اليهودِ والنَّصارى اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ".
"السُّرُج": جمع سراج، وهو المصباح، والنهيُ عن الإسراج في القبور إنما كان لتضييع المال؛ لأنه لا نفعَ لأحد من السراج ثَمَّ، ويحتمل أن يكون النهيُ للاحتراز عن تعظيم القبور، كالنهي عن اتِّخاذِ القبور مساجد، فإن كان قبرٌ في مسجد أو غيره، ويجلسُ فيه الناسُ لتلاوة القرآن والذكر، لا بأسَ بوضع السراج ثَمَّ؛ لينتفع الجالسون بنوره.
* * *
٥٢٥/ م - عن أبي أُمامة الباهلي: أنَّ حَبْرًا من اليهود سأل النبيَّ ﷺ : أيُّ البقاع خيرٌ؟ فسكت عنه، وقال: "اسكت حتى يجيء جبريلُ"، فسكت، فجاء جبريل ﵇، فسأله، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن أَسألُ ربي تعالى، ثم قال جبريل: يَا محمد! إنِّي دنوتُ من الله دُنوًّا ما دنوَتُ منه قطُّ، قال: "كيف كان يَا جبريلُ؟ "، قال: كان بينه وبيني سبعون ألف حجابٍ من النور، فقال: "شرُّ البقاع أَسواقها، وخير البقاع مَساجدها"، في نسخةٍ: "بيني وبينه".
قوله: "أن حَبْرًا من اليهود"، (الحبر) بفتح الحاء وكسرها: العالم.
وذكر في "صحاح اللغة": أن (الحِبْر) بكسر الحاء أصحُّ من (الحَبْر) بفتح الحاء، ولكن المشهورَ في الاستعمال (الحَبْرُ) بفتح الحاء؛ ليكون بين الحَبْر - الذي هو بمعنى: العالم - والحِبْر - الذي هو بمعنى: المِداد - فرقٌ.
قوله: "أَسكتُ": هذا مضارع، والهمزة للمتكلم.
"ولكن أسألُ ربي"؛ أي: ولكن أرجع إلى حضرة ربي، وأسأله عن هذه المسألة.
стр. 597
"ثم قال جبريل"؛ يعني: ذهب إلى الحضرة، وسأل ربه، ثم رجع إلى النبي ﵇.
"إني دنوتُ"؛ أي: إني قربت؛ يعني: أذنَ لي بأن أقربَ منه تعالى أكثرَ مما قربت منه في سائر الأوقات، ولعل زيادة قربته من الله تعالى في هذه المرة لتعظيمه النبي ﵇؛ لأنه أتى جبريلُ من عند النبي ﵇ إلى الحضرةِ، وقد يزيد الحبيب احترامَ رسولِ الحبيب؛ لتعظيم الحبيب.
* * *
٧ - باب السَّتر
(باب الستر)
٥٢٦ - قال عمر بن أبي سَلَمة ﵁: رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلِّي في ثَوْبٍ واحِدٍ مُشْتَمِلًا بهِ في بيتِ أُمِّ سَلَمَةَ واضعًا طَرَفَيْهِ على عاتِقَيْهِ.
قوله: "عمر بن أبي سلمة ... " إلى آخره، (أبو سلمة) اسمُ أَبيه: عبد الأسد بن الهلال بن عبد الله القرشي.
"في ثوب واحد"؛ أي: إزار طويل.
"مشتمل به"، يقال: اشتمل بالإزار: إذا لفَّه ببدنه؛ يعني: اتزر ببعضه، وألقى طرفه على عاتقه.
وهذا دليلٌ على أن الصلاة في ثوب واحد جائزةٌ، فإذا ستر الرجل ما بين سرته وركبته صحَّت صلاته.
* * *
стр. 598
٥٢٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُصَلِّيَنَّ أحدُكُمْ في ثوبٍ واحدٍ ليسَ على عاتِقَيْهِ مِنْه شيءٌ".
قوله: "لا يصلينَّ أحدكم في الثوب الواحدِ ليس على عاتقيه منه شيءٌ" رواه أبو هريرة.
هذا نهيُ تنزيه لا نهيَ تحريمٍ؛ يعني: إذا كان له إزارٌ واحد طويل، فليتزر ببعضه، وليطرحْ بعضه على عاتقه.
* * *
٥٢٨ - وعنه: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكُمْ في ثَوْبٍ فلْيُخالِفْ بطرفَيْهِ على عاتِقَيْهِ".
قوله: "فليخالفْ بطرفيه"؛ أي: فليتزرْ بأحد طرفيه، وليطرحْ طرفه الآخر على عاتقيه، فهذا هو المخالفة بين طرفيه.
* * *
٥٢٩ - عن عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى في خَميصةٍ لها أَعلامٌ، فنظرَ إلى أعلامِها نَظرةً، فلمَّا انصرفَ قال: "اذهَبُوا بخَميصَتي هذه إلى أبي جَهْمٍ، وائتوني بأنْبجانِيَّةِ أبي جَهْمٍ، فإنَّها ألهتْني آنِفًا عنْ صلاتي".
وفي روايةٍ: "كنتُ أنظُرُ إلى عَلَمِها وأنا في الصَّلاةِ، فأخافُ أن تَفْتِنَني".
قولها: "صلَّى في خميصة"، (الخميصة): كساءٌ أسود مربَّع له علمان، وعائشة ﵂ أجرت التثنية مجرى الجمع في قولها: "لها أعلام"، ويحتمل أن يكون لها أكثر من علمين.
стр. 599
"الأنبجانِيَّة": كساءٌ غليظ من صوف بغير علم، منسوب إلى (أنبج)، وهو اسم بلد، وقال الخطابي: منسوبٌ إلى (أذربيجان)، فحُذِف بعض حروفه، وأصحاب الحديث يقولون: (إنبجانية) بكسر الباء، وأهل اللغة يقولون بفتح الباء.
"فإنها"؛ أي: فإن الخميصة "ألهتني": أصله ألهَيَتْني، ومعناه: شغلتني، ومنعتني الحضور في الصلاة "آنفًا"؛ أي: في هذه الساعة.
"فأخاف أن تفتنني"؛ أي: أن تمنعَنِي عن الصلاة.
وإنما بعث خميصته ﵇ إلى أبي جهم؛ لأن أبا جهم أرسلَ إليه تلك الخميصةَ بالهدية، فلما كرهها ردَّها على صاحبها؛ ليصلَ الحقُّ إلى صاحبه، وإنما قال ﵇: "واتوني بأنبجانية أبي جَهْمٍ" كيلا يتأذى أبو جهم بردِّ هديته عليه، فطلب بدل تلك الخميصة من أبي جهم؛ ليطيبَ قلبه.
وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى ترك النظر والالتفات إلى شيءٍ في الصلاة، وكذلك إشارةٌ إلى كراهية الصلاة على سجادة معلمة منقشة؛ كيلا يزولَ حضوره.
و"أبو جهم" هذا هو: أبو جهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي.
* * *
٥٣٠ - عن أنس ﵁ قال: كانَ قِرامٌ لعائشةَ ﵂ سَتَرَتْ بهِ جانبَ بَيْتِها، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَمِيطي عنَّا قِرامَكِ، فإنَّهُ لا تزالُ تصاوِيرُهُ تَعْرِضُ في صَلاتي".
"قِرام لعائشة ﵂"، (القِرام): سترٌ فيه نقوشٌ.
"أميطي"؛ أي: أبعدي وارفعي هذا الستر من تلقاء وجهي؛ فإنه "تعرِضُ"؛
стр. 600
أي: تظهر لي نقوشُهُ في صلاتي، وهذا مثل الحديث الأول.
(التصاوير): جمع تصوير، وهي بمعنى: الصورة، والتصاوير ها هنا بمعنى: النقوشِ إن لم تكن على ذلك القِرام صورٌ، وإن كانت فيه صورٌ فالتصاويرُ تكون بمعنى الصور، ويأتي بحثُ تحريمِ الصلاةِ في موضعها، إن شاء الله تعالى.
* * *
٥٣١ - وعن عُقْبة بن عامِر ﵁ قال: أُهدِيَ لرسولِ ﷺ فَرُّوجُ حَريرٍ، فلبسَهُ، ثمَّ صلَّى فيهِ؛ ثُمَّ انصرَفَ فنزعَهُ نَزْعًا شديدًا كالكارِهِ لهُ، ثم قال: "لا يَنْبَغي هذا للمُتَّقينَ".
قوله: "فَرُّوج حرير"، (الفرُّوج) بفتح الفاء وتشديد الراء: شبه قباء.
"لا ينبغي"؛ أي: لا يليقُ "هذا للمتقين"، قال بعض العلماء: لبسه ﵇ بعد تحريم الحرير، ولكن لبسه لتطييب قلب الذي أرسله، وهو المقوقسُ صاحبُ الإسكندرية، أو أكيدرُ صاحبُ دَوْمة الجندلِ؛ على اختلاف القولين.
وقال بعضهم: لا يجوز هذا الظنُّ في حقِّ الرسول ﵇؛ لأنه لا يفعلُ شيئًا محرمًا لأجل تطييب قلبِ أحدٍ، بل إنما كان ذلك اللبسُ قبلَ تحريم الحرير، ونزعه إياه إما أنَّـ[ـه] كان قد أُوحِي إليه في الصلاة تحريمُهُ، أو كان نزعَهُ لِمَا رأى فيه من الرعونة، لا لأنه حُرَّم بعدُ، فمعنى قوله: "للمتقين"؛ أي: للمحترزين من المعاصي إن قال هذا بعد التحريم، وإن قال قبله فمعناه: لا ينبغي هذا للمتقين؛ أي: الرعونة والتنعم.
* * *
стр. 601
مِنَ الحِسَان:
٥٣٢ - قال سَلَمة بن الأَكْوَع: قلتُ: يَا رسولَ الله! إنِّي رجُلٌ أَصيدُ، أفأُصلِّي في القَميصِ الواحِدِ؟ قال: "نعمْ وازْرُرْه ولو بشَوْكةٍ".
قوله: "وازرُرْه ولو بشوكةٍ"، و (ازرره): أمر مخاطب من (زر): إذا شدَّ جيبُ القميص.
يعني: تجوز الصلاة في قميص ليس تحته سراويل، ثم إن كان جيب القميص واسعًا بحيث يرى المصلي عورة نفسه في الركوع وغيره؛ لسعة الجيب، يلزمه أن يشدَّ جيبه بشوك أو خِلال أو بخيط.
كنية "سلمة": أبو سليم، واسم أبيه: عمرو بن الأكوع بن سنان الأسلمي.
* * *
٥٣٣ - وقال: "إنَّ الله لا يقبَلُ صَلاةَ رجُلٍ مُسبلٍ إزارَهُ".
قوله: "إن الله لا يقبلُ صلاةَ رجلٍ مُسبلٍ إزارَهُ"، (المسبل): اسم فاعل من أسبل: إذا أرسل الرجلُ ثوبَهُ حتى وصل إلى الأرض من غابة طوله، ومصدره إسبال.
يعني: أن الله لا يقبل كمالَ صلاة رجل يُطوَّلُ ذيله؛ فكره الشافعيُّ إطالةَ الذيل في الصلاة كما في غير الصلاة، وجوَّز مالكٌ إطالةَ الذيل في الصلاة، قال: لأن المصلي قائمٌ في موضع واحد، ولا يكون في طول ذيله تكبرٌ بخلاف من يمشي؛ فإن في طول ذيله تكبرًا وخيلاء، وروى هذا الحديثَ.
* * *
٥٣٤ - وقال: "لا تُقْبَلُ صَلاةُ حائضٍ إلَّا بِخِمارٍ".
стр. 602
قوله: "لا تُقبَل صلاةُ حائضٍ إلا بخمارٍ": أراد بالحائض: الحرة التي بلغت سنَّ الحيض، ولم يرد بها الحائض؛ فإن الحائض لا تصلي.
يعني: لا تقبل صلاة الحرة إلا بخمار، وهو المِقْنَعَة؛ يعني: لا يجوز لها كشفُ الرأس بخلاف الرجل.
والأمة يجوز لها كشف الرأس، ويأتي دليلُهُ في موضعه، إن شاء الله تعالى.
* * *
٥٣٥ - وعن أُمِّ سَلَمة: أنَّها سألتْ رسولَ الله ﷺ : أتُصلِّي المرأَةُ في دِرْعٍ وخِمارٍ ليسَ عليها إزارٌ؟ قال: "إذا كانَ الدِّرْعُ سابغًا يُغطَّي ظُهورَ قَدَمَيْها"، ووقفَه جماعةٌ على أُمِّ سَلَمة.
قوله: "إذا كان الدرعُ سابغًا", (الدرع): قميصُ المرأة.
"ليس عليها إزارٌ"؛ أي: ليس تحت قميصها إزارٌ ولا سراويل.
"سابغًا"؛ أي: تامًا بحيث "يغطي"؛ أي: يسترُ قميصُها "ظهورَ قدميها"؛ يعني: إذا ستر قميصها ظهور قدميها جازت صلاتها.
"ووقفه بعضُهم على أم سلمة"؛ يعني: قال بعض أصحاب الحديث: إن هذا عبارةُ أمِّ سلمة، لا عبارة رسول الله ﵇.
* * *
٥٣٦ - عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ السَّدْلِ في الصَّلاةِ، وأنْ يُغطَّي الرجُلُ فاهُ".
قوله: "نهى عن السَّدلِ في الصلاة، وأن يغطَّيَ الرجلُ فاه"، (السدل):
стр. 603
الإسبال، وقد ذُكِرَ قبيل هذا.
قوله: "أن يغطي الرجلُ فاه"، (يغطَّي)، أي: يستر "فاه"؛ أي: فمه.
كان عادةُ العرب أن يغطوا أفواههم بأطرافِ عمائمهم، يجعلون أطراف عمائمهم تحت أذقانهم حتى تصلَ إلى أفواههم، فنهاهم رسولُ الله ﵇ عن ذلك؛ لأن الرجلَ إذا ستر فمه لا تخرجُ الحروفُ من فمه صحيحة، فيقرأ لحنًا كثيرًا في الفاتحة وغيرها.
* * *
٥٣٧ - وقال: "خالِفُوا اليَهودَ، فإنَّهُمْ لا يُصَلُّونَ في نِعالِهِمْ ولا في خِفافِهِمْ".
قوله: "خالفوا اليهودَ ... " إلى آخره.
"فإنَّهم لا يصلُّونَ في نِعالِهم وخِفافِهم"؛ يعني: تجوزُ الصلاة في النعل والخفَّ إذا كانا طاهرين.
كنية "شدَّاد": أبو يعلى، جده: ثابت بن المنذر بن أخي حسان بن ثابت.
* * *
٥٣٨ - قال أبو سعيد الخُدريُّ ﵁: بينما رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي بأصحابهِ إذْ خَلَعَ نعلَيْهِ فوضعَهُما عَنْ يَسارِهِ، فلمَّا رأى ذلكَ القومُ ألقَوْا نِعالَهمْ، فلمَّا قضَى رسولُ الله ﷺ صلاتَهُ قال: "ما حَمَلَكُمْ على إلقائكُم نِعَالِكُمْ؟ "، قالوا: رأَيْناكَ ألقيتَ نعلَيْكَ، فقال: "إنَّ جِبريلَ أتاني فاخبَرَني أنَّ فيهما قَذَرًا"، وقال: "إذا جاءَ أحدُكُم المسجِدَ فلْيَنْظُرْ فإن رأَى في نعلَيْه قَذَرًا فلْيَمْسَحْهُ، ولْيُصَلِّ فيهِما"، وفي روايةٍ: "خَبَثًا".
قوله: "إذ خلع نعليه"؛ أي: نزعهما من رجليه.
стр. 604
"ما حمَلَكم"؛ أي: لم صنعتم هذا؟
قوله: "أخبرني أن فيهما قذرًا"، (القذر): ما يكرهه الطبعُ من النجاسة وغيرها، واختلف في القذر هنا؛ فقال بعض العلماء: إنه كان نجاسة، واستدلَّ مَنْ حكمَ بجواز صلاة مَنْ صلَّى وفي ثوبه نجاسةٌ ولم يعلم بها بهذا الحديث؛ لأنه لم يستأنفْ النبيُّ ﵇ صلاته، مع أنه صلَّى بعضَ صلاته بنعلٍ نجس.
وقال بعضهم: إن القذر هنا كان شيئًا طاهرًا مما يكرهه الطبعُ، كالنخامة والبزاق، فأخبره جبريل بذلك لينزع نعليه؛ كيلا تتلوثَ ثيابُهُ بشيء مُستقذَرٍ.
قوله: "فإن رأى في نعليه قذرًا": اختلف العلماء في القذر هنا أَيضًا، كما اختلفوا في الأول؛ فإن كان القذرُ شيئًا طاهرًا، فلا كلامَ في جواز الصلاة فيه، وإن كان شيئًا نجسًا، فهل يطهر بمسح النعلين بالأرض؟ وقد ذكر بحثه في (باب تطهير النجاسات).
ووضعُ النبي ﵇ نعليه عن يساره تعليمٌ لأمته؛ لأن النعال توضع عن اليسار.
وفي إلقاء القوم نعالهم لمَّا رأوا النبيَّ ﵇ ألقى نعليه دليلٌ على وجوب موافقة المأمومين الإِمام.
* * *
٥٣٩ - وقال: "إذا صَلَّى أحدُكُمْ فلا يَضَعْ نعلَيْهِ عَنْ يمينِهِ، ولا عَنْ يَسارِهِ فيكونَ على يمينِ غَيْرِهِ، إلَّا أنْ لا يكونَ عن يَسارِهِ أحدٌ، ولْيَضَعْهُما بينَ رِجْلَيْهِ، أو لِيُصَلِّ فيهِما".
قوله: "فلا يضعْ نعليه عن يمينِهِ"، وعلةُ النهي عن وضع النعلين عن اليمين
стр. 605
ما ذكرنا في البزاقِ في الباب المتقدم.
قوله: "أو ليصلِّ فيهما"؛ يعني: إن كانا طاهرين.
رواه أبو هريرة ﵁.
* * *
٨ - باب السُّترة
(باب السترة)
قوله: "السترة": ما يستر شيئًا، والمراد هنا: سجادة، أو عصا، أو غير ذلك مما يظهر به موضعُ سجود المصلي؛ كيلا يمرَّ مارٌّ بين المصلي وبين موضع سجوده.
من الصحاح:
٥٤٠ - قال ابن عمر ﵄: كانَ النبيُّ ﷺ يَغْدُو إلى المُصَلَّى وَالعَنَزَةُ بينَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ، وَتُنْصَبُ بالمُصَلَّى بينَ يَدَيْهِ، فيُصلِّي إِليها.
قوله: "يغدو"؛ أي: يمشي.
"العَنَزَة": رمح قصير.
"تُنصَبُ"؛ أي: تغرز العنزة في الأرض؛ ليُعْرَفَ موضعُ سجوده؛ ليمرَّ المارُّ خلف العنزة، لا بين العنزة وبين المصلي، وهذا الحديث يدلُّ على أن المصلي ليبيِّنْ موضعَ صلاته بسجادة، أو ليقفْ قريبًا من أسطوانة المسجد، أو ليغرزْ عصا، أو ليخطَّ خطًا.
قال المصنف في "شرح السنة": سترة الإِمام سترة من خلفه؛ يعني: إذا
стр. 606
بيَّن الإمامُ موضع صلاته بعصًا وغيرها، لا حاجةَ للمأمومين إلى غرز العنزة وغيرها.
* * *
٥٤١ - عن عَون بن أبي جُحَيْفة، عن أَبيه قال: رأيتُ رسول الله ﷺ بِالأَبْطَح في قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أدَمٍ، ورأيتُ بلالًا أَخَذَ وَضُوءَ رسولِ الله ﷺ ، ورأيتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذلك الوَضوءَ، فمَنْ أصابَ منهُ شيئًا تمسَّحَ بِهِ، ومَنْ لم يُصِبْ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صاحبهِ، ثُمَّ رأيتُ بلالًا أَخَذَ عَنَزةً فَرَكَزَها، وخرجَ النَّبيُّ ﷺ في حُلَّةٍ حمراءَ مُشَمِّرًا صلَّى إلى العَنَزَةِ بالنَّاسِ الظُّهْرَ ركعتَيْنِ، ورأيتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بين يَدَي العَنَزةِ.
قوله: "بالأبطح": (الأبطح): موضعٌ بمكة.
"وَضوءَ رسول الله ﵇"؛ أي: الماء الذي توضَّأ به رسولُ الله ﵇.
"يبتدرون"؛ أي: يسرعون إلى ذلك الماء، يأخذونه، ويمسحون به وجوههم وأعضاءهم؛ ليصيبوا بركةَ رسول الله ﵇.
"تمسَّحَ به"؛ أي: مسح به أعضاءه، وهذا دليلٌ على أن الوَضُوءَ طاهرٌ.
قوله: "في حُلَّةٍ حمراء": تأويلُ هذا أنه لم تكن تلك الحلةُ حمراءَ جميعها، بل كان به خطوط حمرٌ, لأن الثوبَ الذي هو أحمر من غير أن يكون فيه لونٌ آخرُ غيرُ الأحمر مكروهٌ للرجال.
قال الخطابي: قد نهى رسول الله ﵇ الرجالَ عن لبس المعصفرة، وكره لهم الحُمرةَ في اللباس، وكان ذلك منصرفًا إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما صُبغَ غزله، ثم نسج، فغيرُ داخل في النهي؛ لأن
стр. 607
ما صُبغ غزله ثم نُسِج قد يكون بعضُ ألوانه أحمر، وبعضه لونًا آخر, فإن كان الثوب الذي صبغ غزله فنسج جميعه أحمر فهو منهي كالأحمر الذي يُصبَغ بعد النسج.
وإنما نَهَى الرجالَ عن لبس الثياب الحمر؛ لما فيه من المشابهة بالنساء، وقد قال ابن عباس ﵄: لعن النبيُّ ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشابهات من النساء بالرجال.
قوله: "مشمرًا"، (التشمير): ضمُّ الذيل ورفعُهُ للعدْوِ، ومشمرًا هنا معناه: مسرعًا عن جلادة.
* * *
٥٤٢ - عن نافع، عن ابن عمر ﵄: كانَ النَّبيُّ ﷺ يُعَرِّضُ راحلتَهُ فيُصلِّي إِلَيْهَا، قلتُ: أفَرَأَيْت إذا هَبَّتِ الرِّكابُ؟ قال: كانَ يأخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فيُصلِّي إلى آخِرَتِهِ.
قوله: "يعرض راحلته"؛ أي: يُنيخُ ويُبرِك جمله بالعرض بينه وبين القبلة، ويصلي نحوه؛ ليكون الجمل مانعًا بينه ﵇ وبين المارين.
(عرض يعرُض) بضم الراء وكسرها: إذا وضع شيئًا بالعرض.
"أفرأيت"؛ أي: أخبرني.
"إذا هبتِ الرِّكاب"؛ أي: إذا سارت الجمال إلى الصحراء إلى أيِّ شيء يصلي؟
هبَّ البعير يهبُّ هَبًا: إذا نشط في السير وأسرع.
(الركاب): جمع لا واحدَ له من لفظه، بل واحدة: راحلة.
"فيعدِّله": بتشديد الدال؛ أي: يُسوِّيه ويقوِّمه.
стр. 608
"آخرة الرحل": خلفه.
* * *
٥٤٣ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا وضَعَ أحدُكُمْ بينَ يدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، ولا يُبالِ مَنْ مرَّ وراءَ ذلك".
قوله: "مثل مُؤخِرةِ الرَّحل"، (مُؤخِرة الرحل) بكسر الخاء: خلف الرحل؛ يعني: إذا وضع شيئًا مرتفعًا بقدر مؤخرة الرحل وصلَّى، فلا يضرُّه من مرَّ وراء ذلك.
"رواه موسى بن طلحة، عن أبيه".
* * *
٥٤٤ - قال رسول الله ﷺ : "لو يَعلَمُ المارُّ بينَ يَدَي المصلِّي ماذا عليهِ لكانَ أنْ يقفَ أربعينَ خيرًا له مِنْ أَنْ يَمُرَّ بينَ يَدَيْهِ"، قال الراوي: لا أدري أقال: "أربعينَ يومًا، أو شهرًا، أو سنةً".
قوله: "ماذا عليه"؛ أي: أيُّ قدرٍ عليه من الإثم بسبب المرور بين يدي المصلي.
قوله: "لا أدري قال: أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة"، قال بعض أصحاب الحديث: إنه يريد بهذا أربعين سنة لا شهرًا ولا يومًا؛ لأن هذا وعيدٌ وزجرٌ عن المرور، وما فيه الوعيد أكثرُ، فهو أوفقُ لمقصود الزجر، ولا شكَّ أن الوعيد في أربعين سنة أكثر، فيكون أربعين سنة أصح من أربعين شهرًا، أو يومًا.
و"أبو الجهم" (١) هذا هو: عبد الله بن جُهَيم الأنصاري، ويقال: هو ابن
стр. 609
أخت أُبيِّ بن كعب.
* * *
٥٤٥ - وقال: "إذا صَلَّى أحدُكُمْ إلى شيءٍ يستُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرادَ أحدٌ أنْ يجتازَ بينَ يدَيْهِ فليَدْفَعْهُ، فَإِنْ أبي فلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هو شَيْطانٌ".
قوله: "يجتاز"؛ أي: يمر.
"فليقاتله"؛ أي: فليحاربه؛ يعني: فليدفعه بالقهر، وليس معناه جواز قتله، بل لو قتله عمدًا يجب عليه القصاصُ، ولو قتله خطأ تجب عليه الدية، بل معناه المبالغةُ في كراهية المرور بين المصلي وبين السترة، والمبالغةُ في استحباب دفع المارِّ.
قوله: "وإنما هو شيطان"؛ يعني: يفعل فعل الشيطان؛ لأن تشويشَ المصلي فعلُ الشيطان.
* * *
٥٤٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عن رسول الله ﷺ [قال]: "تَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ، والحمارُ، والكَلْبُ، وَيَقي ذلك مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ".
قوله: "يقي"؛ أي: يحفظ ويدفع "ذلك"؛ أي: ذلك القطع.
يعني: إذا مرَّ بين يدي المصلي امرأة أو حمار أو كلب، تبطل صلاته، فإن كان هناك سترةٌ، ومرت هذه الثلاثة وراء السترة، لا يضر.
هذا ظاهر الحديث، ولكن لا يجوز أن يُحمَل هذا الحديث على ظاهره؛ لأحاديث تأتي بعد هذا على خلاف هذا الحديث، ومعنى "يقطع الصلاة" هنا: يقطع كمال الصلاة؛ لأن الرجل إذا مر بين يديه شيء من هذه الأشياء يتشوش
стр. 610
قلبه، ويزول حضوره، فإذا زال الحضورُ زال كمالُ الصلاة.
* * *
٥٤٧ - قالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصلَّي مِنَ اللَّيْلِ وأنا مُعْتَرِضَةٌ بينهُ وبينَ القِبْلَةِ كاعْتراضِ الجَنازَةِ.
قولها: "مُعترِضَة", (الاعتراض): صيرورةُ الشيء حائلًا بين شيئين.
وقولها: "أنا معترضة"؛ أي: أنا مضطجعة بينه وبين القبلة، كما توضع الجنازة بين المصلي وبين القبلة.
والغرض من هذا الحديث: بيان أن المرأة لا تقطع الصلاة إذا مرَّت أو اضطجعت بين يدي المصلي.
وفي هذا الحديث فائدة لطيفة، وهي: أن السنة في الاضطجاع أن يضطجع مستقبلَ القبلة.
* * *
٥٤٨ - وقال عبد الله بن عباس ﵄: أقبلتُ راكبًا على أتانٍ وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتِلامَ، ورسولُ الله ﷺ يُصلَّي بالنَّاسِ بمِنًى إلى غيرِ جِدارٍ، فمرَرْتُ بينَ يَدَيْ بعضِ الصَّفِّ، فنَزَلَتُ، وأرسَلْتُ الأتانَ تَرتَعُ، ودخلتُ الصفَّ، فلمْ يُنْكِرْ ذلكَ عليَّ أحَدٌ.
قوله: "أقبلت"؛ أي: جئت.
"الأتان": الحمار الأنثى.
"ناهزتُ"؛ أي: قاربت؛ يعني: كنت قريبًا من البلوغ.
"إلى غير جدار"؛ يعني: إلى غير سترة، بل استقبلَ الصحراءَ.
стр. 611
والغرض من هذا الحديث: أن مرورَ الحمار بين يدي المصلي لا يقطعُ الصلاة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكُم فليَجْعَلْ تِلقاءَ وجهِهِ شيئًا، فانْ لمْ يجدْ فليَنْصِبْ عصَاه، فإنْ لمْ يَكُنْ معهُ عصًا فليَخْطُطْ خطًّا، ثمَّ لا يضُرُّهُ ما مرَّ أمامَهُ".
قوله: "فليخطُطْ خطًا": وفي كيفية الخطِّ خلاف؛ فقيل: يخط المصلي من عند قدمِهِ خطًا طويلًا نحو القبلة، وقيل: بل يخطُّ عند موضع سجوده خطًا على العرض؛ ليكن الخط مثل جنازة موضوعة بين يديه.
* * *
٥٥٠ - وقال ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكُمْ إلى سُتْرَةٍ فلْيَدْنُ منها، لا يقطَعِ الشيطانُ عليهِ صلاتَه".
قوله: "فليَدْنُ"؛ أي: فليقرب.
قال الشافعي: ليكن بين المصلي وبين السترة ثلاثةُ أذرع أو أقل، ومثله قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لتكن السترة عند موضع السجود.
قوله: "لا يقطع الشيطان عليه صلاته"؛ يعني: حتى لا يشوشَ الشيطانُ عليه صلاته.
كنية "سهل": أبو عبد الله، واسم أبيه: عبيد الله بن ساعد.
* * *
стр. 612
٥٥١ - وقال المِقْداد بن الأَسْوَد: ما رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلِّي إلى عمودٍ ولا عُودٍ، ولا شجرةٍ إلَّا جعلَهُ على حاجبهِ الأيمنِ أو الأيسر، ولا يَصْمُدُ له صَمْدًا.
قوله: "ولا يصمُدُ له صَمْدًا": صمد - بفتح العين في الماضي وضمها وكسرها في الغابر - صمدًا: إذا قصد.
يعني: إذا صلَّى إلى سترة، ولا يجعل تلك السترة تلقاء وجهه، بل يجعلها مائلًا عن يمينه، أو عن يساره؛ احترازًا عن مشابهة الذين يعبدون الأصنام، فإنهم يتوجهون إليها عند السجود.
* * *
٥٥٢ - وقال الفضل بن عباس: أَتانا رسولُ الله ﷺ ونحنُ في باديةٍ لنا ومعه عباس، فصلَّى في صحراءَ ليسَ بينَ يدَيْهِ سُترةٌ، وحمارةٌ لنا وكلْبةٌ تعبَثان بينَ يدَيْهِ، فما بالَى بذلك.
"وحمارة لنا"، التاء في (حمارة) و (كلبة) للإفراد، كما يقال: تمر وتمرة، ويحتمل أن تكون للتأنيث.
والغرض من هذا الحديث: بيان أن مرورَ الحمار والكلب بين يدي المصلي لا يقطعُ الصلاة.
* * *
٥٥٣ - وقال رسول الله ﷺ : "لا يقطعُ الصَّلاةَ شيءٌ، وادْرَؤُوا ما استطَعتُمْ، فإنَّما هو شَيطانٌ".
"وادرؤوا ما استطعتم"، (الدرء): الدفع؛ يعني: إذا مرَّ بين أيديكم شيء وأنتم في الصلاة لا يقطع صلاتكم، ولا يبطل صلاتكم، ولكن ادفعوا وامنعوا
стр. 613
المارَّ، فإن المارَّ بين يدي المصلي "شيطانٌ"؛ أي: حمله الشيطان على المرور.
وإنما يجوز له دفع المارِّ إذا وضع بين يديه سترة، أو صلى على سجادة، فإن لم يصلِّ إلى السترة، فليس له الدفع؛ لأن التقصيرَ منه بترك السترة.
* * *
٩ - باب صِفة الصَّلاةِ
(باب صفة الصلاة)
مِنَ الصَّحَاحِ:
٥٥٤ - عن أبي هريرة ﵁: أَنَّ رجلًا دخل المسجِدَ ورسولُ الله ﷺ جالِسٌ في ناحِيَةِ المسجِدِ، فصَلَّى، ثمَّ جاءَ فسلَّمَ عليهِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ "وعلَيْكَ السَّلام، ارْجِعْ فصَلِّ فإنَّكَ لمْ تُصَلِّ"، فرجَعَ فصلَّى، ثمَّ جاءَ فسلِّمَ، فقال: "وعليكَ السَّلام، ارْجِعْ فصلِّ، فإنَّكَ لمْ تُصلِّ"، فقال: يَا رسول الله! عَلِّمْني فقال: "إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فأسبغِ الوُضوءَ، ثمَّ استقبل القِبلةَ، فكبرْ، ثمَّ اقرأ ما تيسَّرَ معكَ مِنَ القُرآن، ثمَّ اركعْ حتَّى تَطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفَعْ حتَّى تَسْتَوِي قائمًا، ثمَّ اسجُدْ حتَّى تَطمئنَّ ساجِدًا، ثُمَّ ارفعْ حَتى تطمئنَّ جالسًا، ثمَّ اسجُدْ حتَّى تَطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفعْ حتَّى تَسْتَوِيَ قائمًا، ثمَّ افعلْ ذلك في صَلاتِكَ كُلِّها".
قوله: "ناحية المسجد"؛ أي: جانب المسجد.
"فإنك لم تصلِّ"؛ أي: لم تصل صلاة صحيحة.
стр. 614
"إذا قمت إلى الصلاة"؛ أي: إذا أردت القيام إلى الصلاة، "فأسبغِ الوضوءَ" (الإسباغ): الإتمام؛ أي: فتوضأ وضوءًا تامًا، "ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن"؛ يعني: اقرأ من القرآن ما تعلم، فعند الشافعي لا تصحُّ الصلاة إلا بقراءة الفاتحة إن علمها، أو بقدر الفاتحة من سورة أخرى إن لم يعلم الفاتحة، وإن لم يعلم شيئًا من القرآن يُسبح بقدر الفاتحة.
وعند أبي حنيفة: لا تلزم الفاتحة، بل يقرأ المصلي ما شاء من القرآن ولو آية.
وفي هذا الحديث بيانُ فرضية الوضوء، والاستقبال، والتكبير، وقراءة القرآن، والركوع، والرفع منه، والسجدة الأولى والرفع منها، والسجدة الثانية، والطمأنينة في هذه الأركان كلها، وكونُ هذه الأركان فريضةً في كلِّ ركعة.
* * *
٥٥٥ - وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بالتكبيرِ والقِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وكانَ إذا ركعَ لمْ يُشْخصْ رأْسَهُ ولمْ يُصَوِّبْهُ، ولكنْ بينَ ذلك، وكانَ إذا رفعَ رأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لمْ يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وكانَ إذا رفعَ رأسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لمْ يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ جالِسًا، وكانَ يقولُ في كُلِّ ركعتَيْنِ التَّحِيَّات، وكانَ يَفرشُ رِجْلَهُ اليُسرى ويَنْصِبُ رِجْلَهُ اليُمنى، وكانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيطانِ، ويَنهى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِراعَيْهِ افْتِراشَ السَّبُعِ، وكانَ يَخْتِمُ الصَّلاةَ بالتسليمِ.
قوله: "يستفتح"؛ أي: يبتدئ.
"أشخصَ يُشخِصُ": إذا ارتفع.
"صوَّب يصوِّب": إذا خفض، وهو ضد رفع.
стр. 615
قولها: "وكان"؛ أي: وكان رسول الله ﵇ "يقول"؛ أي: يقرأ "في كل ركعتين" التحيات.
قولها: "وينصب رجليه"؛ يعني: وينصب قدمه اليمنى بحيث يضع أصابع رجله اليمنى على الأرض، ويرفع عقبه.
"عُقْبَةُ الشَّيطانِ" والإقعاءُ واحدٌ، وهو: أن يضع الرجل مقعده على عقبيه، كما هو عادة الناس إذا جلسوا عند الأمراء، وقيل: الإقعاء أن يضع الرجل وِرْكَه على الأرض، وينصب ركبتيه بحيثُ تكونُ قدماه على الأرض.
قولها: "أن يفترش الرجل ذراعيه"؛ يعني: نهى رسول الله ﵇ أن يضع الرجل مرفقيه وكفيه على الأرض في السجود، بل ينبغي أن يضع كفيه، ويرفع مرفقيه عن الأرض.
* * *
٥٥٦ - وقال أبو حُمَيْد السَّاعِدِيُّ في نَفَرٍ مِنْ أصحابِ رسول الله ﷺ : أنا أحفظُكُمْ لصَلاةِ رسول الله ﷺ ، رأيتُهُ إذا كبَّرَ جعلَ يدَيْهِ حِذاء مَنْكِبَيْهِ، وإذا ركعَ أمكَنَ يدَيْهِ مِنْ رُكبتَيْهِ، ثمَّ هَصَرَ ظهرَهُ، فإذا رفعَ رأسَهُ استوَى حتَّى يعودَ كُلُّ فَقارٍ مكانَهُ، فإذا سجدَ وضعَ يدَيْهِ غيرَ مُفْتَرِشٍ ولاْ قَابضهِما، واستقبَلَ بأطرافِ أصابعِ رِجلَيْهِ القِبلَةَ، فإذا جلسَ في الرَّكْعَتَيْنِ جلسَ على رِجلِهِ اليُسرَى ونصَبَ اليُمنى، فإذا جلسَ في الرَّكعةِ الأخيرة قدَّمَ رِجلَهُ اليُسرَى وَنصَبَ الأُخرى وَقعدَ على مَقْعَدَتِهِ".
قوله: "في نفر"؛ أي: في جماعة.
"حِذاء منكبيه"؛ أي: إزاء وتلقاء منكبيه.
"أمكنَ يديه من ركبتيه"؛ أي: وضع كفَّيه على ركبتيه.
стр. 616
"ثم هَصَرَ ظهرَهُ"؛ أي: ثم ثنى وعوج ظهره في الركوع.
و"الفقار" بفتح الفاء، وتقديمها على القاف: جمع فقارة، وهي خرزة الظهر، ويستعمل (فقار) في المفرد أَيضًا.
يعني بقوله: "حتى يعود كل فقار مكانه"؛ أي: يستقرَّ ويطمئنَّ حتى يسكن كلُّ عظم.
"غير مفترش"؛ أي: غير واضع مرفقيه على الأرض.
"ولا قابضهما"؛ أي: وغير قابض أصابع يديه، بل يبسط أصابعه قِبَلَ القبلة.
"فإذا جلس في الركعتين"؛ أي: في الركعتين الأوليين.
"قدَّم رجلَهُ اليُسرى"؛ أي: أخرج رجله من تحت وركِهِ إلى جانب الأيمن، ويضع وركه على الأرض.
اسم "أبي الحميد": المنذر، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو بن سعد الأنصاري.
* * *
٥٥٧ - وقال سالم بن عبد الله بن عمر، عن أَبيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يرفعُ يدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذا افتَتَحَ الصَّلاةَ، وإذا كبَّرَ للرُّكُوعِ، وإذا رفعَ رأسَهُ منَ الرُّكُوعِ رفَعَهُما كذلك، وقال: "سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَهُ ربنا ولكَ الحمدُ"، وكانَ لا يفعلُ ذلكَ في السُّجودِ.
قوله: "ولا يفعل ذلك في السجود"؛ يعني: لا يرفعُ يديه إذا قصد السجودَ.
* * *
стр. 617
٥٥٨ - وقال نافع: كانَ ابن عُمَر إذا دخلَ الصَّلاة كبَّرَ ورفعَ يدَيْهِ، وإذا ركعَ رفعَ يدَيْهِ، وإذا قالَ سَمعَ الله لمنْ حَمِدَهُ رفعَ يدَيْهِ، وإذا قامَ مِنَ الرَّكعتَيْنِ رفعَ يدَيْهِ، ورفعَ ذلك ابن عمرَ إلى نبي الله ﷺ .
قوله: "وإذا قام من الركعتين"؛ يعني: إذا قام من الركعة الثانية إلى الركعة الثالثة رفع يديه، ورفع اليدين في هذا الموضع ليس في مذهب الشافعي، بل مذهبُ الشافعي أن يرفعَ المصلي يديه عند تكبيرة الإحرام، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
وعند أبي حنيفةَ لا يرفعُ المصلي يديه إلا عند تكبيرة الإحرام.
قوله: "ورفع ذلك ابن عمرَ إلى نبي الله ﵇"؛ يعني: يقول ابن عمر: فعل النبي هكذا (١).
* * *
٥٥٩ - وروى مالك بن الحُوَيْرِث: عن رسول الله ﷺ رفعَ اليَدَيْنِ إذا كبَّرَ، وإذا ركعَ، وإذا رفَعَ رأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وقال: حتى يُحاذي بهِما أُذُنَيْهِ.
وفي روايةٍ: "إلى فُروعَ أُذُنَيْهِ".
стр. 618
قوله: "فروع أذنيه"، (فرع الأذن): أعلاها.
وقال الشافعي: يرفعُ المصلي يديه عند تكبيرة الإحرام حذاءَ منكبيه، وقال أبو حنيفة: حذاء أذنيه، وذُكِر أنَّ الشافعي حين دخل مصر: سأله أهل مصر عن كيفية رفع اليدين عند التكبير؟ فقال: يرفع المصلي يديه بحيث يكون كفاه حذاء منكبيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وأطراف أصابعه فروع أذنيه؛ لأنه جاءَ في رواية: (رفع اليدين إلى المنكبين)، وفي رواية: (إلى الأذنين)، وفي رواية: (إلى فروع الأذنين)، ففعل الشافعي ما ذكرنا في رفع اليدين جمعًا بين الروايات الثلاث.
* * *
٥٦٠ - وعن مالك بن الْحُوَيْرِثِ: أَنَّهُ رَأَى رسول الله ﷺ يُصَلِّي، فإذا كانَ في وِتْرٍ مِنْ صَلاتِهِ لمْ يَنْهَضْ حتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا.
قوله: "في وِتْرٍ من صلاتِهِ"؛ أي: الركعة الأولى والثالثة.
وكلُّ ركعة لم تقرأ فيها التحيات فالسنةُ أن يجلس المصلي إذا رفع رأسه من السجدة الثانية لحظةً بقدر قراءة سورة الإخلاص، وتسمى تلك الجلسة جلسة الاستراحة.
قوله: "لم ينهض"؛ أي: لم يقم "حتى يستويَ قاعدًا"؛ أي: حتى يجلس.
* * *
٥٦١ - وعن وائل بن حُجْرٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبيَّ ﷺ رَفَعَ يدَيْهِ حينَ دخلَ في الصَّلاةِ وكبَّرَ، ثمَّ التَحفَ بِثَوْبهِ، ثمَّ وضعَ يدَهُ اليُمنى على اليُسرَى، فلمَّا أَرادَ أنْ يركَعَ أخرجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثمَّ رفعَهُمَا وكبَّرَ فركَعَ، فلمَّا قالَ: "سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَهُ" رفعَ يَدَيْهِ، فلمَّا سجدَ سجدَ بَيْنَ كَفَّيْه.
стр. 619
قوله: "ثم التحف بثوبه"، (التحف)؛ أي: ستر.
يعني: أخرج يديه من الكُمِّ إذا كبَّر للإحرام، فإذا فرغ من التكبير أدخل يديه في كُمَّيه، ثم أخرجهما إذا رفع يديه للركوع، ولعل التحاف يديه بكُمَّيه لبرد شديد، أو لبيان أن كشفَ اليدين عند التكبير غيرُ واجب.
"سجد بين كفَّيه"؛ أي: وضع كفيه بإزاء منكبيه في السجود.
وكنية "وائل": أبو هُنيدة، جده: ربيعة بن وائل بن يَعمر الحضرميُّ.
* * *
٥٦٢ - وقال سَهْل بن سَعْد: كانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يضعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمنى على ذِرَاعِهِ اليُسرى في الصَّلاةِ.
قوله: "يُؤمَرون أن يضعَ الرجلُ اليدَ اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة"؛ يعني: السنة للمصلي أن يضع يده اليمنى فوق يده اليسرى (١) إذا فرغ من تكبيرة الإحرام، ويضعهما بين السُّرةِ والصدر عند الشافعي، وتحت السرة عند أبي حنيفة.
* * *
٥٦٣ - وقال أبو هريرة ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ يُكَبرُ حِينَ يقومُ، ثمَّ يُكَبرُ حِينَ يَركعُ، ثُمَّ يقولُ: "سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَهُ" حِينَ يَرفعُ صُلبَهُ مِنَ الرَّكعةِ، ثمَّ يقولُ وهو قائمٌ: "ربنا لكَ الحمدُ"، ثمَّ يُكبرُ حِينَ يَهوي، ثمَّ يُكبرُ حِينَ يرفعُ رأْسَهُ، ثمَّ يكبرُ حِينَ يسجُدُ، ثمَّ يكبرُ حِينَ يَرْفَعُ رأْسَهُ، ثمَّ
стр. 620
يَفعلُ ذلكَ في الصَّلاةِ كُلِّهَا حتَّى يَقْضيَهَا، وَيُكَبرُ حِينَ يَقُومُ من الثِّنْتَيْنِ بعدَ الجُلوسِ.
قوله: "سمع الله لمن حمده"؛ يعني: قبل الله حمدَ مَنْ حمده.
هَوَى - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - هَويًا: إذا نزل من علو إلى سفل بفتح الهاء، وهُويًا - بضم الهاء -: إذا ارتفع من سفل إلى علو.
* * *
٥٦٤ - وقال رسول الله ﷺ : "أفضلُ الصَّلاةِ طولُ القُنُوتِ".
قوله: "طولُ القنوتِ"، (القنوت): تطويلُ القيام في الصلاة، وتقدير هذا الحديث: أفضلُ الصلاة صلاةٌ فيها طولُ القنوت؛ أي: طول القيام والقراءة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٦٥ - قال أبو حُمَيْد السَّاعِدِيُّ في عَشَرَةٍ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ : أنا أعلَمُكُمْ بصلاةِ رسولِ الله ﷺ ، قالوا: فَاعْرِضْ، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ رفعَ يدَيْهِ حتَّى يُحاذيَ بهِما مَنْكِبَيْهِ، ثم يُكَبرُ، ثمَّ يقرأُ، ثمَّ يكبرُ، ويرفعُ يدَيْهِ حتَّى يُحاذِيَ بهِما مَنْكِبَيْهِ، ثمَّ يركَعُ ويضعُ راحَتَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ، ثم يعتدِلُ فلا يُصبي رأسَهُ ولا يُقْنِعُ، ثمَّ يرفعُ رأسَهُ فيقولُ: "سمعَ الله لمنْ حَمِدَهُ"، ثمَّ يرفعُ يدَيْهِ حتَّى يُحاذِي بهما مَنْكِبَيْهِ مُعتدلًا، ثمَّ يقولُ: "الله أكبرُ"، ثمَّ يَهْوِي إلى الأرضِ ساجدًا، فيُجافي يديهِ عنْ جَنْبَيْهِ، ويفتح أصابِعَ رِجْلَيْهِ، ثمَّ يرفعُ رأسَهُ، ويَثْني رِجْلَهُ اليُسْرى، فيقعُدُ عليها، ثمَّ يعتدِلُ حتَّى يرجعَ كلُّ عظمٍ في موضعِه مُعتدِلًا، ثم يسجُدُ، ثمَّ يقولُ: "الله أكبر"، ويرفعُ ويَثني رِجلَهُ
стр. 621
اليُسرى فيقعُدُ عليها، حتَّى يرجِعَ كُلُّ عظمٍ إلى موضعِهِ، ثمَّ ينهضُ، ثمَّ يصنعُ في الركعةِ الثانيةِ مِثْلَ ذلكَ، ثمَّ إذا قامَ مِنَ الركعتَيْنِ كَبَّرَ ورفعَ يدَيْهِ حتَّى يُحاذِيَ بهِما مَنْكِبَيْهِ كما كبَّرَ عندَ افتِتاحِ الصَّلاةِ، ثمَّ يصنعُ ذلكَ في بقيَّةِ صلاتِهِ، حتَّى إذا كانَتِ السَّجدةُ التي فيها التَّسليمُ أخَّرَ رِجْلَهُ اليُسرى، وقعدَ مُتورَّكًا على شِقِّه الأيسرِ، ثمَّ سَلَّم، قالوا: صدَقتَ، هكذا كانَ يُصلِّي، صحيح.
وفي روايةٍ من حديث أبي حُمَيْد: ثمَّ ركعَ فوضعَ يدَيْهِ على رُكبَتَيْهِ كأنَّهُ قابضٌ عليهِما، ووتَّرَ يدَيْهِ فنحَّاهما عَنْ جنبَيْهِ، وقال: ثمَّ سجدَ فأمكنَ أنفَهُ وجبهتَهُ الأرضَ، ونحَّى يدَيْهِ عنْ جنبَيْهِ، ووضعَ كفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وفرَّجَ بينَ فخذَيْهِ غيرَ حامِلٍ بطنَهُ على شيءٍ مِنْ فخِذَيْهِ حتَّى فرغَ، ثمَّ جلسَ فَافْتَرَشَ رِجلَهُ اليُسرى، وأَقبلَ بِصدْرِ اليُمنى على قِبْلتِه، ووضَعَ كفَّه اليُمنى على رُكبتِهِ اليُمنى، وكفَّهُ اليُسرى على رُكبتِهِ اليُسرى، وأشارَ بإصبعِهِ، يعني: السَّبَّابَة.
وفي روايةٍ: وإذا قعدَ في الركعتَيْنِ قعدَ على بَطْنِ قَدَمِهِ اليُسرى، ونصبَ اليُمنى، وإذا كانَ في الرابعةِ أفْضى بِوَرِكِهِ اليُسرى إلى الأرضِ، وأخرجَ قَدَمَيْهِ مِنْ ناحيةٍ واحدة.
قوله: "في عشرة"؛ أي: بين عشرة أنفس من الصحابة.
"فاعرِضْ"؛ أي: بيِّنْ.
"يعتدل"؛ أي: يستوي قائمًا.
صبَّى يُصبي تصبية: إذا خفض رأسه.
وأقنع يُقنِع: إذا رفع رأسه.
"فيجافي"؛ أي: فيبعدُ مرفقيه عن جنبيه.
"فتَخَ" بالخاء المعجمة، وبفتح العين في الماضي والغابر فتخًا: إذا كسر
стр. 622
أصابع الرجل واليد إلى جانب الكفَّ.
ثَنَى يثني ثنيًا، وثنَّى يُثنَّي تثنية: إذا عوج شيئًا وحَنَاه.
"يصنع"؛ أي: يفعل.
"التورك": أن يجلس الرجل على وِرْكه؛ أي: جانب أليته، ويخرج رجليه من تحته.
قوله: "صحيح" قال أبو عيسى: هذا الحديثُ حسنٌ صحيحٌ، وكأنَّ عادةَ أبي عيسى في كلَّ حديث جاء فيه روايات كثيرة، وفيه من الصحة أكثر من أحاديث أخر أن يقول: هذا حديث صحيح.
قوله: "ووتَّر يديه"، (التوتير): جعل الوتر على القوس؛ يعني: أبعد مرفقيه عن جنبيه حتى كان يدُهُ كالوتر، وجنبُهُ كالقوس.
"نحَّى" ينحَّي: إذا أبعد.
"أمكن"؛ أي: وضع.
"فرَّج"؛ أي: فرق.
"غير حامل"؛ أي: غير واضع.
"وأقبل بصدر اليمنى"؛ أي: وجَّه أطراف أصابع رجله اليمنى إلى القبلةِ.
"أفضى"؛ أي: أوصلَ.
* * *
٥٦٦ - وعن وائل بن حُجْر: أَنَّهُ أبصَرَ النَّبيَّ ﷺ حِينَ قامَ إلى الصَّلاةِ رفعَ يدَيْهِ حتَّى كانتا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ، وحاذَى إبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ.
وفي روايةٍ: يرفعُ إبْهَامَيْهِ إلى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ.
стр. 623
قوله: "بحيال مَنكِبيه"؛ أي: بحِذاءِ مَنكِبيه.
* * *
٥٦٧ - وعن قَبيْصة بن هُلْبٍ، عن أَبيه أنَّه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يَؤُمُّنا فيأْخُذُ شِمالَهُ بيمينِهِ.
قوله: "بيمينه"؛ أي: أخذ بكفِّه الأيمنِ كوعَهُ الأيسر في القيام.
* * *
٥٦٨ - وعن رِفاعة بن رافِع قال: جاء رجُلٌ فصلَّى في المسجد، ثمَّ جاءَ فسلَّمَ على النَّبيَّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : "أعَدْ صَلاتَكَ، فإنَّكَ لمْ تُصَلَّ"، فقال: علِّمْني - يَا رسولَ الله! - كيفَ أصلَّي؟، فقال: "إذا توجَّهْتَ إلى القِبلةِ فكبرْ، ثمَّ اقرأْ باُمِّ القرآنِ، وما شاءَ الله أنْ تقرأَ، فإذا ركَعْتَ فاجعَلْ راحتَيْكَ على رُكبتَيْكَ، ومكَّنْ رُكُوعَكَ، وامدُدْ ظَهْرَكَ، فهذا رفعتَ فأقِمْ صُلْبَكَ، وارفَعْ رأْسَكَ حتى ترجعَ العِظامُ إلى مَفاصِلِها، فإذا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ للسُّجُودِ، فإذا رَفَعْتَ فَاجلِسْ على فَخِذِكَ اليُسرى، ثمَّ اصْنع ذلكَ في كُلِّ ركعةٍ وسَجْدَةٍ حتَّى تطمئنَّ".
وفي روايةٍ: "إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فتوضَّأْ كما أمرَكَ الله، ثمَّ تشهَّدْ فأقِمْ، فإنْ كانَ معكَ قُرآنٌ فأقْرَأْ، وإلَاّ فاحْمَدِ الله وكَبرْهُ وهَلِّلْهُ، ثمَّ ارْكَعْ".
قوله: "ثم اقرأ بأم القرآن"، (أمُّ القرآن): سورة الفاتحة، سُمِّيت أمَّ القرآن؛ لأنها أول القرآن في التلاوة، ألا ترى أنها مكتوبة في المصاحف قبل سورة البقرة؟ (الأم): الأصل.
"وما شاء الله أن تقرأ"؛ يعني: وما رزقَكَ الله أن تقرأ من القرآن بعد الفاتحة.
стр. 624
"ومكِّن ركوعَكَ"؛ أي: أركع ركوعًا تامًا مع الطمأنينة.
قوله: "حتَّى تَطمئنَّ"، (اطمأن): إذا سكن واستقرَّ؛ يعني: حتَّى تجلس في آخر صلاتك؛ يعني: حتى تفرغ، وإنما قال: تطمئنَّ، وأراد به الجلوس في آخر صلاته؛ لأن آخرَ الصلاة موضعُ الاستقرار والسكون وطول قراءة الدعوات.
قوله: "ثم تشهَّد": بفتح التاء وتشديد الهاء، معناه: احضُرْ وانْوِ وكبرْ وأحضرْ قلبَكَ.
"فاحمد الله"؛ أي: قل: الحمد لله.
"وكبره"؛ أي: قل: الله أكبر.
"وهلِّله"؛ أي: قل: لا إله إلا الله.
جدُّ "رفاعة": مالك بن العجلان بن عمرو الأنصاري.
* * *
٥٦٩ - عن الفضل بن عبَّاس أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "الصَّلاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشَهَّدُ في كُلِّ ركعتَيْنِ، وتَخَشَّعُ، وتَضَرَّعُ، وتَمَسْكَنُ، ثمَّ تُقْنِعُ يديك - يقول: ترفعُهما - إلى رَبكَ مُستقبلًا ببُطُونِهِما وجهَكَ، وتقولُ: يَا ربِّ يَا ربِّ، ومَنْ لمْ يفعلْ ذلكَ فهو خِداجٌ".
قوله: "الصلاة مَثْنى مَثْنى"؛ يعني: الصلاة تصلى ركعتين؛ يعني: يُسلِّم من كلِّ ركعتين، وهذا في صلاة النوافل والسنن عند الشافعي، فالأفضلُ فيها أن يسلم في كل ركعتين؛ ليلًا كان أو نهارًا، وعند أبي حنيفة الأفضل أن يصلي أربع ركعات بتسليمة؛ ليلًا كان أو نهارًا.
قوله: "تشهُّدٌ وتخشُّعٌ وتضرُّعٌ وتَمَسْكُنٌ": كلها مصدر منون، هكذا جاء في الرواية.
стр. 625
قوله: "تشهد"؛ أي: في كلَّ ركعتين يقرأُ التحيات.
قوله: "تخشع"؛ أي: في الصلاة تخشع؛ أي: ليكن فيها تخشع، وهو سكون الظاهر والباطن، وطمأنينة الرجل بحيث لا يتحرك ولا يلتفت يمينًا ويسارًا.
و"التمسكن": إظهار الرجل المسكنةَ عن نفسه.
"ثم تقنع"؛ أي: ثم ترفع يديك.
"يقول" معناه: يعني.
"ترفعُهما إلى ربك"، تطلبُ منه حاجتك.
"ومن لم يفعل ذلك"؛ أي: ومن لم يفعل هذه الأشياء في الصلاة.
"فهو خداج"؛ أي: ففعلُ صلاتِهِ ناقصٌ.
* * *
١٠ - باب ما يَقْرأُ بعد التَّكبيرِ
(باب ما يقرأ بعد التكبير)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٥٧٠ - قال أبو هُرَيْرَةَ ﵁: كانَ رسول الله ﷺ يَسْكُتُ بين التَّكْبيرِ وَبَيْنَ القِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً فقلت: بِأَبي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! إسْكَاتُكَ بين التَّكْبيرِ وَالقِرَاءَةِ ما تَقُولُ؟، قال: أَقُولُ: "اللهم بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كما بَاعَدْتَ بين المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللهم نَقِّنِي من الخَطَايَا كما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ من الدَّنَسِ، اللهم اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالمَاءَ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ".
стр. 626
قوله: "يسكتُ بين التكبير"، (يُسكِتُ) بضم الياء وكسر الكاف: مضارع أسكتَ إسكاتًا؛ بمعنى: سكت، و (الإسكات) ها هنا: ترك الجهر، لا تركُ الكلام أصلًا.
"بأبي وأمي"، الباء للتعدية تقديره: مفديٌّ بأبي وأمي؛ أي: فُدِيت بأبي وأمي؛ أي: وجعل أبي وأمي فداء لك.
"إسكاتَكَ" - بالنصب - مفعول فعل مقدر؛ أي: أسألك عن إسكاتك: ما تقول فيه؟ ويجوز أن يكون تقديره: في إسكاتك ما تقول؟ فحُذِفت (في)، ونصب (إسكاتك).
"نقِّني"؛ أي: طهَّرني، (التنقية): التطهير.
قوله: "بالماء والثلج والبرد"؛ يعني: أنواع المطهرات هي الثلاثة، وكل ثوب غسل بهذه الثلاثة يكون على غاية الطهارة والنظافة؛ يعني: اغسلني من الذنوب بأنواع المغفرة غسلًا تامًا.
* * *
٥٧١ - وقال علي بن أبي طالبٍ ﵁: كان رسولُ الله ﷺ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ - وفي رواية: كان إذا افتتحَ الصَّلاةَ - كبَّرَ، ثمَّ قالَ: "وجَّهْتُ وجْهِيَ للذي فطرَ السَّماواتِ والأرضَ حنيفًا مسلمًا، وما أنا مِن المُشْركينَ، إنَّ صَلاتي ونُسُكي ومَحْيايَ ومَماتي لله رَبِّ العالمينَ لا شَريكَ لهُ، وبذلكَ أُمِرْتُ، وأنا منَ المُسلمينَ، اللهمَّ أنتَ المَلِكُ لا إله إلَّا أنتَ، سُبحانك وبحمْدِكَ، أنتَ رَبيَ وأنا عبدُكَ، ظلَمتُ نفْسي، واعترفْتُ بذَنْبي، فاغْفِرْ لي ذُنوبي جميعًا، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنتَ، واهْدِني لأحسَنِ الأخلاقِ، لا يهدي لأَحسَنِها إلَّا أنتَ، واصْرِفْ عنِّي سَيِّئَها، لا يَصْرِفُ عنِّي سَيِّئَها إلَّا أنتَ، لبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ، والشَّرُّ ليسَ إليكَ، أنا بكَ وإليكَ، تَبارَكْتَ وتعالَيْتَ،
стр. 627
أستَغْفِرُكَ وأتُوبُ إليكَ"، وإذا ركعَ قال: "اللهمَّ لكَ ركَعْتُ، وبكَ آمنتُ، ولكَ أسْلَمْتُ، خشعَ لكَ سَمْعي، وبَصَري، ومُخِّي، وعَظْمي، وعَصَبي"، وإذا رفعَ رأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قال: "اللهمَّ ربنا لكَ الحَمْدُ مِلءَ السَّماواتِ ومِلْءَ الأرضِ وما بينهُما، ومِلءَ ما شِئْتَ مِنْ شيءٍ بعدُ"، وإذا سجدَ قال: "اللهمَّ لكَ سَجدْتُ، وبكَ آمنْتُ، ولكَ أسلَمْتُ، سجَدَ وجْهِي للذي خلقَهُ وصَوَّرَهُ، وشَق سَمْعَهُ وبصَرَهُ، فتباركَ الله أحسَنُ الخالِقينَ"، ثمَّ يكونُ مِنْ آخِرِ ما يقوله بين التشَهُّدِ والتَّسْليمِ: "اللهمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ، وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ، وما أعْلَنْتُ، وما أسْرَفْتُ، وما أنتَ أعلم بهِ منِّي، أنتَ المُقَدِّمُ وأنتَ المُؤخِّرُ، لا إله إلَّا أنتَ".
وفي روايةٍ: "والشرُّ ليسَ إليكَ، والمَهدِيُّ مَنْ هدَيتَ، أنا بكَ وإليكَ، لا مَنْجا مِنكَ ولا ملْجأَ إلَّا إليكَ، تباركتَ وتعالَيْتَ".
قوله: "إذا قام إلى الصلاة قال"؛ أي: إذا قام إلى الصلاة كبَّر، ثم قال: "وجهت وجهي": هكذا هذا الحديث مذكور في "سنن أبي داود"؛ أي: صرفت وجهي إلى الله تعالى، وأعرضت عن غيره، ويحتمل أن يكون معناه: قصدت بعبادتي إلى الله تعالى، وأخلصت عبادتي لله تعالى.
"فطرَ"؛ أي: خلقَ.
"حنيفًا": منصوبٌ على الحال، و (الحنيف): المائل عن غير ملةِ الإِسلامِ إلى الإِسلام.
"ونُسُكي"؛ أي: عبادتي.
"ومَحْياي"؛ أي: حياتي، "ومماتي"؛ أي: موتي؛ يعني: أنا لله في الحياة وبعده.
стр. 628
"المسلم": المنقاد والمطيع لله.
"سبحانَكَ": اسم أُقِيم مقامَ المصدر، وهو التسبيح، وتقديره: أسبحك تسبيحًا؛ أي: أنزهك وأبعدك ممَّا لا يليق بحضرتك من أوصاف المخلوقات.
"وبحمدك" تقديره: وبحمدِكَ أسبحُكَ وأحمدُكَ، ويحتمل أن يكون تقديره: وفقني بحمدك؛ أي: بأن أحمدك.
"واعترفت"؛ أي: أقررت.
"سيئها"؛ أي: سيَّء الأخلاق.
"لبيك"؛ أي: أجبتُكَ في أمرك إجابةً بعد إجابةٍ.
قوله: "سعديك"؛ أي: ساعدت طاعتك مساعدةً بعد مساعدةٍ، (المساعدة): الموافقة (١).
" (٢) والشر ليس إليك"؛ يعني: والشرُّ ليس ممَّا يُتقرَّبُ به إليك (٣).
وقيل: معناه: والشرُّ لا يُضافُ إليك لحسن الأدب، ألا ترى أنه لا يقال لله: يَا خالق الخنازير، وإن كان خالقها؟! لأنه ليس في هذا اللفظ تعظيمٌ، بل يقال: يَا خالق البريات، فكذلك هو خالقُ الخيرِ والشرِّ جميعًا، ولكن لا يقال: يَا خالق
стр. 629
الشر، كما قال إبراهيم خليل الرحمن ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٧٩] , أضاف الخلق والإطعام والسقي إلى الله تعالى؛ لما فيها من التعظيم، وقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] , أضاف المرضَ إلى نفسه؛ لما ليس فيه من التعظيم.
وقيل: معناه: والشر لا يُنسَبُ إلى أفعالك؛ يعني: ليس في أفعالك شرٌّ؛ لأنك إذا خلقت الشرَّ وبيَّنته لعبادك ونهيتهم عن فعله، فلم يكُ فعلك شرًا (١).
"أنا بك" (٢)؛ أي: أنا بك أحيا وأموت وأستجير وأتقوَّى.
قوله: "وإليك"؛ أي: وإليك مرجعي ومآبي وحولي وقوتي.
"خشع"؛ أي: خضع وتواضع وأطاع.
قوله: "بعدُ"؛ أي: بعد السماوات والأرض؛ يعني: لك من الحمد مِلْء السماوات ومِلء الأرض، وملء غير السماوات والأرض ممَّا شئت.
"وما أنت أعلم به مني"؛ يعني: قد يكون في ذنوب لا أعلمها، وأنت تعلمها، وأستغفرك منها.
"أنت المقدِّم"؛ أي: أنت توفِّقُ بعضَ العباد لك على طاعات.
"وأنت المؤخِّر"؛ يعني: أنت تخذل بعض العباد من النصرة والتوفيق على الطاعات.
ويحتمل أن يكون معناهما: أنت الرافع والخافض، والمعز والمذل.
стр. 630
"لا مَنْجا منك، ولا مَلْجَأ إلا إليك": تقديره: لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، ولا فِرارَ من عذابك إلا إليك؛ يعني: الناجي هو الذي يلتجئ إليك ويستعيذ منك.
(منجا): مصدر ميمي أو مكان، من نجا ينجو، و (ملجأ) مصدر ميمي أو مكان، من لجأ يلجأ: إذا التجأ وهربَ من أحد إلى كَنَفِ أحدٍ.
* * *
٥٧٢ - عن أنس ﵁: أنَّ رجُلًا جاءَ إلى الصَّلاةِ وقدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فقال: الله أكبرُ، الحمدُ لله حَمدًا كثيرًا طَيبًا مُبارَكًا فيه، فلمَّا قضَى رسولُ الله ﷺ صلاتَهُ، فقال: "أيُّكُمُ المُتَكَلِّمُ بالكلماتِ؟، لقدْ رأيتُ اثنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَها، أَيُّهُمْ يرفعُها".
قوله: "حَفَزَهُ النفسُ"؛ أي: حرَّكه النفس من كثرة السرعة في الطريق إلى الصلاة.
(الحفز): التحريك، (النَّفَس) بفتح الفاء معروف.
(بارك): إذا جعل البركةَ في شيء، "مباركًا فيه"؛ أي: حمدًا كثيرًا غاية الكثرة.
"يبتدرونها"؛ أي: يسبقُ ويعجلُ بعضهم بعضًا في كتبهِ تلك الكلمات، ورفعِها إلى حضرة الله تعالى؛ لعظم قدرها.
* * *
من الحِسان:
٥٧٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا افْتَتَحَ الصَّلاةَ
стр. 631
قال: "سُبحانَكَ اللهمَّ وبحمدكَ، وتباركَ اسمكَ، وتعالى جَدُّكَ، ولا إلهَ غيرُك"، ضعيف.
قوله: "تبارك اسمك"؛ أي: كثُرتْ بركةُ اسمك في السماوات والأرض؛ إذ وُجِدَ كلُّ خير من اسمك وتنوَّر، وجُعِلت البركةُ في كل موضع ذُكِر أو كُتِبَ اسمك فيه.
"وتعالى جَدُّك"، (الجد): العظمة، و (تعالى): تفاعل من العلو؛ أي: علا ورفع عظمتك على عظمة غيرك غاية العلو والرفعة.
"جلَّ"؛ أي: عظم.
وذكر المصنف: أن هذا الحديث "ضعيف"، وهذا ضعيفٌ عند قليل من أصحاب الحديث، ولكنه حديثٌ حسنٌ عالي الإسناد قويٌّ عند أكثرهم.
* * *
٥٧٤ - عن جُبَيْر بن مُطْعِم: أنَّهُ رأى رسولَ الله ﷺ يُصَلِّي صَلاةً قال: "الله أكبرُ كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا ثلاثًا، وسُبحانَ الله بُكرةً وأَصيلًا ثلاثًا، أعوذُ بالله مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ، مِنْ نَفْخِهِ ونَفْثِهِ وهَمْزِهِ".
قوله: "بكرة"؛ أي: في أول النهار.
"وأصيلًا": في آخره، وإنما قال هذا القول؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢] , خصَّ بُكرةً وأصيلًا بالذكر؛ لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في هذين الوقتين.
"من نَفْخِه"؛ أي: ممَّا يأمرُ النَّاس من التكبر، و (النفخ): التكبر.
"ونَفْثِه"؛ أي: ممَّا يأمر بعضَ الناس بإنشاء الشعر المذموم ممَّا فيه هجوٌ
стр. 632
لمسلم، أو كفر، أو فسق.
وقيل: (النفث): السحر.
"وهمزه"؛ أي: من جعله أحدًا مجنونًا، والمجنون: من يرى الجن أو شيطانًا، فيسقط من الخوف.
وقيل: (همزه): الوسوسة.
كنية "جُبير": أبو محمَّد، جده: عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي.
* * *
٥٧٥ - عن سَمُرة بن جُنْدُب: أنَّهُ حفِظَ عنْ رسولِ الله ﷺ سكتتَيْنِ: سَكْتَةً إذا كَبَّرَ، وسَكْتَةً إذا فرغَ مِنْ قراءةِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فصدَّقَهُ أُبيُّ بن كَعْبٍ.
قوله: "سكتتين"، والغرضُ من السكتة الأولى ليفرغَ المأمومون من النية وتكبيرة الإحرام؛ لأنه إذا كان يقرأُ الإمامُ الفاتحة عقيبَ التكبير، ربَّما يكون بعض المأمومين مشتغلًا بالنية أو التكبير، فيفوته بعضُ سماع قراءة الإِمام الفاتحة.
والغرض من السكتة الثانية ليقرأ المأمومون الفاتحة بعد فراغ الإِمام منها، وليرجع إلى الإِمام النفس ويستريح ثم يقرأ السورة.
والسكتة الثانية سنَّةٌ عند الشافعي وأحمد كالسكتة الأولى، ومكروهةٌ عند أبي حنيفة ومالك.
* * *
٥٧٦ - وقال أبو هُريرة ﵁: كان رسولُ الله ﷺ إذا نهضَ من الرَّكعةِ
стр. 633
الثانيةِ استفتحَ القِراءةِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ , ولمْ يسكُتْ.
قوله: "ولم يسكتْ"؛ يعني: إذا قام من الركعة الثانية إلى الركعة الثالثة لم يسكت، بل يقرأ الفاتحةَ كلَّما وصل إلى القيام، وإنما لم يسكت؛ لأن هذا الموضع ليس الموضعين اللذين رُوِيَ فيهما السكتة.
* * *
١١ - باب القِراءةِ في الصَّلاة
(باب القراءة في الصلاة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٥٧٧ - قال رسول الله ﷺ : "لا صلاةَ لمْن لمْ يقرأْ بفاتِحَةِ الكِتابِ".
ويروى: "لِمَنْ لمْ يقرأْ بأُمَّ القُرآنِ فصاعِدًا".
قوله: "فصاعدًا"؛ يعني: أو أكثر؛ يعني: قراءةُ الفاتحة واجبةٌ، وقراءةُ شيء من القرآن بعد الفاتحة سنةٌ.
(الصعود): الارتقاء من سفل إلى علو، و (الصاعد): اسم فاعل منه، ومعنى الصاعد ها هنا: الزائد، (فصاعدًا) منصوب على الحال، وهذا اللفظ لا يتغير سواء كان حالًا من مذكر أو مؤنث، وتقرير كون (صاعدًا) حالًا أن يقال: تقديره: لا صلاةَ لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن فقط، أو بأم القرآن في حال كون قراءتِهِ صاعدًا - أي: زائدًا - على أم القرآن.
* * *
стр. 634
٥٧٨ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ صلَّى صلاةً لم يَقْرأْ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهيَ خِداجٌ ثلاثًا، غيرُ تمامٍ", وقيل لأبي هريرة ﵁: إنَّا نكونُ وراءَ الإِمام؟، قال: اقْرَأ، بها في نَفسِكَ، فإنِّي سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "قال الله : قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْني وبينَ عَبْدي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سألَ، وإذا قالَ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حَمَدني عَبْدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ الله: أَثنَى عليَّ عَبْدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: الله تعالى مَجَّدَنِي عَبْدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بَيْني وبَيْنَ عَبْدي، ولِعَبْدِي ما سألَ، وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي ما سَألَ".
قوله: "فهي خداج", (الخداج) مصدر خدَجت الناقة تخدِج - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر -: إذا أسقطت ولدها قبل أوانِ النِّتاج، وإن كان تامَّ الخِلقةِ، و (الخديج): الولد الذي صورتُهُ وخلقتُهُ تامةٌ ومدتُهُ ناقصةٌ، و (أخدجت الناقة): إذا أسقطت ولدها ناقصَ الخِلقةِ تامَّ المدة، و (المخدَج) بفتح الدال: ذلك الولد، و (الخداج) هنا مصدر أُقيم مقامَ اسم الفاعل، بمعنى: الناقص.
"في نفسك"؛ أي: بحيث تسمع أذنك، ولا تجهر صوتك بحيث تشوِّشُ على من يقربك، ومن لم تسمع أذنُهُ قراءةَ نفسِهِ، لم تصحَّ قراءته إلا إذا كان أصمَّ.
"قسمتُ الصلاةَ", معنى الصلاة هنا: الفاتحة، سُمِّيت الفاتحة صلاةً؛ لما في الصلاة من القراءة.
قوله: "بيني وبين عبدي نصفين"، أراد بنصفين: من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ؛ لأن لفظ الحمد والثناء ينتهي بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومن قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخر السورة دعاءٌ، ولا شكَّ أن نصف الدعاء أكثر.
стр. 635
ومعناه: نصف هذه السورة حمدٌ وثناءٌ لي، ونصفُها دعاءٌ للعبد، ومعنى النصف: البعضُ هنا؛ يعني: بعضها لي وبعضها له.
"مجَّدَني"؛ أي: ذكرني بالعظمة، ومصدره: التمجيد.
﴿نَسْتَعِينُ﴾؛ أي: نطلب العون على الأمور منك.
﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ يعني به: كلَّ فعل وقول ونية تَرضاهُ.
﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني بهم: الأنبياء والأولياء.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني بهم: اليهود.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ أي: وغير الضالين؛ يعني بهم: النصارى.
يعني بقوله: ﴿اهْدِنَا﴾: ثبتنا؛ يعني: وثبتنا على طريق أنبيائك وأوليائك وسيرتهم دون اليهود والنصارى، بل أبعِدْنا عن أفعالهم وأقوالهم.
* * *
٥٧٩ - وعن أنس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ ﵄ كانوا يفتَتِحُونَ الصَّلاةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"يفتتحون"؛ يعني: يبتدؤون بفاتحة الكتاب، لا بسورةٍ أخرى.
وقال بعض العلماء: معناه: أنهم يُسِرُّون بـ: (بسم الله الرحمن الرحيم)، كما يُسَّرون بالتعوذ، ثم يجهرون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
* * *
٥٨٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أَمَّنَ الإمامُ فَأَمَّنُوا، فإنَّه مَنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنبه".