٣٦٦ - وقال عمَّار ﵁: كُنَّا في سَرِيَّةٍ فأجْنَبْتُ، فتمعَّكْتُ فصلَّيْتُ، فذكرتُ للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "إنَّما كانَ يكفيكَ هكذا"، فضربَ النَّبيُّ ﷺ بكَفَّيْهِ الأرضَ ونفخَ فيهما، ثمَّ مسحَ بهما وجهَهُ وكفَّيْهِ.
وفي روايةٍ قال: فأَتيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: "إنما يَكفيكَ أنْ تضربَ بيَدَيْكَ الأرضَ، ثمَّ تنفُخَ، ثمَّ تمسحَ بهما وجهَكَ وكَفَّيْكَ".
قوله: "كنا في سرية"، (السرية): قطعة من الجيش، يقال: خير السرية: أربع مئة رجل.
"فتمعكت"؛ أي: تمرَّغْتُ في التراب؛ أي: أوصلتُ التراب إلى جميع أعضائي، وظننتُ أن إيصال التراب إلى جميع الأعضاء واجبٌ في الجنابة، كإيصال الماء إلى جميع الأعضاء.
قوله: "فضرب النبي ﵇ بكفيه الأرض ونفخ فيهما" إنما نفخ فيهما لأنه حصل في كفيه ترابٌ كثير، فنفخ فيهما ليَقِلَّ التراب، ولو نفخ حتى يذهب جميع التراب من الكف لم يجز التيمم عند الشافعي؛ لأن إيصال التراب إلى الوجه واليدين واجب عنده.
ويجوز عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن إيصال التراب إلى الوجه واليدين غير واجب عنده، بل الواجبُ عنده ضربُ الكفين على وجه الأرض، وإن كان على حجر أملس.
وهذا الحديث يدل على أنه يكفي ضربةٌ واحدة للوجه والكفين، وبه قال أحمد والأوزاعي.
وأما عند مالكٍ والشافعي وأبي حنيفة: لا يجوز إلا بضربتين للوجه، وضربةٍ لليدين إلى المرفقين، بدليلِ حديث ابن عمر، وقد ذكر في آخر باب مخالطة الجنب.
* * *
стр. 492
٣٦٧ - عن أبي جُهَيْم بن الحارِث بن الصِّمَّة قال: مَرَرْتُ على النَّبيِّ ﷺ وهو يبولُ، فسلَّمْتُ عليه، فلمْ يَرُدَّ عليَّ حتَّى قامَ إلى جِدارٍ، فحتَّهُ بعَصًا كانتْ معه، ثمَّ وضعَ يده على الجدارِ، فمسحَ وجهَهُ وذِراعَيْهِ، ثمَّ ردَّ عليَّ.
قوله: "فحته"؛ أي: فحتَّه وخدشه حتى يحصل منه تراب.
هذا الحديث يدل على استحباب ذكر الله تعالى في حال الطهارة؛ لأن السلام من أسماء الله تعالى.
قوله: "وضع يده على الجدار"؛ أي: ضرب بيده على الجدار.
"أبو الجُهيم"، وقيل: أبو الجهم، اسمه: الحارث بن الصَّمَة - بكسر الصاد وتخفيف الميم - الأنصاري.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٦٨ - عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الصَّعيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ المسلمِ وإنْ لمْ يجِدِ الماءَ عَشْرَ سنِينَ، فإذا وجدَ الماءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فإنَّ ذلك خَيْرٌ".
قوله: "إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين".
و"الوضوء" بفتح الواو: ماء الوُضوء، والمراد ها هنا: أن التراب بمنزلة ماء الوضوء في صحة الصلاة بالتيمم.
قوله: "وإن لم يجد الماء عشر سنين" والمراد بعشر سنين: الكثرة؛ يعني: وإن لم يجد الماء مدةً طويلة، وليس المراد منه أنه لا يجوز فوق عشر سنين، بل يجوز أبدًا إن لم يجد الماء.
قوله: "فليُمِسه" بضم الياء وكسر الميم، وهو مضارعُ (أَمسَّ)، يقال:
стр. 493
مَسِسْتُ اليدَ، وأَمْسَسْتُ الماءَ اليدَ؛ أي: مسحت اليدَ بالماء، و"البَشَر والبَشَرة": وجه الجلد؛ يعني: إذا وجد الماء فليتوضأ.
قوله: "فإن ذلك خير": ليس معنى هذا أن الوضوء والتيمم كلاهما جائزٌ عند وجود الماء لكنَّ الوضوء خير، بل المراد منه: أن الوضوء واجبٌ عند وجود الماء، ولا يجوز التيمم.
وهذا نظير قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] مع أنه لا خير ولا حُسْنَ لمستقَرِّ أصحاب النار ومَقيلهم، و (المقيل): موضع القيلولة، وهو النوم نصف النهار.
* * *
٣٦٩ - وقال جابرٌ: خَرَجْنا في سفَرٍ، فأصابَ رَجُلاً مِنَّا حجَرٌ فشجَّهُ في رأسِهِ، فاحتلَمَ، فسألَ أصحابَهُ: هَلْ تجدُونَ لي رُخصةً في التَّيمُّمِ؟ قالوا: ما نجدُ لكَ رُخصةً وأنتَ تقدِرُ على الماءِ، فاغتَسَلَ فمات، فلمَّا قدِمْنا على رسول الله ﷺ أُخْبِرَ بذلك، قال: "قتلُوهُ قتلَهُمُ الله، ألا سالُوا إذْ لمْ يعلَمُوا، فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ، إنَّما كانَ يَكفيهِ أنْ يتيمَّمَ، وَيَعصبَ على جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثمَّ يمسحَ عليها، ويغسِلَ سائرَ جسَدِهِ".
قوله: "فشجه"؛ أي: كسره الحجر، و"في رأسه" بيانٌ لموضع الشج، يعني: كسر رأسه.
"فاحتلم"؛ أي: أصابته جنابةٌ، وخاف أن يقع الماء في الجراحة لو اغتسل.
"العي" بكسر العين: التحيُّر في الكلام، يعني: لمَ لم يسألوا، ولم يتعلَّموا ما لا يعلمون، فإنه لا شفاء لداء الجهل إلا التعلُّم.
стр. 494
التعصيب: الشد، "أن يعصب"؛ أي: أن يشد خرقةً على جرحه حتى لا يصل إليه الماء، ويمسح بالماء على وجه الخرقة ويتيمم.
وفي الفقه خلافٌ في تقديم التيمم على الوضوء وتأخيره، وليس في الغسل ترتيب.
* * *
١٢ - باب الغُسْل المَسْنون
(باب الغسل المسنون)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٧١ - عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاءَ أحدُكُم الجُمعَة فَلْيَغْتَسِل".
(مِنَ الصِّحَاحِ):
قوله: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" هذا أمرُ سنةٍ لا وجوبٍ، وغسلُ الجمعة لا يصحُّ قبل الصبح.
* * *
٣٧٢ - وقال: "غُسْلُ يومِ الجمعةِ واجِبٌ على كُلِّ مُحْتَلِمٍ"، رواه أبو سعيد الخُدري ﵁.
قوله: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم".
قوله: "واجب": هذا تأكيد الاستحباب، وليس المراد به الوجوب، وهذا كقول القائل: حقُّ فلان علينا واجبٌ، ودعاؤه واجب. ومعلومٌ أن دعاءه غير واجب.
стр. 495
قوله: "على كل محتلم"؛ أي: بالغ؛ لأن الصبي غير مأمور، وعلَّة الغُسل: إزالة الوسخ والرائحة الكريهة كي لا يتأذى بعض الناس برائحة بعض.
* * *
٣٧٣ - وقال: "حقٌّ على كُلِّ مُسلمٍ أنْ يَغْتَسِلَ في كُلِّ سَبعةِ أيَّامٍ يومًا يَغسِلُ فيه رأسَهُ وجَسَدَهُ"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "حق على كل مسلم"!
بحثُ قوله: "حق"، كبحثِ قوله: "واجب"، وقد ذكر.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٧٤ - عن سَمُرَة بن جُنْدب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ توضَّأَ يومَ الجمعةِ فَبِها ونِعْمَتْ، ومن اغتسَلَ فالغُسْلُ أفْضَلُ".
قوله: "فبها"؛ أي: فبالشريعة أَخَذَ، و"نعمت"؛ أي: نعمت الخصلةُ الوضوء.
هذا الحديث صريحٌ بأن غسل الجمعة سنَّة.
* * *
٣٧٥ - وقال: "مَنْ غَسَّلَ مَيَّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، ومَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأَ"، رواه أبو هريرة.
وقال: "من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ".
علة الغسل: أنه ربما يلحقه رَشاشٌ من الماء المغسول به الميت من
стр. 496
موضعٍ فيه نجاسة، وربما يعرق من الخوف والدهشة، فيستحبُّ له الغسل لإزالة العرق ورائحة الإبط الحاصلةِ في ذلك الوقت، ولتطهير أعضائه من الرشاش.
فإن قيل: قد قلتم: إن الغسل لإزالة الرشاش النجس، فينبغي أن يكون الغسل واجبًا؛ لأن إزالة النجاسة واجبة.
قلنا: إنما يجب إذا تحقَّق وصول الرشاش النجس إليه، وها هنا لم يتحقق، بل يحتمل، فيستحب ولا يجب، وأما الوضوء لحمل الجنازة: وإن لم يكن له الوضوء، فالوضوء عليه واجبٌ إذا أراد الصلاة على الميت، وإن كان له الوضوء قبل الحمل، ثم حمل الميت، فيستحبُّ له تجديدُ الوضوء بعد وضع الجنازة احتياطًا؛ لأنه ربما خرج منه ريحٌ لشدة دهشته وخوفه من حمل الجنازة وثقلِ حمل الجنازة، وهو لا يعلم بذلك من الدهشة، وربما يتغير وجهه من الخوف، فيستحب له الوضوء لإزالة التغير.
وقيل: قوله: (فليتوضأ)؛ يعني: ليكون على الوضوء حين حمل الجنازة؛ ليصلي على الميت.
* * *
٣٧٦ - عن عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يغتسِلُ مِنْ أربَعٍ: مِنَ الجَنابةِ، ويومَ الجُمعةِ، ومِنَ الحِجامَةِ، وغُسْلِ الميِّتِ.
قولها: "ومن الحجامة"، يعني: مَن احتجم يستحبُّ له أن يغتسل؛ لأنه ربما يصيبه رشاشٌ من الدم وهو لا يعلم.
قولها: "وغسل الميت" ليس المراد به أن النبي ﵇ غسل ميتًا فاغتسل من غسله، بل معناه أمرُ مَن غسل ميتًا بالاغتسال بعد الفراغ من غسله.
* * *
стр. 497
٣٧٧ - عن قَيْس بن عاصم ﵁: أنَّهُ أسلمَ، فأمَرَهُ النَّبيُّ ﷺ أنْ يغتسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ.
قوله: "فأمره النبي ﵇ أن يغتسل بماء وسدر".
الكافر إذا أسلم وقد جامع أو احتلم في الكفر فهو جنب، والغسلُ عليه فريضة، وإن اغتسل في الكفر لم يصح غسله؛ لأن الغسل يحتاج إلى النية، والنية عبادة، والعبادة لا تصح من الكافر.
وعند أبي حنيفة: يكفيه اغتساله في حال الكفر، وفيه قول الشافعي ﵁.
فأما إذا أسلم الكافر ولم يكن جنبًا، بأن بلغ بالسنِّ، ولم يجامع ولم يحتلم، فالسنَّة أن يغتسل.
وهل يغتسل قبل قول كلمتي الشهادة أو بعدها؟ فيه خلافٌ، والأصح: تأخير الغسل على قول كلمتي الشهادة، يؤمر أولاً بقول كلمتي الشهادة، ثم يؤمر بالغسل.
والغرض من اغتساله: تطهيرٌ من النجاسة المحتملة على أعضائه، ومن الوسخ والرائحة الكريهة.
وعند مالك وأحمد: يجب عليه الغسل، وإن لم يكن جنبًا.
وأما الغُسل بالماء والسِّدر؛ فاستعمال السِّدر للتنظيف؛ لأن السدر يطيِّبُ الجسد، وهذا إذا جُعل السدر في الماء ولم يتغيَّر الماء، فإن تغيَّر يصبُّ الماء المتغير على جسده للتطيُّب (١)، ثم يصب الماء الصافي على جسده ليصح اغتساله.
ويحتمل أن يريد باستعمال السدر غسلَ الرأس به.
كنية "قيس": أبو علي، واسم جده: سنان بن خالد بن منقر بن عبيد
стр. 498
التميمي، والله أعلم.
* * *
١٣ - باب الحيض
(باب الحيض)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٧٨ - قال أنسٌ ﵁: إنَّ اليهودَ كانُوا إذا حاضَتْ المرأةُ منهُمْ لمْ يُوْاكِلُوها، فسألَ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ النبيَّ ﷺ ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية، فقالَ النبيُّ ﷺ : "اصنَعُوا كُلَّ شيءٍ الَاّ النِّكاحَ".
(مِنَ الصِّحَاحِ):
قوله: "إن اليهود"، (اليهود): جمعٌ، واحدها: يهودي.
آكل يؤاكل مؤاكلةً: إذا أكل واحدٌ مع واحدٍ.
"لم يؤاكلوها"؛ يعني: يحترزون عنها في الأكل والشرب.
قوله: "فسأل أصحاب النبي"؛ يعني: سأل الصحابة رسول الله ﵇ عن ذلك: هل نجانبهن في الأكل والشرب ومساكنتهن في حال الحيض كما فعلت الهود، أم لا؟، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
(المحيض) في قوله: ﴿عَنِ الْمَحِيضِ﴾: زمان؛ يعني: يسألونك عن حكم زمان الحيض ﴿قُلْ هُوَ أَذًى (١)﴾؛ أي: هو قذرٌ ونجسٌ يتأذى أزواجهن بمجامعتهن
стр. 499
في ذلك الوقت ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾؛ أي: ابعدوا منهن ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾؛ أي: في مكان المحيض وهو الفرج.
يعني: الحيض أذى يتأذى الزوج من مجامعتها فقط، وليس أن يحصل منها للزوج أذًى من سائر أعضائها حتى يُخرجها الزوج من فراشه ومجلسه، ويتركَ مؤاكلتها كفعل اليهود.
قوله ﵇: "اصنعوا"؛ أي: افعلوا "كل شيء" من المضاجعة، والمؤاكلة معهن، وملامستهن، "إلا النكاح"؛ أي: الجماع.
فعند أبي حنيفة ﵀ والشافعي ومالك: يحرم ملامَسةُ الحائض فيما بين السرة والركبة.
وعند أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وفي وجهٍ من أصحاب الشافعي: أنه تحرم المجامعة فقط بدليل هذا الحديث، فإنه قال: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح".
ودليل أبي حنيفة والشافعي ومالك: حديث عائشة، ويأتي بعد هذا.
* * *
٣٧٩ - وقالت عائشة ﵂: كنتُ أغتَسِلُ أنا والنبيُّ ﷺ مِنْ إناءٍ واحدٍ وكِلانا جُنبٌ، وكانَ يأمُرُني فأتَّزِر، فيُباشِرُني وأنا حائضٌ، وكان يُخرِجَ رأسَهُ إليَّ وهو مُعتكِفٌ فأغسِلُه وأنا حائض.
قولها: "فأتَّزِرُ"، أي: فأعقد الإزار في وسطي، "فيباشرني"؛ أي: فيلامسني فوق الإزار.
قولها: "وكان يخرج رأسه"؛ يعني: كان النبي ﵇ معتكفًا في المسجد، وكان باب الحجرة مفتوحًا إلى المسجد، فيخرج رأسه من المسجد
стр. 500
إلى الحجرة، فتغسله عائشة.
وهذا دليلٌ على ترك مجانبة الحائض، ودليلٌ أيضًا على أن المعتكف إذا أخرج بعض أعضائه من المسجد لم يبطل اعتكافه.
* * *
٣٨٠ - وقالت: كنتُ أشربُ وأنا حائضٌ، ثمَّ أُناوِلُهُ النَّبيَّ ﷺ ، فيضَعُ فاهُ على مَوضِعِ فِيَّ، فيشرَبُ، وأَتَعَرَّقُ العَرْقَ وأنا حائضٌ، ثم أُناوِلُهُ النبيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ على موضعِ فِيَّ.
المناولة: الإعطاء، "ثم أناوله النبي ﵇"؛ أي: ثم أعطي الإناء النبي.
"فاه"؛ أي: فمه.
"فيّ" بتشديد الياء؛ أي: فمي.
"وأتعرق"؛ أي: أفصل اللحم بفمي، من العَرْق - بفتح العين -: وهو العظم الذي عليه اللحم.
* * *
٣٨١ - وقالت: كانَ النبيُّ ﷺ يتَّكِئُ في حَجْري وأنا حائضٌ، ثمَّ يقرأُ القُرآنَ.
"وقالت"؛ أي: وقالت عائشة.
هذه الأحاديث تدلُّ على جواز مؤاكلة الحائض ومجالستها.
* * *
٣٨٢ - وقالت: قالَ لي النَّبيُّ ﷺ : "ناوِلِيني الخُمْرَةَ مِنَ المسجِدِ"،
стр. 501
فقلت: إنِّي حائضٌ! فقال: "إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يدِكِ".
"وقالت"؛ أي: وقالت عائشة: "قال لي النبي ﵇: ناوليني الخمرة"؛ أي: أعطيني، و (الخمرة): السجَّادة.
"من المسجد"؛ أي: ناداني من المسجد، وهو في المسجد حين قال: "ناوليني الخمرة".
"إن حيضتك ليست في يدك"؛ يعني: ليست يدك نجسةً؛ لأن الحيض يخرج من موضع آخر لا من يدك، فلا بأس بأن تعطيني الخُمرة.
وقيل: معناه: ليس مجيء حيضتك باختيارك، فإذا لم يكن باختيارك، فلا بأس بمجالستك ومؤاكلتك، وأن تأخذي شيئًا بيدك.
* * *
٣٨٣ - وقالت ميمونة ﵂: كانَ النبيُّ ﷺ يُصلِّي في مِرْطٍ، بعضُهُ عليَّ وبعضُهُ عليهِ، وأنا حائضٌ.
قولها: "في مرط"، (المرط): شبهُ ملحفة، يعني: بعض المرط ألقاه رسول الله ﵇ على كتفه يصلِّي، وبعضه أنا ملتفَّةٌ به.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٨٤ - قال أبو هُريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَتى حائضًا أو امرأةً في دُبُرِها، أو كاهِنًا فقدْ كَفَر بما أُنزِلَ على مُحمَّدٍ"، ضعيف.
قوله: "من أتى"؛ أي: مَن جامَعَ.
قوله: "أو كاهنًا"، (الكاهن): الذي يخبر عمَّا يكون في الزمان المستقبل
стр. 502
بالنجوم، أو بأشياء مكتوبةٍ في الكتب من أكاذيب الجن؛ لأن الجن كانوا يصعدون السماء قبل بعثة النبي ﵇ فيستمعون ما تقول الملائكة في السماء من أحوال أهل الأرض، من قَدْرِ أعمالهم وأرزاقهم، وما يحدث من الحوادث، فيأتون إلى الكهنة ويخبرونهم بذلك، فيخبر الكهنة الناس بذلك، ويخلطون بكلِّ حديث مئة كذبة.
وقد كتبوا تلك الأشياء في كتبهم، فبقيت تلك الكتب بين الناس، فيقرأ [بها] جماعة من الناس (١)، فيتحدثون بما فيها.
يعني: مَن جامع امرأة في حال الحيض أو في دبرها معتقدًا تحليله، أو سأل كاهنًا عن حالٍ معتقدًا أنه حق وصدق؛ فقد كفر؛ لأن تحليل الحرام كفر، وإن علم بطلان ذلك وتحريمه كان فاسقًا، فيكون معنى "كفر" حينئذٍ: كفران نعمة الله، أو يكون للتهديد والوعيد الشديد.
* * *
٣٨٦ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عمَّا يَحِلُّ للرجلِ مِنْ امرأتِهِ وهي حائضٌ؟ قال: "ما فَوْقَ الإِزار، والتَّعفُّفُ عن ذلكَ أفضل"، إسناده ليس بقوي.
قوله: "التعفف عن ذلك أفضل"، (التعفف): الاحتراز (عن ذلك)؛ أي: عما فوق الإزار (أفضل).
وإسناد هذا الحديث ليس بقويٍّ، وحكمُه ضعيف؛ لأنه قد تقدم أن رسول الله ﵇ كان يأمر عائشة بالاتَّزار ويباشرها فوق الإزار؛ أي: ولو كان التعفف عمَّا فوق الإزار أفضل لتعفَّف عن ذلك.
* * *
стр. 503
٣٨٥ - عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقَعَ الرجلُ بأَهلِهِ وهي حائضٌ فلْيَتَصَدَّقْ بنصْفِ دِينارٍ".
ويُروى: "إذا كانَ دَمًا أحمرَ فدِيْنارٌ، وإذا كانَ أصفَرَ فنِصْفُ دينارٍ".
قوله: "إذا وقع الرجل بأهله"؛ أي: إذا جامع امرأته في حال الحيض؛ فمذهب أحمد بن حنبل، والقولُ القديم للشافعي: وجوب الكفارة المذكورة في هذا الحديث.
ومذهب أبي حنيفة ومالكٍ والقولُ الجديد الأصحُّ للشافعي: أنها غير واجبةٍ، بل هي مستحبةٌ، وعليه الاستغفارُ، وهؤلاء زعموا: أن هذا الحديث موقوف على ابن عباس ﵄.
* * *
١٤ - باب المستحاضة
(باب المستحاضة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٨٧ - قالت عائشة ﵂: جاءتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيْشٍ ﵂ إلى النبيِّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله! إنِّي امرأةٌ أُسْتَحاضُ فلا أَطْهُرُ، أَفأدَعُ الصَّلاةَ؟ فقال: "لا، إنَّما ذلك عِرْقٌ وليسَ بحَيْضٍ، فإذا أقبَلَتْ حَيْضَتُكِ فدَعي الصَّلاةَ، وإذا أدبَرَتْ فاغسِلي عنكِ الدَّمَ ثمَّ صَلِّي".
قوله: "أستحاض" هذا اللفظ جاء على بناء المجهول، يقال: (استُحيضت المرأة تستحاض): إذا جاوز دمها على أيام الحيض.
стр. 504
"أفأدع" الهمزة الأولى للاستفهام؛ أي: أفأترك.
"إنما ذلك عِرْقٌ"؛ أي: عرقٌ ينشقُّ وينفجر منه الدم، وذلك العرق غيرُ عرق الحيض؛ لأن أكثر الحيض عند الشافعي: خمسة عشر يومًا، وعند أبي حنيفة: عشرة أيام، ولم يقل أحد: أن الدم الدائم حيضٌ، فإذا لم يكن حيضًا وجب عليها أداء الصلاة، لكن عليها أن تغسل لكل صلاة مفروضة فرجَها، وتشدَّه بعصابة، وتتوضأ، وتستعجل في أداء الصلاة، وهي معذورةٌ في جريان دمها في الصلاة وغيرها.
قوله ﵇: "فإذا أقبلت حيضتك" هذه المرأة كانت لها عادة معلومة، فقال لها رسول الله ﵇: فإذا كان أيام حيضتك "فدعي الصلاة"؛ أي: فاتركي الصلاة، "وإذا أدبرت"؛ أي: إذا ذهبت حيضتك وجاوز الدم أيامَ عادتك في الحيض فاغتسلي مرةً واحدة، ثم توضئي لكل صلاة.
مثاله: إذا كانت عادة امرأة أن تحيض خمسة أيام في أول شهر، ثم ينقطع دمها إلى آخر الشهر، وكذلك في شهر ثان، وثالث، ثم جاوز دمها الخمسة التي هي أيام عادتها ومجيء دمها أبدًا، فعليها أن تترك الصلاة خمسة أيام من أول كلِّ شهر؛ لأن الخمسة أيام عادتها، ثم تغتسل مرةً في أول اليوم السادس، ثم تتوضأ لكل صلاة وتصلي إلى آخر الشهر.
اسم جدِّ "فاطمة": المطَّلبُ بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٨٨ - عن عُرْوةَ بن الزُّبَيْر ﵄ قال: قال النبيُّ ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ
стр. 505
رضي الله عنها: "إذا كانَ دمُ الحَيْضِ فإنَّه دَمٌ أسْوَدُ يُعْرَفُ، فإذا كانَ ذلكَ فأمْسِكي عَنِ الصَّلاةِ، فإذا كانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئي وصَلِّي، فإنَّما هو عِرْقٌ".
قوله: "يعرف"؛ أي: تعرفه النساء، هذا دليل التمييز.
والمستحاضة إذا كانت مميِّزةً بأن ترى في بعض الأيام دمًا أسود، وفي بعضها دمًا أحمر أو أصفر؛ فالدم الأسود حيضٌ، بشرط أن لا ينقص من يوم وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر يومًا، والدم الأحمر والأصفر دم استحاضة، بشرط أن لا ينقص الدم الأحمر والأصفر الواقع بين أسودين عن خمسة عشر يومًا، فإن زال شرطٌ من هذه الشُّروط، فليست بمميِّزة.
وإذا لم تكن مميِّزة أو فقدت شرط تمييزها، وليست لها عادة، أو كانت لها عادة فنسيت عادتها، يُجعل حيضها في أول كلِّ شهر يومٌ وليلة في قول، وستةٌ أو سبعةٌ في قول، ثم تؤمر بالوضوء والصلاة إلى آخر الشهر.
"فأمسكي"؛ أي: اتركي.
* * *
٣٨٩ - عن أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أنَّ امرأةٌ كانتْ تُهراقُ الدَّمَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فاسْتَفْتَتْ لها أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ النبيَّ ﷺ ، فقال: "لِتَنْظُرَ عددَ اللَّيالي والأيَّامِ التي كانتْ تَحيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْر قَبْلَ أنْ يُصيبَها الذي أصابَها، فلتُترُك الصَّلاةَ قَدْرَ ذلكَ مِنَ الشَّهْرِ، فإذا خلَّفَتْ ذلكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بثَوْبٍ، ثمَّ لِتُصلِّي".
قولها: "تُهراق الدم" هذا اللفظ يستعمل على بناء المجهول إذا كان في باب الاستحاضة، كلفظ تُستحاض، ومعنى (تُهراق الدم)؛ أي: صُيِّرت ذات هراقة الدم. الهراقة: الإراقة، وهي صبُّ الدم وغيرِه، يعني: صارت مستحاضة.
стр. 506
"فاستفتت"؛ أي: سألت.
قوله ﵇: "لتنظر عدد الليالي والأيام": هذه المرأة كانت لها عادةٌ معلومة في الحيض قبل الاستحاضة، فأمر النبي ﵇ أن تحفظ عدد أيام عادتها من الحيض، فتتركَ الصلاة قَدْرَ عدد أيام عادتها في الحيض في الوقت الذي كانت تحيض فيه من أول الشهر، أو أوسطه، أو آخره، فإذا مضت أيام حيضها تغتسل مرة واحدة، ثم تتوضأ لكل صلاة فريضة، ثم تصلي.
قوله: "قبل أن يصيبها الذي أصابها"؛ أي: قبل الاستحاضة.
"قدر ذلك"؛ أي: قدر حيضها.
"فإذا خلفت"؛ أي: فإذا جاوزت "ذلك" القدر - أي: أيام حيضها - ودخلت في أيام الاستحاضة. (التخليف): أن يترك أحدٌ شيئًا خلف ظهره.
"ثم لتستثفر"؛ أي: ثم لتشدَّ فرجها بثوب، و (الاستثفار): أن تشدَّ المرأة ثوبًا بين رجليها بحيث يكون دُبُرها وفرجُها مشدودًا، ويكون أحد طرفي ذلك الثوب مشدودًا من خلف دبرها إلى وسطها، والطرف الآخر من قُبلها إلى وسطها مشدودًا أيضًا.
* * *
٣٩٠ - ويُروى عن عَديِّ بن ثابتٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال في المُستَحاضة: "تَدعُ الصَّلاةَ أيَّامَ أَقرائها التي كانتْ تَحيضُ فيها، ثمَّ تغتسِلُ وتتوضَّأُ عندَ كُلِّ صلاةٍ، وتصومُ وتُصلِّي".
قوله: "تدع الصلاة"؛ أي: تترك الصلاة أيام أقرائها. (الأقراء): جمع قرءٍ، والقرء مشتركٌ بين الحيض والطهر، والمراد ها هنا به: الحيض،
стр. 507
يعني: أيام حيضها.
يعني: تترك الصلاة بقَدْرِ أيام عادتها من الحيض، فإذا مضى ذلك القدرُ تغتسل مرة واحدة، ثم تتوضأ لكلِّ صلاةٍ وتصلِّي وتصوم.
* * *
٣٩١ - وقالت حَمْنَة بنت جَحْش: كُنْتُ أُستَحاضُ حَيْضةً كثيرةً شديدةً، فجئتُ إلى النبيِّ ﷺ أسْتَفْتيه، فقال: "إنِّي أنْعَتُ لكِ الكُرْسُفَ، فإنه يُذْهِبُ الدَّمَ"، فقلتُ: هو أكثرُ مِنْ ذلكَ، قال: "تَلَجَّمي"، قلتُ: هو أكثرُ من ذلك، إنما أثُجُّ ثَجًّا، قال: "إنَّما هيَ رَكْضَةٌ مِنْ رَكضاتِ الشَّيطانِ، فتحَيَّضي سِتةَ أيَّامٍ أو سَبْعَةَ أيَّامٍ في عِلْمِ الله، ثمَّ اغْتَسِلي، فَصَلِّي أرْبَعًا وعشرينَ ليلةً وأيَّامَها، أو ثلاثًا وعشرينَ ليلةً وأيَّامَها، وصُومي، وكذلك افعَلي في كُلِّ شَهْرٍ كما تحيضُ النساءُ وكما يَطْهُرْنَ، ميقاتَ حَيْضِهِنَّ وطُهْرِهِنَّ".
وفي روايةٍ: "وإنْ قَوِيتِ على أنْ تُؤخِّري الظُّهْرَ وتُعَجِّلي العَصْرَ فتغْتَسِلينَ وتجمعينَ بينَ الصَّلاتينِ، وتُؤخِّرينَ المغْرِبَ وتُعجِّلينَ العِشاءَ، ثم تَغْتَسِلينَ وتجمعينَ بينَ الصَّلاتينِ فافعلي، وصُومي إنْ قَدَرْتِ على ذلك"، قال رسولُ الله ﷺ : "وهذا أَعجَبُ الأَمرَيْنِ إليَّ".
قولها: "أستحاض حيضة" معنى ذلك "كثيرة"، (حيضة) بفتح الحاء؛ يعني: يجري دمي أشد جريانًا من دم الحيض.
"أستفتيه"؛ أي: أسأله عن حكمها.
"أنعت لك الكُرْسُفَ"، (أنعت): الهمزة للمتكلم؛ أي: أصف لك الكرسف بكونه مُذهبًا للدم، فاستعمليه لعل دمك ينقطع، (الكرسف): القطن.
وإنما أمرها رسول الله ﵇ باستعمال الكرسف؛ لأنه - عليه السلام
стр. 508
- ظن أن دمها ليس شديد الجريان، فلما قالت: "هو أكثر من ذلك"، فأمرها رسول الله ﵇ بالتلجُّم، وهو شدُّ الفرج بثوب، وهو مثلُ الاستثفار.
وقد ذكر قولها: "إنما أنا آثج ثجاً"، ثج - بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر - ثجًا: إذا جرى الدم والماءُ جريانًا شديدًا.
قوله ﵇: "إنما هي ركضة من ركضات الشيطان"، (الركضة): ضرب الأرض بالرِّجل حالَ العدو؛ يعني: هذه الحالة أو هذه العلةُ مما وجد الشيطان إليك سبيله ومراده، بأن يحيرك في أمر دينك من الصلاة والصوم في هذه الحالة، ويأمرك بترك الصلاة وغيرها من العبادات، فلا تطيعيه بل "تحيَّضي"؛ أي: اجعلي نفسك حائضةً "ستة أيام أو سبعة أيام" فاتركي الصلاة والصوم فيها، "ثم اغتسلي" مرة واحدة بعد مضي الست أو السبع، ثم توضَّئي لكل صلاة فريضة، وصلي وصومي بقية الشهر، وهي ثلاثة وعشرون يومًا إن كانت مدة الحيض سبعة، وأربعة وعشرون إن كانت مدة الحيض ستة.
فإن قيل: أيُّ لفظ في هذا الحديث يدل على أن دمها أكثر من مدة الحيض، فإنها ما قالت: إن مدة دمي أكثر من مدة الحيض، بل قالت: (هو أكثر من ذلك)، وقولها: هو أكثر من أن يدفعه الكرسف والتلجم؟.
قلنا: فهم النبي ﵇ كونها مستحاضة من قولها: (أستحاض)، أو من قولها في رواية أخرى: قد منعتني الصلاةَ؛ يعني: الحيضةُ المُجاوِزةُ (١) عن قَدْر الحيض منعتني الصلاة، أو فهم من قولها: (أثج ثجًا)؛ لأن دم الحيض لا يكون جريانه شديدًا على الغالب، والجريان الشديد إنما يكون لدم العلة، والله أعلم.
стр. 509
و (أو) في قوله ﵇ (ستة أو سبعة) معناه: اجعلي حيضك كحيض أقاربك: إن كانت عادة أقاربك ستةً فاجعلي حيضك ستةً، وإن كانت عادتهن سبعة فاجعلي حيضتك سبعة.
واعلم أن العلماء اختلفوا في أن هذه المرأة كانت مبتدأةً في الحيض، أو كانت معتادةً ناسيةً لعدد عادتها.
قال الخطَّابي: والأصح أنها كانت مبتدأةً.
"في علم الله"؛ أي: فيما عَلِمَ الله من أمرك من الست أو السبع؛ أي: هذا شيءٌ بينك وبين الله، والله يعلم ما تفعلين من الإتيان بما أمرتُك، أو تركِه.
وقيل: في (علم الله)؛ أي: في حُكم الله؛ أي: ما أمرتُك فهو حكم الله.
وقيل: (في علم الله)؛ أي: فيما أَعْلَمَكِ الله من عادة النساء من الست أو السبع.
قوله: "كما تحيض النساء وكما يطهرن"؛ يعني: اجعلي حيضك بقَدْرِ ما تكون عادة النساء من ستٍّ أو سبع، وكذلك اجعلي طُهرك بقَدْرِ ما تكون عادة النساء من ثلاثةٍ وعشرين، أو أربعة وعشرين.
قوله: "ميقات حيضهن وطهرهن"؛ يعني: كما تُجعل عددُ حيضك وطهرك بقَدْرِ عدد حيض النساء وطهرهن، فكذلك اجعلي طهرك وقتَ حيضك، أو طهرك وقت حيض النساء وطهرهن، إن كان وقت حيضهن في أول الشهر؛ فليكن حيضك في ذلك الوقت.
"حمنة" بالحاء غير المعجمة، وأبوها "جحش" بتقديم الجيم على الحاء غير المعجمة، وجدها: رئاب، من بني أسد، أخت زينب زوجةِ النبي ﷺ .
° ° °
стр. 510
المفاتيح في شرح المصابيح
تأليف
العلامة مظهر الدين الزيداني الحسين بن محمود بن الحسن الزيداني المظهري الكوفي
المتوفى سنة ٧٢٧ هـ - رحمه الله تعالى -
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الثاني]
стр. 511
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 512
المَفَاتِيْحُ فِي شَرْحِ المَصَابِيْحِ
[٢]
стр. 513
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
стр. 514
٤ - كِتابُ الصَّلَاةِ
стр. 515
[٤]
كِتابُ الصَّلاةِ
(كِتابُ الصَّلاةِ)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصَّلواتُ الخَمْسُ، والجُمعةُ إلى الجُمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ، مُكَفِّراتٌ لمَا بينهُنَّ إذا اجْتَنَبَ الكبائرَ".
قوله: "الصلوات الخمس ... " إلى آخره.
يعني: مَن صلَّى صلوات الخمس وصلاةَ الجمعة، وصام شهر رمضان، غُفرت الصغائر من ذنوبه.
* * *
٣٩٣ - وقال: "أرأيتُمْ لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدِكُمْ يَغتسِلُ فيهِ كُلَّ يومٍ خَمْسًا، هل يَبقى مِنْ دَرَنِه شيءٌ؟ "، قالوا: لا، قال: "فذلكَ مَثَلُ الصَّلواتِ الخَمْسِ يمحُو الله بهِنَّ الخَطايا"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "من درنه"؛ أي: من وسخه.
"يمحو الله بهنَّ الخَطايا"؛ يعني: يزيل ويغفر ببركة الصلوات الخمس
стр. 516
الذنوبَ الصغائر، (الخطايا): جمع خطيئة.
* * *
٣٩٤ - عن ابن مَسْعود ﵁: أنَّ رَجُلاً أَصابَ مِنْ امرأةٍ قُبْلةً، فأتى النَّبيَّ ﷺ فأخبَرَهُ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فقالَ الرَّجُلُ: يا رسولَ الله! ألي هذا خاصةً؟ قال: "لجميعِ أُمَّتي كُلِّهم".
وفي روايةٍ: "لِمَنْ عملَ بها مِنْ أُمَّتي".
"قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ " قال مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف.
" ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ "؛ أي: صلاة العشاء، و (الزُّلف): جمع زُلْفةٍ، وهي قطعة من الليل؛ يعني: مَن صلَّى صلوات الخمس يغفر صغائر ذنوبه.
" ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ": ذكر المفسرون أن معناه: أن الصلوات الخمس تَذهب بالسيئات.
قوله: "ألي هذا؟ "؛ يعني: هذه الآية حكمُها مختصةٌ بي، أم لجميع المسلمين؟ "فقال" رسول الله ﵇: "بل لجميع أمتي".
وكنية هذا الرجل: أبو اليَسَر، واسمُه: عمرو بن عربة (١) الأنصاري.
* * *
٣٩٥ - عن أنس ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسولَ الله! إنِّي أصَبْتُ حدًّا فأقِمْهُ عليَّ، ولم يسألهُ عنه، وحضَرَتِ الصَّلاةُ، فصلَّى مَعَ
стр. 517
رسول الله ﷺ ، فلمَّا قضى النَّبيُّ ﷺ الصَّلاةَ قامَ الرجُلُ، فقال: يا رسولَ الله! إنِّي أصَبْتُ حدًّا فأقِمْ فيَّ كتابَ الله، قال: "أليسَ قَدْ صلَّيْتَ معنا؟ "، قال: نعم، قال: "فإنَّ الله قَدْ غَفَرَ لكَ ذنبَكَ أو حدَّكَ".
قوله: "أصبت حدًا"؛ أي: فعلتُ شيئًا يوجب الحد.
"قال"؛ أي: قال الراوي: "ولم يسأله"؛ أي: ولم يسأل النبيُّ ﵇ ذلك الرجل "عنه"؛ أي: عن ذلك الذنب.
قوله ﵇: "إن الله قد غفر لك ذنبك، أو حدك" شكَّ الراوي في أن رسول الله ﵇ قال: (ذنبك) أو (حدك).
اعلم أن رسول الله ﵇ لم يسأله عن ذنبه: أيَّ شيء كان؟ وقال: (فإن الله قد غفر لك ذنبك)، وإنما لم يسأله؛ لأنه ﵇ عرف ذنبه وغفرانه بطريق الوحي، فإن كان ذنبه صغيرًا يكون هذا الحكم عامًا في جميع المسلمين - أعني: أن أداء الصلوات يكفِّر الذنب الصغير - وإن كان ذنبه كبيرًا يكون غفران ذنبه بأداء الصلاة حُكمًا مختصًا به؛ لأن النبي ﵇ قال في الحديث الأول من هذا الباب: "إذا اجتنبت الكبائر".
* * *
٣٩٦ - وقال عبد الله بن مَسْعود ﵁: سألتُ رسولَ الله ﷺ : أيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى الله؟ قال: "الصَّلاةُ لوقتِها"، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "برُّ الوالِدَيْنِ"، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "الجهادُ في سبيلِ الله"، قال: حدَّثَني بهنَّ، ولو استَزَدْتُهُ لزادَني.
قوله: "أيُّ الأعمال أحب ... " إلى آخره.
هذا الحديث معناه ظاهرٌ، والمشكِلُ أنه قال ها هنا: "أحب الأعمال
стр. 518
إلى الله الصلاة لوقتها"، وفي حديث آخر: "أفضل الأعمال الإيمان بالله"، وفي حديث آخر: "أحسن الأعمال الحج" وغير ذلك من الأحاديث الواردة في أفضل الأعمال.
والتوفيق بين هذه الأحاديث أن نقول: معنى (أحب الأعمال): المذكورة في ذلك الحديث (١)، لا أحب جميع الأعمال الشرعية، فإن المذكور في هذا الحديث: الصلاة، وبر الوالدين، والجهاد، ولا شك أن الصلاة أحبُّ هذه الأعمال الثلاثة، وكذلك البحثُ في كلِّ حديثٍ يشبه هذا.
ويحتمل أن رسول الله ﵇ أجاب كلَّ سائلٍ بما هو الغرضُ عن سؤاله، والأصلحُ له، فعرف النبي ﵇ أن غرض ابن مسعود معرفةُ فضل الصلاة، فقال له النبي ﵇: (أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها).
وأراد بالصلاة لوقتها: أداء الصلاة في أول وقتها؛ لأنه جاء في هذا الحديث برواية أخرى: "أحب الأعمال إلى الله الصلاة لأول وقتها".
"بر الوالدين": الإحسان إلى الأب والأم.
قوله: "ولو استزدته لزادني"؛ أي: ولو سألته أكثر من هذه الثلاثة؛ لبيَّن لي حكمه.
* * *
٣٩٧ - وقال: "بينَ العبدِ وبينَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاة"، رواه جابر.
قوله: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة"؛ يعني: بين الرجل وبين دخوله
стр. 519
في الكفر ترك الصلاة، فإنْ تَرَك الصلاة جاحدًا لوجوبها يدخل في الكفر، وإن تركها غير جاحدٍ لم يدخل في الكفر، ولكن قرب منه، لأنَّ مَن تهاون بالصلاة لم يبال أن يتهاون بسائر الأركان، وإذا تهاون بأركان الإسلام يقِلُّ وقع الإسلام وقَدْرُه في خاطره، وإذا قلَّ وقع الإسلام في خاطره يوشك أن يقع في الكفر.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩٨ - عن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَمْسُ صَلواتٍ افترضَهُنَّ الله تعالى، مَنْ أحسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وصَلَاّهُنَّ لوقتهِنَّ، وأتمَّ رُكُوعَهُنَّ وخُشُوعَهُنَّ؛ كانَ لهُ على الله تعالى عهدٌ أنْ يغفرَ له، ومَنْ لمْ يفعلْ فليسَ له على الله عهدٌ، إنْ شاءَ غفرَ له، وإنْ شاءَ عذَّبَه".
قوله: "افترضهن الله تعالى"، افترض وفرض واحد.
"الخشوع": حضور القلب وطمأنينة الأعضاء والتواضع.
"كان له على الله عهد"، (العهد): ما يجب حفظه من الميثاق, وعهدُ الله على عباده واجبٌ، وهو وجوبُ عبادته عليهم، وعهد العباد على الله غيرُ واجبٍ عند أهل السنة، بل وفاءُ الله بعهده ووعده كرمٌ وفضلٌ منه، وما وَعَدَ وعَهِدَ به الله يفي به البتة؛ لأنه لا يُخْلِفُ ميعاده.
يعني: من أدى عبادة الله تعالى فإن الله لا يضيع أجره كرمًا البتة، ومن لم يؤدِّ عبادته لم يُثْبتْ أجرًا حتى لا يضيعه الله، بل هو مذنبٌ بترك عبادته، وجزاءُ المذنب إلى الله، إن شاء عفا عنه فضلًا، وإن شاء عاقبه عدلًا.
* * *
٣٩٩ - وقال: "صلُّوا خَمْسَكُمْ، وصُومُوا شَهْرَكُمْ، وأدُّوا زكاةَ أموالِكُمْ،
стр. 520
وأطيعُوا ذا أمْرِكُمْ، تدخُلُوا جنَّةَ ربكُمْ"، رواه أبو أُمامة.
قوله: "صلوا خمسكم"؛ أي: خمس الصلوات المفروضة عليكم.
"شهركم"؛ أي: رمضان.
"ذا أمركم"؛ أي: الخليفةَ والسلطان وغيرهما من الأمراء.
فإذا فعلتم هذه الأشياء فجزاؤكم أن "تدخلوا جنة ربكم".
* * *
٤٠٠ - وقال: "مُرُوا أولادَكُمْ بالصَّلاةِ وهُمْ أبناءُ سَبْعِ سِنينَ، واضرِبُوهُمْ عليها وهُمْ أبناءُ عَشْرِ سنين، وفرِّقوا بينهُمْ في المَضاجِعِ"، رواه سَبْرَة بن مَعْبَد الجُهَنيُّ.
قوله: "مروا أولادكم"، (مروا): أمرُ مخاطبين من أمر، فحُذفت منها همزةٌ فاءُ الفعل للتخفيف، فلمَّا حذفت فاء الفعل فلم يحتج إلى همزة الوصل؛ لتحرُّك الميم.
يعني: إذا بلغ أولادكم سبع سنين فأْمروهم بأداء الصلاة؛ ليعتادوا ويستأنسوا بالصلاة، فإن لم يفعلوا فلا تضربوهم، فإذا بلغوا عشر سنين ولم يصلوا فاضربوهم على ترك الصلاة.
قوله: "وفرقوا بينهم في المضاجع"؛ يعني: إذا بلغوا عشر سنين فرِّقوا بين الأخ والأخت؛ لأن البلوغ في عشر سنين محتملٌ، فربما تغلب الشهوة على الذكور، فيفعلون فاحشة بالإناث وإن كن أخواتهم.
"سبرة" - بسكون الباء - جدُّه: عَوْسَجة بن حَرْمَلة الجُهَني.
* * *
стр. 521
٤٠١ - وقال: "العَهْدُ الذي بينَنا وبينَهُمُ الصَّلاةُ فمَنْ تركَها فقدْ كَفَر"، رواه بُرَيْدَة.
قوله: "بيننا وبينهم"؛ أي: وبين المنافقين، هكذا جاء في بعض الروايات، يعني: لا مانع من قتل المنافقين إلا أداؤهم الصلاة، فإذا تركوا الصلاة ارتفع العهد الذي بيننا وبينهم، وصاروا كسائر الكفار فنقاتلهم.
* * *
٢ - باب المَواقيْتِ
(باب المواقيت)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٢ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "وَقْتُ الظُّهْرِ إذا زالَتِ الشَّمسُ ما لَمْ يحضُرِ العَصْرُ، ووقْتُ العَصْرِ ما لَمْ تصفَرَّ الشَّمسُ، ووقتُ صَلاةِ المَغربِ إذا غابتِ الشَّمسُ ما لَمْ يَسقُطِ الشَّفَقُ، ووقْتُ صَلاةِ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، ووقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ ما لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فأَمْسِكْ عَنِ الصَّلاةِ، فإنَّها تَطْلُعُ بينَ قَرْنَيْ الشيطانِ".
قوله: "إذا زالت الشمس"؛ يعني: أولُ وقت الظهر أولَ وقت زوال الشمس، وزوال الشمس عبارةٌ عن ميلها من جانب الشمال إلى جانب اليمين إذا استقبلت القبلة.
قوله: "ما لم يسقط الشفق"؛ أي: ما لم يغرب الشفق.
قوله: "ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط"؛ يعني: أول وقت
стр. 522
صلاة العشاء بعد غروب الشفق، ويبقى وقت اختيارها إلى نصف الليل الأوسط، ثم يبقى وقت جوازها إلى الصبح.
و (الأوسط): صفة (الليل)، يعني: بقَدْرِ نصف ليل وسطٍ لا طويل ولا قصير، فنصف ليل وسط يكون بالنسبة إلى ليلٍ قصيرٍ أكثر من نصفه، وبالنسبة إلى ليلٍ طويل يكون أقل من نصفه.
وبحثُ مواقيت الصلاة ها هنا مختصر، ويأتي بعد هذا مشروحًا.
قوله: "فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة"؛ أي: فاترك الصلاة، (الإمساك): الترك.
"فإنها"؛ أي: فإن الشمس "تطلع بين قرني الشيطان"، (القرن): أحد جانبي الرأس، (بين قرنيه)؛ أي: بين جانبي رأسه، وذلك أن الشيطان وقف حين طلعت الشمس مستدبرًا للشمس مستقبلًا للناس؛ ليكون سجود الذين يعبدون الشمس ويسجدون للشمس حين طلوعها عبادةً للشيطان، فنهى النبي ﵇ أمته عن الصلاة في هذه الساعة كيلا يوافق الذين يعبدون الشمس ويسجدون لها.
* * *
٤٠٣ - عن بُرَيْدة: أنَّ رجلاً سألَ النبيَّ ﷺ عنْ وَقْتِ الصَّلاةِ فقال: "صَلِّ مَعَنا هذَيْنِ" يعني: اليَوْمَيْنِ، فلمَّا زالتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بلالاً فأذَّنَ، ثم أَمَرَهُ فأقامَ الظُّهْرَ، ثمَّ أَمَرَهُ فأقامَ العَصْرَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بيضاءُ نقيَّةٌ، ثمَّ أمَرَهُ فأقامَ المَغْرِبَ حِينَ غابَتِ الشَّمْسُ، ثم أمَرَهُ فأقامَ العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ ثمَّ أمَرَهُ فأقامَ الفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الفجر، فلمَّا أن كانَ اليَوْمُ الثَّاني أمَرَهُ فأبْرَدَ بالظُّهْرِ فأنْعَمَ أنْ يُبْرِدَ بها، وصلى العَصْرَ والشَمْسَ مُرتفعةٌ، أخَّرَها فَوْقَ الذي كان بالأمس، وصلَّى المَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغيبَ الشَّفَقُ، وصلَّى العِشاءَ بَعْدَما ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وصلَّى
стр. 523
الفَجْرَ فأسْفَرَ بها، ثمَّ قال: "أينَ السَّائلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلاةِ؟ "، فقالَ الرَّجُلُ: ها أنا، يا رسولَ الله، قال: "وَقْتُ صَلاتِكُمْ بينَ ما رأيْتُمْ".
قوله: "فأقام الظهر"؛ أي: أقام للظهر، والمراد بـ (أقام) ها هنا وفيما بعده: التلفظ بكلمات الإقامة.
قوله: "والشمس مرتفعة"؛ أي: في أول وقت العصر، "بيضاء"؛ أي: لم يختلط بالشمس صفرةٌ؛ أي: قبل أن تصفر الشمس، "نقية": أي: ظاهرة صافية من الاصفرار.
"الشفق" عند الشافعي: الحمرة التي تبقى في المغرب بعد غروب الشمس، فإذا غربت تلك الحمرة دخل وقت العشاء.
وعند أبي حنيفة: (الشفق): البياض الذي يكون بعد غروب الحمرة، فإذا غرب ذلك البياض يكون وقت العشاء.
قوله: "فلما أن كان اليوم الثاني"، (كان) ها هنا تامةٌ لا تحتاج إلى الخبر؛ أي: فلما دخل اليوم الثاني، أو حصل اليوم الثاني، وما أشبه ذلك.
قوله: "فأبرد بالظهر" في بعض النسخ: "أبرد الظهر" بغير الباء الجارة، وفي بعضها: "أبرد بالظهر" بالباء، وبالباء أصح؛ لأن أكثر الروايات مذكور بالباء، وفي اللغة يعدَّى الإبراد بالباء.
يقال: أبرد فلان بالمشي؛ أي: مشى في وقتٍ باردٍ لا حرَّ فيه.
والمراد بالإبراد في الحديث: أن النبي ﵇ أخر الظهر حتى انكسر حرُّ النهار، ومضى بعد زوال الشمس زمانٌ كثير.
"فأَنْعَم": أي: فزاد على الإبراد؛ أي: بالغ في الإبراد حتى تم انكسار الحر، وهذا مثل قول الرجل: أَحْسِنْ إلى فلان وأَنْعِم؛ أي: بالِغْ في الإحسان.
قوله: "أخَّرها فوق الذي كان"؛ أي: فوق الذي كان أخَّرها بالأمس.
стр. 524
قوله: "وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق"؛ يعني: صلى المغرب في اليوم الثاني في آخر الوقت، وهو قريبٌ من غروب الشفق.
قوله: "فأسفر بها"؛ أي: صلاها في وقت الإسفار، والإسفار: الضياء؛ يعني: صلى الصبح في اليوم الثاني حين ذهبت الظلمة.
قوله: "وقت صلاتكم بين ما رأيتم"؛ يعني: بيَّنْتُ أول الوقت بما أدَّيْتُ الصلوات في اليوم الأول، وبيَّنت آخر الوقت بما أدَّيت الصلوات في اليوم الثاني، فالصلاة جائزةٌ في أول الوقت وأوسطه وآخره.
واعلم أن ما بيَّنه النبي ﵇ من آخر الوقت هو آخرُ الوقت في الاختيار، وليس آخرَ الوقت في الجواز، بل تجوز صلاة الظهر ما لم يدخل في وقت صلاة العصر، ويجوز صلاة العصر ما لم تغرب الشمس، وصلاة المغرب ما لم يغرب الشفق في أصح القولين، وهو الموافق لأكثر الأحاديث الواردة في بيان وقت المغرب، وتجوز صلاة العشاء ما لم يطلع الفجر الثاني، وصلاة الصبح ما لم تطلع الشمس.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٠٤ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَمَّني جِبرِيلُ عند بابِ البَيْتِ مَرَّتِيْنِ، فصلَّى بيَ الظُّهْرَ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ وكانَ الفَيْءُ مِثْلَ الشِّراكِ، وصلَّى بيَ العَصْرَ حِينَ كانَ كُلُّ شيءٍ مثلَ ظِلِّه، وصَلَّى بيَ المَغْرِبَ حِينَ أفطَرَ الصَّائمُ، وصلَّى بيَ العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفقُ، وصلَّى بيَ الفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعامُ والشَّرابُ على الصَّائِمِ، وصلَّى بيَ الغَدَ الظُّهْرَ حِينَ كانَ كُلُّ شيءٍ مِثْلَ ظلِّهِ، وصلَّى بيَ العَصْرَ حِينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْهِ، وصلَّى بيَ المَغْرِبَ
стр. 525
حِينَ أفطَرَ الصَّائمُ، وصلَّى بيَ العِشاءَ حِينَ ذهبَ ثُلُثُ الليلِ، وصلَّى بيَ الفَجْرَ حِينَ أسْفَرَ، ثمَّ التفتَ إليَّ فقال: يا مُحمَّدُ، هذا وَقْتُ الأنبياءِ مِنْ قبلِكَ، والوقتُ ما بينَ هذيْنِ الوَقْتَيْنِ".
قوله: "أمّني"؛ أي: كان إمامي؛ ليعرِّفني كيفيةَ الصلاة وأوقاتها.
"باب البيت"؛ أي: باب الكعبة.
"مرتين"؛ أي: في يومين؛ يومًا صلى الصلوات في أول الأوقات، ويومًا صلَاّهن في آخر الأوقات في الاختيار لا في الجواز، كما تقدَّم ذكره.
"فصلى بي الظهر": الباء باء المُصاحبة والمَعيَّة؛ أي: صلَّى معي الظهر.
قوله: "وكان الفيء مثل الشراك"، (الفيء): الظل، (الشراك): شراك النعل، وهو معروفٌ؛ أي: كان ظل الشخص في ذلك الوقت بقَدْرِ شراك نعل، وهذا يكون في أول وقت الظهر.
وهذا يختصُّ بمكة، وبأطولِ يوم في السنة؛ لأن الظلَّ قبل الزوال بمكة يزول بالكلية في أطول يوم من السنة، ثم بعد الزوال يظهر ظلُّ كلِّ شخصٍ قليلًا قليلًا، وذلك أن مكة محاذيةٌ لقطب الشمس، فأيُّ بلد يكون أقربَ من قطب الشمس يكون الظل فيه أقل، وأيُّ بلدٍ يكون أبعدَ من قطب الشمس يكون الظل فيه أكثر، وفي الصيف يكون الظل أقلَّ من الشتاء.
اعلم أن أول وقت الظهر في سائر البلاد إذا رجع الظل بعد الاستواء إلى الزيادة؛ يعني: يكون ظلُّ كلِّ شيءٍ في أول النهار كثيرًا، ثم ينقص قليلًا قليلًا إلى أن وقف لحظة، فلا يزيد ولا ينقص، فهذه الساعة وقتُ الاستواء، ويُكره فيه صلاة النوافل، فإذا زاد الظل بعد الاستواء أدنى زيادةٍ فهو أولُ وقت الظهر، ويبقى وقته إلى أن يصير ظل كلِّ شيء مثله من موضع الزيادة، فإذا زاد ظلُّ كلِّ شيء على مثله أدنى زيادةٍ، دخل وقت العصر.
стр. 526
قوله: "وصلى بي العصر حين كان كل شيء مثلَ ظله"؛ معناه: زاد ظلُّ كلِّ شيء عن مثله أدنى زيادةٍ، وليس معناه أن وقت العصر حين كان كلُّ شيء مثلَ ظله من غير زيادة؛ لأنه يأتي بعد هذا أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين كان كلُّ شيء مثلَ ظله، فإذا صلى الظهر حين كان كلُّ شيء مثل ظله يُعلم أن العصر يكون بعد الظهر لا في وقت الظهر، وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: آخر وقت الظهر إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه.
وقال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه: إن آخر وقت الظهر وأولَ وقت العصر واحدٌ، واحتجَّا بظاهر الحديث: أن اليوم الأول صلى العصر حين كان كلُّ شيء مثلَ ظلِّه، وصلى الظهر في اليوم الثاني حين كان كلُّ شيء مثلَ ظله أيضًا.
وقالا: لو صلى واحد في هذا الوقت الظهر، وآخَرُ العصر، صحت صلاتُهما؛ لأن هذا الوقت يصلح للصلاتين.
قوله: "حين أفطر الصائم"؛ يعني: بعد غروب الشمس؛ لأن الصائم يُفطر في هذا الوقت.
قوله: "حين حرم الطعام والشراب على الصائم"؛ يعني: أول طلوع الفجر الثاني.
قوله: "وصلى بي الغد"؛ يعني: صلى بي الظهر في اليوم الثاني.
"التفت"؛ أي: نظر إليَّ جبريل.
قوله: "الوقت ما بين هذين الوقتين"؛ يعني: تجوز الصلاة في أول الوقت، وأوسطه، وآخره.
* * *
стр. 527
٣ - باب تَعْجيل الصَّلاةِ
(باب تعجيل الصلاة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٥ - قال أبو بَرزة الأسْلَميُّ ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصلِّي الهَجيرَ التي تَدْعونَها الأُولى حينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، ويُصلِّي العصرَ ثمَّ يجيءُ أحَدُنا إلى رحلِهِ في أقصى المدينةِ والشمسُ حَيَّةٌ، ونَسِيتُ ما قالَ في المَغرِبِ، وكانَ يَستحِبُّ أنْ يُؤَخِّرَ العِشاءَ، ولا يُحِبُّ النَّوْمَ قبلَها والحديثَ بعدَها، وكان يَنفتِلُ مِنْ صلاةِ الغَداةِ حينَ يَعرِفُ الرجُلُ جَليسَهُ، ويقرأ بالستِّينَ إلى المئةِ، وفي روايةٍ: ولا يُبالي بتأخيرِ العِشاءِ إلى ثُلُثِ اللَّيْل.
قوله: "يصلِّي الهجير"، (الهجير): هو الظهر في لغة بعض العرب، وفي لغة بعضهم: الأولى، بمعنى الظهر.
يقول الراوي هذا للمخاطبين.
"يصلي الهجير التي تدعونها"؛ أي: تسمُّونها وتقولونها "الأولى"، يعرِّفهم أن (الهجير) و (الأولى) والظهرَ واحدٌ.
"حين تدحض الشمس"؛ أي: تزول، دحض - بفتح العين في الماضي والغابر -: إذا بَطَلَ وزال.
"أقصى"؛ أي: أبعد، إلى آخر "المدينة"؛ يعني: يصلي أحدنا مع النبي ﵇ العصر، ثم يذهب إلى بيته في آخر المدينة "والشمس حية"؛ أي: باقيةٌ على صفائها ولم تصفرَّ.
стр. 528
قوله: "ونسيت ما قال في المغرب"؛ يعني: قال الذي يروي هذا الحديث عن أبي برزة: ونسيت ما قال أبو برزة في وقت صلاة المغرب.
والذي يروي هذا الحديث عن أبي برزة: سيَّار بن سَلَامةَ.
"وكان يستحب"؛ أي: كان رسول الله ﵇ يحبُّ تأخير العشاء بشرطِ أن لا ينام الرجل قبلها، بل يجلس ويذكر الله، ولا يحبُّ الحديث بعدها، بل المستحبُّ إذا صلى الرجل صلاة العشاء أن ينام؛ لأنه لو اشتغل بالحديث ويؤخِّرُ النوم، ربما تفوت عنه صلاة الصبح، أو صلاة التهجد.
"ينفتل"؛ أي: يرجِعُ ويفرُغ.
"حين يعرف الرجل جليسه"؛ يعني: يفرغُ من صلاة الصبح حين يرى كلُّ واحد من الجماعة مَن هو بقربه من ضوء الصبح.
"ويقرأ بالستين إلى المئة"؛ يعني: يقرأ في صلاة الصبح ستين آية، وربما يزيد إلى مئة آية.
واسم أبي برزة: نضلة بن عبيد بن الحارث بن حبال.
* * *
٤٠٦ - وسُئل جابر ﵁ عَنْ صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ فقال: كانَ يُصلِّي الظُّهرَ بالهاجرةِ، والعصرَ والشَّمسُ حيَّةٌ، والمغربَ إذا وَجَبَتْ، والعِشاءَ إذا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ وإذا قلُّوا أخَّر، والصُّبحَ بغَلَسٍ.
قوله: "يصلي الظهر بالهاجرة"، (والهاجرة): شدة الحرارة، يعني: يصلي الظهر في أول الوقت.
"وجبت"، أي: غربت الشمس.
стр. 529
"الغلس": اختلاط بياض الصبح بظلمة الليل، و (الغلس): الظلمةُ أيضًا؛ يعني: يصلي الصبح في أول الوقت.
* * *
٤٠٧ - قال أنس ﵁: كُنَّا إذا صلَّيْنا خلْفَ رسولِ الله ﷺ بالظَّهائرِ سجَدْنا على ثِيابنا اتِّقاءَ الحرِّ.
قوله: "بالظهائر"، (الظهائر): جمع ظهيرة، وهي نصف النهار، وأراد بها الظهر، والباء في (بالظهائر) زائدة، وجَمَعَ الظهائر؛ لأنه أراد: ظهرَ كلِّ يوم، لا ظهر يومٍ واحد.
"سجدنا على ثيابنا"؛ أي: سجدنا على ثيابنا المنفصلة منَّا، لا ثيابنا التي لبسناها، هذا عند الشافعي، فإنه لا يجوِّز السجودَ على العمامة والكم وغيرهما مما كان الرجل لابسه من الثياب.
وعند أبي حنيفة: يجوز أن يسجد المصلي على العمامة وكمِّ القميص وغيرهما من الثياب المتصلة به.
قوله: "اتقاء الحر"، (الاتقاء): الاحتراز والحذر؛ أي: نسجد على ثيابنا من خوف أنَّا لو نسجد على الأرض تحترق جباهنا من غاية الحرارة.
يعني: كنَّا نصلي الظهر في أول الوقت.
* * *
٤٠٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اشتدَّ الحرُّ فأَبرِدُوا بالصَّلاة"، وفي رواية: "بالظُّهرِ، فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ مِنْ فَيْحِ جهنَّمَ".
قوله: "فأبردوا بالصلاة"؛ أي: بصلاة الظهر "فإن شدة الحرِّ من فيح
стр. 530
جهنم"، (الفيح): ظهور الريح والرائحة؛ يعني: شدة حرِّ الصيف من حرارة جهنم.
* * *
٤٠٨/ م - "واشْتكَتِ النَّارُ إلى ربها، فقالت: يا ربِّ! أكلَ بعضي بعضًا، فأَذِنَ لها بنفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشتاءَ ونَفَسٍ في الصيف، أشدُّ ما تجِدُونَ مِنَ الحرِّ، وأشدُّ ما تجِدُونَ مِنَ الزَّمْهرير".
قوله: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا"؛ أي: أكل بعضي بعضًا من غاية الحرارة، "فأذِنَ لها بنفسين" نفخَتْ نَفَسًا في الصيف، ونَفَسًا في الشتاء، وهذا شيء إيماني يجب الإيمان به، وإن لم يُعرف كيفيته.
قوله: "أشد ما تجدون من الحر"؛ يعني: أشدُّ ما تجدون من حرِّ الصيف، فهو من حرِّ جهنم.
"وأشد ما تجدون من الزمهرير"؛ يعني: أشدُّ ما تجدون من برد الشتاء، فهو من برد جهنم، (الزمهرير): البرد الشديد.
فإن قيل: إذا نفست جهنم في الصيف نَفَسًا وفي الشتاء نَفَسًا، لمَ يختلف حرُّ الصيف وبرد الشتاء، وفي بعض الأيام يكون الحرُّ أشد من بعض، وكذا البرد؟
قلنا: لعل الله تعالى يأمر بأن تحفظ الحرارة الحاصلة من نَفَسِ جهنم في موضع، ثم ترسل إلى أهل الأرض قليلًا قليلًا، حتى يعتادوا بالحرارة حينًا بعد حين، وحتى لا تحترق الأشجار والنبات والحيوانات بإرسال تلك الحرارة دفعةً واحدة، وكذلك البرد، وكلُّ ذلك إيمانيٌّ يجب أن نقول: إن الله على كل شيء قدير.
* * *