قوله: "وصلى بي العصر حين كان كل شيء مثلَ ظله"؛ معناه: زاد ظلُّ كلِّ شيء عن مثله أدنى زيادةٍ، وليس معناه أن وقت العصر حين كان كلُّ شيء مثلَ ظله من غير زيادة؛ لأنه يأتي بعد هذا أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين كان كلُّ شيء مثلَ ظله، فإذا صلى الظهر حين كان كلُّ شيء مثل ظله يُعلم أن العصر يكون بعد الظهر لا في وقت الظهر، وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: آخر وقت الظهر إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه.
وقال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه: إن آخر وقت الظهر وأولَ وقت العصر واحدٌ، واحتجَّا بظاهر الحديث: أن اليوم الأول صلى العصر حين كان كلُّ شيء مثلَ ظلِّه، وصلى الظهر في اليوم الثاني حين كان كلُّ شيء مثلَ ظله أيضًا.
وقالا: لو صلى واحد في هذا الوقت الظهر، وآخَرُ العصر، صحت صلاتُهما؛ لأن هذا الوقت يصلح للصلاتين.
قوله: "حين أفطر الصائم"؛ يعني: بعد غروب الشمس؛ لأن الصائم يُفطر في هذا الوقت.
قوله: "حين حرم الطعام والشراب على الصائم"؛ يعني: أول طلوع الفجر الثاني.
قوله: "وصلى بي الغد"؛ يعني: صلى بي الظهر في اليوم الثاني.
"التفت"؛ أي: نظر إليَّ جبريل.
قوله: "الوقت ما بين هذين الوقتين"؛ يعني: تجوز الصلاة في أول الوقت، وأوسطه، وآخره.
* * *
стр. 527
٣ - باب تَعْجيل الصَّلاةِ
(باب تعجيل الصلاة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٥ - قال أبو بَرزة الأسْلَميُّ ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصلِّي الهَجيرَ التي تَدْعونَها الأُولى حينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، ويُصلِّي العصرَ ثمَّ يجيءُ أحَدُنا إلى رحلِهِ في أقصى المدينةِ والشمسُ حَيَّةٌ، ونَسِيتُ ما قالَ في المَغرِبِ، وكانَ يَستحِبُّ أنْ يُؤَخِّرَ العِشاءَ، ولا يُحِبُّ النَّوْمَ قبلَها والحديثَ بعدَها، وكان يَنفتِلُ مِنْ صلاةِ الغَداةِ حينَ يَعرِفُ الرجُلُ جَليسَهُ، ويقرأ بالستِّينَ إلى المئةِ، وفي روايةٍ: ولا يُبالي بتأخيرِ العِشاءِ إلى ثُلُثِ اللَّيْل.
قوله: "يصلِّي الهجير"، (الهجير): هو الظهر في لغة بعض العرب، وفي لغة بعضهم: الأولى، بمعنى الظهر.
يقول الراوي هذا للمخاطبين.
"يصلي الهجير التي تدعونها"؛ أي: تسمُّونها وتقولونها "الأولى"، يعرِّفهم أن (الهجير) و (الأولى) والظهرَ واحدٌ.
"حين تدحض الشمس"؛ أي: تزول، دحض - بفتح العين في الماضي والغابر -: إذا بَطَلَ وزال.
"أقصى"؛ أي: أبعد، إلى آخر "المدينة"؛ يعني: يصلي أحدنا مع النبي ﵇ العصر، ثم يذهب إلى بيته في آخر المدينة "والشمس حية"؛ أي: باقيةٌ على صفائها ولم تصفرَّ.
стр. 528
قوله: "ونسيت ما قال في المغرب"؛ يعني: قال الذي يروي هذا الحديث عن أبي برزة: ونسيت ما قال أبو برزة في وقت صلاة المغرب.
والذي يروي هذا الحديث عن أبي برزة: سيَّار بن سَلَامةَ.
"وكان يستحب"؛ أي: كان رسول الله ﵇ يحبُّ تأخير العشاء بشرطِ أن لا ينام الرجل قبلها، بل يجلس ويذكر الله، ولا يحبُّ الحديث بعدها، بل المستحبُّ إذا صلى الرجل صلاة العشاء أن ينام؛ لأنه لو اشتغل بالحديث ويؤخِّرُ النوم، ربما تفوت عنه صلاة الصبح، أو صلاة التهجد.
"ينفتل"؛ أي: يرجِعُ ويفرُغ.
"حين يعرف الرجل جليسه"؛ يعني: يفرغُ من صلاة الصبح حين يرى كلُّ واحد من الجماعة مَن هو بقربه من ضوء الصبح.
"ويقرأ بالستين إلى المئة"؛ يعني: يقرأ في صلاة الصبح ستين آية، وربما يزيد إلى مئة آية.
واسم أبي برزة: نضلة بن عبيد بن الحارث بن حبال.
* * *
٤٠٦ - وسُئل جابر ﵁ عَنْ صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ فقال: كانَ يُصلِّي الظُّهرَ بالهاجرةِ، والعصرَ والشَّمسُ حيَّةٌ، والمغربَ إذا وَجَبَتْ، والعِشاءَ إذا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ وإذا قلُّوا أخَّر، والصُّبحَ بغَلَسٍ.
قوله: "يصلي الظهر بالهاجرة"، (والهاجرة): شدة الحرارة، يعني: يصلي الظهر في أول الوقت.
"وجبت"، أي: غربت الشمس.
стр. 529
"الغلس": اختلاط بياض الصبح بظلمة الليل، و (الغلس): الظلمةُ أيضًا؛ يعني: يصلي الصبح في أول الوقت.
* * *
٤٠٧ - قال أنس ﵁: كُنَّا إذا صلَّيْنا خلْفَ رسولِ الله ﷺ بالظَّهائرِ سجَدْنا على ثِيابنا اتِّقاءَ الحرِّ.
قوله: "بالظهائر"، (الظهائر): جمع ظهيرة، وهي نصف النهار، وأراد بها الظهر، والباء في (بالظهائر) زائدة، وجَمَعَ الظهائر؛ لأنه أراد: ظهرَ كلِّ يوم، لا ظهر يومٍ واحد.
"سجدنا على ثيابنا"؛ أي: سجدنا على ثيابنا المنفصلة منَّا، لا ثيابنا التي لبسناها، هذا عند الشافعي، فإنه لا يجوِّز السجودَ على العمامة والكم وغيرهما مما كان الرجل لابسه من الثياب.
وعند أبي حنيفة: يجوز أن يسجد المصلي على العمامة وكمِّ القميص وغيرهما من الثياب المتصلة به.
قوله: "اتقاء الحر"، (الاتقاء): الاحتراز والحذر؛ أي: نسجد على ثيابنا من خوف أنَّا لو نسجد على الأرض تحترق جباهنا من غاية الحرارة.
يعني: كنَّا نصلي الظهر في أول الوقت.
* * *
٤٠٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اشتدَّ الحرُّ فأَبرِدُوا بالصَّلاة"، وفي رواية: "بالظُّهرِ، فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ مِنْ فَيْحِ جهنَّمَ".
قوله: "فأبردوا بالصلاة"؛ أي: بصلاة الظهر "فإن شدة الحرِّ من فيح
стр. 530
جهنم"، (الفيح): ظهور الريح والرائحة؛ يعني: شدة حرِّ الصيف من حرارة جهنم.
* * *
٤٠٨/ م - "واشْتكَتِ النَّارُ إلى ربها، فقالت: يا ربِّ! أكلَ بعضي بعضًا، فأَذِنَ لها بنفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشتاءَ ونَفَسٍ في الصيف، أشدُّ ما تجِدُونَ مِنَ الحرِّ، وأشدُّ ما تجِدُونَ مِنَ الزَّمْهرير".
قوله: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا"؛ أي: أكل بعضي بعضًا من غاية الحرارة، "فأذِنَ لها بنفسين" نفخَتْ نَفَسًا في الصيف، ونَفَسًا في الشتاء، وهذا شيء إيماني يجب الإيمان به، وإن لم يُعرف كيفيته.
قوله: "أشد ما تجدون من الحر"؛ يعني: أشدُّ ما تجدون من حرِّ الصيف، فهو من حرِّ جهنم.
"وأشد ما تجدون من الزمهرير"؛ يعني: أشدُّ ما تجدون من برد الشتاء، فهو من برد جهنم، (الزمهرير): البرد الشديد.
فإن قيل: إذا نفست جهنم في الصيف نَفَسًا وفي الشتاء نَفَسًا، لمَ يختلف حرُّ الصيف وبرد الشتاء، وفي بعض الأيام يكون الحرُّ أشد من بعض، وكذا البرد؟
قلنا: لعل الله تعالى يأمر بأن تحفظ الحرارة الحاصلة من نَفَسِ جهنم في موضع، ثم ترسل إلى أهل الأرض قليلًا قليلًا، حتى يعتادوا بالحرارة حينًا بعد حين، وحتى لا تحترق الأشجار والنبات والحيوانات بإرسال تلك الحرارة دفعةً واحدة، وكذلك البرد، وكلُّ ذلك إيمانيٌّ يجب أن نقول: إن الله على كل شيء قدير.
* * *
стр. 531
٤٠٩ - وقال أنس ﵁: كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي العَصْرَ والشَّمْسُ مُرتفِعةٌ حيَّةٌ، فيذهبُ الذَّاهبُ إلى العَوالي، فيأْتيهِمْ والشَّمْسُ مُرتفعةٌ، وبعضُ العَوالي مِنَ المدينةِ على أربعةِ أمْيالٍ أو نحوِهِ.
قوله: "فيذهب الذاهب إلى العوالي"؛ يعني: يذهب واحد بعد صلاة العصر إلى العوالي، ويرجع إلى المدينة والشمس مرتفعة لم تصفرَّ بعد، يعني: يصلِّي العصر في أول الوقت.
العوالي: اسم قرًى من قرى المدينة، بين بعضها وبين المدينة أربعةُ أميال، والأميال: جمع ميل، وهو ثلاثة فراسخ، والفرسخ: اثنا عشر ألف خطوة، وكلُّ خطوة ثلاثةُ أقدام.
* * *
٤١٠ - وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "تلْكَ صلاةُ المُنَافِقِ، يجلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حتى إذا اصفرَّتْ، وكانتْ بينَ قَرْنيَ الشَّيطانِ؛ قامَ فنقرَ أربعًا لا يذكُرُ الله فيها إلَاّ قليلًا".
قوله: "يرقب"؛ أي: ينتظر قُربان الشمس ودنوَّها من الغروب.
قوله: "وكانت بين قرني الشيطان" إذا قربت الشمس من الغروب فحينئذ تكون بين قرني الشيطان، والصلاة في هذه الساعة غير مَرْضيَّةٍ.
"نقر" الطيرُ الحبات: إذا لقطها بمنقاره سريعًا.
"أربعًا"؛ أي: أربع ركعات، وهذا عبارةٌ عن سرعة أداء الصلاة، وقلَّةِ القراءة والذكر فيها.
يعني: مَن أخَّر صلاة العصر إلى اصفرار الشمس؛ فقد شبه نفسه بالمنافقين، فإن المنافقين لا يصلُّون عن اعتقاد حقِّية الصلاة بل لدفع السيف، ولا يبالون
стр. 532
بتأخيرها؛ فإنهم لا يظنون (١) بها فضيلة وثوابًا حتى يصلوها لوقتها، فلا ينبغي للمسلم أن يفعل ما يفعل المنافقون.
* * *
٤١١ - وقال: "الذي تفُوتُهُ صَلاةُ العصرِ فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ"، رواه ابن عمر.
قوله: "وتر"؛ أي: نقص وأُهلك؛ يعني: فوتُ ثوابِ صلاة العصر عنه أكثرُ خسارةً من فوت أهله وماله.
وهذا الحديث يدل على فضيلة العصر، وعلى أنَّ فوتَ الثواب والخصال الدينية أخسرُ من فوت المال والأهل.
* * *
٤١٢ - وقال: "مَنْ تَرَكَ صلاةَ العَصْرِ حَبطَ عملهُ"، رواه بُريدة.
قوله: "حبط عمله": أي: بَطَلَ، يعني: بطل كمالُ عمله في ذلك اليوم من الصلوات؛ لأن صلاة العصر هي صلاة آخر اليوم، ويرفع ملائكة النهار عمل الرجل إلى حضرة الله تعالى في وقت صلاة العصر، فإذا لم يصل العصر لم يختم عمل ذلك اليوم.
* * *
٤١٣ - قال رافِع بن خَدِيج: كُنَّا نُصلِّي المغربَ معَ النَّبيِّ ﷺ ، فينصرِفَ أحدُنا وإنَّه ليُبصِرُ مَواقِعَ نَبْلِهِ.
стр. 533
قوله: "مواقع نبله"، (المواقع): جمع موقع - بكسر القاف - وهو موضع الوقوع، (النبل): السهم، يعني: يصلي المغرب في أول الوقت بحيث لو رمى أحدٌ سهمًا لأبصر أين سقط.
* * *
٤١٤ - وقالت عائشة ﵂: كانُوا يُصلُّونَ العَتَمةَ فيما بينَ أنْ يَغيبَ الشَّفَقُ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأولِ.
قوله: "يصلون العتمة"، (العتمة): صلاة العشاء.
فإن قيل: كيف قالت عائشة ﵂ للعشاء عتمةً، مع ورود النهي عن تسمية العشاء بالعتمة؟
قلنا: لعلها قالت للعشاء عتمة قبل النهي، وكذلك قال رسول الله ﵇ للعشاء عتمة في قوله ﵇: "ولو يعلمون ما في العتمة والصبح"، ويأتي تمام هذا الحديث في موضعه، وهذا أيضًا كان قبل النهي.
* * *
٤١٥ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ لَيُصلِّي الصُّبحَ، فتَنصَرِفُ النِّساءُ مُتَلفِّعاتٍ بمُرُوطِهِنَّ ما يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ.
قولها: "متلفعات بمروطهن"، (التلفُّع): ستر المرأة أعضاءها بالمِرْط، وهو المِلْحَفة، وجمعه: المروط.
قولها: "ما يعرفن من الغلس"، (الغلس): الظلمة، يعني: تمشي المرأة وقد لفَّت مِرْطها عليها، ولا يعرف الرجل إذا نظر إليها أنها امرأة أو رجل من
стр. 534
الظلمة؛ يعني: يصلي الصبح في أول الوقت.
* * *
٤١٦ - وعن قَتادة، عن أنس ﵄: أنَّ نبيَّ الله ﷺ وزيدَ بن ثابتٍ تَسحَّرا، فلمَّا فَرَغا مِنْ سَحُورِهما قامَ نبيُّ الله ﷺ إلى الصَّلاةِ فصلَّى، قُلنا لأنس: كَمْ كانَ بينَ فَراغِهِما مِنْ سَحُورِهما ودُخُولِهما في الصَّلاةِ؟ قال: قدرُ ما يقرأُ الرجُلُ خمسينَ آيةً.
قوله: "تسحرا"؛ أي: أكلا السَّحور.
"فلما فرغا من سَحورهما"، (السحور) بفتح السين: ما يؤكل في وقت السحر، وبضم السين: المصدر، وكلاهما جائز هنا من حيث المعنى، ولكن الرواية بفتح السين.
قوله: "إلى الصلاة"؛ أي: إلى صلاة الصبح.
قوله: "قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية" هذه الفاصلة بين أكل السحور والدخول في صلاة الصبح لا تجوز لكل أحد، وإنما جاز لرسول الله ﵇؛ لأنه كان عارفًا بدخول الصبح بطريق الوحي والمعجزة، فأخر السحور إلى هذا الوقت، فإن كان الرجل حاذقًا في علم النجوم، فإن عرف دخولَ الصبح باليقين بعلم النجوم جاز له هذا التأخير أيضًا.
* * *
٤١٧ - عن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قال لي النبيُّ ﷺ : "يا أبا ذَرٍّ! كيفَ بِكَ إذا كانتْ عليكَ أُمراءُ يُميتُونَ الصَّلاةَ - أو قال: يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ؟ ", قلتُ: يا رسولَ الله فما تأمُرُنِي؟ قال: "صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا، فإنْ أَدْرَكْتَها معهُمْ فصلِّها؛ فإنَّها لك نافِلَة".
стр. 535
قوله: "كيف بك"؛ أي: كيف بك الحال والأمراء "يميتون"؛ أي: يؤخِّرون الصلاة إلى آخر الوقت؛ يعني: إذا رأيت أئمةً يؤخِّرون الصلاة كيف تفعل، هل توافقهم في تأخير الصلاة أم تصلِّيها في أول الوقت؟.
وإنما ذكر الأمراء؛ لأن الأمراء في ذلك الزمان كانوا يخطبون ويؤمون الناس.
"صل الصلاة لوقتها"؛ أي: صلِّ الصلاة في أول الوقت، ولا تؤخِّرها، فإذا أدركْتَهم يصلون فصلِّ معهم مرة أخرى، وهذا دليلٌ على أن الصلاة في أول الوقت أفضل، ولا يستحب ترك فضيلة أول الوقت لأجل إمام يؤخِّر الصلاة.
وهذا دليلٌ أيضًا على أن الأفضل لمَن صلَّى منفردًا أن يصلِّي بالجماعة مرةً أخرى، وينوي تلك الصلاةَ بالنفل.
* * *
٤١٨ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أدركَ ركعةً مِنَ الصُّبْحِ قبلَ أنْ تطلُعَ الشَّمْسُ فقدْ أدركَ الصُّبْحَ، ومَنْ أدركَ ركعةً مِنَ العَصْرِ قبلَ أنْ تغرُبَ الشَّمْسُ فقدْ أدركَ العَصْر".
قوله: "من أدرك ركعة من الصبح ... " إلى آخره.
معناه ظاهر، والبحث فيه أن الأئمة اختلفوا في أنَّ مَن صلى صلاةً وقع بعضها في الوقت، وبعضها خارج الوقت.
ففي قول: يكون جميعها أداءً، وفي قول: يكون جميعها قضاءً، وفي قول: القَدْرُ الواقع في الوقت أداء، والقَدْرُ الخارج قضاء.
فمَن قال: جميعها قضاء، أو: القَدْرُ الخارج قضاء، لا يجوز أن يؤخِّر الرجل صلاته بغير عذرٍ إلى هذا الحد.
стр. 536
ومَن قال: جميعها أداء، يجوز التأخير إلى هذا الحد، ولكنْ تَرَكَ الاختيار والفضيلة.
* * *
٤١٩ - وقال "إذا أَدْرَكَ أحدُكُمْ سَجدةً مِنْ صلاةِ العصرِ قبلَ أَنْ تغرُبَ الشَّمْسُ فلْيُتِمَّ صَلاتَهُ، وإذا أدركَ سَجدةً مَنْ صَلاةِ الصُّبحِ قبلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمسُ فلْيُتِمَّ صَلاتَه"، رواه أبي هريرة.
قوله: "إذا أدرك أحدكم سجدة" قيل: معنى قوله: "أدرك أحدكم سجدة"؛ أي: ركعة، تلفَّظَ بـ (سجدة) وأراد به ركعة؛ لأن إطلاق البعض على الكل كثيرٌ، كقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]؛ أي: صلُّوا مع المصلِّين، تلفَّظ بالركوع وأراد به الصلاة.
وقيل: بل المراد سجدة واحدة؛ أي: مَن أدرك من الصلاة قبل غروب الشمس بقَدْرِ سجدةٍ فليُتمَّ صلاته.
واختُلف فيمَن أدرك من الوقت بقَدْرِ ما يكبر تكبيرة الإحرام، ثم خرج الوقت: هل يكون مدركًا للصلاة أم لا؟.
والمراد من قوله: "أدرك أحدكم سجدة" وهذا القدر من أول الصلاة.
* * *
٤٢٠ - وقال: "مَنْ نَسِيَ صَلاةً أو نامَ عَنْها، فكَفَّارتُها أنْ يُصلِّيَها إذا ذكَرها"، رواه أنس، وفي روايةٍ: "لا كفَّارَة لها إلَاّ ذلك".
قوله: "أو نام عنها"؛ يعني: كان نائمًا حتى تفوت الصلاة "فكفارتُها أن يصليها إذا ذكرها"؛ يعني: ليس عليه إثم، بل يلزمه القضاء إذا ذكرها، وإنما ليس
стр. 537
عليه الإثم؛ لأنه لا تقصير منه في النسيان والنوم.
وفي رواية: "لا كفارة لها إلا ذلك" يعني: إلا القضاء.
* * *
٤٢١ - وقال: "ليسَ في النَّوْمِ تَفْريطٌ، إنَّما التَّفريطُ في اليَقَظَةِ، فإذا نَسِيَ أحدُكُمْ الصلاة أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكَرها"، رواه أبو قَتادة.
ورواه أبو هريرة ﵁، وزاد: "قالَ الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ".
قوله: "إنما التفريط في اليقظة"، (التفريط): التقصير؛ يعني: التقصير إنما يكون إذا لم يكن الرجل نائمًا ولا ناسيًا، وترك الصلاة حتى تَفُوت.
قوله تعالى: " ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ": اللام بمعنى الوقت والحين، كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ أي: وقتَ زوال الشمسُ، وحُذف المضاف من ﴿ذكري﴾، وتقديره: لذِكْرِ صلاتي، فحذفت الصلاة للعلم بها.
يعني: أقم الصلاة إذا ذَكَرْتَها، فإن كنتَ ناسيًا أو نائمًا، فأنت معذورٌ حتى تنبَّهت من النوم، وزال عنك النسيان.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٢٢ - عن علي كرَّم الله وجهه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: "يا عليُّ، ثلاثٌ لا تُؤخِّرْها: الصَّلاةُ إذا أتتْ، والجنازةُ إذا حَضَرَتْ، والأيِّمُ إذا وجدْتَ لها كُفْؤًا".
قوله: "الصلاة إذا أتت" المشهور بتاءين، من أتى يأتي إتيانًا.
стр. 538
وقيل: هذا تصحيفٌ، بل الصواب: إذا آنَتْ، بوزن: حانت، من آن يئين أينًا: إذا دخل الوقت.
"الأيم": المرأة التي ليس لها زوج بكرًا كانت أو ثيبًا.
قوله: "وجدت لها كفؤًا"، (الكفء): المِثْل، والكفء في النكاح: أن يكون الرجل مثلَ المرأة في: الإسلام، والحرية، والصلاح، والنسب، وحسن الكسب، والعمل، فلا تزوَّج مسلمةٌ بكافرٍ، ولا حرةُ بعبدٍ، ولا صالحةٌ بفاسقٍ، ولا عَلَويةٌ أو هاشميةٌ أو مَن لها نسب مشهور معتبرٌ بمَن لم يكن نسبه مثلَ نسبها، ولا بنتُ فقيهٍ أو تاجرٍ أو مَن له حرفةٌ طيِّبة بمَن له حرفةٌ غيرُ طيِّبةٍ، كالحجَّام والدبَّاغ والحائك والحمَّامي وغير ذلك.
فإن كانت المرأة بالغة ورضيت هي ووليُّها بغير كفءٍ صح النكاح، إلا في تزويج المسلمة بالكافر؛ فإنه لا يصح النكاح، وإن كانت المرأة غيرَ بالغة، وزوَّجها وليُّها بغيرِ كفءٍ بطل النكاح عند الشافعي، وصحَّ عند أبي حنيفة، ولها خيارُ الفسخ بعد البلوغ عنده.
* * *
٤٢٣ - وقال ﵇: "الوقْتُ الأوَّلُ مِنَ الصَّلاةِ رِضْوانُ الله، والوقتُ الآخِرُ عَفْوُ الله"، رواه ابن عمر.
قوله: "الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله"، رواه ابن عمر.
قال أبو بكر الصدِّيق ﵁: الرضوان أحبُّ إلي من العفو.
فعند الشافعي: تعجيل الصلوات في أول الأوقات أفضل، إلا الظهر في
стр. 539
شدة الحر، فإن تأخيرها أفضل.
وعند أبي حنيفة: تأخير الصبح والعصر والعشاء أفضلُ من تعجيلهن.
* * *
٤٢٤ - وعن أُمِّ فَرْوَة ﵂ قالت: سُئلَ النَّبيُّ ﷺ : أيُّ الأعمالِ أفضَلُ؟ قال: "الصَّلاةُ لأِوَّلِ وَقْتِها"، ضعيف.
قوله: "الصلاة لأول وقتها" اللام بمعنى (في)؛ أي: في أول وقتها.
روت هذا الحديث: أمُّ فروةَ بنتُ أبي قُحافة أختُ أبي بكر الصديق.
* * *
٤٢٥ - عن عائشة ﵂ قالت: ما صَلَّى رسولُ الله ﷺ صَلاةً لِوَقْتِها الآخِرِ مَرَّتَيْنِ حتَّى قبضَهُ الله تعالى.
قولها: "ما صلى رسول الله ﵇ صلاة لوقتها الآخِرِ مرتين حتى قبضه الله تعالى"؛ يعني: صلَّى رسول الله ﵇ كلَّ صلاة في آخر وقتها مرةً واحدة؛ لبيان آخر وقتها، ولم يصلِّها مرةً أخرى في آخر وقتها، بل صلَاّها في أول وقتها، وهذا دليلٌ على فضيلة أول الوقت.
* * *
٤٢٦ - وقال: رسول الله ﷺ : "لا تَزالُ أُمَّتي بخيرٍ ما لَمْ يُؤخَّرُوا المَغربَ إلى أنْ تَشتبكَ النُّجومُ"، رواه أبو أَيُّوب.
قوله: "إلى أن تشتبك النجوم"، (الاشتباك): الاختلاط، يعني: تكون أمتي مشغولين بالخير إذا عجَّلوا أداء صلاة المغرب قبل أن تظهر نجومٌ كثيرة،
стр. 540
فإذا أخَّروا أداءها إلى ظهور نجومٍ كثيرة لم يكونوا مشغولين في هذا التأخير بخير.
* * *
٤٢٧ - وقال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي لأَمرْتُهُمْ أنْ يُؤخِّرُوا العِشاءَ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ أو نِصْفِهِ"، رواه أبو هريرة.
٤٢٨ - وقال: "أَعتِمُوا بهَذِهِ الصَّلاةِ، فإنَّكُمْ قد فُضلْتُمْ بها على سائر الأُمَمِ ولمْ تُصَلِّها أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ"، رواه مُعاذ بن جبل.
قوله: "أَعْتِموا" أي: أخِّروا، (الاعتمام): التأخير، "بهذه الصلاة"؛ أي: بصلاة العشاء؛ يعني: إذا لم تكن هذه الصلاة لأمةٍ غيرِكم فعظِّموها واجلسوا ذاكرين منتظرين لها إلى أن يذهب بعض الليل، والغرض من هذا التأخير الاشتغال بالذكر وإحياء بعض الليل.
ويحتمل أن يكون معنى (أعتموا)؛ أي: ادخلوا في العتمة، وهي صلاة العشاء، فعلى هذا يكون معناه: بالِغوا في المحافظة على أدائها.
* * *
٤٢٩ - وقال: النُّعمان بن بشير ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يصَلِّيها لِسُقُوطِ القمَرِ ليلةَ الثَّالِثة.
قوله: "يصليها"؛ أي: يصلِّي العشاء "لسقوط القمر"؛ أي: وقتَ غروب القمر "ليلة الثالث" من الشهر.
جد "النعمان": سعد بن ثعلبة الأنصاري.
* * *
стр. 541
٤٣٠ - وقال رسول الله ﷺ : "أَسْفِرُوا بالفَجْرِ فإنَّه أعظَمُ للأَجْرِ"، رواه رافع بن خَدِيج.
قوله: "أسفروا بالفجر"؛ أي: صلاة الفجر في وقت الإسفار، وهو إضاءة الصبح وذهابُ الظلمة.
* * *
فصل
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٣١ - قال رسول الله ﷺ : "لنْ يَلِجَ النَّارَ أحدٌ صلَّى قبلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وقبلَ غروبهَا" يعني الفجرَ والعصر.
قوله: "لن يلج النار"؛ أي: لن يدخل النار، روى هذا الحديث عمار بن رُويبة.
* * *
٤٣٢ - وقال ﵇: "مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجنَّةَ"، رواه أبو موسى.
قوله: "من صلى البردين دخل الجنة" رواه أبو موسى.
أراد بالبَردين: الصبح والعصر؛ يعني: داوِموا على أداء هاتين الصلاتين في وقتيهما؛ لأن الملائكة يحضرون فيهما، كما سيأتي، وليس المراد أداءَ هاتين الصلاتين في ترك غيرهما.
* * *
стр. 542
٤٣٣ - وقال: "يَتَعاقَبُونَ فيكُمْ ملائكَةٌ باللَّيْلِ وملائكَةٌ بالنَّهارِ، ويَجْتمِعُونَ في صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ العَصْرِ، ثمَّ يَعْرُجُ الذينَ باتُوا فيكُمْ فَيسأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وهو أعلمُ بهم: كيفَ تَركتُمْ عِبادي؟ فيقولونَ: تركناهُمْ وهم يُصلُّونَ، وأتَيْنَاهُم وهم يُصلُّونَ"، رواه أبو هريرة.
قوله: "يتعاقبون"، (التعاقب): أن يجيء أحدٌ على عقيب أحد، وحقُّه أن يقول: يتعاقب؛ لأن الملائكة فاعلة، وإذا كان الفاعل ظاهرًا لا يؤتى في الفعل بألف التثنية وواو الجمع، يقال: جاء زيدٌ، وجاء الزيدان، وجاء الزيدون، وبعض العرب يجوَّز تثنية الضمير وجمعَه في الفعل مع كون الفاعل مُظْهَرًا.
وأراد بقوله: "ملائكة" هنا: الملائكة الذين يكتبون أعمال العباد. "ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر"؛ يعني: يكتب (١) الملائكة الذين يكونون مع الناس في الليل حتى يجيء الملائكة الذين يكونون معهم في النهار؛ أي: في النهار عند صلاة الصبح، فإذا جاء الذين يكونون معهم في النهار وقتَ صلاة الصبح يعرج الذين كانوا معهم في الليل، وإذا كان وقت العصر يجيء الذين يكونون معهم في الليل ويعرج الذين جاؤوا وقت الصبح.
والمراد بهذا الحديث تحريض الناس على المواظبة على هاتين الصلاتين.
قولهم: "تركناهم وهم يصلون"؛ أي: تركناهم في هذه الساعة وهم يصلون الصبح.
"وأتيناهم"؛ أي: لمَّا نزلنا بهم كانوا يصلُّون العصر.
* * *
стр. 543
٤٣٤ - وقال: "مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فهو في ذِمَّةِ الله، فلا يَطْلُبنكُمُ الله مِنْ ذِمَّتِهِ بشيءٍ, فإنَّهُ مَنْ يَطْلُبْه مِنْ ذِمَّتِهِ بشيء يُدْرِكْهُ، ثم يَكُبُّهُ على وجهِهِ في نارِ جهنَّمَ"، رواه جُنْدَب القَسْرِيُّ.
قوله: "في ذمة الله"؛ أي: في أمان الله تعالى وعهده.
قوله: "فلا يطلبنكم الله في (١) ذمته بشيء"؛ يعني: مَن صلى الصبح فلا تُلحقوا إليه مكروهًا، فإنكم لو ألحقتم إليه مكروهًا فقد نقضتم عهد الله تعالى فيه، ومَن نقض عهد الله يطلب الله منه عهده فيجازيه بنقض عهده.
قوله: "فإنه من يطلبه"؛ أي: مَن يطلبه الله تعالى لا يمكن التخلُّص منه، بل "يدركه ثم يكبه"؛ أي: يلقيه في نار جهنم.
وإنما خصَّ صلاة الصبح بهذا التهديد؛ لأنه مَن ترك النوم وقام إلى صلاة الصبح فالظاهرُ أنه لا يترك النومَ إلى صلاة الصبح إلا عن خلوصِ النية وصحةِ الإيمان، ومَن كانت هذه صفتُه يستحقُّ أن يشرِّفه الله بمنع الناس عن إيذائه بمثل هذا الحديث.
وفي بعض النسخ: "رواه جندب القشيري" فـ (القُشَيريُّ) بالشين المنقوطة غلط؛ لأن جندبًا هذا هو بَجَليٌّ لا قُشيري، وقد ذكرت (٢) نسبه، والبَجَلي منسوبٌ إلى قبيلة بَجيلة، نعم كان في قبيلة بَجيلة بطنٌ تسمَّى: قسرًا، بالسين غير المعجمة، لعل أحدًا نسب جندبًا إلى قسرٍ فقرأ جماعةٌ: جندب القشيري بـ: جندب القَسْري، على التصحيف.
* * *
стр. 544
٤٣٥ - وقال: "لو يعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفَّ الأوَّلِ ثم لمْ يجدُوا إلَّا أنْ يَسْتَهِمُوا عليهِ لاستَهَمُوا عليه، ولو يَعلمونَ ما في التَّهْجير لاستَبَقُوا إليهِ، ولو يَعلمونَ ما في العَتَمةِ والصُّبح لأتَوْهما ولو حَبْوًا"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "ما في النداء"؛ أي: قَدْرَ ما يكون للمؤذِّن ولمَن حضر الصفَّ الأول من الثواب.
(استهم القوم): إذا أخرجوا القرعة بينهم على أنَّ مَن خرجت قرعتُه يأخذ المال الذي - أو يفعل الفعل الذي - أخرجوا فيه القرعة؛ يعني: لتنازعوا في الصف الأول حتى أخذوا المواضع من الصف الأول بالقرعة.
"التهجير": الإتيان في غاية الحرارة إلى شيء، والمراد ها هنا: حضورُ الظهر في أول الوقت.
(الاستباق): المبادرة إلى فعل.
"العتمة": العشاء.
(الحبو): المشي على الركبتين والكفين كفعل الصبي.
قوله: "ولو حبوًا"؛ يعني: يمشي الناس إلى هاتين الصلاتين لطلب كثرة الثواب وإن كانوا يمشون على الرُّكب من غاية الضعف والعجز.
* * *
٤٣٦ - وقال: "ليسَ صلاةٌ أثقلَ على المُنافِقينَ مِنَ الفَجْرِ والعِشاءِ، ولو يَعلمُونَ ما فيهما لأتَوْهما ولو حَبْوًا"، رواه أبي هريرة ﵁.
قوله: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا".
وإنما ثَقُلت هاتان الصلاتان على المنافقين لأنهما في وقت النوم، وتركُ النوم
стр. 545
شديدٌ على مَن ليس له إيمانٌ وخلوصُ نيةٍ.
* * *
٤٣٧ - وقال: "مَنْ صلَّى العِشاءَ في جماعةٍ كانَ كقِيامِ نِصْفِ ليلةٍ، ومَنْ صلَّى العِشاءَ والفَجْرَ في جماعةٍ كانَ كقيامِ ليلةٍ"، رواه عُثمان بن عفان ﵁.
قوله: "كقيام نصف ليلة" أراد بالقيام هنا إحياءَ الليل بالصلاة والذكر.
* * *
٤٣٨ - وقال: "لا يَغْلِبنكُمْ الأَعرابُ على اسم صلاتِكُمُ المَغرِبِ"، قال: "وتقولُ الأَعرابُ هي العِشاءُ"، رواه عبد الله المُزَنيُّ.
قوله: "لا يغلبنكم الأعراب"؛ يعني: يقول أعراب الجاهلية للمغرب: العشاء، فلا تُوافقوهم في هذه التسمية، بل قولوا: المغرب، وسمُّوها المغربَ، وكثَّروا استعمالها لتَغْلِبَ تسميتُكم لها على تسميتهم.
* * *
٤٣٩ - وقال: "لا يَغْلِبنكُمْ الأَعرابُ على اسم صلاتِكُمُ العِشاءِ، فإنَّها في كتابِ الله تعالى العِشاءُ، فإنَّها تُعْتِمُ بحِلابِ الإِبلِ"، رواه ابن عمر.
قوله: "فإنها في كتاب الله تعالى"؛ يعني: سمَّاها الله تعالى العشاء في قوله في سورة النور: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] يعني سمَّاها الله العِشاء وسمَّتها العرب العتمة، فكثَّروا استعمالها بالعشاء حتى تبقى تسميتُها بالعشاء وتُترك تسميتُها بالعتمة.
قوله: "فإنها تُعْتِمُ بحلاب الإبل"، (تعتم)؛ أي: تؤخَّر، (الاعتمام): التأخير والإبطاء.
стр. 546
وعتم - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - عَتْمًا: إذا أبطأ؛ أي: لبث؛ يعني: سمَّت العرب وقت العشاء عتمةً؛ لأنهم يؤخَّرون حلابَ إبلهم إلى غيبوبة الشفق، فسمَّوا الوقت الذي يحلبون فيه إبلهم عتمةً.
* * *
٤٤٠ - عن عليًّ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ يومَ الخَنْدَقِ: "حَبَسُونا عَنْ الصَّلاةِ الوُسطى صَلاةِ العَصْرِ، مَلأَ الله بُيوتَهُمْ وقُبورهُمْ نارًا".
٤٤١ - عن ابن مسعود ﵁، عن النَّبيَّ ﷺ قال: "صلاة الوُسْطَى صَلاةُ العَصْرِ".
"قال يوم الخندق: حبسونا"، (يوم الخندق): يوم اجتمع الكفار حول مدينة الرسول ليحاربوا رسول الله، فحفر رسول الله حول المدينة خندقًا فدفع الله الكفار، ويأتي شرحه في موضعه.
قوله: "حبسونا"؛ أي: منعنا الكفار "عن الصلاة الوسطى" بأن اشتغلنا بحفر الخندق بسبب دفع الكفار بالخندق.
قوله: "صلاة العصر" مجرورةٌ بأنها بدلُ (صلاة الوسطى) أو عطفُ بيان.
وغرض المصنف من إيراد هذا الحديث: بيان صلاة الوسطى أنها صلاة العصر.
وقد اختلف العلماء في صلاة الوسطى: أيُّ صلاةٍ هي؟ فمذهب الشافعي أنها صلاة الفجر، ومذهب أبي حنيفة أنها صلاة العصر بدليل هذا الحديث.
* * *
٤٤٢ - عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيَّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ
стр. 547
الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: "تَشْهدُهُ مَلائكَةُ اللَّيْلِ ومَلائكَةُ النَّهارِ".
قوله: " ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ "؛ أي: صلاة الفجر، سمَّيت قرآنًا لِمَا يُقرأ فيها من القرآن، "تشهده": أي: تحضره.
وقد ذكر بحثُ هذا قبلَ هذا.
* * *
٤ - باب الأَذان
(باب الأذان)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٤٣ - قال أنس ﵁: ذَكَرُوا النَّارَ والنَّاقوسَ، فَذَكَرُوا اليهودَ والنَّصارَى، فَأُمِرَ بِلالٌ أنْ يشفَعَ الأذانَ، وأنْ يوتِرَ الإقامةَ إلا الإقامة.
قوله: "ذكروا النار"؛ يعني: لمَّا فُرضت الصلاة قال رسول الله ﵇: "كيف نجمع الناس للصلاة" فقيل له: انْصِبْ رايةً - أي: عَلَمًا - في وقت كلَّ صلاة حتى يراه الناس ويخبر بعضهم بعضًا بدخول وقت الصلاة، فلم يرض رسول الله ﵇ بهذا، وقال: "عادة اليهود"، ثم قيل له: أُشعل نارًا في وقت الصلاة حتى يراها الناس ويجتمعوا إلى الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : "عادة اليهود" فقيل له: مر بضرب الناقوس في وقت الصلاة حتى يسمع صوته الناس ويجتمعوا، فقال ﵇: "هذا عادة النصارى" فتفرقوا من غير اتفاق على شيء.
فاهْتَمَّ عبد الله بن زيد بن عبد ربه لِهَمَّ رسول الله ﵇، فنام مهتمًا،
стр. 548
فلما أصبح أتى رسول الله ﵇ وقال: يا رسول الله! رأيتُ رجلًا في المنام وفي يده ناقوس، فقلت له: يا عبد الله! أتبيع هذا الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: نضرب في مسجد النبي ﷺ ليعلم الناس وقت الصلاة، فقال: أفلا أدلُّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى. قال: فقال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فقال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﵇: "إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذِّن به فإنه أندى صوتًا منك"؛ أي: أرفعُ صوتًا.
فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، فقال: فسمع بذلك عمر ابن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجرُّ رداءه ويقول: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لقد رأيتُ مثل ما رأى، فقال رسول الله ﵇: "فلله الحمد".
وروي: أنه رأى الأذان أحد عَشَرَ رجلًا من أصحاب رسول الله ﵇ في المنام تلك الليلة.
هذه قصة الأذان.
قوله: "أن يشفع الأذان"؛ أي: يقول كلَّ كلمةٍ مرتين.
"ويوتر الإقامة": أي: يقول كلَّ كلمةٍ من كلمات الإقامة مرةً واحدة إلا الإقامة؛ يعني: إلا قوله: "قد قامت الصلاة" فإنه يقولها مرتين.
* * *
стр. 549
٤٤٤ - قال أبو مَحْذُورة: ألْقَى عليَّ رسولُ الله ﷺ التَّأذينَ هو بنفْسِهِ، فقال: "قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسول الله، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله"، ثمَّ قال: "ارجعْ فمُدَّ مِنْ صَوْتكَ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، أشهدُ أن مُحَمَّدًا رسولُ الله، أشهدُ أنَّ مُحمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفَلاح، حيَّ على الفَلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إلهَ إلَاّ الله".
قوله: "ألقى علي"؛ أي: لقَّنني كلَّ كلمةٍ من هذه الكلمات بنفسه.
قوله: "ثم [قال]: ارجع فمد من صوتك"، يعني: قل أولًا: أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين، وأشهد أن محمدًا رسول الله، مرتين، في السرِّ من غير جهرٍ، ثم ارفع صوتك وقل كلَّ واحدة من هاتين الكلمتين مرتين.
ويسمَّى رفعُ الصوت بالمرتين اللتين يَرفعُ بها صوته: ترجيعًا، ولا ترجيعَ في كلمات الأذان إلا في كلمتي الشهادة؛ لأن الترجيع هو رفعُ الصوت بكلمتي الشهادة بعد قوله في السر مرتين، والتلفُّظ في السرِّ ليس في كلمةِ من كلمات الأذان سوى الشهادتين.
والترجيع سنةٌ عند الشافعي، وعند أبي حنيفة ليس بسنة؛ يعني: لا يقول كلمتي الشهادة في السرِّ، كسائر كلمات الأذان.
معنى "حي" بفتح الياء: عجِّل، وهذا أمر مخاطب، يقال للواحد والأكثر هكذا، فلا يغيَّر عن هذا اللفظ.
"الفلاح": الخلاص من كلِّ مكروهٍ، والظفر بكلِّ مراد.
و"أبو محذورة" وبلال كانا مؤذني رسول الله ﵇، [وأبو محذورة] جُمحيٌّ قُرَشيٌّ اختلف في اسمه، الأصح أنه سمرة بن مِعْيَر بن لَوْذان بن ربيعة،
стр. 550
أما بلال كنيته: أبو عبد الله، بلال بن رباح.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٤٥ - قال ابن عمر ﵄: كانَ الأذانُ على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، والإقامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غيرَ أنَّهُ يقولُ: قدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قامَتِ الصَّلاة.
قوله: "كان الأذان على عهد رسول الله ﵇ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة"؛ يعني: يقول المؤذن كلَّ واحدة من كلمات الأذان مرتين مرتين، ومن كلمات الإقامة مرةً واحدة، إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإنه يقوله مرتين.
* * *
٤٤٦ - عن أبي مَحْذورة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأذانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كلمةً، والإِقامةَ سَبْعَ عشْرَةَ كلمةً.
قوله: "علمه الأذان تسع عشرة كلمة" تفصيل الأذان: الله أكبر الله أكبر كلمتان، الله أكبر الله أكبر كلمتان، فهذه أربعُ كلمات، أشهد أن لا إله إلا الله أربع كلمات: مرتان في السر، ومرتان في الجهر، وكذا أشهد أن محمدًا رسول الله أربع مرات، حي على الصلاة مرتان، وكذا حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر كلمتان، لا إله إلا الله، فهذه تسع عشرة كلمة.
قوله: "والإقامة سبع عشرة كلمة": تفصيله: الله أكبر الله أكبر أربع كلمات، أشهد أن لا إله إلا الله مرتان، وكذا أشهد أن محمدًا رسول الله، ولا يقولهما في السر، حيَّ على الصلاة مرتان، حي على الفلاح مرتان، قد قامت الصلاة مرتان،
стр. 551
الله أكبر الله أكبر كلمتان، لا إله إلا الله كلمة واحدة، وبهذا قال أبو حنيفة.
وأما الشافعي فيقول: الإقامة أحد عشر كلمة؛ لأنه يقول كلَّ كلمةٍ مرةً إلا كلمةَ الإقامة، كما رواه ابن عمر وأنس.
* * *
٤٤٧ - وعن أبي مَحْذورة ﵁ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! علِّمْني سُنَّةَ الأذانِ، فذكَرَ الأذانَ، وقال بعدَ قولهِ حيَّ على الفَلاحِ: "فإن كانَ في صَلاةِ الصُّبحِ قُلتَ: الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الله أكبرُ الله أكبرُ، لا إلهَ إلاّ الله".
قوله: "سنة الأذان"؛ أي: كيفية الأذان في الشرع "فذكر الأذان"؛ أي: ذكر كلمات الأذان كما تقدم.
* * *
٤٤٨ - وعن بِلالٍ ﵁ قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "لا تُثَوَّبن في شيءٍ مِنَ الصَّلاةِ إلَاّ في صَلاةِ الفَجْرِ"، ضعيف.
"لا تثوَّبن"، (التثويب): أن يقول المؤذن: الصلاة خيرٌ من النوم، في صلاة الصبح بعد: حيَّ على الفلاح، والتثويب متعدًّ، لازمه ثاب يَثُوبُ ثوبًا: إذا رجع، كأَن المؤذن يَرْجِعُ الناس من بيوتهم إلى المسجد بهذا اللفظ، أو يَرْجِعُهم عن (١) النوم إلى الصلاة.
والتثويب يجيء أيضًا بمعنى الدعاء مرة بعد أخرى، دعاء المؤذن القومَ مرةً إلى الصلاة بقوله: حي على الصلاة، ومرةً بقوله: حي على الفلاح، ومرة
стр. 552
بقوله: الصلاة خيرٌ من النوم.
* * *
٤٤٩ - وعن جابر بن عبد الله: أنَّ رسول الله ﷺ قال لبلال: "إذا أَذَّنْتَ فتَرَسَّلْ، وإذا أَقَمْتَ فاحْدُرْ، واجعلْ بينَ أذانِكَ وإقامَتِكَ قَدْرَ ما يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أكلِهِ، والشَّارِبُ مِنْ شُرْبهِ، والمُعْتَصِرُ إذا دخلَ لِقضاءِ حاجتِهِ، ولا تَقُومُوا حتَّى تَرَوْني".
قوله: "فتَرَسَّلْ"؛ أي: اقطع الكلمات بعضَها من بعضٍ؛ يعني: إذا قلت كلمةً فاسكت لحظةً قليلةً، ثم قل كلمة أخرى.
قوله: "فاحدُر"؛ أي: عجِّل وأسرع في التلفُّظ بكلمات الإقامة؛ يعني: لا تسكت بين كلماتها.
قوله: "واجعل بين أذانك وإقامتك"؛ يعني: إذا أذَّنت فاصبر بقَدْرِ ما يَفْرغُ الآكل من أكله، والشارب من شربه.
"والمعتصر"؛ أي: الحاقن، يعني: الذي يؤذيه البول أو الغائط؛ يعني: فاصبر حتى يتوضأ مَن يحتاج إلى الوضوء.
قوله: "ولا تقوموا حتى تروني"؛ يعني: إذا قام المؤذن فليجلس القوم ولا يقوموا حتى يدخل الإمام المسجدَ؛ لأن القيام قبل مجيء الإمام تعبٌ بلا فائدة.
* * *
٤٥٠ - وقال: "مَنْ أذَّنَ فهو يُقيمُ"، رواه زِياد بن الحارِث الصُّدَائيُّ.
قوله: "من أذن فهو يقيم" رواه زياد بن الحارث الصدائي.
يعني: الإقامة حقُّ مَن أذَّن، ويُكره أن يقيم غيرُ مَن أذَّن إلا برضاه.
стр. 553
ولم نجد اسم جدَّ "زياد"، وهو منسوبٌ إلى صُداء، وهو حيٌّ من اليمن، وأذَّن بين يدي رسول الله ﵇.
* * *
٥ - باب فَضْل الأَذان وإجابة المؤذَّن
(باب فضل الأذان وإجابة المؤذن)
مِنَ الصَّحَاحِ:
٤٥١ - عن مُعاوية ﵁ أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "المؤذَّنُونَ أطولُ النَّاسِ أَعناقًا يومَ القِيامَةِ".
قوله: "أطول الناس أعناقًا" قال ابن الأعرابي: معناه: أكثر الناس أعمالًا، يقال: لفلان عنقٌ من الخير؛ أي: قطعةٌ من الخير.
وقال غيره: أكثرهم رجاء؛ لأن مَن رجا شيئًا طال إليه عنقه، والناس يكونون في الكرب، وهم في الروح يَمُدُّون أعناقهم، وينتظرون أن يُؤْذَنَ لهم في دخول الجنة.
وقيل: معناه: الدنو من الله .
وقيل: أراد أن لا يبلغ العرق أعناقهم في يوم بلغ العرق أفواه الناس، وهو يومُ القيامة.
وكلُّ ذلك جزاء أن يمدُّوا أعناقهم عند رفع الصوت في الأذان؛ لأن مَن رفع صوته يمدُّ عنقه.
* * *
стр. 554
٤٥٢ - عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا نُودِيَ للصَّلاةِ أَدبَرَ الشَّيطانُ لهُ ضُراطٌ حتَّى لا يَسمعَ التَأْذِينَ، فإذا قُضى النِّداءُ أقبلَ، حتَّى إذا ثُوُّبَ بالصَّلاةِ أدبرَ، حتَّى إذا قُضي التثويبُ أقبلَ حتَّى يَخطرَ بينَ المَرءِ ونفسِهِ، يقول: اذكُرْ كذا، واذكُرْ كذا لِمَا لمْ يكُنْ يَذْكُرُ حتَّى يظلَّ الرجلُ لا يَدري كَمْ صَلَّى".
قوله: "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان"؛ يعني: الشيطانُ وأصحابه يدخلون المساجد ويوسوسون للمصلَّين ويُشَوَّشون عليهم قلوبهم، حتى لا يكونَ لهم حضورٌ في الصلاة، فإذا أذَّن المؤذَّن فرَّ الشيطان، ويبعد بحيث لا يسمع الأذان.
قوله: "له ضراط"، (الضراط): ريحٌ أسفل الإنسان وغيرِه إذا كان له صوت، والحمارُ إذا كان حملُه ثقيلًا (١) أو يعدو، يخرج منه الضراط من ثقل حمله، فكذلك الشيطان يخرج منه الضراط لثقل الأذان عليه.
ويحتمل أن يكون خروج الضراط منه مَثَلًا، وليس المراد منه الحقيقةَ؛ يعني: يَثْقُلُ عليه سماعُ الأذان كما يثقل الحملُ على الحمار حتى يخرج منه الضراط.
قوله: "فإذا قضى النداء أقبل"؛ يعني: فإذا فرغ المؤذَّن من الأذان أقبل الشيطان ودخل المسجد.
قوله: "حتى إذا ثوَّب بالصلاة أدبر"، (ثوب)؛ أي: أُقيم، و (التثويب): الإقامة، و (التثويب) أيضًا: الإعلام، سمَّيت الإقامة تثويبًا؛ لأنها إعلامٌ بوقت الشروع في الصلاة.
ويحتمل أن تسمَّى الإقامة تثويبًا لأن التثويب يجيءُ أيضًا بمعنى الدعاء مرةً بعد أخرى.
стр. 555
وها هنا معناه: أن المؤذن إذا دعا القوم إلى الصلاة مرةً بالأذان، ثم يدعوهم بالإقامة إلى الشروع في الصلاة؛ يعني: إذا سمع الشيطان الإقامة فرَّ، حتى [إذا] فرغ المؤذن من الاقامة أقبل ودخل المسجد، ويوسوس المصلين.
"حتى يخطر"، أي: حتى يجري.
"يقول: اذكر"؛ يعني: يقول الشيطان للمصلي: اذكر كذا من حساب المال والبيع والشراء، وغيرها من الأشغال الدنيوية.
"لما لم يكن يذكر"؛ يعني: لِمَا لم يكن قبل هذا في خاطره، فأجراه الشيطان في خاطره.
"حتى يظل"؛ أي: حتى يصير من الوسوسة بحيث لا يدري كم صلَّى.
* * *
٤٥٣ - وقال: "لا يَسمعُ مَدَى صوْتِ المؤذِّن جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلَاّ شَهِدَ لهُ يومَ القيامَةِ"، رواه أبو سعيد الخُدَرِيُّ ﵁.
قوله: "مدى صوت المؤذن": المدى: الغاية؛ يعني: من سمع صوت المؤذن من القريب والبعيد من الجنِّ والإنسِ وغيرهما من الحيوانات والجمادات، شهدوا له بسماعِ صوتِ أذانِهِ.
والغرض من إنطاقِ من سمع صوت المؤذن: أن يشهد له = تشريفُ المؤذن وتكريمه بين أهل العَرَصات.
* * *
٤٥٤ - وقال: "إذا سمعتُمُ المؤذِّنَ فقولُوا مِثْلَ ما يقولُ، ثمَ صَلُّوا عليَّ، فإنَّه مَنْ صَلَّى عليَّ صَلاةً صَلَّى الله عليه بها عَشْرًا، ثمَّ سَلُوا الله تعالى لي الوَسِيلَةَ، فإنَّها منزِلَةٌ في الجنةِ لا تَنْبَغِي إلا لعبدٍ مِنْ عِبادِ الله، وأَرجو أنْ أكُونَ
стр. 556
أنا هُوَ، فَمَنْ سألَ لي الوَسيلَةَ حلَّتْ عليه الشَّفاعَةُ"، رواه عبد الله بن عمرو.
قوله: "ثم صلوا عليَّ"؛ يعني: إذا فرغ المؤذن من الأذان فقولوا: اللهم صلِّ على محمد، ولو قال: وعلى آلِ محمد؛ لكان أكملَ.
"صلى الله عليه بها عشرًا": أي: أعطاه الله عشرًا؛ أي: عشر رَحَمَات.
"سلوا الله"؛ أي: اطلبوا من الله "لي الوسيلةَ"، وكيف يسأل أحدكم الوسيلة؟ يسأل كما قال ﵇ في قوله: "اللهم ربَّ هذه الدعوة"، ويأتي شرحه في موضعه.
قوله: "لا تنبغي"؛ أي: لا تُستحَق.
"حلَّت عليه الشفاعة"؛ أي: نزلت عليه شفاعتي؛ أي: استحقَّ أن أشفع له جزاءَ دعائه.
* * *
٤٥٥ - وقال عمر ﵁: قال رسول الله ﷺ : "إذا قالَ المؤذِّنُ: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدُكُمْ: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قالَ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، قالَ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، ثمَّ قال: أشهدُ أنَّ مُحمدًا رسولُ الله، قال: أشهدُ أنَّ مُحمدًا رسولُ الله، ثمَّ قال: حَيَّ على الصَّلاة، قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، ثم قالَ: حَيَّ على الفلاحِ، قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: لا إلهَ إلَاّ الله، قال: لا إلهَ إلَاّ الله، خالصًا مِنْ قَلْبهِ دخلَ الجَنَّةَ".
قوله: "لا حول"؛ أي: لا حولَ ولا حيلةَ ولا خلاصَ عن المكروه، ولا قوةَ على الطاعة إلا بتوفيق الله.
* * *
стр. 557
٤٥٦ - وقال: "مَنْ قالَ حِينَ يَسمعُ النِّداءَ: اللهمَّ ربَّ هذهِ الدَّعوةِ التَّامَّةِ والصَّلاةِ القائمةِ، آتِ مُحمدًا الوَسيلةَ والفَضيلةَ، والدَّرجةَ الرَّفيعةَ، وابعثْة مَقامًا مَحمودًا الذي وعدْتَهُ يا أَرحم الراحمين، حلَّتْ لهُ شفاعَتِي يومَ القِيامَةِ"، رواه جابر.
قوله: "هذه الدعوة التامة"، سمِّي الأذانُ دعوة؛ لأنه يدعو الناس إلى الصلاةِ والذكرِ، ووصف هذه الدعوة بالتامة؛ لأنها ذكر الله، وما هو ذكر الله لا شكَّ أنه تامٌّ.
والتام في الحقيقة ذكر الله، وما كان فيه رِضاء الله، وما سوى ذلك فهو ناقصٌ.
قوله: "والصلاة القائمة"؛ أي: الدائمة التي لا ينسخُها دينٌ؛ لأنه لا دينَ ولا نبيَ بعد محمد ﵇.
"الوسيلة": القربة.
"وابعثه"؛ أي: أرسله وأوصله.
* * *
٤٥٧ - عن أنس ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُغيرُ إذا طلَعَ الفجرُ، وكانَ يستمِعُ الأذانَ، فإنْ سَمِعَ أَذانًا أمسكَ، وإلا أَغارَ، فسمعَ رجُلًا يقولُ: الله أكبر الله أكبر، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "على الفِطْرَةِ"، ثمّ قال: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "خرجْتَ مِنَ النَّارِ" فنظرُوا فإذا هو رَاعي مِعْزَى.
قوله: "يغير"؛ يعني: يسير رسول الله ﵇ في الليل إلى بلاد الكفار للغارة، وينتظر الصبح؛ ليعلمَ أن ذلك البلد بلد المسلمين أو بلد الكفار، ويعرف ذلك بالأذان، فإن أذَّن فيه أحدٌ أمسك؛ أي: ترك الإغارة،
стр. 558
وإن لم يسمع الأذانَ أغار.
"فسمع يومًا رجلًا قال: الله أكبر، فقال رسول الله ﵇: على الفطرة"؛ أي: هو على الاسلام؛ لأن الأذان لا يكونُ إلا للمسلمين.
"خرجتَ من النار"؛ أي: بسبب أنك تركت الشركَ بالله.
قوله: "فنظروا"؛ يعني: فلما فرغ من الأذان "فإذا هو راعي مِعْزَى".
المِعْزَى - بكسر الميم - والمَعْز والمَعِيز واحدٌ، وثلاثتها اسم الجنس، وواحد المِعْزَى: ماعز.
* * *
٤٥٩ - وقال: "بَيْنَ كُلَّ أذانَيْنِ صَلاةٌ، بينَ كُلَّ أذانَيْنِ صَلاةٌ" ثم قال في الثالثة: "لِمَنْ شاء"، رواه عبد الله بن مُغفَّل.
قوله: "بين كل أذانين صلاة"، أراد بالأذانين: الأذان والإقامة، وعادة العرب أن يجمعوا بين شيئين بينهما مشابهة، فيسمونها باسم واحد، كقولهم: القمران؛ للشمس والقمر.
وأراد بقوله: (صلاة): صلاة النافلة أو السنة.
وإنما حرَّض رسول الله ﵇ على صلاة النفل بين الأذان والإقامة؛ لأن الدعاء لا يردُّ بين الأذان والإقامة؛ لشرف ذلك الوقت، وإذا كان الوقتُ أشرفَ، يكون ثواب العبادات فيه أكثر.
فإن قيل: أراد بهذه الصلاة صلاة الفرض.
قلنا: ليس كذلك؛ لقوله ﵇: "لمن شاء"، فلو كان فريضة لم يقل: لمن شاء.
* * *
стр. 559
مِنَ الحِسَان:
٤٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأئمَّةُ ضُمَناء، المُؤذَّنُون أُمناء، فأرشدَ الله الأئمَّةَ، وغفَرَ للمؤذِّنين".
قوله: "الأئمة ضُمَناء"، (الضمناء): جمع ضمين، وهو بمعنى: الضامن، ومعناه هنا: الحافظ والراعي أمورَ المأمومين من عدد الركعات، وتحمله عنهم القيام والقراءة إذا أدركوه في الركوع، فإنه من أدرك الإمام في الركوع حصلت له تلك الركعةُ، وسقط عنه القيام والقراءة في تلك الركعة، ويأتي بحث هذا في (صفة الصلاة)، ويدعو الإمام لهم في الصلاة؛ لأنه يستحبُّ للإمام أن يدعو في الصلاة بلفظ الجمع.
فالإمام ضامن؛ أي: حافظ لصلاتهم في هذه الأشياء.
قال الخطابي: وليس الضمان الذي يوجب الغرامة من هذا في شيء؛ يعني: لا يلزم على الأمام إثمٌ بالإمامة، بل يحصل له ثوابٌ.
قوله: "والمؤذنون أمناء"، (الأمناء): جمع أمين، وهو: من اعتمد عليه القوم؛ يعني: المؤذنون أمناء في مراعاة أوقات الصلاة؛ لأن الناس يصلون بأذانهم، ويفطرون بأذانهم.
وإنما قال رسول الله ﵇ هذا الحديث؛ ليعلم الأئمة أنهم حافظون لصلاة من اقتدى به؛ ليكونوا مستيقظين في حفظ عدد الركعات، وليدعوا بلفظ الجمع، وأيضًا ليجتهدوا في تطهير الثياب والبدن، وإتمام أركان الصلاة، وحفظ أمورها؛ لأن الغالب أن يكون المأموم من العوام، فلا يعلمون أمور الصلاة من السهو وغيره.
وكذلك المؤذن؛ ليجتهد في محافظة الأوقات؛ كيلا تبطل صلاة المسلمين وصومهم بالأذان في غير وقته.
стр. 560
قوله: "فأرشدَ الله الأئمة"؛ يعني: رزقهم الصواب، وحفظهم عن الخطأ فيما عليهم من أحكام الصلاة.
قوله: "وغفر للمؤذنين": يحتمل أن يكون هذا دعاءٌ من رسول الله ﵇ للمؤذنين على ما صدر منهم في تقدُّمِ الأذان عن الوقت أو تأخره عنه من السهو والخطأ.
ويحتمل أن يكون هذا دعاءٌ لا من صدور سهو، بل مجازاة لهم عن إحسانهم إلى الناس بإعلامهم إياهم أوقات الصلاة.
وقال الخطابي رحمة الله عليه: في هذا الحديث دليلٌ على استحباب التولي للأذان، وكراهية التولي للإمامة؛ لأنه قال ﵇: "أرشدَ الله الأئمة"، والدعاءُ بالرشاد إنما يكون في فعلٍ فيه خطرٌ.
التولي: القيام على الشيء.
* * *
٤٦١ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنينَ مُحتسِبًا كُتِبَ له بَراءَةٌ مِنَ النَّار".
قوله: "محتسبًا"، (الاحتساب): طمع الثواب من الله تعالى دون غيره، (محتسبًا)؛ أي: طالبًا لثواب الله، ولم يطلب أجرة.
"براءة من النار"؛ أي: خلاص من النار.
* * *
٤٦٢ - وقال: "يَعجَبُ ربُّكَ مِنْ راعي غَنَمٍ في رأْسِ شَظِيَّةِ للجبَل يُؤَذِّنُ بالصَّلاةِ، ويُصلَّي، فيقولُ الله تعالى: انظُروا إلى عَبْدي هذا، يُؤَذَّن ويُقيمُ الصَّلاة، يخافُ منَّي، قدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وأدخلْتُهُ الجنَّةَ"، رواه عُقبة بن عامر ﵁.
стр. 561
قوله: "يعجب ربك"؛ أي: يرضى ربك، وقيل: معناه: يعظمُ هذا الفعل عند ربك، الكاف خطاب لواحد من الصحابة، إما هذا الراوي أو غيره، يخاطبه النبي ﵇ بهذا الحديث.
"الشَّظِيَّة": الصخرة العظيمة الخارجة من الجبل، كأنها أنفُ الجبل.
قوله: "انظروا"؛ أي: يا ملائكتي! انظروا.
"يخاف مني"؛ يعني: لا يؤذن ولا يصلي ليراه أحد؛ لأنه لم يكن أحدٌ حاضرًا ثَمَّ، بل يفعل هذا؛ لخوف عذابي، وطمع جنتي.
* * *
٤٦٣ - وقال ﷺ : "ثلاثةٌ على كُثبانِ المِسْكِ يومَ القِيامَةِ: عبدٌ أدَّى حقَّ الله تعالى وحقَّ مَوْلَاهُ، ورجلٌ أمَّ قَوْمًا وهُمْ بِهِ راضُونَ، ورجلٌ يُنادي بالصلواتِ الخمسِ كُلَّ يومٍ وليلةٍ"، رواه ابن عُمر. غريب.
قوله: "على كُثبان المسك"، (الكثبان): جمع كثيب، وهو: الموضعُ المرتفع مثل جبل صغير.
قوله: "وهم به راضون"؛ يعني: إذا كان القوم راضين بالإمام، يكون ثوابُ الإمام أكثر.
"ينادي"؛ أي: يؤذن؛ يعني: يجعل الله لهؤلاء الثلاثة في عرصات القيامة أمثالَ الجبال من المسك؛ ليقفوا عليها إعزازًا وإكرامًا لهم بين الناس؛ لشرف أفعالهم.
* * *
٤٦٤ - عن أبي هُريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "المؤذِّنُ يُغفَرُ لهُ مدَى صَوْتِهِ، ويَشْهَدُ له كُلُّ رَطْبٍ ويابسٍ، وشاهِدُ الصَّلاةِ يُكتَبُ له خَمْسٌ
стр. 562
وعِشْرُونَ صلاةً، ويُكَفَّرُ عنه ما بينهُما".
قوله: "يغفر له مدى صوته"، (المدى): الغاية، يريد بهذا: تكميلَ المغفرة؛ يعني: إذا كان صوته أبعدَ تكون مغفرته أكثر، وقيل: معناه: تُغفَرُ ذنوبه وإن كانت تملأ ما بين قدميه وبين آخر ما بلغه صوته من الأرض.
قوله: "يشهد له كلُّ رطبٍ ويابسٍ، وشاهدُ الصلاة"، (الشاهد): الحاضر؛ يعني: ما سمع صوته من الجمادات والحيوانات ومن حضر الصلاة بأذانه يشهدُ له يوم القيامة بسماع أذانه.
قوله: "يكتب له خمس وعشرون صلاة"؛ أي: ثواب خمس وعشرون صلاة.
وقد جاء في الأحاديث مقاديرُ من الثواب مثل هذا، وفي صلاة الجماعة: "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذَّ بسبع وعشرين درجة"، وفي رواية: "بخمس وعشرين درجة".
والحكمةُ في هذه المقادير: شيءٌ علمه النبي ﵇، كمقادير عدد ركعات الصلاة، ونصاب الإبل وغيرها من الزكاة، ومن قال فيها شيئًا؛ فقد قاله عن التكلف.
قوله: "ما بينهما"؛ أي: ما بين أذان إلى أذان آخر.
* * *
٤٦٥ - وقال عُثمان بن أبي العاص ﵁: قلتُ: يا رسولَ الله! اجعلْني إمامَ قَوْمِي، قال: "أنْتَ إمامُهُمْ، واقْتَدِ بأضعفِهِم، واتخِذْ مؤذِّنًا لا يأخُذُ على أذانِهِ أجرًا".
قوله: "واقتدِ بأضعفهم"؛ أي: وافق أضعفَ القوم في الصلاة؛ يعني: خفَّفِ الصلاة؛ ليقدر الضعفاء أن يصلوا معك، ولا يجوزُ تركُ أركان الصلاة،
стр. 563
ولكن يُقصَّرُ القراءة والتسبيحات.
وفي هذا الحديث ثلاث فوائد:
إحداها: أن الإمامة ينبغي أن تكون بإذنِ الحاكمِ.
والثانية: استحبابُ تخفيف الصلاة للإمام.
والثالثة: استحبابُ الأذان بغير أُجْرة.
فإن استأجر الإمام على الأذان جاز، وقيل: لا يجوز.
كنية "عثمان": أبو عبد الله، واسم جده: بشر بن عبد بن دهمان الثقفي.
* * *
٤٦٦ - وقالت أمُّ سلَمة ﵂: عَلَّمني رسولُ الله ﷺ أنْ أقولَ عِنْدَ أذانِ المغرِبِ: "اللهمَّ! هذا إقْبالُ لَيْلِكَ، وإدْبارُ نهارِكَ، وأصواتُ دُعاتِكَ، فاغْفِرْ لي".
قولها: "هذا إقبال ليلك"؛ أي: هذا الأوانُ أوانُ إقبالِ ليلك؛ يعني: بحق هذا الوقت الشريف.
"فاغفر لي" فيه.
"الدعاة": جمع الداعي، وهو المؤذن هنا.
* * *
٤٦٧ - ورُوي: أنَّ بِلالاً ﵁ أخذَ في الإقامة، فلمَّا أنْ قالَ: قدْ قامَتِ الصَّلاةُ قال النَّبيُّ ﷺ : "أقامَها الله، وأدامَها"، وقالَ في سائرِ الإقامةِ: كنحوِ حديثِ عمر في الأذانِ.
قوله: "كنحو حديث عمر في الأذان"؛ يعني: قال رسول الله - عليه
стр. 564
السلام - مثل ما قال بلالٌ في سائر الكلمات إلا في قوله: قد قامت الصلاة، فإنه قال: "أقامها الله وأدامها"؛ أي: ثبت الله الصلاة وأدامها.
* * *
٤٦٨ - عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُرَدُّ الدُّعاءُ بينَ الأَذانِ والإِقامَةِ".
٤٦٩ - وقال: "ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ: الدُّعاءُ عندَ النَّداءِ، وعِندَ البأْسِ حينَ يَلحَمُ بعضُهم بعضًا"، ويُروى: "وتحتَ المَطَرِ"، رواه سَهْل بن سَعْد.
قوله: "ثنتان"؛ أي: دعوتان "لا تردان"، بل تستجابان: إحداهما عند الأذان، والثانية: عند اختلاط جيش المسلمين بالكفار في المحاربة.
"البأس": المحاربة.
(ألحم يَلحَم): إذا اختلط، ولحَم - بفتح العين في الماضي وضمها وفتحها في الغابر - لحمًا: إذا فصل اللحم عن العظم، وهو استعارةٌ هنا عن القتل، فإن قلت: يُلحِم - بضم الياء وكسر الحاء - معناه: يختلط بعضهم ببعض، وإن قلت: يَلحَم - بفتح الياء والحاء - معناه: يقتل بعضهم بعضًا، والرواية: "يَلحَم" بفتح الياء والحاء.
قوله: "وتحت المطر"؛ أي: عند نزول المطر.
* * *
٤٧٠ - وقال عبد الله بن عمر ﵁: قالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! إنَّ المؤذِّنينَ يفضُلونَنَا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "قُلْ كما يقولونَ، فإذا انْتَهَيْتَ فسَلْ تُعْطَ".
قوله: "يفضلوننا"؛ أي: حصل لهم فضلٌ ومزيدٌ علينا في الثواب بسبب الأذان.
стр. 565
"قل كما يقولون"؛ أي: إذا قلت ما يقول المؤذن حصل لك الثوابُ.
"فسل تُعطَ"؛ يعني: إذا فرغت، فاطلب ما تريد من الله تعالى، يعطك.
* * *
فصل
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٧١ - قال رسول الله ﷺ : "إنَّ بلالاً يُنادي بالليل، فكُلوا واشربُوا حتَّى يُنادي ابن أُمَّ مَكْتُوم".
قوله: "إن بلالًا ينادي بليل"؛ يعني: لا يحرم أكل السحور على الصائم بأذان بلال؛ لأنه يؤذن قبل الصبح، ولكن يحرم بأذان ابن أم مكتوم؛ لأنه يؤذن بعد الصبح.
"ابن أمِّ مكتوم" اسمه: عبد الله، واسم أبيه: قيس بن زائدة بن الأصم، وهو قرشي عامري، واسم أمه: عاتكة بنت عبد الله بن عَنْكَثَةَ (١) المخزومية، والمراد بمكتوم: عبد الله، سمي بذلك؛ لأنه ضرير.
* * *
٤٧٢ - وقال: "لا يَمنعنَّكُمْ مِنْ سُحورِكُم أذانُ بلالٍ، ولا الفجرُ المُستَطِيلُ، ولكن المُسْتَطِيرُ في الأُفُق"، رواه سَمُرة بن جُنْدُب.
قوله: "ولا الفجر المستطيل"، (المستطيل): الطويل، وأراد بالفجر المستطيل: الصبح الكاذب، وُصِف بالمستطيل؛ لأنه يرتفع قبل السماء طويلًا،