بالحصى وغيرها عمن تنزل عليه الرحمة.
* * *
٧١٧ - وقالت أمُّ سَلَمَةَ: رَأَى النَّبيُّ ﷺ غُلامًا لنا يُقالُ لَهُ: أَفلَح، فإذا سَجَدَ نَفَخَ، فقال: "يا أَفْلَحُ!، تَرِّبْ وَجْهَكَ".
قولها: "إذا سَجَدَ نَفَخَ"؛ يعني: نَفَخَ في الأرض ليزولَ عنه الترابُ؛ ليَسجدَ.
"ترِّبْ"؛ أي: أَوصِلْ وجهَك إلى التراب؛ أي: اسجدْ على التراب؛ فإنه أعظمُ للثواب.
* * *
٧١٨ - وقال "الاخْتِصارُ في الصَّلاةِ راحَةُ أَهْلِ النَّارِ".
قوله: "الاختصارُ في الصلاة راحةُ أهل النار"، قيل: المراد بالاختصار هنا: الخَصْر في قوله: (نهى عن الخَصْر)، وقد ذُكر شرحُه في هذا الباب.
والمراد بأهل النار: اليهود؛ لأنه فعلُ اليهودِ، وقيل: الاختصار أن ينقصَ الرجلُ من أركان الصلاة ليفرغَ منها سريعًا، ولا شك أن نقصانَ أركان الصلاة مُوجِبٌ للنار.
* * *
٧١٩ - وقال "اقتُلوا الأَسْوَدَيْنِ في الصَّلاةِ: الحَيَّةَ، والعَقْرَبَ".
قوله: "اقتلوا الأسودَين ... " إلى آخره.
стр. 702
"الحيةَ والعقربَ": بيان (الأسودَين)، ويجوز قتلُهما في الصلاة بضربةٍ أو ضربتَين.
* * *
٧٢٠ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسول الله ﷺ يُصَلِّي تَطَوُّعًا والبابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، فجئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ، فَمَشَى فَفَتَحَ لي، ثُمَّ رَجَعَ إلى مُصَلَاّهُ، وذَكَرَتْ أنَّ البابَ كانَ في القِبْلَةِ.
قولها: "فاستفتحت ... " إلى آخره؛ (استفتحت)؛ أي: طلبتُ فتحَ الباب.
هذا دليلٌ على أن الخطوةَ والخطوتَين في الصلاة لا تبطلها، وإنما علِمْنا أن رسولَ الله ﵇ خَطَا خطوةً أو خطوتَين ولم يزد على ذلك؛ لأنَّا علِمْنا من الشرع أن ثلاثَ خطواتٍ تُبطل الصلاةَ.
* * *
٧٢١ - عن عَليِّ بن طلق أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فَسا أَحَدُكُم في الصَّلاةِ فلينصَرِفْ، فليتوضَّأ، وَلْيُعِدِ الصَّلاةَ".
قوله: "إذا فَسَا أحدُكم"؛ أي: إذا خرج منه ريحٌ.
* * *
٧٢٢ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أَحْدَثَ أَحَدُكم في صَلاتِهِ فَلْيَأْخُذْ بِأنْفِهِ، ثمَّ ليَنْصَرِفْ".
"إذا أَحدَثَ أحدُكم في الصلاة فَلْيَأخُذْ بأنفه، ثم لِيَنْصَرِفْ"؛ إنما أمرَه رسولُ الله ﵇ بأن يأخذَ يدَيه بأنفه ليُخيِّلَ للحاضرين أنه رعفَ،
стр. 703
كيلا يخجلَ ويَستحي.
* * *
٧٢٣ - وقال: "إذا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ وَقَدْ جَلَسَ في آخِرِ صَلاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جازَتْ صَلاتُهُ"، ضعيف.
قوله: "إذا أَحدَثَ ... " إلى آخره؛ يعني: إذا حصلَ حَدَثٌ لأحدكم وقد جلس في آخر صلاته بقَدْر التشهد تمَّت صلاتُه، وإن لم يقرأ التشهُّدَ وإن لم يُسلِّم.
وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀، وعند الشافعي ﵀: بطلت صلاتُه؛ لأن التسليمَ عنده فرضٌ.
روى هذا الحديثَ عبدُ الله بن عمرَ ﵄.
* * *
١٩ - باب سُجُود السَّهْوِ
(باب السَّهو) (١)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٧٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أَحَدُكُم إذا قامَ
стр. 704
يُصَلِّي جاءَ الشَّيْطانُ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حتَّى لا يَدْري كَمْ صَلَّى، فإذا وَجَدَ ذلك أَحَدُكُمْ فَليَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وهو جالِسٌ".
قوله: "لَبَّسَ" بتشديد الباء؛ أي: خلَّط وشوَّش خاطرَه وأوقعَ في خاطره من الأشغال الدنيوية.
قوله: "فَلْيَسْجُدْ سجدتَين" هذا الحديث مختصر، ومعناه: أنه يبني على اليقين؛ يعني: إذا شكَّ أنه صلَّى ركعةً أو ركعتَين أخذ بالأقل، وهو ركعة، وكذلك لو شكَّ أنه صلَّى ركعتَين أو ثلاثًا أخذ بالأقل، وهو ركعتان، وَلْيُصلِّ ما بقي ثم يسجد سجدَتَي السَّهو بعد قراءة التشهُّد.
* * *
٧٢٥ - وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شكَّ أحدُكم في صلاته فلم يدْرِ كم صلَّى، ثلاثًا أم أربعًا؛ فليَطرح الشَّكَّ، وليَبن على ما استيقَن، ثمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فإنْ كانَ صَلَّى خَمسًا شَفَعَها بهاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِنْ كانَ صلَّى إتمامًا لأِرْبعٍ كانتا تَرغيمًا لِلشَّيطانِ".
قوله: "فإن كان قد صلَّى خمسًا يشفعها بهاتَين السجدتَين": هذا إشارة إلى أن كلَّ صلاةٍ هي شَفْعٌ، كالظهر والعصر والعشاء الآخرة، والصُّبح لا يجوز أن يُصلِّيَها أحدٌ وترًا، فإنْ صلَاّها أحدٌ وترًا، مثل: أن يُصلِّيَ الظهرَ خمسَ ركعاتٍ، فإن زاد الركعةَ الخامسةَ عمدًا بطلَتْ، وإن زادها سهوًا يقعد إذا تذكَّر، ويتشهَّد ويسجد سجدتَي السَّهو، ويُسلِّم عند الشافعي.
وأما عند أبي حنيفة: إذا صلى ركعةً خامسةً سهوًا، ثم تذكَّر يُصلِّي ركعةً سادسةً، ثم يتشهَّد ويُسلِّم، ثم يسجد سجدتَي السَّهو.
"الترغيم": الإذلال والإغضاب والإيصال إلى التراب.
стр. 705
"كانتا ترغيمًا للشيطان"؛ أي: كانت سجدتا السَّهو إذلالًا للشيطان وجبرًا لِمَا أَوقع الشيطانُ في قلبه من الوسوسة.
* * *
٧٢٦ - وعن عبدِ الله بن مَسْعودٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ صَلَّى الظُّهرَ خمسًا، فقيلَ له: أَزيدَ في الصلاة؟، فقالَ: "وما ذاكَ! "، قالوا: صلَّيتَ خمسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ، وقال: "إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُم أَنْسى كما تَنْسَوْنَ، فإذا نسِيتُ فَذَكِّروني، وإذا شَكَّ أَحَدُكُمْ في صَلاِتهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ ليُسَلِّمْ، ثم يسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ".
قوله: "ما ذاك؟ " أي: ما قولُك؟ يعني: لأيِّ سببٍ تقولون: "أزِيدَ في الصلاة؟ "
قوله: "فسجد سجدتَين"؛ أي: سجدتَين للسَّهو بعدما سلَّم؛ لأنه علَّم السَّهوَ بعدَ السلام، وهذا دليلٌ على أن مَن زاد في الصلاة ساهيًا وعلمَ السهوَ بعدَ السلام سجدَ سجدتَي السهو، وليس عليه أن يُسلِّمَ مرةً أخرى.
قوله: "فَلْيَتحرَّ الصوابَ"؛ أي: فَلْيطلبِ الصوابَ بغَلَبَةِ الظن.
قوله: "فَلْيُتمَّ عليه"؛ يعني: فَلْيأخُذْ بالأقل وليتمَّ ما بقي من صلاته، فإن شكَّ هل صلَّى ثلاثًا أم أربعًا فَلْيأخُذْ بالأقل، وهو الثلاث، وليتمَّ ما بقي وهو ركعة.
* * *
٧٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ العَصْرِ فَسَلَّم في رَكعتينِ، فقامَ إلى خشبةٍ مَعْروضَةٍ في المَسْجدِ، فاتَّكَأَ عَلَيْها كأنَّه غَضْبانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى على اليُسْرى، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ
стр. 706
الأَيْمَن على ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرى، وفي القَوْمِ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ رضوان الله عليهما، فهاباه أن يُكَلِّماه، وفي القَوْم رَجُلٌ وفي يَدَيْهِ طُولٌ يقال له: ذو اليدين، قالَ: يا رسولَ الله! أَقُصِرَتْ الصلاةُ أَمْ نَسيتَ؟، فقال: "كلُّ ذلكَ لَمْ يَكُنْ"، فقالَ: قَدْ كانَ بعضُ ذلكَ، فأَقْبَلَ على الناسِ، فقال: "أصدَقَ ذو اليَدَيْنِ؟ " قالوا: نَعَمْ، فتقدَّم، فَصَلَّى ما تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سُجودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رأْسَهُ وكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّر وسَجَدَ مِثْلَ سُجودِهِ أو أَطوَل ثم رَفَعَ وَكَبَّرَ.
وقال عِمرانُ بن حُصَيْن: ثُمَّ سَلَّم.
قوله: "صلاة العصر"، رُوي عن أبي هريرة بطرقٍ كثيرةٍ: أنه شكَّ أن تلك الصلاةَ كانت ظهرًا أو عصرًا والأصحُّ أنها كانت عصرًا؛ لأن عِمرانَ بن حُصين رَوى: أنها كانت صلاة العصر بغير شك.
"فقام إلى خشبة معروضة"؛ أي: قام من ذلك الموضع وأتى إلى خشبةٍ كانت في وسط المسجد معروضةٍ؛ أي: مطروحة، وهي مِنْ: عَرضتُ الخشبةَ على الإناء؛ أي: طرحتُها عليه.
قوله: "شبَّك بين أصابعه"، (تشبيك الأصابع): إدخال بعضها في بعض، وهو مكروهٌ حيث كان للعب، وغيرُ مكروهٍ حيث كان يمدَّ الأصابعَ للاستراحة، أو كان ليأخذ يدَيه على ركبتَيه ليتمكَّنَ من الجلوس، أو ليضعَ وجهَه أو رأسَه على ركبتيه، كلُّ ذلك غيرُ مكروهٍ؛ لأنه للاستراحة.
قوله: "فهاباه أن يُكلِّماه"؛ أي: خاف أبو بكر وعمر ﵄ أن يُكلِّماه في نقصانه الصلاةَ.
قوله: "في يدَيه طولٌ"؛ يعني: يدُه كانت أطولَ من أيدي القوم، فلطولِ يدِه يُسمى: (ذو اليدَين)؛ يعني: يدُه كاليدَين في الطول، واسمه: خِرْبَاق، من بني سُلَيم، حجازي.
стр. 707
قوله: "كلُّ ذلك لم يكن"؛ يعني: ما نسيتُ وما قُصِرَتِ الصلاةُ، بل أَتممتُ الصلاةَ، وهذا دليلٌ على أن مَن ظنَّ أنه فعلَ شيئًا فقال: فعلتُ، أو قال: ما فعلتُ، وفي ظنِّه أنه لم يفعل، ثم تبيَّن خلافُ ما ظنَّ، لم يَأثَمْ؛ لأن رسولَ الله قال: (كلُّ ذلك لم يكن)، وقد كان السَّهوُ.
قوله: "قد كان بعضُ ذلك"؛ يعني: قصرتَ الصلاةَ، ولكن: قصرتَها سهوًا، أو أمرَ الله تعالى بقصرها؟
اعلم أن العلماءَ قد تكلموا في حكم تكلُّم ذي اليدَين، وتكلُّم رسول الله ﷺ والقوم في جواب رسول الله ﵇ بـ "نعم"، ثم صلَّوا ما بقي من الصلاة ولم يستأنفوا؛ فقال بعضهم: قد كانت هذه الواقعة قبل أن يُحرَّمَ الكلامُ في الصلاة.
وقال بعضهم: بل كانت هذه الواقعةُ بعد تحريم الكلام، ولكن سببَ تكلُّم ذي اليدين: أنه ظنَّ أن رسولَ الله ﵇ قصرَ الصلاةَ بأمر الله حتى لم يكونوا في الصلاة، وسبب تكلُّم رسول الله ﵇: أنه ظنَّ أن ذا اليدَين غيرُ صادقٍ فيما يقول بالصلاة، وظنَّ أنه أتمَّ الصلاةَ وخرجَ منها، وجواب القوم له بقولهم: (نعم): أنهم لم يعلموا أيضًا أن رسولَ الله يقول: (قصرت الصلاة) أو يقول: "نسيت"، فلم يعلموا كونَهم في الصلاة يقينًا؛ وهذا التأويل أصحُّ، وبعدَ رسولِ الله لا يُتصوَّر مثلُ واقعة ذي اليدَين؛ لأنه لم يكن زمانَ زيادةِ الصلاة ونقصانها؛ لانقطاع الوحي.
نعم، لو نقص الإمامُ شيئًا من الصلاة، فأشار إليه بعضُ القوم بالنقصان، فقال الإمام لبعض القوم باللسان: أنقصتُ من الصلاة أم لا؟ فأُشير إليه بأن نقصتَ كذا، لا تبطل صلاةُ الإمام بهذا التكلم؛ لأنه لم يعرف يقينًا كونه في الصلاة، بل يقوم ويصلِّي ما بقي.
стр. 708
قوله: "مثل سجوده"؛ يعني: لبثَ في سجود السهو مثلَ ما لبثَ في سجود الفرض.
"وقال عِمران بن حُصين: ثم سلَّم"؛ يعني: قال عمران: سلَّم رسولُ الله بعد سجود السهو مرةً أخرى.
* * *
٧٢٨ - وقال عَبْدُ الله بن بُحَيْنَةَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ، فقامَ في الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقامَ الناسُ مَعَهُ، حتى إذا قَضى الصَّلاةَ وانْتَظَرَ الناسُ تَسْليمَهُ كَبَّرَ وهُوَ جالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قبل أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ.
قوله: "لم يجلس"؛ أي: لم يجلس في التشهد الأول.
"فسجد سجدتَين"؛ أي: سجدتَي السَّهو.
قال الشافعي: موضعُ سجودِ السهو قبلَ السلام، وقال أبو حنيفة: بعد السلام.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٧٣٠ - عن المُغِيرَةَ بن شُعْبَةَ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "إذا قامَ الإِمامُ في الرّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوي قائمًا فَلْيَجْلِسْ، وإنْ اسْتَوى قائمًا فَلا يَجْلِسْ، وَيَسْجُد سَجْدَتَيْ السَّهْوِ".
قوله: "إذا قام الإمامُ في الركعتَين"؛ يعني: إذا ترك التشهدَ الأولَ يسجدُ للسَّهو، ولا يسجد سجودَ السهو لأجل سُنَّةٍ سوى التشهد الأول والقنوت؛ فإنهما واجبانِ عند أبي حنيفة.
* * *
стр. 709
٢٠ - باب سُجود القُرآن
(باب سجود القرآن)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٧٣١ - قال ابن عباس ﵄: سَجَدَ النبيُّ ﷺ بـ (النجم)، وسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمونَ، والمُشْرِكُونَ، والجِنُّ، والإِنْسُ.
قوله: "سجدَ النبيُّ ﷺ بالنجم ... " إلى آخره، قيل: سببُ موافقة المشركين رسولَ الله ﵇ في السجود في (النجم): أن رسولَ الله ﵇ قرأ النجم، فلما بلغ: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢٢] جرى على لسانه سهوًا: تلك الغَرَانيقُ العُلا، وإن شفاعتَهن لَتُرْتَجَى، ففرح المشركون وقالوا: إن محمدًا ﵇ مدح أصنامنا، فلما سجد في آخر السورة وافقَه المشركون وقالوا: نوافقُه كما وافَقَنا في مدح الأصنام، فلما عَلِمَ النبيُّ ﵇ أنه جرى على لسانه: تلك الغرانيق العلا اغتمَّ غَمًّا شديدًا لجريان هذا على لسانه، حتى أنزل الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] الآية (١).
الغُرْنُوق: الشابُّ، جمعها: غرانيق، إن شفاعتَهن لَتُرتجى؛ يعني: تُرتَجَى شفاعةُ الأصنام لمَن يعبدها، هذا كفرٌ، ولكن ألقاه الشيطانُ على لسان رسول الله ﵇.
قوله: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾؛ أي: إذا قرأ الكتابَ الذي أُنزل عليه؛ يعني: ألقى
стр. 710
الشيطانُ الخطأَ على لسان الأنبياء مِن قبلِك كما ألقاه عليك، ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾؛ أي: في قراءته.
وأما سجودُ الجن فلأنَّ مِن الجنِّ مسلمين ومشركين كما من الإنس، فوافقوا رسولَ الله ﵇، كما وافقه الإنس.
* * *
٧٣٢ - وقال أبو هريرة ﵁: سَجَدْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ , و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.
قوله: "سجدنا مع النبي ﷺ ... " إلى آخره، الذي في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾: قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]، وفي ﴿اقْرَأْ﴾: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].
* * *
٧٣٣ - وقال ابن عُمَرَ ﵄: كانَ النبيُّ ﷺ يَقْرَأُ السَّجَدَةَ ونحنُ عِنْدَهُ، فَيَسْجُدُ ونسْجُدُ معه، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى ما يَجِدُ أَحَدُنا لِجَبْهَتِهِ مَوْضعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ.
قوله: "فنزدحم"، أصله: نزتحم، فقُلبت التاءُ دالًا؛ أي: نجتمع بحيث ضاق المكانُ علينا، هذا الحديث يدل على تأكيد سجود التلاوة.
* * *
٧٣٤ - وقال زَيد بن ثابتٍ: قَرَأْتُ على النبيِّ ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فيها.
قوله: "قرأت على النبي ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فلم يسجد فيها": قد صح أن رسولَ الله سجد في آخر ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وهذا الحديثُ لا يدل على عدم السجود في
стр. 711
(النجم)؛ لأنه لعل رسولَ الله ﵇ في ذلك الوقت لم يكن على الوضوء، أو لعله سجدَ في وقتٍ ولم يسجد في وقتٍ؛ ليُعلمَ الناسَ أنه سُنَّةٌ وليس بواجبٍ، وفي العبادات الإثباتُ أَولى بالقَبول من النفي.
* * *
٧٣٥ - وقال ابن عباس ﵄: سجدة (ص) لَيْسَتْ مَنْ عَزائِمِ السُّجودِ، وقَدْ رَأَيْتُ النبيَّ ﷺ يَسْجُدُ فيها.
قوله: "سجدة ﴿ص﴾ ليست من عزائم السجود"، (العزائم) جمع: عزيمة، وهي ما يعزمه الإنسان؛ أي: يقصده؛ إما لسبيل الوجوب، أو السُّنة، والعزيمةُ استعمالها ما في الفريضة أكثر.
ومذهب أبي حنيفة ﵀: أن سجودَ التلاوة واجبٌ، وعند الشافعي: سُنَّةٌ، وسجدة قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، وهي من جملة سَجَدات التلاوة عند أبي حنيفة، وأما عند الشافعي فهي سجدة الشكر، لا من جملة سَجَدات التلاوة.
وقول ابن عباس: (ليس من عزائم السجود)، معناه عند أبي حنيفة: ليس من الفرائض، بل هي من الواجبات، وعنده الواجبُ غيرُ الفريضةِ، والفريضةُ عنده: ما فُرِضَ وما ثبتَ وجوبُه بدليلٍ قاطعٍ، والواجبُ: ما ثبتَ وجوبُه بدليلٍ ظنيٍّ.
وعند الشافعي معناه: أنه ليس من سُنَن سَجَدات التلاوة، بل هو من سَجَدات الشكر؛ لأن داودَ لمَّا قُبلت توبتُه سجدَ شكرًا، ولمَّا قرأ رسولُ الله ﵇: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ سجدَ موافقةً لداود ﵇.
* * *
стр. 712
٧٣٦ - وفي روايةٍ: أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ , وقالَ: كانَ داوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبيُّكُمْ أَنْ يَقْتَديَ بهِ، فَسَجَدَها داودُ، فَسَجَدَها النبيُّ ﷺ .
قوله: ﴿هَدَى اللَّهُ﴾؛ أي: هداهم الله.
﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾؛ يعني: افعَلْ كما فعلوا من تبليغ الرسالة وتحمُّل الأذى في سبيلي.
قوله: "أن يَقتديَ به"؛ يعني: هو نبيٌّ من جملة الأنبياء الذين قال لي ربي: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
* * *
مِنَ الحِسَان:
٧٣٧ - عن عَمْرو بن العاصِ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ أَقْرَأهُ خَمْسَ عَشرَةَ سَجْدَة: مِنْهَا ثلاثٌ في المُفَصَّلِ، وفي سورَةِ الحَجِّ سجدتان. غريب.
قوله: "أَقْرَأَه خمسَ عشرةَ سجدةً": اعلم أن سَجَدات التلاوة خمسَ عشرةَ سجدةً، في الأعراف آخرَها، وفي الرعد: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، وفي النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]، وفي بني إسرائيل: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]، وفي مريم: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وفي الحج موضعان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]، ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وفي الفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]، وفي النمل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]، وفي ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥]، وفي ﴿صَ﴾: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، وفي: ﴿حمَ﴾ فصلت: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] , وفي النجم آخرَها، وفي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، وفي ﴿اقْرَأْ﴾ آخرَها.
وبهذا الحديث قال أحمد وابن المبارك، وأخرج الشافعي من جملتها
стр. 713
سجدةَ ﴿ص﴾ وأخرج أبو حنيفة منها السجدةَ الثانيةَ من (الحج).
* * *
٧٣٨ - عن عُقْبَةَ بن عامرٍ ﵁ قال: قلت: يا رسولَ الله!، فُضلَتْ سورةُ الحَجِّ بِأَنَّ فيها سَجْدَتَيْنِ؟، قالَ: "نعمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فلا يَقْرَأْهُمَا"، ضعيف.
"فُضلَتْ سورةُ الحج بأن فيها سجدتَين"؛ يعني: لسورة الحج فضيلةٌ على السور التي فيها سجدةٌ بأن فيها سجدتَين، وفي غيرها سجدةٌ.
"ومَن لم يسجدهما فلا يقرأهما"؛ يعني: مَن لم يَسجدْهما لم يحصل له كمالُ ثوابِ قراءتها، فيكون كمَن لم يقرأ جميعَها، بل قرأ بعضَهما وترك بعضَها.
* * *
٧٣٩ - عن ابن عُمَرَ ﵄: كانَ رسولُ الله ﷺ يَقْرَأُ القرآنَ، فإذا مَرَّ بالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وسَجَدَ، وسَجَدْنَا مَعَهُ.
قوله: "ثم قام فركع"؛ يعني: لمَّا عاد من السجود إلى القيام ركع ولم يقرأ بعد السجدة شيئًا، فمَن شاء أن يقرأ باقي السورة بعد السجدة جازَ، ومَن شاء ألا يقرأَ باقيها جازَ.
قوله: "فرَأَوا"؛ يعني: علموا أنه قرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ بأن سمعوا بعضَ قراءته؛ لأنه ﵇ كان يرفع صوتَه ببعض الكلمات في الصلاة السرية، ليعرفَ مَن خلفَه ما يقرأ؛ لتصيرَ قراءةُ تلك السورة سُنَّةً.
* * *
٧٤٠ - عن ابن عمر ﵄: أنَّ النبيّ ﷺ سَجَدَ في صَلاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ قامَ
стр. 714
فَرَكَعَ، فَرَأَوْا أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة.
قوله: "فإذا مرَّ بالسجدة كبَّرَ وسجدَ وسجَدْنا": الأكمل في سجود التلاوة في غير الصلاة أن يرفعَ يدَيه وينويَ ويكبر للإحرام، ثم يكبر للسجود، ثم يكبر للرفع من السجود، ولو اقتصر على السجود من غير تكبير جازَ.
وفيه اختلافاتٌ كثيرةٌ في الفقه، وإن سجدَ في الصلاة لا يرفع يدَيه، ويكبر للسجود ويكبر للرفع.
* * *
٧٤١ - وعنه: قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قرأَ عامَ الفَتْحِ سجدةً، فَسَجَدَ الناسُ كلُّهُم، منهم الراكبُ والساجدُ على الأرضِ حتى إنَّ الراكبَ يسجد على يَدِهِ.
قوله: "حتى إن الراكبَ لَيسجدُ على يده": هذا دليلٌ على أن الراكبَ إذا قرأ آيةَ سجدةِ التلاوةِ يُسَنُّ له السجودُ، إلا أنه يشير برأسه ولا يحتاج إلى وضع جبهته على السرج وغيره، فلو سجدَ على يده يصحُّ إذا أَنْحَى عنقَه عند أبي حنيفة، ويبطل عند الشافعي.
* * *
٧٤٢ - وعن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ في شَيْءٍ من المُفَصَّل مُنْذُ تَحَوَّلَ إلى المَدينةِ.
قوله: "لم يَسجُدْ في شيءٍ من المُفصَّل منذ تحوَّلَ إلى المدينة": لم يلزم من هذا الحديث عدمُ سجود التلاوة في المفصَّل؛ لأن كثيرًا من الصحابة يَرْوُون سَجَدات المفصَّل، وإذا تعارَضَ النفي والإثباتُ فالإثباتُ أَولى بالقَبول، ولأن ابن عباسٍ هو الذي يروي في الصِّحاح: (أن النبي ﵇ سجد
стр. 715
بـ ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وسجد معه المشركون ... إلى آخر الحديث، ولا شك أن الحديثَ المَرويَّ في الصِّحاح أقوى من المَرويِّ في الحِسان.
* * *
٧٤٤ - وقال ابن عباس ﵄: جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله!، رَأَيْتُني اللَّيلةَ وأنا نائِمٌ كأنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَسَجَدَتُ، فَسَجَدَتِ الشَجَرَةُ لِسُجودِي، فَسَمِعْتُها تَقولُ: اللهمَّ اكتبْ لي بها عِنْدَكَ أَجْرًا، وضَعْ عَنِّي بها وِزْرًا، واجْعَلْها لي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وتَقَبَّلْها مِنِّي كما تَقَبَّلْتَها مِنْ عَبْدِكَ داودَ وقال ابن عبَّاس ﵄: فَقَرَأَ النبيُّ ﷺ سجدَةً ثُمَّ سَجَدَ، فَسَمِعْتُه وهُوَ يقولُ مِثلَ ما أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عن قَوْلِ الشَّجَرَةِ. غريب.
قوله: "يا رسولَ الله! رأيتُني الليلةَ وأنا نائمٌ كأني خلفَ شجرةٍ، فسجدتُ ... " إلى آخره: اعلم أن الرجلَ الذي رأى في هذه الرؤيا هو أبو سعيد الخُدْري، وهذا الدعاءُ مسنونٌ في سجود التلاوة؛ لأن النبيَّ ﵇ قرأه في سجود التلاوة.
* * *
٢١ - باب أَوقات النَّهْي عن الصَّلاة
(باب أوقات النهي)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٧٤٥ - قال رسول الله ﷺ : "لا يَتَحَرَّ أَحَدكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ولا عِنْدَ غُروبهَا".
стр. 716
وفي روايةٍ: "إذا طَلَعَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، واذا كابَ حاجِبُ الشَّمسِ فَدَعُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَغيبَ، ولا تَحَيَّنُوا بِصَلاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ ولا غُروبَها، فإنَّها تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطانِ".
قوله: "لا يتحرَّى ... " إلى آخره، (لا يتحرَّى)؛ أي: لا يطلب ولا يقصد الصلاةَ عند طلوع الشمس؛ لأن الكفارَ الذين يعبدون الشمسَ يسجدون لها عند طلوعها وعند غروبها، (لا يتحرى): نفي بمعنى النهي.
قوله: "إذا طلع حاجب الشمس ... " إلى آخره، (حاجب الشمس): أولها.
"فدَعُوا"؛ أي: فاتركوا.
"حتى تبرزَ"؛ أي: تخرجَ قيدَ رمحٍ.
"حتى تغيبَ"؛ أي: حتى تغربَ بالكُلِّية.
"ولا تحيَّنوا"؛ أي: ولا تطلبوا الحِين، وهو الوقت؛ يعني: ولا توقعوا صلاتَكم في وقت طلوع الشمس ولا غروبها.
قوله: "فإنها تطلع بين قرنيَ الشيطان": ذُكر هذا في (باب تعجيل الصلاة).
* * *
٧٤٦ - وقال عُقْبَةُ بن عامِرٍ ﵁: ثلاثُ ساعاتٍ كانَ رسولُ الله ﷺ يَنْهَانَا أنْ نُصَلِّي فيهِنَّ، وأَنْ نَقْبُرَ فيهِنَّ مَوْتانا: حينَ تَطْلعُ الشَّمْسُ بازِغَةً حتى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يقومُ قائِمُ الظَّهِيرَةِ حتى تميلَ الشَّمسُ، وحينَ تَضَيَّفُ الشمسُ للغُروبِ حتى تَغْرُبَ.
قوله: "وأن نقَبرَ فيهن موتانا ... " إلى آخره، قال ابن المبارك: المراد منه: الصلاة على الميت.
стр. 717
"بازغة": منصوب على الحال؛ أي: حين خرجت الشمس ظاهرةً من المشرق، لا وقتَ ظهور شعاعها، ولم يظهر شيء من قرصها، فإنه حينَئذٍ لم تُكرَه صلاةُ النفل ممن لم يصلِّ فرضَ الصبح.
قوله: "وحين يقوم قائم الظهيرة"، (الظهيرة): نصف النهار، ووقتَ الظهيرة كانت الشمسُ واقفةً عن السير تلبث في كبد السماء لحظةً، ثم تسير.
وقيل: يراها الناسُ واقفةً، وهي في الحقيقة غيرُ واقفةٍ.
قال المصنف ﵀ في "شرح السنة": وقد علَّل النبيُّ ﵇ المنعَ من الصلاة حالةَ الطلوع وحالةَ الغروب بكون الشمس بين قرنَي الشيطان، وعلَّل المنعَ حالةَ الزوال بأن جهنمَ تُسجر حينَئذٍ وتُفتَح أبوابُها.
وقيل: علة النهي نصفَ النهار: أن عَبَدَةَ الشمسِ يسجدون لها في ذلك الوقت؛ لانتهائها الكمال في النور والارتفاع، وسجر جهنم في ذلك الوقت لعَبَدَة الشمس.
وذكر محيي السُّنة في "التهذيب": أنه رُوي عن الصالحي: أن رسولَ الله ﵇ قال: "إن الشمسَ تطلع ومعها قرنُ الشيطان، فإذا ارتفعت فارَقَها، ثم إذا استوت قارَنَها، فإذا زالت فارَقَها، فإذا دَنَتْ للغروب قارَنَها".
فهذا الحديث يدل على أن علةَ النهي في وقت الاستواء كما في وقت الغروب والطلوع.
قال الشيخ الإمام ﵀: وهذا التعليلُ وأمثالُه مما لا يُدرَك معانيها؛ إنما علينا الإيمانُ والتصديقُ، وتركُ الخوضِ فيها، والتمسكُ بالحكم المعلَّق بها.
قوله: "وحين تضيَّف الشمسُ"؛ أي: تتضيَّف، فحُذفت تاء الاستقبال، ومعناه: تميل، فمذهب الشافعي: جوازُ صلاةٍ لها سببٌ، كالقضاء وصلاة
стр. 718
الجنازة وتحية المسجد وغيرها عند الطلوع والغروب والزوال، وعند أبي حنيفة: لا يجوز.
* * *
٧٤٧ - وقال رسول الله ﷺ : "لا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَمْسُ، ولا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغيبَ الشَّمْسُ".
قوله: "لا صلاةَ بعد الصبح حتى ترتفعَ الشمس، ولا صلاةَ بعد العصر حتى تغيبَ": وهذا النهي لمَن صلَّى الفريضةَ، فإذا لم يصلِّ الفريضةَ جازَ له النفلُ وغيرُه.
* * *
٧٤٨ - وقال عَمْرُو بن عَبَسَةَ: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المَدينَةَ، فَقَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فقلتُ: أَخْبرْني عَنْ الصَّلاةِ؟، فقالَ: "صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلاةِ حين تَطْلُعَ الشمسُ حتَى تَرْتَفِعَ، فإنَّها تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطان، وحينئذٍ يَسْجُدُ لها الكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ، فإنَّ الصلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضورَةٌ حتى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بالرُّمْح، ثُمَّ أَقْصِرْ عنْ الصَّلاةِ، فإنَّهُ حِينَئذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فإذا أَقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ، فإنَّ الصلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ أقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَمْسُ، فإنَّها تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيطانِ، وحينئذٍ يَسْجُدُ لها الكُفَّارُ"، قلتُ: يا نَبيَّ الله!، فَالوُضُوءُ، حَدِّثْنِي عَنْهُ، قالَ: "مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، ويَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إلَاّ خَرَّتْ خَطايا وَجْهِهِ وفيهِ وخَياشِيمِهِ مع الماءِ، ثمَّ إذا غسَلَ وَجْهَهُ كما أَمَرَهُ الله إلَاّ خَرَّتْ خَطايا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ
стр. 719
لِحْيَتِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ إلَّا خَرَّتْ خَطايا يَدَيْهِ مِنْ أَنامِلِهِ مَعْ الماءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إلَاّ خَرَّتْ خطايا رأسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ معْ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إلى الكعبيْنِ إلَّا خَرَّتْ خَطايا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعْ الماءِ، فإنْ هُوَ قامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ الله وأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بالذي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ تعالى إلا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".
قوله: "أَخبرْني عن الصلاة"؛ أي: عن وقت الصلاة.
"أَقصِرْ" بفتح الهمزة؛ أي: اتركْ.
"مشهودة": محضورة؛ أي يشهدها ويحضرها أهلُ الطاعة.
قوله: "حتى يستقلَّ الظلُّ بالرمح"، هكذا في نسخ "المصابيح"، وفي بعض نسخ "صحيح مسلم"، وأما في "شرح السُّنة" فرُوي هذا الحديثُ عن مسلم، وفيه: "حتى يستقلَّ الرمحُ بالظلِّ"؛ وهو الصحيح المستقيم في المعنى.
(استقل): إذا ارتفع، (حتى يستقل الرمح بالظل)؛ أي: حتى يرفع الرمحُ ظلَّه، وهذا مجازٌ؛ يعني: حتى لم يبقَ ظلُّ الرمحِ، وهذا بمكة والمدينة وحواليها في أطول يوم من النهار، فإنه لا يبقى عند الزوال ظلٌّ على وجه الأرض، بل يرتفع الظلُّ عن الأرض، ثم إذا مالت الشمس من جانب المشرق إلى جانب المغرب، وهو أول الظهر، يقع الظلُّ على الأرض.
وخصَّ الرمحَ بالذكر؛ لأن العربَ كانوا أهلَ باديةٍ ومسافرةٍ، فإذا أرادوا أن يعلموا نصف النهار ركزوا الرمحَ في الأرض، ثم نظروا إلى ظلِّها.
"تُسجَر"؛ أي: تُحمَى ويُبالَغ في حَرِّها.
"فإذا أقبل الفيء"؛ أي: فإذا رجع الظلُّ بعد ذهابه من وجه الأرض فهذا الوقت هو وقت الظهر.
стр. 720
"حتى تُصلِّيَ العصر"؛ أي: حتى تُصلِّيَ فرضَ العصر، فإن لم تصلِّ الفرضَ جازَ جميعُ الصلوات قبل أداء فرض العصر.
قوله: "فالوضوء"؛ يعني: أَخبرْني عن فضل الوضوء.
"وَضُوءَهُ" بفتح الواو: ماء وُضوئه.
"وفيه"؛ أي: وفمِه.
"الخياشيم" جمع: خَيْشُوم، وهو باطن الأنف.
"ثم إذا غسل وجهه": هذا وما بعده عطف على قوله: "ما منكم من رجل"، وتقديره: ما منكم رجلٌ يغسل وجهَه كما أمرَه الله إلا خرَّت خطايا وجهه.
"فإن هو قام"؛ أي: فإن قامَ هو بعد الوضوء وصلَّى.
قوله: "فحَمِدَ الله تعالى وأثنَى عليه"؛ يعني: يذكر الله في الصلاة كثيرًا.
قوله: "وفرَّغ قلبَه لله"؛ يعني: وجعلَ قلبَه حاضرًا لله، وجعلَه خاليًا عن الأشغال الدنيوية.
"عمرو بن عَبَسَة" بغير نون، جدُّه: عامر بن خالد السُّلَمي، وكنية (عمرو): أبو شعيب (١).
* * *
٧٤٩ - وعن كَرِيبٍ ﵁: أنَّ ابن عَبّاسٍ، والمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ، وعَبْدَ الرَّحْمنِ بن أَزْهَرَ ﵃ أرْسَلُوهُ إلى عائِشَةَ ﵂، فقالوا له: اقْرَأْ ﵍، وَسَلْهَا عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ؟، قالَ: فَدَخَلْتُ على عائشةَ، فَبَلَّغْتُهَا
стр. 721
ما أَرْسَلُوني [بِهِ]، فقالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إلَيْهِمْ، فَرَدُّونِي إلى أُمِّ سَلَمَةَ، فقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهُمَا ثُمَّ رأَيْتُهُ يُصَلِّيهِما، ثُمَّ دَخَلَ، فَأَرْسَلْتُ إلَيْهِ الجاريَةَ، فَقُلْتُ: قولي له: تقولُ أُمُّ سَلَمَةَ، يا رسولَ الله!، سَمِعْتُك تَنْهى عَنْ هَاتَيْنِ، فَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟، قال: "يا بنتَ أبي أُمَيَّةَ!، سألتِ عَن الرَّكْعَتَيْنِ بعْدَ العَصْرِ، وإنَّهُ أَتَاني ناسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُوني عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فُهُما هاتانِ".
قوله: "عن الركعتَين بعد العصر ... " إلى آخره؛ يعني: رأى الصحابة المذكورون في هذا الحديث، أو سمعوا أن رسولَ الله ﵇ صلَّى بعد أداء فرض العصر ركعتَين، فأَشكَلَ عليهم ذلك؛ لأن النبيَّ ﵇ نهى عن الصلاة بعد فرض العصر، وهو ﵇ صلَّى هاتَين الركعتَين.
قوله: "فهما هاتان"، هذا دليل على أن قضاءَ السُّنةِ سُنَّةٌ، وعلى أن أداءَ ما له سببٌ من الصلاة في الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها جائزٌ.
كنية "مِسْوَر": أبو عبد الرحمن، وجدُّه: نَوفل القُرَشي، جدُّ "عبد الرحمن بن أزهر": عوف القرشي الزُّهري.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٧٥٠ - عن قَيْسِ بن قَهْدٍ ﵁ قال: رآني النبيُّ ﷺ وأنا أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْح، فقالَ: "ما هاتانِ الرَّكْعَتانِ؟ "، فَقُلْتُ: إنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْ الفَجْرِ، فَسَكَتَ عَنْهُ رسولُ الله ﷺ . غير متصل.
قوله: "رآني رسول الله ... " إلى آخر: هذا الحديث يدل على أن سُنَّةَ
стр. 722
الصبح تجوز بعد فريضة الصبح لمَن لم يكن صلَاّها، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا فاتت السُّنةُ قبلَ الفرض لا تُؤدَّى بعد الفرض؛ لأن كلَّ سُنَّةٍ وقتُها معلومٌ، فإذا فاتَ وقتُها لا تُقضَى.
* * *
٧٥١ - عن جُبَيْر بن مُطْعَمٍ: ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يا بني عَبْدِ مَنافٍ!، مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فلا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا طافَ بِهذا البَيْتِ وصَلَّى أَيَّ ساعَةٍ شاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهارٍ".
قوله: "مَن وَلِيَ منكم من أمر الناس شيئًا"؛ يعني: مَن كان منكم أميرًا أو حاكمًا على المسلمين.
هذا الحديث يدل على أن صلاةَ التطوع في أوقات الكراهية غيرُ مكروهة بمكة؛ لشرفها، لينالَ الناسُ فضلَها في جميع الأوقات، وبه قال الشافعي.
وعند أبي حنيفة: مكروهة فيها كسائر البلاد.
* * *
٧٥٢ - عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلاةِ نِصْفَ النَّهارِ حَتَّى تَزولَ الشَّمْسُ إلَّا يَوْمَ الجُمُعَةِ.
قوله: "نهى عن الصلاة نصفَ النهار حتى تزولَ الشمس؛ إلا يومَ الجمعة": هذا الحديث يدل على أن صلاةَ النفل نصفَ نهارِ يومِ الجمعة غيرُ مكروهة، وبه قال الشافعي، وعند أبي حنيفة: مكروهة.
* * *
стр. 723
٢٢ - باب الجَماعة وفَضْلِها
(باب الجماعة وفضلها)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٧٥٤ - قال رسول الله ﷺ : "صَلاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاةَ الفَذِّ بِسَبعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً".
قوله: "صلاة الجماعة تفضل صلاةَ الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجةً"، (تَفْضُل)؛ أي: تزيد في الثواب، (صلاة الفذ)؛ أي: صلاة المنفرد.
* * *
٧٥٥ - قال: "وَالذي نَفْسي بِيَدِهِ!، لقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ يُحْتَطَبُ، ثُمَّ آمُرَ بالصَّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ أخالِفُ إلى رِجالٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيوتَهُمْ، والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ!، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أنَّهُ يَجدُ عِرْقًا سَمينًا، أَوْ مِرْماتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشاء".
قوله: "لقد هممت ... " إلى آخره؛ أي: قَصدتُ.
"يُتحطَّب": الصواب: يُحتَطب؛ لأن المراد به: جمع الحطب، و (الاحتطاب) بمعنى جمع الحطب معروف، و (التحطُّب) غيرُ مستعمل بمعنى جمع الحطب، ولأنه ذكر في "شرح السُّنة": (يُحتَطب)، وهكذا في "صحيح مسلم".
"أُخالِف"؛ أي: أُخاصِم وأُحارِب.
"لا يشهدون"؛ أي: لا يحضرون؛ يعني: قصدت أن آمرَ بأن يُجمَع
стр. 724
حطبٌ كثيرٌ وآمرَ مؤذِّنًا بأن يؤذِّن، وإمامًا بأن يؤمَّ الناسَ، ثم أنظر؛ فمَن لم يحضر الجماعةَ من غير عذر أُحرِّق بيتَه، وهذا يحتمل أن يكون في حقِّ المنافقين الذين كانوا في عهد رسول الله ﵇، ويحتمل أن يكون عامًا في حق جميع الناس، وإنما ذكره ﵇ بهذه العبارة للتأكيد؛ كي لا يترك الجماعةَ أحدٌ بغير عذرٍ لكثرة ثوابها، لأنها شعارُ الإسلام.
قوله: "لو يعلم أحدُهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا"، (العَرْق) بفتح العين وسكون الراء: العظم الذي لا لحمَ عليه.
"المرْمَاة" بكسر الميم وفتحها: السهم الذي يُرمَى به في السبق.
وقيل: المرماة: ما بين ظلفَي الشاة من اللحم؛ يعني: لو يعلم أحدُهم أنه إذا حضرَ صلاةَ العشاء يجد شيئًا من هذَين الشيئَين مع حقارته لأَتاها، مع أن حضورَ العشاء شديدٌ، ولم يأتِها ولا غيرَها من الصلاة ليجدَ نعيمَ الآخرة.
* * *
٧٥٦ - وقالَ أبو هريرة ﵁: أَتَى النَّبيَّ ﷺ رَجُلٌ أعْمَى فقالَ: يا رسول الله!، إنَّهُ لَيْسَ لي قائِدٌ يَقُودُنِي إلى المَسْجدِ، فسَأَلَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ في بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعاهُ فقالَ: "هَلْ تَسْمَعُ النِّداءَ بالصَّلاةِ؟ "، قالَ: نعم، قالَ: "فَأَجِبْ".
قوله: "أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ أعمى": هذا الرجل هو ابن أمِّ مكتوم.
قوله: "فاجِبْ"؛ أي: فَأْتِ إلى الجماعة.
وقال أبو ثور: حضورُ الجماعة واجبٌ؛ بدليل هذا الحديث.
وقال بعض أصحاب الشافعي: هو فرضٌ على الكفاية، والأكثرون
стр. 725
على أنه سُنَّةٌ مؤكدةٌ يجوز تركُها بعذرٍ، والعَمَى عذرٌ إذا لم يكن له قائدٌ، ولعل رسولَ الله ﷺ لم يرخِّص لابن أم مكتوم - مع أنه قال: ليس له قائدٌ - لتأكيد، أو لأنه يعلم أنه يَقدِرُ على الحضور بغير قائدٍ.
* * *
٧٥٧ - وقال ابن عُمَرَ: إنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ إذا كَانَتْ ليلةٌ ذاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ يقولُ: أَلا صَلُّوا في الرِّحالِ.
قوله: "ألا صلُّوا في الرِّحال"؛ يعني: صلُّوا في بيوتكم، ولكم الرخصةُ في ترك الجماعة إن كان لكم عذرٌ.
* * *
٧٥٨ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا وُضعَ عَشاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَت الصَّلاةُ؛ فَابْدَؤا بالعَشاءِ, ولا يَعْجَل حتى يَفْرغُ مِنْهُ".
قوله: "فابدؤوا بالعَشاء ... " إلى آخره، (العِشاء) بكسر العين: هي الصلاة المعروفة والوقت المعروف، و (العَشاء) بفتح العين: ما يُؤكَل في ذلك الوقت؛ يعني: لو غلبَ الجوعُ على أحدٍ، بحيث أزالَ حضورَ قلبه لو حضر الجماعةَ، جازَ له تركُ الجماعة والأكلُ؛ شرطَ ألا يُفوتَ الصلاةَ عن الوقت.
* * *
٧٥٩ - وعن عائشة أنها قالت: قال: "لا صلاةَ بِحَضْرَةِ طَعامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدافعُهُ الأَخْبَثانِ".
قوله: "لا صلاةَ بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان"، (الأخبثان): البول والغائط؛ يعني: إذا حضر الطعامُ وهو جائعٌ، أو غلبَ عليه الأخبثان
стр. 726
لا يُصلِّي - لا منفردًا ولا بالجماعة - حتى يُزيلَ عن نفسه الجوعَ والأخبثَينِ، فإن صلَّى كُرِهَ وأجزأته صلاتُه، والنفي ههنا بمعنى نفي الكمال.
* * *
٧٦٠ - وقال ﷺ : "إذا أُقيمتْ الصَّلاةُ فلا صَلاةَ إلَاّ المَكْتُوبَة".
قوله: "إذا أُقيمتِ الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبة"؛ يعني: إذا أقام المؤذِّن لا يجوز أن يُصلِّيَ الرجلُ سُنَّةَ الفجرِ ولا غيرَها، بل يوافق الإمامَ في الفريضة، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لو علمَ المُصلِّي أنه لو اشتغل بسُنة الفجر وفرغ منها وأدرك الإمام في الركعة الأولى والثانية صلَّى سُنةَ الفجر أولًا، ثم يدخل مع الإمام في الفريضة.
* * *
٧٦١ - وعن ابن عمر أنه قال: قال ﷺ : "إذا اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إلى المَسْجدِ فَلا يَمْنَعْها".
قوله: "إذا استَأذنتِ امرأةُ أحدِكم إلى المسجد فلا يَمنَعْها": هذا الحديث يدل على جواز خروج النساء إلى المسجد للصلاة، ولكن في زماننا مكروهٌ لهن الخروجُ، وقد قالت عائشة ﵂: لو أدركَ رسولُ الله ﵇ ما أحدثَ النساءُ لَمَنعَهنَّ المسجدَ كما مُنعت نساءُ بني إسرائيل.
* * *
٧٦٢ - وعن زينب الثَّقَفية أنها قالت: قال ﷺ : "إذا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ المَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا".
стр. 727
قوله: "إذا شهدتْ إحداكن المسجدَ فلا تمسَّ طيبًا"، شهدت؛ أي: حضرت.
رَوَتْه "زينب" امرأةُ عبدِ الله بن مسعود، اسم أبي "زينب": عبد الله بن معاوية بن عتاب بن الأسعد، وهي ثَقَفِية.
* * *
٧٦٣ - وقال: "أيُّما امْرأةٍ أصابَتْ بَخورًا فَلا تَشْهَدْ مَعَنَا العِشَاءَ الآخِرَةَ".
قوله: "أيُّما امرأةٍ أصابَتْ بخورًا فلا تَشهَدْ معنا العِشاءَ الآخرةَ"، (البخور) بفتح الباء: ما يُتبخَّر به؛ أي: ما يُتعطَّر به.
وخصَّ صلاةَ العشاء بالنهي؛ لأنها وقتُ الظلمةِ وخلوِّ الطرق، والعِطرُ مُهيِّجُ الشهوة، فلا تَأمَن المرأةُ في ذلك الوقت من الفتنة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٧٦٥ - قال: "صَلاةُ المَرْأَةِ في بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا في حُجْرَتِهَا، وصَلاتُها في مُخْدَعِها أفضَلُ مِنْ صَلاتِهَا في بَيْتِهَا".
قوله: "صلاتُها في مُخْدَعها أفضلُ من صلاتها في بيتها"، (المُخْدَع) بضم الميم وفتح الدال: بيت صغير يُحفَظ فيه الأمتعة، فالمرأة إذا كانت في المُخْدَع تكون أسترَ من أن تكون في البيت، وفي البيت أسترَ من أن تكونَ في الحجرة، وإذا كانت أسترَ فصلاتُها أفضلُ.
* * *
٧٦٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا تُقْبَلُ لاِمْرَأَةٍ صَلاةٌ
стр. 728
تَطَيَّبَتْ لِهذا المَسْجِدِ حَتَّى تَرْجعَ فَتَغْتَسِلَ غُسْلَها مِنَ الجَنَابَةِ".
قوله: "تطيَّبت لهذا المسجد"، وليس المرادُ من هذه الإشارة: تخصيصَ ذلك المسجد، بل معناه: أيُّما امرأةٍ تطيَّبت وخرجت إلى المسجد لا يُقبَل كمالُ صلاتها، ولا يحصل لها فضيلةُ تلك الصلاة حتى ترجعَ فتغتسلَ غُسلًا كغُسل الجنابة، هذا إذا كان طيبُها شيئًا أصاب جميعَ بدنها، فتغسل حتى يزولَ الطِّيبُ من بدنها.
وإن كان الطِّيبُ في موضعٍ مغسولٍ تَغسِلُ ذلك الموضعَ فقط، وإن لم يكن في بدنها بل في ثيابها تُبدل تلك الثيابَ المُطَيَّبة بثيابٍ غيرِ مُطيَّبةٍ.
* * *
٧٦٧ - وعن أبي موسى الأَشْعَرِيِّ، عَنْ النَّبيِّ ﷺ قال: "كُلُّ عَيْنٍ زانِيَةٌ، فَالمَرْأةُ إذا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وكذا"، يعني: زانية.
قوله: "كلُّ عينٍ زانيةٌ؛ فالمرأةُ إذا استَعطرَتْ، فمرَّتْ بالمجلس فهي كذا وكذا؛ يعني: زانية"؛ يعني: إذا تعطَّرت المرأةُ ومرَّت بمجلسٍ أو مسجدٍ فقد هيَّجت شهوةَ الرجال بعطرها، وحملَتْهم على النظر إليها، فكلُّ مَن نظرَ إليها فقد زَنىَ بعينه، ويحصل لها إثمٌ بأنْ حملَتْه على النظر وشوَّشت قلبَه، وإذا كانت هي سببَ زناه بالعين فتكون هي أيضًا زانيةً؛ باشتراكها في الإثم.
* * *
٧٦٨ - عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ صلاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكى مِنْ صلاتِهِ وَحْدَهُ، وصلاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكى مِنْ صلاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وما كَثُرَ فهو أَحَبُّ إلى الله".
стр. 729
قوله: "أزكى"؛ أي: أكثر ثوابًا.
* * *
٧٦٩ - عن أبي الدَّرْدَاء قالَ: قال رسولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ في قَرْيَةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقامُ فِيهِمْ الصَّلاةُ إلاّ قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطانُ، فَعَلَيْكَ بالجماعَةِ، فَإنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ القاصِيَةَ".
قوله: "اسْتَحوَذَ عليهم الشيطانُ"؛ أي: استَولَى وغَلَبَ عليهم؛ لأن تركَ الشريعةِ بغير عذرٍ متابعةُ الشيطان.
"فعليك بالجماعة"؛ أي: الزَمِ الجماعةَ.
قوله: "وإنما يأكلُ الذئبُ القاصيةَ"، تقديره: الشاةَ القاصيةَ؛ أي: البعيدةَ من الأغنام؛ يعني: الشيطانُ بعيدٌ من الجماعة كما أن الذئبَ لا يأكل الغنمَ المجتمعةَ؛ لاطِّلاع الراعي عليها، ويستولي الشيطانُ على مَن فارق الجماعةَ كما أن الذئبَ يأكل الشاةَ المفردةَ عن الأغنام، والراعي للجماعة: نظرُ الله إلى الجماعة وحفظُه إياهم، كقوله ﵇: "يدُ الله على الجماعة، ومَن شذَّ شذَّ في النار".
* * *
٧٧٠ - عن ابن عباس ﵄، عن رسولِ الله ﷺ أنه قال: "مَنْ سَمِعَ المُنادي فَلَمْ يَمْنَعْهُ من اتِّباعِهِ عُذْرٌ"، قالوا: وما العُذْرُ؟، قال: "خَوْفٌ، أَوْ مَرَضٌ؛ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلاةُ التي صَلَاّها".
قوله: "مَن سمع المنادي"؛ أي المؤذِّنَ، وهذا نفيُ الكمالِ، لا نفيُ أصلِ الصلاة.
* * *
стр. 730
٧٧١ - وقال: "إذا أُقِيمَتْ الصَّلاةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمْ الغائِطَ فَلْيَبْدَأْ بالغائِطِ".
قوله: "فَلْيَبْدَأْ بالغائط"؛ يعني: فليبدأ بإزالة الغائط، فيجوز له ترك الجماعة بهذا العذر، رواه "عبد الله بن الأرقم"، جدُّ (عبد الله): عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف القُرَشي.
* * *
٧٧٢ - وقال: "ثَلاثٌ لا يَحِلُّ لأِحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لا يَؤُمَّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نفسَهُ بالدُّعاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ، ولَا يَنْظُرْ في قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ، فَإِن فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ، ولَا يُصَلِّي وَهُوَ حاقنٌ حَتّى يَتَخَفَّفَ".
قوله: "فقد دخل"؛ يعني: حصلَ له إثمٌ كمَن دخلَ، لا في قَدْرِ الإثم، شبَّهه بمَن دخل بحصول الإثم، وإن كان إثمُ مَن دخل أكثرَ.
"وهو حَقِنٌ"؛ أي: يؤذيه البولُ أو الغائطُ.
"حتى يتخفَّف"؛ أي: حتى يُزيلَ ما يؤذيه من البول أو الغائط.
رواه ثوبان بن بُجْدُد.
* * *
٧٧٣ - عن جَعْفَر بن محمد، عن أبيه ﵄، عن جابرٍ ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تُؤَخّروا الصَّلاة لِطعامٍ ولا لِغَيْرِهِ".
قوله: "لا تُؤخِّروا الصلاةَ لطعامٍ"؛ يعني: إذا كان الوقتُ ضيقًا تفوتُ الصلاةُ عن الوقت.
* * *
стр. 731
٢٣ - باب تَسْوية الصَّفِّ
(باب تسوية الصف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٧٧٤ - عن نُعمان بن بَشيرٍ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُسَوِّي صُفوفَنا حَتَّى كَأَنَّما يُسَوِّي القِدَاحَ، فَرَأَى رَجُلًا بادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِ، فقال: "عِبادَ الله!، لَتُسَوُّنَّ صُفوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ الله بَيْنَ وُجوهكم".
قوله: "كأنما يُسوِّي القِدَاحَ"، (القِدَاح) جمع (القِدْح) بكسر القاف، وهو السهم قبل أن يُراشَ ويُركَّبَ فيه النصل.
"باديًا صدرُه"؛ أي: ظاهرًا ومتقدمًا صدره "عن صدور القوم".
"أو لَيُخالِفَنَّ الله بين وجوهكم"؛ يعني: أدبُ الظاهرِ علامةُ أدبِ الباطن، فإن لم تتفقوا في الظاهر ولم تطيعوا أمرَ الله وأمرَ رسوله يقع من شؤم المخالفة اختلافٌ وكدورةٌ في قلوبكم، بحيث يَسرِي اختلافُ قلوبكم وكدورتُها إلى ظاهركم، فيقع بينكم عداوةٌ بحيث يُعرض بعضُكم عن بعضٍ.
فهذا هو المراد بأن يُخالِفَ الله الوجوهَ، ويحتمل أن يريد به: تقبيح الله وجوههم بشؤم مخالفة الرسول ﵇، كمَن قال فيمَن رفع رأسه قبل الإمام: "أما يَخشَى أن يحول الله رأسَه رأسَ حمارٍ".
* * *
٧٧٥ - وقال: "أَقِيمُوا صُفوفَكُمْ وتَرَاضُّوا، فإنِّي أَراكُم مِنْ وَراءِ ظَهْرِي".
وفي روايةٍ: "أَتِمُّوا الصُّفوفَ".
стр. 732
قوله: "أَقِيمُوا صفوفَكم"؛ أي: سوُّوا وأَتِمُّوا صفوفَكم، "وتراصُّوا"؛ أي: لِيَقرُبْ كلُّ واحدٍ منكم بجنب صاحبه، بحيث تتصل مناكبُكم تراصَّ الشيئان إذا انضمَّا ولزقَ أحدُهما بالآخر.
قوله: "فإني أراكم من وراء ظهري"؛ يعني: لا تقفوا متفرِّقين؛ يعني: كونوا مستوِين في الصف ولا تظنُّوا أني لم أَرَكم، بل أراكم من وراء ظهري كما أرى من قُدَّامي؛ وهذه من المعجزة.
* * *
٧٧٦ - وقال: "سَوُّوا صُفوفَكُمْ فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفوفِ مِنْ إقامَةِ الصَّلاةِ".
وفي روايةٍ: "مِنْ تَمامِ الصَّلاةِ".
قوله: "من إقامة الصلاة"؛ أي: من إتمام الصلاة وإكمالها؛ يعني: تسويةُ الصفوف من أمر الشريعة كالصلاة، وبها يحصل الثواب.
* * *
٧٧٧ - وقال "أبو مَسْعودٍ الأَنِصارِي ﵁: كانَ النبيُّ ﷺ يَمْسَحُ مَناكِبنا في الصَّلاةِ، ويَقُولُ: "اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفوا فَتَخْتَلِفَ قُلوبُكُم".
قوله: "يمسح مَنَاكِبنا"؛ أي: يضع يدَه على مناكبنا ليُسوِّيَ مناكبنا في الصف.
* * *
٧٧٨ - عن أبي مَسْعودٍ الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لِيَلِني مِنْكُمْ أُولو الأَحْلَامِ والنُّهى، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُم، ثم الذين يلونهم - ثلاثًا - وَإيَّاكُمْ وَهَيْشاتِ الأَسْواقِ".
стр. 733
قوله: "لِيَلِيني": حقُّ هذا اللفظ أن يكون بغير ياء بعد اللام الثانية؛ لأنه أمرٌ من (وَلِيَ يَلِي): إذا قَرُبَ، والياء تسقط في الجزم، ولكن رُوي هذا اللفظ بالياء من كتب "المصابيح"، ولعل هذا سهوٌ من الكاتب، أو كتبه بالياء ليُعلَم أصلُه، ثم قرأه الناس بالياء.
"الأحلام" جمع: حِلْم، وهو السكون والوقار، وهم البالغون، و"النُّهَى" جمع: نُهْيَة، وهي العقل؛ يعني: لِيَقفِ العقلاءُ وذوو الوقار قريبًا مني؛ ليحفظوا صلاتي، وإن حصل لي سهوٌ يخبروني، وأجعل واحدًا منهم خليفتي إن احتجتُ إلى الخليفة، ولأن العقلاءَ وذوي الوقار أَولى بالتقديم من غيرهم.
قوله: "ثم الذين يلونهم"؛ يعني: لِيَقفْ في الصف الأول مَن هو أكثرُ علمًا وعقلًا، ثم مَن هو أدنى منه في العلم والعقل يقف في الصف الثاني، ثم مَن هو أدنى مِن أهل الصف الثاني يقف في الصف الثالث.
قوله: "وإياكم وهَيشاتِ الأسواق"، (الهَيشات) جمع: هَيشة، ويجوز: هَوشة، وهي الموضع الذي فيه كثرةُ رفعِ الأصوات واختلاطُ الناس من كل صنف؛ يعني: احذروا من أن تقفوا مختلطًا العالِم والجاهِل من غير تمييز، ويحتمل أن يكون معناه: احذروا من أن تصلُّوا في الأسواق وفي الموضع الذي لا يكون لكم فيه حضورٌ من كثرة الأصوات.
* * *
٧٧٩ - وعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِي ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ رَأَى في أَصْحَابهِ تأَخُّرًا، فقالَ لَهُمْ: "تَقَدَّمُوا وائْتَمُّوا بي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لا يَزالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ الله".
قوله: "رأى في أصحابه تأخُّرًا"، معنى هذا الحديث كمعنى الحديث
стр. 734
المتقدم في أن معناه: ليقفِ العلماءُ والعقلاءُ خلفي، ومَن دونهم ليقفوا في الصف الثاني، فأهل الصف الثاني كأنهم يقتدون بالصف الأول في الظاهر لا في الحكم؛ لأن في الحكم كلهم مقتدون بالإمام.
ويحتمل أن يكون معناه: لِيتعلَّمْ كلُّكم مني الصلاةَ وغيرَها من أحكام الشريعة، ولْيَتعلَّمِ التابعون منكم، وكذلك يتعلَّم قرنٌ مِن قرنٍ إلى آخر الدنيا.
قوله: "حتى يُؤخِّرَهم الله" في دخول الجنة؛ يعني: لِيَكُنِ الرجلُ مسرعًا حريصًا في الخيرات، فمَن تأخَّر عن الخيرات تأخَّر عن الثواب ودخول الجنة.
* * *
٧٨٠ - وقال جَابرُ بن سَمُرَةَ ﵁: خَرَجَ عَلَيْنَا رسولُ الله ﷺ فَرَآنا حِلَقًا، فقالَ: "مَا لي أَرَاكُم عِزينَ؟ "، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فقالَ: "أَلَا تَصُفُّونَ كما تَصُفُّ الملائِكَةُ عِنْدَ رَبها؟ "، فَقُلْنَا: يا رَسولَ الله!، كيفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبهَا؟، قالَ: "يُتِمُّونَ الصُّفوفَ الأُولى، ويَتَرَاصُّونَ في الصَّفِّ".
قوله: "فرآنا حِلَقًا ... " إلى آخره، (الحِلَق) بفتح اللام: جمع (حلقة)، (فرآنا حِلَقًا)؛ يعني: فرآنا جلوسًا حلقةً حلقةً، كلُّ حلقةٍ في جانب المسجد.
"عزين" جمع: عِزَة بتخفيف الزاء، وهي الجماعة المتفرقة؛ يعني: لِمَ جلستُم متفرقين؟!
"ويتراصُّون"؛ أي: يتلاصقون بحيث تتصل مناكبُهم.
* * *
٧٨١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "خَيرُ صُفوفِ الرِّجالِ أَوَّلُها، وشَرُّهَا آخِرُها، وخَيْرُ صُفوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرُّها أَوَّلُها".
стр. 735
قوله: "خيرُ صفوفِ الرجالِ أولُها، وشرُّها آخرُها، وخيرُ صفوفِ النساء آخرُها وشرُّها أولُها"؛ يعني: الرجالُ مأمورون بالتقدُّم؛ فمَن هو أكثرُ تقدُّمًا فهو أشدُّ تعظيمًا لأمر الشرع، فلا جَرَمَ يحصل له من الفضيلة ما لا يحصل لغيره، وأما النساءُ فمأموراتٌ بأن يَحتجبن من الرجال؛ فمَن هي أكثرُ تقدُّمًا فهي أقربُ إلى صف الرجال، فتكون أكثرَ تركًا للاحتجاب، فلا جَرَمَ هي شرٌّ من النساء اللاتي تكون في الصف الأخير.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٧٨٢ - قال: "رُصُّوا صُفوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَها، وحاذُوا بالأَعْنَاقِ، فَوالذي نَفْسي بِيَدِهِ!، إنِّي لأرَى الشَّيْطانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّها الحَذَفُ".
قوله: "رُصُّوا صفوفَكم"؛ أي: ضمُّوا مناكبَكم، "وقارِبُوا بينها وحاذوا بالأعناق"؛ أي: لِتَكُنْ أعناقُكم بعضُها محاذيةً لبعضٍ، ولا يتقدَّمْ بعضُها على بعضٍ.
"الخَلَل": الفُرجة التي تكون بين الشخصَين في الصف.
"الحَذَف" بالحاء غير المعجمة ويالذال المعجمة: غَنَم سُود صِغَار من غنم الحجاز، واحدها: حَذَفَة.
الضمير في "كأنها" راجعٌ إلى مقدَّر؛ أي: جعلَ نفسَه شاةً أو ماعزةً كأنه الحَذَف.
* * *
٧٨٣ - وقال: "أَتِمُّوا الصَّفَّ المُقَدَّمَ، ثُمَّ الذي يَليهِ، فما كانَ مِنْ نقَصٍ فَلْيَكُنْ في الصَّفِّ الآخِر".
стр. 736
قوله: "الذي يليه"؛ أي: الصف الذي بعده.
* * *
٧٨٤ - وقال: "إنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الذينَ يَلونَ الصُّفوفَ الأُولى، وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ أَحَبُّ إلى الله مِنْ خُطْوَةٍ تَمْشيها تَصِلُ بها صَفًا".
قوله: "يَلُونَ"؛ أي: يَقرُبون ويتقدَّمون إلى الصف الأول.
روى هذا الحديثَ البراء بن عازب.
* * *
٧٨٦ - وقال النُّعمانُ بن بَشِير ﵁: كانَ رسولَ الله ﷺ يُسَوِّي صُفوفَنا إذا قُمْنَا إلى الصَّلاةِ، فَإِذا اسْتَوينَا كَبَّرَ.
قوله: "يُسوِّي صفوفنا": هذا الحديث يدل على أن السُّنَّةَ للإمام أن يُسوِّيَ الصفوفَ، ثم يكبر.
* * *
٧٨٧ - وروي: أنَّهُ كانَ يقولُ عَنْ يَمينِهِ: "اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفوفَكُمْ"، وعَنْ يَسارِهِ: "اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفوفَكُمْ".
"اعتدلوا"؛ أي: استَقِيمُوا.
* * *
٧٨٨ - وقال: "خِيارُكم أَلْيَنُكُم مَناكِبَ في الصَّلاةِ".
قوله: "خيارُكم أَليَنُكم مناكبَ في الصلاة"، معنى (لين المَنْكِب) هنا: أن الرجلَ إذا كان في الصف وأمرَه أحدٌ أن يستويَ في الصف، أو يضعَ يدَه على مَنْكِبه
стр. 737
ليستويَ يطيعُه، ولو أراد أحدٌ أن يدخلَ في الصف يتركُه حتى يدخلَ في الصف ولا يمنعُه.
وقال الخطابي: معنى (لين المنكب): السكون والخشوع في الصلاة؛ والوجه الأول أليق بهذا الباب.
* * *
٢٤ - باب المَوْقِفِ
(باب الموقف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٧٨٩ - قال عبدُ الله بن عَبَّاسٍ ﵄: بِتُّ في بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ ﵂، فقامَ رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يسارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدي مِنْ وَراءِ ظَهْرِهِ، فَعَدَلَنِي كَذلِكَ مِنْ وَراءِ ظَهْرِهِ إلى الشِّقِّ الأَيْمَنِ.
قوله: "فعَدَلَني كذلك"، (عَدَلَني) بتخفيف الدال؛ أي: حَرَفَني عن جانب يساره إلى جانب يمينه، وهذا يدل على أن الرجلَ الواحدَ يقف على يمين الإمام، وعلى أن مثلَ هذا القَدْر من الفعل لا يُبطل الصلاةَ.
* * *
٧٩٠ - وقال جابرٌ ﵁: قامَ رسولُ الله ﷺ لِيُصَلِّي، فجئْتُ، حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَخَذ بِيَدي، فَأَدَارَني، خَلْفَهُ حتَّى أَقَامَني عَنْ يَمينِهِ، ثم جاء جَبَّارُ بن صَخْرٍ، فَقَامَ عن يَسارِ رسولِ الله ﷺ ، فَأَخَذَ بيَدَيْنا جَميعًا فَدَفَعَنَا
стр. 738
حَتَّى أقامَنَا خَلْفَهُ.
قوله: "فدَفَعَنا"؛ أي: أخَّرَنا، وهذا يدل على أن الرجلَين يقومانِ خلفَ الإمام بالصف كالجماعة.
وجدُّ "جبَّار": أمية بن خنساء بن سنان.
* * *
٧٩١ - وقال أَنَسٌ: صلَّيتُ أَنَا وَيَتِيمٌ في بَيْتِنا خَلْفَ النَّبيِّ ﷺ وأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنا.
قوله: "صلَّيت أنا ويتيمٌ في بيتنا خلفَ النبي ﷺ وأمُّ سُلَيم خلفَنا": وهذا دليل على أن الصبيَّ يقف بجنب الرجل، والمرأةَ تقف خلفَ الرجال.
* * *
٧٩٣ - عن أبي بَكْرَةَ: أنَّهُ انْتَهَى إلى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ راكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ، ثُمَّ مَشى إلى الصَّفِّ، فَذُكِر ذلِكَ لِلنَّبيِّ ﷺ ، فقالَ: "زادَكَ الله حِرْصًا ولا تَعُدْ".
قوله: "انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع"، (انتهى)؛ أي: وصل؛ يعني: نَوَى وكبَّر قبلَ أن يَصِلَ إلى الصف؛ ليدركَ رسولَ الله ﵇ في الركوع، فإنَّ مَن أدركَ الركوعَ فقد أدركَ تلك الركعةَ.
"ولا تَعْدُ" بسكون العين وضم الدال؛ أي: ولا تُسرِع في المشي إلى الصلاة، بل لِيَكنْ عليك السكونُ والوقارُ في المشي، واصبرْ حتى تصلَ إلى الصف، ثم تشرع في الصلاة؛ فإنَّ مَن قصدَ الصلاةَ فإنه في الصلاة وفي وجدان الثواب، فلا يضرُّه فوتُ بعض الصلاة أو جميعها.
* * *
стр. 739
من الحسان:
٧٩٤ - عن سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ ﵁، قالَ: أَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ إذا كُنَّا ثَلَاثةً أنْ يَتَقَدَّمنَا أَحَدُنا.
قوله: "أن يَتَقدَّمَنا أحدُنا"؛ أي: يكون أحدُنا إمامًا، وكذلك لو كانا اثنين ينبغي أن يكون أحدُهما إمامًا للآخر.
* * *
٧٩٥ - ورُوِيَ عن عَمَّار: أَنَّهُ قامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي والناسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ على يَدَيْهِ، فَاتَّبَعَهُ عَمَّار حَتَّى أَنْزَلَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّار مِنْ صَلاتِهِ قالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسولَ الله ﷺ يقول: "إذَا أَمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ فلا يَقِفُ في مقامٍ أَرْفَعَ مِنْ مقامِهِم" - أو نحو ذلك -؟ قالَ عمَّار: لِذلِكَ اتَّبَعْتُكَ.
قوله: "فأخذ على يدَيه فاتَّبعَه عمَّارٌ"، (أخذ على يديه)؛ يعني: جرَّ حذيفةُ عمارًا من خلف ظهره، فوافقه عمَّارٌ، حتى أنزلَه من الدكان، فلما فرغ عمَّارٌ من صلاته قال له حذيفة: لِمَ قمتَ في موضع أعلى من موضع المأمومين، وقد نَهَى رسولُ الله ﵇ عن ذلك؟ فقال عمار: إنما وافقتُك في النزول من الدكان لأني سمعتُ هذا من رسول الله ﵇.
وهذا دليلٌ على أن الخطوةَ والخطوتَين في الصلاة لا تُبطلها، وعلى أن كون موضع الإمام أعلى من موضع المأمومين مكروه والكراهية إنما تكون إذا كان موضعًا أعلى من موضع أهل الصف الذي خلفه لا من موضع أهل جميع الصفوف.
ويدل أيضًا على أن المداهنة في الدِّين غيرُ جائزةٍ إذا لم يكن خوفٌ؛ لأن حذيفةَ لم يؤخِّر عمارًا إلى فراغه من الصلاة.
* * *
стр. 740
٧٩٦ - وقد صَحَّ عن سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أنَّه سُئِلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ المِنْبَرَ؟، قالَ: هُوَ مِنْ أَثْلِ الغابَةِ، عَمِلَهُ فلانٌ مَوْلَى فُلانةَ، وقامَ عليهِ رَسولُ الله ﷺ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَكَبَّرَ، وقامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعْ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرى، فَسَجَدَ على الأرضِ، ثُمَّ عادَ إلى المِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ ثم ركع ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرى حتَّى سَجَدَ بالأَرْضِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ على النَّاسِ فقال: "إنَّما صَنَعْتُ هذا لِتَأْتَمُّوا بي، وَلِيتَعْلَمُوا صَلاتي".
قوله: "هو من أَثْلِ الغابة"، (الأثل): شجر كبير يشبه الطَّرْفَاء، (الغابة) هنا: اسم موضع بالمدينة.
"عمله فلان"، قيل: اسمه باقوم الرُّومي، و"فلانة"، قيل: اسمها عائشة، وقيل: التَّوأمة، امرأةٌ من المدينة، ولم يُعرَف نسبُها عند أصحاب الحديث.
"القهقرى": أن يمشيَ على جانب خلف ظهره، بحيث لا يصرف وجهَه إلى تلك الجهة، وهذا المِنْبر كان ثلاث درجات متقاربة، فالنزولُ منه يتيسرُ بخطوة أو خطوتَين، فلا تبطل الصلاةُ بهذا القَدْر، وهذا يدل على أن الإمامَ إذا أراد تعليمَ القومِ الصلاةَ جازَ أن يكون موضعُه أعلى من موضع المأمومين.
* * *
٧٩٧ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: صَلَّى رسول الله ﷺ في حُجْرَتِهِ والنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ الحُجْرَةِ.
قوله: "من وراء الحُجْرة": أراد بهذه الحجرة موضعًا صنعَه رسولُ الله ﵇ من الحصير في المسجد ليعتكفَ فيه، وإذا كان الإمامُ والمأمومُ في المسجد فلا بأسَ باختلاف مواضعهم.