← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قوله: "الذي يليه"؛ أي: الصف الذي بعده. * * * ٧٨٤ - وقال: "إنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الذينَ يَلونَ الصُّفوفَ الأُولى، وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ أَحَبُّ إلى الله مِنْ خُطْوَةٍ تَمْشيها تَصِلُ بها صَفًا". قوله: "يَلُونَ"؛ أي: يَقرُبون ويتقدَّمون إلى الصف الأول. روى هذا الحديثَ البراء بن عازب. * * * ٧٨٦ - وقال النُّعمانُ بن بَشِير ﵁: كانَ رسولَ الله ﷺ يُسَوِّي صُفوفَنا إذا قُمْنَا إلى الصَّلاةِ، فَإِذا اسْتَوينَا كَبَّرَ. قوله: "يُسوِّي صفوفنا": هذا الحديث يدل على أن السُّنَّةَ للإمام أن يُسوِّيَ الصفوفَ، ثم يكبر. * * * ٧٨٧ - وروي: أنَّهُ كانَ يقولُ عَنْ يَمينِهِ: "اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفوفَكُمْ"، وعَنْ يَسارِهِ: "اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفوفَكُمْ". "اعتدلوا"؛ أي: استَقِيمُوا. * * * ٧٨٨ - وقال: "خِيارُكم أَلْيَنُكُم مَناكِبَ في الصَّلاةِ". قوله: "خيارُكم أَليَنُكم مناكبَ في الصلاة"، معنى (لين المَنْكِب) هنا: أن الرجلَ إذا كان في الصف وأمرَه أحدٌ أن يستويَ في الصف، أو يضعَ يدَه على مَنْكِبه

стр. 737

ليستويَ يطيعُه، ولو أراد أحدٌ أن يدخلَ في الصف يتركُه حتى يدخلَ في الصف ولا يمنعُه. وقال الخطابي: معنى (لين المنكب): السكون والخشوع في الصلاة؛ والوجه الأول أليق بهذا الباب. * * * ٢٤ - باب المَوْقِفِ (باب الموقف) مِنَ الصِّحَاحِ: ٧٨٩ - قال عبدُ الله بن عَبَّاسٍ ﵄: بِتُّ في بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ ﵂، فقامَ رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يسارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدي مِنْ وَراءِ ظَهْرِهِ، فَعَدَلَنِي كَذلِكَ مِنْ وَراءِ ظَهْرِهِ إلى الشِّقِّ الأَيْمَنِ. قوله: "فعَدَلَني كذلك"، (عَدَلَني) بتخفيف الدال؛ أي: حَرَفَني عن جانب يساره إلى جانب يمينه، وهذا يدل على أن الرجلَ الواحدَ يقف على يمين الإمام، وعلى أن مثلَ هذا القَدْر من الفعل لا يُبطل الصلاةَ. * * * ٧٩٠ - وقال جابرٌ ﵁: قامَ رسولُ الله ﷺ لِيُصَلِّي، فجئْتُ، حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَخَذ بِيَدي، فَأَدَارَني، خَلْفَهُ حتَّى أَقَامَني عَنْ يَمينِهِ، ثم جاء جَبَّارُ بن صَخْرٍ، فَقَامَ عن يَسارِ رسولِ الله ﷺ ، فَأَخَذَ بيَدَيْنا جَميعًا فَدَفَعَنَا

стр. 738

حَتَّى أقامَنَا خَلْفَهُ. قوله: "فدَفَعَنا"؛ أي: أخَّرَنا، وهذا يدل على أن الرجلَين يقومانِ خلفَ الإمام بالصف كالجماعة. وجدُّ "جبَّار": أمية بن خنساء بن سنان. * * * ٧٩١ - وقال أَنَسٌ: صلَّيتُ أَنَا وَيَتِيمٌ في بَيْتِنا خَلْفَ النَّبيِّ ﷺ وأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنا. قوله: "صلَّيت أنا ويتيمٌ في بيتنا خلفَ النبي ﷺ وأمُّ سُلَيم خلفَنا": وهذا دليل على أن الصبيَّ يقف بجنب الرجل، والمرأةَ تقف خلفَ الرجال. * * * ٧٩٣ - عن أبي بَكْرَةَ: أنَّهُ انْتَهَى إلى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ راكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ، ثُمَّ مَشى إلى الصَّفِّ، فَذُكِر ذلِكَ لِلنَّبيِّ ﷺ ، فقالَ: "زادَكَ الله حِرْصًا ولا تَعُدْ". قوله: "انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع"، (انتهى)؛ أي: وصل؛ يعني: نَوَى وكبَّر قبلَ أن يَصِلَ إلى الصف؛ ليدركَ رسولَ الله ﵇ في الركوع، فإنَّ مَن أدركَ الركوعَ فقد أدركَ تلك الركعةَ. "ولا تَعْدُ" بسكون العين وضم الدال؛ أي: ولا تُسرِع في المشي إلى الصلاة، بل لِيَكنْ عليك السكونُ والوقارُ في المشي، واصبرْ حتى تصلَ إلى الصف، ثم تشرع في الصلاة؛ فإنَّ مَن قصدَ الصلاةَ فإنه في الصلاة وفي وجدان الثواب، فلا يضرُّه فوتُ بعض الصلاة أو جميعها. * * *

стр. 739

من الحسان: ٧٩٤ - عن سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ ﵁، قالَ: أَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ إذا كُنَّا ثَلَاثةً أنْ يَتَقَدَّمنَا أَحَدُنا. قوله: "أن يَتَقدَّمَنا أحدُنا"؛ أي: يكون أحدُنا إمامًا، وكذلك لو كانا اثنين ينبغي أن يكون أحدُهما إمامًا للآخر. * * * ٧٩٥ - ورُوِيَ عن عَمَّار: أَنَّهُ قامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي والناسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ على يَدَيْهِ، فَاتَّبَعَهُ عَمَّار حَتَّى أَنْزَلَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّار مِنْ صَلاتِهِ قالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسولَ الله ﷺ يقول: "إذَا أَمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ فلا يَقِفُ في مقامٍ أَرْفَعَ مِنْ مقامِهِم" - أو نحو ذلك -؟ قالَ عمَّار: لِذلِكَ اتَّبَعْتُكَ. قوله: "فأخذ على يدَيه فاتَّبعَه عمَّارٌ"، (أخذ على يديه)؛ يعني: جرَّ حذيفةُ عمارًا من خلف ظهره، فوافقه عمَّارٌ، حتى أنزلَه من الدكان، فلما فرغ عمَّارٌ من صلاته قال له حذيفة: لِمَ قمتَ في موضع أعلى من موضع المأمومين، وقد نَهَى رسولُ الله ﵇ عن ذلك؟ فقال عمار: إنما وافقتُك في النزول من الدكان لأني سمعتُ هذا من رسول الله ﵇. وهذا دليلٌ على أن الخطوةَ والخطوتَين في الصلاة لا تُبطلها، وعلى أن كون موضع الإمام أعلى من موضع المأمومين مكروه والكراهية إنما تكون إذا كان موضعًا أعلى من موضع أهل الصف الذي خلفه لا من موضع أهل جميع الصفوف. ويدل أيضًا على أن المداهنة في الدِّين غيرُ جائزةٍ إذا لم يكن خوفٌ؛ لأن حذيفةَ لم يؤخِّر عمارًا إلى فراغه من الصلاة. * * *

стр. 740

٧٩٦ - وقد صَحَّ عن سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أنَّه سُئِلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ المِنْبَرَ؟، قالَ: هُوَ مِنْ أَثْلِ الغابَةِ، عَمِلَهُ فلانٌ مَوْلَى فُلانةَ، وقامَ عليهِ رَسولُ الله ﷺ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَكَبَّرَ، وقامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعْ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرى، فَسَجَدَ على الأرضِ، ثُمَّ عادَ إلى المِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ ثم ركع ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرى حتَّى سَجَدَ بالأَرْضِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ على النَّاسِ فقال: "إنَّما صَنَعْتُ هذا لِتَأْتَمُّوا بي، وَلِيتَعْلَمُوا صَلاتي". قوله: "هو من أَثْلِ الغابة"، (الأثل): شجر كبير يشبه الطَّرْفَاء، (الغابة) هنا: اسم موضع بالمدينة. "عمله فلان"، قيل: اسمه باقوم الرُّومي، و"فلانة"، قيل: اسمها عائشة، وقيل: التَّوأمة، امرأةٌ من المدينة، ولم يُعرَف نسبُها عند أصحاب الحديث. "القهقرى": أن يمشيَ على جانب خلف ظهره، بحيث لا يصرف وجهَه إلى تلك الجهة، وهذا المِنْبر كان ثلاث درجات متقاربة، فالنزولُ منه يتيسرُ بخطوة أو خطوتَين، فلا تبطل الصلاةُ بهذا القَدْر، وهذا يدل على أن الإمامَ إذا أراد تعليمَ القومِ الصلاةَ جازَ أن يكون موضعُه أعلى من موضع المأمومين. * * * ٧٩٧ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: صَلَّى رسول الله ﷺ في حُجْرَتِهِ والنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ الحُجْرَةِ. قوله: "من وراء الحُجْرة": أراد بهذه الحجرة موضعًا صنعَه رسولُ الله ﵇ من الحصير في المسجد ليعتكفَ فيه، وإذا كان الإمامُ والمأمومُ في المسجد فلا بأسَ باختلاف مواضعهم.

стр. 741

وقيل: المراد بهذا الحُجْرة: حُجْرة عائشة ﵂؛ لأن بابَها كان مفتوحًا إلى المسجد، ولو أمكن اتصالُ الصف بالإمام بأن يقف أحدٌ على باب الحُجرة ليكونَ بينه وبين الإمام ثلاثةُ أَذرُعٍ أو أقلُّ، وباقي القوم في المسجد، جازَ وصحَّ هذا التأويلُ، والظاهر أن هذا التأويلَ غيرُ صحيحٍ؛ لأنه لو صلَّى رسولُ الله ﵇ في حُجرته والناسُ في المسجد يقتدون به لَصلَّى كذلك في مرضه، ولم يستخلف أبا بكر ﵁، والله أعلم. * * * ٢٥ - باب الإِمامةِ (باب الإمامة) مِنَ الصِّحاحِ: ٧٩٨ - عن أبي مَسْعودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله تعالى، فَإِنْ كانُوا في القِراءَةِ سَواءً فَأَعْلَمُهُمْ بالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا في السُّنَّةِ سَواءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرةً، فَإنْ كانُوا في الهِجْرَةِ سَواءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنَّاً، وَلَا يَؤمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطانِهِ - ويُرْوَى: في أَهْلِهِ - ولا يَقْعَدْ في بَيْتِهِ على تَكْرِمَتِهِ إِلَاّ بإذْنِهِ". قوله: "يؤمُّ القومَ أقرؤُهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمُهم بالسُّنة، فإن كانوا في السُّنة سواءً فأقدمُهم هجرةً"؛ يعني: إذا كان في القوم رجلٌ قارئٌ وهو يعلم من الفقه قَدْرَ ما تصح به الصلاة، ورجلٌ فقيةٌ يعلم من القرآن قَدْرَ ما تصحُّ به الصلاة فأيُّهما أَولى بالإمامة؟

стр. 742

قال سفيان الثوري وأحمد: إن الأقرأَ أَولى؛ لظاهر الحديث. وقال الشافعي وأبو حنيفة: الأفقهُ أَولى؛ لأن الحاجةَ في الصلاة إلى الفقه أكثرُ، أراد بـ (السُّنة): الأحاديث، وفي عهد الصحابة الأفقه هو الذي كان بالأحاديث أعلمَ. والمراد بـ (الهجرة): الانتقال من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، فمَن هاجَرَ أولاً فشرفُه أكثرُ من شرف مَن هاجر بعدَه، وبعد فتح مكة قد انقطعت الهجرة وبقي شرفُ المهاجرين في أولادهم؛ فولدُ مَن هاجَرَ آباؤه أولاً أَولى بالإمامة ممن هاجَرَ أبوه بعد ذلك إذا كانوا بالقراءة والفقه سواءً. قوله: "فأقدمُهم"؛ أي: أكبرُ منهم في السِّنِّ. قوله: "في سلطانه"؛ أي: في بلده، أو موضعٍ هو صاحب اليد فيه؛ يعني: السلطان أو نائبه أَولى بالإمامة من غيره إذا كان يعلم من القرآن والفقه قَدْرَ ما صحَّت به صلاته، وإن كان غيرُه أقرأَ أو أفقهَ، وكذلك صاحبُ البيتِ أحقُّ من غيره إذا علم ما صحَّت به صلاته، وإن كان غيرُه أعلمَ منه، وإن لم يعلم فمَن قدَّمَه بالإمامة فهو أَولى. قوله: "على تَكْرمَته"؛ أي: على موضع أو شيءٍ له فيه إكرامٌ وعِزَّةٌ كسجَّادة أو سريرٍ، يعني: لا يقعدْ أحدٌ على سجادةِ أحدٍ أو سريرِه أو غيرِ ذلك إلا بإذنه. * * * ٧٩٩ - وقال "وإذا كانوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بالإِمامَةِ أَقْرَؤُهُمْ". قوله: "وأَحَقُّهُم بالإمامة أَقْرؤهم"، رواه أبو سعيد، وبهذا قال سفيان الثوري وأحمد، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة فإنهما يقولان: الأفقه أَوْلَى. * * *

стр. 743

٨٠٠ - وقال: "إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا". قوله: "فليؤذِّنْ أحدُكم وليؤمَّكم أكثركم قرآنًا"، رواه عمرو بن سَلِمَة، يعني: كلُّ مَن يؤذِّنُ يجوزُ، ولكنْ مَنْ هو أكثرُ صلاحًا وعدالةً أَولى؛ لأنه يؤذِّنُ على المواضع المرتفعةِ، ويطَّلِعُ على بيوت الناس، فليكنْ صالحًا كي لا ينظرَ إلى ما لا يجوزُ، وليحفظ الوقتَ كي لا يؤذِّنَ قبل الوقت، أو بعدَ فوته، وليؤمَّ القومَ أَعْلَمُهم. وكنية عمرو أبو بُرَيد (١)، وجدُّه قيس. * * * مِنَ الحِسَان: ٨٠١ - قال أبو ذَرٍّ ﵁: "لِيُؤَذَّنْ لَكُمْ خِيارُكُم، وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ". قوله: "ليؤذِّنْ لكم خِيارُكم"، أراد بالخِيَارِ الصُّلَحاءَ؛ لأن الخِيَار جمع خَير. * * * ٨٠٢ - وقال أَنَسٌ ﵁: إنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى. قوله: "استخلَفَ ابن أم مَكْتُوم يَؤُمُّ الناسَ وهو أعمى"؛ يعني: أقام رسولُ الله ﵇ ابن أمِّ مَكْتومٍ مُقامَ نفسِه في مسجد المدينة حين خرج عليه

стр. 744

السلام إلى الغزو ليؤمَّ الناس. وقد جاء في بعض الروايات أنه ﵇ استخلفَ ابن أم مكتوم في ثلاث عشرة غزوة. * * * ٨٠٣ - عن مالك بن الحُوَيرِثِ قال: قالَ رسولِ الله ﷺ : "مَنْ زَارَ قَوْمًا فلا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ". قوله: "ولْيَؤُمَّهم رجلٌ منهم"؛ يعني: صاحبُ البيت أحقُّ بالإمامة من أضيافه. * * * ٨٠٤ - قال أبو أُمامَةَ ﵁: إنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "ثَلَاثَةٌ لا تُجاوِزُ صَلاتُهُم آذانُهُمْ: العَبْدُ الآبقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وامْرَأَةٌ باتَتْ وَزَوْجُها عليها ساخِطٌ، وإمامُ قَوْمٍ وهُمْ لَهُ كارِهون"، غريب. قوله: "ثلاثةٌ لا تجاوِزُ صَلاتُهم آذانَهم"؛ يعني: لا يكون لصلاةِ هؤلاء كمالُ قَبول، والذنبُ للمرأة إنما يكون إذا كان سَخِطَ زوجُها لسوء خُلُقِها وأدبها وقِلَّةِ طاعتِها الزوجَ، أما لو كان سُخْطُها من غير جُرْمها لا يكونُ له أثر. قوله: "وإمامُ قومٍ وهمْ له كارهون"، وهذا فيما إذا كان القومُ كَرِهُوا الإمامَ لبدعته، أو فِسْقِه، أو جَهْلِه بالإمامة، أمَّا إذا كان بينهم وبينه كراهةٌ وعداوةٌ بسببِ شيءٍ دنيوي لا يكونُ للإمام هذا الحكمُ. * * *

стр. 745

٨٠٥ - وقال: "ثلاثةٌ لا تُقْبَلُ مِنْهُمُ صلاةٌ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كارِهُونَ، وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلاةَ دِبارًا - والدِّبارُ أَنْ يَأْتِيهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ- ورَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَهُ". قوله "ثلاثةٌ لا تُقبلُ منهم صلاةٌ: مَن تَقدَّمَ" هذا نفيُ الكمال، (تَقَدَّمَ) أي: أمَّ قومًا. "اعْتَبَدَ مُحَرَّرَهُ"؛ أي: جعل حرًا عبدًا؛ أي: باع حرًا وقال: هذا عبدي. * * * ٨٠٦ - وقال: "إنَّ مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَدَافَعَ أَهْلُ المَسْجِدِ لا يَجِدُونَ إمامًا يُصَلِّي بِهِمْ". قوله: "إن من أشراط الساعة"، الأشراطُ: العلامات. "أن يَتَدافَعَ أهلُ المسجد"؛ يعني: يدفعُ كلُّ واحدٍ عن نفسه الإمامةَ ويقول: لستُ عالمًا بها، يعني يتركُ الناسَ تعلَمُ ما تصحُّ به الصلاة وما تَفْسُدُ به، حتى لا يوجد في جمعٍ كثيرٍ من هو يَعْلَمُ الإمامة. * * * ٨٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الجِهادُ واجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَميرٍ بَرًّا أَوْ فَاجِرًا، والصَّلاةُ واجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فاجِرًا، وإنْ عَمِلَ الكَبائِرَ، والصَّلاةُ وَاجِبَةٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وإِنْ عَمِلَ الكبائِرَ". قوله: "الجهادُ واجبٌ عليكم مع كلِّ أميرٍ ... " إلى آخره، يعني: طاعةُ

стр. 746

السلطانِ واجبةٌ على الرعية سواءٌ كان السلطان ظالمًا أو عادلًا، إذا لم يأمرْهم بالمعصية. والمسألةُ الأُولى: تدلُّ على أن الجهاد واجبٌ، وطاعةَ السلطان واجبةٌ، وأن السلطان لا ينعزِلُ بالفِسق. والمسألة الثانية: تدلُّ على جوازِ الصلاةِ خلفَ الفاسقِ، وكذا المبتدع، إذا لم يكنْ ما يقولُ كفرًا. والمسألة الثالثة: تدلُّ على جوازِ صلاةِ الفاسقِ، وعلى أن الكبيرةَ لا تُحبطُ العملَ الصالحَ. * * * ٢٦ - باب ما علَى الإِمامِ (باب ما على الإمام) قوله: "ما على الإمام"، أي: على الإمام تخفيفُ الصلاةِ من غيرِ أن يترُكَ شيئًا من الأركان والسنن، لكنْ لا يُطوِّلُ القراءةَ والأذكارَ كي لا يمل المأمومون ويتركوا صلاة الجماعة من خَوْفِ المَلَالة. * * * مِنَ الصِّحَاحِ: ٨٠٨ - قال أنس ﵁: ما صليتُ وراءَ إمامٍ قطُّ أخفَّ صلاةً ولا أَتَمَّ من النبيِّ ﷺ ، وإنْ كانَ ليَسمعُ بكاءَ الصبيِّ فيُخففُ مخافةَ أن تُفتَنَ أمُّه.

стр. 747

قوله: "أخفَّ"؛ أي: أخف في تَرْكِ تطويلِ القراءة والأَذْكار. قوله: "ولا أَتَمَّ"؛ أي: في الإتيان بالأركان والسنن. "أن تُفْتَنَ أمُّه"؛ أي: يُشَوَّشَ قلبُها بسبب بكاء ولدِها، ويزولَ ذوقُها وحضورُها في الصلاة. * * * ٨٠٩ - وقال رسول الله ﷺ : "إني لأدخلُ في الصلاةِ وأنا أُريدُ إطالَتها، فأَسمعُ بكاءَ الصَّبيِّ، فأَتَجوَّزُ في صلاتي مما أعلمُ من شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ من بكائه". قوله: "فأَتَجَوَّزُ"؛ أي: فأقتصرُ ولم أطول القراءةَ والأذكارَ كي لا يُشَوَّشَ قلبُ أمِّ الصبيِّ. (الوجدُ): الحزن. رواه أبو قَتَادة. * * * ٨١١ - عن قَيْس بن أبي حازِم قال: أخبرني أبو مَسْعود ﵁: أنَّ رجلاً قال: والله يا رسولَ الله، إني لأتأخَّرُ عن صلاةِ الغَداةِ من أجلِ فلانٍ مما يُطيلُ بنا، فما رأيتُ رسولَ الله ﷺ موعظةٍ أشدَّ غضَبًا منه يومئذٍ، ثم قال: "إنَّ منكم مُنَفِّرين، فأَيُّكم ما صلى بالناسِ فليتجوَّز، فإنَّ فيهم الضعيفَ والكبيرَ وذا الحاجةِ". قوله: "إنَّ منكم منفِّرِين، فأيُّكم ما صلَّى بالناس فليتجَوَّزْ"؛ أي: فليَقْتَصِر؛ يعني: بعضُ الأئمة يطوِّلُون الصلاةَ، ويعجزُ الناسُ عن متابعتهم إما لضَعْفٍ فيهم، أو لشغلٍ والتفاتِ خاطرٍ إلى أمرٍ وشغلٍ لهم، فيترُكُون صلاةَ

стр. 748

الجماعةِ، فكلُّ إمامٍ يفعلُ ذلك فكأنه منعَ الناسَ عن صلاة الجماعة. (ما) في (أيُّكم ما صلَّى): زائدة. * * * ٨١٢ - وقال: "يُصَلُّونَ لكم، فإن أَصابوا فلكم ولهم، وَإن أخطؤوا فلكم وعليهم". قوله: "يُصَلُّون لكم"؛ يعني: أئمتُكم يُصَلُّون لكم وأنتم تُتَابعُونَهم، فإن أَصَابُوا فَلَكُم؛ أي: إن كانت صلاتُهم صحيحةً مُشتمِلَةً على الشرائط والأركانِ فلكم ولهم الأجرُ، فذكرَ (لكم) وترك (لهم) لعلمِ المخاطَبِ به؛ لأنه معلومٌ أنَّ صلاةَ الإمام إذا كانت صحيحةً يحصلُ له الأجرُ كما يحصُلُ للمأمومين بل أكثر. قوله: "وإن أخطؤُوا فلكُم وعليهِم"؛ يعني: إذا كان في صلاة الإمامِ خَلَلٌ بأن كان جُنُبًا، أو مُحْدِثًا، أو نَجِسًا، ولم يعلم المأمومُ حالَه فللمأموم الأجرُ، وصلاتُه صحيحةٌ، وعلى الإمام الوزرُ إن كان عالمًا بكونِ نفِسه جُنُبًا أو مُحْدِثًا أو غير ذلك، وإن لم يعلَمْ حالَ نفسِه لم يكنْ عليه وِزْرٌ، ثم إذا علم لَزِمَه إعادةُ الصلاة. * * * ٢٧ - باب ما على المَأْموم مِنَ المُتابعة وحُكْم المَسْبُوق (باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق) مِنَ الصِّحَاحِ: ٨١٣ - قال البَرَاءُ بن عازِبٍ ﵁: كُنَّا نصلي خلفَ النبي ﷺ فإذا قال:

стр. 749

"سمِعَ الله لمنْ حمده"، لم يَحْنِ منا أحدٌ ظهْرَهُ حتى يضعَ النبيُّ ﷺ جبهتَه على الأرضِ. قوله: "لم يَحْنِ أحدٌ منا ظَهْرَه"، حنا يحنو، وحنى يحني: إذا عَوَّجَ شيئًا. هذا الحديث يدلُّ على أن السنةَ في حقِّ المأمومِ أن يكونَ خلفَ الإمامِ في أفعال الصلاةِ متأخِّرًا، لا معه، فلو كان معه جازتْ صلاتُه إلا تكبيرةَ الإحرامِ؛ فإنه لا بد للمأموم أن يصبرَ حتى يفرُغَ الإمامُ منها ثم يكبر المأمومُ. * * * ٨١٤ - وقال أنس ﵁: صلى بنا رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ، فلما قَضَى أَقْبَلَ علينا بوجهِهِ فقال: "أيُّها النَّاس، إني إِمامُكم، فلا تَسبقوني بالركوعِ ولا بالسجودِ ولا بالقيامِ ولا بالانصرافِ، فإني أَراكم أَمامي ومِنْ خلْفي". قوله: "فلمَّا قَضَى"، أي: فلما قضى صلاتَه. "فلا تَسْبقُوني"، أي: فلا تفعلُوا أفعالَ الصلاةِ قبلي، بل اصبروا حتى أدخلَ في ركنٍ، ثم اتْبَعُوني في ذلك الرُّكْنِ. قوله: "ولا بالانصراف"، يحتملُ أن يريدَ به التسليمَ من الصلاة، ويحتملُ أن يريدَ به الخروجَ من المسجدِ، وذكر بحث هذا في الحديثِ الآخرِ من الدعاءِ في التشهُّد. * * * ٨١٥ - عن أبي هريرة قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُعلِّمنا يقولُ: "لا تُبادِرُوا الإِمامَ، إذا كَبَّر فكبرُوا، وإذا قال: ولا الضَّالين، فقولوا: آمين، وإذا ركعَ فاركعوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لمن حَمِدَهُ، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمدُ".

стр. 750

قوله: "لا تبادروا الإمام"؛ أي: لا تَسْبقُوه، معنى هذا الحديث كالحديث المتقدِّم. * * * ٨١٦ - وقال "إنما جُعِلَ الإِمام لِيُؤتَمَّ بهِ، فلا تختلِفوا عليه، فإذا ركعَ فاركعوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لمن حَمِده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمدُ، وإذا سجدَ فاسجدُوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون". قال الشيخ الإمام ﵀: وقوله: "فصلُّوا جلوسًا" منسوخٌ بما روي. قوله: "ليؤتم"؛ أي: ليقتدى، (أجمعون) تأكيد للضمير المرفوع في (صلوا). قال الشيخ الإمام رحمة الله عليه: قوله: "فصلوا جلوسًا" منسوخٌ، لِمَا رُوِيَ عن عائشة قالت: "لما ثَقُلَ رسولُ الله جاءَ بلالٌ يُؤْذِنُه بالصلاة". قول الشيخ: (فصلُّوا جلوسًا منسوخٌ) هذا عند أكثرِ الأئمةِ إلا أحمدَ وإسحاقَ بن راَهويه، فإنهما يقولان: لو شرعَ الإمامُ في الصلاةِ في حال المرضِ وهو قاعدٌ فليقْعُدِ المأمومون للحديث المتقدِّم، وإن شرعَ في الصلاة وهو صحيحٌ ثم مَرِضَ وقعدَ لم يَقْعُدْ المأمومون. * * * ٨١٧ - عن عائشة ﵂ قالت: لمَّا ثَقُلَ رسولُ الله ﷺ جاءَ بلالٌ يُؤذِنُهُ بالصلاةِ، فقال: "مُرُوا أبا بكرٍ أن يصليَ بالناسِ"، فصلَّى أبو بكر تلك الأيامَ، ثم إنَّ النبيَّ ﷺ وجدَ في نفسه خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بين رَجُلَيْنِ، ورجلاه تخُطَّان في الأرض حتى دخلَ المسجدَ، فلمَّا سمعَ أبو بكرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ يتأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إليه رسولُ الله ﷺ أَنْ لا يتأخرَ، فجاءَ حتى جلسَ عن يسارِ أبي بكرٍ ﵁،

стр. 751

فكانَ أبو بكرٍ يصلي قائمًا، وكانَ رسولُ الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكرٍ بصلاةِ رسولِ الله ﷺ ، والناسُ يقتدونَ بصلاةِ أبي بكرٍ، وفي روايةٍ: وأبو بكرٍ يُسمِعُ الناسَ التكبيرَ. قولها: "لما ثَقُلَ رسولُ الله"؛ أي: اشتدَّ مرضُه، و"يُؤْذِنه" بسكون الهمزة وتخفيف الذال؛ أي: يُعْلِمُه ويخبرُه و (يُؤَذِّنُه) بفتح الهمزة وتشديد الذال؛ أي: يَدْعوه. و (التأذينُ): رَفْعُ الصوتِ في دعاءِ أحدٍ أحدًا، أو في الأذان. "وَجَدَ في نفسه خِفَّةً"؛ أي: قوةً وزوالَ بعضِ المَرَضِ. "يُهَادَى بين الرَّجُلَين"؛ أي: يمشي بين رجلين إحدى يديه على عاتقِ أحدِهما، والأخرى على عاتقِ الآخر، والرجلان كانا عليَّ بن أبي طالب، وعباسَ بن عبد المطلب ﵄. "ورجلاه تَخُطَانِ"، أي: تَنْجَرَّان على الأرض، ولا يقدِرُ أن يرفعَهما عن الأرض مِنْ غاية الضَّعْف. "حِسُّه"؛ أي: حركتُه، أو صوتُه. "ذهبَ يَتَأَخَّرُ"؛ أي: طَفِقَ وقَصَدَ أن يتأخَّر عن موضعِه ليقومَ رسولُ الله مَقامَه. "فأومأ"؛ أي: فأشارَ. قوله: "يقتدي أبو بكرٍ بصلاةِ رسولِ الله"، اختلفَ العلماءُ في هذا، فروى ابن عباسٍ وجماعةٌ كثيرةٌ عن عائشة: أنَّ رسولَ الله كان إمامًا، وأبو بكر يقتدي به. قوله: "والناسُ يَقْتَدُون بصلاةِ أبي بكر"، معناه: والناسُ يَصْنَعُون مثلَ ما

стр. 752

يصنعُ أبو بكر، وليس معناه أن أبا بكرٍ كان إمامَ القومِ ورسولُ الله كان إمامَ أبي بكر؛ لأن إمامة المأمومِ غيرُ جائزةٍ، بل كلُّهم اقتدَوا برسول الله. وروى مسروقٌ عن عائشةَ: "أن رسولَ الله جلسَ في الصفِّ خلفَ أبي بكرٍ واقتدى بأبي بكر"، والروايةُ الأولى أَصحُّ. قوله: "وأبو بكرٍ يُسْمِعُ الناسَ التكبيرَ"؛ يعني: قالتْ عائشةُ بعد قولها: وكان رسولُ الله يصلِّي قاعدًا، وأبو بكرٍ يُسْمِعُ الناسَ التكبيرَ، يعني: كان أبو بكرٍ مكبرًا لا إمامًا. وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ المأمومَ إذا صلَّى خلفَ إمامٍ بعضَ الصلاةِ، ثم تركَ الإمامُ الإمامةَ أو بَطَلَتْ صَلاتُه، وجاءَ إمامٌ آخرُ= للمأمومِ أن يصلِّيَ باقيَ صَلاتِه خلفَ الإمامِ الثاني من غير استئنافِ التكبيرِ والنيةِ، ويدلُّ أيضًا على جَوازِ كونِ صلاةِ المأموم أقلَّ من صلاةِ الإمامِ؛ لأنَّ القومَ هنا قد صلُّوا بعضَ الصلاةِ قَبْلَ رسولِ الله. وقال الشافعيُّ في قولٍ: لو صلَّى رجلٌ منفرِدًا بعضَ الصلاة، ثم اقتدى في باقيها جازَ بدليل هذا الحديث، وهذا بعيد لأنه ههنا صلَّى القومُ جميعَ الصلاةِ مع الإمامِ إلا أنهم صلُّوا بعضَ الصلاة خلفَ إمامٍ وبعضَها خلفَ إمامٍ آخرَ. * * * ٨١٨ - وقال رسول الله ﷺ : "أَمَا يخشى الذي يرفعُ رأْسَهُ قبلَ الإمام أنْ يُحوِّلَ الله رأسَه رأسَ حِمارٍ". وقال: "لا تُبادروا الإمامَ، إذا كبَّر فكبروا، وإذا قال: ولا الضالين

стр. 753

فقولوا: آمين، واذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد". قوله: "أن يُحَوِّلَ الله"؛ أي: أن يَقْلِبَ الله، ويُبَدِّلَ الله. * * * مِنَ الحِسَان: ٨١٩ - عن عليٍّ ومُعاذ بن جبَل ﵄ قالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إذا أتى أحدُكم الصلاةَ والإمامُ على حالٍ، فليصْنَعْ كما يصنعُ الإمامُ"، غريب. قوله: "إذا أتى أحدُكم الصلاة ... " إلى آخره؛ يعني: إذا نوى المأمومُ وكَبَّر تكبيرةَ الإحرامِ فلْيُوافقِ الإمامَ فيما هو فيه من القيام، أو الركوع، أو غير ذلك، ثم إنْ أدركَ الركوعَ احْتُسِبَ له تلك الرَّكعة، وإن أدركَه بعد الركوع فليوافقْه ولم يُحتَسَبْ له تلك الرَّكْعَة. * * * ٨٢٠ - وقال: "إذا جئتم إلى الصلاةِ ونحنُ سُجودٌ فاسجُدوا، ولا تَعُدُّوه شيئًا، ومَنْ أَدرك الركعةَ فقد أَدرَكَ الصَّلاةَ". قوله: "ونحن سجود"، السُّجُودُ هنا جمع سَاجِد. "فاسجدوا ولا تَعُدُّوه شيئًا"؛ أي: ولا تَجْعَلُوا السجودَ رَكْعةً؛ يعني: فوافِقُوني فيما أنا فيه من الأركان، ولكنْ لا يحصُلُ لكم رَكعةٌ بذلك إن لم تركعوا معي الرُّكُوع. قوله: "ومنْ أدركَ الرَّكعةَ فقد أدركَ الصَّلَاة"، قيل: معنى الرَّكْعةِ هنا

стр. 754

الركوعُ، ومعنى الصلاة: الركعةُ؛ يعني: منْ أدركَ الركوعَ مع الإمام فقد أدركَ تلكَ الرَّكعةَ. وقيل: بل معناه من أدركَ رَكعةً فقد أدركَ الصلاةَ مع الإمام؛ يعني: يحصُلُ له ثوابُ الجماعةِ، وإن أدركَ مع الإمام أقلَّ من رَكعةٍ لا يحصُلُ له ثوابُ الجماعةِ عند بعض أصحابِ الشافعي. والأظهرُ أنه يحصُلُ له ثوابُ الجماعةِ إذا أدركَ الإمامَ قبل السلام، وأما صلاة الجمعة لا تحصُلُ له بإدراك أقلَّ من رَكعةٍ بلا خلاف. * * * ٨٢١ - عن أنسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صلَّى للهِ أربعين يومًا في جماعةٍ يُدركُ التكبيرةَ الأُولى؛ كُتِبَتْ له براءتانِ: براءةٌ من النارِ وبراءةٌ من النِّفاقِ". وقال: "من صَلَّى لله أربعينَ يومًا كُتِبَ له بَرَاءَتان: براءةٌ من النار وبراءةٌ من النَّفَاق". رواه أنس. "براءة من النار"؛ أي: نجاةٌ من النار. "وبراءة من النفاق"؛ أي: طهارةٌ وخَلَاصٌ من النفاق عند الله وعند الناس؛ لأنَ مَنْ سَعَى في الصلواتِ الخمسِ حتى يدركَ التكبيرةَ الأولى مع الإمام فهذا الحرصُ منه على الصلاة دليلٌ على كَمَالِ إيمانِه؛ لأن المنافقَ قلَّما يصلِّي بالجماعة، ولو صلَّى بالجماعةِ يؤخِّرُ الصلاةَ حتى تفوتَه بعضُ الرَّكَعات لعدم إيمانِه بنيلِ الثَّواب. * * *

стр. 755

٨٢٢ - وقال: "مَنْ توضَّأَ فأحسَنَ وُضوءَه، ثم راحَ فوجدَ الناسَ قد صَلَّوا؛ أَعطاهُ الله تعالى مثلَ أجرِ مَنْ صلاها وحَضَرها، لا ينقُصُ ذلك من أُجورهم شيئًا". قوله: "مَنْ تَوَضَّأَ فأحسنَ وضوءَه ... " إلى آخره، وهذا إذا لم يكنْ منه تقصيرٌ بتأخير الصلاةِ من غير عُذْرٍ، أما لو أخَّرَ حضورَ الجماعةِ بغير عُذْرٍ حتى تفوتَه الجماعةُ لم يكنْ له هذا الثوابُ. * * * ٨٢٣ - عن أبي سعيد الخُدريِّ ﵁ قال: جاءَ رجلٌ وقد صلَّى رسولُ الله ﷺ فقال: "ألا رجلٌ يتصَدَّقُ على هذا، فيُصلِّيَ معه؟ "، فقامَ رجلٌ فصَلَّى معه. قوله: "ألا رجلٌ يَتصَدَّقُ"، على هذا الهمزة في (ألا) للاستفهام، و (لا) بمعنى (ليس)؛ يعني: هل كان رجلٌ يصلِّي مع هذا الرجلِ بالجماعةِ حتى يَحْصُلَ لهذا الرجلِ الداخلِ ثوابُ الجماعةِ فيكون كأنه قد أعطاه صدقةً؛ لأنه جعلَ ثوابَ صلاتِه من واحدٍ إلى سبعة وعشرين. وهذا دليلٌ على أن دلالةَ أحدٍ على الخير وتحريضَ أحدٍ على الخيرِ صدقةٌ عليه، وهو دليلٌ على أنَّ مَن صلَّى بالجماعة يجوزُ له أن يصلِّيَ مرةً أخرى بالجماعة فيكون إمامًا أو مأمومًا. * * * ٢٨ - باب مَنْ صلَّى صلاةً مرَّتَينِ (باب من صلى صلاة مرتين) ٨٢٤ - قال جابرٌ ﵁: كان مُعاذُ بن جَبَلٍ ﵁ يُصلِّي مع النبيِّ ﷺ ، ثم

стр. 756

يأْتي قَومَه، فيُصلي بهم. وقال جابرٌ: كانَ معاذُ بن جَبَل يُصلِّي معَ النبيِّ ﷺ العِشاءَ، ثم يَرجِعُ إلى قومِهِ، فيُصلي بهم العشاءَ، وهي له نافلةٌ. قوله: "فيصلِّي بهم"؛ أي: بالقوم. قوله: "وهي له نافلةٌ"؛ يعني: الصلاةُ الثانيةُ نافلةٌ لمعاذ؛ لأنَّ النافلةَ معناها الزيادةُ، والصلاةُ الثانيةُ زيادةٌ؛ لأنه لو لم يُصَلِّها لم يكنْ عليه إثمٌ. * * * مِنَ الحِسَان: ٨٢٥ - عن يَزيد بن الأَسْوَد أنه قال: شَهِدْتُ معَ النبيِّ ﷺ حجَّتَهُ، فصلَّيْتُ معَهُ صلاةَ الصُّبحِ في مَسجدِ الخَيْفِ، فلمَّا قضى صلاتَهُ وانحرفَ، فإذا هو برجُلَيْنِ في آخرِ القومِ لم يُصَلِّيا مَعَهُ، قال: "عليَّ بهما"، فَجِيءَ بهما تُرْعَدُ فرائصُهما قال: "ما مَنَعَكما أن تُصَلِّيا معَنا؟ "، فقالا: يا رسولَ الله! إنَّا كنا صلَّينا في رِحالِنا، قال: "فلا تَفْعلا، إذا صلَّيتُما في رِحالِكما، ثم أتَيْتُما مَسجِدَ جماعةٍ، فصلِّيا معهم، فإنها لكُما نافلةٌ". "شَهِدْتُ مع النبيِّ ﵇ حَجَّتَه ... " إلى آخره، (شَهِدتُ)؛ أي: حَضرْتُ، و (انحرف)؛ أي: انصرفَ ورجعَ. قوله: "عليَّ بهما"؛ أي: ائتوني بهما، وأحضروهما عندي. (تُرْعَدُ) - بضم التاء وفتح العين -؛ أي: تُحَرَّك. (الفرائصُ): جمع فَرِيصَة، وهي اللَّحْمُ الذي تحت الكَتِفِ، ومن خافَ تحرَّكَ ونَبَضَ ذلك اللحمُ من الخوف؛ يعني: يخافان من رسول الله عليه

стр. 757

السلام أن يضربَهما من تركِهما الصلاةَ مع رسول الله ﵇. اعلم أن مَن صلَّى صلاةً، ثم أدركَ جماعةً يُصَلُّون تلك الصلاةَ بالجماعة يوافقُهم فيها، أيَّ صلاةٍ كانت عند الشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يعيد الصبحَ والعصرَ والمغربَ، ثم إذا صلَّى الثانيةَ فالثانيةُ له نافلةٌ بدليلِ هذا الحديث. جدُّ "يزيد": المُطّلِبُ بن أسد بن عبد العُزَّى بن القُصَيِّ القُرَشي. * * * ٢٩ - باب السُّنَن وفَضْلها (باب السنن وفضلها) مِنَ الصِّحَاحِ: ٨٢٦ - عن أم حَبيْبة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صلَّى كلَّ يومٍ وليلةٍ ثنتي عشرةَ ركعةً تَطَوُّعًا بني له بيتٌ في الجنةِ، أربعًا قبلَ الظهرِ، وركعتينِ بعدها، وركعتينِ بعدَ المَغربِ، وركعتينِ بعدَ العِشاءِ، وركعتينِ قبلَ صلاةِ الفَجْرِ". قوله: "عن أم حَبيبة"، هي زوجةُ النبيِّ ﵇، وهي أختُ معاوَية بن أبي سفيان، وقد ذُكِرَ نسبُ أبي سفيان. قوله: "تطوُّعًا"، التطوُّعُ ما ليس بفريضة، وهو قِسمان: سنةٌ ونافلة، والمراد به هنا السُّنَّة.

стр. 758

"حفصة" هي بنتُ عمرَ بن الخطاب، وهي زوجة النبي ﵇. * * * ٨٢٧ - وقال ابن عمر: صليتُ مع رسولِ الله ﷺ ركعتينِ قبلَ الظُّهرِ، وركعتينِ بعدَها، وركعتينِ بعدَ المَغربِ في بيتِهِ، وركعتينِ بعدَ العِشاءِ في بيته، وحدَّثتني حَفْصة: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يصلي ركعتينِ خَفيْفتينِ حينَ يطلُعُ الفجرُ. وفي روايةٍ: وكانَ لا يُصلِّي بعدَ الجمعةِ حتى ينصرِفَ، فيُصلِّي ركعتينِ في بيتِهِ. قوله: "رَكْعتين خفيفتين"، يريد بهما سنةَ الصبح. قوله: "فيصَلِّي رَكْعتين في بيته"، يريد بهما سُنَّةَ الجمعة، وسُنَّةُ الجمعةِ كسنة الظهر. * * * ٨٢٨ - وسُئلت عائشةُ ﵂ عن صلاةِ النبيِّ ﷺ من التطوُّعِ، فقالت: كان يُصلِّي في بيتي قبلَ الظُّهرِ أربعًا، ثم يَخرجُ، فيُصلي بالناسِ، ثم يدخلُ فيُصلي ركعتَينِ، ويُصلي بالناسِ المَغربَ، ثم يَدخُلُ فيُصلي ركعتَينِ، ثم يُصلي بالناسِ العِشاء، ثمَّ يدخُلُ بيتي، فيُصلي ركعتَينِ، وكان يُصلي من اللَّيلِ تِسْعَ ركَعاتٍ فيهنَّ الوِتْرُ، وكانَ يُصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، فكان إذا قرأَ وهو قائمٌ ركعَ وسجدَ وهو قائمٌ، واذا قرأَ وهو قاعدٌ ركعَ وسجدَ وهو قاعدٌ، وكان إذا طلَعَ الفَجْرُ صلَّى ركعتينِ، ثم يخرجُ، فيُصلي بالناسِ صلاةَ الفَجْرِ.

стр. 759

قوله: "من التطوُّع"؛ أي: من غير الفريضةِ، وتطوُّعُ النَّبيِّ كلُّه سُنَّةٌ. قولها: "كان يصلِّي في بيتي قبلَ الظُّهْرِ أربعًا"، هذا دليلٌ على استحبابِ أداءِ السُّنَّةِ في البيت، فما هو فرضٌ إظهارُه أَوْلَى، وما هو تطوُّعٌ إخفاؤُه أَوْلَى. وفي زماننا إظهارُ السنة الراتبةِ أَوْلَى ليتعلَّمَها الناسُ ولا تَنْدَرِسَ، ولأنه لو رأى الناسُ واحدًا يصلِّي الفريضةَ في المسجد ولم يَرَوْه يصلِّي السنة اتَّهَمُوه وظَنُّوه تاركًا للسُّنَّة. قولها: "فيهنَّ الوِتْر"؛ يعني: الوتر وصلاة الليل كلُّها واحدة. واختلفَ العلماءُ في أنَّ مَن صلى الوتر أكثر من ركعةٍ إلى ثلاثَ عشرةَ ركعةً فهل جميعُها وتر، أم الوترُ ركعةٌ والباقي صلاة الليل؟ فالمفهوم من الأحاديثِ الواردةِ في الوتر أن جميعَها وترٌ، وليس صلاة الليل غير الوتر إلا في حقِّ مَنْ صلَّى الوترَ قبلَ النوم، ثم نامَ وقامَ وصلَّى فإنه ما صلَّى بعد النوم فهو صلاةُ الليل، وكذلك منْ لم يصلِّ قبلَ النوم فإذا قام من النوم وصلَّى أكثرَ من ثلاثَ عشرةَ ركعةً يسلِّمُ من كلِّ ركعتين، ثم يصلِّي ركعةً واحدةً ويسلِّم، فإنَّ ما صلَّى قبلَ الركعة الأخيرة فهي صلاةُ الليل؛ لأنه لم يُنْقَل الوترُ عن النبي أكثرَ من ثلاثَ عشرةَ رَكعةً. قولها: "وكان يُصلِّي ليلًا طويلًا قائمًا وليلًا طويلًا قاعدًا"؛ يعني: يصلِّي صلاةً كثيرةً من القيام، أو يصلِّي رَكعاتٍ مطوَّلاتٍ في بعض الليالي من القيام، وفي بعضٍ يصلِّي صلاةً طويلةً من القُعُود، وإنَّما فعلَ هكذا ليعلِّمَ الناسَ جوازَ غيرِ

стр. 760

الفرائضِ من الصلوات عن القُعُود. قولها: "فكان إذا قَرأَ ... " إلى آخره، يعني: إذا صلَّى عن القيام يركع ويسجدُ عن القيام، وإن صلَّى عن القعود يركعُ ويسجدُ عن القعود، ولا يقومُ لأجلِ الركوع إذا صلَّى عن القُعود. * * * ٨٢٩ - قالت عائشةُ ﵂: لم يكنْ النبيُّ ﷺ على شيءٍ من النوافلِ أشدَّ تعاهُدًا منه على ركعتَي الفَجْرِ. قولها: "من النوافل"؛ أي: من السُّنَن. "تَعَاهُدًا"؛ أي: مداومةً على رَكْعتي الفجر؛ أي: على سنة الفجر. * * * ٨٣٠ - وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ركعتا الفَجْرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها". قولها: "وما فيها"؛ أي: وما في الدنيا من المال، وليس معناه وما يصْدُرُ عن عبادِ الله فيها من الأعمالِ الصالحة، وقراءةِ القرآن، والذِّكْر، والصيامِ، وغيرِ ذلك من الخيرات. * * * ٨٣١ - وقال: "صلُّوا قبلَ المَغربِ ركعتينِ، صلُّوا قبلَ المغربِ ركعتينِ"، قال في الثالثة: "لمَنْ شاءَ، كراهية أن يتَّخِذها الناسُ سُنةً". قوله: "صلُّوا قبلَ المغرِب رَكْعتين"؛ يعني: السنةُ أن يصلِّيَ رَكعتين

стр. 761

بعد أذان المغرب وقبل الشُّرُوع في الفَرْض. قال أنس ﵁: كنَّا في المدينة فإذا أَذَّنَ المؤذِّنُ لصلاة المغرب ابتدَرُوا السَّوَارِيَ؛ أي: فركَعوا رَكعتين حتى إنَّ الرجلَ الغريبَ ليدخلُ المسجِدَ فيحسَبُ أن الصلاةَ قد صُلِّيَتْ من كثرةِ مَنْ يُصَلِّيها. السَّواري: جمع سارية وهي الأُسْطُوَانة؛ يعني: يقفُ كلُّ واحدٍ خلفَ أُسْطُوَانةٍ يُصَلِّي هاتين الركعتين قبل الشُّروعِ في الفَرْض. قوله: "كراهية أن يتخذها الناس سنة"؛ يعني: مِن خشيةِ أن يتَّخِذَها الناسُ واجبًا. روى هذا الحديثَ عبدُ الله بن بُرَيدة، عن عبد الله المُزَني، عن رسول الله ﵇، وعبد الله المُزَني أبوه عمرو بن هلال والد علقمةَ وبَكْر. * * * ٨٣٢ - وقال: "من كان منكم مُصلِّيًا بعدَ الجمُعةِ فليُصَلِّ أربعًا". قوله: "من كان منكم مُصَلِّيًا"، هذا دليلُ التخيير وعَدَمِ الوجوب، واختُلِفَ في السنةِ بعد صلاة الجمعة، ففي قول: هي أربعُ رَكَعاتٍ بدليلِ هذا الحديث، وفي قول: رَكْعتان بدليلِ حديثِ ابن عمرٍو، وقد تقدَّم. * * * مِنَ الحِسَان: ٨٣٤ - عن أم حَبيبة ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ -

стр. 762

يقول: "مَنْ حافظَ على أربعِ ركعاتٍ قبلَ الظهرِ وأربعٍ بعدَها حرَّمَه الله على النارِ". قوله من الحِسَان: "من حافظ على أربعِ ركعاتٍ قبلَ الظُّهْرِ وأربعٍ بعدَها حرَّمَه الله على النار". قوله: "حافظ"، أي: داوَمَ. * * * ٨٣٥ - وقال رسول الله ﷺ : "أربعٌ قبلَ الظهرِ ليسَ فيهن تسليمٌ تُفْتَحُ لهنَّ أبوابُ السماءِ"، رواه أبو أَيُّوب. وقال: "أربعٌ قبلَ الظهرِ ليسَ فيهنَّ تسليمٌ، تُفْتَحُ لهنَّ أبوابُ السَّماء". رواه أبو أيوب. يعني: أربعُ ركعاتٍ قبلَ الظهرِ بتسليمةٍ واحدةٍ تُفْتَحُ لها أبوابُ السَّماء؛ أي: تُرْفَعُ بها إلى الحَضْرَة؛ أي: قُبلَتْ. * * * ٨٣٦ - وروي: أنه ﵇ كان يُصلي أربع ركعاتٍ بعد الزوالِ، لا يسلِّمُ إلا في آخرهنَّ، وقال: "إنها ساعةٌ تُفْتَحُ فيها أبوابُ السماءِ فأُحِبُّ أن يصعدَ لي فيها عملٌ صالحٌ". قوله: "كان يصلِّي أربع ركعاتٍ بعدَ الزَّوَالِ لا يُسلِّمُ إلا في آخرهنَّ، فقال: إنها ساعة تُفْتَحُ فيها أبوابُ السماء"، أراد بهذه الأربعِ سنةَ الظهرِ التي قبلَها. * * *

стр. 763

٨٣٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله امْرءاً صلى قبلَ العصرِ أربعًا". وقال: "رَحِمَ الله امرأً صَلَّى قبلَ العصْرِ أربعًا". والمرادُ منه أيضًا سنةُ العَصْر. * * * ٨٣٩ - وروي: أنه ﷺ كانَ يصلي قبلَ العصرِ أربعَ ركعاتٍ. قوله: "كان يصلِّي قبلَ العصرِ أربعَ ركعاتٍ"، والمرادُ منه أيضًا سنةُ العصر. * * * ٨٤١ - وقال: "مَنْ صلى بعدَ المغربِ ستَّ ركعاتٍ لم يتكلَّمْ فيما بَيْنَهُنَّ بسوءٍ عُدِلْنَ له بعبادةِ ثنثي عشرةَ سنةً". قوله: "من صلَّى بعدَ المغرب ستَّ ركعات ... " إلى آخره، وقال ابن عباس: الصلاةُ بين المغرب والعشاء ناشئةُ الليل. * * * ٨٤٢ - وعن عائشة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ صلَّى بعدَ المَغربِ عشرينَ ركعةً بنى الله له بيتًا في الجنةِ". قوله "مَن صلَّى بعدَ المغربِ عشرينَ ركعةً بنى الله له بيتًا في الجَنَّة"، السُّنةُ الراتبة بعد المغرب ركعتان، وما زاد عليهما سنةٌ غيرُ راتبة.

стр. 764

والمفهوم من هذا الحديث أن السنةَ المذكورةَ في الحديثِ الأولِ هي مع الرَّكعتين الراتبتين لا دونهما. * * * ٨٤٣ - وقالت عائشة ﵂: ما صلَّى رسولُ الله ﷺ العِشاءَ قَطُّ فدخلَ عليَّ إلا صلَّى أربعَ ركَعاتٍ أو ستَّ ركَعاتٍ. قولها: "إلا صَلَّى أربع ركعات، أو ست ركعات"، السنةُ الراتبةُ بعدَ العشاء ركعتان، وما زاد عليهما غيرُ راتبة، وهذه الأربعُ أو السِّتُّ هي مع الركعتين الراتبتين وهذه الركعاتُ غيرُ الوِتْرِ، ومعنى السنةِ الراتبةِ ما داومَ عليها رسولُ الله ﵇، هي مأخوذةٌ من الرُّتُوب؛ وهو الثبوتُ والدَّوَام. * * * ٨٤٤ - عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: " ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ الركعتينِ قبلَ الفجرِ، و ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ الركعتين بعدَ المغربِ". قوله: " ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ الركعتين ... " إلى آخره، (الإدْبارُ) والدُّبور: الذهاب، و (إدبار النجوم) يعني: عقيبَ ذهابِ نجومِ الليل، وهو سنةُ الصبح؛ لأن وقتَ سنةِ الصبحِ ذهابُ النجومِ وغروبُها، والسجود في قوله: "وأدبار السجود" فريضةُ المغرب، والمراد بـ "أدبار السجود" سنةُ المَغْرِب. * * *

стр. 765

٣٠ - باب صلاة الليل (باب صلاة الليل) مِنَ الصِّحَاحِ: ٨٤٥ - عن عُروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصلي فيما بين أن يَفْرُغَ من صلاةِ العشاءِ إلى الفجرِ إحدى عشرةَ ركعةً، يُسلِّم من كل ركعتينِ، ويُوتِر بواحدةٍ، فيسجدُ السجدةَ من ذلك قدرَ ما يقرأُ أحدُكم خمسينَ آيةً قبلَ أنْ يرفعَ رأسَه، فإذا سكتَ المؤذِّنُ من صلاةِ الفجرِ وتبيَّن له الفجرُ؛ قامَ فركعَ ركعتينِ خفيفتينِ، ثم اضطجَع على شِقِّه الأيمنِ حتى يأتيَهُ المؤذِّنُ للإقامةِ، فيخرجُ. قوله: "فيسجُدُ السجدةَ من ذلك"، (من) للتبعيض، يعني: قد كان بعضُ سَجداتهنَّ طويلاً بقدْر ما يقرَأُ أحدٌ خمسين آيةً، ولم يرفَعْ رأسَه بعدُ. قولها: "فركع ركعتين خفيفتين"؛ يعني سنةَ الصبح. قولها: "ثم اضطجع"؛ أي: اضطجع للاستراحة ليزولَ عنه تعبُ قيامِ الليل؛ ليصلِّيَ فريضةَ الصبحِ على نشاطٍ، ولم يكنْ به مَلالةٌ. * * * ٨٤٦ - وقالت عائشة: كان النبيُّ ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر فإنْ كنتُ مستيقظةً حدَّثني وإلا اضطجعَ. قولها: "فإنْ كنتُ مستيقظةً حدَّثَني، وإلا اضطجَع"، هذا دليلٌ على أنَّ الفَصْلَ بينَ سنةِ الصبحِ وبينَ الفريضةِ جائزٌ، وعلى أنَّ الحديثَ مع الأهلِ سُنَّةٌ. * * *

стр. 766

٨٤٨ - وقال القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: كانَ النبيُّ ﷺ يصلي من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً منها الوِتر، وركعتا الفجرِ. "وقال القاسم بن محمد"، هو ابن محمد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. * * * ٨٤٩ - وقال مسروق: سألتُ عائشةَ ﵂ عن صلاةِ رسولِ الله ﷺ بالليلِ؟، فقالت: سبعٌ وتسعٌ وإحدى عشرةَ سوى ركعتَي الفجرِ. قولها: "سبعٌ وتسعٌ وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر"؛ يعني: قد كان يصلِّي في ليلٍ سبعَ رَكَعاتٍ مع الوِتْر غيرَ سُنْةِ الفجر. وفي ليلٍ تسعًا مع الوِتْر غيرَ سُنة الفجر، وفي ليلٍ إحدى عشرةَ ركعةً مع الوِتْر غيرَ سنةِ الصبح. * * * ٨٥٠ - وقالت عائشة ﵂: كانَ النبيُّ ﷺ إذا قامَ من الليلِ لِيُصلي افتتحَ صلاتَه بركعتينِ خفيفتينِ. قولها: "افتتح صلاتَه برَكْعتين خفيفتين"؛ يعني: كان أولُ صلاتِه بالليل رَكْعتين خفيفتين لا طويلتين؛ ليحصُلَ به نشاطٌ بالصلاة ويعتادَ بها، ثم يزيد عليهما بعد ذلك، وهذا إشارةٌ إلى أنَّ مَن يريدُ أن يَشْرَعَ في أمرٍ فيشرعُ فيه قليلًا قليلًا. * * * ٨٥٢ - عن ابن عباسٍ ﵄ أنه قال: بِتُّ عندَ خالتي ميمونَة ليلةً والنبيُّ ﷺ عندَها، فتحَدَّثَ رسولُ الله ﷺ مع أهلِهِ ساعةً ثم رقدَ، فلمَّا كان ثلثُ الليلِ

стр. 767

الآخرُ أو بعضُه قعدَ فنظرَ إلى السماء فقرأ: " ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ " حتى خَتَمَ السورةَ، ثم قامَ إلى القِربةِ، فأَطلقَ شِناقَها، ثم صبَّ في الجَفَنة، ثم توضأَ وضوءًا حسنًا بين الوضوءينِ لم يُكْثِرْ وقد أَبْلَغَ، فقامَ يصلي، فقمتُ فتوضأتُ فقمتُ عن يسارِهِ، فأخذَ بأُذُني عن يمينِهِ، فتتَامَّتْ صلاتُه ثلاثَ عشرةَ ركعةً، ثم اضطجعَ فنامَ حتى نفخَ، وكان إذا نامَ نفخَ، فآذَنَهُ بلالٌ بالصلاةِ فصلَّى ولم يتوضأ، وكانَ في دعائه: "اللهمَّ اجعلْ في قلْبي نُورًا، وفي بصري نورًا، وفي سَمْعي نُورًا، وعن يَميني نُورًا, وعن يَساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأَمامي نُورًا، وخلْفي نُورًا، واجعل لي نُورًا - وزاد بعضهم - وفي لِساني نورًا - وذكر - وعصَبي، ولَحمي، ودمي، وشَعْري، وبشَري". وفي روايةٍ: "واجعل في نفسي نورًا، وأَعظِم لي نورًا". وفي روايةٍ: "اللهمَّ أَعطني نُورًا". وفي روايةٍ: عن ابن عباس أنه رقدَ عندَ النبيِّ ﷺ ، فاستيقظَ فتسوَّكَ وتوضأَ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى ختمَ السورةَ، ثم قامَ فصلى ركعتينِ أطالَ فيهما القيامَ والركوعَ والسجودَ، ثم انصرفَ فنامَ حتى نفخَ، ثم فعلَ ذلك ثلاثَ مراتٍ ستَّ ركعاتٍ، كلُّ ذلكَ يَسْتَاكُ ويتوضأُ ويقرأُ هؤلاء الآياتِ، ثم أوترَ بثلاثٍ. قوله: "ثم رَقَد"؛ أي: نام. قوله: "أو بعضُه"؛ يعني: فلمَّا بقيَ ثلثُ الليلِ، أو أقلُّ من الثلث. "أطْلَقَ شِنَاقَها"؛ أي: حَلَّ رأسَ القِرْبة. (الشِّنَاقُ) بكسر الشين: الخيطُ الذي يُشَدُّ به رأسُ القِرْبَة.

стр. 768

"صَبَّ في الجَفَنَة"؛ أي: أراقَ الماءَ من القِرْبَةِ في القَصْعَة. "بينَ الوُضوءَينِ"؛ أي: لم يُكثِرْ إراقةَ الماءِ ولكنْ "أَبْلَغَ"؛ يعني: أتمَّ الوضوءَ مِن غيرِ نقصانٍ وزيادةٍ. "فأَدارني عن يَمينه"، (عن) ههنا بمعنى الجانب، يعني: فأدارني عن جانبِ يسارِه إلى جانبِ يمينِه. قوله: "فتتَامَّتْ صلاتُه"؛ أي: فتوفَّرْت وتَمَّتْ صلاتُه ثلاثَ عشرةَ رَكعةً. قوله: "فنام حتى نَفَخَ"؛ أي: حتى سُمِعَ صوتٌ منه كما يُسْمَعُ من النائم. قوله: "فصلى ولم يتوضَّأْ"، هذا خاصيةٌ له ﵇ لأنه نامتْ عيناه، ولم يَنَمْ قلبُه فلا يبطلُ وُضوؤه بمثل هذا. وجهُ سؤالِه النورَ لكلِّ عضوٍ: أنه أراد أن يزيدَ الله توفيقَه لما يُحِبُّ ويرضى، وأراد أيضًا تعليمَ أمته أن يسألوا من الله النورَ ليزول عن أعضائهم الظلمةُ الإنسانيةُ والشهوةُ النفسانيةُ، ويَظْهَرَ بها نورٌ يستعملها في طاعةِ الله، فإنه لا حولَ ولا قوة إلا بتوفيق الله وإعانتِه، ونورُ الله: نظرُ عنايته ورحمته. قوله: "كل ذلك يَسْتاكُ ويتوضَّأُ"، هذا الحديثُ يدلُّ على أن من استاكَ لصلاةٍ، ثم مضى زمانًا يتغيَّرُ فيه الفَمُ، ثم أراد أن يُصَلَّيَ صلاةً أُخرى يُستحَبُّ إعادةُ السَّواكِ، و (الركعاتُ الستُّ) في هذا الحديث هي صلاة الليل، وليس من الوتر؛ لأنه وقعَ بينها وبينَ الوِتْرِ فَصْلٌ كثيرٌ. فإن قيل: لمَ يتوضَّأُ في هذه الروايةِ بعد ما استيقظَ ولم يتوضَّأْ في الروايةِ المتقدِّمةِ مع أنه نام فيها حتى نَفَخ؟ قلنا: إنما توضَّأَ حيث توضَّأَ لتجديدِ الوضوء؛ لأن وضوءَه ﵇ لم يبطُلْ بالنوم.

стр. 769

قال محيي السنة رحمة الله عليه: نومُه مضطجِعًا حتى نفخَ وقيامُه إلى الصلاة من خصائصه ﵇؛ لأن عينَه كانت تنامُ وقلبه لا ينام. * * * ٨٥٣ - وعن زيد بن خالدٍ الجُهَني ﵁ أنه قال: لأَرْمُقَنَّ صلاةَ رسولِ الله ﷺ الليلةَ، فصلَّى ركعتَينِ خفيفتَينِ، ثم صلَّى ركعتينِ طويلتينِ طويلتينِ طويلتينِ، ثم صلى ركعتينِ وهما دونَ اللتينِ قبلَهما، ثم صلَّى ركعتينِ وهما دونَ اللَّتينِ قبلهما، ثم صلى ركعتينِ وهما دونَ اللتينِ قبلهما، ثم صلى ركعتينِ وهما دون اللتينِ قبلَهما، ثم أَوْتَرَ فذلك ثلاثَ عشرةَ ركعةً. قوله: "لأرمقن صلاة رسول الله ﵇"، (الرموق): النظرُ إلى شيء. "لأرمقن"؛ أي: لأنظرن وأحفظن صلاة رسول الله ﵇ في هذه الليلة حتى أرى كم يصلي. قوله: "ثم صلى ركعتين طويلتين"، كرر طويلتين ثلاث مرات وأراد التأكيد، وليس المراد بكل طويلتين ركعتين، بل المراد ركعتان على غاية الطول. قوله: "دون اللَّتَين قَبْلَهما"؛ أي: أقل من الركعتين اللَّتين قبلَهما، والوِتْرُ هنا ثلاثُ ركعات؛ لأنه عَدَّ ما قبلَ الوِتْر عشرَ ركعات؛ لأنه قال: (ركعتين خفيفتين)، ثم قال: (ركعتين طويلتين) فهذه أربعُ ركعات، ثم قال ثلاث مرات: (صلَّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما)، فهذه ستُّ ركعات أُخَر، وكنيةُ "زيد" أبو عبدِ الرَّحْمن. * * * ٨٥٤ - قالت عائشةُ ﵂: لمَّا بَدَّنَ رسولُ الله ﷺ وَثَقُلَ؛ كانَ

стр. 770

أكثرُ صلاتِهِ جالسًا. قولها: "لمَّا بَدَّنَ رسولُ الله ﵇ وَثقل كانَ أكثرُ صلاتِه جالسًا"، (بَدَّنَ) - بتشديد الدال -: إذا كَبرَ سِنُّه، وبَدُنَ - بتخفيف الدال وفتحها وضمها -: إذا كثر لحمُه وكلاهما مروي، ولكنَّ العلماءَ يختارون تشديد الدال؛ لأن رسول الله ﵇ لم يوصفْ بكثرةِ اللحمِ حتى يقال فيه: بَدُنَ، بتخفيف الدال. وأما قولُ عائشة في حديثٍ آخر: (لما ثَقُلَ رسولُ الله ﵇ وأخذَ اللَّحْم)، قيل إنَّ الرجلَ إذا كَبرَ سِنُّه أَسَنَّ وأخذَ اللَّحْمَ حتى يُرى كأنه كثيرُ اللَّحْمِ، فعلى هذا التأويل يكون معنى كَثُرَ لحمُه: كَبرَ سِنُّه أيضًا، ومعنى ثَقُلَ هنا: ضَعُفَ. قولها: "حتى كان أكثر صلاته"؛ أي: أكثرُ صلاتِه من النوافل جالسًا. * * * ٨٥٥ - وقال عبد الله بن مَسْعود ﵁: لقد عرفتُ النَّظائرَ التي كانَ النبيُّ ﷺ يقرِنُ بينهن - فذكر عشرينَ سورةً من أولِ المُفَصَّل على تأليفِ ابن مسعودٍ ﵁ سورتينِ في كلِّ ركعةٍ، آخرُهنَّ حم الدُّخان، وعمَّ يتساءلون. قوله: "لقد عَرَفْتُ النَّظَائِرَ ... " إلى آخره، (النظائر): السُّورُ التي تماثِلُ بعضُها بعضًا في الطول والقصر، ونظيرُ الشيءِ: مِثْلُه. "يَقْرِنُ بينهنَّ"؛ أي: يجمعُ بين السورتين في رَكْعةٍ على تأليف ابن مسعود، يعني: جمع ابن مسعودٍ القرآنَ على نسقٍ غيرِ النسقِ الذي جَمعَ عليه القرآنَ زيدُ بن ثابت بإذن أبي بكرٍ على خلافته، ورضيَ به عمرُ وعثمان وعليٌّ وجميعُ الصحابة، والترتيب الذي يقرأ الناسُ القرآنَ عليه ويكتبونه في المصاحف من عهد الصحابة إلى يومنا هو الترتيب الذي جَمَعَ عليه القرآنَ زيدُ بن ثابتٍ، ولا يُلْتَفت إلى جمعِ ابن

стр. 771

مسعود؛ لأنه شاذٌّ، جمعَه بعد زيد بن ثابت، ولم يَتَّبعْه فيه أحدٌ. وقد ذكر أبو داود رحمة الله عليه في "صحيحه" السورَ التي يَقْرِنُ بينهنَّ رسولُ الله ﵇ في صلاته فقال: كان رسولُ الله ﵇ يقرأ: (الرحمن) (والنجم) في ركعة و (اقتربت) و (الحاقة) في ركعة، و (الطور) و (الذاريات) في ركعة، و (إذا وقعت) و (نون والقلم) في ركعة و (سأل سائل) و (النازعات)، و (ويلٌ للمطففين) و (عبس) في ركعة، و (المدَّثِّر) و (المزَّمِّل) في ركعة، و (هل أتى) و (لا أقسم بيوم القيامة) في ركعة، و (عم يتساءلون) و (المرسلات) في ركعة، و (الدخان) و (إذا الشمس كورت) في ركعة. قال أبو داود رحمة الله عليه: هذا تأليف ابن مسعود ﵁. * * * مِنَ الحِسَان: ٨٥٦ - عن حُذيفة ﵁: أنه رَأى رسولَ الله ﷺ يُصلي من الليلِ فكانَ يقولُ: "الله أكبر - ثلاثًا - ذا الملكوتِ والجَبَرُوتِ والكبرياءِ والعظَمةِ"، ثم استفتحَ فقرأ البقرةَ، ثم ركعَ فكانَ ركوعه نحوًا من قيامه يقول: "سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم"، ثم رفع رأسه فكان قِيامُه نحوًا من ركوعِه يقولُ: "لِرَبي الحمدُ"، ثم سجدَ فكان سُجودهُ نحوًا من قيامِهِ يقول: "سبحانَ ربي الأعلى"، ثم رفعَ رأسَه، وكان يقعدُ فيما بينَ السجدتينِ نحوًا من سجودِه يقولُ: "ربِّ اغفرْ لي ربِّ اغفرْ لي"، فصلَّى أربعَ ركعاتٍ قرأَ فيهنَّ البقرةَ وآلَ عمرانَ والنساءَ والمائدةَ. قوله: "ذو الملكوت والجبروت ... " إلى آخره، (الملكوت): الملكُ (الجبروت): العظمةُ، "نحوًا"؛ أي: مِثْلًا. * * *

стр. 772

٨٥٧ - عن عبد الله بن عَمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قامَ بعشْرِ آياتٍ لم يُكتبْ من الغافلينَ، ومَن قامَ بمائةِ آيةٍ كُتِبَ من القانتينَ، ومن قامَ بألفِ آيةٍ كُتب من المُقَنْطِرين". قوله: "من قام بعشر آيات"؛ أي: مَن قرأ في صلاته عشرَ آيات على التدبُّر والتأنِّي "لم يُكْتَبْ من الغافلين"؛ لأنه مَنْ فعلَ هذا لم يكنْ غافلاً. "كُتِبَ من القانتين"؛ أي: المطيعين، أو المُطَوِّلِين في القِيَام؛ لأنَّ معنى القُنُوتِ: الطاعةُ وطولُ القيام. "من المقنطرين"؛ أي: مكثرين الثوابَ، ومن الأغنياء من الثواب، كالأغنياء من المال. و (قَنْطَرَ): إذا جمع مالًا حتى صار قِنْطَارًا أو أكثر، والقِنْطَارُ سبعونَ ألف دينار. * * * ٨٥٨ - وقال أبو هريرة ﵁: كانت قراءَةُ النبيِّ ﷺ بالليلِ يرفعُ طَوْرًا ويخفضُ طَوْرًا. "يرفع طورًا ويخفض طورًا"؛ أي: مَرةً يرفعُ، يعني: مرةً يرفعُ صوتَه، ومرة يخفضه. * * * ٨٥٩ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كانت قراءةُ النبيِّ ﷺ على قَدْرِ ما يَسمعُهُ مَن في الحُجرةِ وهو في البيت. قوله: "كانتْ قراءةُ رسولِ الله ﵇ على قَدْر ما يسمعُه ... " إلى

стр. 773

آخره؛ يعني: لا يرفعُ صوتَه كثيرًا، ولا يُسِرُّ بحيث لا يسمعُه أحدٌ، وهذا في صلاة الليلِ في بيته، وأما في المسجد يقرأ في الصلاةِ ويرفَعُ صوتَه أكثرَ من هذا. * * * ٨٦٠ - عن أبي قَتادة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ "يا أبا بكرٍ، مررتُ بكَ وأنتَ تصلي تخفِضُ صوتَك"، قال: قد أَسْمَعْتُ مَن ناجَيتُ يا رسولَ الله، وقال لعُمر: "مررتُ بكَ وأنتَ رافعٌ صوتَك"، فقال: أُوقِظُ الوَسْنَان وأَطردُ الشيطانَ، فقال النبيُّ ﷺ : "يا أبا بكرٍ، ارفعْ مِن صوتكَ شيئًا"، وقال لعمر: "اخفِضْ من صوتِكَ شيئًا". قوله: "قد أَسْمَعْتُ مَن ناجيتُ ... " إلى آخره؛ يعني: أناجي ربي وهو سميعٌ لا يحتاجُ إلى رَفْع الصَّوْت. "أوقظ"؛ أي: أَنَبهُ "الوسنانَ"؛ أي: النائمَ، "وأطْرُدُ"؛ أي: أُبْعِدُ، وهذا الحديث يدلُّ على أن الإسراف والتقصير غيرُ محمودٌ، بل خير الأمور أوْسَاطُها. * * * ٨٦١ - عن أبي ذر قال: قامَ رسولُ الله ﷺ حتى أَصْبَحَ بآيةٍ، والآيةُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قوله: "قامَ رسولُ الله ﵇ حتى أصبحَ بآيةٍ، والآيةُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ "؛ يعني: يكرِّرُ هذه الآيةَ ويفكِّرُ في معناها وحصلَ له من معانيها ذوقٌ، ومعنى الآية أنَّ عيسى ﵇ ناجَى ربه وقال: (إن تُعَذِّبْ أمتي فإنهم عبادك، والربُّ إذا عاقبَ عبدَه لا يلومُه أحدٌ إذ لم يكن ظلمًا، وفعلُك لا يكونُ ظلمًا)؛ لأن الظلمَ عصيانُ من تجبُ طاعتُه وليس فوقَك أحدٌ حتى تكونَ ظالمًا بعصيانِه، وأن تغفرَ لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.

стр. 774

قال السُّدِّي: إن توفِّقْهم لما يوجبُ غفرانَك من الإيمانِ والطاعةِ فإنك أنت العزيزُ الحكيم؛ أي: القادِرُ القويُّ على ما تشاء، "الحكيم": أفعالُك موافقة للحكمة، وإن خفيت حكمتُها على المخلوقات. * * * ٨٦٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكم ركعتي الفجرِ فليضطجعْ على يمينِهِ". قوله: "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه"، هذا في حقِّ مَنْ قام في الليل وأصابَه مَلالةٌ وتعبٌ فليضطجع بعد سُنةِ الصبحِ لحظةً ليستريحَ، ثم يصلي الفريضة على نَشَاطٍ. * * * ٣١ - باب ما يقول إذا قام من الليل (باب ما يقول إذا قام من الليل) مِنَ الصِّحَاحِ: ٨٦٣ - قال ابن عباس ﵄: كان النبيُّ ﷺ إذا قامَ من الليلِ يتهجدُ، قال: "اللهم لكَ الحمدُ، أنتَ قَيمُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولكَ الحمدُ، أنتَ نورُ السماواتِ والأرضِ ومَنْ فيهنَّ، ولكَ الحمدُ أنتَ مَلِكُ السماوات والأرضِ، وَمَن فيهنَّ، ولكَ الحمدُ، أنتَ الحقُّ، ووعدُكَ الحقُّ، ولقاؤُكَ حقٌّ، وقولُكَ حقٌّ، والجنةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ، والنبيونَ حقٌّ، ومحمدٌ ﷺ حقٌّ، والساعةُ حقٌّ، اللهم لكَ أسلمتُ، وبكَ آمنتُ، وعليكَ توكَّلْتُ، وإليك أَنَبْتُ،

стр. 775

وبك خاصَمْتُ، وإليكَ حاكَمْتُ، فاغفر لي ما قدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ، وما أسررْتُ وما أعلنتُ وما أنت أعلمُ به مني، أنت المُقَدِّمُ وأنت المؤخِرُ لا إله إلا أنت". قوله: "إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم لك الحمد ... " إلى آخره، (يتهجَّدُ)؛ أي: يصلِّي. "قَيمُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ"؛ يعني: أنت القائمُ، تحفظُ السماواتِ والأرضَ ومَن فيهن من المخلوقات، تَحْفظُهم عن الآفاتِ وترزقُهم. "أنتَ نورُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ"؛ أي: أنت خالقُ نورِ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ والنارِ، ونورِ قلوبِ عبادك. وقيل معناه: أنت مُنوِّرُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ. "وإليك أَنَبْتُ"؛ أي: وإليك رجعتُ في جميع أحوالي وفوضتُ أمري إليك. (أناب): إذا رجع. "وبك خاصَمْتُ"؛ أي: بقوتِك ونصرتِك إيايَ خاصمتُ أعداءَك من الكُفَّار. "وإليك حاكَمْتُ"، (المحاكمة): رفعُ الأمرِ إلى القاضي؛ يعني: رفعتُ إليك أمري وجعلتُ قاضيًا بيني وبين مَن يخالِفُني فيما أرسَلْتَني به من الدِّين، وهو مثلُ قوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] * * * ٨٦٤ - وقالت عائشة ﵂: كانَ - تعني النبيَّ ﷺ إذا قامَ من الليلِ افتتحَ صلاتَه قال: "اللهم ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطرَ السماواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، أنتَ تحكُمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا
следующие страницы →