← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

"يدعو بها"؛ أي: يشير بها إلى وحدانية الله تعالى. * * * ٦٤٧ - وعن عبد الله بن الزُّبير: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُشيرُ بإصبعِهِ إذا دَعَا، ولا يُحَرِّكُها، ولا يُجاوزُ بصرُه إشارَتَهُ. قوله: "ولا يُحرِّكها": اختُلف في تحريك الأصبع إذا رفعها للإشارة؛ الأصحُّ أنه إذا رفعَها يضعُها من غير تحريكٍ. قوله: "ولا يجاوز بصرُه إشارتَه"؛ يعني: لا ينظر إلى السماء حين أشار بأصبعه إلى وحدانية الله تعالى، بل ينظر إلى أصبعه وحِجْرِه؛ يعني: لا ينظر إلى السماء عند الإشارة كما هو عادة بعض الناس؛ لأن النظرَ عند الإشارة إلى السماء يوهم أن الله في السماء، ولا يجوز هذا الاعتقادُ؛ فإن الله تعالى منزَّهٌ عن المكان. * * * ٦٤٨ - عن أبي هريرة: أن رجلاً كانَ يدعو بإصبَعَيْهِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أَحِّدْ أَحِّدْ". قوله: "يدعو"؛ أي: يشير. "أحِّد" بتشديد الحاء: هو أمر مُخاطَب من: التوحيد، وهو القول والشهادة بأن الله واحد، وأصل أَحِّد: وَحِّد، قُلبت الواو همزًا؛ يعني: ارفَعْ أصبعًا واحدةً؛ لأنك تشير إلى وحدانية مَن هو واحدٌ. * * * ٦٤٩ - وعن ابن عمر أنه قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ أن يجلسَ الرجلُ في الصلاةِ وهو مُعتمِدٌ على يدَيه.

стр. 667

ويُروى عنه: نهى أن يعتَمِدَ الرجلُ على يديهِ إذا نهضَ في الصلاةِ. قوله: "وهو معتمد على يده"؛ أي: وهو متَّكِئ على يده؛ يعني: إذا جلس للتشهد لا يضع يده على الأرض، بل يضعها على ركبته. قوله: "أن يعتمد الرجلُ على يدَيه إذا نهض في الصلاة"؛ يعني: لا يضع يديه على الأرض ولا يتكِئ عليهما إذا قام إلى القيام، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يضع يدَيه على الأرض ويتكِئ عليها إذا قام إلى القيام. * * * ٦٥٠ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: كان النبيُّ ﷺ في الركعتين الأُوليينِ كأنه على الرَّضْفِ حتى يقومَ. قوله: "كأنه على الرَّضْف"، (الرَّضف): الحَجَرُ الحارُّ. يعني بـ "الركعتَين الأولَيَين": التشهد الأول من صلاةٍ هي ثلاثُ ركعاتٍ أو أربعٌ؛ يعني: لا يلبث في التشهد الأول كثيرًا، بل يقوم إذا فرغ من التحيات والصلاة، ولا يدعو ولا يقرأ: "كما صلَّيتَ" (١).

стр. 668

قوله: "كأنه على الرَّضْف"؛ يعني: كمَنْ هو قاعدٌ على حَجَرٍ حارٍّ لا يلبث في القعود، بل يقوم مسرعًا، فكذلك هو ﵇ يقوم مسرعًا. * * * ١٥ - باب الصَّلاةِ على النبيِّ ﷺ وفَضْلِها (باب الصلاة على النبي ﵇ مِنَ الصِّحَاحِ: ٦٥١ - قال كَعْب بن عُجْرة: سَأَلْنا رسولَ الله ﷺ ، فقُلْنا: يا رسولَ الله!، كيف الصلاةُ عليكم أهْلَ البَيْتِ، فإنَّ الله تعالى قد علَّمنا كيف نُسَلِّمُ عليكَ؟، قالَ: "قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ، إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ، اللهمَّ بارِكْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ، إنك حَميدٌ مَجيدٌ". قوله: "كيف الصلاةُ عليكم أهلَ البيت؟ " و (أهلَ البيت): منصوب على إضمار فعل، تقديره: يعني أهلَ البيت، ويجوز (أهلِ) بالجر على أن يكون بدلًا للضمير في (عليكم)، أو عطف بيان. قوله: "فإن الله قد علَّمَنا كيف نُسلِّم عليك"، تقديره: فإن الله قد علَّمَنا كيف نُصلَّي ونُسلِّم عليك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] , والأمرُ للوجوب، والصلاةُ عليه واجبةٌ في الصلاة، ومستحبةٌ في غيرها؛ يعني: علَّمَنا بهذه الآية كيف الصلاةُ والسلامُ عليك، ولكن لا نعلم كيف نُصلِّي على أهل بيتك، هذا هو المفهوم من هذا الحديث، ولكن

стр. 669

قد جاء في الحديث الذي بعد هذا وفي أحاديثَ أُخَرَ في غير هذا الكتاب: أنهم سألوا عن الصلاة عليه لا على آله، فإذا كان سؤالُهم عن كيفية الصلاة عليه فقولُهم: (إن الله قد علمنا كيف السلام عليك) معناه: أن الله قد علَّمَنا بلسانك وبواسطة بيانك، كما بيَّنتَ لنا في التحياتِ: (السلامُ عليك أيها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه). اعلم أنه اختلف في آل النبي؛ ففي قولٍ: آلُه: مَن حُرِّمَتْ عليه الزكاةُ، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وفي قولٍ: آله: فاطمةُ والحسنُ والحسينُ وعليٌّ وأخواه جعفرٌ وعَقيلٌ وأعمامُه ﵇: عباس وحمزة والحارث بن عبد المطلب، وأولاد هؤلاء، وقيل: كلُّ تقيٍّ آلُه. واعلم أن قراءةَ التحيات والصلاة على النبي واجبٌ في الركعة الأخيرة عند الشافعي ﵀، وهو يقرأ مثل ما رواه ابن عباس. وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه: قراءةُ التحياتِ والصلاةِ غيرُ واجبةٍ بل مستحبةٌ، وعنده: إذا قعد في آخر الصلاة بقَدْر قراءة التشهُّد صحت صلاته وإن لم يقرأ شيئًا، وهو يقرأ التحياتِ على سبيل الاستحباب مثل ما رواه ابن مسعود. جد "كعب": أمية بن عدي، وهو أنصاري سُلَمي. * * * ٦٥٢ - عن أبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: قالوا يا رسولَ الله!، كيفَ نُصَلِّي عليكَ؟، قال: "قولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صلَّيتَ على آل إبراهيمَ، وبارِكْ على محمَّدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كما باركتَ على آل إبراهيم، إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ". ٦٥٣ - وقالَ رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صلاةً صَلَّى الله عَلَيْه عَشْرًا".

стр. 670

"صلَّى الله عليه عشرًا"، الصلاةُ من الله تعالى: إعطاءُ الرحمةِ عبدَه. * * * مِنَ الحِسَان: ٦٥٤ - قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صلاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا، وحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطيئاتٍ، ورُفِعَتْ لهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ". قوله: "من صلَّى عليَّ صلاةً ... " إلى آخره: اعلم أن عادةَ الملوك والكُرَماء إعزازُ مَن يُعِزُّ أحبابَهم وتشريفُ مَن شرَّف أخلَاّءَهم؛ فالله تعالى مالكُ الملوكِ أكرمُ الكُرَماءِ، وهو أحقُّ بهذا الكرم؛ فإنه مَن يُشرِّفْ حبيبَه ونبيَّه محمدًا ﷺ بأن يُصلِّي عليه يَجِدْ من الله الكريمِ الرحمةَ وحطَّ الذنوبِ ورفعَ الدرجاتِ. * * * ٦٥٥ - وقال: "إنَّ أَوْلَى الناسِ بي يَوْمَ القِيامَةِ أكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً". قوله: "أَولى الناس بي": أقربُ الناس مني وأحقُّهم بشفاعتي. * * * ٦٥٦ - وقال: "إنَّ لِلَّهِ مَلائِكةً سَيَّاحِينَ في الأَرْضِ يُبَلِّغُوني عَنْ أُمَّتي السَّلام". قوله: "سيَّاحين"؛ أي: ذاهبين، من ساحَ يَسِيحُ سِيَاحةً: إذا ذهبَ على وجه الأرض. "يُبلِّغوني": بتخفيف النون، وهذه النون هي نون الجمع، ونون الوقاية

стр. 671

ساقطة؛ يعني: إن الله تعالى أَرسلَ ملائكةَ على وجه الأرض حتى يُخبروني عمَّن صلَّى أو سلَّم عليَّ. * * * ٦٥٧ - وقال: "ما مِنْ أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَاّ رَدَّ الله عَلَيَّ رُوحي حَتَّى أَرُدَّ ﵇". قوله: "ما من أحدٍ يُسلِّم عليَّ": ذُكر شرحُه قبلَ هذا، رواه أبو هريرة. و"ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇"؛ يعني: أقول: وعليكَ السلامُ. * * * ٦٥٨ - وقال: "لا تَجْعَلُوا قَبْري عِيْدًا، وصَلُّوا عَلَيَّ، فإن صَلاتَكُمْ تَبْلُغُني حَيْثُ كُنْتُم". قوله: "لا تجعلوا قبري عِيدًا", (العيد): هو الوقت الذي يجتمع فيه الناس لصلاةٍ كعيد الفطر والأضحى، أو للتنزُّه كما هو عادة أهل الجاهلية، وعادة اليهود أن يجتمعوا لزيارة أنبيائهم ويلعبون ويتفرجون عند ذلك، فنَهَى النبيُّ ﵇ أُمتَه عن أن يتخذوا قبره مجتمعَهم، ويقصده الناسُ من كل بلدٍ. ونهيُه ﵇ أُمتَه عن ذلك يحتمل وجوهًا: أحدها: دفع المشقة عنهم؛ لأن كلَّ مَن قصدَ قبرَه من بلدٍ بعيدٍ لا شك أن يلحقَه مشقةٌ في السير، ويتعطَّل عن الكسب وتحصيل قوت العيال. الثاني: كراهة أن يتخذوه معبودًا ويتجاوزوا عن قدر التعظيم، فيشبهوا تعظيمَه تعظيمَ الخالق ﷻ . الثالث: زوال وقعه وتعظيمه عن خواطرهم؛ فإنه مَن زارَ أحدًا كثيرًا زالَ

стр. 672

تعظيمُه عن خاطره، ولهذا كرهَ بعضُ العلماء مجاورةَ حَرَم مكةَ؛ كراهةَ أن يزولَ تعظيمُ الكعبة عن الخواطر. نعم، مَن حجَّ يُستحبُّ له زيارةُ رسول الله ﵇؛ لأن الحجَّ في كل سنةٍ مرةً، أو في العمر مرةً، ولا يلحق بذلك مشقةٌ عظيمةٌ إلى الرجل، ولأنه لو حجَّ ولم يَزُرْ قبرَ رسول الله ﵇ يكون ذلك دليلاً على قلة اشتياق ذلك الرجل إلى قبر رسول الله ﵇، وعلى تعظيم الكعبة، وعدم تعظيم رسول الله ﵇. * * * ٦٥٩ - وقال: "رَغِمَ أنفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أبَواهُ الكِبَرَ أَوْ أَحَدُهما، فَلَمْ يُدْخِلاهُ الجَنَّةَ". قوله: "رَغِمَ أنفُ رجلٍ": هذا دعاء عليه؛ أي: لحقَه ذلٌّ مجازاةً بترك تعظيمي بأن لم يُصَلِّ عليَّ إذا سمع اسمي، وتركَ تعظيمَ شهر رمضان بأن لم يتبْ فيه من الذنوب، ولم يبالغ في طاعة الله تعالى حتى يجدَ الغفران بسبب تعظيم هذا الشهر، وكذلك لحقَه ذلٌّ بترك تعظيم أبيه وأمِّه بأن يخدمَهما في جميع الأحوال، وخاصة عند الكبر؛ فإن الشخصَ عند الكبر أحوجُ إلى أن يخدمَه أحدٌ. "انسلخ": إذا مضى الشهر. قوله: "فلم يُدخِلاه الجنةَ"؛ يعني: فلم يدخل الجنةَ بترك خدمتهما. * * * ٦٦٠ - عن أبي طَلْحَةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ جاءَ ذاتَ يومٍ والبشْرُ في

стр. 673

وَجْهِهِ، فقالَ: "إنَّه جاءَني جِبْريلُ ﵇ فقال: إنَّ رَبَّكَ يَقولُ: أما يُرْضيكَ يا مُحَمَّدُ أن لا يُصَلِّيَ عليكَ أحدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إلَاّ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، ولا يُسَلِّمُ عليكَ أحَدٌ مِنْ أمَّتِكَ إلا سَلَّمْتُ عَلَيهِ عَشْرًا". "والبشْرُ في وجهه"، (البشْر): أثر الفرح في الوجه. (أَرْضَى يُرضي): إذا جعلَه راضيًا. اسم "أبي طلحة": زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري. * * * ٦٦١ - وعن أُبَيِّ بن كَعْبٍ ﵁ أنَّه قال: قلتُ: يا رسولَ الله!، إني أُكثِرُ الصلاةَ عَليكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاتي؟، فقالَ: "ما شِئْتَ"، قلتُ: الرُّبعَ؟، قال: "ما شِئْتَ، فإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لكَ"، قلتُ: النِّصفَ؟، قالَ: "ما شِئْتَ، فإنْ زِدْتَ فهو خيرٌ لكَ"، قلتُ: فالثُّلُثَيْن؟، قالَ: "ما شئتَ، فإنْ زِدْتَ فهوَ خَيْرٌ لكَ"، قلتُ: أَجْعَلُ لكَ صَلاتي كلَّها؟، قال: "إذًا تُكْفَى هَمَّكَ، ويُكَفَّرُ لكَ ذَنْبُكَ". قوله: " [فكم] أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئتَ، قلت: الربعَ؟ قال: ما شئتَ، قال: فإن زدتَ فهو خيرٌ لك"، الصلاة ههنا: الدعاء؛ يعني: لي زمانٌ أدعو فيه لنفسي، فكم أَصرفُ من ذلك الزمان في الدعاء, فقال له الرسول: (ما شئتَ). قوله: "فإن زدتَ فهو خيرٌ لك": هذا دليل على أن الصلاةَ على النبي للرجل أفضلُ من الدعاء لنفسه، وإنما كان كذلك لأن الصلاةَ على النبي ذكرُ الله تعالى وتعظيمُ رسولِه، وقال رسولُ الله، عن الله تعالى: أنه قال تعالى: "مَن شغلَه ذكري عن مسألتي أعطيتُه أفضلَ ما أُعطي السائلين"؛ يعني: مَن

стр. 674

اشتغل بذِكري ولم يسأل مني شيئًا لنفسه أعطيتُه أكثرَ مما أُعطي السائلين. قوله: "إذا تُكْفَى همَّك"، (كفى) يتعدى إلى مفعولين، وهنا مفعولُه الأولُ فيه مُضمَرٌ أُقيم مقامَ الفاعل، و (همَّك): مفعوله الثاني، و (الهم): ما يقصده من أمر الدنيا والآخرة؛ يعني: إذا صرفتَ جميع زمان دعائك في الصلاة عليَّ أُعطيتَ مرادَ الدنيا والآخرة؛ لأنه قال ﵇: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، وكذلك قال: "مَن كان لله كان الله له"، ولا شك أن مَن اشتغل بالصلاة على النبي ﵇ فقد كان لله. * * * ٦٦٢ - عن فَضالَةَ بن عُبَيْدٍ ﵁ قال: دخلَ رجلٌ فصلَّى، فقالَ: اللهمَّ اغفِرْ لي وارْحمْني، فقالَ رسول الله ﷺ : "عَجِلْتَ أَيُّها المُصَلِّي، إذا صلَّيْتَ فقعدتَ فاحمَد الله بما هو أهلُهُ، وصَلِّ عَلَيَّ، ثم ادْعُهُ"، قالَ: ثُمَّ صَلَّى رجلٌ آخرُ بَعْدَ ذلكَ، فَحَمِدَ الله، وصلَّى على النبيِّ ﷺ ، فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ : "أَيُّها المُصَلِّي!، ادعُ تُجَبْ". قوله: "عَجِلْتَ أيُّها المُصلِّي"؛ أي: تركتَ الترتيبَ في الدعاء؛ لأنه ينبغي أن يذكرَ الله تعالى أولاً ليحصلَ رضاه، ويؤديَ حقَّ نعمتِه عليه بتوفيقه إياه للصلاة وغيرها، ثم يُصلِّي على النبي ﵇؛ لأنه هو الذي هداه إلى الصراط المستقيم، وهو الوسيلةُ بينه وبين الله تعالى، فإذا أدَّى شكرَ الله وشكرَ رسولِه فقد أدَّى حقَّ الخدمة فقد استحقَّ أن يُقبَلَ قولُه، ويُستجابَ دعاؤُه. * * * ٦٦٣ - وقال عبد الله بن مَسْعود ﵁: كنتُ أُصَلِّي، فلمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بالثَّناءِ

стр. 675

على الله تعالى، ثُمَّ بالصَّلاةِ على النبيِّ ﷺ ، ثُمَّ دَعَوْتُ لِنفْسي، فقالَ النبيُّ ﷺ : "سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ". قوله: "سَلْ تُعْطَه": يحتمل أن يكون الهاء فيه زيادة، كما في قوله تعالى: ﴿كِتَابِيَهْ﴾ و ﴿حِسَابِيَهْ﴾، وتُسمى هاءَ السَّكْت، ويحتمل أن تكون للضمير، وحينَئذٍ تكون ضميرًا عن غير مذكور، وتقديره: سَلْ تُعْطَ ما تطلب. * * * ١٦ - باب الدُّعاء في التَّشهُّدِ (باب الدعاء في التشهد) مِنَ الصِّحَاحِ: ٦٦٤ - قالت عائشةُ ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ يَدْعُو في الصلاة: "اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ منْ عذابِ القَبْرِ، وأعوذُ بكَ منْ فتنةِ المَسيح الدَّجَّال، وأَعوذُ بكَ مِنْ فتنةِ المَحْيَا وفتنةِ المَماتِ، اللهمَّ إنَّي أَعوذُ بكَ مِنَ المَأْثَمِ والمَغْرَمِ"، فقالَ له قائلٌ: ما أكثرَ ما تستعيذُ مِنَ المَغْرَمَ!، فقال: "إن رجلاً إذا غَرِمَ حدَّثَ فكَذَبَ، وَوَعَدَ فأخْلَفَ". قوله: "من فتنة المسيح"، سُمي الدجَّال مسيحًا لأن المسيحَ بمعنى الممسوح؛ يعني: عينه ممسوحة؛ أي إحدى عينَيه ذاهبةٌ، أو ممسوح عن كل خير؛ أي أُبعِدَ عن كل خير، وقيل: سُمي مسيحًا لأنه يتردد في وجه الأرض كثيرًا، بحيث لا يكون بلدٌ إلا دخلَه غيرَ مكةَ والمدينةِ، كأنه يمسح الأرضَ؛ أي يُقدِّرُها ويعدُّها بالذَّراع والشِّبر.

стр. 676

"المَأْثَم": الإثم، "والمَغْرَم": الغرامة والدَّين. "ما أكثرَ"، (ما) للتعجب، و (ما) في "ما تستعيذ" موصولة، و (تستعيذ) صلة، والموصول مع صلته مفعول (أكثر). "إذا غَرِم"؛ أي: إذا لزمَه دَينٌ "حدَّث فكذبَ"؛ يعني: إذا تقاضاه مستحقُّ الدَّين، ولم يكن له مالٌ يؤديه في الدَّين يكذب معه ليتخلصَ من سجنه، ويقول: لي مالٌ غائبٌ إذا حضر أُؤَدِّي دَينَك، وأُعطيك غدًا أو في المدة الفلانية، ويَكذِب وَيحلِف في ذلك؛ يعني: فَلْيَدْعُ الرجلُ أن يحفظَه الله من لزوم الدَّين؛ حتى يتخلصَ من هذا الاستحياء والكذب وإخلاف الوعد. * * * ٦٦٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فَرَغَ أَحَدُكُمُ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ فليتعوَّذْ بالله من أَرْبَعٍ: مِنْ عذابِ جهنَّمَ، ومِنْ عذابِ القَبْرِ، وَمِنْ فتنةِ المَحْيا والمَماتِ، ومِنْ شَرِّ المَسيحِ الدَّجَّالِ". قوله: "ومِن فتنة المَحيا والمَمات (١) "، (فتنة المَحيا والمَمات) واحدٌ من هذه الأربع؛ لأنه لو عُدَّ اثنين يكون المجموعُ خمسًا. "الدجال": عطف بيان "المسيح". * * * ٦٦٦ - وعن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُعَلِّمهم هذا الدُّعاءَ, كما يُعَلِّمهم السورةَ مِنَ القرآنِ يقولُ: "قولوا: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِنْ عذابِ

стр. 677

جهنَّمَ، وأعوذُ بكَ مِنْ عذابِ القبرِ، وأعوذُ بكَ مِنْ فتنةِ المسيح الدجَّالِ، وأعوذُ بكَ من فتنةِ المَحْيا والمَماتِ". * * * ٦٦٧ - وقال أبو بكر ﵁ للنبيِّ ﷺ : علِّمني دعاءً أَدْعُو به في صَلاتي، قالَ: "قُلْ: اللهمَّ إنِّي ظلَمتُ نفسي ظُلمًا كبيرًا، ولا يَغفرُ الذُّنوبَ إلا أنتَ، فاغفِرْ لي مغفرةً من عندِك وارْحَمْني، إنَّكَ أنتَ الغَفور الرَّحيم". قوله: "أدعو به في صلاتي"، أراد بقوله: (في صلاتي) هنا عقيبَ التشهُّد. * * * ٦٦٨ - عن عامر بن سَعْدٍ، عن أبيهِ، أنه قال: كنتُ أرى رسولَ الله ﷺ يُسَلِّم عن يَمينهِ وعن يَسارِهِ حتى أَرى بَياضَ خدِّه. قوله: "حتى أرى بياضَ خدِّه": أراد أن يرى صفحةَ وجهه اليمنى إذا سلَّم عن يمينه، وصفحتَه اليسرى إذا سلَّم عن يساره. و"سعد" هذا هو سعد بن أبي وقاص. * * * ٦٦٩ - قال سَمُرَةُ بن جُنْدَبٍ: كانَ النبيُّ ﷺ إذا صلَّى صلاةً أقْبَلَ علينا بِوَجْهِهِ. قوله: "أَقبلَ علينا بوجهه"؛ يعني: يصرف وجهَه يمينًا ويسارًا، كما ذُكر. * * * ٦٧٠ - وقال أنسٌ: كانَ النبيُّ ﷺ ينصرِفُ عن يَمينِهِ.

стр. 678

قوله: "كان رسولُ الله ﷺ ينصرف عن يمينه"؛ يعني: إذا فرغ عن صلاته وقام يمشي إلى جانب يمينه؛ لأن البدايةَ باليمين مستحبٌّ. * * * ٦٧١ - قال عبدُ الله بن مَسْعود ﵄: لا يجعلُ أحدُكم للشَّيطانِ شيئًا من صلاتِهِ يَرى أنَّ حقَّاً عليهِ أنْ لا ينصرِفَ إلا عن يَمينهِ، لقدْ رأَيتُ النَّبيَّ ﷺ كثيرًا ينصرِفُ عن يَسارِهِ. قوله: "لا يجعل أحدكم للشيطان ... " إلى آخره؛ يعني: كان رسولُ الله ﵇ ينصرف يمشي جانب يمينه مرةً إذا فرغ من صلاته، وإلى جانب يساره مرةً، فإذا كان رسولُ الله ﵇ ينصرف إلى الجانبين فمَن اعتقد أنه حقٌّ عليه أن ينصرف عن يمينه دون يساره؛ فقد اعتقد غير ما فعلَه رسول الله ﵇، ومَن اعتقد شيئًا غير ما فعلَه رسول الله ﵇ فقد تابَعَ الشيطانَ، ومَن تابَعَ الشيطانَ في صلاته أو عقيبَ صلاته باعتقادٍ بدعةٍ أو تركِ سُنَّةٍ فقد ذهبَ الشيطانُ بكمال صلاته. قوله: "يرى": بضم الياء وفتح الراء؛ أي: يظن، و (يرى) بفتح الياء والراء؛ أي: يعلم، وكلا الوجهين محتمل. * * * ٦٧٢ - وقال البَراءُ: كُنّا إذا صَلَّيْنا خلْفَ رسولِ الله ﷺ أحْبَبنا أنْ نكونَ عن يَمينِه، يُقْبلُ علَيْنا بوَجْهِهِ، قالَ: فسمعتُهُ يقولُ: "ربِّ قِني عذابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبادَكَ، أوْ تجمَعُ عبادَكَ". "أَحبَبنا أن نكونَ عن يمينه، يُقبل علينا بوجهه"؛ يعني: إذا سلَّم سلَّم أولاً عن يمينه، فكنا نحب أن نكونَ عن يمينه حتى يُقبلَ بوجهه علينا قبلَ أن

стр. 679

يُقبلَ على مَن عن يساره. قوله: "يقول: ربِّ قِنِي عذابَك"؛ يعني: يقول بعدَ السلام، ومعنى (قِنِي): احفَظْنِي. * * * ٦٧٣ - قالت أمُّ سَلَمَةَ: إنَّ النِّساءَ في عَهْدِ رسول الله ﷺ كُنَّ إذا سَلَّمْنَ مِنَ المَكْتوبَةِ قُمْنَ، وثَبَتَ رسولُ الله ﷺ ومَنْ صلَّى مِنَ الرِجالِ ما شاءَ الله، فإذا قامَ رسولُ الله ﷺ قامَ الرِّجالُ. قولها: "وثَبَتَ رسول الله ﷺ "، إنما ثبتَ ولم يقم لتنصرفَ النساء؛ كي لا يختلطَ الرجالُ بالنساء، وكي لا يَرَوهنَّ. * * * ٦٧٤ - وقال جابرُ بن سَمُرَةَ: كانَ - يعني رسولَ الله ﷺ لا يقومُ من مُصَلَاّهُ الذي يُصلِّي فيه الصُّبحَ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ، وكانوا يتحدَّثون، فيأْخذونَ في أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، فيَضْحَكونَ، ويتَبَسَّم. قوله: "فيأخذون في أمر الجاهلية"؛ أي: يتحدثون بما جَرَى عليهم قبلَ الإسلام من الحالات. قوله: "ويتبسَّم"؛ يعني: يتبسَّم رسولُ الله ﵇، وهذا دليل على أن استماعَ كلامٍ مباحٍ جائزٌ. * * * مِنَ الحِسَان: ٦٧٥ - عن مُعاذ بن جبَل ﵁ أنه قال: أخذ بيدي رسولُ الله ﷺ فقالَ:

стр. 680

"إنَّي لأحِبُّكَ يا معاذُ! "، فقلتُ: وأنا أُحِبُّكَ يا رسولَ الله!، قالَ: "فلا تَدَعْ أنْ تقولَ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ: ربِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وشكرِكَ، وحُسْنِ عِبَادَتِكَ". قوله: "فلا تَدَعْ"؛ أي: فلا تَتركْ أن تقول خلف كل صلاةٍ هؤلاء الكلماتِ، وهذا دليلٌ على أن مَن يحب أحدًا ينبغي أن يريدَ له كلَّ خيرٍ، ويدلَّه على كلِّ خيرٍ. * * * ٦٧٦ - وعن عبد الله بن مَسْعود: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُسَلِّمُ عن يَمينِهِ: "السلامُ عليكم ورحمةُ الله"، حتَّى يُرى بياضُ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وعن يَسارِهِ: "السلامُ عَلَيْكُم ورحمةُ الله" حتَّى يُرى بياضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ. قوله: "كان يُسلِّم عن يمينه: السلامُ عليكم ورحمةُ الله": اعلم أنه لم يَرِدْ في السلام من الصلاة غيرُ هاتَين الكلمتَين، وأما في سلام الرجل على مَن لقيَه قد جاء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأكثر من هذا، ويُذكر في بابه إن شاء الله تعالى. * * * ٦٧٧ - وعنه قال: كانَ أكثرُ انصِرافِ رسولِ الله ﷺ مِنْ صَلاتِهِ على شِقِّهِ الأَيْسَرِ إلى حُجْرَتِهِ. قوله: "كان أكثرُ انصرافِ رسول الله ﷺ من صلاته على شقِّه الأيسرِ إلى حُجرته"؛ يعني: كان بابُ حُجرته مفتوحًا إلى المسجد عن جانب يسار المِحْرَاب، وينصرف إلى جانب يساره ويمشي إلى حُجرته. * * *

стр. 681

٦٧٨ - وعن المُغيرة بن شُعبة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يُصلِّي الإمامُ في المَوْضعِ الذي صَلَّى فيه حتَّى يَتَحَوَّلَ". قوله: "حتى يتحولَ"؛ أي: حتى ينتقلَ؛ يعني: السُّنةُ للإمام - والمأموم أيضًا - أن يُصلِّيَ السُّنةَ والنافلةَ في غير الموضع الذي صلَّى فيه الفريضةَ؛ ليشهدَ له موضعانِ بالطاعة يومَ القيامة، ولذلك يُستحب تكثير العبادة في مواضع مختلفة. * * * ٦٧٩ - عن أنس ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ نَهاهُم أن يَنْصَرِفُوا قبلَ انْصِرافِهِ مِنَ الصَّلاة. قوله: "أن النبيَّ ﷺ نهاهم أن ينصرفوا قبلَ انصرافه من الصلاة"، وعلَّةُ نهيه ﵇ أصحابَه عن الذهاب قبلَه إنما كان ليذهبَ النساءُ اللاتي يصلِّينَ خلفَه؛ حتى لا ينظرَ الرجالُ إليهن، ولا يختلطوا بهن. * * * ١٧ - باب الذِّكر بعد الصَّلاة (باب الذِّكر بعد الصلاة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٦٨٠ - قال ابن عبَّاس ﵄: كنتُ أَعْرِفُ انقِضاءَ صلاةِ رسول الله ﷺ بالتَّكْبيرِ.

стр. 682

قوله: "كنتُ أَعرفُ انقضاءَ صلاة النبي ﷺ "، (الانقضاء): وصولُ الشيء إلى آخرِه وانتهاؤُه؛ يعني: كان رسولُ الله ﵇ إذا جلس في آخر صلاته ينقص من صوته بتكبيرةٍ ليعرفَ مَن خلفَه أنه جلسَ، والمُستحَبُّ للإمام: أن يرفعَ صوتَه إذا قام من السجود قَدْرًا أكثرَ مما كان يرفع إذا جلسَ؛ ليعرفَ المأمومُ قيامَه من جلوسه. * * * ٦٨١ - وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلا مِقدارَ ما يقولُ: "اللهمَّ أنتَ السَّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ، تبارَكتَ يا ذا الجلال والإكرام". قولها: "لم يَقعد": من جلوسه "إلا مقدارَ ما يقول: اللهم أنتَ السلامُ ... " إلى آخره؛ يعني: لا يقعد إذا سلَّم من فريضةٍ بعدَها سُنَّةٌ إلا هذا المقدارَ، وهي الظهر والمغرب والعشاء، وأما الصبحُ والعصرُ فقد جاء الحديث: أنه ﵇ يجلس في المسجد زمانًا مديدًا. * * * ٦٨٢ - وقال ثَوبان: كانَ النبيُّ ﷺ إذا انصرفَ مِنْ صلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثلاثًا وقالَ: "اللهمَّ أنتَ السلامُ ومنكَ السلامُ، تبارَكْتَ يا ذا الجَلالِ والإِكرامِ". "أنت السلام"؛ أي: أنت المنزَّهُ والسالمُ عن التغيُّرِ وصفاتِ المخلوقاتِ. "ومنك"؛ أي: ومنك يحصل للعباد النجاةُ من المكروهات. "تباركتَ"، قال الأزهري: معناه: تعاليتَ وتعظَّمتَ. "يا ذا الجلال والإكرام"؛ أي: يا مَنْ يستحق الجلالَ، وهو العظمة والإكرام

стр. 683

والإحسان إلى عباده، وقيل: الجلال التنزُّه عما لا يليق به، والإكرام: العظمة. * * * ٦٨٣ - وعن المُغيرة بن شُعبة ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يقولُ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ مَكْتوبَةٍ: "لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، لَهُ الملكُ ولَهُ الحَمْدُ وهُوَ على كلِّ شيءٍ قَديرٌ، اللهمَّ لا مانِعَ لما أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ , ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ". قوله: "في دُبرِ كل صلاة": بسكون الباء وضمها؛ أي: في عقب كل صلاة. "مكتوبة"؛ أي: مفروضة. * * * ٦٨٤ - وعن عبد الله بن الزُّبير قال: قال رسولُ الله ﷺ إذا سَلَّمَ مِنْ صَلاتِهِ قالَ بصَوْتِهِ الأَعْلى: "لا إلهَ إلاّ الله وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ ولهُ الحُمْد وهُوَ على كلَّ شيءٍ قديرٌ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، لا إله إلا الله لا نَعْبُدُ إلا إيَّاهُ، لَهُ النَّعمةُ، ولَهُ الفَضْلُ، ولَهُ الثَّناءُ الحَسَنُ، لا إله إلَاّ الله مُخْلِصينَ لَهُ الدينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرونَ". قوله: "مُخلِصين له الدِّين"، تقديره: مُخلِصين الدِّين له، و (مخلصين): نصب على الحال، تقديره: نقول ونعتقد أنه لا إله في الوجود إلا الله في حال كوننا مُخلِصين دِينَه، والمُخلِص: هو الذي يعبد الله ولا يشرك به شيئًا. قوله: "ولو كره الكافرون" مفعوله محذوف؛ أي: ولو كره الكافرون كوننَا مُخلِصين دِينَ الله، وكوننَا عابدين له ولا نشرك به شيئًا. * * *

стр. 684

٦٨٥ - وعن سَعْدٍ: أنه كان يُعَلِّمُ بنيه هؤلاءِ الكَلماتِ، ويقولُ: إنَّ رسول الله ﷺ كانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: "اللهمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ الجُبن، وأَعوذُ بكَ مِنَ البُخْلِ، وأعوذُ بكَ مِنْ أَرْذَلِ العُمُرِ، وأَعوذُ بِكَ مِن فِتْنَةِ الدُّنْيا وعذابِ القَبْرِ". قوله: "أنه كان يُعلِّم": الضمير في (أنه) يعود إلى "سعد"، وهو سعد بن أبي وقاص، وكذلك حيث ذُكر (سعد) مطلقًا. "دُبرَ الصلاة" بالنصب؛ أي: في عقب الصلاة. "الجبن": ضد الشجاعة. "الأرذل": أفعل التفضيل من: الرذالة، وهي الخساسة. "العُمر" جمع عُمُور (١)، وأراد بـ (أرذل العمر): الهَرَم؛ لأنه مَن هَرِمَ يكون عمرُه أخسَّ وأنقصَ من غيره، والمراد بالهَرَم: أن يبلغ الرجل إلى سنٍّ نقصَ فيه عقلُه، وضعفت قوتُه، بحيث يصير حقيرًا عند الناس. * * * ٦٨٦ - وعن أبي هُريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسولَ الله!، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثورِ بالدَّرَجاتِ والنَّعيمِ المُقيمِ، صَلُّوا كما صَلَّيْنا، وجاهَدوا كما جاهَدْنا، وأنْفَقوا مِنْ فُضولِ أَمْوالِهِمْ، وَلَيْسَتْ لنا أَمْوالٌ، قالَ: "أَفَلا أُخْبرُكُمْ بِأَمْرٍ تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ قَبْلَكُمْ، وتَسْبقُونَ مَنْ جاءَ بَعْدَكُمْ، وَلا يَأْتي أَحَدٌ بِمَثْل ما جِئْتُمْ بِهِ، إلَاّ مَنْ جاءَ بمثْلِهِ!، تُسَبحُونَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ عَشْرًا، وتَحْمَدونَ عَشْرًا، وتُكَبرونَ عَشْرًا".

стр. 685

وفي روايةٍ: "تُسَبَّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وتُكَبرونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثينَ". قوله: "ذهب أهل الدُّثور بالدرجات"، (الدُّثور) جمع: دَثْر، وهو المال. "والنعيم المقيم": الدائم، والمراد به الجنة. "تَحمَدون" [وتُحمِّدون]: كلاهما جائز؛ لأن (التحميد) مبالغة (الحمد)؛ يعني: إذا فعلتُم ما أمرتكم من المواظبة بهذه الأذكار يحصل لكم ثواب الأغنياء الذين يصرفون أموالهم في الخيرات ممن كان قبلكم، ويكون ثوابُكم أكثرَ مِن ثواب مَن جاء بعدكم؛ إلا مَن فعلَ مِثْلَ فعلِكم. * * * ٦٨٧ - وعن كَعْبِ بن عُجْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "مُعَقِّباتٌ لا يَخيبُ قائِلُهُنَّ - أَوْ فاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كلِّ صَلاةٍ مَكتوبةٍ: ثَلاثٌ وثَلاثونَ تَسْبيحَةً، وثَلاثٌ وثَلاثون تَحْميدَةٌ، وأَرْبَعٌ وثَلاثونَ تَكْبيرَةً". قوله: "مُعقِّبات"؛ أي: كلمات. "لا يخيب"؛ أي: لا يصير محرومًا عما يريد. و (أو) في قوله: "أو فاعلُهن" للشك من الراوي، سُميت هذه التسبيحات: (مُعقِّبات) بكسر القاف؛ لأن التعقيبَ هو الرجوعُ؛ يعني: كلُّ كلمةٍ ترجع عقيبَ كلمةٍ، أو ترجع هؤلاء الكلماتُ خلفَ كلِّ صلاةٍ. قوله: "ثلاثٌ وثلاثون": فهو خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: هنَّ ثلاثٌ وثلاثون. * * *

стр. 686

٦٨٨ - وعن أبي هريرة قال: قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ سَبَّحَ الله في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثينَ، وحَمِدَ الله ثلاثًا وثَلاثينَ، وكَبَّرَ الله ثَلاثًا وثَلاثينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، ثم قالَ تَمامَ المائة: لا إله إلَاّ الله وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلى كلَّ شيءٍ قديرٌ، غُفِرَتْ خَطاياهُ وإنْ كانَتْ مِثلَ زَبَدِ البَحْرِ". قوله: "وإن كانت مِثْلَ زَبَدِ البحر": وإنما قال: (مِثْلَ زَبَد البحر)؛ لأن زَبَدَ البحرِ أكثرُ مما سواه. * * * مِنَ الحِسَان: ٦٨٩ - عن أبي أُمامَةَ أنه قال: قيلَ: يا رسولَ الله!، أيُّ الدُّعاءِ أَسْمَعُ؟، قالَ: "جَوْفُ الليلِ الآخِرُ، ودُبْرَ الصَّلَواتِ المَكْتوباتِ". قوله: "أسمعُ"؛ أي: أقربُ إلى الإجابة. "جوفَ": منصوب على الظرفية، و"الآخرَ": صفته؛ أي: آخرَ الليل، و"دُبرَ" أيضًا منصوب على الظرفية. * * * ٦٩٠ - عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ أنَّه قال: أَمَرني رَسولُ الله ﷺ أنْ أَقْرَأَ المُعَوِّذَتَيْنِ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ. قوله: "أن أقرأ المعوِّذتَين في دُبرِ كل صلاة"، (المعوِّذتين): بكسر الواو، وأُريد بهما: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، سُمِّيَا مُعوِّذتين؛ لأنهما تُزيلان وتدفعان االآفةَ من قارئهما. * * *

стр. 687

٦٩١ - وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرونَ الله مِنْ صَلاةِ الغَداةِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وُلْدِ إسْماعيلَ، ولأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرونَ الله مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إلى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً". قوله: "لأَنْ أَقعدَ مع قوم يذكرون الله ... " إلى آخره: وجه تخصيصه الوقتَين المذكورَين من بين سائر الأوقات شرفُ هذَين الوقتَين؛ لأن أحدَهما أولُ النهار، والآخرَ آخرُه، ولاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في هذَين الوقتَين. وأما تخصيصُ العِتق بولد إسماعيل ﵇؛ لأن العربَ أشرفُ من غير العرب، وولدُ إسماعيلَ من بين العرب أشرفُ من غيرهم؛ لفضيلة إسماعيل ﵇، ولكون نبيِّنا ﵇ منهم. قوله في آخر الحديث: "مِن أن أُعتقَ أربعةً"؛ يريد: رقبةً من ولد إسماعيل، وهذا يدل على أن الذِّكرَ من صلاة الصبح إلى طلوع الشمس أفضلُ من صلاة العصر إلى الغروب؛ لأنه ذكرَ في الأول أربعةً، وفي الثاني رقبةً واحدةً. * * * ٦٩٢ - وعن أَنَسٍ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى الفَجْرَ في جَماعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ الله حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ"، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "تامَّةٍ تامَّةٍ". "ثم صلى ركعتَين"؛ أي: صلَّى بعد أن تطلعَ الشمسُ قيدَ رمحٍ؛ حتى يخرجَ وقتُ الكراهية، وهذه الصلاةُ تُسمى: صلاةَ الإشراق، وهي أولُ صلاة الضُّحى. قوله: "كأجر حَجَّة": ذُكر شرح هذا في (باب المساجد) في حديث أبي

стр. 688

أمامة، في قوله: "كأجر الحاجِّ المُحرِم". قوله: "تامةٍ": مجرورة؛ لأنه صفةُ (حَجَّةٍ وعُمرةٍ). * * * ١٨ - باب ما لا يَجُوزُ من العمَل في الصَّلاة وما يُباحُ منه (باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة وما يُباح منه) مِنَ الصِّحَاحِ: ٦٩٣ - عن مُعاوِيَةَ بن الحَكَمِ ﵁ قالَ: بَيْنا أَنا أُصَلِّي مَعَ رسولِ الله ﷺ إذْ عَطَسَ رَجُلٌ، فَقُلْتُ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَرَماني القَوْمُ بِأَبْصارِهِمْ، فَقُلْتُ: ما شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟، فَجَعلوا يَضْرِبُونَ بِأَيْديهمْ عَلى أَفْخاذِهِم، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُوننَي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رسولُ الله ﷺ ، فَبأَبي هُوَ وأُمِّي، ما رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعليمًا مِنْهُ، والله ما كَهَرَني ولا ضَرَبني ولا شَتَمَني، قال: "إنَّ هذهِ الصلاةَ لا يَصْلُحُ فيها شَيءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إنَّما هِيَ التَّسْبيحُ والتَّكْبيرُ وَقِراءَةُ القُرْآنِ" - أو كما قالَ رسولُ الله ﷺ قلتُ: يا رسول الله!، إنِّي حَديثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وقَدْ جاءَ الله بالإِسْلامِ، وإنَّ مِنَّا رِجالاً يَأْتُونَ الكُهَّان؟، قالَ: "فَلا تَأْتِهِمْ"، قُلتُ: ومِنَّا رِجالٌ يَتَطَيَّرُونَ؟، قالَ: "ذاكَ شَيءٌ يَجِدُونَهُ في صُدورِهِمْ، فَلا يَصُدَّنَّهُمْ"، قلتُ: ومِنَّا رِجالٌ يَخُطُّونَ؟، قالَ: "كانَ نبَيٌّ مِنَ الأنْبياءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ". قوله: "فرماني القومُ بأبصارهم"؛ أي: نظروا نظرَ كراهيةٍ وزجرٍ؛ كي لا أتكلمَ في الصلاة، فإن قولي: (يرحمك الله) كلامٌ، وما فهمتُ سببَ نظرهم

стр. 689

إليَّ، "فقلت: ما شأنُك تنظرون إليَّ؟ " أي: لِمَ نظرتُم إلي؟ واعلم أن مَن قال لعاطسٍ: يرحمك الله، تبطل صلاتُه؛ لأنه خاطبَه، والمُخاطَبةُ كلامٌ، ولو قال: (يرحمه الله) بلفظ الغائب تجوز صلاتُه، وهو قوله: "اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات". "كَهَرَ": إذا منعَ أحدًا عن فعلٍ، وكَهَرَ: إذا عَبَسَ وجهُه. قوله: "إني حديثُ عهدٍ بجاهليةٍ"، (الحديث): الجديد، (العهد): الرؤية؛ يعني: انتقلت عن الكفر إلى الإسلام عن قريبٍ، ولم يمضِ عليَّ في الإسلام زمانٌ طويلٌ، ولم أَعرِفْ بعدُ أحكامَ الدَّين وما يُبطل الصلاةَ. قوله: "فلا تأتهم"؛ يعني: إتيانُ الكُهَّان كفرٌ إن اعتقدوها حقًّا، فلذلك قال ﵇: (فلا تأتهم). "يتطيَّرون"؛ أي: يتفاءلون بالطير، مثل: أن الرجلَ منهم إذا أراد سفرًا؛ فإن طار طيرٌ عن يمينه يقول: هذا السفرُ مباركٌ، وإن طارَ عن يساره يقول: هذا السفرُ غيرُ مباركٍ. قوله: "ذلك شيءٌ يجدونه في صدورهم"؛ يعني: هذا وهمٌ وظنٌّ منهم، وليس له حقيقةٌ وتأثيرٌ. "فلا يصدَّنَّهم"؛ يعني: فلا يَمنعْهم هذا الوهمُ عما يقصدونه من شغل؛ لأن طيرانَ الطير لا يجعل المباركَ مشؤمًا، ولا المشؤومَ مباركًا. قوله: "ومنا رجالٌ يخطُّون"، وكيفية خط العرب: أن الرجلَ منهم إذا عزمَ على شغلٍ يأخذ خشبًا ويخط على العجلة خطوطًا كثيرةً بلا حسابٍ على الأرض أو الرمل، ثم يمحو خطَّين خطَّين، فإن بقي زوجٌ فهو علامةُ الخير في ذلك الشغل، وإن بقي فَرْدٌ فهو علامةُ النحوسة، وأما ما يفعله الرمَّالون فليس له أصلٌ في الشرع، وليس عليه دلالةٌ في هذا الحديث؛ لأن النبيَّ ﵇ لم يبيِّن

стр. 690

كيفيةَ خطِّ ذلك النبي حتى يقيسَ عليه أحدٌ. قوله: "فمَن وافق خطَّه فذاك"، الرواية: (خطَّه): بالنصب، وتقديره: فمَن وافَقَ خطُّه خطَّه، ويجوز من حيث المعنى: (فمَن وافَقَ خطُّه) بالرفع، ويكون تقديره: فمَن وافَقَ خطُّه خطَّه أيضًا، "فذاك"؛ يعني فذاك جائزٌ وصوابٌ. وقال الخطابي رحمة الله عليه: إنما قال رسولُ الله ﵇: (فمَن وافَقَ خطَّه فذاك" على سبيل الزجر، ومعناه: لا يوافق خطُّ أحدٍ خطَّ ذلك النبيِّ؛ لأن خطَّ ذلك النبي ﵇ كان معجزةً له، ولا يجوز أن تكونَ معجزةُ نبيًّ في شخصٍ غيرِ نبيًّ. "معاوية" هذا كان من بني سُلَيم، ولا يروي غيرَ هذا الحديث. * * * ٦٩٤ - قال عبد الله بن مَسْعودٍ ﵁: كُنَّا نُسَلِّمُ على النَّبيِّ ﷺ وهُوَ في الصَّلاة، يَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنا، وقال: "إنَّ في الصلاةِ لَشُغُلًا". قوله: "فلما رجعنا من عند النجاشي [سلَّمنا] فلم يردَّ علينا، وقال: إن في الصلاة لَشُغلًا"، (النجاشي): ملك الحبشة، وهاجَرَ جماعةٌ من الصحابة من مكةَ إلى أرضِ الحبشة حينَ كان رسولُ الله ﷺ بمكةَ قبلَ خروجه منها، فلما سمع الذين هاجروا إلى أرض الحبشة أن رسولَ الله ﵇ خرج من مكةَ إلى المدينةِ هاجروا من أرض الحبشة إلى المدينة، ومنهم: ابن مسعود، فلما أتى ابن مسعودٍ رسولَ الله ﵇ وجدَه في الصلاة، فسلَّم عليه، ولم يردَّ ﷺ ﵇؛ لأن الكلامَ كان جائزًا في الصلاة في بدء الإسلام ثم حُرِّمَ. قوله: "إن في الصلاة لَشُغلًا"؛ يعني (شغل الصلاة): قراءة القرآن والتسبيح

стр. 691

والدعاء، لا الكلام، ويأتي شرح هذا في الحديث الأول من الحسان. * * * ٦٩٥ - وعن مُعَيقيب: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في الرجلِ يُسَوِّي التُّرابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قال: "إنْ كانَ فاعِلًا فَواحِدَةً". قوله: "إن كان فاعلًا فواحدةً": منصوب بفعل مضمر، تقديره: وليفعل فعلةً واحدةً؛ يعني: ينبغي أن يكون للمُصلِّي خشوعٌ، ولا يتحرك ولا يلتفت، فإنْ فعلَ فَعلةً أو فَعلتَين، أو خَطَا خطوةً أو خطوتَين كُرِهَ ولم تبطل صلاته، وإن فعلَ ثلاثًا أو خَطَا ثلاثَ خطواتٍ متوالياتٍ بطلت صلاتُه. "مُعَيقيب": هو ابن أبي فاطمة، مولى سعيد بن العاص، من بني دَوس. * * * ٦٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نَهى النَّبيُّ ﷺ عن الخَصْرِ في الصَّلاةِ. قوله: "عن الخَصْر في الصلاة": فسَّر (الخَصْر) على وضع اليد على الخاصرة، وهي فوق موضع شدِّ السراويل، وإنما نَهَى المُصلِّي من الخَصْر؛ لأن هذا من فعل اليهود، وفعل مَن أصابَه مصيبةٌ. ورُوي: أن إبليسَ وضعَ يدَه على خاصرته حين نزلَ الأرضَ بعد صيرورته معلونًا. وفي أكثر الروايات: "نُهِيَ عن الاختصار في الصلاة"، ومعناهما واحدٌ، ولكن (الاختصار) بهذا المعنى مشهورٌ في اللغة، و (الخَصْر) لم يوجد في اللغة بهذا المعنى. * * *

стр. 692

٦٩٧ - وقالت عائشة: سَأَلْتُ رسولَ الله ﷺ عَنِ الالْتِفاتِ في الصَّلاةِ؟، فقالَ: "هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطانُ مِنْ صَلاةِ العَبْدِ" قولها: "عن الالتفات في الصلاة ... " إلى آخره؛ يعني: مَن التفتَ في الصلاة يمينًا ويسارًا ولم يحول صدرَه عن القِبْلة لم تبطل صلاتُه، ولكن يسلب الشيطانُ كمالَ صلاته بأنْ حملَه على هذا الفعل، وإن حوَّلَ صدرَه عن القِبْلَة بطلت صلاتُه. * * * ٦٩٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لَيَنْتهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ إلى السَّماءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُم". قوله: "لَينتهيَنَّ أقوامٌ ... " إلى آخره، (الانتهاء): ترك الفعل، (الخَطْف): السَّلْب. اعلم أن النظرَ إلى السماء عند الدعاء في الصلاة مكروهٌ؛ لأنه التفاتٌ، والالتفاتُ في الصلاة مكروهٌ، فلأجل هذا خوَّفَهم الرسولُ ﵇. وأما في غير الصلاة فغيرُ مكروهٍ، ومعنى الإشارة عند الدعاء في الصلاة إلى السماء: نسبة العلو إلى الله تعالى، وليس معناه أن مكانه السماء، بل تعالَى وتقدَّس عن المكان. قوله: "أو لَتخطفنَّ أبصارُهم": إشارة إلى أن مَن أَذنبَ بعضوٍ فَلْيَخَفْ أن يَلْحَقَ ذلك العضوَ عقوبةٌ، كما قال في موضع آخر: "أما يخشى الذي يرفع رأسَه قبلَ الإمام أن يجعلَ الله رأسَه رأسَ حمارٍ". * * *

стр. 693

٦٩٩ - عن أبي قَتَادَةَ الأَنْصارِي أنه قال: رَأَيتُ النبيَّ ﷺ يَؤُمُّ الناسَ وأُمامَةُ بنتُ أبي العاصِ عَلى عاتِقِهِ، فإذا رَكَعَ وَضَعَها، وإذا رَفَعَ مِنَ السُّجودِ أَعادَها، ويروى: رَفَعها. قوله: "يؤمُّ الناسَ وأمامةُ بنتُ أبي العاص على عاتقه"، (أبو العاص): كان زوجَ زينبَ بنتِ رسولِ الله ﵇، و (أمامة) بنته منها، و (أبو العاص) اسم أبيه: الربيع بن عبد شمس. وهذا دليلٌ على أن الفعلَ القليلَ لا يُبطل الصلاةَ، وفعلُه ﷺ هذا فعلٌ قليلٌ؛ لأنه إذا رفع رأسَه من السجود الثاني رفعَها وحملَها، وهذا فعلٌ واحدٌ، وإذا فرغ من القراءة وأراد الركوع وضعَها، وهذا الفعلُ واحدٌ، والفعلُ الواحدُ والاثنان لا يبطلان الصلاةَ وإن كان متواليَين. وهذا الحديث يدل على طهارة بدن الصبي وثوبه، وعلى أن مَن حملَ حيوانًا جازت صلاتُه وإن كان باطنُه نجسًا إذا كانت النجاسةُ مستورةً خلقةً، بخلاف حمل قارورةٍ مصمَّمة الرأس وفيها نجاسةٌ. ويدل أيضًا على حسن معاشرة الأولاد والرِّفق معهم، وقيل: لم يحملها النبي باختياره، بل كانت تركبُه. * * * ٧٠٠ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ في الصَّلاةِ فَلْيَكْظِمْ ما اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيطانَ يَدْخُلُ في فيهِ". قوله: "إذا تثاءَبَ أحدُكم في الصلاة ... " إلى آخره، تثاءب الرجل، وتثأَّب على وزن تفعَّل وتفاعَلَ: إذا فتح فاه من غلبة النوم أو الغفلة، أو كثرة امتلاء البطن، وكلُّ ذلك غيرُ مَرْضيٍّ، فلأجل هذا كُرِهَ التثاؤبُ، ومَن وجد هذا

стр. 694

الشيء من نفسه "فَلْيكظمْه"؛ أي: فَلْيدفَعْه بأن يضمَّ شفتَيه، أو يضعَ يدَه على فمه. قوله: "فإن الشيطانَ يدخله"؛ يعني: فإن لم يدفعه عن نفسه يغلب عليه الشيطان بأن يجعلَه معتادًا به، وإذا اعتاد بهذا ولم يكرهه فيعتاد بالضرورة بما يحصل منه هذا الشيء، من النوم والغفلة وكثرة الأكل، وكلُّ ذلك من غلبة الشيطان. ومعنى (دخول الشيطان في فيه) هنا: غلبته، بجعله إياه معتادًا بما هو مكروهٌ في الشرع، ويحتمل أن يدخل في فمه للوسوسة، وخصَّ دخولَه في الفم مع أن له القدرةَ على الدخول في الإنسان من كل موضع؛ لأن الفمَ انفتح بشيءٍ مكروهٍ للشرع، وكلُّ عضوِ صَدَرَ منه فعلٌ مكروهٌ لاللشرع ففيه طريقٌ للشيطان. * * * ٧٠١ - وقال رسول الله ﷺ : "إنَّ عِفْريتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ البارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتي، فَأَمْكَنَني الله مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَأرَدْتُ أَنْ أَرْبطَهُ إلى سارِيَةٍ مِنْ سَواري المَسْجدِ حَتَّى تَنْظُروا إلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخي سُلَيْمانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، فَرَدَدْتُهُ خاسِئًا". قوله: "إن عِفريتًا من الجن"، (العفريت): القوي الشرير. "تفلَّت"؛ أي: فرَّ من الحبس، والمراد منه ههنا: أنه جاءني ليُوسوسَني ويشغلَني عن صلاتي. "فأمكنني الله منه"؛ أي: قوَّاني وجعلني غالبًا عليه. "السارية" الأُسطوانة، جمعها: سَوَارٍ بفتح السين. قوله: "فذَكرتُ دعوةَ أخي سليمانَ ﵇"؛ يعني: كأن أخذَ الجن والحكمَ عليه لسليمان، وقد دعا سليمان ﵇ ألا يكونَ لأحدٍ مُلكٌ

стр. 695

مثلُ ما كان له، فلو أخذتُه لكان لي ما كان لسليمان ﵇ من تسخير الجن، وحينَئذٍ لا يكون دعاؤُه مقبولًا، ولا يجوز أن يكون دعاؤُه مردودًا، فلأجل هذا ما أخذتُه. "فرددتُه"؛ أي: دفعتُه عن نفسي "خاسئًا"؛ أي: محرومًا بعيدًا عن مراده. * * * ٧٠٢ - وقال: "مَنْ نابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ فَلْيُسَبحْ، فَإنَّما التَّصْفيقُ لِلنِّساءِ". ٧٠٣ - وقال: "التَّسْبيحُ لِلرِجالِ، والتَّصْفيقُ لِلنِساءِ". "نابه شيء"؛ أي: نزل عليه أمرٌ في الصلاة، مثل: أن يدعوه أحدٌ ويسأذنه في دخول البيت، ولم يعلم ذلك الأحد أنه في الصلاة فَلْيقُلْ المُصلِّي: سبحان الله؛ ليعلمَ ذلك الأحدُ كونَه في الصلاة، وإن كانت امرأةً فَلْتضرِبْ بطنَ كفِّها اليمنى على ظهر كفِّها اليسرى. و"التصفيق": ضرب إحدى اليدَين على الأخرى. * * * مِنَ الحِسَان: ٧٠٤ - قال عبد الله بن مَسْعود ﵁: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلى النَّبيِّ ﷺ وهُوَ في الصَّلاةِ قَبْل أن نَأْتيَ أَرْضَ الحَبَشَةِ فَيَرُدَّ عَلَيْنا، فَلَمَّا رَجَعْنا مِنْ أَرْضِ الحَبَشَةِ أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، حتَّى إذا قَضى صَلاتَهُ قالَ: "إنَّ الله تَعالى يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ ما يَشاءُ، وإنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لا تَكَلَّمُوا في الصَّلاةِ"، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ.

стр. 696

قوله: "فردَّ عليَّ السلام": هذا دليلٌ على استحباب جواب السلام بعد الفراغ من الصلاة، وكذلك لو كان على قضاء الحاجة، أو قراءة القرآن وسلَّم عليه أحدٌ، فإذا فرغ من ذلك الشغل يُستحبُّ ردُّ السلام على مَن سلَّم عليه، ولا يجب؛ لأن السلامَ في هذه الأحوال غيرُ مسنونٍ. * * * ٧٠٥ - وقال: "إنما الصلاةُ لِقِراءَةِ القُرآنِ، وذِكْرِ الله تعالى، فإذا كنتَ فيها فَلْيَكُنْ ذلكَ شَأْنُكَ". قوله: "فليكنْ ذلك شأنُك"؛ أي: فليكن ما ذكرتُ لكل أمرك من الصلاة، لا غير ذلك من التكلُّم وغيره. * * * ٧٠٦ - قال ابن عمر: قلتُ لِبلالٍ: كيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كانُوا يُسَلِّمونَ عَلَيْهِ وهُوَ في الصَّلاةِ؟، قالَ: كانَ يُشيرُ بِيَدِهِ. قوله: "يشير بيده"؛ يعني: يشير بيده على رد السلام، وكذلك لو أشار برأسه أو بعينه، جازَ. * * * ٧٠٧ - قال رِفاعَة بن رافِع: صَلَّيْتُ خَلْفَ رسولِ الله ﷺ ، فَعَطَسْتُ، فَقُلْتُ: الحَمدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ مُبارَكًا عَلَيْهِ كما يُحِبُّ رَبنا ويَرْضى، فَلمَّا صَلَّى النَّبيُّ ﷺ انْصَرَفَ فقال: "مَن المُتكَلِّمُ؟ "، قال رِفاعةُ: أنا يا رسول الله! قال: "وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ ابْتَدَرَها بِضْعَةٌ وثَلاثونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِها".

стр. 697

قوله: "فعَطَستُ، فقلت: الحمدُ لله حمدًا كثيرًا ... " إلى آخر هذا الحديث، يدل على أن مَن عطسَ في الصلاة جازَ له أن يقول: الحمد لله. قوله: "مباركًا فيه ومباركًا عليه": كلاهما واحد، ولعل المراد منه أنواع البركة، والبركة: الزيادة. * * * ٧٠٨ - وقال رسول الله ﷺ : "التَثاؤُبُ في الصَّلاةِ مِنَ الشَّيْطانِ، فإذا تَثَاءَبَ أَحَدكُم فَلْيَكْظِمْ ما اسْتَطَاعَ". وفي روايةٍ: "فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلى فِيهِ". قوله: "من الشيطان"؛ يعني: يحصل هذا من الغفلة أو كثرة الأكل والملالة، وكلُّ ذلك من الشيطان. * * * ٧٠٩ - وقال: "إذا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عامِدًا إلى المَسْجِدِ فَلا يُشَبكَنَّ بَيْنَ أَصابعِهُ، فإنَّهُ في الصَّلاةِ". قوله: "فلا يُشبكنَّ بين أصابعه"؛ يعني: تشبيك الأصابع لا يليق بالخشوع، فلا يجوز في الصلاة، ومَن قصد الصلاة فكأنه في الصلاة في حصول الثواب له؛ فلا يُشبكَنَّ أصابعَه، وتشبيك الأصابع في غير الصلاة قد جاء عن النبي ﵇، كما يأتي في (باب سجود السهو). رواه كعب بن عُجْرة. * * *

стр. 698

٧١٠ - وقال: "لا يَزالُ الله - تَعالى - مُقْبلًا عَلى العَبْدِ وَهُوَ في صَلاتِهِ ما لَمْ يَلْتَفِتْ، فإذا الْتَفَتَ أَعْرَضَ عَنْهُ" يَرويه أبو ذَرٍّ. قوله: "مُقبلًا على العبد"؛ أي: ناظرًا إليه بنظر الرحمة وإعطاء الثواب. * * * ٧١١ - وعن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يا أَنَسُ!، اجْعَلْ بَصَرَكَ حَيْثُ تَسْجُدُ". قوله: "يا أنسُ! اجعل بصرَك حيث تسجد"، اعلم أن المُستحَبَّ أن ينظرَ المُصلِّي في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى ظهر القَدَم، وفي السجود إلى أنفه، وفي التشهُّد إلى حِجْره. * * * ٧١٢ - وعن أنس قال: قال لي النبي ﷺ : "يا بنيَّ! إيَّاكَ والالتِفاتَ في الصلاةِ، فإنَّ الالتِفاتَ في الصَّلاةِ هَلَكَةٌ، فإنْ كانَ لا بُدَّ؛ فَفي التَّطَوُّعِ، لا في الفَريضَةِ". قوله: "وإياك والالتفاتَ في الصلاة؛ فإن الالتفاتَ في الصلاة هَلَكَةٌ، فإن كان لا بد ففي التطوُّع لا في الفريضة". رواه أنس. "وإياك": خطابٌ لأنس. "هَلَكَة"؛ أي: طاعةٌ للشيطان، وطاعةُ الشيطانِ هلاكٌ للإنسان، والالتفاتُ إن كان بحيث يُحول الرجلُ صدَره عن القِبْلة يبطل الصلاةُ، وإلا لا يبطل الصلاة، ولكن يُكرَه ذلك وينقص الثواب.

стр. 699

والالتفاتُ في صلاةِ النوافلِ أسهلُ من صلاة الفريضة؛ لأن زوالَ كمالِ صلاةِ النافلةِ أسهلُ من زوالِ كمالِ صلاةِ الفريضةِ. * * * ٧١٣ - ورُوِيَ عن ابن عبَّاس: أنَّ رسول الله ﷺ كانَ يَلْحَظُ في الصَّلاةِ يَمينًا وشِمالًا، وَلا يَلْوي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. قوله: "يَلحَظ"؛ أي: ينظر. "ولا يَلْوِي"؛ أي: ولا يصرف، والتفاته ﵇ إنما كان مرةً أو مراتٍ قليلةً؛ ليبينَ أن الالتفاتَ غيرُ مُبطِلٍ للصلاة إن كان لشيءٍ ضروريٍّ؛ لأنه لا يجوز أن يَنْهَى أُمتَه عن شيءٍ وهو يفعلُه لغير ضرورةٍ. * * * ٧١٤ - عن عَدِيِّ بن ثابت، عن أبيه، عن جدِّه رفعَه قال: "العُطَاسُ، والنُّعاسُ، والتَّثاؤُبُ في الصَّلاةِ، والحَيْضُ، والقَيْءُ، والرُّعافُ مِنَ الشَّيطانِ". قوله: "العُطاس والنُّعاس ... " إلى آخره، (النُّعاس): النوم الخفيف. قوله: "من الشيطان"؛ يعني: هذه الأشياء بعضُها يبطل الصلاةَ وبعضُها يزيل الحضورَ في الصلاة، وكل ذلك مما يرتضيه الشيطان ويفرح به، وليس معناه: أن الشيطانَ يحمل الإنسانَ على هذه الأشياء؛ لأن هذه الأشياءَ طبيعيةٌ، ونجري على الإنسان بغير اختياره، والإشكالُ هنا في العُطاس؛ فإنه جاء في (باب العطاس): "إن الله يحب العُطاسَ ويكره التثاؤبَ"، فإذا كان كذلك فكيف يكون العُطاسُ مما يرتضيه الشيطان؟ تأويله: أن الرجلَ إذا عطسَ وقال: الحمد لله، يحبُّه الله، وإذا كان في

стр. 700

الصلاة زال عنه الحضور في الصلاة من أول مبادئ العطاس إلى أن يفرغَ منه، فيحب الشيطانُ زوالَ حضوره. روى هذا الحديثَ "دينارٌ الأنصاريُّ" جدُّ عَدِيٍّ، ولم يَروِ دينارٌ غيرَ هذا الحديث، والحديثَ الذي في (باب الاستحاضة). * * * ٧١٥ - عن مُطَرِّف بن عبدِ الله بن الشِّخِّير، عن أبيه قال: أتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ وهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزيزٌ كَأزيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكاءِ. قوله: "كأزِيز المِرْجَل"؛ أي: كصوت غليان القِدْر. واعلم أن البكاءَ في الصلاة جائزٌ إن لم يظهر منه حرفانِ، فإن ظهر حرفانِ تبطل الصلاةُ هذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة ﵀: إن كان البكاء من ذى الجنة والنار لا تبطل الصلاة، وإن كان لوجعٍ أو مصيبةٍ تبطل الصلاةُ إن ارتفع الصوتُ به. روى هذا الحديثَ "مُطرِّف" بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء وتشديدها، وجده "شِخِّير" بكسر الشين والخاء وتشديدها، واسم أبي (شِخِّير): عوف بن كعب بن وقدان الحرَشي. * * * ٧١٦ - عن أبي ذَرٍّ، عن رسول الله ﷺ : "إذا قامَ أَحَدُكم إلى الصَّلاةِ فَلا يَمْسَحْ الحَصا، فَإنَّ الرَّحْمَةَ تُواجِهُهُ". قوله: "فلا يمسح الحَصَى ... " إلى آخره، (الحصى): الحِجَار الصِّغَار، واحدها: حصاة، يعني: الرحمةُ تُقبل عليه وتنزل عليه، فلا يليق اللعبُ

стр. 701

بالحصى وغيرها عمن تنزل عليه الرحمة. * * * ٧١٧ - وقالت أمُّ سَلَمَةَ: رَأَى النَّبيُّ ﷺ غُلامًا لنا يُقالُ لَهُ: أَفلَح، فإذا سَجَدَ نَفَخَ، فقال: "يا أَفْلَحُ!، تَرِّبْ وَجْهَكَ". قولها: "إذا سَجَدَ نَفَخَ"؛ يعني: نَفَخَ في الأرض ليزولَ عنه الترابُ؛ ليَسجدَ. "ترِّبْ"؛ أي: أَوصِلْ وجهَك إلى التراب؛ أي: اسجدْ على التراب؛ فإنه أعظمُ للثواب. * * * ٧١٨ - وقال "الاخْتِصارُ في الصَّلاةِ راحَةُ أَهْلِ النَّارِ". قوله: "الاختصارُ في الصلاة راحةُ أهل النار"، قيل: المراد بالاختصار هنا: الخَصْر في قوله: (نهى عن الخَصْر)، وقد ذُكر شرحُه في هذا الباب. والمراد بأهل النار: اليهود؛ لأنه فعلُ اليهودِ، وقيل: الاختصار أن ينقصَ الرجلُ من أركان الصلاة ليفرغَ منها سريعًا، ولا شك أن نقصانَ أركان الصلاة مُوجِبٌ للنار. * * * ٧١٩ - وقال "اقتُلوا الأَسْوَدَيْنِ في الصَّلاةِ: الحَيَّةَ، والعَقْرَبَ". قوله: "اقتلوا الأسودَين ... " إلى آخره.

стр. 702

"الحيةَ والعقربَ": بيان (الأسودَين)، ويجوز قتلُهما في الصلاة بضربةٍ أو ضربتَين. * * * ٧٢٠ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسول الله ﷺ يُصَلِّي تَطَوُّعًا والبابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، فجئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ، فَمَشَى فَفَتَحَ لي، ثُمَّ رَجَعَ إلى مُصَلَاّهُ، وذَكَرَتْ أنَّ البابَ كانَ في القِبْلَةِ. قولها: "فاستفتحت ... " إلى آخره؛ (استفتحت)؛ أي: طلبتُ فتحَ الباب. هذا دليلٌ على أن الخطوةَ والخطوتَين في الصلاة لا تبطلها، وإنما علِمْنا أن رسولَ الله ﵇ خَطَا خطوةً أو خطوتَين ولم يزد على ذلك؛ لأنَّا علِمْنا من الشرع أن ثلاثَ خطواتٍ تُبطل الصلاةَ. * * * ٧٢١ - عن عَليِّ بن طلق أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فَسا أَحَدُكُم في الصَّلاةِ فلينصَرِفْ، فليتوضَّأ، وَلْيُعِدِ الصَّلاةَ". قوله: "إذا فَسَا أحدُكم"؛ أي: إذا خرج منه ريحٌ. * * * ٧٢٢ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أَحْدَثَ أَحَدُكم في صَلاتِهِ فَلْيَأْخُذْ بِأنْفِهِ، ثمَّ ليَنْصَرِفْ". "إذا أَحدَثَ أحدُكم في الصلاة فَلْيَأخُذْ بأنفه، ثم لِيَنْصَرِفْ"؛ إنما أمرَه رسولُ الله ﵇ بأن يأخذَ يدَيه بأنفه ليُخيِّلَ للحاضرين أنه رعفَ،

стр. 703

كيلا يخجلَ ويَستحي. * * * ٧٢٣ - وقال: "إذا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ وَقَدْ جَلَسَ في آخِرِ صَلاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جازَتْ صَلاتُهُ"، ضعيف. قوله: "إذا أَحدَثَ ... " إلى آخره؛ يعني: إذا حصلَ حَدَثٌ لأحدكم وقد جلس في آخر صلاته بقَدْر التشهد تمَّت صلاتُه، وإن لم يقرأ التشهُّدَ وإن لم يُسلِّم. وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀، وعند الشافعي ﵀: بطلت صلاتُه؛ لأن التسليمَ عنده فرضٌ. روى هذا الحديثَ عبدُ الله بن عمرَ ﵄. * * * ١٩ - باب سُجُود السَّهْوِ (باب السَّهو) (١) مِنَ الصِّحَاحِ: ٧٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أَحَدُكُم إذا قامَ

стр. 704

يُصَلِّي جاءَ الشَّيْطانُ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حتَّى لا يَدْري كَمْ صَلَّى، فإذا وَجَدَ ذلك أَحَدُكُمْ فَليَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وهو جالِسٌ". قوله: "لَبَّسَ" بتشديد الباء؛ أي: خلَّط وشوَّش خاطرَه وأوقعَ في خاطره من الأشغال الدنيوية. قوله: "فَلْيَسْجُدْ سجدتَين" هذا الحديث مختصر، ومعناه: أنه يبني على اليقين؛ يعني: إذا شكَّ أنه صلَّى ركعةً أو ركعتَين أخذ بالأقل، وهو ركعة، وكذلك لو شكَّ أنه صلَّى ركعتَين أو ثلاثًا أخذ بالأقل، وهو ركعتان، وَلْيُصلِّ ما بقي ثم يسجد سجدَتَي السَّهو بعد قراءة التشهُّد. * * * ٧٢٥ - وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شكَّ أحدُكم في صلاته فلم يدْرِ كم صلَّى، ثلاثًا أم أربعًا؛ فليَطرح الشَّكَّ، وليَبن على ما استيقَن، ثمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فإنْ كانَ صَلَّى خَمسًا شَفَعَها بهاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِنْ كانَ صلَّى إتمامًا لأِرْبعٍ كانتا تَرغيمًا لِلشَّيطانِ". قوله: "فإن كان قد صلَّى خمسًا يشفعها بهاتَين السجدتَين": هذا إشارة إلى أن كلَّ صلاةٍ هي شَفْعٌ، كالظهر والعصر والعشاء الآخرة، والصُّبح لا يجوز أن يُصلِّيَها أحدٌ وترًا، فإنْ صلَاّها أحدٌ وترًا، مثل: أن يُصلِّيَ الظهرَ خمسَ ركعاتٍ، فإن زاد الركعةَ الخامسةَ عمدًا بطلَتْ، وإن زادها سهوًا يقعد إذا تذكَّر، ويتشهَّد ويسجد سجدتَي السَّهو، ويُسلِّم عند الشافعي. وأما عند أبي حنيفة: إذا صلى ركعةً خامسةً سهوًا، ثم تذكَّر يُصلِّي ركعةً سادسةً، ثم يتشهَّد ويُسلِّم، ثم يسجد سجدتَي السَّهو. "الترغيم": الإذلال والإغضاب والإيصال إلى التراب.

стр. 705

"كانتا ترغيمًا للشيطان"؛ أي: كانت سجدتا السَّهو إذلالًا للشيطان وجبرًا لِمَا أَوقع الشيطانُ في قلبه من الوسوسة. * * * ٧٢٦ - وعن عبدِ الله بن مَسْعودٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ صَلَّى الظُّهرَ خمسًا، فقيلَ له: أَزيدَ في الصلاة؟، فقالَ: "وما ذاكَ! "، قالوا: صلَّيتَ خمسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ، وقال: "إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُم أَنْسى كما تَنْسَوْنَ، فإذا نسِيتُ فَذَكِّروني، وإذا شَكَّ أَحَدُكُمْ في صَلاِتهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ ليُسَلِّمْ، ثم يسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ". قوله: "ما ذاك؟ " أي: ما قولُك؟ يعني: لأيِّ سببٍ تقولون: "أزِيدَ في الصلاة؟ " قوله: "فسجد سجدتَين"؛ أي: سجدتَين للسَّهو بعدما سلَّم؛ لأنه علَّم السَّهوَ بعدَ السلام، وهذا دليلٌ على أن مَن زاد في الصلاة ساهيًا وعلمَ السهوَ بعدَ السلام سجدَ سجدتَي السهو، وليس عليه أن يُسلِّمَ مرةً أخرى. قوله: "فَلْيَتحرَّ الصوابَ"؛ أي: فَلْيطلبِ الصوابَ بغَلَبَةِ الظن. قوله: "فَلْيُتمَّ عليه"؛ يعني: فَلْيأخُذْ بالأقل وليتمَّ ما بقي من صلاته، فإن شكَّ هل صلَّى ثلاثًا أم أربعًا فَلْيأخُذْ بالأقل، وهو الثلاث، وليتمَّ ما بقي وهو ركعة. * * * ٧٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ العَصْرِ فَسَلَّم في رَكعتينِ، فقامَ إلى خشبةٍ مَعْروضَةٍ في المَسْجدِ، فاتَّكَأَ عَلَيْها كأنَّه غَضْبانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى على اليُسْرى، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ
следующие страницы →