← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قوله: "يعجب ربك"؛ أي: يرضى ربك، وقيل: معناه: يعظمُ هذا الفعل عند ربك، الكاف خطاب لواحد من الصحابة، إما هذا الراوي أو غيره، يخاطبه النبي ﵇ بهذا الحديث. "الشَّظِيَّة": الصخرة العظيمة الخارجة من الجبل، كأنها أنفُ الجبل. قوله: "انظروا"؛ أي: يا ملائكتي! انظروا. "يخاف مني"؛ يعني: لا يؤذن ولا يصلي ليراه أحد؛ لأنه لم يكن أحدٌ حاضرًا ثَمَّ، بل يفعل هذا؛ لخوف عذابي، وطمع جنتي. * * * ٤٦٣ - وقال ﷺ : "ثلاثةٌ على كُثبانِ المِسْكِ يومَ القِيامَةِ: عبدٌ أدَّى حقَّ الله تعالى وحقَّ مَوْلَاهُ، ورجلٌ أمَّ قَوْمًا وهُمْ بِهِ راضُونَ، ورجلٌ يُنادي بالصلواتِ الخمسِ كُلَّ يومٍ وليلةٍ"، رواه ابن عُمر. غريب. قوله: "على كُثبان المسك"، (الكثبان): جمع كثيب، وهو: الموضعُ المرتفع مثل جبل صغير. قوله: "وهم به راضون"؛ يعني: إذا كان القوم راضين بالإمام، يكون ثوابُ الإمام أكثر. "ينادي"؛ أي: يؤذن؛ يعني: يجعل الله لهؤلاء الثلاثة في عرصات القيامة أمثالَ الجبال من المسك؛ ليقفوا عليها إعزازًا وإكرامًا لهم بين الناس؛ لشرف أفعالهم. * * * ٤٦٤ - عن أبي هُريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "المؤذِّنُ يُغفَرُ لهُ مدَى صَوْتِهِ، ويَشْهَدُ له كُلُّ رَطْبٍ ويابسٍ، وشاهِدُ الصَّلاةِ يُكتَبُ له خَمْسٌ

стр. 562

وعِشْرُونَ صلاةً، ويُكَفَّرُ عنه ما بينهُما". قوله: "يغفر له مدى صوته"، (المدى): الغاية، يريد بهذا: تكميلَ المغفرة؛ يعني: إذا كان صوته أبعدَ تكون مغفرته أكثر، وقيل: معناه: تُغفَرُ ذنوبه وإن كانت تملأ ما بين قدميه وبين آخر ما بلغه صوته من الأرض. قوله: "يشهد له كلُّ رطبٍ ويابسٍ، وشاهدُ الصلاة"، (الشاهد): الحاضر؛ يعني: ما سمع صوته من الجمادات والحيوانات ومن حضر الصلاة بأذانه يشهدُ له يوم القيامة بسماع أذانه. قوله: "يكتب له خمس وعشرون صلاة"؛ أي: ثواب خمس وعشرون صلاة. وقد جاء في الأحاديث مقاديرُ من الثواب مثل هذا، وفي صلاة الجماعة: "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذَّ بسبع وعشرين درجة"، وفي رواية: "بخمس وعشرين درجة". والحكمةُ في هذه المقادير: شيءٌ علمه النبي ﵇، كمقادير عدد ركعات الصلاة، ونصاب الإبل وغيرها من الزكاة، ومن قال فيها شيئًا؛ فقد قاله عن التكلف. قوله: "ما بينهما"؛ أي: ما بين أذان إلى أذان آخر. * * * ٤٦٥ - وقال عُثمان بن أبي العاص ﵁: قلتُ: يا رسولَ الله! اجعلْني إمامَ قَوْمِي، قال: "أنْتَ إمامُهُمْ، واقْتَدِ بأضعفِهِم، واتخِذْ مؤذِّنًا لا يأخُذُ على أذانِهِ أجرًا". قوله: "واقتدِ بأضعفهم"؛ أي: وافق أضعفَ القوم في الصلاة؛ يعني: خفَّفِ الصلاة؛ ليقدر الضعفاء أن يصلوا معك، ولا يجوزُ تركُ أركان الصلاة،

стр. 563

ولكن يُقصَّرُ القراءة والتسبيحات. وفي هذا الحديث ثلاث فوائد: إحداها: أن الإمامة ينبغي أن تكون بإذنِ الحاكمِ. والثانية: استحبابُ تخفيف الصلاة للإمام. والثالثة: استحبابُ الأذان بغير أُجْرة. فإن استأجر الإمام على الأذان جاز، وقيل: لا يجوز. كنية "عثمان": أبو عبد الله، واسم جده: بشر بن عبد بن دهمان الثقفي. * * * ٤٦٦ - وقالت أمُّ سلَمة ﵂: عَلَّمني رسولُ الله ﷺ أنْ أقولَ عِنْدَ أذانِ المغرِبِ: "اللهمَّ! هذا إقْبالُ لَيْلِكَ، وإدْبارُ نهارِكَ، وأصواتُ دُعاتِكَ، فاغْفِرْ لي". قولها: "هذا إقبال ليلك"؛ أي: هذا الأوانُ أوانُ إقبالِ ليلك؛ يعني: بحق هذا الوقت الشريف. "فاغفر لي" فيه. "الدعاة": جمع الداعي، وهو المؤذن هنا. * * * ٤٦٧ - ورُوي: أنَّ بِلالاً ﵁ أخذَ في الإقامة، فلمَّا أنْ قالَ: قدْ قامَتِ الصَّلاةُ قال النَّبيُّ ﷺ : "أقامَها الله، وأدامَها"، وقالَ في سائرِ الإقامةِ: كنحوِ حديثِ عمر في الأذانِ. قوله: "كنحو حديث عمر في الأذان"؛ يعني: قال رسول الله - عليه

стр. 564

السلام - مثل ما قال بلالٌ في سائر الكلمات إلا في قوله: قد قامت الصلاة، فإنه قال: "أقامها الله وأدامها"؛ أي: ثبت الله الصلاة وأدامها. * * * ٤٦٨ - عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُرَدُّ الدُّعاءُ بينَ الأَذانِ والإِقامَةِ". ٤٦٩ - وقال: "ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ: الدُّعاءُ عندَ النَّداءِ، وعِندَ البأْسِ حينَ يَلحَمُ بعضُهم بعضًا"، ويُروى: "وتحتَ المَطَرِ"، رواه سَهْل بن سَعْد. قوله: "ثنتان"؛ أي: دعوتان "لا تردان"، بل تستجابان: إحداهما عند الأذان، والثانية: عند اختلاط جيش المسلمين بالكفار في المحاربة. "البأس": المحاربة. (ألحم يَلحَم): إذا اختلط، ولحَم - بفتح العين في الماضي وضمها وفتحها في الغابر - لحمًا: إذا فصل اللحم عن العظم، وهو استعارةٌ هنا عن القتل، فإن قلت: يُلحِم - بضم الياء وكسر الحاء - معناه: يختلط بعضهم ببعض، وإن قلت: يَلحَم - بفتح الياء والحاء - معناه: يقتل بعضهم بعضًا، والرواية: "يَلحَم" بفتح الياء والحاء. قوله: "وتحت المطر"؛ أي: عند نزول المطر. * * * ٤٧٠ - وقال عبد الله بن عمر ﵁: قالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! إنَّ المؤذِّنينَ يفضُلونَنَا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "قُلْ كما يقولونَ، فإذا انْتَهَيْتَ فسَلْ تُعْطَ". قوله: "يفضلوننا"؛ أي: حصل لهم فضلٌ ومزيدٌ علينا في الثواب بسبب الأذان.

стр. 565

"قل كما يقولون"؛ أي: إذا قلت ما يقول المؤذن حصل لك الثوابُ. "فسل تُعطَ"؛ يعني: إذا فرغت، فاطلب ما تريد من الله تعالى، يعطك. * * * فصل مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧١ - قال رسول الله ﷺ : "إنَّ بلالاً يُنادي بالليل، فكُلوا واشربُوا حتَّى يُنادي ابن أُمَّ مَكْتُوم". قوله: "إن بلالًا ينادي بليل"؛ يعني: لا يحرم أكل السحور على الصائم بأذان بلال؛ لأنه يؤذن قبل الصبح، ولكن يحرم بأذان ابن أم مكتوم؛ لأنه يؤذن بعد الصبح. "ابن أمِّ مكتوم" اسمه: عبد الله، واسم أبيه: قيس بن زائدة بن الأصم، وهو قرشي عامري، واسم أمه: عاتكة بنت عبد الله بن عَنْكَثَةَ (١) المخزومية، والمراد بمكتوم: عبد الله، سمي بذلك؛ لأنه ضرير. * * * ٤٧٢ - وقال: "لا يَمنعنَّكُمْ مِنْ سُحورِكُم أذانُ بلالٍ، ولا الفجرُ المُستَطِيلُ، ولكن المُسْتَطِيرُ في الأُفُق"، رواه سَمُرة بن جُنْدُب. قوله: "ولا الفجر المستطيل"، (المستطيل): الطويل، وأراد بالفجر المستطيل: الصبح الكاذب، وُصِف بالمستطيل؛ لأنه يرتفع قبل السماء طويلًا،

стр. 566

ولا يتفرَّق نوره، ثم يزول، ثم بعد زواله بزمانٍ يظهر الصبح الصادق. "وهو يستطير"؛ أي: يتفرَّق نورُهُ في جانب الأفق. و"الأفق": جانب السماء والأرض. * * * ٤٧٣ - وقال مالك بن الحُوَيْرِث ﵁: قدمتُ على رسولِ الله ﷺ أنا وابن عمَّ لي، فقال لنا: "إذا سافَرْتُما فأَذَّنا، وأقِيما، ولْيَؤُمَّكُما أكْبَرُكُما". قوله: "فأذِّنا"؛ يعني: الأذان لا يختصُّ بالأكبر والأفضل، والإمامة تختصُّ بالأكبر والأفضل. جد "مالك": أشيمُ، وهو ليثي. * * * ٤٧٤ - وقال: "صَلُّوا كما رأَيْتُمُوني أُصلَّي، فإذا حَضَرتِ الصَّلاةُ فلْيُؤَذَّنْ لكُمْ أحدُكُمْ، ثمَّ لِيَؤُمُّكُمْ أكبرُكُمْ". قوله: "صلُّوا كما رأيتموني"؛ يعني: اجعلوا ركوعكم وسجودكم وسائرَ أركان الصلاة مثلَ ما رأيتموني أفعلُ. * * * ٤٧٥ - وقال أبو هريرة ﵁: إنَّ رسولَ الله ﷺ حِينَ قفَلَ مِنْ خَيْبَرَ سارَ ليلةً، حتَّى إذا أدركَهُ الكَرَى عرَّسَ، ونامَ هو وأصحابُهُ، فلمْ يستيقِظْ أحد مِنَ الصَّحابَةِ حتى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فكانَ رسولُ الله ﷺ أوَّلَهُمْ استِيقاظًا، فقال: "اقتادُوا"، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُم شيئًا، ثمَّ تَوَضَّأ رسول الله ﷺ ، وأمرَ بلالاً فأقامَ الصَّلاةَ، فصلَّى بهِمُ الصُّبْحَ، فلمَّا قَضَى الصَّلاةَ قال: "مَنْ نَسِيَ الصَّلاة فَلْيُصَلِّها

стр. 567

إذا ذكرَها، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ". قوله: "قفل"؛ أي: رجع من غزو خيبر إلى المدينة. "الكرى": النوم، و"عرَّس تعريسًا": إذا نزل في آخر الليل للاستراحة. "ضربتهم"؛ أي: وقع حرُّ الشمس عليهم. "فقال: اقتادوا"؛ أي: قال لهم رسول الله ﵇: اقتادوا؛ أي: اطردوا وسوقوا رواحلَكُم من هذا الموضع إلى موضع آخر، "فاقتادوا رواحلهم شيئًا"؛ أي: اذهبوا من ثَمَّ مسافة قليلة. قيل: إنما لم يقضِ رسولُ الله ﵇ في الموضع الذي استيقظَ فيه؛ لأنه موضعٌ غلب عليهم الشيطانُ فيه، فساروا إلى موضع آخر. وقيل: إنما لم يصلوا ثَمَّ، بل أخَّروا الصلاة؛ لترتفع الشمس؛ ليخرج وقتُ الكراهية، وهذا عند أبي حنيفة؛ لأنه يكره الصلاة عند طلوع الشمس والاستواء وعند الغروب، سواء كان للصلاة سببٌ أو لم يكن. وعند الشافعي: لا يكره إذا كان لها سببٌ، كالفائتة وغيرها. قوله: "فأقام الصلاة" ذكر في هذا الحديث الإقامة للفائتة، ولم يذكر الأذان؛ فعند أبي حنيفة: يؤذن ويقيم للفائتة، وعند الشافعي قولان: الأظهر: أنه يقيم ولا يؤذن. قوله تعالى: " ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ": ذكر شرحه في الحديث الذي قبل حِسَانِ (باب تعجيل الصلاة). * * * ٤٧٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ فلا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوها تَمشُون، وعلَيْكُمُ السَّكينَة، فما أدْرَكْتُمْ فصَلُّوا،

стр. 568

وما فاتَكُمْ فأَتِمُّوا"، ويُروى: "فإنَّ أحدَكُمْ إذا كانَ يَعْمِدُ إلى الصَّلاةِ فهو في صَلاةٍ". قوله: "فلا تأتوها تسعَونَ"؛ يعني: كونوا في المشي إلى المسجد غيرَ مسرعين، وإن خفتم فوتَ الصلاة، فإذا أتيتم المسجد وقد فاتكم بعضُ صلاة الجماعة، فصلُّوا ما بقي منها، ويحصلُ لكم الثواب كاملًا؛ لأن من قصد الصلاة؛ فكأنه في الصلاة من حين قصدها، وهذا إذا لم يكن مقصَّرًا بالتأخير. * * * ٦ - باب المَساجِد ومَواضع الصَّلاةِ (باب المساجد ومواضع الصلاة) مِنَ الصَّحَاحِ: ٤٧٨ - قال ابن عبَّاسٍ ﵄: لمَّا دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ البيتَ دَعا في نواحيهِ كُلِّها، ولم يُصَلَّ حتى خرجَ، فلمَّا خرجَ ركعَ ركعَتَيْنِ في قُبُلِ الكَعْبَةِ، وقال: "هذِهِ القِبْلةُ". قوله: "لما دخل النبي ﵇ البيت"؛ يعني: لما دخل عام فتح مكة الكعبةَ. "دعا في نواحيه"؛ أي: وقف في كل جانب من جوانب الكعبة من داخلها، ودعا، "ولم يصلِّ"، ثم "خرج وصلى ركعتين في قُبُلِ الكعبة"، (القبل) بضم القاف وإسكان الباء وضمها: ضد الدبر، وأراد بـ (قبل الكعبة): مستقبلَ باب الكعبة.

стр. 569

قوله: "وقال هذه القبلة"؛ أي: قال رسول الله ﵇ هذا؛ أي: استقرَّ أمر القبلة بحيث لا يُنسَخُ إلى القيامة، ويجب أن يتوجَّه الكعبةَ من يصلي في أيَّ مكان من الأرض. (القبلة): ما يقبل عليه الرجل؛ أي: يستقبله. * * * ٤٧٩ - وقال عبد الله بن عمر ﵄: إنَّ رسولَ الله ﷺ دخلَ الكعبةَ هو وأُسامَةُ بن زَيْدٍ وعُثْمَانُ بن طَلحةَ الحَجَبيُّ وبلالُ بن رَباح، فأغلقَها عليه، ومكثَ فيها، فسألتُ بلالاً حينَ خرجَ: ماذا صنعَ رسولُ الله ﷺ ؟ قال: جَعَلَ عَمودًا عن يسارِهِ، وعَمودَيْنِ عن يمينِهِ، وثلاثةَ أعمدةٍ وراءَهُ، ثمَّ صلَّى. قوله: "إن رسول الله ﵇ دخل الكعبة ... " إلى آخره. وجدُّ "أسامة": حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى. وأما جدُّ "عثمان بن طلحة": أبو طلحة عبد الله بن العزى بن عثمان بن عبد الدار القرشي. أما "بلال بن رباح" فهو مؤذن رسول الله ﵇، وهو حبشي، مولى أبي بكر الصديق ﵁. "الأعمدة": جمع عمود؛ يعني بهذا الحديث: أنه كان للكعبة يومئذ ستة أعمدة، فوقف رسول الله ﵇ كما وصف هنا، وأما الآن فليست الكعبة على تلك الهيئة؛ لأنه غيَّرها حجَّاج بن يوسف، وفي أيَّ موضع منها يصلي الرجل جاز. * * *

стр. 570

٤٨٠ - وعن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "صلاةٌ في مسجِدي هذا خيرٌ مِنْ ألفِ صلاةٍ فيما سِواهُ إلَاّ المسجدَ الحرامِ". قوله: "صلاة في مسجدي هذا"؛ أراد بقوله: (مسجدي) مسجدَ المدينة. * * * ٤٨١ - وقال: "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَاّ إلى ثلاثةِ مساجِدَ: المسجدِ الحرامِ، والمسجدِ الأقصى، ومَسجدِي هذا"، رواه أبو سعيد الخُدْرِيُّ ﵁. قوله: "لا تشد الرحال"، (لا) هنا نفيٌ معناه النهي، و (الرحال): جمع رحل، وهو: ما يكون مع المسافر من الأقمشة. يعني: لو نذر واحد أن يمشي إلى مسجد للصلاة أو غيرها، لم يجب عليه المشي، إلا إلى هذه المساجد الثلاثة؛ لأن ما سوى هذه الثلاثة متساوٍ ففي أيِّ موضع يصلي خرج من النذر، ولا يلزمه المشي إلى المسجد الذي عيَّنه في نذره، وأما هذه المساجد الثلاثة لها فضيلة على غيرها؛ أما الكعبة فلأنها القبلة، ولأنها تقصد للحج والعمرة. وأما مسجد المدينة فلأنه موضع النبي ﵇ ومصلاه. وأما بيت المقدس فلأنه كان قبلة الأنبياء، وصلى إليه رسول الله ﵇ لمَّا قدم المدينة ستة عشر شهرًا، وقيل: سبعة عشر شهرًا، ثم نزل بين الظهر والعصر: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] إلى آخر الآية، فحوَّل إلى الكعبة، فأوَّلُ صلاة صلاها رسول الله ﵇ في المدينة إلى الكعبة العصر. * * *

стр. 571

٤٨٢ - وقال: "ما بينَ بَيتي ومِنبَري رَوضةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ، ومِنْبَرِي على حَوْضي"، رواه أبو هريرة. قوله: "ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة، ومِنبري على حَوْضي"، وكان باب حجرته ﵇ مفتوحًا إلى المسجد، والمحراب بين المنبر وبين بيته، وأراد بقوله: "روضة": المحراب؛ لأن محرابه ﵇ موضع الصلاة والوعظ والذكر، وفيه بركته؛ يعني: محرابي سبب وصول الرجل إلى الجنة بالإيمان به، وقَبولِ ما يصدر من النبي ﵇ من الأحاديث، وهو موضع الملائكة والصالحين، لا يخلوا أبدًا من أهل الصلاح، ولا شك أن الموضعَ الذي هذه صفته سببُ وصول الرجل إلى الجنة. وقد قال ﵇: "إذا مررتم برياض الجنة فارتَعوا" قيل: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: "حِلَق الذَّكر". قوله: "ومنبري على حوضي"؛ يعني: من آمن بكون منبري حقًا، وكون ما يسمع مني على منبري حقًا، ويعمل به، يردُ عليَّ على حوض الكوثر، ومن لم يكن بهذه الصفة، لم يرد عليَّ على حوضي. * * * ٤٨٣ - عن ابن عُمر ﵄ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يأْتي مسجِدَ قُباءٍ كُلَّ سَبْتٍ ماشِيًا وراكبًا، فيُصلِّي فيهِ ركعَتْينِ. قوله: "يأتي مسجد قباء ... " إلى آخره، هذا الحديث يدلُّ على أن التقرب بالمساجد ومواضع الصلحاء مستحبٌّ، وأن الزيارة يوم السبت سنة. و (قُباء): مسجد خارج المدينة قريب منها، و (قباء) ممدود، ذكره في "الصحاح". * * *

стр. 572

٤٨٤ - وقال: "أحبُّ البلادِ إلى الله مسَاجِدُها، وأبغضُ البلادِ إلى الله تعالى أسواقُها"، رواه أبو هريرة ﵁. قوله: "أحب البلاد إلى الله"، (البلاد): جمع بلد، وهو المواضع؛ يعني: أحب المواضع إلى الله تعالى المساجد؛ لأنها مواضعُ الصلاةِ والذكر، وأبغضُ المواضع إلى الله الأسواق؛ لأنها مواضعُ الغفلةِ والحرص والطمع والخيانة. * * * ٤٨٦ - وقال: "مَنْ غَدا إلى المسجدِ أو رَاحَ، أعدَّ الله لهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّما غَدا أو راحَ". قوله: "من غدا إلى المسجد"، (غدا): إذا مشى في أول النهار، و (راح): إذا مشى في أول الليل. "أعد الله"؛ أي: هيَّأ الله. "النزل" بضم الزاي، ويجوز إسكانها: ما يُقدَّم إلى الضيف من الطعام. يعني: عادة الناس أن يقدموا طعامًا إلى من دخل بيوتهم، والمسجدُ بيتُ الله، فمن دخله في أي وقت كان من ليل أو نهار يعطيه الله أجره من الجنة؛ لأن الله تعالى أكرمُ الأكرمين، فلا يضيعُ أجرَ المحسنين. * * * ٤٨٧ - وقال: "أعظمُ النَّاسِ أجْرًا في الصَّلاةِ أبعَدُهُمْ فأبعَدُهُمْ مَمْشًى، والذي يَنتظِرُ الصَّلاةَ حتَّى يُصَلِّيها مع الإِمام أعظمُ أجرًا مِنَ الذي يُصَلِّي ثمَّ ينامُ"، رواه أبو موسى ﵁. قوله: "فأبعدهم ممشى"، (الممشى): مصدر ميمي، أو مكان؛ يعني: من كان من بيته إلى المسجد أبعد مسافة فأجرُه أكثرُ؛ لأن الأجر بقدر التعب.

стр. 573

قوله: "يصلي ثم ينام"؛ يعني: يصلي منفردًا، ثم ينام، ولا ينتظر الإمام. * * * ٤٨٨ - وقال جابر: أرادَ بنو سَلِمَةَ أَنْ يَنتقِلُوا إلى قُرْب المسجدِ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "يا بني سَلِمَةَ! دِيارَكُمْ، تُكْتَبْ آثارُكُمْ، دِيارَكُمْ، تُكْتَبْ آثارُكم". قوله: "أراد بنو سَلِمة" بكسر اللام: قبيلة من الأنصار، وكان بين دورهم وبين مسجدِ رسول الله ﵇ مسافةٌ بعيدة، يلحقهم تعب في سواد الليل في المشي إلى المسجد، فأرادوا أن يتركوا دورهم، ويتخذوا دورًا أخر بقرب المسجد، فقال لهم رسول الله ﵇: "بني سلمة! "؛ أي: يا بني سلمة! "ديارَكم"؛ أي: الزموا دياركم، فلا تنتقلوا عنها، "تكتب" بجزم الباء على جواب الأمر المقدر؛ أي: حتى يكتب أجرُ "آثاركم"؛ أي: أقدامكم؛ يعني: لكل خطوة درجة في المشي إلى المسجد، فما كان الخطا أكثرَ يكون الأجرُ أكثرَ. * * * ٤٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "سبعةٌ يُظلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلاّ ظِلَّهُ: إمامٌ عادلٌ، وشابٌ نشأَ في عِبادَةِ الله تعالى، ورجُلٌ قلبُهُ مُعَلَّقٌ بالمَسجِدِ إذا خَرَجَ مِنْهُ حتَّى يَعودَ إليه، ورجُلَانِ تحابَّا في الله اجتَمَعَا عليهِ، وتَفرَّقا عليه، ورجُل ذكرَ الله خالِيًا ففاضَتْ عَيْنَاهُ، ورجُل دَعَتْهُ امرأَةٌ ذاتُ حَسَبٍ وجَمالٍ فقال: إنَّي أَخافُ الله، ورجُلٌ تصَدَّقَ بصدَقَةٍ فأخْفاهَا حتَّى لا تعلمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يمينُهُ". قوله: "يظلهم الله"، أظل يظل: إذا أوقف أحدًا في الظل، وجعل الظلَّ على رأسه.

стр. 574

"يظلهم الله تعالى في ظله"؛ أي: يجعلهم الله تعالى في حفظه وعنايته، ويحفظهم عن عذاب يوم القيامة. "يوم لا ظلَّ إلا ظله"؛ أي: لا قدرةَ ولا رحمةَ في يوم القيامة إلا لله. "إمام"؛ أي: ملك وحاكم. "نشأ"؛ أي: نما؛ أي: يكون في العبادة من أول بلوغه بسنِّ التمييز إلى أن كبر. "تحابَّا في الله"؛ أي: جرت المحبةُ بينهما لله، لا لغرضٍ دنيوي. "اجتمعا عليه، وتفرَّقا عليه"؛ يعني: لو كانا جالسين ومجتمعين يكونان في رضا الله تعالى في الحب لله، ولو كانا متفرقين يكونان على ذلك الحب، يحفظان الحب في الحضور والغيبة. "ذكر الله خاليًا"؛ أي: يخاف الله في الخلوة، ويبكي من خوفه، ومن تقصيره في الطاعة، وخوف ذنوبه. "فاضت عيناه"؛ أي: جرى الدموع من عينيه. "دعته امرأة"؛ أي: دعته امرأة أن يزني بها، ولها جمالٌ كاملٌ وحسب، ومع ذلك يتركها من خوف الله تعالى. "الحسب": ما يعدُّه الرجلُ من مفاخر آبائه، وكذا ما يكون في الرجل من الخصال الحميدة، وكذلك المرأة، والمرأةُ إذا كانت شريفةً ذاتَ خصال حميدة، تكون النفسُ أميلَ إليها ممن لم تكن بهذه الصفة. قوله: "لا تعلم شماله ما تنفق يمينه": هذا تأكيدٌ ومبالغةٌ في الإخفاء، وليس المراد به الحقيقة؛ لأن نسبةَ العلمِ إلى الشمال استعارة؛ لأن الشمالَ لا تعلم شيئًا. * * *

стр. 575

٤٩٠ - وقال: "صلاةُ الرجلِ في الجماعةِ تُضَعَّفُ على صلاتِهِ في بيتِهِ وفي سُوقِهِ خَمْسًا وعشرينَ ضعفًا، وذلكَ أنَّهُ إذا تَوَضَّأَ فأحسَنَ الوُضوءَ، ثمَّ خرجَ إلى المسجد لا يُخرجُهُ إلاّ الصَّلاةُ، لم يَخْطُ خُطوةً إلاّ رُفِعَتْ له بها درجةٌ، وحُطَّ عنهُ بها خَطيئةٌ، فإذا صَلَّى لمْ تَزَلِ الملائكةُ تُصَلِّي عليهِ ما دامَ في مُصَلَاّهُ: اللهم صلِّ عليه، اللهم! ارحمْهُ". وقال: "لا يزالُ أحدُكُمْ في صَلاةٍ ما دامَ ينتظِرها، ولا تزالُ الملائكَةُ تُصلَّي على أحدِكُمْ ما دامَ في المسجِدِ تقول: اللهمَّ! اغفِرْ لهُ، اللهمَّ! ارحَمْهُ ما لمْ يُحدِثْ". قوله: "تُضعَّفُ"؛ أي: تزاد. "لا يخرجه إلا الصلاة"؛ يعني: لا يخرج من بيته إلى المسجد إلا للصلاة، لا لشُغلٍ آخر. "تصلِّي عليه"؛ أي: تدعو له، وتستغفرُ له. "في مصلاه"؛ أي: في الموضع الذي صلَّى فيه. قوله: "اللهم! اغفر له"؛ يعني: تقول الملائكة: اللهم! اغفر له. "ما لم يُحْدِث" بسكون الحاء وتخفيف الدال؛ أي: ما لم يُبطِلْ وُضوءه. * * * ٤٩٢ - وقال: "إذا دخلَ أحدُكُمُ المسجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قبلَ أنْ يَجْلِسَ". قوله: "فليركعْ ركعتين"؛ يعني: فلْيصلِّ ركعتين تحيةَ المسجد. * * *

стр. 576

٤٩٣ - وقال كعب بن مالك ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ لا يَقْدُمُ مِنْ سفَرٍ إلَاّ نهارًا في الضُّحى، فإذا قَدِمَ بدأَ بالمسجِدِ، فصلَّى فيهِ ركعَتَيْنِ، ثمَّ جلسَ فيه. قوله: "لا يَقدُم من سفر إلا نهارًا"، فالسنة إذا رجع من السفر: أن يدخل الرجل بلده في أول النهار، بدليل هذا الحديث، وليبدأ بدخول المسجد، وليصلَّ ركعتين تحية المسجد، وليجلس فيه لحظة؛ ليزوره أحباؤه ويزورهم، ثم يدخلُ بيته. * * * ٤٩٤ - وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَمِعَ رجُلاً ينشُدُ ضالَّةً في المسجدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها الله عليكَ، فإنَّ المساجِدَ لمْ تُبن لهذا". قوله: "ينشدُ ضالَّة"، نشد ينشد: إذا طلب الضالة؛ يعني: رفع الصوت في المسجد غيرُ جائزٍ في غير ذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، والوعظ، ودرس العلم. * * * ٤٩٥ - وقال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجرةِ المُنْتَنِةَ فلا يَقْرَبن مَسجِدَنَا، فإنَّ الملائكَةَ تتأذَّى ممَّا يَتَأَذَّى منهُ الإِنسُ". قوله: "من أكل من هذه الشجرة"؛ أي: من الثوم، هكذا ذكر في "شرح السنة"، ويقاس عليه البصلُ، وما له رائحة كريهة؛ يعني: من أكل شيئًا له رائحة كريهة، كُرِهَ له أن يدخلَ المسجد؛ كيلا يتأذى برائحته الملائكة، ومن حضر من الإنس، والنهيُ ليس من دخول المسجد، بل من أكل هذه الأشياء. * * *

стр. 577

٤٩٦ - وقال: "البُزاقُ في المَسجِدِ خَطيئةٌ، وكفَّارتُها دَفْنُها". قوله: "البزاق في المسجد خطيئةٌ، وكفارتُها دفنُها"، رواه أنس. يعني: إذا أزال ذلك البزاق أو ستره بشيء طاهرٍ عقيبَ الإلقاءِ أزال عنه تلك الخطيئة. قوله: "البزاق في المسجد" تقديره: إلقاء البزاق في المسجد. * * * ٤٩٧ - وقال: "عُرِضَتْ عليَّ أَعمالُ أُمَّتِي حَسَنُها وسيَّئُها، فوجدتُ في مَحاسِنِ أعمالِها الأَذَى يُماطُ عنِ الطَّريقِ، ووجدتُ في مَساوئ أعمالِها النُّخَاعةَ في المسجدِ لا تُدْفَنُ". وقال: "عُرِضت عليَّ أعمالُ أمتي حسنُها وسيَّئُها". قوله: "فوجدتُ في محاسنِ أعمالهم"، (المحاسن): جمع حسن. "الأذى": ما يتأذى به الناس من حجر وشجر في الطريق، وغير ذلك. "يُماط"؛ أي: يُبعَد. "المساوئ": جمع مَسَاء، وأصله: (مَسْوَء)، فنُقِلت فتحة الواو إلى السين، وقُلِبت ألفًا، ومعناه: السيئة، و (السوءُ) مثله، ويحتمل أن تكون (المساوئ) جمع: السوء، كـ (المحاسن) جمع: الحسن، والياء في (المساوي) مقلوبةٌ عن الهمزة. "النُّخاعة" والنُّخامة: البزاق الذي يلقيه الرجل من فمه. يعني: إماطةُ الأذى عن الطريق من جملة الحسنات، وإلقاءُ البزاق في المسجد من جملة السيئات، إذا لم "يدفن"؛ أي: لم يستر. * * *

стр. 578

٤٩٨ - وقال: "إذا قامَ أحدُكُمْ إلى الصَّلاةِ فلا يَبصُقْ أَمامهُ، فإنما يناجي الله ما دام في مُصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملَكًا، وليبصُق عن يَسارِهِ أو تحتَ قدَمِهِ فَيَدْفِنُها"، وفي رواية: "أو تحتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى". قوله: "فلا يبصق"؛ أي: فلا يسقط البزاق. قوله: "أمامه" بفتح الهمزة؛ أي: تلقاء وجهه؛ يعني: نحو القبلة. و"يناجي الله تعالى"؛ أي: يخاطبه، ومن يخاطب أحدًا لا يبصق نحوه، والله تعالى ليس له مكان حتى يختصَّ بجهة، بل جميع الجهات عنده سواء، ولعل المراد من النهي: أن لا يبصق المصلي تلقاء وجهه صيانةً للقبلة عما ليس فيه تعظيمٌ. قوله: "فإن عن يمينه ملكًا"، اعلم أن عن يساره ملكًا كما أن عن يمينه ملكًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. (يتلقى)؛ أي: يأخذ ويكتب، (المتلقيان): الملكان الموكلان بالإنسان؛ أحدهما عن يمينه يكتب حسناته، والثاني عن شماله يكتب سيئاته. (قعيد)؛ أي: كل واحد منهما مُقاعِدٌ؛ أي: مجالس وملازم له. ولعل المراد بالنهي عن إلقاء البزاق عن اليمين: زيادةُ تعظيم الملك الذي هو عن اليمين؛ لأنه يكتب الحسنات، ومن يكتب الحسنات أشرفُ من الذي يكتب السيئات، ولأن جانب يمين الرجل خيرٌ من شماله. وفي هذا الحديث دلالةٌ على طهارة البزاق؛ لأنه لو لم يكن طاهرًا لما أمر النبي ﵇ المصلي بإلقاء البزاق في مُصلاه، وقد أمره في حديث آخر: أن يأخذ البزاق بثوبه. قال الخطابي: لا أعلمُ أحدًا قال بنجاسة البزاقِ إلا إبراهيم النخعي. * * *

стр. 579

٤٩٩ - وقال: "لَعنةُ الله على اليَهودِ والنَّصارَى، اتَّخَذُوا قُبورَ أَنبيائهم مَساجِدَ". قوله: "لعنةُ الله على اليهود والنصارى"، وعلةُ دعائه ﵇ على اليهود والنصارى باللعنة: أنهم يصلُّون في المواضع التي فيها أنبياؤهم ﵈ مدفونون؛ إما للسجود لهم، وهذا كفر؛ لأن السجودَ لا يجوز إلا لله، وإمَّا لاعتقادهم أن الصلاة ثمة أفضل؛ لكونها خدمة لله وتعظيمًا لأنبيائهم، وهذا شرك؛ لأنه لا يجوز أن يقصد بالصلاة إلا تعظيم الله تعالى وطاعته. وعلةُ نهيه ﵇ أمتَهُ عن الصلاة في المقابر الاحترازُ عن مشابهة اليهود والنصارى. * * * ٥٠١ - وقال: "اجْعَلُوا في بُيوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ، ولا تتَّخِذُوهَا قُبورًا". قوله: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم"؛ يعني: صلُّوا في بيوتكم، ولا تتخذوها كالمقابر؛ فإن المقابرَ هي التي نُهِي عن الصلاة فيها. وقيل: معناه: صلوا في بيوتكم؛ فإنكم لو لم تصلوا فيها، فقد شبَّهتم بيوتكم بالمقابر، وشبَّهتم أنفسَكم بالموتى. ومن قال: معناه: لا تدفنوا الموتى في بيوتكم، فقد أخطأ؛ لأن النبي ﵇ دُفِنَ في بيته بإجماع من الصحابة. * * * ٥٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: "ما بينَ المَشرقِ والمَغربِ قِبْلةٌ".

стр. 580

قوله: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"، قال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة. اعلم أنَّ المشارقَ والمغارب كثيرةٌ؛ لأن (المشارق) جمع: مشرق، وهو موضع شروق الشمس؛ أي: طلوعها، وكل وقت تطلع الشمس من موضع، وتغرب من موضع، فأولُ المشارق مشرقُ الصيف، وهو مطلع الشمس في أطول يوم من السنة، وذلك قريبٌ من مطلع السِّماكِ الرَّامِح، يرتفع عنه في الشمال، وآخر المشارق مشرق الشتاء، وهو مطلع الشمس في أقصر يوم من السنة، وهو قريبٌ من مطلع قلبِ العقربِ، ينحدر عنه في الجنوب قليلًا، وأولُ المغارب مغربُ الصيف، وهو مغيب القرص عند موضع غروب السِّماكِ الرامِح، وآخر المغارب مغرب الشتاء، وهو مغيب القرص عند مغرب قلب العقرب على نحو ما ذكرته في مطلعه، فمن جعل من أهل الشرق أول المغارب عن يمينه وآخر المشارق عن يساره، كان مستقبلًا للقبلة، والمراد بأهل الشرق: أهل الكوفة وبغداد وخرستان وفارس والعراق وخراسان، وما يتعلق بهذه البلاد. * * * ٥٠٤ - وقال طَلْق بن علي: خرجْنَا وَفْدًا إلى النَّبيِّ ﷺ فبايعناهُ، وصَلَّيْنَا معهُ، وأخبَرْنَاهُ أنَّ بأرضنَا بِيْعةٌ لنا، فقال: "إذا أَتيتُمْ أرضَكُمْ فاكسِروا بِيعَتَكُمْ، وانضَحُوا مَكانَها بهذا الماءِ، واتَّخِذُوهَا مسجِدًا". قوله: "خرجْنَا وَفْدًا"، (الوفد): الجماعة الذين يقصدون أحدًا لرسالة أو مهم، (وفدًا) هنا منصوب على الحال؛ أي: خرجنا في حال كوننا قاصدين رسول الله ﵇ لتعليم الدين. "البيْعَة": الموضع الذي يتعبد فيه النصارى.

стр. 581

"فاكسروا بِيعتكم"؛ أي: أخربوها. "وانضحوا"؛ أي: رُشُوا وأريقوا. "مكانها بهذا الماء"، أراد بهذا الماء: فضلَ وضوء رسول الله ﵇؛ لأنه رُوِيَ: أن طلقَ بن عليًّ ﵄ قال: استوهبنا رسولَ الله ﵇ فضلَ وضوء، فدعا بماء فتوضأ منه، وتمضمض، ثم صبَّه في إِداوةٍ وقال: "اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بِيعتكم، ثم انضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوا مكانها مسجدًا" فقلنا: يا نبي الله! إن البلدَ بعيدٌ والماءُ ينشفُ، قال: "أمدُّوه من الماء، فإنه لا يزيد إلا طيبًا"، فعلمنا بهذا الحديث: أن قوله ﵇: "بهذا" الإشارةُ إلى فضل وضوئه، لا إلى جنس الماء. قوله: "أمدُّوه"؛ أي: زيدوا عليه ماء آخر حتى يكثر. الإمداد: الزيادة. * * * ٥٠٥ - قالت عائشة ﵂: أمرَ رسولُ الله ﷺ ببناءِ المَساجدِ في الدُّورِ، وأنْ تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ. قوله: "أمر رسول الله ﵇"؛ يعني: أذن رسول الله ﵇ أن يُبنى في كلَّ محلة مسجدٌ. و"الدور": المحلات. ويحتمل أن يكون المراد به: أنه أذن أن يبني الرجل في داره مسجدًا يصلي فيه أهلُ بيته. ولا يصيرُ الموضع مسجدًا بالصلاة فيه حتى يقول مالكه: جعلت هذا مسجدًا، فإذا قال ذلك، زال عنه ملكه، ويثبت لذلك الموضع حكمُ المسجد من تحريم لبث الجنب، والحائض.

стр. 582

قولها: "وتُنظَّف"؛ أي: وتتطهر بإزالة النتن والتراب والقذارة وما أشبه ذلك منه. قولها: "وتُطيَّب"؛ أي: يجعل فيها الطيبُ. * * * ٥٠٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أُمِرْتُ بتشييدِ المَساجِدِ"، قال ابن عباس: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفَتِ اليهودُ والنَّصارى. قوله: "ما أُمرتُ بتشييد المساجد"؛ (التشييد): جعل الشيء رفيعًا، والتشييد أيضًا: جعل الشيء أبيض بالجص؛ يعني: ما أمرت أن أجعل المسجد رفيعًا مبيضًا بالجصِّ؛ لأنهما زائدان على قدر الحاجة. قوله: "لتزخرفُنَّها"؛ أي: يأتي عليكم زمان تزينون فيه المساجد بالنقوش وتبيِّضونها بالجص، وتتفاخرون بكونها رفيعة مزينة، وهذا بدعةٌ لم يفعله رسول الله ﵇، ولأنه إتلافٌ للمال، ولأنه موافقةٌ لليهود والنصارى؛ فإنهم يزينون بِيعهم وكنائسهم. * * * ٥٠٧ - عن أنس ﵁ عن النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ مِنْ أشراطِ السَّاعةِ أنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ في المساجِدِ". قوله: "إن من أشراط الساعة"، (الأشراطُ): جمع شرطٍ، وهو: العلامة. "أن يتباهى"؛ أي: يتفاخر؛ يعني: من علامات القيامة أن يتفاخر كل واحد بمسجد، ويقول: مسجدي أرفعُ وأكثر زينةً من مسجد فلان. * * *

стр. 583

٥٠٨ - وقال: "عُرِضَتْ عليَّ أُجُورُ أُمَّتي حتَّى القَذَاةَ يُخرِجُها الرجُلُ مِنَ المسجِدِ، وعُرِضَتْ عليَّ ذُنُوبُ أُمَّتي، فلمْ أَر ذنبًا أعظمَ مِنْ سورَةٍ مِنَ القُرآنِ أو آيةٍ أُوتيَها رجلٌ، ثمَّ نسِيَها". "حتى القذاة"، (القذاة): التبن والتراب أو غير ذلك مما يُطهَّر منه المسجد؛ يعني: تطهير المسجد حسنة. قوله: "فلم أرَ ذنبًا ... " إلى آخره؛ يعني: من تعلم سورة أو آية من القرآن، ثم نسيها، يكون ذنبُهُ أعظمَ من سائر الذنوب الصغائر؛ لأن نسيان القرآن من الحفظ ليس بذنب كبير إن لم يكن عن استخفافٍ، وقلةِ تعظيم القرآن، وإنما قال ﵇ هذا للتشديد والتحريض على مراعاة حفظ القرآن. * * * ٥٠٩ - وقال: "بَشِّر المشَّائينَ في الظُّلَم إلى المساجِدِ بالنُّور التَّامِّ يومَ القِيامَةِ". قوله: "بشِّر المشَّائين"، (المشاء): كثير المشي. * * * ٥١٠ - وقال: "إذا رأَيتُم الرجل يتعاهد المَسجدَ فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ". قوله: "يتعاهد المسجد"؛ أي: يخدمه ويعمره؛ يعني: إذا رأيتم الذي يعمر المسجد ويصلحه فاعلموا أنه مؤمنٌ. * * *

стр. 584

٥١١ - قال عُثمان بن مَظْعُون ﵁: قلت: يا رسولَ الله! ائذَنْ لنا في الاخْتِصَاءِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ "ليسَ مِنَّا مَن خَصَى، ولا مَنِ اخْتَصى، إنَّ خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيامُ"، فقال: ائذَنْ لنا في السِّياحَةِ، فقال: "إنَّ سياحَةَ أُمَّتِي الجِهادُ في سَبيلِ الله"، فقال: ائذَنْ لنا في التَّرَهُّبِ، فقالَ: "إنَّ تَرَهَّبَ أُمَّتِي الجُلُوسُ في المَساجِدِ انتِظارَ الصَّلاةِ". قوله: "ليس منا من خصى ولا اختصى": خصى يخصِي خِصاء - بكسر الخاء في المصدر -: إذا أخرج وسلَّ خصيةَ أحد، و (اختصى): إذا أخرج وسلَّ خصية نفسه. اعلم أن جماعةَ أهلِ الصُّفة أرسلوا عثمان بن مظعون إلى رسول الله ﵇؛ ليستأذن رسول الله ﵇ في الاختصاء؛ لأنهم يشتهون النساء، وليس لهم مهرٌ ونفقة أن يتزوجوا، فنهاهم رسول الله ﵇ عن ذلك، وأمرهم بالصوم؛ فإن الصوم يكسر الشهوة. "السِّياحة": مصدر ساح يسيح: إذا تردَّدَ وسافرَ في البلاد. "الترهُّب": التزهُّد، والمراد هنا: العزلة عن الناس، والفرار من بينهم إلى رؤوس الجبال والمواضع الخالية، كما فعلت زُهَّادُ النصارى. "انتظارَ الصلاة" منصوب بأنه مفعولٌ له؛ أي: لانتظار الصلاة. كنية "عثمان": أبو الثابت، واسم جده: حبيب بن وهب بن حُذافةَ القرشي. * * * ٥١٢ - عن عبد الرحمن بن عائش ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأَيتُ رَبي ﵎ في أَحْسَنِ صُورَةٍ، فقال: فيمَ يَخْتَصِمُ المَلأَ الأَعْلَى يا مُحَمّد؟ قلتُ: أنتَ أَعْلَمُ أَي رَبَّ - مَرَّتَيْنِ - قال: فَوَضعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ،

стр. 585

فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ, فَعَلِمْتُ ما في السَّماءِ والأَرْضِ، ثُمَّ تلا هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ , ثم قال: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأَ الأَعْلَى يا مُحَمَّد؟ قلتُ: في الكَفَّاراتِ، قالَ: وما هُنَّ؟ قُلْتُ: المَشْيُ على الأقْدَامِ إلى الجماعَاتِ، والجُلُوسُ في المَساجِدِ خَلْفَ الصَّلواتِ، وإبلاغُ الوُضوءِ أماكِنَهُ في المَكَارِهِ، مَنْ يَفْعَلْ ذلكَ يَعِشْ بِخَيْرٍ وَيَمُتْ بِخَيْرٍ، ويكونَ مِنَ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، ومِنَ الدَّرَجَاتِ إطْعَامُ الطَّعامِ، وبَذْلِ السَّلامِ، وأنْ يَقُومَ بالليلِ والنَّاسُ نِيامٌ، قال: قُلِ: اللهمَّ! إنَّي أَسْأَلُكَ الطَّيِّبَاتِ، وتَرْكَ المُنْكَراتِ، وحُبَّ المساكين، وأَنْ تَغْفِرَ لي خَطِيئتِي وتَرْحَمَني وتَتُوبَ عَلَيَّ، وإذا أَرَدْتَ فِتْنَةً في قَوْمٍ فَتَوَفَّني غَيْرَ مَفْتُونٍ". قوله: "رأيتُ ربي ﵎ في أحسنِ صورةٍ ... " إلى آخره. اعلم أنَّ هذا الحديثَ مرسلٌ؛ لأن عبد الله بن عائشٍ - بالشين المنقوطة - يروي هذا الحديث عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل، قال معاذ: لم يخرجْ علينا رسول الله ﵇ يومًا لصلاة الغداة حتى كادت الشمس تطلع، فخرج وصلى بنا صلاة الغداة على العجلة، ثم قال: "قمتُ الليلةَ وصلَّيتُ ما قدَّر الله لي أن أصلي، ثم غلبني النعاس، فرأيتُ في المنام ربي في أحسن صورة ... "، وحكى إلى آخر الحديث، وروى نحو هذا ابن عباس. قوله: "في أحسن صورة": هذا يحتمل أن يكون حالًا من الرائي، وهو النبي ﵇، ويحتمل أن يكون حالًا من المرئي، وهو الرب ﵎؛ فإن كان حالًا من النبي ﵇ فلا إشكالَ، ويكون معناه: أنا في تلك الحالة كنت في أحسن صورةٍ وصفةٍ من غاية إنعامه ولطفه تعالى عليَّ. وإن كان حالًا من الله؛ فإن تأوَّلْنا الصورةَ بالصفةِ فلا إشكالَ أيضًا؛ لأن معناه: كان ربي ﵎ أحسنَ إكرامًا ولطفًا ورحمة عليَّ من وقت آخر،

стр. 586

وإن لم نقل: إن الصورةَ هنا بمعنى الصفة، ففيه إشكالٌ؛ لأن إطلاق الصورة على الله تعالى تشبيهٌ، ونعوذُ بالله من التشبيه. فطريقه أن (١) نقول: الصورة هنا كالوجه في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وكالمجيء في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، ونحو هذا كثير، ولا نتعرَّضُ لتأويله، بل نؤمن بكون هذه الأشياء حقًا، ونَكِلُ تأويله إلى الله تعالى. قوله: "فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ " أي: قال لي ربي: قل يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ و (اختصم) و (تخاصم) بمعنى واحد، (الملأ): الجماعة، والمراد بالملأ هنا: الملائكة، وُصِفوا بالملأ الأعلى؛ لعلو مكانهم في السماوات، أو لعلو منزلتهم عند الله تعالى، ويأتي معنى اختصامهم بعد هذا. قوله: "أنت أعلم أي رب"، (أي) بفتح الهمزة وسكون الياء بمعنى: يا، يقال: أي زيد! كما يقال: يا زيد! يعني: لما سألني عن هذا السؤال ما كنت عالمًا بجوابه، فقلت: أنت أعلم، قلت هذا "مرتين"، فلما نظرَ إليَّ نظر الرحمة فتحَ في قلبي باب العلم، فعلمت ما في السماء والأرض، فلما ساءلني مرة أخرى، وقد فتح الله تعالى في قلبي علمَ ذلك وغيره، فأجبته فقلت: "في الكفارات". قوله: "فوضع كفَّه بين كتفي"، معنى (كفه) كمعنى (يده)، وهذا ممَّا نَكِلُ علمَ كيفيته إلى الله تعالى، وغرضُ النبي ﵇ من التلفظ بهذا بيانُ إنعام الله؛ لأن العادة جارية بأن من يتلطف بأحد يضع كفه بين كتفيه، ويقول له:

стр. 587

كيف أنت؟ أو يقول له: أبشر بكذا، أو لا تخف ولا تحزن، وما أشبه ذلك؛ يعني به النبي ﵇: أن الله تعالى تلطَّفَ وفتحَ عليَّ باب العلم والرحمة. قوله: "فوجدت بردَها بين ثديي"، (البرد): الراحة؛ يعني: فوجدت راحة لفظه تعالى في قلبي، والضمير في (بردها) راجع إلى الكف، وأراد بقوله: (بين ثديي): قلبه أو صدره. قوله: "فعلمت ما في السماء والأرض": اعلم أنه علمَ ما أعلمه الله تعالى مما في السماء والأرض لا جميعَ الأشياء؛ لأنه لم يعلم عددَ جميع الملائكة وجميع الأشجار وعدد الرمل وغير ذلك من المخلوقات وأحوالهم، بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى. قوله: "ثم تلا"؛ أي: تلا رسول الله ﵇: " ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ "؛ أي: وكما نريك يا محمد أحكام الدين وعجائب ما في السماء والأرض نري إبراهيم. هذا اللفظ مضارع، ومعناه الماضي؛ أي: أرينا إبراهيم. "ملكوت السماوات والأرض"؛ أي: خلق السماوات والأرض. قال مجاهد: ظهرت له السماوات إلى العرش حتى نظر إليها، وظهرت له الأرضون حتى نظر إليها. "وليكون من الموقنين"، الواو عطف على مقدر؛ أي: ليحتجَّ به [على] قومه، وليكون من الموقنين في أن لا إلهَ غيري. (الملكوت): بمعنى الملك العظيم. سورة الأنعام نزلت بمكة، وهذه الرؤيا كانت بالمدينة، وغرضُ النبي ﵇ من تلاوة هذه الآية: أن الله فتح لي حتى علمتُ ما في السماوات والأرض كما أُرِي إبراهيمُ ملكوتَ السماوات والأرض.

стр. 588

قوله: "قلت: في الكفارات"، وفي بعض الروايات: "في الدرجات والكفارات"؛ يعني: يختصم الملأ الأعلى في الكفارات. (يختصم): بمعنى يتمنَّى فيشتهي؛ يعني: يشتهي الملائكة أن يفعلوا ما فعل بنو آدم من الخصال التي ترفع الدرجات، وتكفر السيئات؛ أي: تمحوها. "ما هُنَّ"؛ أي: قل: الكفارات ما هن؟ (ما) استفهامية، وغرض سؤال الله تعالى نبيه عن بيان هذه الأشياء: أن يخبر بها أمته؛ ليفعلوها. "أماكِنَهُ"؛ أي: مواضع الفروض والسنن، (الأماكن): جمع المكان، وهو الموضع. "في المكاره"؛ أي: في شدة البرد. قوله: "ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه"، (كيوم) مبني على الفتح، وكذا كلُّ ظرف أُضيفَ إلى الماضي يكون مبنيًا على الفتح، وأما إذا أُضيفَ إلى المضارع اختلف في أنه مبني على الفتح أو معرب؟ والأصح أنه معرب. يعني: من فعل هذه الخصال يخرج من ذنوبه الصغار طاهرًا، وأما ذنوبه الكبار في مشيئة الله تعالى، ونرجو أن تكون أيضًا معفوةً؛ فإن الله غفور رحيم. "بذل السلام"؛ أي: إفشاءُ السلام على مَنْ عرفته، ومن لم تعرفه. "قال: قل"؛ أي: قال الله تعالى: يا محمد! قل. "الطيبات": الأفعال والأقوال الصالحة، و (الطيبات): الحلالات. "وإذا أردت فتنة"؛ يعني: وإذا قدَّرتَ أن يضلَّ قومٌ عن الحق. "فتوفَّني"؛ أي: قدِّرْ موتي "غيرَ مفتون"؛ أي: غير ضال. * * *

стр. 589

٥١٣ - عن أبي أُمامة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثةٌ كُلهُمْ ضامِنٌ على الله: رَجُلٌ خرجَ غازِيًا في سبيل الله، فهو ضامِنٌ على الله حتَّى يَتوفَّاهُ فيُدْخِلَهُ الجنَّةَ أو يَرُدَّهُ بما نالَ مِنْ أَجرٍ أو غنيمةٍ، ورجُلٌ راحَ إلى المسجِدِ فهو ضامِنٌ على الله، ورجُلٌ دخلَ بيتَهُ بسلامٍ فهو ضامِنٌ على الله". قوله: "ثلاثة كلهم"؛ أي: كل واحد منهم. "ضامن"؛ أي: ذو ضمان على الله تعالى، وقيل: (ضامن) هنا فاعل بمعنى مفعول؛ أي: مضمون على الله؛ يعني: وعد الله وعدًا لا خلفَ فيه أن يعطيَهُم مرادَهم. "حتى يتوفَّاه"؛ أي: حتى يقبضَ روحه؛ إما بالموت، أو بأن يقتله الكفار. "نال"؛ أي: وجد. "راح إلى المسجدِ"؛ أي: مشى إلى المسجد، فهو ضامنٌ على الله أن يعطيه الأجر. قوله: "دخل بيتَهُ بسلام" معناه عند الأكثرين: أنه يسلِّمُ على أهل بيته إذا دخل، فإذا سلَّم فهو ضامن على الله تعالى أن يعطيه البركةَ والثوابَ الكثير، كما قال ﵇ لأنس ﵁: "إذا دخلتَ على أهلِكَ فسلِّم، تكون بركتُكَ عليك، وعلى أهل بيتك". وقيل: معناه: دخل بيته، ولا يخرج؛ ليسلمَ من الفتنة، وعلى هذا يكون معناه: من لازمَ بيته، فهو ضامن على الله أن يحفظه من الآفة والفتنة. * * * ٥١٤ - وقال: "مَنْ خرجَ مِنْ بيتِهِ مُتطهرًا إلى صَلاةٍ مكتوبةٍ فأجرُهُ كأجرِ الحاجِّ المُحرِمِ، ومَنْ خرجَ إلى تَسبيحِ الضُّحى لا يُنصِبُهُ إلَّا إيَّاهُ فأجرُهُ كأجرِ

стр. 590

المُعْتَمِرِ، وصلاةٌ على إثر صلاةٍ لا لَغْوَ بينَهُما كِتابٌ في عِلِّيّين". قوله: "مكتوبة"؛ أي: مفروضة. قيَّد الحاج بالمحرم؛ لأن الحجَّ في اللغة: هو القصد، والجمعةُ حجُّ المساكين، فلو قال مطلقًا: كأجر الحاج، يظنه ظانٌّ أن معناه: كأجر الحاج الذي يقصد صلاة الجمعة. ويحتمل أن يكون معناه: كأجر الحاجِّ بعد الإحرام، لا قبل الإحرام. قوله: "كأجر الحاج المحرم": معلوم أن أجرَ المصلي لا يبلغ أجرَ الحاج المحرم، بل أجرُ الحاجَّ أكثر، ولكن لا يلزم مساواة بين المشبَّه والمشبَّه به في جميع الأشياء، بل إذا حصل المشابهة بينهما بشيء، صحَّ التشبيه. يعني: كما أن الحاجَّ من أول خروجه من بيته إلى أن يرجع إلى بيته يكتب له بكل خطوة أجرٌ، فكذلك المصلي، إذا توضَّأ، وخرج إلى الصلاة إلى أن يرجع إلى بيته، يكتب له بكلِّ خطوة أجرٌ، ولكن بين أجر المصلي وأجر الحاج تفاوتٌ. "إلى تسبيح الضحى"؛ أي: إلى صلاة الضحى "لا يُنصِبُهُ": لا يزعجه ولا يخرجه شغلٌ غير الصلاة؛ يعني: ينبغي أن يكون خروجه للصلاة وحدها. (الإثر) بكسر الهمزة وسكون الثاء وبفتحهما واحدٌ. "على إثر الصلاة"؛ أي: عقيب الصلاة. "كتابٌ في علِّيين"؛ أي: عملٌ مكتوب في عليين، واختلف في عليين، الأصح: أنه موضع تكتبُ فيه أعمالُ الصالحين. * * * ٥١٥ - وقال: "إذا مَرَرْتُمْ برياضِ الجنَّةِ فارتَعوا"، قيلَ: يَا رسولَ الله! وما رياضُ الجنَّة؟ قال: "المساجِدُ", قيل: وما الرَّتْعُ يَا رسولَ الله؟ قال:

стр. 591

"سُبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلَّا الله والله أكبر". قوله: "فارتعوا"، الرتع في اللغة: ما تأكله الدوابُّ في الصحراء. * * * ٥١٦ - وقال: "مَنْ أتى المسجِدَ لشيءٍ فهو حظُّه". قوله: "من أتى المسجد لشيء، فهو حظُّه"؛ يعني: من أتى المسجدَ لعبادةٍ يحصلْ له الثواب، ومن أتاه لشُغلٍ دنيوي لا يحصلْ له إلا ذلك الشغل. * * * ٥١٧ - عن فاطمة الكبرى ﵂ قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا دخلَ المسجدَ صَلَّى على مُحمَّدٍ وسَلَّمَ ﵇، وقال: "رَبَّ اغفِرْ لي ذُنوبي، وافتَحْ لي أبوابَ رحمتِكَ"، وإذا خرجَ صلَّى على مُحمَّدٍ وسَلَّمَ، وقال: "رَبَّ اغفِرْ لي ذُنوبي، وافتَحْ لي أبوابَ فضلِكَ"، ليس بمتصل. قوله: "صلَّى على محمَّد"؛ يعني: قال: اللهمَّ صلِّ على محمَّد. "فاطمة الكبرى (١) ": هي فاطمةُ بنتُ النبيِّ ﵇، كُنِّيت بالكبرى لكبر شأنها وفضيلتها. * * * ٥١٨ - وعن عَمْرو بن شُعيب، عن أَبيه، عن جدِّه، عن رسول الله ﷺ : أنَّهُ نهى عن تَناشُدِ الأشعارِ في المسجِدِ، وعن البيعِ والاشتِراءِ فيه، وأنْ يَتحلَّقَ

стр. 592

النَّاسُ يومَ الجمعةِ قبلَ الصَّلاةِ في المسجِدِ". قوله: "نهى عن تناشُدِ الأشعارِ"، (التناشد): قراءة الشعر بعض القوم مع بعض. التناشدُ منهيٌّ في المساجد، سواء كان شعرًا فيه إثمٌ أو لم يكن؛ فإن كان فيه إثمٌ فعِلَّةُ نهيه ظاهرة، وإن لم يكن فيه إثمٌ فعلةُ نهيه هي: أن العادةَ اجتماعُ النَّاس لقراءة الشعر ورفعُ الأصوات والتعصُّبُ والتباغضُ بين أولئك الجمع، يقول بعضهم: هذا الشعر جيد، ويقول بعضهم: ليس بجيد، وهذه الأشياء لا تليقُ في المساجد. فإن قُرِئَ في المساجد شعرٌ ليس فيه إثمٌ، ولم يكن فيه تعصُّبٌ وتباغض وكثرة رفع الأصوات، جاز؛ لأنه قُرِيء الشعرُ بين يدي رسول الله ﵇ في المسجد، ولم ينههم، وقد نهى عمر ﵁ حسان بن ثابت عن إنشاد الشعر في المسجد في زمان خلافته مع أن حسانًا كان شاعرَ رسول الله ﵇، وإنما نهاه لما ذكرناه؛ لأنه لا يُراعى الأدبُ بعد رسول الله ﵇، كما يُراعى بحضرته ﵇ (١). قوله: "وأن يتحلَّقَ النَّاسُ يوم الجمعة قبل الصلاة", (التحلق): جلوسُ النَّاس في الحلقة، يتوجَّهُ بعضهم بعضًا (٢)، وإنما نهاهم ﵇ عن التحلق؛ لأن القومَ إذا تحلَّقوا، فالغالبُ عليهم التكلمُ ورفع الصوت، وإذا كانوا كذلك لا يستمعون الخطبة، والناسُ مأمورون باستماع الخطبة والسكوت بحيثُ لا يسلِّمُ من دخل وقت الخطبة، ولو سلَّم أحدٌ لا يجاب. * * *

стр. 593

٥١٩ - وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا رأَيْتُمْ من يبيعُ أو يَبتاعُ في المسجدِ فقولوا: لا أربَحَ الله تجارتَكَ، وإذا رأيتُمْ مَنْ ينشُدُ فيهِ ضالَّةً فقولوا: لا ردَّ الله علَيْكَ". قوله: "يبتاع"؛ أي: يشتري. * * * ٥٢٠ - وعن جابر ﵁ قال: نهى رسولُ الله ﷺ أنْ يُسْتَقادَ في المسجِدِ، وأنْ يُنْشَدَ فيهِ الأشعارُ، وأنْ تُقامَ فيه الحُدودُ. قوله: "أن يُستقادَ"؛ يعني: أن يقتَصَّ؛ كيلا يقطر الدم في المسجد، ولا ترتفعَ الأصواتُ. "وأن يُنشد"؛ أي: وأن يقرأ. "وأن تقام فيه الحدود"؛ أي: وأن يُضرَب الزاني حدَّ الزنا، والقاذف حدَّ القذف، وكذلك باقي الحدود؛ لأنه ربما يتلوَّثُ المسجد، وترتفع الأصواتُ فيه * * * ٥٢١ - عن مُعاوية بن قُرَّة، عن أَبيه ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عنْ هاتَيْنِ الشَّجرتَيْنِ - يعني البصلَ والثُّومَ - وقال: "مَنْ أكلهُما فلا يَقْرَبن مَسجِدَنا"، وقال: "إنْ كنتُمْ لا بُدَّ آكليهِما فأَمِيتُوهُما طَبْخًا". قوله: "فأميتوا"؛ أي: فازيلوا واكسروا رائحتَهما بالطبخِ. * * *

стр. 594

٥٢٢ - وقال: "الأرضُ كُلُّها مسجدٌ إلَّا المقبرةَ والحمَّامَ", رواه أبو سعيد الخُدريُّ. قوله: "الأرضُ كلُّها مسجد"؛ يعني: يجوزُ الصلاة في جميعِ الأرض، "إلا" في "المقبرة والحمام"، فإن الصلاةَ تُكرَه فيهما. * * * ٥٢٣ - عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ نهَى أنْ يُصلَّى في سبعةِ مَواطِنَ: في المَزبلةِ، والمَجزرَةِ، والمَقبَرةِ، وقارِعَةِ الطريقِ، وفي الحمَّامِ، وفي مَعاطِنِ الإبلِ، وفوقَ ظهرِ بيتِ الله تعالى. قوله: "في سبعة مواطن"، (المواطن): جمع موطن، وهو الموضعُ. "المَزبلة"؛ أي: الموضع الذي يكون فيه الزبلَ، وهو السِّرجِين. "المَجزَرَة" بكسر الزاي، ويجوز فتحها: الموضع الذي تُجزَرُ فيه الإبل؛ أي: تذبح. وعلةُ النهي في المزبلة والمجزرة والمقبرة والحمام النجاسةُ، فإن صلى في هذه المواضع بغير سجادة، بطلت صلاته، وإن صلَّى على السجادة، فهي مكروهة؛ للرائحة الكريهة، ولخوف أن تصل إليه نجاسة. وأما الصلاة في قارعة الطريق، فيه علتان للنهي: أحدهما: أن الطريقَ يكون نجسًا في الغالب. والثانية: أنه لا يكون له حضورٌ من كثرة مرورِ الناس والدوابِّ. وأراد "بقارعة الطريق": الطريق الذي يقرعه الناس والدواب بأرجلهم؛ أي: يدقه، والقرع: الدق.

стр. 595

"المعاطن": جمع مَعطِن بكسر الطاء، وهو الموضعُ الذي تجتمع فيه الإبلُ عند الرجوع عن الماء، ويُستعمَل في الموضع الذي تكون فيه الإبل بالليل أَيضًا، ووجه النهي فيه: أن الرجلَ فيه لا يأمنُ ضررَ الإبل هناك. وأما الصلاة فوق الكعبة، فإن لم يكن بين يديه سترة؛ أي: بقبة جدران يستقبلها، بطلت عند الشافعي، وتصحُّ عند أبي حنيفة. * * * ٥٢٤ - وقال: "صَلُّوا في مَرابضَ الغنمِ، ولا تُصَلُّوا في أَعطانِ الإِبلِ". قوله: "في مرابض الغنم"، (المرابض): جمع مَربض بكسر الباء، وهو: الموضع الذي تكون فيه الغنم في الليل. "الأعطان": جمع عَطَن، وهو مثل المَعْطِن، وقد ذُكِر. * * * ٥٢٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال: لعنَ رسولُ الله ﷺ زائراتِ القُبورِ، والمتَّخِذينَ عليها المساجِدَ والسُّرُجَ. قوله: "لعن رسول الله ﵇ زائرات القبور"، قال مُحيي السنة في كتاب "التهذيب": يكره للنساء زيارةُ القبور، وعلى هذا التأويل أن النهيَ كان قبل ترخيصه في زيارة القبور، فلمَّا رخَّص في زيارة القبور، دخلَ في الرُّخصةِ الرجالُ والنساءُ. وقيل: بل نَهْيُ النساء عن زيارة القبور باقٍ؛ لقلةِ صبرهنَّ وكثرةِ جزعهنَّ إذا رأينَ القبور. قوله: "والمتخذين عليها المساجد": هذا مثلُ قولِهِ: "لعنةُ الله على

стр. 596

اليهودِ والنَّصارى اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ". "السُّرُج": جمع سراج، وهو المصباح، والنهيُ عن الإسراج في القبور إنما كان لتضييع المال؛ لأنه لا نفعَ لأحد من السراج ثَمَّ، ويحتمل أن يكون النهيُ للاحتراز عن تعظيم القبور، كالنهي عن اتِّخاذِ القبور مساجد، فإن كان قبرٌ في مسجد أو غيره، ويجلسُ فيه الناسُ لتلاوة القرآن والذكر، لا بأسَ بوضع السراج ثَمَّ؛ لينتفع الجالسون بنوره. * * * ٥٢٥/ م - عن أبي أُمامة الباهلي: أنَّ حَبْرًا من اليهود سأل النبيَّ ﷺ : أيُّ البقاع خيرٌ؟ فسكت عنه، وقال: "اسكت حتى يجيء جبريلُ"، فسكت، فجاء جبريل ﵇، فسأله، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن أَسألُ ربي تعالى، ثم قال جبريل: يَا محمد! إنِّي دنوتُ من الله دُنوًّا ما دنوَتُ منه قطُّ، قال: "كيف كان يَا جبريلُ؟ "، قال: كان بينه وبيني سبعون ألف حجابٍ من النور، فقال: "شرُّ البقاع أَسواقها، وخير البقاع مَساجدها"، في نسخةٍ: "بيني وبينه". قوله: "أن حَبْرًا من اليهود"، (الحبر) بفتح الحاء وكسرها: العالم. وذكر في "صحاح اللغة": أن (الحِبْر) بكسر الحاء أصحُّ من (الحَبْر) بفتح الحاء، ولكن المشهورَ في الاستعمال (الحَبْرُ) بفتح الحاء؛ ليكون بين الحَبْر - الذي هو بمعنى: العالم - والحِبْر - الذي هو بمعنى: المِداد - فرقٌ. قوله: "أَسكتُ": هذا مضارع، والهمزة للمتكلم. "ولكن أسألُ ربي"؛ أي: ولكن أرجع إلى حضرة ربي، وأسأله عن هذه المسألة.

стр. 597

"ثم قال جبريل"؛ يعني: ذهب إلى الحضرة، وسأل ربه، ثم رجع إلى النبي ﵇. "إني دنوتُ"؛ أي: إني قربت؛ يعني: أذنَ لي بأن أقربَ منه تعالى أكثرَ مما قربت منه في سائر الأوقات، ولعل زيادة قربته من الله تعالى في هذه المرة لتعظيمه النبي ﵇؛ لأنه أتى جبريلُ من عند النبي ﵇ إلى الحضرةِ، وقد يزيد الحبيب احترامَ رسولِ الحبيب؛ لتعظيم الحبيب. * * * ٧ - باب السَّتر (باب الستر) ٥٢٦ - قال عمر بن أبي سَلَمة ﵁: رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلِّي في ثَوْبٍ واحِدٍ مُشْتَمِلًا بهِ في بيتِ أُمِّ سَلَمَةَ واضعًا طَرَفَيْهِ على عاتِقَيْهِ. قوله: "عمر بن أبي سلمة ... " إلى آخره، (أبو سلمة) اسمُ أَبيه: عبد الأسد بن الهلال بن عبد الله القرشي. "في ثوب واحد"؛ أي: إزار طويل. "مشتمل به"، يقال: اشتمل بالإزار: إذا لفَّه ببدنه؛ يعني: اتزر ببعضه، وألقى طرفه على عاتقه. وهذا دليلٌ على أن الصلاة في ثوب واحد جائزةٌ، فإذا ستر الرجل ما بين سرته وركبته صحَّت صلاته. * * *

стр. 598

٥٢٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُصَلِّيَنَّ أحدُكُمْ في ثوبٍ واحدٍ ليسَ على عاتِقَيْهِ مِنْه شيءٌ". قوله: "لا يصلينَّ أحدكم في الثوب الواحدِ ليس على عاتقيه منه شيءٌ" رواه أبو هريرة. هذا نهيُ تنزيه لا نهيَ تحريمٍ؛ يعني: إذا كان له إزارٌ واحد طويل، فليتزر ببعضه، وليطرحْ بعضه على عاتقه. * * * ٥٢٨ - وعنه: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكُمْ في ثَوْبٍ فلْيُخالِفْ بطرفَيْهِ على عاتِقَيْهِ". قوله: "فليخالفْ بطرفيه"؛ أي: فليتزرْ بأحد طرفيه، وليطرحْ طرفه الآخر على عاتقيه، فهذا هو المخالفة بين طرفيه. * * * ٥٢٩ - عن عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى في خَميصةٍ لها أَعلامٌ، فنظرَ إلى أعلامِها نَظرةً، فلمَّا انصرفَ قال: "اذهَبُوا بخَميصَتي هذه إلى أبي جَهْمٍ، وائتوني بأنْبجانِيَّةِ أبي جَهْمٍ، فإنَّها ألهتْني آنِفًا عنْ صلاتي". وفي روايةٍ: "كنتُ أنظُرُ إلى عَلَمِها وأنا في الصَّلاةِ، فأخافُ أن تَفْتِنَني". قولها: "صلَّى في خميصة"، (الخميصة): كساءٌ أسود مربَّع له علمان، وعائشة ﵂ أجرت التثنية مجرى الجمع في قولها: "لها أعلام"، ويحتمل أن يكون لها أكثر من علمين.

стр. 599

"الأنبجانِيَّة": كساءٌ غليظ من صوف بغير علم، منسوب إلى (أنبج)، وهو اسم بلد، وقال الخطابي: منسوبٌ إلى (أذربيجان)، فحُذِف بعض حروفه، وأصحاب الحديث يقولون: (إنبجانية) بكسر الباء، وأهل اللغة يقولون بفتح الباء. "فإنها"؛ أي: فإن الخميصة "ألهتني": أصله ألهَيَتْني، ومعناه: شغلتني، ومنعتني الحضور في الصلاة "آنفًا"؛ أي: في هذه الساعة. "فأخاف أن تفتنني"؛ أي: أن تمنعَنِي عن الصلاة. وإنما بعث خميصته ﵇ إلى أبي جهم؛ لأن أبا جهم أرسلَ إليه تلك الخميصةَ بالهدية، فلما كرهها ردَّها على صاحبها؛ ليصلَ الحقُّ إلى صاحبه، وإنما قال ﵇: "واتوني بأنبجانية أبي جَهْمٍ" كيلا يتأذى أبو جهم بردِّ هديته عليه، فطلب بدل تلك الخميصة من أبي جهم؛ ليطيبَ قلبه. وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى ترك النظر والالتفات إلى شيءٍ في الصلاة، وكذلك إشارةٌ إلى كراهية الصلاة على سجادة معلمة منقشة؛ كيلا يزولَ حضوره. و"أبو جهم" هذا هو: أبو جهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي. * * * ٥٣٠ - عن أنس ﵁ قال: كانَ قِرامٌ لعائشةَ ﵂ سَتَرَتْ بهِ جانبَ بَيْتِها، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَمِيطي عنَّا قِرامَكِ، فإنَّهُ لا تزالُ تصاوِيرُهُ تَعْرِضُ في صَلاتي". "قِرام لعائشة ﵂"، (القِرام): سترٌ فيه نقوشٌ. "أميطي"؛ أي: أبعدي وارفعي هذا الستر من تلقاء وجهي؛ فإنه "تعرِضُ"؛

стр. 600

أي: تظهر لي نقوشُهُ في صلاتي، وهذا مثل الحديث الأول. (التصاوير): جمع تصوير، وهي بمعنى: الصورة، والتصاوير ها هنا بمعنى: النقوشِ إن لم تكن على ذلك القِرام صورٌ، وإن كانت فيه صورٌ فالتصاويرُ تكون بمعنى الصور، ويأتي بحثُ تحريمِ الصلاةِ في موضعها، إن شاء الله تعالى. * * * ٥٣١ - وعن عُقْبة بن عامِر ﵁ قال: أُهدِيَ لرسولِ ﷺ فَرُّوجُ حَريرٍ، فلبسَهُ، ثمَّ صلَّى فيهِ؛ ثُمَّ انصرَفَ فنزعَهُ نَزْعًا شديدًا كالكارِهِ لهُ، ثم قال: "لا يَنْبَغي هذا للمُتَّقينَ". قوله: "فَرُّوج حرير"، (الفرُّوج) بفتح الفاء وتشديد الراء: شبه قباء. "لا ينبغي"؛ أي: لا يليقُ "هذا للمتقين"، قال بعض العلماء: لبسه ﵇ بعد تحريم الحرير، ولكن لبسه لتطييب قلب الذي أرسله، وهو المقوقسُ صاحبُ الإسكندرية، أو أكيدرُ صاحبُ دَوْمة الجندلِ؛ على اختلاف القولين. وقال بعضهم: لا يجوز هذا الظنُّ في حقِّ الرسول ﵇؛ لأنه لا يفعلُ شيئًا محرمًا لأجل تطييب قلبِ أحدٍ، بل إنما كان ذلك اللبسُ قبلَ تحريم الحرير، ونزعه إياه إما أنَّـ[ـه] كان قد أُوحِي إليه في الصلاة تحريمُهُ، أو كان نزعَهُ لِمَا رأى فيه من الرعونة، لا لأنه حُرَّم بعدُ، فمعنى قوله: "للمتقين"؛ أي: للمحترزين من المعاصي إن قال هذا بعد التحريم، وإن قال قبله فمعناه: لا ينبغي هذا للمتقين؛ أي: الرعونة والتنعم. * * *
следующие страницы →