَسٍ، إنَّها مِنَ الطَّوَّافينَ عليكُمْ والطَّوَّافاتِ".

стр. 473

قوله: "وكانت تحت ابن أبي قتادة"؛ أي: كانت زوجة ابن أبي قتادة، واسم (ابن أبي قتادة): عبد الله. "سكبت"، أي: صببتُ له ماء الوضوء في قدح. "فأصغى"؛ أي: أمال الإناء إليها لتشرب منه. "أتعجبين يا ابنة أخي"؛ يعني: أتعجبين لأن الهرة تشرب من ماء وضوئي؟ فلا تَعْجَبي، فإنَّ فمها طاهر. قوله لها: "يا ابنة أخي" هذا على عادة العرب؛ لأن العرب يقول بعضهم لبعضٍ: يا أخي، وإن كانا ابني عمَّين. قوله ﵇: "إنها من الطوَّافين عليكم، أو الطوافات"؛ يعني: ليست بنجسة؛ لأنها تطوف عليكم وتتمسَّح بثيابكم وفرشكم، فلو كانت نجسةً لأُمرتم باجتنابها وإخراجها من البيوت. وذُكر فيه معنًى آخرُ، وهو: إنها كالطوافين عليكم من المماليك وأصحاب الحوائج، يعني: يحصل لكم أجرٌ في الإحسان إليها. و (أو) في قوله: (أو الطوافات) شكٌّ من الراوي أنه قال: (من الطوافين)، أو قال: (من الطوافات). وسؤر الهرة طاهرٌ عند الشافعي، وعند أبي حنيفة مكروه. اسم (أبي قتادة): الحارث، وقيل: النعمان بن عمرو بن بلدمة. وجدُّ "كعب": عمرو بن القين بن كعب. * * * ٣٣٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يتوضَّأُ بفَضْلِها.

стр. 474

قولها: "بفضلها"، أي: بفضل الهرة؛ أي: بما بقي في الإناء من الماء بعد شربها. * * * ٣٣٦ - وقال جابر: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ أنتوضَّأُ بما أفْضَلَتِ الحُمُر؟ قال: "نعم، وبما أَفْضَلَتِ السِّباعُ كُلُّها". قوله: "أفضلت"؛ أي: تركت بعد الشرب. "الحمر" بضم الحاء والميم: جمع حمار. قال الشافعي: سؤر جميع السباع طاهر، إلا الكلب والخنزير، وعند أبي حنيفة: نجس. السؤر: البقية. * * * ٣٣٧ - وقالت أُمّ هانئ: اغتسلَ هو - تعني: رسولَ الله ﷺ وَمَيْمُونَةُ في قَصْعَةٍ فيها أثرُ العَجين. قولها: "فيها أثر العجين"، (العجين): الدقيق المعجون، فإن كان أثر العجين كثيرًا بحيث يغيِّر الماء يجوز عند أبي حنيفة الطهارةُ به، ولا يجوز عند الشافعي. والظاهر: أن أثر العجين في تلك القصعة لم يكن كثيرًا مغيِّرًا للماء. و"أم هانئ" بالهمزة بعد النون: هي أختُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، واختُلف في اسمها، قيل: هند، وقيل: فاختة. * * *

стр. 475

٩ - باب تَطْهير النَّجاسات (باب تطهير النجاسات) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شرِبَ الكلْبُ في إناءِ أحدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا". قوله: "إذا شرب الكلب" بَحْثُ هذا الحديثِ يأتي في الذي بعده. * * * ٣٣٩ - وقال: "طُهُورُ إناءِ أحدِكُمْ إذا وَلَغَ فيهِ الكلبُ أنْ يغسلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بالتُّرابِ"، رواه أبو هريرة ﵁. قوله: "طهور إناء أحدكم"، (الطهور) بضم الطاء، بمعنى التطهير أو الطهارة. "إذا ولغ"؛ أي: إذا أدخل فيه الكلب فمه. "أولاهن بالتراب"؛ يعني: يكون الماء الأول مكدَّرًا (١) بالتراب، وفي حديثٍ آخر: "أولاهن أو أخراهن" فيجب استعمال التراب في مرةٍ من السبعة أيَّةِ مرةٍ كانت. وعلةُ جَعْلِ التراب في الماء: أن التراب طهورٌ في التيمم، والماء طهور، فيجب استعمال الطهورين في ولوغ الكلب؛ لكون نجاسته أغلظَ النجاسات. ومذهب أبي حنيفة: أن ولوغ الكلب كسائر النجاسات، لا حاجةَ إلى عدد السبع، ولا إلى استعمال التراب فيه. وعند مالك: يغسل سبعًا من غير تراب، دليله الحديث الذي قبل هذا

стр. 476

الحديث؛ لأنه لا يذكر فيه التراب. * * * ٣٤٠ - وقال أبو هريرة: قامَ أعرابيٌ، فبالَ في المَسْجد، فتناوَلَهُ النَّاسُ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "دَعُوهُ، وأهريقُوا على بَولِهِ سَجْلًا - أَوْ ذَنُوبًا - مِنْ ماءٍ، فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرينَ، ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرين". ويُروى: أنَّه دَعاهُ فقال: "إنَّ هذهِ المساجِدَ لا تَصْلُحُ لشيءٍ مِنْ هذا البَوْلِ ولا القَذَرِ، وإنَّما هِيَ لِذِكْرِ الله، والصَّلاةِ، وقِراءَةِ القُرآن"، أو كما قالَ رسولُ الله ﷺ . قوله: "فتناوله الناس"؛ أي: فأخذه الناس ليضربوه. "دعوه": أي: اتركوه ولا تضربوه ولا تشتموه، فإنه معذورٌ؛ لأنه لم يعلم أن البول في المسجد لا يجوز. "وأهريقوا"؛ أي: صبُّوا. "السَّجْل": الدلو الذي فيه الماء قلَّ أو كثر، و"الذَّنوب": الدلو الملآن. و (أو) في قوله: "أو ذنوبًا" يحتمل أن تكون للشك من الراوي، ويحتمل أن تكون للتخيير؛ يعني: خيَّرهم النبي ﵇ بين أن يُهريقوا فيه سَجْلًا غيرَ ملآن، أو ذنوبًا ملآن. و"من ماء" تأكيدٌ وليس بتبيينٍ؛ لأن السَّجْلَ والذَّنوب لا يكونان إلا من الماء. وهذا دليل على أن الأرض تطهر بإراقة الماء عليها. وقال أبو حنيفة: لا تطهر حتى يحفر ذلك التراب، فإن وقع عليها الشمس طهر عنده من غير حفرٍ وصبِّ ماء.

стр. 477

قوله: "بعثتم ميسِّرين"، (التيسير): التسهيل؛ يعني: أُمرتم باللطف والرحمة على الناس، وترك إيذائهم. "التعسير": ضد التيسير. "لا تصلح": أي: لا يليق، ولا يجوز. "القذر": ما يَنفر ويَتقذَّر منه الطبع، كالنجاسات والأشياء المنتنة. قوله: "أو كما قال رسول الله ﵇"؛ يعني: شك الراوي أن رسول الله ﵇ قال هذه الكلمات، أو قال شيئًا آخر. * * * ٣٤١ - قالت أسماءُ بنت أبي بكر ﵂: سأَلَتِ امرأَةٌ رسولَ الله ﷺ : أرأَيْتَ إحدانا إذا أصابَ ثَوْبَها الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إذا أصابَ ثَوْبَ إِحْداكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثمَّ لتَنْضَحْهُ بماءٍ، ثمَّ تُصلِّي فيه". وفي روايةٍ: "حُتِّيه، ثم اقْرُصيهِ، ثم اغسِليهِ بالماء". وفي روايةٍ: "ثُمَّ رُشِّيهِ بالماءِ، وصلِّي فيه". قولها: "أرأيت إحدانا": أي: أَخبِرْنا عن حكم إصابة دم الحيضة ثوبَ إحدانا، و (الحيضة): الحيض. قوله: "فلتقرصه": فلتَمْسَحْه بيدها مسحًا شديدًا قبل الغَسْلِ حتى تنقيته. "ثم لتنضحه"؛ أي: ثم لتغسله، (النضح) هنا: صبُّ الماء. "ثم تصلي فيه"؛ يعني: إذا غسلته وبقي أثره فلا بأس؛ لأن إزالة لون الدم متعسِّر. * * *

стр. 478

٣٤٢ - عن سُليمان بن يَسار قال: سألتُ عائشةَ عن المَنيِّ يُصيبُ الثَّوبَ، فقالت: كنتُ أغسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رسولِ الله ﷺ ، فيخرُجُ إلى الصَّلاةِ وأثَرُ الغَسْلِ في ثَوْبِهِ. ٣٤٣ - وعن عَلقمة والأسود، عن عائشة ﵂ قالت: كنتُ أفرُكُ المنيَّ مِنْ ثَوْبِ رسولِ الله ﷺ ، ثمَّ يُصَلِّي فيه. قوله: "عن المني" اعلم أن المنيَّ طاهرٌ عند الشافعي وأحمد، ونجسٌ عند مالكٍ، وأما عند أبي حنيفة: يغسل ما دام رطبًا، فإذا يبس جاز فركُه من غير غَسْلٍ. والفرك: الدَّلكُ والمسحُ حتى يذهب أثره وغبارُه من الثوب. * * * ٣٤٤ - عن أُمِّ قَيْس بنت مِحْصَن ﵂: أنَّها أتتْ بابن لها صغيرٍ لَمْ يأكُل الطَّعامَ إلى رسولِ الله ﷺ ، فأجْلَسَهُ رسولُ الله ﷺ في حَجْرِهِ، فبالَ على ثَوْبِهِ، فدعا بماءٍ فنضَحَهُ ولم يَغْسِلْهُ. قوله: "فدعا بماء فنضحه ولم يغسله": اعلم أن الصبي الذي لم يَطْعَم غيرَ اللبن اختُلف في غسل بوله: فمذهب أبي حنيفة ﵀ أن يُغسل كسائر النجاسات. ومذهب الشافعي: أن يُرشَّ عليه بحيث أن يغلب الماء على البول؛ لأن لفظ الحديث هو الرشُّ كما يأتي بعد هذا. والمراد بالرش: إيصالُ الماء إلى جميع موضعِ البول بحيث يكون الماء أكثر من البول.

стр. 479

قيل في حدِّه: ليكن الماء مِثْلَي البول، ولا يشترطُ سيلان الماء من ذلك الموضع، ولا تقاطُره، وإذا رُشَّ الماء على ذلك الموضع على هذه الصفة طهُر ذلك الثوب برخصة الشارع، وعُفي عن البول الباقي في ذلك الموضع، بخلافِ بول الصبيَّة، فإن لبولها لُزوجةٌ، فيُحتاج في غسل بولها إلى دلكٍ وعصرٍ. "أم القيس" اسم جدِّها: حرثان، وهي أخت عكاشة بن محصن، وهي أسدية. * * * ٣٤٥ - وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دُبغَ الإِهابُ فقدْ طَهُرَ". قوله: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر"، (الإهاب): الجلد، يعني: إذا دُبغ جلد الميتة طهُر، إلا جلد الكلب والخنزير. وعند أبي حنيفة: يطهر جلدُ الكلب أيضًا. * * * ٣٤٦ - وقال عبد الله بن عبَّاس ﵄: تُصُدِّقَ على مَولاةٍ لمَيْمُونةَ بشاةٍ، فماتَتْ، فَمَرَّ بها رسولُ الله ﷺ فقال: "هَلَاّ أَخَذْتُمْ إِهابَهَا فدبَغْتُمُوهُ فانتفَعْتُمْ بهِ؟ "، فقالوا: إنَّها مَيْتَةٌ، فقال: "إنَّما حَرُمَ أكْلُها". قوله: "تُصُدِّقَ"؛ أي: دُفعت صدقةٌ إلى عتيقةٍ لميمونة. قوله: "وإنما حَرُم أكلها"؛ يعني: إنما حرم من الميتة أكلُها ونَجُسَ لحمُها، وأما جلدها فيجوز دباغته، ويطهر بالدباغة. * * * ٣٤٧ - وقالت سَوْدَة ﵂ زَوجُ النبيِّ ﷺ : ماتَتْ لنا شاةٌ، فَدَبَغْنَا

стр. 480

مَسْكَها، ثم ما زِلْنَا نَنبذُ فيهِ حتَّى صارَ شَنًّا. قوله: "سودة زوج النبي ﵇: ماتت لنا شاة ... " إلى آخره، الزوج والزوجة واحدٌ. "المَسك" بفتح الميم: الجلد. "ما زلنا ننبذ"؛ أي: نشرب منه الماء، وإنما قالت: (ننبذ فيه)؛ لأنهم كانوا ينبذون في الماء التمرَ وغيرَه ليحلوَ. وفي هذا بيانُ طهارة الجلد المدبوغ. "حتى صار شنًا"؛ أي: حتى صار خَلَقًا بحيث لا يمكن استعماله، من الخُلوقة. "سودة" اسمُ أبيها: زمعةُ بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودٍّ. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٤٨ - عن لُبابة بنت الحارِث قالت: كانَ الحُسَيْنُ بن عليٍّ ﵄ في حَجْرِ رسولِ الله ﷺ ، فَبَالَ، فقلتُ: أعْطِنِي إزارَكَ حتَّى أغسِلَهُ، قال: "إنَّما يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأُنثى، ويُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ". وفي روايةٍ: "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجاريَةِ، ويُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلامِ". قوله: "عن لبابة" تقدم بحثُ حديثها. و"لبابة": أم عبد الله بن عباس، واسم جدها: حَزْنُ بن بجير بن الهزم، وهي أخت ميمونة. * * * ٣٤٩ - وقال: "إذا وَطِئَ بنعْلِهِ أحدُكُم الأَذَى فإن التُّرابَ لهُ طَهُورٌ".

стр. 481

قوله: "وطئ"؛ أي: ضرب ومسح الأذى النجاسة. ذهب الأوزاعي وأبو ثور: أن النعل والخفَّ إذا أصابتهما نجاسةٌ رطبةٌ، ومسحهما على الأرض حتى يذهب أثرها، جازت الصلاة بهما. وذهب الشافعي: إلى أن النجاسة لا يزيلها إلا الماء، وتأويل الحديث عنده: أن الرجل إذا مشى على نجاسة يابسة، فأصاب النعلُ غبار النجاسة اليابسة، ثم مشى على مكان طاهرٍ، يَطْهُر نعله؛ لزوال غبار النجاسة بمشيه على مكان طاهر. وعند أبي حنيفة: إذا جفَّت النجاسة بالنعل أو الخف، فمسَحَه على الأرض، جازت صلاته، وإن كانت النجاسة رطبةً لم تجز. * * * ٣٥١ - عن المِقْدَامِ بن مَعْدِ يْكَرِب ﵁ قال: نَهى رسولُ الله ﷺ عَنْ لُبْسِ جُلودِ السِّباعِ والرُّكوبِ عليها. قوله: "نهى رسول الله ﵇ عن لبس جلود السباع والركوب عليها" هذا النهي يحتمل وجوهًا: أحدها: أن يكون قبل الدباغ فيكون نجسًا، ولبسُ النجس والركوبُ عليه لا يجوز. والثاني: أن يكون بعد الدباغ، ولكن الظاهر كونُ الشعر على جلود السباع يُدبغ مع الشعر (١)، والشعر لا يطهر بالدباغ؛ لأن الدباغ لا يغيِّر الشعر عن حاله، ولا يؤثِّر فيه، فإذا كان كذلك يكون نجسًا، فالنهي على هذين الوجهين نهيُ تحريمٍ، وفي وجهِ يَطْهُر الشعر بالدباغ تبعًا للجلد.

стр. 482

والوجه الثالث: أن لبس جلود السباع والركوب عليها من فعل السلاطين، وفيه تكبُّرٌ وزينة، ولا يليق هذا بالصلحاء، فإذا كان النهي لأجل ترك التكبر والخيلاء يكون النهي نهيَ تنزيهٍ إذا قلنا: يطهر الشعر بالدباغ، أو كان جلدًا لم يكن عليه شعر. * * * ٣٥٢ - وعن أبي المَليح عن أبيه ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن جُلُودِ السِّباعِ أنْ تُفْتَرشَ. قوله: "عن أبي المليح عن أبيه: أن النبي ﵇ نهى عن جلود السباع أن تفترش": أي: تبسط ويجلس عليها. و"أبو المليح" بفتح الميم وكسر اللام: اسمه عامر، واسم أبيه: أسامة بن عمير الهذلي. * * * ٣٥٣ - ورُوي عن أبي المَليح ﵁: أنَّهُ كَرِهَ ثَمنَ جُلُودِ السِّباعِ. قوله: "أنه كره ثمن جلود السباع"؛ يعني: أن رسول الله ﵇ كره بيع جلود السباع وشراءها، وذلك قبل الدباغ؛ لكونها نجسة قبل الدباغ، وأما بعد الدباغ فيجوز. * * * ٣٥٤ - وعن عبد الله بن عُكَيْم قال: أتانا كتابُ رسولِ الله ﷺ : "أنْ لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بإِهابٍ ولا عَصَبٍ". قيل: هذا فيما لم يُدبغ لِمَا رُوي:

стр. 483

٣٥٥ - عن عائشة ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَرَ أنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَتْ. قوله: "بإهاب"، (الإهاب): الجلد. راوي هذا الحديث: عبد الله بن عكيم، وهو ليس من الصحابة؛ لأنه لم يلق النبي ﵇. * * * ٣٥٦ - وعن مَيْمُونة ﵂ قالت: مرَّ على رسولِ الله ﷺ رِجالٌ يَجُرُّون شاةً، قال: "لو أخذْتُمْ إهابَهَا"، قالوا: إنَّها مَيْتَةٌ، فقال: "يُطَهِّرُهُ الماءُ والقَرَظُ"، ويُروى: "دِباغُها طُهُورُها". قوله: "لو أخذتم إهابها"؛ أي: لو أخذتم إهابها فدبغتُموه لكان حسنًا، أو: لكان جائزًا. قوله: "يطهره الماء والقَرَظ"، (القَرَظ): ورق شجرٍ - أي: سلم -، أو قشرُ بلوطٍ يُدبغ به، يعني: يطهِّره خلطُ القَرَظ بالماء ودباغةُ الجلد به، والله أعلم. * * * ١٠ - باب المَسْح على الخُفَّيْنِ (باب المسح على الخفين) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٥٧ - سُئِلَ عليُّ بن أبي طالب ﵁ عَن المَسْحِ على الخُفَّيْنِ، فقال:

стр. 484

جَعلَ رسولُ الله ﷺ ثلاثةَ أيَّامٍ ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِر، ويومًا وليلةً للمُقيمِ. قوله: "سئل علي (١) ... " إلى آخره، معناه ظاهر. * * * ٣٥٨ - عن المُغيرة بن شُعبة ﵁: أنَّه غَزا معَ رسولِ الله ﷺ غَزْوَةَ تبوكَ، قال المُغيرةُ: فتبرَّزَ رسولُ الله ﷺ قِبَلَ الغائطِ، فحمَلْتُ معهُ إداوةً، فلمَّا رَجَعَ أخذتُ أُهريقُ على يَدَيْهِ مِنَ الإداوةِ، فغسلَ يَدَيْهِ ووجْهَهُ، وعليهِ جُبَّةٌ مِنْ صوفٍ، ذهبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِراعَيْهِ، فضاقَ كُمُّ الجُبَّةِ، فأخرجَ يَدَيْهِ مِنْ تحتِ الجُبَّةِ، وألقى الجُبَّةَ على مَنْكِبَيْهِ، وغسلَ ذِراعَيْهِ، ثم مسحَ بناصِيَتِهِ وعلَى العِمامةِ، ثم أَهوَيْتُ لأنزِعَ خُفَّيْهِ فقال: "دَعْهُمَا، فإنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ"، فمسحَ عليهِما، ثمَّ ركِبَ ورَكِبْتُ، فانتهَيْنَا إلى القَوْمِ وقدْ قامُوا إلى الصَّلاةِ يُصلِّي بهم عبدُ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ ﵁ وقدْ ركعَ بهم ركعةً، فلمَّا أحسرَّ بالنَّبيِّ ﷺ ذهبَ يتأخَّرُ، فأَوْمأَ إليهِ، فأدركَ النَّبيُّ ﷺ إحدى الرَّكعتَيْنِ معهُ، فلمَّا سلَّمَ قامَ النَّبيُّ ﷺ وقُمْتُ، فَرَكَعْنا الرَّكْعَةَ التي سَبَقَتْنا. قوله: "تبرَّز"؛ أي: خرج "قِبَل الغائط" - بكسر القاف وبفتح الباء - أي: جانبَ وناحيةَ، يقضي فيه حاجته. "إداوة"؛ أي: مطهرة فيها الماء؛ ليتوضأ منها. قوله: "قبل الفجر"؛ أي: وكان خروجه لقضاء الحاجة قبل الفجر. وهذا دليلٌ على أن تحصيل أسباب الصلاة من الوضوء وغيره يستحبُّ قبل دخول الصلاة.

стр. 485

"فلما رجع"؛ أي: فلما رجع من قضاء الحاجة "أخذت"؛ أي: طفِقْتُ أُهريق؛ أي: أصبُّ على يديه. وهذا دليلٌ على أن صبَّ الماء على يد المتوضَّئ ليتوضَّأ جائز. "فغسل يديه"؛ أي: كفيه. قوله: "وعليه جبة من صوف" وهذا دليلٌ على أن لبس الصوف سنةٌ. "ذهب"؛ أي: طفق "يحسر عن ذراعيه"؛ أي: يُبعد كمَّيه عن ذراعيه، "فضاق كمُّ الجبة" بحيث لا يقدر أن يخرج يده إلى المرافق عن كم الجبة من غايةِ ضيقِ الكم. وهذا دليلٌ على أن الكمَّ الضيِّقَ سنة. "أهويت"؛ أي: قصدتُ. قوله: "دعهما"؛ أي: اتركهما ولا تنزعهما عن رجليَّ "فإني أدخلْتُهما طاهرتين"؛ يعني: لبستهما في حالةِ كونِ قدميَّ طاهرتين، يعني: كنت على وضوءٍ كامل حين لبستهما، فيجوز المسحُ عليهما. وهذا دليلٌ على أن المسح على الخفين إنما يجوز إذا لبس الخفين على وضوء كامل. "فانتهينا"؛ أي: وصلنا. "يصلِّي بهم"؛ أي: كان عبد الرحمن بن عوف إمامَهم، وقد جاء في رواية أخرى: أن رسول الله ﵇ قال لهم بعد الفراغ من الصلاة: "أحسنتم، صلُّوا الصلاة لوقتها"؛ يعني: إذا دخل وقت الصلاة صلُّوا الصلاة لوقتها، ولا تؤخِّروا الصلاة لانتظار الإمام، وتركُ انتظار الإمام إنما يستحبُّ إذا علموا أن الإمام يجيء بعد مضي زمان كثير، ولم يعلموا متى يجيء الإمام، أما

стр. 486

إذا علموا مجيء الإمام في زمانٍ يسيرٍ يستحبُّ انتظاره، وإن كان موضع الإمام قريبًا من المسجد يستحبُّ إعلامه وقتَ الصلاة. قوله: "وقد ركع بهم ركعة"؛ أي: وقد صلَّى بهم ركعةً " [فلما] أحس بالنبي ﵇"؛ أي: علم عبد الرحمن مجيء النبي ﵇ "ذهب يتأخر"؛ أي: عزم على أن يتأخر عن موضعه؛ ليتقدم النبي ﵇. "فأومأ"؛ أي: أشار إليه النبي ﵇ أن يكون على حاله، "فأدرك النبي ﵇ إحدى الركعتين معه"، يعني: اقتدى النبي ﵇ بعبد الرحمن في ركعتهم الباقية، وهذا دليل على أن اقتداء الأفضل بمن دونه جائز إذا علم الإمام أركان الصلاة. "فركعنا"؛ أي: صلينا. "سبقَتْنا"؛ أي: فاتت عنَّا مع الإمام. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٥٩ - قال أبو بَكْرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : أنَّهُ رخَّص للمُسافرِ ثلاثةَ أيَّامٍ وليالِيَهُنَّ، وللمُقيمِ يومًا وليلةً، إذا تطهَّرَ فلبِسَ خُفَّيْهِ أنْ يمسحَ عليهِما. (مِنَ الحِسَان): قوله: "أرخص"؛ أي: جوَّز. "فلبس خفَّيه" الفاء للتعقيب، يعني: ليكن وضوؤه متقدمًا على لبس الخف، فلو لبس الخفَّ على الحدث ثم توضأ لا يجوز المسح على الخف. "أبو بكرة": ثقفي، واسمه: نفيع بن الحارث بن كَلَدَة بن عمرو بن علاج. * * *

стр. 487

٣٦٠ - وقال صَفوان بن عسَّال ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يأْمُرُنا إذا كُنَّا سَفْرًا أنْ لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيَّامٍ ولَيالِيَهُنَّ إلَاّ مِنْ جنابةٍ، ولكنْ مِنْ غائطٍ وبَوْلٍ ونَوْمٍ. قوله: "إذا كنَّا سفرًا"، (السَّفْر) بسكون الفاء؛ بمعنى المسافرين. "أن لا ننزع خفافنا"؛ أي: أن نمسح على خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، و (الخفاف): جمع خُفٍّ. "إلا من جنابة"؛ يعني: لا ننزع خفافنا إلا عند غُسلِ الجنابة؛ فإنه لا يجوز للمغتسل أن يمسح على الخف، بل يجب عليه نزعُ الخف وغسلُ الرجلين كسائر الأعضاء. قوله: "ولكن من غائطٍ وبول ونوم"؛ يعني: ننزع خفافنا عند غسل الجنابة، ولكن لا ننزعها عند البول والغائط والنوم، بل نتوضأ ونمسح على الخف. فإن قيل: لم لا يجوز المسح على الخف للمغتسل ويجوز للمتوضيء؟. قلنا: لأن الجنابة لا يكثر وقوعها، فلا يكون في نزع الخف عند غسل الجنابة مشقةٌ، وأما الحدث يكثر وقوعه، فيكون في نزع الخف مشقةٌ، فالمسحُ على الخف رخصةٌ، وورودُ الرخصة إنما يكون لرفع المشقة. * * * ٣٦١ - عن المُغيرة بن شُعبة ﵁ أنه قال: وضَّأْتُ النَّبيَّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فمسحَ أعلى الخُفِّ وأسفلَه. قال الشيخ الإِمام ﵁: هذا مرسلٌ لا يثبت، ورُوي متصلًا:

стр. 488

٣٦٢ - عن المُغيرة ﵁ قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يمسحُ على الخُفَّيْنِ على ظاهرهِما. قوله: "وضأت" بتشديد الضاد؛ أي: صببتُ ماء الوضوء على يدي رسول الله ﵇. قول الشيخ: "هذا مرسلٌ لا يثبت" بعد قوله: "عن المغيرة" غير مستقيم؛ لأن المرسل هو الحديث الذي يرويه التابعي عن رسول الله ﵇، ولم يذكر الصحابي، وها هنا ذكر المغيرة وهو صحابي، وهو راوي هذا الحديث، فكيف يكون مرسلاً؟. وأصل هذا الحديث: أن رجاء بن حَيْوَةَ روى عن ورَّادٍ كاتبِ المغيرة ومولاه: أن رسول الله ﵇ مسح أعلى الخفِّ وأسفلَه. فالحديث على هذا الطريق مرسل؛ لأن ورَّادًا روى هذا الحديث عن رسول الله ﵇، وترك ذكر المغيرة، وورَّادٌ تابعي. فإذا عرفتَ هذا؛ فاعلم أن السنَّة عند الشافعي ومالك: أن يمسح أعلى الخفِّ وأسفله، وعند أبي حنيفة: أن يمسح أعلى الخف دون أسفله. * * * ٣٦٣ - وعن المُغيرة ﵁ قال: توضَّأَ النَّبيُّ ﷺ ومسحَ على الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ. قوله: "ومسح على الجوربين والنعلين" قال الخطابي: معنى قوله: (مسح على الجوربين والنعلين) أن النعلين لبسهما فوق الجوربين. وقد جوَّز المسح على الجوربين: سفيان الثوري وأحمد بن حنبل. وعند أبي يوسف ومحمد بن الحسن: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا

стр. 489

ثخينين لا يصل الماء منهما إلى الرِّجلين. * * * ١١ - باب التَّيمُّم (باب التيمم) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٦٤ - عن حُذَيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فُضِّلْنا على النَّاسِ بثلاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنا كصُفُوفِ الملائكَةِ، وجُعِلَتْ لنا الأرضُ كُلُّها مسجِدًا، وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لنا طَهُورًا إذا لَمْ نَجِدِ الماءَ". (من الصحاح): قوله: "فضِّلنا"؛ يعني: لم يكن واحدٌ من هذه الثلاثة للأمم المتقدمة؛ أي: فضَّلنا الله على الأمم المتقدِّمة بهذه الأشياء، وذلك لأن الأمم المتقدِّمة يقفون كيف اتَّفق من غير الصف، وأُمرنا أن نقف في الصلاة على الصف كما تقف الملائكة هكذا. ولم يجز للأمم المتقدمة أن يصلُّوا إلا في كنائسهم، وجاز لهذه الأمة أن يصلُّوا في جميع وجه الأرض إذا كان الموضعُ طاهرًا. ولم يجز التيمم لأحدٍ من الأمم المتقدمة، وكذلك لم يكن في أول الإسلام جائزًا حتى أضلَّت عائشة قلادةً وهي مع رسول الله ﵇ في غزوٍ، فأقاموا في ذلك الموضع لطلب قلادة عائشة حتى دخل وقت الصلاة، ولم يكن هناك ماء، فاغتمَّ المسلمون لأجل الصلاة، وجاء أبو بكر عائشةَ وآذاها بالكلام، وقال: فوَّتِّ الصلاة على المسلمين، فنزلت آية التيمم، وهي قوله

стр. 490

تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ٤٣]. قوله ﵇: "وجعلت تربتها لنا طهورًا"، (تربتها)، أي: ترابُ الأرض، (طهورًا)؛ أي: مطهِّرًا. قوله: "إذا لم نجد الماء"، (إذا): للشرط، يعني: لا يجوز التيمم إلا إذا لم يجد الماء، وكذلك يجوز لمَن به مرضٌ أو جراحةٌ يضرُّه استعمال الماء، يجوز التيمم مع وجود الماء. * * * ٣٦٥ - وقال عِمْران: كُنَّا في سَفَرٍ معَ النَّبيِّ ﷺ ، فصلَّى بالنَّاسِ، فلمَّا انفتلَ إذا هو برَجُلٍ مُعتزلٍ لم يُصَلِّ مع القومِ، فقال: "ما منعَكَ أنْ تصلِّيَ معَ القومِ؟ "، قال: أصابَتْني جنابةٌ ولا ماءَ قال: "عليكَ بالصَّعيدِ فإنَّه يكفيك". قوله: "وقال عمران: كنا في سفرٍ مع النبي ﵇ فصلى بالناس، فلما انفتل إذا هو برجلٍ معتزلٍ". قوله: "انفتل"؛ أي: رجع وفرغ من الصلاة، "إذا هو برجل"؛ أي: إذا رسول الله ﵇ حاصل برجل؛ يعني: رأى رسول الله ﵇ رجلًا واقفًا في ناحية لم يصلِّ مع القوم. "معتزل": اسم فاعلٍ من اعتزل: إذا خرج من بين القوم، ووقف في جانبٍ منفردًا. "عليك بالصعيد"؛ يعني: يلزم عليك التيمُّمُ بالصعيد، و (الصعيد): التراب عند الشافعي، ووجهُ الأرض سواءٌ كان عليها الترابُ أو لم يكن عند أبي حنيفة. قوله: "فإنه يكفيك": أي: سيغنيك عن الوضوء، ويدفع عنك القضاء، بل من تيمم وصلَّى فلا قضاء عليه سواءٌ كان محدِثًا أو جنبًا. * * *

стр. 491

٣٦٦ - وقال عمَّار ﵁: كُنَّا في سَرِيَّةٍ فأجْنَبْتُ، فتمعَّكْتُ فصلَّيْتُ، فذكرتُ للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "إنَّما كانَ يكفيكَ هكذا"، فضربَ النَّبيُّ ﷺ بكَفَّيْهِ الأرضَ ونفخَ فيهما، ثمَّ مسحَ بهما وجهَهُ وكفَّيْهِ. وفي روايةٍ قال: فأَتيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: "إنما يَكفيكَ أنْ تضربَ بيَدَيْكَ الأرضَ، ثمَّ تنفُخَ، ثمَّ تمسحَ بهما وجهَكَ وكَفَّيْكَ". قوله: "كنا في سرية"، (السرية): قطعة من الجيش، يقال: خير السرية: أربع مئة رجل. "فتمعكت"؛ أي: تمرَّغْتُ في التراب؛ أي: أوصلتُ التراب إلى جميع أعضائي، وظننتُ أن إيصال التراب إلى جميع الأعضاء واجبٌ في الجنابة، كإيصال الماء إلى جميع الأعضاء. قوله: "فضرب النبي ﵇ بكفيه الأرض ونفخ فيهما" إنما نفخ فيهما لأنه حصل في كفيه ترابٌ كثير، فنفخ فيهما ليَقِلَّ التراب، ولو نفخ حتى يذهب جميع التراب من الكف لم يجز التيمم عند الشافعي؛ لأن إيصال التراب إلى الوجه واليدين واجب عنده. ويجوز عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن إيصال التراب إلى الوجه واليدين غير واجب عنده، بل الواجبُ عنده ضربُ الكفين على وجه الأرض، وإن كان على حجر أملس. وهذا الحديث يدل على أنه يكفي ضربةٌ واحدة للوجه والكفين، وبه قال أحمد والأوزاعي. وأما عند مالكٍ والشافعي وأبي حنيفة: لا يجوز إلا بضربتين للوجه، وضربةٍ لليدين إلى المرفقين، بدليلِ حديث ابن عمر، وقد ذكر في آخر باب مخالطة الجنب. * * *

стр. 492

٣٦٧ - عن أبي جُهَيْم بن الحارِث بن الصِّمَّة قال: مَرَرْتُ على النَّبيِّ ﷺ وهو يبولُ، فسلَّمْتُ عليه، فلمْ يَرُدَّ عليَّ حتَّى قامَ إلى جِدارٍ، فحتَّهُ بعَصًا كانتْ معه، ثمَّ وضعَ يده على الجدارِ، فمسحَ وجهَهُ وذِراعَيْهِ، ثمَّ ردَّ عليَّ. قوله: "فحته"؛ أي: فحتَّه وخدشه حتى يحصل منه تراب. هذا الحديث يدل على استحباب ذكر الله تعالى في حال الطهارة؛ لأن السلام من أسماء الله تعالى. قوله: "وضع يده على الجدار"؛ أي: ضرب بيده على الجدار. "أبو الجُهيم"، وقيل: أبو الجهم، اسمه: الحارث بن الصَّمَة - بكسر الصاد وتخفيف الميم - الأنصاري. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٦٨ - عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الصَّعيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ المسلمِ وإنْ لمْ يجِدِ الماءَ عَشْرَ سنِينَ، فإذا وجدَ الماءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فإنَّ ذلك خَيْرٌ". قوله: "إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين". و"الوضوء" بفتح الواو: ماء الوُضوء، والمراد ها هنا: أن التراب بمنزلة ماء الوضوء في صحة الصلاة بالتيمم. قوله: "وإن لم يجد الماء عشر سنين" والمراد بعشر سنين: الكثرة؛ يعني: وإن لم يجد الماء مدةً طويلة، وليس المراد منه أنه لا يجوز فوق عشر سنين، بل يجوز أبدًا إن لم يجد الماء. قوله: "فليُمِسه" بضم الياء وكسر الميم، وهو مضارعُ (أَمسَّ)، يقال:

стр. 493

مَسِسْتُ اليدَ، وأَمْسَسْتُ الماءَ اليدَ؛ أي: مسحت اليدَ بالماء، و"البَشَر والبَشَرة": وجه الجلد؛ يعني: إذا وجد الماء فليتوضأ. قوله: "فإن ذلك خير": ليس معنى هذا أن الوضوء والتيمم كلاهما جائزٌ عند وجود الماء لكنَّ الوضوء خير، بل المراد منه: أن الوضوء واجبٌ عند وجود الماء، ولا يجوز التيمم. وهذا نظير قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] مع أنه لا خير ولا حُسْنَ لمستقَرِّ أصحاب النار ومَقيلهم، و (المقيل): موضع القيلولة، وهو النوم نصف النهار. * * * ٣٦٩ - وقال جابرٌ: خَرَجْنا في سفَرٍ، فأصابَ رَجُلاً مِنَّا حجَرٌ فشجَّهُ في رأسِهِ، فاحتلَمَ، فسألَ أصحابَهُ: هَلْ تجدُونَ لي رُخصةً في التَّيمُّمِ؟ قالوا: ما نجدُ لكَ رُخصةً وأنتَ تقدِرُ على الماءِ، فاغتَسَلَ فمات، فلمَّا قدِمْنا على رسول الله ﷺ أُخْبِرَ بذلك، قال: "قتلُوهُ قتلَهُمُ الله، ألا سالُوا إذْ لمْ يعلَمُوا، فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ، إنَّما كانَ يَكفيهِ أنْ يتيمَّمَ، وَيَعصبَ على جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثمَّ يمسحَ عليها، ويغسِلَ سائرَ جسَدِهِ". قوله: "فشجه"؛ أي: كسره الحجر، و"في رأسه" بيانٌ لموضع الشج، يعني: كسر رأسه. "فاحتلم"؛ أي: أصابته جنابةٌ، وخاف أن يقع الماء في الجراحة لو اغتسل. "العي" بكسر العين: التحيُّر في الكلام، يعني: لمَ لم يسألوا، ولم يتعلَّموا ما لا يعلمون، فإنه لا شفاء لداء الجهل إلا التعلُّم.

стр. 494

التعصيب: الشد، "أن يعصب"؛ أي: أن يشد خرقةً على جرحه حتى لا يصل إليه الماء، ويمسح بالماء على وجه الخرقة ويتيمم. وفي الفقه خلافٌ في تقديم التيمم على الوضوء وتأخيره، وليس في الغسل ترتيب. * * * ١٢ - باب الغُسْل المَسْنون (باب الغسل المسنون) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٧١ - عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاءَ أحدُكُم الجُمعَة فَلْيَغْتَسِل". (مِنَ الصِّحَاحِ): قوله: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" هذا أمرُ سنةٍ لا وجوبٍ، وغسلُ الجمعة لا يصحُّ قبل الصبح. * * * ٣٧٢ - وقال: "غُسْلُ يومِ الجمعةِ واجِبٌ على كُلِّ مُحْتَلِمٍ"، رواه أبو سعيد الخُدري ﵁. قوله: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". قوله: "واجب": هذا تأكيد الاستحباب، وليس المراد به الوجوب، وهذا كقول القائل: حقُّ فلان علينا واجبٌ، ودعاؤه واجب. ومعلومٌ أن دعاءه غير واجب.

стр. 495

قوله: "على كل محتلم"؛ أي: بالغ؛ لأن الصبي غير مأمور، وعلَّة الغُسل: إزالة الوسخ والرائحة الكريهة كي لا يتأذى بعض الناس برائحة بعض. * * * ٣٧٣ - وقال: "حقٌّ على كُلِّ مُسلمٍ أنْ يَغْتَسِلَ في كُلِّ سَبعةِ أيَّامٍ يومًا يَغسِلُ فيه رأسَهُ وجَسَدَهُ"، رواه أبو هريرة ﵁. قوله: "حق على كل مسلم"! بحثُ قوله: "حق"، كبحثِ قوله: "واجب"، وقد ذكر. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٧٤ - عن سَمُرَة بن جُنْدب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ توضَّأَ يومَ الجمعةِ فَبِها ونِعْمَتْ، ومن اغتسَلَ فالغُسْلُ أفْضَلُ". قوله: "فبها"؛ أي: فبالشريعة أَخَذَ، و"نعمت"؛ أي: نعمت الخصلةُ الوضوء. هذا الحديث صريحٌ بأن غسل الجمعة سنَّة. * * * ٣٧٥ - وقال: "مَنْ غَسَّلَ مَيَّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، ومَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأَ"، رواه أبو هريرة. وقال: "من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ". علة الغسل: أنه ربما يلحقه رَشاشٌ من الماء المغسول به الميت من
следующие страницы →