قال: "سُبحانَكَ اللهمَّ وبحمدكَ، وتباركَ اسمكَ، وتعالى جَدُّكَ، ولا إلهَ غيرُك"، ضعيف.
قوله: "تبارك اسمك"؛ أي: كثُرتْ بركةُ اسمك في السماوات والأرض؛ إذ وُجِدَ كلُّ خير من اسمك وتنوَّر، وجُعِلت البركةُ في كل موضع ذُكِر أو كُتِبَ اسمك فيه.
"وتعالى جَدُّك"، (الجد): العظمة، و (تعالى): تفاعل من العلو؛ أي: علا ورفع عظمتك على عظمة غيرك غاية العلو والرفعة.
"جلَّ"؛ أي: عظم.
وذكر المصنف: أن هذا الحديث "ضعيف"، وهذا ضعيفٌ عند قليل من أصحاب الحديث، ولكنه حديثٌ حسنٌ عالي الإسناد قويٌّ عند أكثرهم.
* * *
٥٧٤ - عن جُبَيْر بن مُطْعِم: أنَّهُ رأى رسولَ الله ﷺ يُصَلِّي صَلاةً قال: "الله أكبرُ كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا ثلاثًا، وسُبحانَ الله بُكرةً وأَصيلًا ثلاثًا، أعوذُ بالله مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ، مِنْ نَفْخِهِ ونَفْثِهِ وهَمْزِهِ".
قوله: "بكرة"؛ أي: في أول النهار.
"وأصيلًا": في آخره، وإنما قال هذا القول؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢] , خصَّ بُكرةً وأصيلًا بالذكر؛ لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في هذين الوقتين.
"من نَفْخِه"؛ أي: ممَّا يأمرُ النَّاس من التكبر، و (النفخ): التكبر.
"ونَفْثِه"؛ أي: ممَّا يأمر بعضَ الناس بإنشاء الشعر المذموم ممَّا فيه هجوٌ
стр. 632
لمسلم، أو كفر، أو فسق.
وقيل: (النفث): السحر.
"وهمزه"؛ أي: من جعله أحدًا مجنونًا، والمجنون: من يرى الجن أو شيطانًا، فيسقط من الخوف.
وقيل: (همزه): الوسوسة.
كنية "جُبير": أبو محمَّد، جده: عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي.
* * *
٥٧٥ - عن سَمُرة بن جُنْدُب: أنَّهُ حفِظَ عنْ رسولِ الله ﷺ سكتتَيْنِ: سَكْتَةً إذا كَبَّرَ، وسَكْتَةً إذا فرغَ مِنْ قراءةِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فصدَّقَهُ أُبيُّ بن كَعْبٍ.
قوله: "سكتتين"، والغرضُ من السكتة الأولى ليفرغَ المأمومون من النية وتكبيرة الإحرام؛ لأنه إذا كان يقرأُ الإمامُ الفاتحة عقيبَ التكبير، ربَّما يكون بعض المأمومين مشتغلًا بالنية أو التكبير، فيفوته بعضُ سماع قراءة الإِمام الفاتحة.
والغرض من السكتة الثانية ليقرأ المأمومون الفاتحة بعد فراغ الإِمام منها، وليرجع إلى الإِمام النفس ويستريح ثم يقرأ السورة.
والسكتة الثانية سنَّةٌ عند الشافعي وأحمد كالسكتة الأولى، ومكروهةٌ عند أبي حنيفة ومالك.
* * *
٥٧٦ - وقال أبو هُريرة ﵁: كان رسولُ الله ﷺ إذا نهضَ من الرَّكعةِ
стр. 633
الثانيةِ استفتحَ القِراءةِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ , ولمْ يسكُتْ.
قوله: "ولم يسكتْ"؛ يعني: إذا قام من الركعة الثانية إلى الركعة الثالثة لم يسكت، بل يقرأ الفاتحةَ كلَّما وصل إلى القيام، وإنما لم يسكت؛ لأن هذا الموضع ليس الموضعين اللذين رُوِيَ فيهما السكتة.
* * *
١١ - باب القِراءةِ في الصَّلاة
(باب القراءة في الصلاة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٥٧٧ - قال رسول الله ﷺ : "لا صلاةَ لمْن لمْ يقرأْ بفاتِحَةِ الكِتابِ".
ويروى: "لِمَنْ لمْ يقرأْ بأُمَّ القُرآنِ فصاعِدًا".
قوله: "فصاعدًا"؛ يعني: أو أكثر؛ يعني: قراءةُ الفاتحة واجبةٌ، وقراءةُ شيء من القرآن بعد الفاتحة سنةٌ.
(الصعود): الارتقاء من سفل إلى علو، و (الصاعد): اسم فاعل منه، ومعنى الصاعد ها هنا: الزائد، (فصاعدًا) منصوب على الحال، وهذا اللفظ لا يتغير سواء كان حالًا من مذكر أو مؤنث، وتقرير كون (صاعدًا) حالًا أن يقال: تقديره: لا صلاةَ لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن فقط، أو بأم القرآن في حال كون قراءتِهِ صاعدًا - أي: زائدًا - على أم القرآن.
* * *
стр. 634
٥٧٨ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ صلَّى صلاةً لم يَقْرأْ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهيَ خِداجٌ ثلاثًا، غيرُ تمامٍ", وقيل لأبي هريرة ﵁: إنَّا نكونُ وراءَ الإِمام؟، قال: اقْرَأ، بها في نَفسِكَ، فإنِّي سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "قال الله : قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْني وبينَ عَبْدي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سألَ، وإذا قالَ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حَمَدني عَبْدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ الله: أَثنَى عليَّ عَبْدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: الله تعالى مَجَّدَنِي عَبْدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بَيْني وبَيْنَ عَبْدي، ولِعَبْدِي ما سألَ، وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي ما سَألَ".
قوله: "فهي خداج", (الخداج) مصدر خدَجت الناقة تخدِج - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر -: إذا أسقطت ولدها قبل أوانِ النِّتاج، وإن كان تامَّ الخِلقةِ، و (الخديج): الولد الذي صورتُهُ وخلقتُهُ تامةٌ ومدتُهُ ناقصةٌ، و (أخدجت الناقة): إذا أسقطت ولدها ناقصَ الخِلقةِ تامَّ المدة، و (المخدَج) بفتح الدال: ذلك الولد، و (الخداج) هنا مصدر أُقيم مقامَ اسم الفاعل، بمعنى: الناقص.
"في نفسك"؛ أي: بحيث تسمع أذنك، ولا تجهر صوتك بحيث تشوِّشُ على من يقربك، ومن لم تسمع أذنُهُ قراءةَ نفسِهِ، لم تصحَّ قراءته إلا إذا كان أصمَّ.
"قسمتُ الصلاةَ", معنى الصلاة هنا: الفاتحة، سُمِّيت الفاتحة صلاةً؛ لما في الصلاة من القراءة.
قوله: "بيني وبين عبدي نصفين"، أراد بنصفين: من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ؛ لأن لفظ الحمد والثناء ينتهي بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومن قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخر السورة دعاءٌ، ولا شكَّ أن نصف الدعاء أكثر.
стр. 635
ومعناه: نصف هذه السورة حمدٌ وثناءٌ لي، ونصفُها دعاءٌ للعبد، ومعنى النصف: البعضُ هنا؛ يعني: بعضها لي وبعضها له.
"مجَّدَني"؛ أي: ذكرني بالعظمة، ومصدره: التمجيد.
﴿نَسْتَعِينُ﴾؛ أي: نطلب العون على الأمور منك.
﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ يعني به: كلَّ فعل وقول ونية تَرضاهُ.
﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني بهم: الأنبياء والأولياء.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني بهم: اليهود.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ أي: وغير الضالين؛ يعني بهم: النصارى.
يعني بقوله: ﴿اهْدِنَا﴾: ثبتنا؛ يعني: وثبتنا على طريق أنبيائك وأوليائك وسيرتهم دون اليهود والنصارى، بل أبعِدْنا عن أفعالهم وأقوالهم.
* * *
٥٧٩ - وعن أنس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ ﵄ كانوا يفتَتِحُونَ الصَّلاةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"يفتتحون"؛ يعني: يبتدؤون بفاتحة الكتاب، لا بسورةٍ أخرى.
وقال بعض العلماء: معناه: أنهم يُسِرُّون بـ: (بسم الله الرحمن الرحيم)، كما يُسَّرون بالتعوذ، ثم يجهرون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
* * *
٥٨٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أَمَّنَ الإمامُ فَأَمَّنُوا، فإنَّه مَنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنبه".
стр. 636
وفي روايةٍ: "إذا أَمَّنَ القارِئُ فأَمَّنُوا، فإنَّ الملائكةَ تؤمِّنُ، فمنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنْبهِ".
وفي روايةٍ: "إذا قالَ الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإنَّ الملائكةَ تقولُ: آمين، وإنَّ الإمامَ يقولُ: آمين، فمَنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمِينَ الملائكةِ غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ".
قوله: "مَنْ وافق تأمينه"، (التأمين): أن يقول الرجلُ: آمين، ومعناه: اللهمَّ استجبْ؛ يعني: إذا أمَّنَ الإمامُ بعد قراءة الفاتحة تؤمَّنُ الملائكة فمن أمَّن من المأمومين في الوقت الذي تؤمَّن فيه الملائكةُ، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر.
* * *
٥٨١ - وعن أبي مُوسَى الأَشْعَري، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلَّيْتُمْ فأقِيمُوا صفوفَكُمْ، ثمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أحدُكُمْ، فإذا كَبَّرَ فكبرُوا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقُولُوا: آمين يُجبْكُمُ الله، فإذا كَبَّرَ وركعَ فكبرُوا وارْكَعُوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَه فقولُوا: اللهمَّ رَبنا لَكَ الحَمْدُ، يسمَعِ الله لَكُمْ".
وفي روايةٍ: "وإذا قرأَ فأنْصِتُوا".
قوله: "فأقيموا"؛ أي: سَوُّوا.
"إذا كبَّر فكبروا"؛ يعني: موافقةُ الإِمام واجبةٌ.
قوله: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد" بدلٌ، يعني: يقول الإمامُ في الرفع من الركوع: سمع الله لمن حمده، ويقول
стр. 637
المأموم: ربنا لك الحمد، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد، وقال الشافعي: يقول الإِمام والمأموم: سمعَ الله لمن حمده، ربنا لك الحمد؛ لِمَا روى ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﵇ كان إذا رفع رأسهُ قال: "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد" هذا في الإِمام، ولم يَجِئْ في الحديث: أنَّ المأمومَ يقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ولكن قد جاء في الحديث: "إنما جُعِلَ الإِمام ليؤتمَّ به"، وإنما يكون المأمومُ مؤتمًا بالإمام إذا قال ما يقولُ الإِمام.
قوله: "يسمعِ الله لكم": بكسر العين، وكان (يسمع) مجزومًا لجواب الأمر، فحُرِّك بالكسر؛ لسكون العين ولام التعريف.
قوله: "فإذا قرأ فأَنْصِتوا"، (أنصتوا)؛ أي: اسكتوا ولا تقرؤوا حتى يفرغَ الإمامُ من القراءة.
قال أبو حنيفة: لا تجب قراءة الفاتحة وغيرها على المأموم، بل يسكت المأموم.
وقال الشافعي: تجب عليه قراءة الفاتحة؛ لقوله ﵇: "لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بأمِّ القرآن".
* * *
٥٨٢ - عن أبي قَتادة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يقرأُ في الظُّهْرِ في الأُولَيَيْنِ بأُمِّ الكِتابِ وسُورتَيْنِ، وفي الرَّكعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بأُمِّ الكِتابِ، ويُسْمِعُنا الآيةَ أحيانًا، ويُطيلُ في الرَّكعةِ الأُولى ما لا يُطيلُ في الرَّكعةِ الثانية، وهكذا في العَصْرِ، وهكذا في الصُّبْحِ.
قوله: "ويُسمِعُنا الآيةَ أحيانًا"؛ يعني: يقرأ في صلاة الظهر سِرًا، وربما يرفعُ صوته ببعض كلمات الفاتحة أو السورة بحيث نسمعُ حتى نعلمَ ما يقرأ من السورة.
* * *
стр. 638
٥٨٣ - قال أبو سعيدٍ الخُدري: كنَّا نَحزرُ قِيامَ رسولِ الله ﷺ في الظُّهْرِ والعَصْرِ، فَحَزَرْنا قِيامَهُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ قِراءةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَة - وفي روايةٍ: في كُلِّ ركعةٍ قَدْرَ ثلاثينَ آيةً - وفي الأُخْرَيَيْنِ قدر النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ على قَدْرِ قِيامِهِ في الأخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ على النِّصْفِ مِنْ ذلك.
قوله: "نحزِرُ"؛ أي: نقدِّرُ، (الحَزْر): التقدير.
* * *
٥٨٥ - وقال جُبَيْر بن مُطْعِمْ: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقرَأُ في المغرِب بالطُّور.
قوله: "قرأ في المغرب بالطُّور", وهذا الحديث وما أشبه ذلك يدلُّ على أنَّ وقت المغرب باقي إلى قريب من غروب الشفق؛ لأن رسول الله ﵇ كان يقرأُ على التأنِّي من غير عجلة، وسورة الطور إذا قُرِئت على التأني يقربُ الفراغُ منها من غروب الشفق.
* * *
٥٨٦ - وقالت أم الفَضْل بنت الحارِث: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقرأُ في المغربِ بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾.
قوله: "يقرأ في المغرب بـ (المرسلات عرفًا) " معناه ظاهرٌ.
"أم الفضل": أخت ميمونةَ زوجةِ النبي ﵇، وقد ذُكِرت.
* * *
стр. 639
٥٨٧ - وقال جابر: كانَ مُعاذُ بن جَبَلٍ يُصلَّي مَعَ النَّبيِّ ﷺ ثمَّ يأتِي قَوْمَهُ فيُصَلِّي بهِمْ الصلاةَ، فصلَّى ليلةً مَعَ النَّبيِّ ﷺ العِشَاءَ ثمَّ أَتى قَوْمَهُ فأمَّهُمْ فافتَتَحَ سُورةَ البَقرةِ، فانْحَرَفَ رجلٌ فسلَّمَ ثمَّ صلَّى وحدَهُ وانصرفَ، فبلغَ ذلكَ مُعاذًا فقال: إنه مُنافِقٌ، فبلغَ ذلكَ الرجُلَ، فأتَى النَّبيَّ ﷺ فقال: يَا رسولَ الله!، إنَّا قَوْمٌ نعملُ بأَيْدينا ونَسْقي بنواضحِنا، وإنَّ مُعاذًا صلَّى بنا البارحةَ فقرأَ البقرةَ فتجوَّزْتُ، فزعم أنِّي مُنافِقٌ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "يَا معاذُ!، أفَتَّانٌ أَنْتَ؟ - ثلاثًا - اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ونحوهما".
قوله: "فانحرفَ رجلٌ، فسلَّم (١)، ثم صلَّى وحدَهُ"، (انحرف)؛ أي: انصرف؛ يعني: ترك رجلٌ من القوم صلاتَهُ مع معاذ، وفارقَ متابعته، وسلَّم من الصلاة قبل تمامها، ثم استأنفَ الصلاةَ، وصلى منفردًا، وإنَّما سلَّم واستأنفَ الصلاة؛ لأنه لم يعلم أنه لو فارقَ الإمامَ بالنية، وأتمَّ صلاته من غير استئنافٍ، لجازت صلاته.
قوله: (وانصرف)؛ يعني: خرج من المسجد.
قوله: "فبلغ ذلك الرجل"؛ يعني: فبلغ ذلك الرجل: أن معاذًا قال في حقه: إنه منافق (٢).
стр. 640
"فأتى النبيَّ ﵇"؛ أي: أتى الرجلُ النبي ﵇.
"ونسقي بنواضحِنا"، (النواضح): جمع ناضحة، أو ناضح، وهو الجمل الذي يَنزِعُ الماء من البئر، ويسقي به الزرع.
يعني: أطال معاذٌ الصلاةَ فلو صبرت معه، لم أقدرْ على النوم إلا قليلاً، فإذا كان حالي كذلك، لم أقدرْ على نزعِ الماء.
"البارحة": الليلة الماضية.
"وتجوَّزت"؛ أي: تركتُ متابعتَهُ، (التجوُّز): الاختصار.
"الفتَّان": الذي يوقع الناس في الفتنة (١).
يعني: تطيل الصلاة وتؤذي الناس بطول الصلاة فلا تفعل هذا، بل اختصرْ، واقرأ السورَ القصارَ في الصلاة.
٥٩٠ - وعن عَمْرو بن حُرَيْثٍ ﵁: أنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يقرأُ في الفَجْرِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾.
قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾؛ يعني به ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.
كنية "عمرو": أبو سعيد، جده: عمرو بن عثمان بن عبد الله القرشي.
* * *
٥٩١ - وعن عبد الله بن السَّائب ﵁ قال: صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ الصُّبْحَ بمكَّةَ، فاستفتحَ سُورَةَ (المؤمنين) حتَّى جاءَ ذِكْرُ موسى وهارونَ - أو ذِكْرُ عيسى - أخذَتِ النَّبيَّ ﷺ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ.
стр. 641
قوله: "جاء ذكر موسى"، أراد بذكر موسى وهارون قولَهُ تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٥]، وأراد بذكر عيسى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠].
"السَّعْلةُ" والسعال واحد (١)؛ يعني: لما أخذته السعلة، لم يقدر على إتمامِ السورةِ، فقطعها وركع.
كنية "عبد الله": أبو عبد الرحمن، جده: أبو السائب، واسم أبي السائب: صيفي بن عابد القرشي.
* * *
٥٩٣ - وقال عُبَيْد الله بن أبي رافعٍ: صلَّى لنا أبو هريرة ﵁ الجُمعة فقرأَ سُورةَ الجُمعةِ في السَّجْدَةِ الأُولَى، وفي الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأُ بهِمَا يومُ الجُمعة.
قوله: "في السجدة الأولى"؛ يعني: في الركعة الأولى.
* * *
٥٩٥ - وسأل عمرُ بن الخطَّاب ﵁ أبا واقدٍ اللَّيثِيُّ ﵄: ما كانَ يَقرأُ بِهِ رسولُ الله ﷺ في الأضحى والفطرِ؟، فقال: كانَ يقرأُ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.
قوله: "ما كان"، (ما) للاستفهام؛ يعني: أي شيءٍ يقرأُ في العيدين؟
لم يُعرَف اسم "أبي واقد"، ولا اسم أبيه، وهو من قبيلة ليث بن بكر.
* * *
стр. 642
٥٩٦ - وقال أبو هريرة ﵁: إنَّ رسولَ الله ﷺ قرأَ في ركعتي الفجرِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ , و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
"في ركعتي الفجر"، أراد بركعتي الفجر: سنة الصبح.
٥٩٧ - وقال ابن عباسٍ: كانَ رسولُ الله ﷺ يقرأُ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ والتي في آل عمران: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.
قوله: "في ركعتي الفجر"، أراد بركعتي الفجر: سنة الصبح أيضًا.
قوله: "والتي في آلِ عمران"؛ يعني: الآية التي أولها: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤].
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٩٨ - وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: كانَ رسول الله ﷺ يَفتَتِحُ صلاتَهُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ضعيف.
قوله: "يفتتح صلاته ببسم الله"؛ يعني: يجهر ببسم الله في أول الفاتحة بحيث يسمع، وهذا مذهبُ الشافعي، ومذهبُ أبي حنيفة الإسرارُ ببسم الله.
قال الشافعي في أحد قوليه، وعبد الله بن المبارك: بسم الله الرحمن الرحيم آيةٌ من الفاتحة، ومن كلِّ سورة إلا سورة التوبة.
وقال الآخرون: هي آية من الفاتحة، وأما في غيرها كتبت للفصل بين السور، وليست آية من غير الفاتحة.
قوله: "ضعيف"، ذكر أبو عيسى: أنَّ إسنادَ هذا الحديث ليس بقوي،
стр. 643
وعند آخرين قوي.
* * *
٥٩٩ - عن وائل بن حُجْر أنه قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ قرأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقالَ: "آمين" مدَّ بها صوْتَهُ.
"آمين" يجوز (آمِين) بالمد بعد الهمزة، و (أمِيْن) بغير المد، والميمُ مخففة في اللُّغتين.
* * *
٦٠٠ - وعن أبي زُهير النُّميري أنه قال: خرجْنَا معَ رسولِ الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ، فأتَيْنَا على رجلٍ قد أَلَحَّ في المَسألةِ، فقال النبيُّ ﷺ : "أَوْجَبَ إن خَتَم! "، فقالَ رجلٌ من القومِ: بأيِّ شيءٍ يختمُ؟، قال: "بآمين".
قوله: "ألحَّ في المسألةِ"؛ أي: بالغ في الدعاء.
"أوجبَ"؛ أي: أوجبَ الجنةَ لنفسِهِ، أو أوجبَ إجابةَ دعائِهِ.
وهذا الحديث يدلُّ على أن من دعا يستحبُّ له أن يقول بعد دعائه: آمين، وإن كان الإمام يدعو والقوم يؤمِّنون، فلا حاجةَ إلى تأمين الإمام، بل الدعاءُ منه، والتأمينُ من القوم.
ولم يُعرَف اسم "أبي زهير"، ولا اسم أبيه.
* * *
٦٠١ - عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قرأَ في صلاةِ المغربِ بسورةِ الأعرافِ، فرَّقَها في ركعتين.
стр. 644
قولها: "قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف"، في هذا الحديث إشكالٌ؛ لأنَّ النبي ﵇ كان يقرأ على التأني، وسورة الأعراف إذا قُرِئت على التأني في صلاة المغرب يدخلُ وقت العشاء قبل الفراغِ منها، وحينئذ تفوتُ المغرب، وتأويله: أنه ﵇ قرأ في الركعة الأولى قليلاً من سورة الأعراف؛ ليدرك ركعة من الوقت، ثم قرأ باقيها في الركعة الثانية، ولا بأسَ بوقوع الركعة الثانية أو الثالثة خارجًا من الوقت، ويحتمل أن يريد الراوي: أنه ﵇ قرأ بعضَ سورة الأعراف، لا كلها، فتلفَّظَ الراوي بسورة الأعراف، وأراد بعضها.
* * *
٦٠٢ - وقال عُقْبَة بن عامر: كنتُ أقودُ لرسول الله ﷺ ناقَتَهُ في السفَرِ، فقالَ لي: "يا عقبةُ! ألا أُعَلِّمُك خيرَ سورتينِ قُرِئَتَا؟ "، فَعَلَّمني ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، قال: فَلَمْ يَرَنِي سُرِرْتُ بهما جِدًّا، فلمَّا نزلَ لصلاةِ الصبح صلَّى بهما صلاةَ الصُّبحِ للناسِ، فلمَّا فرغَ التفتَ إليَّ فقالَ: "يا عقبةُ!، كيفَ رأيتَ؟ ".
قوله: "خيرَ سورتين قُرِئتا"، واعلم أن هاتين السورتين ليستا خيرًا من سائر السورِ على الإطلاق، بل معناه: ليست سورةٌ مثلَهما في قلةِ الألفاظِ وكثرة المعاني من التعوُّذِ بالله من شرِّ الأشرار.
قوله: "كيف رأيت؟ "؛ أي: كيفَ رأيتني قرأتهما في صلاة الصبح؟ فلو لم تكونا عظيمتي القدرِ لَمَا قرأتُهما في الصلاة.
* * *
٦٠٣ - وقال جابر بن سَمُرة: كانَ النبيُّ ﷺ يقرأُ في صلاةِ المغربِ ليلةَ
стр. 645
الجمعةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
"كان النبي ﵇ يقرأ في صلاةِ المغربِ ليلةَ الجمعةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ "، واعلم أن هذا وأشباهه ليس على الدوام، بل يقرأ في كلِّ وقتٍ شيئًا؛ ليعلمَ الناسُ جوازَ ما يقرأه.
* * *
٦٠٤ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ما أُحصِي ما سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأُ في الركعتين بعدَ المغربِ وفي الركعتين قبلَ صلاةِ الفجرِ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
قوله: "ما أُحصِي ما سمعتُ النبيَّ ﵇"، (الإحصاء): العد، (ما) خبرية بمعنى: الذي؛ يعني: لا أقدر أن أعدَّ المرات التي قرأ فيها رسول الله ﷺ في سنة المغرب وسنة الصبح بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
* * *
٦٠٥ - وقال سليمانُ بن يسارٍ، عن أبي هريرة ﵁: ما صليتُ وراءَ أحدٍ أشبهَ صلاةً برسولِ الله ﷺ من فلانٍ، قال سليمانُ: صلَّيتُ خلْفَهُ، فكانَ يُطيلُ الركعتينِ الأُولَيَيْنِ من الظهرِ، ويُخَفِّفُ الأُخريينِ، ويُخَفِّف العصرَ، ويقرأُ في الركعتينِ الأُوليينِ من المغربِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وفي العشاءِ بوسَطِ المُفَصَّلِ، وفي الصُّبح بطِوالِ المُفَصَّلِ.
قوله: "من فلان"؛ يعني: عمر بن عبد العزيز.
السُّبعُ "المفصَّل": أوله سورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١]
стр. 646
إلى آخر القرآن، سُمِّي مفصلاً؛ لأن سورَها قِصارٌ، كلُّ سورة كفصل من الكلام.
(القصار): جمع قصير، و (الطوال): جمع طويل، قيل: "طوال المفصل" من سورة: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ إلى سورة ﴿عَمَّ﴾، وأوساطه من ﴿عَمَّ﴾ إلى سورة ﴿وَالضُّحَى﴾، و"القصار" من: ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى آخر القرآن.
* * *
٦٠٦ - وقال عُبادة بن الصَّامت: كنا خلفَ النبي ﷺ في صلاةِ الفجرِ، فقرأَ فَثَقُلَتْ عليهِ القراءةُ، فلمَّا فرغَ قالَ: "لعلَّكم تَقْرَؤونَ خلفَ إمامِكُمْ؟! "، قلنَا: نعمْ يا رسولَ الله، قال: "لا تَفعلوا إلا بفاتِحَةِ الكتابِ، فإنه لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بها"، وفي روايةٍ قال: "وأنا أقولُ مالي يُنازِعُنِي القرآنُ!، فلا تَقْرؤوا بشيءٍ من القرآنِ إذا جهرتُ إلا بِأُمِّ القرآنِ".
قوله: "فثقلت عليه القراءة"؛ يعني: تعسَّرت القراءةُ على النبيِّ ﵇ لكثرة أصوات المأمومين بالقراءة، فالسنةُ أن يقرأ المأموم بحيث يسمعُ كلُّ واحد قراءةَ نفسِهِ، ولا يرفعُ صوته؛ كي لا يشوش القراءة على الآخرين.
قوله: "ينازعني القرآن"، (المنازعة): أن يجذِبَ كلُّ واحد من الشخصين شيئًا من صاحبه؛ يعني: تشوشُ قراءة المأمومين على قراءتي.
واعلم أن الأئمة اختلفوا في قراءة الفاتحة خلفَ الإمام، فأصحُّ قولي الشافعي: أنه يقرأها في السرية والجهرية، ومذهبُ مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي: أنه يقرأها في السرية دون الجهرية؛ لأن استماعَهُ في الجهرية قراءةَ الإمامِ يكفيه، ومذهبُ أبي حنيفة: لا يقرأها؛ لا في السرية، ولا في الجهرية.
* * *
стр. 647
٦٠٧ - وعن أبي هريرة ﵁: أن النبيَّ ﷺ انصرفَ من صلاةٍ جهرَ فيها بالقراءةِ، فقال: "هل قرأَ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ "، فقالَ رجلٌ: نعم يا رسولَ الله، قال: "إني أقولُ: ما لي أُنازَعُ القرآنَ! "، قال: فانتهى الناسُ عن القراءةِ مع النبي ﷺ فيما جهرَ فيه بالقراءة من الصلاةِ حينَ سَمِعُوا ذلكَ من رسولِ الله ﷺ .
قوله: "انصرف"؛ أي: فرغ.
"آنفًا"؛ يعني: الآن.
قوله: "أُنازَع" بضم الهمزة وفتح الزاي، والهمزة للمتكلم، وهو فعل مضارع لم يُسمَّ فاعله، ومفعولُهُ الأول مضمرٌ فيه، و"القرآن" مفعوله الثاني، ومعناه: أني يُشوَّشُ عليَّ في القراءة بجهرِ بعضِ المأمومين بالقراءة.
"قال: فانتهى الناسُ عن القراءة"، (انتهى)؛ أي: ترك، ومعناه في قول من قال: لا يقرأ المأمومُ الفاتحةَ في الجهرية: أنهم تركوا القراءة خلف الإمام في صلاة الجهرية، وفي قول من قال: (يقرأها) معناه: أن الناسَ تركوا رفعَ الصوت في القراءة خلف الإمام.
* * *
٦٠٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ المُصلِّي يُنَاجي ربَّه، فلينظرْ ما يُناجيه به، ولا يجهرْ بعضُكم على بعضٍ بالقرآنِ".
قوله: "مناج": أصله مناجي، فأُسكِنت الياء وحُذِفت، وهو اسم فاعل من (ناجى): إذا جرى سرٌّ وكلامٌ خفيٌّ بين اثنين.
"فلينظرْ ما يُناجيه به"؛ يعني: فليكن قلبه حاضرًا في ذلك الوقت؛ ليصحِّحَ القراءة، ولتكن قراءته عن التعظيم.
стр. 648
قوله: "ولا يجهر بعضكم على بعض"؛ يعني: ليقرأْ كلُّ واحد ما يقرأ من غير رفع صوتٍ حتى لا يشوش القراءة على الآخرين، فإنهم لو رفعوا أصواتهم لا يدري كلُّ واحد ما يقرأ، ولا يكونُ له حضورٌ.
رواه أبو حازم التمَّار، عن البَيَاضي، عن رسول الله ﵇.
* * *
٦٠٩ - وعن أبي هريرة أنه قال: قال النبيُّ ﷺ : "إنما جُعِلَ الإمامُ ليؤُتَمَّ بِهِ، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قرأَ فأنصِتُوا".
قوله: "ليؤتَمَّ"؛ أي: ليُقتدَى.
* * *
٦١٠ - وقال عبد الله بن أبي أَوْفَى: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إني لا أستطيعُ أن آخُذَ من القرآنِ شيئًا، فعلِّمْنِي ما يُجْزِئني، قالَ: "قلْ: سُبحانَ الله، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلا الله، والله أكبرُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العليِّ العظيم"، قال: يا رسولَ الله!، هذا للَّهِ، فما لي؟، قال: "قلْ: اللهمَّ ارحمني، وعافِنِي، واهدِنِي، وارزُقني".
قوله: "إني لا أستطيع أن آخذ ... " إلى آخره، اعلم أن هذه الواقعة لا يجوزُ أن تكون في جميع الأزمان؛ لأن مَنْ يقدرُ على تعلم هذه الكلمات يقدرُ على تعلم الفاتحة لا محالةَ، بل تأويله: لا أستطيع أن أتعلم شيئًا من القرآن في هذه الساعة، وقد دخل عليَّ وقت الصلاة، فقال رسول الله ﵇: "قل سبحان الله ... " إلى آخره.
فمن دخل عليه وقتُ صلاة مفروضة، ولم يعلمْ الفاتحةَ، ويعلمُ شيئًا من
стр. 649
التسبيحات، لزمه أن يقولها في تلك الصلاة بدلَ الفاتحة، فإذا فرغ من تلك الصلاة، لزمه أن يتعلم الفاتحةَ، فمن لم يعلم الفاتحة، وعلم شيئًا من القرآن، لزمه أن يقرأ ما يعلمُ من القرآن بقدر الفاتحة في عدد الآيات، وهي سبع آيات، وفي الحروف، ولا يجوز أن ينقص منها، فإن لم يعلم شيئًا من القرآن لزمَه أن يقول هذه الكلماتِ؛ لأن النبي ﵇ علَّمَها ذلك الرجلَ أن يقرأها في الصلاة، ولأنه رُوي أن النبي ﵇ قال: "أفضلُ الذِّكرِ بعد القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
قوله: "هذا لله فما لي"؛ يعني: هذه الكلماتُ ذِكرُ الله، علِّمْني شيئًا يكون فيه دعاءٌ لي واستغفارٌ.
كنية "عبد الله": أبو معاوية، واسم "أبي أوفى": علقمة بن خالد الأسلمي.
* * *
٦١٢ - ورُوِيَ عن أبي هُريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قرأَ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فليقلْ: بلى، وأنا على ذلكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، ومَنْ قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فليقلْ: بلى، ومَنْ قرأَ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقلْ: آمَنِّا بالله".
قوله: ﴿بَعْدَهُ﴾؛ أي: بعد القرآن.
وهذا الحديث يدل على استحباب إجابة العبدِ ربَّه فيما يقرأ من القرآن.
"فيما يأمره أو ينهاه"؛ يعني: إذا قرأ آيةً يأمره الله تعالى فيها فَلْيقلْ: سمِعْنا وأطَعْنا، وإذا قرأ آيةَ نهيٍ فَلْيقلْ: انتَهَيْنا، وإذا قرأ آيةَ رحمةٍ فَلْيَسأَلِ الله تعالى رحمتَه، وإذا قرأ آيةَ العذابِ فَلْيتعوَّذْ بالله من عذابه.
стр. 650
فعند الشافعي تجوز هذه الأشياء في الصلاة وغيرها، وعند أبي حنيفة: لا تجوز إلَاّ في غير الصلاة.
* * *
٦١٣ - وعن جابر قال: قرأ رسولُ الله ﷺ على أصحابهِ سورَةَ الرحمنِ فسكَتُوا، فقال: "لقدْ قرأتُها على الجنِّ فكانُوا أحسنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كلَّما أَتيتُ على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: لا بشيءٍ من نِعَمِكَ رَبنا نكذبُ، فَلَكَ الحَمْدُ"، غريب.
قوله: "أحسن مردودًا"؛ أي: أحسن ردًّا وإجابةً، و (المردود) هنا بمعنى: الرد؛ لأنه جاء في بعض الروايات: "أحسن ردًّا".
قوله: "فبأي آلاء ربكما تكذِّبان": الخطاب للإنس والجن، (الآلاء): النِّعَم؛ يعني: أيُّ نِعَمٍ مما أَنعَمَ الله تعالى عليكم تجحدون؛ يعني: تعلمون أن كلَّ النَّعَمِ من الله تعالى ثم تجحدون نعمةً بتركِ شكرِهِ وتكذيبِ رُسلِه وعصيانِ أمرِه.
* * *
١٢ - باب الرُّكُوع
(باب الركوع)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٦١٤ - قال رسولُ الله ﷺ : "أَقيموا الركوعَ والسجودَ، فوالله إني لأراكم مِن بعدِي".
стр. 651
قوله: "أَقِيمُوا"؛ أي: أَتِمُّوا.
"من بعدي"؛ أي: من خلفي؛ يعني: أني أَعلمُ ما تفعلون خلفَ ظهري من نقصان الركوع والسجود.
* * *
٦١٤/ م - وقال البراء: كانَ ركوعُ النبيِّ ﷺ وَسجودُهُ وجلوسُه بين السجدَتَيْن، وإذا رَفَعَ من الركوعِ ما خَلَا القيامَ والقُعُودَ قريبًا من السَّواءِ.
قوله: "ما خلا"؛ أي: ما عدا؛ يعني: كان قيامُه وقعودُه للتشهُّد طويلَين، وباقي أركان الصلاة متماثلًا لم يكن طويلًا.
قوله: "قريبًا من السواء"؛ أي: قريبًا من التماثُل؛ أي: يُشبه بعضُها بعضًا.
* * *
٦١٥ - وقال أنس: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قالَ: "سَمِعَ الله لِمَنْ حمدَهُ" قام حتى نقول: قد أَوْهَمَ, ثم يسجدُ ويقعدُ بينَ السجدتينِ حتى نقولَ: قد أوهمَ.
قوله: "حتى نقول": بالرفع، وكذلك حيث دخل (حتى) على لفظ مضارع بمعنى الماضي لا ينصبه (حتى).
"قد أوهم": إذا ترك آية من القرآن.
و (أَوهَمَ): إذا أَوقَعَ أحدًا في الغلط، فعلى معنى الترك يكون معناه: وقف حتى قلنا: إنه ترك ذلك الركوعَ والاعتدالَ وعاد إلى القيام من غاية طول قيامه، وعلى معنى الإيقاع في الغلط يكون لفظ (أُوهِم) بضم الهمزة وكسر الهاء؛ أي أُوقع في الغلط ووقفَ من السهو.
* * *
стр. 652
٦١٦ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ يُكثرُ أن يقولَ في ركوعُهُ وسجودِهِ: "سبحانَكَ اللهمَّ ربنا وبحمدِك، اللهمَّ اغفرْ لي" يَتَأَوَّلُ القرآنَ.
قوله: "يتأوَّل القرآن"، (يتأول)؛ أي: يُفسِّر؛ يعني: يقول معنى القرآن بعبارته، ولكن لا يقرأ القرآنَ في الركوع.
قوله: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك": هذا إجابة قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨].
قوله: "اللهم اغفر لي": هذا إجابة قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ [المؤمنون: ١١٨].
* * *
٦١٧ - وعن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ كانَ يقولُ في ركوعهِ وسجودِه: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ".
قوله: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ" معناهما: طاهر مُنزَّه عن أوصاف المخلوقات، و (سُبُّوح قُدُّوس) خبران، مبتدؤهما محذوف، تقديره: ركوعي وسجودي لمَن هو سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ.
"ربُّ الملائكة والرُّوح"، و (الروح): اسم جبريل، والروح أيضًا: اسم مَلَكٍ يكون إذا وقف كجميع الملائكة إذا وقفوا، وأَفرد (الروح) هنا بالذكر مع أنه من الملائكة؛ للتشريف والتخصيص.
* * *
٦١٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "ألا إني نُهيتُ أنْ أَقْرَأَ القرآنَ راكعًا أو
стр. 653
ساجِدًا، فأمَّا الركوعُ فعظِّمُوا فيهِ الربَّ، وأمَّا السُّجودُ فاجتهدُوا في الدُّعاءِ، فَقَمِنٌ أن يُستجَابَ لكم".
قوله: "فعظِّموا فيه الربَّ"؛ أي: قولوا: سبحان ربي العظيم.
قوله: "فاجتهدوا في الدعاء": والمراد به الدعاء بعد قوله: سبحان ربي الأعلى، وليس المراد: أن يدعوَ الرجلُ في السجود من غير أن يقولَ: سبحان ربي الأعلى.
قوله: "فقَمِنٌ"؛ أي: جديرٌ وحقيقٌ "أن يُستجابَ لكم"؛ لأن السجودَ أقربُ ما يكون فيه العبدُ إلى ربه، فيكون الدعاءُ في تلك الحالة أقربَ إلى الإجابة، وإنما نَهَى عن القراءة في الركوع والسجود؛ لأن القراءةَ موضعُها القيامُ، وكلُّ موضعٍ مخصوصٌ بشيءٍ.
* * *
٦١٩ - وعن أبي هُريرة ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذا قالَ الإِمامُ: سمعَ الله لِمَنْ حمدَهُ؛ فقولُوا: اللهم رَبنا لك الحمدُ، فإنَّه مَن وافَق قولُه قولَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذنبهِ".
قوله: "فإنه مَنْ وافَقَ قولُه قولَ الملائكة"؛ يعني: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، تقول الملائكة: ربنا لك الحمد، فقولوا أنتم أيضًا: ربنا لك الحمد.
* * *
٦٢١ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا رفعَ رأسهُ من الركوع، قال: "ربنا لكَ الحمدُ مِلْءَ السماواتِ ومِلْءَ الأرضِ ومِلْءَ ما شئتَ من شيءٍ بعدُ، أهلَ الثناءِ والمَجْدِ، أَحَقُّ ما قالَ العبدُ، وَكُلُّنا لكَ عبدٌ، اللهم
стр. 654
لا مانِعَ لِمَا أَعطيتَ، ولا مُعطيَ لِمَا مَنعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ".
قوله: "أهل الثناء والمجد": يجوز (أهل) بالرفع على تقدير: أنتَ أهلُ الثناء، ويجوز بالنصب على تقدير: يا أهلَ الثناء والمجد.
"أحقُّ ما قال العبد"، (أحق)؛ أي: أَولى، تقدير هذا الكلام: أنتَ أحقُّ بما قال العبدُ لك من المدح من غيرك.
قوله: "ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ"، (الجَد): الغنى والعظمة، تقديره: ولا ينفع الجَدُّ ذا الجَدِّ منك؛ أي: لا يمنع عظمةُ الرجلِ وغِنَاه عذابَك عنه إن شئتَ به عذابًا وهلاكًا، بل لا ينفعُه إلا طاعتُك.
* * *
٦٢٢ - عن رِفَاعة بن رافعٍ قال: كنا نُصلِّي وراءَ النبيِّ ﷺ ، فلمَّا رفعَ رأْسهُ من الركعةِ قال: "سمعَ الله لمن حَمدَه"، فقالَ رجلٌ وراءَه: ربنا ولكَ الحمدُ حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيهِ، فلما انصرفَ قال: "مَن المُتَكلِّم؟!، رأيتُ بضعةً وثلاثينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَها أَيُّهُم يكتُبها أَوَّل".
قوله: "يكتبُها أولُ"، (أول): مبني على الضم، حُذف منه المضاف إليه، وتقديره: أولهم؛ يعني: كل واحد منهم يُسرع ليكتبَ هؤلاء الكلماتِ قبلَ الآخرين، ويصعدَ بها إلى حضرة الله تعالى؛ لعظم قَدْر هؤلاء الكلمات.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٦٢٣ - قال رسول الله ﷺ : "لا تُجْزِئُ صلاةُ الرجلِ حتى يُقيمَ ظهرَهُ في
стр. 655
الركوعِ والسُّجودِ"، صحيح.
قوله: "لا تُجزِئ صلاة الرجل"، أَجْزَأَ يُجزِئ: إذا أَغْنَى؛ يعني: لا تجوز صلاةُ مَن لا يستوي ظهرُه في الركوع والسجود، والمراد منها: الطمأنينة، والطمأنينةُ واجبةٌ في الركوع والسجود والرفع فيها عند الشافعي وأحمد، وليستْ بواجبةٍ فيهن عند أبي حنيفة.
* * *
٦٢٤ - وعن عُقْبة بن عامر قال: لمَّا نَزلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال رسول الله ﷺ : "اجعلُوهَا في ركوعِكُم"، فلما نزلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: "اجْعَلُوهَا في سجودِكم".
"اجعلوها في ركوعكم"؛ يعني: قولوا في الركوع: سبحانَ ربي العظيم، وفي السجود: سبحانَ ربي الأعلى.
* * *
٦٢٥ - عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا ركعَ أحدُكم فقالَ في ركوعِهِ: سبحانَ ربي العظيمِ ثلاثَ مراتٍ؛ فقد تَمَّ ركوعُه، وذلك أَدناهُ، وإذا سجدَ فقالَ في سجودِه: سبحانَ ربي الأَعلى ثلاثَ مراتٍ؛ فقد تمَّ سجودُه، وذلكَ أَدناه"، ليس بمتصلٍ.
قوله: "أدناه"؛ أي: أقلُّه.
واعلم أن أقلَّ الركوع أن يطمئنَّ بحيث يقول: سبحانَ ربي العظيم مرةً واحدةً، وقولُ: سبحانَ ربي العظيم سُنَّةٌ، وكذلك بحثُ السجود، والمراد من قوله: (أدناه)؛ أي: أدنى الكمالِ، وأكملُ الكمالِ أن يزيدَ سبحانَ ربي العظيم إلى
стр. 656
سبع مرات، ويقول: اللهم لك ركعت ... إلى آخره، كما تقدم، وفي السجود يقول: اللهم لك سجدت ... إلى آخره، كما تقدم.
* * *
١٣ - باب السُّجود وَفضْله
(باب السجود وفضله)
مِنَ الصَّحَاحِ:
٦٢٧ - قال رسول الله ﷺ : "أُمِرْتُ أن أَسجُدَ على سبعةِ أَعْظُمٍ: على الجَبْهةِ، واليدَينِ، والرُّكبتَينِ، وأطرافِ القَدَمينِ، ولا نكَفِتَ الثِّيابَ والشَّعْرَ".
قوله: "أُمرت أن أَسجدَ على سبعة أَعظُم"، (الأَعظُم) جمع: عَظْم.
"واليدين"؛ أي: الكفَّين؛ يعني: أُمرت أن أضعَ هذه الأعضاءَ السبعةَ على الأرض إذا سجدتُ.
قوله: "ولا نكفتَ الثيابَ والشَّعرَ"، (الكَفْتُ): الضمُّ والجمعُ؟ يعني: ألا أضمَّ ثيابي وشَعري إلى نفسي، وألا أرفعَها عن الأرض، بل أُمرت أن أتركَها حتى تقعَ على الأرض؛ ليسجدَ جميعُ أعضائي وثيابي.
فبهذا الحديث قالوا: يُكرَه فتلُ الشَّعر وعقدُه خلفَ القفا ورفعُ الثياب عند السجود.
واعلم أن مذهبَ الشافعيِّ وأكثرِ الأئمة وجوبُ وضعِ الجبهة، ووضعُ الأنف سُنَّةٌ.
стр. 657
وقال أبو حنيفة: أيُّ واحدٍ من الجبهة والأنف في السجود وضعَه جازَ.
وقال الشافعي: يجب كشفُ الجبهة في السجود.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يجوز ألا يكشفَ جبهتَه، وأما وضعُ الكفَّين والركبتَين والقدَمَين على الأرض في السجود فلا يجب عند أكثر العلماء وفي أحد قولَي الشافعي، وفي قوله الثاني: يجب، ثم هل يجب كشفُ الكفَّين والقدمَين أم لا؟ فيه قولان؛ الأصحُّ أنه لا يجب.
* * *
٦٢٨ - وقال: "اعتدلُوا في السُّجود، ولا يبسُطْ أحدُكم ذراعَيْهِ انبساطَ الكلبِ".
قوله: "اعتَدِلُوا في السجود"، و (الاعتدال): الاستواء؛ يعني: لِيَضَعْ أحدُكم كفَّيه على الأرض في السجود، وَلْيَرفَعْ مِرْفَقَيه عن الأرض وبطنَه عن فخذَيه، هذا هو الاعتدال في السجود.
قوله: "ولا يَبسطْ أحدُكم ذراعَيه انبساطَ الكلب"، وفي بعض النسخ: "إبساطَ الكلب" بوزن: إفعال، وهذا خطأ؛ بل (انبساط الكلب) بوزن: انفعال؛ يعني: لِمَ يفترشُ أحدُكم ذراعَيه كما يفترشُ الكلبُ ذراعَيه؟! وافتراشُ الذراعَين: أن يضعَ المِرْفَقَين والكفَّين على الأرض.
* * *
٦٣٠ - وقالت مَيْمُونة: كان النبيُّ ﷺ إذا سجدَ جافَى بينَ يديهِ، حتى لو أنَّ بَهْمَةً أرادَتْ أن تمرَّ تحتَ يديْهِ لَمَرَّتْ.
قوله: "جافَى"؛ أي: أَبْعَدَ.
стр. 658
"البَهْمَة": ولد الضَّأن؛ يعني: فرَّق بين يدَيه وجنبَيه بحيث تَقدِرُ سَخْلَةٌ أن تمرَّ بين يدَيه وجنبَيه.
* * *
٦٣١ - وقال عبد الله بن بُحَيْنَة: كان رسولُ الله ﷺ إذا سجدَ فرَّج بينَ يديهِ، حتى يبدُوَ بياضُ إبْطَيْهِ.
قوله: "فرَّج"؛ أي: وسَّع.
"بُحَينة" اسم أم "عبد الله"، وأبوها: الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وأبو (عبد الله) اسمه: مالك بن القِشْب الأزدي، وكنية (عبد الله): أبو محمد.
* * *
٦٣٢ - وقال أبو هريرة ﵁: كانَ يقولُ رسولُ الله ﷺ في سجودِهِ: "اللهم اغفرْ لي ذنبي كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، وأَوَّلَه وآخرَه، وعلانيتَه وسِرَّه".
قوله: "دِقَّه"؛ أي: صغيرَه، "جِلَّه" بكسر الجيم؛ أي: كبيرَه.
* * *
٦٣٣ - وقالت عائشةُ: فقدتُ ليلةً رسولَ الله ﷺ من الفِراشِ، فالتمستُهُ، فوَقَعَتْ يدي على بطْنِ قدميْهِ - وهو في المسجدِ - وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم أعوذُ برضاكَ من سخطكَ، وبمُعافاتِكَ من عُقوبَتِكَ، وأَعوذُ بكَ منكَ، لا أُحصي ثناءً عليك، أنتَ كَما أَثنيتَ على نفْسك".
قولها: "فقدتُ رسولَ الله ﵇ ليلةً من الفراش"، فَقَدَ ضد وَجَدَ.
стр. 659
"فالتمستُه"؛ أي: طلبتُه، "فوقعتْ يدي"؛ يعني: طلبتُه باليد، فمددتُ يدي من الحُجرة إلى المسجد، فوقعتْ يدي على تحت قدمه، وهو في السجود.
"أعوذ برضاك من سخطك"؛ أي أَطلبُ رضاك وأسألك ألا تَسخطَ عليَّ؛ يعني: ألا تُؤاخذَني بفعلٍ يُوجِبُ سخطَك، وكذلك معنى: "وبمعافاتك من عقوبتك"؛ يعني: أَطلبُ أن تُعافيَني ولا تُعاقبني.
"وأعوذ بك منك"؛ يعني: أَفرُّ إليك مِن أنْ تعذِّبني بذَنْبي وتقصيري في طاعتك.
"لا أُحصي ثناءً عليك"؛ أي: لا أُطيقُ أن أُثْنِيَ عليك كما تستحقُّه وتحبُّه، بل أنا قاصرٌ عن أن يبلغَ ثنائي قَدْرَ استحقاقك.
"أنت كما أثنيتَ على نفسك" بقولك: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]، وما أشبه ذلك من الآيات التي حمدتَ نفسَك فيها.
* * *
٦٣٤ - وقال رسول الله ﷺ : "أَقْربُ ما يكونُ العبدُ مِنْ ربه وهو ساجدٌ، فأكثِروا الدُّعاءَ".
قوله: "وهو ساجد"، الواو في (وهو ساجد) للحال؛ يعني: أقربُ حالات العبد من ربه حالَ كونه ساجدًا، وإنما يكون العبدُ في السجود أقربَ من ربه من سائر أحواله؛ لأن العبدَ بقَدْرِ ما يَبْعُدُ عن نفسه يَقْرُبُ من ربه، والسجودُ غايةُ التواضعِ وتركِ التكبُّر عن النفس؛ لأن النفسَ لا تأمر الرجلَ بالمَذلَّة والتواضع، بل تأمره بخلاف ذلك، فإذا سجدَ فقد خالَفَ نفسَه وبَعُدَ عنها، فإذا بَعُدَ عنها قَرُبَ من ربه، وإذا قَرُبَ من ربه يكون دعاؤُه مقبولاً؛ لأن
стр. 660
الحبيبَ يحبُّ حبيبَه المُطيعَ، ويَقبَل ما يقول ويسأل.
* * *
٦٣٥ - وقال: "إذا قرأَ ابن آدمَ السجدةَ فسجدَ؛ اعتزلَ الشيطانُ يبكي يقولُ: يا ويلتا! أُمِرَ ابن آدمَ بالسجودِ فسجدَ فلهُ الجنةُ، وأُمِرْتُ بالسجودِ فأَبَيْتُ فليَ النارُ".
قوله: "إذا قرأ ابن آدمَ السجدةَ"؛ يعني: إذا قرأ آيةً فيها سجدةٌ, كآية آخر الأعراف وما أشبهها، ويأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
"اعتزلَ"؛ أي: انفصل وانحرف من عند الرجل الذي يريد وسوستَه، وبَعُدَ إلى جانب آخر.
و"يبكي" على خسارته.
"يا ويلَتَا" أصله: يا وَيْلِي، فقُلبت ياءُ المتكلم تاءً، وزِيدت ما بعدها ألفُ النُّدبة.
* * *
٦٣٦ - قال ربيعة بن كعبٍ الأَسْلَمي: كنتُ أبيتُ معَ رسولِ الله ﷺ ، فآتيه بِوَضُوئهِ وحاجتِهِ، فقالَ لي: "سَلْ"، فقلْتُ: أسألُكَ مرافقتَكَ في الجنةِ! قالَ: "أَوَغَيْرَ ذلكَ؟ "، فقلتُ: هو ذاكَ، فال: "فأَعِنِّي على نفسِكَ بكثرةِ السجودِ لِلَّهِ".
قوله: "فقال لي: سَلْ"؛ يعني: قال لي رسولُ الله ﵇: اطلُبْ مني حاجةً.
قوله: "قال: أَوْ غيرَ ذلك؟ " بسكون الواو؛ يعني: مسؤولُك ومطلوبُك ذلك
стр. 661
أو غير ذلك؛ فإن ذلك درجةٌ عاليةٌ؟ قال ليس لي حاجةٌ غير ذلك.
قوله: "فأَعنِّي على نفسك بكثرة السجود"، يقال: أَعنتُ زيدًا على أمرٍ؛ أي: صِرتُ عونًا له في تحصيل ذلك الأمر، فههنا معناه: كُنْ عونًا لي في إصلاح نفسك، واجعَلْها طاهرةً مستحقةً لِمَا تطلب؛ فإني أَطلبُ إصلاحَ نفسك من الله، وأطلبُ منه أيضًا إصلاحَها بكثرة السجود؛ فإن السجودَ كاسرٌ للنفس مُذِلٌّ لها، وأيُّ نفسٍ انكسرت، فذلَّتْ وانقادَتْ استحقَّتِ الرحمةَ.
جدُّ "ربيعة": مالك بن يَعمَر الأسلمي.
* * *
٦٣٧ - وقال مَعْدَان بن أبي طَلْحة: لقيتُ ثوبانَ مَوْلَى رسولِ الله ﷺ ، فقلتُ: أخبرني بعملٍ يُدخلني الله به الجنةَ؟، فقال: سألتُ عن ذلكَ رسولَ الله ﷺ فقال: "عليكَ بكثرةِ السجودِ للَّهِ، فإنَّك لا تسجدُ للَّهِ سجدةً إلا رفَعكَ الله بها درجةً، وحطَّ عنكَ بها خَطيئةً".
قوله: "عليك بكثرة سجود" أراد بـ (السجود): أن يسجدَ في الصلاة، أو سجدة التلاوة أو الشكر، وأما السجود في غير الصلاة وغير سجود السهو والتلاوة والشكر - كما هو عادة بعض الناس - فالأصحُّ أنه لا يجوز.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٦٣٨ - عن وائل بن حُجْر قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ إذا سجدَ وضعَ ركبتيهِ قَبْلَ يديهِ، وإذا نهضَ رفعَ يديهِ قبلَ ركبتيهِ.
стр. 662
قوله: "نهض"؛ أي: قامَ.
* * *
٦٣٩ - وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا سجدَ أحدُكم فلا يَبْرُكْ كما يَبرُكُ البعيرُ، وَلْيَضَعْ يديهِ قبلَ ركبتيهِ".
وحديثُ وائل بن حُجْر أثبتُ من هذا، وقيل: هذا منسوخٌ.
قوله: "فلا يَبْرُكْ كما يَبْرُكُ البعيرُ"؛ يعني: [لا] يضع ركبتَيه على الأرض قبلَ يدَيه، وَلْيَضَعْ يدَيه قبل ركبتَيه.
وبهذا قال أبو حنيفة ﵁، وقال الشافعي ﵁: يضع المُصلِّي ركبتَيه قبلَ يدَيه، كما ذُكر قبل هذا في حديث وائل بن حجر.
فإن قيل: كيف شبَّه وضعَ الرُّكبة قبل وضع اليدَين ببُروك الجَمَل، مع أن الجَمَلَ يضع يدَيه قبل رِجلَيه؟
قلنا: لأن رُكبةَ الإنسانِ في الرِّجل، ورُكبةَ الدوابِّ في اليد، فإذا وضعَ الرَّجلُ ركبتَه أولاً فقد شابَهَ الجَمَل في البُروك.
* * *
١٤ - باب التَّشهُّدِ
(باب التشهد)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٦٤٢ - قال ابن عمر: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قعدَ في التشهدِ وضعَ يدَهُ
стр. 663
اليُسرى على ركبتِهِ اليُسرى، ووضعَ يدَهُ اليُمْنَى على ركبتِهِ اليُمْنَى، وعقدَ ثلاثةً وخمسينَ، وأشارَ بالسَّبَّابَةِ.
وفي روايةٍ: وضعَ يديهِ على ركبتيْهِ، ورفعَ إصبَعَهُ التي تلي الإِبهامَ اليُمنَى يَدعُو بها، ويدَه اليُسرى على ركبتِهِ باسِطَها عليها.
قوله: "عَقَدَ ثلاثةً وخمسين"؛ أي: أخذَ أصبعَه كما يأخذ المُحاسب عقدَ ثلاثةٍ وخمسين.
"السبَّابة": المُسبحة.
"تلي الإبهام"؛ أي: تَقرُب من الإبهام، وهي المُسبحة أيضًا.
"يدعو بها"؛ أي: يشير بها، والإشارة لِتكنْ عند قول الرجل في الشهادة: إلا الله، يرفع أصبعَه ويشير بها إلى وحدانية الله تعالى بالإلهية.
* * *
٦٤٣ - عن عبد الله بن الزُّبير أنه قال: كانَ رسول الله ﷺ إذا قعدَ يدعو وضعَ يده اليُمنى على فخذِه اليمنى، ويدَه اليُسرى على فخذِه اليُسرى، وأشارَ بإصبعهِ السبَّابةِ، ووضعَ إبهامَه على إصبعِهِ الوسطى، ويُلْقِمُ كفَّه اليُسرى ركبتَه.
قوله: "يدعو"؛ أي: يقرأ التحيات.
"ويُلقِمُ كفَّه اليسرى"، (التلقيم): أن يُعطي أحدًا لقمةً؛ يعني: أَخذ رُكبتَه بكفِّه اليسرى حتى صارت ركبتُه كلقمةٍ في كفِّه.
* * *
٦٤٤ - قال عبد الله بن مَسْعود: كنا إذا صلَّينا معَ النبيِّ ﷺ قُلنا: السلامُ
стр. 664
على الله - قبلَ عبادِهِ - السلامُ على جبريلَ، السلامُ على ميكائيلَ، السلامُ على فلانٍ، فلما انصرفَ النبيُّ ﷺ ؛ أَقْبَلَ علينا بوجهِهِ فقال: "لا تقولوا: السلامُ على الله، فإنَّ الله هو السلامُ، فإذا جلسَ أحدُكم في الصلاةِ فليقلْ: التحياتُ للَّهِ والصلواتُ والطيباتُ، السلامُ عليكَ أيها النَّبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحينَ، فإنه إذا قالَ ذلك، أصابَ كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماءِ والأرض، أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، ثم ليتخَيَّرْ من الدعاءِ أعجبَهُ إليه فيدعو به".
قوله: "السلام على الله قبل عباده"؛ يعني: قبلَ أن يُعلَّمَنا رسولُ الله ﵇ التحياتِ كنا نقول هذه الألفاظَ، فنهانا رسولُ الله ﵇ عن هذه الألفاظ.
قوله: "لا تقولوا: السلامُ على الله"؛ يعني: قول الرجل للرجل: السلامُ عليك، معناه: أنتَ آمِنٌ من شرِّي، وهذا اللفظ لا يجوز أن يقال لله؛ لأنه منزَّه عن أن يلحقَه ضررٌ.
قوله: "فإن الله هو السلامُ"؛ يعني: هو الذي يخلص عبادَه ويحفظهم عن الآفات، ولا تصل إليه آفةٌ وضررٌ.
"التحيات" جمع: تحية، وهي المُلك، وإنما جُمع لأن أنواعَ مُلكه كثيرةٌ؛ يعني: جميعُ العظمةِ وأنواعِ المُلكِ لله، وقيل: التحية: السلام؛ يعني: إطلاق التحية بالأسماء الحسنى - كقوله: الرحمن الرحيم الملك القدوس ... إلى آخر الأسماء التسعة والتسعين - لله.
قوله: "والصلوات"؛ أي: جميع أنواع الرحمة لله تعالى على خلقه.
قوله: "والطيِّبات"؛ أي: الثناءُ الطيِّبُ بأنواع التسبيحات لله، والأفعالُ والأقوالُ الطيِّبةُ التي تصدر من المؤمنين توفيقٌ من الله تعالى لعباده.
стр. 665
"التخيُّر" مثل: الاختيار.
"أعجبه"؛ أي: رَضيَه وأحبَّه، فيدعو بما يحبُّ من الدعوات من أمر الدِّين والدنيا؛ بشرط أن يكون بالعربية.
* * *
٦٤٥ - وقال عبد الله بن عباس: كانَ رسولُ الله ﷺ يعلِّمنا التشهدَ كما يعلِّمنا السُّورةَ من القرآنِ، فكانَ يقولُ: "التحياتُ المُباركاتُ الصَّلواتُ الطَّيِّباتُ للَّهِ، سلامٌ عليكَ أيُّها النبيُّ! ورحمةُ الله وبركاتُهُ، سلامٌ علينا وعلى عبادِ الله الصالحينَ، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله".
قوله: "يُعلِّمنا التشهُّدَ"؛ أي: قراءةَ "التحيات المباركات"؛ أي: الأشياء التي بُورِكَ فيها من الله تعالى، والبركة منه، ومعنى البركة: الزيادة، وبارَكَ: إذا زادَ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٦٤٦ - عن وائل بن حُجْر ﵁، عن رسول الله ﷺ : ثم جلسَ فافترشَ رجلَهُ اليُسرى، ووضعَ يدَه اليُسرى على فخذِهِ اليُسرى، وحدَّ مِرْفقَه اليُمنى على فخذِه اليُمنى، وقبضَ ثِنتينِ، وحلَّق حلقةً، ثم رفعَ إصبعَهُ، فرأيتُهُ يُحرِّكُها يَدعُو بها.
قوله: "وحدَّ مِرْفقَه اليمنى عن فخذه"؛ أي: رفعَ مِرفقَه عن فخذه، وجعلَ عظمَ مرفقه كأنه رأسُ وتدٍ.
"وقبضَ ثِنتينِ"؛ أي: الخِنْصِر والبنصِر.
"وحلَّق"؛ أي: أخذَ إبهامَه بأصبعه الوسطى "ورفع أصبعَه"؛ أي مسبحتَه
стр. 666
"يدعو بها"؛ أي: يشير بها إلى وحدانية الله تعالى.
* * *
٦٤٧ - وعن عبد الله بن الزُّبير: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُشيرُ بإصبعِهِ إذا دَعَا، ولا يُحَرِّكُها، ولا يُجاوزُ بصرُه إشارَتَهُ.
قوله: "ولا يُحرِّكها": اختُلف في تحريك الأصبع إذا رفعها للإشارة؛ الأصحُّ أنه إذا رفعَها يضعُها من غير تحريكٍ.
قوله: "ولا يجاوز بصرُه إشارتَه"؛ يعني: لا ينظر إلى السماء حين أشار بأصبعه إلى وحدانية الله تعالى، بل ينظر إلى أصبعه وحِجْرِه؛ يعني: لا ينظر إلى السماء عند الإشارة كما هو عادة بعض الناس؛ لأن النظرَ عند الإشارة إلى السماء يوهم أن الله في السماء، ولا يجوز هذا الاعتقادُ؛ فإن الله تعالى منزَّهٌ عن المكان.
* * *
٦٤٨ - عن أبي هريرة: أن رجلاً كانَ يدعو بإصبَعَيْهِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أَحِّدْ أَحِّدْ".
قوله: "يدعو"؛ أي: يشير.
"أحِّد" بتشديد الحاء: هو أمر مُخاطَب من: التوحيد، وهو القول والشهادة بأن الله واحد، وأصل أَحِّد: وَحِّد، قُلبت الواو همزًا؛ يعني: ارفَعْ أصبعًا واحدةً؛ لأنك تشير إلى وحدانية مَن هو واحدٌ.
* * *
٦٤٩ - وعن ابن عمر أنه قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ أن يجلسَ الرجلُ في الصلاةِ وهو مُعتمِدٌ على يدَيه.
стр. 667
ويُروى عنه: نهى أن يعتَمِدَ الرجلُ على يديهِ إذا نهضَ في الصلاةِ.
قوله: "وهو معتمد على يده"؛ أي: وهو متَّكِئ على يده؛ يعني: إذا جلس للتشهد لا يضع يده على الأرض، بل يضعها على ركبته.
قوله: "أن يعتمد الرجلُ على يدَيه إذا نهض في الصلاة"؛ يعني: لا يضع يديه على الأرض ولا يتكِئ عليهما إذا قام إلى القيام، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: يضع يدَيه على الأرض ويتكِئ عليها إذا قام إلى القيام.
* * *
٦٥٠ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: كان النبيُّ ﷺ في الركعتين الأُوليينِ كأنه على الرَّضْفِ حتى يقومَ.
قوله: "كأنه على الرَّضْف"، (الرَّضف): الحَجَرُ الحارُّ.
يعني بـ "الركعتَين الأولَيَين": التشهد الأول من صلاةٍ هي ثلاثُ ركعاتٍ أو أربعٌ؛ يعني: لا يلبث في التشهد الأول كثيرًا، بل يقوم إذا فرغ من التحيات والصلاة، ولا يدعو ولا يقرأ: "كما صلَّيتَ" (١).
стр. 668
قوله: "كأنه على الرَّضْف"؛ يعني: كمَنْ هو قاعدٌ على حَجَرٍ حارٍّ لا يلبث في القعود، بل يقوم مسرعًا، فكذلك هو ﵇ يقوم مسرعًا.
* * *
١٥ - باب الصَّلاةِ على النبيِّ ﷺ وفَضْلِها
(باب الصلاة على النبي ﵇
مِنَ الصِّحَاحِ:
٦٥١ - قال كَعْب بن عُجْرة: سَأَلْنا رسولَ الله ﷺ ، فقُلْنا: يا رسولَ الله!، كيف الصلاةُ عليكم أهْلَ البَيْتِ، فإنَّ الله تعالى قد علَّمنا كيف نُسَلِّمُ عليكَ؟، قالَ: "قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ، إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ، اللهمَّ بارِكْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ، إنك حَميدٌ مَجيدٌ".
قوله: "كيف الصلاةُ عليكم أهلَ البيت؟ " و (أهلَ البيت): منصوب على إضمار فعل، تقديره: يعني أهلَ البيت، ويجوز (أهلِ) بالجر على أن يكون بدلًا للضمير في (عليكم)، أو عطف بيان.
قوله: "فإن الله قد علَّمَنا كيف نُسلِّم عليك"، تقديره: فإن الله قد علَّمَنا كيف نُصلَّي ونُسلِّم عليك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] , والأمرُ للوجوب، والصلاةُ عليه واجبةٌ في الصلاة، ومستحبةٌ في غيرها؛ يعني: علَّمَنا بهذه الآية كيف الصلاةُ والسلامُ عليك، ولكن لا نعلم كيف نُصلِّي على أهل بيتك، هذا هو المفهوم من هذا الحديث، ولكن
стр. 669
قد جاء في الحديث الذي بعد هذا وفي أحاديثَ أُخَرَ في غير هذا الكتاب: أنهم سألوا عن الصلاة عليه لا على آله، فإذا كان سؤالُهم عن كيفية الصلاة عليه فقولُهم: (إن الله قد علمنا كيف السلام عليك) معناه: أن الله قد علَّمَنا بلسانك وبواسطة بيانك، كما بيَّنتَ لنا في التحياتِ: (السلامُ عليك أيها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه).
اعلم أنه اختلف في آل النبي؛ ففي قولٍ: آلُه: مَن حُرِّمَتْ عليه الزكاةُ، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وفي قولٍ: آله: فاطمةُ والحسنُ والحسينُ وعليٌّ وأخواه جعفرٌ وعَقيلٌ وأعمامُه ﵇: عباس وحمزة والحارث بن عبد المطلب، وأولاد هؤلاء، وقيل: كلُّ تقيٍّ آلُه.
واعلم أن قراءةَ التحيات والصلاة على النبي واجبٌ في الركعة الأخيرة عند الشافعي ﵀، وهو يقرأ مثل ما رواه ابن عباس.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه: قراءةُ التحياتِ والصلاةِ غيرُ واجبةٍ بل مستحبةٌ، وعنده: إذا قعد في آخر الصلاة بقَدْر قراءة التشهُّد صحت صلاته وإن لم يقرأ شيئًا، وهو يقرأ التحياتِ على سبيل الاستحباب مثل ما رواه ابن مسعود.
جد "كعب": أمية بن عدي، وهو أنصاري سُلَمي.
* * *
٦٥٢ - عن أبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: قالوا يا رسولَ الله!، كيفَ نُصَلِّي عليكَ؟، قال: "قولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صلَّيتَ على آل إبراهيمَ، وبارِكْ على محمَّدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كما باركتَ على آل إبراهيم، إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ".
٦٥٣ - وقالَ رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صلاةً صَلَّى الله عَلَيْه عَشْرًا".
стр. 670
"صلَّى الله عليه عشرًا"، الصلاةُ من الله تعالى: إعطاءُ الرحمةِ عبدَه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٦٥٤ - قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صلاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا، وحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطيئاتٍ، ورُفِعَتْ لهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ".
قوله: "من صلَّى عليَّ صلاةً ... " إلى آخره: اعلم أن عادةَ الملوك والكُرَماء إعزازُ مَن يُعِزُّ أحبابَهم وتشريفُ مَن شرَّف أخلَاّءَهم؛ فالله تعالى مالكُ الملوكِ أكرمُ الكُرَماءِ، وهو أحقُّ بهذا الكرم؛ فإنه مَن يُشرِّفْ حبيبَه ونبيَّه محمدًا ﷺ بأن يُصلِّي عليه يَجِدْ من الله الكريمِ الرحمةَ وحطَّ الذنوبِ ورفعَ الدرجاتِ.
* * *
٦٥٥ - وقال: "إنَّ أَوْلَى الناسِ بي يَوْمَ القِيامَةِ أكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً".
قوله: "أَولى الناس بي": أقربُ الناس مني وأحقُّهم بشفاعتي.
* * *
٦٥٦ - وقال: "إنَّ لِلَّهِ مَلائِكةً سَيَّاحِينَ في الأَرْضِ يُبَلِّغُوني عَنْ أُمَّتي السَّلام".
قوله: "سيَّاحين"؛ أي: ذاهبين، من ساحَ يَسِيحُ سِيَاحةً: إذا ذهبَ على وجه الأرض.
"يُبلِّغوني": بتخفيف النون، وهذه النون هي نون الجمع، ونون الوقاية