← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

مسعود؛ لأنه شاذٌّ، جمعَه بعد زيد بن ثابت، ولم يَتَّبعْه فيه أحدٌ. وقد ذكر أبو داود رحمة الله عليه في "صحيحه" السورَ التي يَقْرِنُ بينهنَّ رسولُ الله ﵇ في صلاته فقال: كان رسولُ الله ﵇ يقرأ: (الرحمن) (والنجم) في ركعة و (اقتربت) و (الحاقة) في ركعة، و (الطور) و (الذاريات) في ركعة، و (إذا وقعت) و (نون والقلم) في ركعة و (سأل سائل) و (النازعات)، و (ويلٌ للمطففين) و (عبس) في ركعة، و (المدَّثِّر) و (المزَّمِّل) في ركعة، و (هل أتى) و (لا أقسم بيوم القيامة) في ركعة، و (عم يتساءلون) و (المرسلات) في ركعة، و (الدخان) و (إذا الشمس كورت) في ركعة. قال أبو داود رحمة الله عليه: هذا تأليف ابن مسعود ﵁. * * * مِنَ الحِسَان: ٨٥٦ - عن حُذيفة ﵁: أنه رَأى رسولَ الله ﷺ يُصلي من الليلِ فكانَ يقولُ: "الله أكبر - ثلاثًا - ذا الملكوتِ والجَبَرُوتِ والكبرياءِ والعظَمةِ"، ثم استفتحَ فقرأ البقرةَ، ثم ركعَ فكانَ ركوعه نحوًا من قيامه يقول: "سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم"، ثم رفع رأسه فكان قِيامُه نحوًا من ركوعِه يقولُ: "لِرَبي الحمدُ"، ثم سجدَ فكان سُجودهُ نحوًا من قيامِهِ يقول: "سبحانَ ربي الأعلى"، ثم رفعَ رأسَه، وكان يقعدُ فيما بينَ السجدتينِ نحوًا من سجودِه يقولُ: "ربِّ اغفرْ لي ربِّ اغفرْ لي"، فصلَّى أربعَ ركعاتٍ قرأَ فيهنَّ البقرةَ وآلَ عمرانَ والنساءَ والمائدةَ. قوله: "ذو الملكوت والجبروت ... " إلى آخره، (الملكوت): الملكُ (الجبروت): العظمةُ، "نحوًا"؛ أي: مِثْلًا. * * *

стр. 772

٨٥٧ - عن عبد الله بن عَمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قامَ بعشْرِ آياتٍ لم يُكتبْ من الغافلينَ، ومَن قامَ بمائةِ آيةٍ كُتِبَ من القانتينَ، ومن قامَ بألفِ آيةٍ كُتب من المُقَنْطِرين". قوله: "من قام بعشر آيات"؛ أي: مَن قرأ في صلاته عشرَ آيات على التدبُّر والتأنِّي "لم يُكْتَبْ من الغافلين"؛ لأنه مَنْ فعلَ هذا لم يكنْ غافلاً. "كُتِبَ من القانتين"؛ أي: المطيعين، أو المُطَوِّلِين في القِيَام؛ لأنَّ معنى القُنُوتِ: الطاعةُ وطولُ القيام. "من المقنطرين"؛ أي: مكثرين الثوابَ، ومن الأغنياء من الثواب، كالأغنياء من المال. و (قَنْطَرَ): إذا جمع مالًا حتى صار قِنْطَارًا أو أكثر، والقِنْطَارُ سبعونَ ألف دينار. * * * ٨٥٨ - وقال أبو هريرة ﵁: كانت قراءَةُ النبيِّ ﷺ بالليلِ يرفعُ طَوْرًا ويخفضُ طَوْرًا. "يرفع طورًا ويخفض طورًا"؛ أي: مَرةً يرفعُ، يعني: مرةً يرفعُ صوتَه، ومرة يخفضه. * * * ٨٥٩ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كانت قراءةُ النبيِّ ﷺ على قَدْرِ ما يَسمعُهُ مَن في الحُجرةِ وهو في البيت. قوله: "كانتْ قراءةُ رسولِ الله ﵇ على قَدْر ما يسمعُه ... " إلى

стр. 773

آخره؛ يعني: لا يرفعُ صوتَه كثيرًا، ولا يُسِرُّ بحيث لا يسمعُه أحدٌ، وهذا في صلاة الليلِ في بيته، وأما في المسجد يقرأ في الصلاةِ ويرفَعُ صوتَه أكثرَ من هذا. * * * ٨٦٠ - عن أبي قَتادة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ "يا أبا بكرٍ، مررتُ بكَ وأنتَ تصلي تخفِضُ صوتَك"، قال: قد أَسْمَعْتُ مَن ناجَيتُ يا رسولَ الله، وقال لعُمر: "مررتُ بكَ وأنتَ رافعٌ صوتَك"، فقال: أُوقِظُ الوَسْنَان وأَطردُ الشيطانَ، فقال النبيُّ ﷺ : "يا أبا بكرٍ، ارفعْ مِن صوتكَ شيئًا"، وقال لعمر: "اخفِضْ من صوتِكَ شيئًا". قوله: "قد أَسْمَعْتُ مَن ناجيتُ ... " إلى آخره؛ يعني: أناجي ربي وهو سميعٌ لا يحتاجُ إلى رَفْع الصَّوْت. "أوقظ"؛ أي: أَنَبهُ "الوسنانَ"؛ أي: النائمَ، "وأطْرُدُ"؛ أي: أُبْعِدُ، وهذا الحديث يدلُّ على أن الإسراف والتقصير غيرُ محمودٌ، بل خير الأمور أوْسَاطُها. * * * ٨٦١ - عن أبي ذر قال: قامَ رسولُ الله ﷺ حتى أَصْبَحَ بآيةٍ، والآيةُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قوله: "قامَ رسولُ الله ﵇ حتى أصبحَ بآيةٍ، والآيةُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ "؛ يعني: يكرِّرُ هذه الآيةَ ويفكِّرُ في معناها وحصلَ له من معانيها ذوقٌ، ومعنى الآية أنَّ عيسى ﵇ ناجَى ربه وقال: (إن تُعَذِّبْ أمتي فإنهم عبادك، والربُّ إذا عاقبَ عبدَه لا يلومُه أحدٌ إذ لم يكن ظلمًا، وفعلُك لا يكونُ ظلمًا)؛ لأن الظلمَ عصيانُ من تجبُ طاعتُه وليس فوقَك أحدٌ حتى تكونَ ظالمًا بعصيانِه، وأن تغفرَ لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.

стр. 774

قال السُّدِّي: إن توفِّقْهم لما يوجبُ غفرانَك من الإيمانِ والطاعةِ فإنك أنت العزيزُ الحكيم؛ أي: القادِرُ القويُّ على ما تشاء، "الحكيم": أفعالُك موافقة للحكمة، وإن خفيت حكمتُها على المخلوقات. * * * ٨٦٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكم ركعتي الفجرِ فليضطجعْ على يمينِهِ". قوله: "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه"، هذا في حقِّ مَنْ قام في الليل وأصابَه مَلالةٌ وتعبٌ فليضطجع بعد سُنةِ الصبحِ لحظةً ليستريحَ، ثم يصلي الفريضة على نَشَاطٍ. * * * ٣١ - باب ما يقول إذا قام من الليل (باب ما يقول إذا قام من الليل) مِنَ الصِّحَاحِ: ٨٦٣ - قال ابن عباس ﵄: كان النبيُّ ﷺ إذا قامَ من الليلِ يتهجدُ، قال: "اللهم لكَ الحمدُ، أنتَ قَيمُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولكَ الحمدُ، أنتَ نورُ السماواتِ والأرضِ ومَنْ فيهنَّ، ولكَ الحمدُ أنتَ مَلِكُ السماوات والأرضِ، وَمَن فيهنَّ، ولكَ الحمدُ، أنتَ الحقُّ، ووعدُكَ الحقُّ، ولقاؤُكَ حقٌّ، وقولُكَ حقٌّ، والجنةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ، والنبيونَ حقٌّ، ومحمدٌ ﷺ حقٌّ، والساعةُ حقٌّ، اللهم لكَ أسلمتُ، وبكَ آمنتُ، وعليكَ توكَّلْتُ، وإليك أَنَبْتُ،

стр. 775

وبك خاصَمْتُ، وإليكَ حاكَمْتُ، فاغفر لي ما قدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ، وما أسررْتُ وما أعلنتُ وما أنت أعلمُ به مني، أنت المُقَدِّمُ وأنت المؤخِرُ لا إله إلا أنت". قوله: "إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم لك الحمد ... " إلى آخره، (يتهجَّدُ)؛ أي: يصلِّي. "قَيمُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ"؛ يعني: أنت القائمُ، تحفظُ السماواتِ والأرضَ ومَن فيهن من المخلوقات، تَحْفظُهم عن الآفاتِ وترزقُهم. "أنتَ نورُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ"؛ أي: أنت خالقُ نورِ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ والنارِ، ونورِ قلوبِ عبادك. وقيل معناه: أنت مُنوِّرُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ. "وإليك أَنَبْتُ"؛ أي: وإليك رجعتُ في جميع أحوالي وفوضتُ أمري إليك. (أناب): إذا رجع. "وبك خاصَمْتُ"؛ أي: بقوتِك ونصرتِك إيايَ خاصمتُ أعداءَك من الكُفَّار. "وإليك حاكَمْتُ"، (المحاكمة): رفعُ الأمرِ إلى القاضي؛ يعني: رفعتُ إليك أمري وجعلتُ قاضيًا بيني وبين مَن يخالِفُني فيما أرسَلْتَني به من الدِّين، وهو مثلُ قوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] * * * ٨٦٤ - وقالت عائشة ﵂: كانَ - تعني النبيَّ ﷺ إذا قامَ من الليلِ افتتحَ صلاتَه قال: "اللهم ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطرَ السماواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، أنتَ تحكُمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا

стр. 776

فيه يختلفونَ، اهدِني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنِكَ، إنكَ تهدي مَن تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ". قوله: "رب جبرائيل وميكائيل ... " إلى آخره، وجهُ إضافةِ الربِّ إلى هؤلاء الملائكةِ مع أنه تعالى ربُّ جميعِ المخلوقاتِ بيانُ تخصيصِ هؤلاءِ الملائكةِ وتشريفِهم على غيرِهم. (الفاطر): الخالقُ، "الغيبُ": ضدُّ الشاهد، ومعنى الشاهد: الحاضر والمرئي. (اللام) في "لِمَا اخْتُلِفَ" بمعنى (إلى)؛ يعني: كلُّ حقًّ وصدقٍ اخْتَلَفَ الناسُ فيه فيقول بعضُهم: الحقُّ هذا، ويقول بعضهم: بل هذا. "فاهدِني إلى ما هو الحقُّ بإذنِك"؛ أي: بفضلِك وقُدْرَتِك. * * * ٧٦٥ - وقال رسول الله ﷺ : "من تَعَارَّ من الليلِ فقال: لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ ولهُ الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، سبحانَ الله والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلا الله والله أكبرُ ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم"، ثم قال: "ربِّ اغفر لي - أو قال ثم دعا - استُجيبَ لهُ، فإن توضأَ ثم صلَّى قُبلَتْ صلاتُه". قوله: "تَعَارَّ مِنَ الليل"، (تَعَارَّ) - بتشديد الراء -: تنبَّهَ من النوم، (من الليل)؛ أي: في الليل. * * * مِن الحِسَان: ٨٦٦ - قالت عائشة ﵂: كان رسولُ الله ﷺ إذا استيقظَ مِن

стр. 777

الليلِ قال: "لا إلهَ إلا أنتَ سبحانَكَ، اللهم أستغفرُك لذنبي، وأسألُك رحمتَك، اللهم زِدْني عِلْمًا، ولا تُزِغْ قلْبي بعدَ إذ هديتني، وهَبْ لي من لَدُنْكَ رحمةً، إنَّكَ أنتَ الوهَّابُ". قوله: "ولا تُزِغْ قلبي"، (زاغَ): إذا مالَ عن الحقِّ إلى الباطِل؛ يعني: لا تجعلْ قلبي مائلاً عن الحقِّ إلى الباطل، وهذا تعليمٌ لأمته أن يَدعُوا بهذا الدعاءِ ليعلموا أنَّه لا يجوزُ لهم الأمنُ من مكرِ الله وزوالِ نِعمته. * * * ٨٦٧ - عن مُعاذ بن جبَل ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما من مسلمٍ يَبيتُ على ذكرٍ طاهرًا فَيَتَعَارُّ من الليلِ، فيسألُ الله تعالى خيرًا إلا أَعطاهُ إياه". قوله: "ما من مُسْلِمٍ يَبيتُ على ذِكْرٍ طاهرًا"؛ يعني: ليكنِ الرجلُ يضطجِعُ مُتَوَضئًا ويذكر الله تعالى، فإذا استيقظَ من النومِ استيقظَ فَذَكرَ الله، فإذا كان كذلك صار مستحِقًّا لأنْ يُستجابَ دعاؤُه. * * * ٨٦٨ - عن عائشة ﵂ أنها سُئلت: بمَ كان رسولُ الله ﷺ يفتَتِحُ إذا هبَّ من الليلِ؟، فقالت: كانَ إذا هَبَّ من الليلِ كَبَّر عشرًا، وحَمِدَ عشرًا، وقال: "سبحانَ الله وبحمدِه" عشرًا، وقال: "سبحانَ الملكِ القُدُّوس" عشرًا، واستغفر عشرًا، وهلَّلَ عشرًا، ثم قال: "اللهم إني أعوذُ بك من ضيقِ الدنيا، وضيقِ يوم القِيامةِ، عشرًا، ثم يفتَتِحُ الصلاةَ. قوله: "يَفْتَتِحُ إذا هَبَّ من الليل ... " إلى آخره، (يفتتح): أي: يبتدِئ، (إذا هب): أي: استيقظ من النوم.

стр. 778

قوله: "من ضيقِ الدنيا"، أراد به مكارهَ الدنيا وشدائدَها؛ لأنَّ مَنْ به مشقةٌ من مرضٍ، أو دَيْنٍ، أو ظُلْمٍ صارت الأرضُ بعينه ضَيقةً، كقوله تعالى للنبي وأصحابه ﵇ ورضي الله عنهم في قصةِ حُنينٍ لمَّا هَزَمَهم الكافرون: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ...﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦] إلى آخر الآية، يعني: لمَّا غلبتِ الكفارُ عليكُم صارتِ الأرضُ الواسعةُ في أعينكم ضَيقةً من الغَمِّ، ثم نَصَرَكم الله حتى هزمتموهم، وكذلك المرادُ من ضيق يومِ القيامة. * * * ٣٢ - باب التَحريض على قيام الليل (باب التحريض على قيام الليل) مِنَ الصِّحَاحِ: ٨٦٩ - قال رسول الله ﷺ : "يعقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم إذا هو نامَ ثلاثَ عُقَدٍ، يضربُ على كلِّ عُقدةٍ: عليكَ ليلٌ طويلٌ فارقُدْ، فإن استيقظ فذكرَ الله تعالى انحلَّتْ عقدةٌ، فإنْ توضَّأَ انحلَّتْ عُقدةٌ، فإنْ صلى انحلَّتْ عُقدةٌ، فأصبح نَشيطًا طيبَ النفسِ، وإلا أصبحَ خبيثَ النفسِ كسلانَ". قوله: "يَعْقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم ... " إلى آخره، (يَعْقِدُ)؛ أي: يَشُدُّ، (القافية): القَفَا، "العُقَدُ": جمع عُقْدَة، وهي ما يُعْقَد، "عليكَ ليلٌ طويلٌ"؛ يعني: يحببُ النومَ إليه ويقول له كلَّما أرادَ أن يقومَ: ارقُدْ، فإنَّ الليلَ طويلٌ، وليس وقت القيام بعد، فيأمره بالرقود، فمن خالفَه وذكرَ الله وأعاذَ به من

стр. 779

الشيطان "انحلَّتْ"؛ أي: انفتحتْ عُقْدَة، وإن قام وتوضَّأَ انحلَّتْ عقدةٌ ثانية، وإنْ صَلَّى انحلَّتِ الثالثةُ. فمفهومُ الحديثِ أنَّ إحدى العُقَد منه انحلَّتْ عن ذِكْرِ الله، والثانية عن القيام والوضوء، والثالثة عن الصلاة، فإذا خالفَه في جميع ذلك فأصبحَ نشيطًا؛ أي: ذا فَرَحٍ وطيبِ قَلْبٍ وحُسْنِ حالةٍ؛ لأنه خَلصَ من قيد الشيطان وحَصَّلَ رضا الرحمن، وإن أطاعه ونامَ حتى تفوتَه صلاةُ الصبح أصبحَ خبيثَ النَّفْس؛ أي: محزونَ القلب كثيرَ الغَمِّ متحيرًا في أمره، لا يحصلُ مرادُه فيما يقصده من أموره؛ لأنه مقيَّدٌ بقيد الشيطان ومبعَدٌ من رضا الرحمن. قوله: "عليك ليل طويل"؛ أي: على إمامك ليلٌ طويلٌ، أو عليك بالنومِ فإنه بقيَ ليلٌ طويلٌ، وما أشبهَ ذلك مما يحسُنُ تقديرُه. * * * ٨٧٠ - وقال المُغيرة [بن شعبة]: قامَ النبيُّ ﷺ من الليلِ حتى تَوَرَّمَت قَدَمَاهُ فقيل له: لِمَ تصنَعُ هذا وقد غفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنْبكَ وما تأخَّرَ؟، قال: "أفلا أكونُ عبدًا شَكورًا". قوله: "تَوَرَّمتْ قدماه"؛ أي: انتفختا وعَظُمَتا من الوجع. قوله: "أفلا أكون عبدًا شكورًا"؛ أي: ليس عبادتي لله من خوفِ الذنوب، بل لشكرِ أنعُمِه الكثيرةِ عليَّ، وقد ذُكِرَ بحثُ: (غفر له ما تقدم من ذنبه ﵇ وما تأخرِ) في (باب الاعتصام) في قول أنس: (جاء ثلاثةُ رَهْطٍ). * * * ٨٧١ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ذُكِرَ عندَ النبيِّ ﷺ رجلٌ فقيل:

стр. 780

ما زالَ نائمًا حتى أَصْبَحَ - ما قامَ إلى الصلاة - فقال: "بالَ الشيطانُ في أُذُنِهِ". قوله: "بال الشيطان في أذنه"؛ يعني: جعلَه خبيثًا لا يقبَلُ الخيرَ، وجعله مسخَّرًا ومطيعًا له يقبَلُ ما يأمرُه الشيطانُ من تَرْكِ الصلاةِ وغيرِها، ولا يجيبُ المؤذِّنَ إذا دعاه إلى الصلاة، وإنما خصَّ الأُذُنَ بذكر البولِ فيه؛ لأن الأذنَ محلُّ سماعِ صوتِ المؤذِّن، فإذا لم يُجِبِ المؤذِّنَ فكأنَّ سمْعَه مُصَمَّمٌ ببولِ الشيطان وخَيالاتِه الباطلةِ ووسواسِه المُضلَّة. * * * ٨٧٢ - وقالت أم سَلَمَةَ: استيقظَ رسولُ الله ﷺ ليلةً فَزِعًا يقول: "سبحانَ الله!، ماذا أُنزِل الليلةَ مِن الخزائنِ، وماذا أُنزِل من الفِتَن؟، مَنْ يُوقِظُ صواحِبَ الحُجُراتِ - يريد أزواجَهُ - لكي يُصلِّين؟، رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ في الآخرة". قوله: "ماذا أنزل الليلة من الخزائن ... " إلى آخره، (ماذا): استفهامٌ بمعنى التعظيم والتعجُّب، أرادَ بـ (الخزائن): الرحمةَ، وبـ (الفِتَن): العذابَ؛ يعني: كمْ رَحْمةٍ نَزَلَتِ الليلةَ، وكم عذابٍ نَزَلَ، "من يوقظُ": للاستفهام يعني هل أحدٌ يُنبه أزواجي من النوم حتى يُصَلِّين ليجدْنَ الرحمةَ ويَفْرِرْنَ من العذاب. قوله: "رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عارِيَة في الآخرة"؛ يعني: ربما امرأةٌ لها عيشٌ طَيبٌ ولباسٌ جميلٌ وعِزٌّ ومالٌ في الدنيا، وهي تكونُ في القيامةِ ذاتَ حَسْرةٍ وندامةٍ وعذابٍ شديدٍ، وتكون عارَيةً من اللباس لكونِها غيرَ صالحةٍ في الدنيا؛ يعني: نعيمُ الدنيا لا ينفعُ الشَّخْصَ في الآخرة، بل لا ينفعُه إلا العملُ الصالحُ. (رُبَّ كاسية)، ليس المرادُ منها النساءَ فقط، بل هذا الحكمُ عامٌّ في

стр. 781

الرجال والنساء، ولكن تلفَّظَ بهذا اللفظ لتحريض أزواجِه. * * * ٨٧٣ - وقال: "ينزلُ ربنا ﵎ كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حينَ يبقَى ثلثُ الليلِ الآخرُ يقول: مَن يدعوني فأَستجيبَ له، مَن يسألُني فأُعْطِيَهِ، مَن يستغفرني فأَغفِرَ له". وفي روايةٍ: "ثم يبسُطُ يديهِ يقول: من يُقرِضُ غيرَ عَدومٍ ولا ظَلُومٍ؟ حتى ينفجرَ الفجرُ". وفي رواية: "يكون كذلك حتى يُضيء الفجر ثم يعلو ربنا إلى كُرسيه". قوله: "ينزِلُ رَبنا"، فبعضُ العلماءِ لا يأوِّلُون هذا وأشباهَه، وبعضُهم يقولون: معناه: تنزِلُ رحمةُ ربنا وسَعَةُ فَضْلِه. "من يُقْرِضُ"، (من) للاستفهام؛ أي: مَن يُعطي قَرْضًا "غيرَ عَدُوم"؛ أي: غَيْرَ فقيرٍ وغير ظالم؛ يعني: مَن يُعطيني القَرْضَ أُعْطِي جزاءَه سبع مِئة ضعْف أو أكثر، فإني غيرُ فقيرٍ وغيرُ ظالمٍ. "حتى ينفجر"؛ أي: حتى يطلُعَ الصبحُ ينادي هذا النداء. * * * ٨٧٤ - وقال: "إنَّ في الليلِ ساعةً لا يوافقُها رجلٌ مسلمٌ يسألُ الله تعالى خيرًا، مِن أمرِ الدنيا والآخرةِ إلا أَعطاهُ إيَّاهُ، وذلكَ كلَّ ليلةٍ". قوله: "وذلك كلَّ ليلة"؛ يعني: ساعةُ الإجابة ليست مخصوصةً ببعض الليالي، بل هي في كلِّ الليالي، فليجتهدِ الرجلُ أنْ يحييَ كلَّ ليلة أو بعضَها، لعلَّه يجدُ تلك الساعةَ. * * *

стр. 782

٨٧٥ - وقال: "أَحبُّ الصلاةِ إلى الله صلاةُ داوُدَ، وأَحبُّ الصيامِ إلى الله صيامُ داودَ، كانَ ينامُ نصفَ الليلِ، ويقومُ ثُلُثَهُ، وينامُ سُدسَه، ويصومُ يومًا، ويُفْطِرُ يومًا". قوله: "وينام سُدُسَه"؛ يعني: ينامُ النصفُ الأولَ، ويقوم بعد ذلك ثلثَ اللَّيل، أو ينام السُّدُسَ الآخرَ، ويقومُ عندَ الصبح؛ يعني: وسطُ الليلِ أفضلُ مِن أولِه وآخرِه؛ لأنه أَشقُّ على النَّفْسِ وأَبْعَدُ من الرياء، ثم إن كانت له حاجةٌ إلى أهله؛ يعني: إن اشتهى في أولِ الليلِ مباشرةَ زوجاتِه فَعَلَ، ثم ينام. * * * ٨٧٦ - وقالت عائشة ﵂: كانَ - تعني رسولَ الله ﷺ ينامُ أولَ الليلِ ويُحيي آخِرَهُ، ثم إنْ كانت له حاجةٌ إلى أهلهِ قضَى حاجتَه، ثم ينامُ، فإن كانَ عندَ النداءِ الأولِ جُنبًا وثبَ فأفاضَ عليهِ الماءَ، وإن لم يكنْ جنبًا توضأَ للصلاةِ، ثم صلى ركعتينِ. قولها: "فإن كان عند النداء الأول"، (فإن) هنا بمعنى (إذا) في "شرح السنة"، حتى إذا كان عند النداء الأول، أرادت بالنداء أذانَ بلالٍ، فإنه يؤذِّنُ إذا مضى نصفُ اللَّيلِ، وأما ابن أمِّ مكتومٍ فإنه يؤذِّنُ عند الصُّبْح. "وَثَبَ"؛ أي: قامَ من النوم، "فأفاض عليه الماء"؛ أي: اغتسل. قولها: "ثم يصلي الركعتين"، يحتمل أن تكون الألف واللام للعَهْد، يعني: يبتدئُ بركعتين خفيفتين كما ذُكِرت في صلاة الليل. ويحتملُ ألَاّ تريد بإدخال الألف واللام معنًى، بل تريدُ مجرَّدَ الرَّكعتين، ومعلومٌ من الأحاديث أنه ﵇ يصلِّي في الليل أكثرَ من رَكعتين، فإذا كان

стр. 783

كذلك فتأويلُ قولها: (يصلَّي الركعتين) ما ذكرتُ من أن تقديرَه: يبتدِئ بركعتين خفيفتين. * * * مِنَ الحِسَان: ٨٧٧ - عن أبي أُمامة قال، قال رسول الله ﷺ : "عليكم بقيامِ الليلِ فإنه دَأبُ الصالحينَ قبلَكم، وهو قُرْبَةٌ لكم إلى رَبكم، وَمَكْفَرةٌ للسيئاتِ ومَنْهَاةٌ عن الإِثمِ". [وفي رواية: "وَمَطْرَدَةُ الداءِ عن الجسدِ"]. قوله: "دأب الصالحين ... " إلى آخره، (الدَّأْبُ): العادَةُ. "مَكْفَرَةٌ"، بفتح الميم وسكون الكاف؛ أي: ساترةٌ، و"مَنْهاةٌ"؛ أي: ناهي، يعني: يمنع الرجلَ عن العِصيانِ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. * * * ٨٧٨ - وقال: "ثلاثةٌ يضحكُ الله إليهم: الرجلُ إذا قامَ باللَّيلِ يُصلَّي، والقومُ إذا صفُّوا في الصلاةِ، والقومُ إذا صفُّوا في قتالِ العدوِّ". قوله: "يضحك الله إليهم"؛ أي: يَرْضَى عنهم ويُنزِلُ عليهم الرحمة. * * * ٨٧٩ - وقال: "أقربُ ما يكونُ الربُّ مِن العَبْدِ في جوفِ الليلِ الآخرِ، فإن استطعتَ أنْ تكونَ ممن يذكرُ الله في تلكَ الساعةِ فَكُنْ"، صحيح.

стр. 784

قوله: "في جَوْفِ اللَّيلِ الآخِرِ"، (الآخِر) صفة لجوف، يعني: في آخر الليل، وإنما كان هذا الوقتُ شريفًا؛ لأنه الوقتُ التي ينادي الله تعالى فيه عبادَه فيقول: "مَنْ يدعوني فأستجيبَ له ... " إلى آخر الحديث. * * * ٨٨٠ - وقال: "رحمَ الله رجلاً قامَ من الليلِ فصلَّى، وأَيقظَ امرأتَه فَصَلَّتْ، فإن أَبَتْ نضحَ في وجهِهَا الماءَ، رحمَ الله امرأةً قامَتْ من الليلِ فصلَّتْ، وأيقظَتْ زوجَها فإن أبَى نضحَت في وجهِه الماءَ". قوله: "نَضَحَتْ في وجهه الماءَ"، (نَضَحَ)؛ أي: رشَّ فأراقَ، وهذا يدلُّ على أن إكراهَ أحدٍ على خيرٍ يجوزُ، بل مستحبٌّ. * * * ٨٨١ - وعن أبي أُمَامة أنه قال: قيل: يا رسولَ الله!، أيُّ الدعاءِ أَسْمَعُ؟ قال: "جوفَ الليلِ الآخرَ، ودُبُرَ الصلواتِ المكتوباتِ". قوله: "أَسْمَعُ"، أقربُ إلى أن يَسْمَعَه الله تعالى؛ أي: يقبلَه. * * * ٨٨٢ - وقال: "إن في الجنةِ غُرَفًا يُرَى ظاهِرُها من باطِنها، وباطنُها من ظاهِرها أَعَدَّها الله لمن أَلانَ الكلامَ، وأَطْعَمَ الطعامَ، وتابعَ الصيامِ، وصلى بالليلِ والناسُ نيامٌ". وفي روايةٍ: "لِمَنْ أَطَابَ الكلامَ". قوله: "غُرَفًا ... " إلى آخره، (الغُرَفُ): جمع غرفة، وهي البناءُ على عُلُوٍّ.

стр. 785

"أعَدَّها"؛ أي: هيَّأَها "لمَنْ ألْيَنَ الكلامَ"؛ أي: لمن له خُلُقٌ طيبٌ مع الناسِ و (أَلْيَنَ) حقُّه أن تُنْقَلَ فتحةُ الياءِ إلى اللام وتقلَبَ ألفًا، فيقال: ألان، إلا أنه تُرِكَ على أصلِه. "وتابع الصيام"؛ أي: يُكثِرُ الصيامَ بعد الفريضة. * * * ٣٣ - باب القَصْد في العمَل (باب القصد في العمل) "القصدُ": الوَسَطُ، يعني: لا إسراف ولا تقصير. مِنَ الصِّحَاحِ: ٨٨٣ - قال أنس ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يُفْطِرُ من الشهرِ حتى نظُنَّ أن لا يصومَ منه، ويصومُ حتى نظُنَّ أن لا يفطرَ منه شيئًا، وكانَ لا تشاءُ أن تراهُ من الليلِ مصليًا إلا رأيتَهُ، ولا نائمًا إلا رأيتَه. قوله: "حتى نظُنَّ أن لا يصومَ منه"؛ يعني: يفطرُ أيامًا كثيرةً من الشهر حتى نظنَّ أن لا يصوم منه، ثم يصوم باقيَه، وكذلك يصومُ أيامًا كثيرة من الشهر ثم يُفطر؛ يعني لا يصومُ أبدًا ولا يفطرُ أبدًا. قوله: "وكان لا تشاءُ تراهُ مُصَلَّيًا إلا رأيتَه"، (لا) هنا بمعنى (ليس)، أو بمعنى (لم)؛ أي: ليست تشاء، أو لم تكن تشاء، أو تقديره: لا زمانَ تشاء؛ أي: لا مِن زمانٍ تشاءُ. * * *

стр. 786

٨٨٤ - وقال رسول الله ﷺ : "أحبُّ الأعمالِ إلى الله تعالى أَدْوَمُها وإن قَلَّ". قوله: "أَحَبُّ الأعمالِ إلى الله تعالى أَدْوَمُها وإن قلَّ"؛ يعني: مَن عَمِلَ وِرْدًا من صومٍ أو صلاةٍ فليداوِمْ عليه، ولهذا الحديث ينكِرُ أهلُ التصوُّفِ تَرْكَ الأوراد كما يُنْكِرُون تَرْكَ الفرائض. * * * ٨٨٥ - وقال: "خذوا من الأعمالِ ما تُطِيقونَ، فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا". قوله: "خذوا من الأعمال ما تطيقون"؛ يعني: لا تحمِلُوا على أنفسكم أورادًا كثيرةً لا تقتدرون المداومةَ عليها، فإنكم حينئذٍ تَعجزون عنها وتتركونها، وحينئذٍ تنقطعُ عنكم بركتُها، ولكن افعلوا من الأوراد ما تُطيقُون الدوامَ عليه، فإنَّ الله تعالى يحبُّ الدوامَ على العمل. قوله: "فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا"، معنى المَلال من الله: تركُ إعطاءِ الثوابِ؛ لأن الملالةَ لا تجوزُ عليه؛ يعني لا يقطع الثوابَ والرحمةَ عنكم حتى تملُّوا وتتركوا عبادتَه، وقيل: معناه ولا يتركُ فضلَه عنكم حتى تتركوا سؤالَه. * * * ٨٨٦ - وقال: "لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطَه، فإذا فَتَرَ فليقعُدْ". قوله: "فإذا فَتَرَ فليقْعُدْ"، (فَتَر): ضعف، يعني: ليصلِّ الرجلُ عن كمالِ الإرادة والذوق، فإذا حصلَ به ملالةٌ فليتركِ الصلاةَ فإن الصلاةَ مناجاةُ الله، ومناجاةُ الله لا تجوزُ عن مَلالة. * * *

стр. 787

٨٨٧ - وقال: "إذا نَعِسَ أحدُكم وهو يصلي فَلْيَرْقُدْ حتى يذهبَ عنه النومُ، فإنَّ أحدَكم إذا صلى وهو ناعسٌ لا يدري لعلَّه يستغفرُ فَيَسُبُّ نفسَهُ". قوله: "نَعِسَ"؛ أي: نام، والنعاسُ نومٌ خفيفٌ. قوله: "لعله يَستَغُفِرُ فيَسُبُّ نفسَه"؛ أي: لعله يدعو فيجري على لسانه شتمٌ، أو شيءٌ قبيحٌ وهو لا يدري من النوم. * * * ٨٨٨ - وقال: "إن الدينَ يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ الدينَ أحدٌ إلا غَلَبَه، فسدِّدوا وقارِبُوا، وأَبشِروا، واستَعِينوا بالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشيءٍ من الدُّلْجَة". قوله: "إن الدِّين يُسْرٌ"؛ يعني: لا يحملُ الله على عبادِه في الدِّين مَشقَّةً عظيمةً، ولم يفرضْ عليهم من الفرائضِ ما يَلْحَقُهم ضررٌ بأدائها، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال أيضًا ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فإذا كان كذلك فلا ينبغي لأحدٍ أن يحملَ على نفسِه مشقةً عظيمةً في العبادات بحيث يحصلُ به مَلالةٌ، ويزولُ عنه ذوقُ الطاعة من غاية المَلالة. قوله: "ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"، (المشادَّةُ): جَريانُ الشِّدَّةِ والمضايقة بين اثنين، ومثل قوله ﵇: "لا تشدِّدوا على أنفسكم"؛ يعني: من أراد أن يقضيَ حقوقَ الدِّين وأن يعبدَ الله حقَّ عبادته لا يَقْدِر، بل يغلبُ عليه الدِّينُ، ويعجَزُ عن أن يقضيَ حقَّ الدِّين وأن يعبدَ الله حقَّ عبادته، بل الطريق أداءُ الفرائضِ والسننِ وشيءٍ من النوافل مَن قَدِرَ عليه، ثم الاعترافُ بالتقصير والعجز. قوله: "فسَدِّدوا"، قال المصنف: معناه: اقصِدوا السَّدادَ؛ وهو الصوابُ والصراطُ المستقيم.

стр. 788

قوله: "وقاربوا"، قال المصنف أيضًا: معناه: لا تعجِّلُوا، بل كونوا على سكون في الشروعِ في الدِّين كي لا تُتعِبوا أنفسكم، وقيل معناه: الزَموا الوَسَطَ من غير إسراف وتقصير. قوله: "وأَبْشِروا"؛ أي: افرَحُوا ولا تَحْزَنُوا، فإن الله تعالى كريمٌ يرضى عنكم بأداء فرائضه، ويعطيكم الثوابَ العظيمَ بالعملِ القليل. قوله: "واستعينوا بالغَدْوة والرَّوْحَة وشيءٍ من الدُّلْجَة"، (الغُدْوَة): أولُ النهار، و (الرَّوْحَة): آخره، و (الدُّلْجَة): اسم من الادِّلَاج - بتشديد الدال - وهو السيرُ في آخر الليل، وقيل بل هي اسمٌ من الإدْلاج - بسكون الدال - وهو السيرُ في أول الليل، يعني: كما أن المسافرَ يقدِرُ على دوامِ المسافرةِ بأن يمشيَ في أولِ النهارِ إلى أن يمضيَ بعضُ النهار، ثم ينزل ويستريح ساعةً، ثم يمشي بعد العَصْر إلى اللَّيل، ثم ينزل ويستريح، ثم يمشي في آخر الليل، فكذلك العابد ينبغي أن يتعبَّدَ ساعةً، ثم يستريحَ ساعةً، وهكذا ساعةً فساعةً حتى لا يتعَب. * * * ٨٨٩ - وقال: "مَنْ نامَ عن حزبهِ، أو عن شيءٍ منه فقرأهُ فيما بينَ صلاةِ الفجرِ وصلاةِ الظهرِ، كُتِبَ له كأنما قرأَه من الليلِ". قوله: "من نام عن حزبه"، (الحِزْبُ): الوِرْدُ، يعني: منْ كان له وِرْدٌ في الليل من قراءةِ قَدْرٍ من القرآن، أو عددٍ من رَكَعَات الصلاةِ ولم يتيقَّظْ إلا وقتَ الصبحِ وفاتَه وِرْدُه، فإذا فعلَ وِرْدَه في النهار قبلَ الظُّهْرِ فكأنه فَعَلَه في الليل؛ لأنه معذورٌ لأنَّ النومَ ليس باختياره، وإنما خصَّ قبلَ الظهرِ بهذا الحكمِ لأنه متصلٌ

стр. 789

بآخرِ الليل من غير أن تفصِلَ بينهما صلاةُ فريضةٍ غير الصبح. والصبحُ أيضًا من جملة الليل؛ لأنه بقيَ فيه الظلمةُ، ولهذا لو نوى الصائمُ قبل الزوال صومَ سنةٍ، أو نافلةٍ جازَ، ولو نوى بعد الزَّوال لم يَجُزْ. * * * ٨٩٠ - وقال: "صَلِّ قائمًا، فإن لم تستَطِعْ فقاعدًا، فإن لم تستَطِعْ فعلى جَنْبٍ". قوله: "فإن لم تَسْتَطِعْ فعلى جَنْبٍ"، كلمةُ (إنْ) للشرط، يعني: تركُ القيامِ يجوزُ بشرطِ العَجْزِ عن القيامِ، وكذلك تَرْكُ القعودِ والانتقالُ منه إلى الاضطجاع، وهذا في صلاة الفريضة، وأما في النافلة فتجوزُ عن القعودِ مع القدرةِ على القيامِ، ولكنَّ ثوابَ القاعدِ نصفُ ثوابِ القائم. * * * ٨٩١ - وقال: "مَن صلَّى قاعِدًا فله نصفُ أجرِ القائِمِ، ومَن صلَّى نائمًا فله نصفُ أجرِ القاعدِ"، رواهما عِمْران بن حُصين. قوله: "نائمًا"؛ أي: مُضطجِعًا. * * * مِنَ الحِسَان: ٨٩٢ - قال رسول الله ﷺ : "من أَوَى إلى فِراشِهِ طاهرًا يذكرُ الله تعالى حتى يدركَه النُّعاسُ؛ لم يتقلَّبْ ساعةً من الليلِ يسألُ الله شيئًا من خيرِ الدنيا والآخرةِ، إلا أَعطاه إياه". قوله: "من أَوَى إلى فِراشِه"؛ أي: من دَخَلَ فراشَه.

стр. 790

"طاهرًا"؛ أي: متوضئًا "لم يتقلَّبْ ساعةً"؛ أي: لم تَمضِ ساعةٌ، هذا إذا قرأتَ (ساعةٌ) بالرفع، وإن قرأتَها بالنصب يكون معناه: ولم يتردَّدْ ذاك الرجلُ في فراشِه في ساعةٍ. * * * ٨٩٣ - وقال: "عجِبَ ربنا من رجلينِ: رجلٌ ثارَ عن وِطائه ولِحافِه من بينِ حِبه وأهلِه إلى صلاتهِ فيقولُ الله لملائكَتِه: انظروا إلى عبدي ثارَ عن فِراشِه ووِطائِه من بينِ حِبه وأهلِه إلى صلاتِه، رغبةً فيما عندي وشفَقًا مما عندي، ورجلٌ غزا في سبيلِ الله فانهزمَ مع أصحابهِ، فعلمَ ما عليهِ في الانهزامِ وما لَهُ في الرجوعِ، فرجعَ حتى هُريقَ دَمُه، فيقولُ الله تعالى لملائكَتِه: انظروا إلى عبدي رجعَ رغبةً فيما عندي، وشفقًا مما عندي حتى هُريقَ دمهُ". قوله: "عَجِبَ ربنا مِن رجلين ... " إلى آخره، عَجِبَ؛ أي: رَضيَ. "ثَارَ": أي: قام، (الوطاء): الفِرَاشُ اللَّين، و (اللحافُ): ثوبُ النومِ الذي يكونُ فوقَ النائم. قوله: "الحِبُّ"، بكسر الحاء: المحبوبُ، "رغبة فيما عندي"، يعني: لِمَا له منَ الرغبةِ فيما عندي مِنَ الثوابِ والجَنَّة. "وشفقًا"؛ أي: للخوفِ مما عندي من العَذَاب. "ما عليه"؛ أي: ما عليه من الإثم في الانهزام، وما له في الرجوع؛ أي: وما له من الثَّواب.

стр. 791

٣٤ - باب الوِتر (باب الوتر) مِنَ الصِّحَاحِ: ٨٩٤ - قال رسول الله ﷺ : "صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خشِيَ أحدُكم الصُّبحَ صلَّى ركعةً واحدةً تُوتر له ما قد صلَّى". قوله: "صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، إذا خشيَ أحدُكم الصبحَ صلَّى رَكعةً واحدةً"، قال الشافعيُّ: إن صلاةَ اللَّيلِ والنهارِ يسلِّمُ من كل رَكعتين غير الفريضة؛ لِمَا رُوِيَ عن ابن عمرَ عن النبي ﵇ أنه قال: "صلاة الليل والنهار مَثْنَى مَثْنَى". وقال بعضُ أصحابِ أبي حنيفة: إن صلاةَ اللَّيل يُسلِّمُ من كلِّ رَكعتين، وصلاة النهار يُسلِّمُ عن أربعٍ. * * * ٨٩٥ - وقال: "الوِتْر ركعةٌ من آخِر اللَّيل". قوله: "الوتر ركعة من آخر الليل"؛ يعني: أقلُّ الوِتْر رَكعةٌ، وآخرُ وقتِها آخرُ الليل. * * * ٨٩٦ - وقالت عائشة ﵂: كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي من اللَّيلِ ثلاثَ عشرةَ ركعةً يُوتِرُ من ذلكَ بخمسٍ لا يَجلِسُ في شيءٍ إلا في آخرِها.

стр. 792

قوله: "يُصلِّي من الليل ثلاثَ عشرةَ رَكعةً ... " إلى آخره؛ يعني: يُصلِّي ثماني رَكَعاتٍ بأربعِ تسليمات، ثم يُصلِّي خمسَ رَكَعاتٍ بنيَّةِ الوِتْرِ بتسليمةٍ واحدةٍ لا يجلسُ إلا في آخرِها، ولو صلَّى رجلٌ رَكَعاتٍ كثيرةً ثم لا يجلسُ إلا في آخرِها جاز، ولو جلسَ في الآخرة - وقيل في الأخيرة - جاز أيضًا. * * * ٨٩٧ - عن سَعْد بن هشام ﵁ أنه قال: انطلقْنا إلى عائشةَ ﵂ فقلتُ: يا أمَّ المؤمنينَ، أَنْبئيني عن خُلُقِ رسولِ الله ﷺ ؟، قالت: أَلَستَ تَقْرأُ القُرآنَ؟، قلت: بلى، قالَتْ: فإن خُلُقَ نبيِّ الله ﷺ كَانَ القرآنَ، قلتُ: يا أمَّ المؤمنينَ، أَنبئيني عن وِتْرِ رسولِ الله ﷺ ؟، قالت: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سواكَه وطَهُورَه، فَيَبعثُه الله ما شاءَ أن يبعثَه من الليلِ، فَيتسوَّكُ ويتوضَّأ ويُصلِّيَ تسعَ ركعاتٍ لا يَجلِسُ فيها إلا في الثامنةِ، فَيذكُر الله، ويَحمَدُه، ويدعُوه، ثم ينهضُ ولا يُسلِّم فيصلي التاسعةَ، ثم يقعدُ فَيذكرُ الله، ويحمدُه، ويدعُوه، ثم يسلِّمُ تسليمًا يُسمِعُنا، ثم يُصلِّي ركعتَينِ بعدَ ما يُسلِّمُ وهو قاعدٌ، فتلكَ إحدى عشرةَ ركعةً، فَلَمَّا أَسَنَّ وأخذَ اللَّحْمَ أَوترَ بسبعٍ، وصنَعَ في الركعتينِ مثلَ صَنيعِه في الأُولى، فتلْكَ تسعٌ يا بنيَّ، وكانَ النبيُّ ﷺ إذا صلى صلاةً أحبَّ أن يُداومَ عليها، وكان إذا غلبَهُ نومٌ أو وجعٌ عن قيامِ الليلِ صلى من النهارِ ثنتي عشرةَ ركعةً، ولا أعلمُ نبيَّ الله ﷺ قرأَ القرآنَ كلَّه في ليلةٍ، ولا صلَّى ليلةً إلى الصُّبحِ، ولا صامَ شهرًا كاملًا غيرَ رمضان. قولها: "كان خلقه القرآن ... إلى آخره": يعني: كان خلقه مذكورًا في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. "أَنْبئيني"، أي: أخبريني. "نُعِدُّ" - بضم النون -؛ أي: نهيئُ له سِواكَه وطَهُورَه؛ أي: ماءَ وضوئه.

стр. 793

"فيبعثُه الله"؛ أي: يُوقِظُه الله من النومِ فيذكرُ الله ويحمَدُه؛ يعني: يقرأُ التشُّهدَ. "يُسْمِعُنا"؛ أي: يرفعُ صوتَه بالتسليم بِحيثُ نسَمعُه. "أَسَنَّ"؛ أي: كبرَ، و"أخذَ اللَّحْمَ"؛ أي: ضَعُفَ. "وصَنَعَ"؛ أي: فعلَ في الرَّكْعَتين؛ أي: صلَّى رَكعتين من غيرِ القُعود بعدَ السَّبْع. * * * ٨٩٨ - عن عبد الله بن عُمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اجْعَلوا آخرَ صلاتِكم باللَّيلِ وِتْرًا". قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"؛ يعني: السنة أن يختِمَ الرجلُ صلاتَه في اللَّيل بالوِتْر. * * * ٨٩٩ - وقال: "بادِرُوا الصُّبحَ بالوترِ". قوله: "بادروا الصبح بالوتر"؛ يعني: أسرِعُوا بأداءِ الوِتْر قبلَ الصُّبْح. * * * ٩٠٠ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن خافَ أن لا يقومَ مِن أخرِ الليلِ، فليُوترْ أولَّه، ومن طَمِعَ أن يقومَ آخِرُهُ فليُوترْ آخِرَ الليلِ، فإن صلاةَ آخرِ الليلِ مشهودةٌ، وذلكَ أفضلُ". قوله: "مَشْهودةٌ"؛ أي: محضورة؛ أي: فِعْلُ الصلاةِ في هذا الوقتِ فِعْلُ الأنبياءِ والأولياءِ وغيرِهم من عباد الله.

стр. 794

٩٠١ - وقالت عائشة ﵂: "مِن كُلِّ الليلِ أَوْتَرَ رسولُ الله ﷺ مِن أوَّلِ اللَّيلِ وأَوْسَطِه وآخرِه، وانتهى وِتْرُه إلى السَّحَرِ". قوله: "أوترَ رسولُ الله ﵇ مِن أولِ اللَّيل"، الحديثُ أولَ وقتِ الوِتْر بعدَ أداءِ فريضةِ العِشَاءِ إن صلَّى الوترَ بثلاث، أو أكثر، وإن صلَاّها برَكعةٍ واحدة فالأصحُّ أنه يجوزُ أداؤُها بعد فرضِ العِشاء، وقيل: لا يجوزُ حتى يصلِّيَ السُّنَّةَ أو غيرَها، وآخرُه قُبَيلَ الصُّبحِ. * * * ٩٠٢ - وقال أبو هريرة ﵁: أَوْصاني خليلي بثلاثٍ: صيامِ ثلاثةِ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ، وركعتي الضحى، وأن أُوتِرَ قبلَ أن أنامَ. قوله: "خَلِيلي"؛ يعني: رسول الله ﵇. "صيامِ ثلاثةِ أيامٍ"؛ يعني: أيام البيض، وهو الثالثَ عشرَ والرابعَ عشرَ والخامسَ عشرَ. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٠٣ - عن غُضَيف بن الحارث قال: قلت لعائشة ﵂: أرأيتِ رسولَ الله ﷺ كانَ يغتسلُ من الجنابةِ في أولِ الليلِ أَمْ في آخرِه؟، قالت: رُبَّما اغتسل في أولِ الليلِ ورُبَّما اغتسلَ في آخره، فقلت: الحمدُ للهِ الذي جعلَ في الأمرِ سَعَةً، قلتُ: كانَ يُوتِرُ في أولِ الليلِ أَمْ في آخِرِه؟، قالت: رُبَّما أَوترَ في أولِ الليلِ ورُبَّما أوترَ في آخرِه قلتُ: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعَةً، قلت: كانَ يجهرُ بالقراءةِ أم يَخفِت؟، قالت: رُبَّما جهَرَ ورُبَّما خَفَتَ، قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعلَ في الأمرِ سَعَةً.

стр. 795

قوله: "خَفَتَ"، ضدُّ جَهَرَ. * * * ٩٠٤ - وسُئلت عائشة ﵂: بِكَم كانَ رسول الله ﷺ يُوتِر؟، قالت: كان يُوتِر بأربعٍ وثلاثٍ، وستٍ وثلاثٍ، وثمانٍ وثلاثٍ، وعشرٍ وثلاثٍ، ولم يكنْ يُوتِر بأَنقَصَ من سبعٍ، ولا بأكثرَ من ثلاثَ عشرةَ. قولها: "بأربعٍ وثلاثٍ"؛ يعني: يُصَلِّي أربعًا بتسليمتين، وثلاثًا بتسليمةٍ واحدةٍ، وكذلك في آخرِ الحديث: يصلِّي ما قبلَ الثلاثِ كلَّ رَكعتين بتسليمةٍ. * * * ٩٠٥ - عن أبي أَيُّوب قال: قال رسول الله ﷺ : "الوِترُ حقٌّ على كلِّ مسلمٍ، فمن أَحبَّ أن يُوتِرَ بخمسٍ فليفعلْ، ومَن أحبَّ أَنْ يُوتِرَ بثلاثٍ فليفعلْ، ومَن أحبَّ أن يوتِرَ بواحدةٍ فليفعل". قوله: "الوِتْرُ حَقُّ"، (الحقُّ) هنا معناه: السُّنَة، وتَلَفُّظُه ﵇ بهذا اللَّفظ للتأكيد، هذا عند الشافعي، وعند أبي حنيفة معناه: الوجوب. * * * ٩٠٦ - وقال: "إن الله تعالى وِتْرٌ يُحبُّ الوِترَ، فأَوتِروا يا أهلَ القُرآنِ". قوله: "يا أهلَ القرآن"؛ يعني: يا أيها المسلمون. * * * ٩٠٧ - قال: "إن الله أَمَدَّكم بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمْرِ النَّعَم: الوِترُ، جعلَه الله فيما بينَ صلاةِ العِشاءِ إلى أنْ يَطلُعَ الفجْر".

стр. 796

قوله: "أَمَدَّكم"؛ أي: زادَ على صلاتِكم صلاةً أخرى، وهي الوِتْر. "الحُمْر": جمع أَحْمرَ، و"النَّعَمُ": هنا الإبل، والإبلُ الأحمرُ عندَهم أعزُّ الأموال فقال ﵇: هذه الصلاةُ خيرٌ لكم مما تحبون من أموال الدنيا لأنها ذخيرة الآخرة، والآخرة خير وأبقى. "الوتر": هي مجرورةٌ لأنها بدلٌ لقوله: أَمَدَّكم بصلاةٍ، ويجوزُ أن يكونَ مرفوعًا على تقديرِ فهي الوِتْر. رواه خارجةُ بن حُذَافةَ، جَدُّ خارجةَ: غانمُ بن عامرِ بن عبد الله بن عبيدٍ القُرَشي. * * * ٩٠٨ - وقال: "مَن نامَ عن وِتْرهِ فليُصَلِّ إذا أَصبَحَ"، مُرسَل. قوله: "مَنْ نامَ عن وِتْرِه فلْيُصَلِّ إذا أصْبَحَ"، رواه زيدُ بن أَسْلم، يعني: مَن فاتَه الوِتْرُ. فَلْيقْضها بعد الصُّبحِ متى اتفق، رواه ثعلبة بن عديِّ بن العَجْلان الأنصاري. * * * ٩٠٩ - سُئلت عائشةُ ﵂: بأي شيءٍ كان يوترُ رسولُ الله ﷺ ؟، قالت: كان يقرأُ في الأُولى بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمُعوِّذتين. قولها: "بأيِّ شيءٍ يُوْتِر"؛ يعني: أي شيءٍ يقرأُ في الوِتْر. * * * ٩١٠ - وعن الحسنِ بن علي ﵄ أنه قال: علَّمَني رسولُ الله ﷺ كلماتٍ

стр. 797

أقولُهنَّ في قنوتِ الوِترِ: "اللهم اهدِني فيمَن هدَيتَ، وعافِني فيمَن عافيتَ، وتَوَلَّني فيمَن تَوَلَّيْتَ، وبارِكْ لي فيما أعطيتَ، وَقِني شرَّ ما قضيتَ، فإنَّكَ تَقضي ولا يُقضَى عليكَ، إنه لا يَذِلُّ مَنْ والَيْتَ، ولا يَغِرُّ من عاديتَ، ولا يضل من هديت، تباركتَ ربنا وتعالَيْتَ". قوله: "فيمن هديت"؛ أي: فيمن هديتهم؛ يعني: اجْعَلْني من جملةِ الذين هديتَهم إلى الصراط المستقيم. "وتولَّني": هذا أمرٌ مخاطَبٌ مِنْ (تَولَّى) إذا أحبَّ أحدًا وقام بحِفْظِ أموره، "من واليتَ"؛ أي: مَنْ أحببتَ. * * * ٩١١ - وعن أُبي بن كَعْبٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا سلَّم من الوترِ قال: "سُبحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ" ثلاثَ مراتٍ يرفعُ في الثالثةِ صوْتَه. قوله: "سبحان الملك القدوس ثلاث مرات"، (القُدُّوسُ): الطاهِرُ. هذا الحديث يدلُّ على أن الذِّكْرَ برفْعِ الصوتِ جائزٌ، بل مستحَبٌّ إذا لم يكن فيه الرِّياءُ ليتعلَّمه الناسُ، لإظهارِ الدِّينِ ووصولِ بركةِ صوتِ الذِّكْرِ إلى السامعين والدُّور والبيوت والحيوانات، وليُوَافقُها القائل، مِنْ سمعِ صَوْتِه، وليشهدَ له يومَ القيامةِ كلُّ رَطْبٍ ويابسٍ سَمِعَ صوتَه. وبعض المشايخ يختارُ إخفاءَ الذكر؛ لأنه أبعدُ من الرِّياء، وهذا يتعلَّقُ بالنية، فمن كانت نيتُه صادقةً فرفعَ الصوتَ بقراءة القرآنِ والذِّكْر أولى لما ذَكَرْنا، ومن خافَ من نفسه الرِّياءَ فالأَولى له إخفاءُ الذِّكْرِ كي لا يقعَ في الرِّياء، والله أعلم. * * *

стр. 798

٣٥ - باب القُنوت (باب القنوت) مِنَ الصِّحَاح: ٩١٣ - عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذا أرادَ أن يدعوَ على أحدٍ، أو يدعوَ لأحدٍ قَنتَ بعدَ الركوعِ، فرُبَّما قال إذا قال: سمعَ الله لِمَن حَمِدَه، ربنا لك الحمدُ: "اللهم أَنْجِ الوليدَ بن الوليدِ، وسلمةَ بن هشامٍ، وعَيَّاشَ بن أبي ربيعةَ، اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ، واجعلْها سِنينَ كسِنِيِّ يوسفَ" يجهرُ بذلك، وكانَ يقولُ في بعضِ صلاتِه: "اللهم العَنْ فلانًا وفلانًا" لأحياءٍ من العربِ حتى أنزلَ الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. قوله: "إذا أراد أن يدعو على أحد ... " إلى آخره، دعا على أحدٍ إذا طلبَ أن يَلْحَقَه ضَرَرٌ، ودعا لأحدٍ إذا طلبَ خيرَه. "أَنْجِ"، أمرٌ مخاطَبٌ مِن (أَنْجَى أحدًا) إذا خلَّصه، هؤلاءِ الثلاثة كانوا من أصحاب رسول الله ﵇، فأخذَهم الكفارُ، فدعا رسول الله لهم ليخلِّصَهم الله. قوله: "اللهم اشددْ وطْأَتَك"، (الوَطْءُ): الضَّرْبُ؛ يعني: شَدِّدْ عذابَك على كُفَّار مُضَر. "واجْعَلْها"؛ أي: واجعلْ وطْأَتَك، "سِنينَ": وهي جمع سَنَة، وهي القَحْطُ؛ يعني: اجعلْ عذابَكَ عليهم بأن تسلِّطَ عليهم قَحْطًا عظيمًا سبعَ سنين أو أكثر، كما كان في زمن يوسفَ ﵇، "يجْهَرُ بذلك"؛ يعني: يرفعُ صوتَه.

стр. 799

قوله تعالى: " ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ " [آل عمران: ١٢٨]. (أو) ههنا بمعنى (إلى أن) في قول، يعني: أرسلْناك لتبلغَ رسالتي، وليس لكَ من الهداية واللَّعنِ شيءٌ، بل اترك اللَّعْنَ واصبرْ لما يصيبُك إلى أن يتوبَ الله عليهم أو يعذِّبَهم، وليكنْ رضاك موافقًا لأمر الله تعالى وتقديره، لا تقلْ ولا تفعل شيئًا باختيارك. * * * ٩١٤ - وقال عاصم الأَحوَلُ: سألتُ أنسَ بن مالكٍ ﵁ عن القُنوتِ في الصلاةِ، كَانَ قبلَ الركوعِ أو بعدَه؟، قال: قبلَه، إنما قنتَ رسولُ الله ﷺ بعدَ الركوعِ شهرًا، إنه كَانَ بعثَ أُناسًا يقال لهم: القراءُ، سبعونَ رجلًا، فأُصيبوا، فقنتَ رسولُ الله ﷺ بعدَ الركوعِ شهرًا يَدعو عليهم. قوله: "كان قبل الركوع"، يعني: إذا فَرَغ من قراءةِ القرآنِ قرأَ القنوتَ، ثم ركَعَ، وبهذا قال أبو حنيفة. قوله: "بعث أناسًا"، هؤلاء كانوا من أهل الصُّفَّة، يتعلَّمون العِلْمَ والقرآن، فجاء أبو عامر - الذي يقال له: ملاعِبُ الأسِنَّة قبلَ إسلامه - إلى رسول الله ﵇ فقال: لو بعثتَ جماعةً إلى أهل نَجْدٍ ليدْعُوهم إلى الإسلام لاستجابوا، فقال رسول الله ﵇: "أخاف عليهم أهل نجد"، فبعثَ معه السبعين المُسَمَّين بالقراء، فنزلوا بئر مَعُونة، أخذَ حَرَام بن مِلْحَان كتابَ رسولِ الله ﵇، وهو من السبعين، وأتى عامرَ بن طُفَيل وعرضَ عليه كتابَ رسولِ الله ﵇ فقالَ عامرٌ لأصحابه: أعينوني حتى أقتلَ هؤلاءِ المسلمين، فلم يُجِبْه أصحابُه، فاستعانَ بقبيلةِ عُصَيَّةَ ورِعْلٍ وذَكْوَان، والقَارَة، فأجابوه وجاؤوا إلى السبعين وقتلوهم كلَّهم إلا كعبَ بن زيد.

стр. 800

"فأصيبوا"؛ أي: قُتِلُوا، وهذه الواقعة كانت بعد الهجرة في أول السنة الرابعة. * * * مِنَ الحِسَان: ٩١٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: قنتَ رسولُ الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظُّهرِ والعصرِ والمغربِ والعِشاءِ، وصلاةِ الصُّبحِ، إذا قال: "سَمِعَ الله لمن حَمِدَه" من الركعةِ الأَخيرة يدعو على أحياءٍ من سُلَيْمٍ - على رِعْلٍ، وذَكوانَ، وعُصَيَّةَ - ويُؤَمِّنُ مَن خَلْفَهُ. قوله: "يدعو على أحياء ... " إلى آخره، دعا على هؤلاء لأنهم قتلُوا القُرَّاءَ كما ذكرْنا. وهذا الحديث يدُّل على أنه لو نزل بالمسلمين نازلةٌ من قَحْطٍ، أو غلبةِ عدوٍّ، أو غيرِ ذلك من المكارِه يُسَنُّ القنوتُ في جميع الصلواتِ، وفيه قولٌ: أنه لا يُسَنُّ في غيرِ الصبحِ. * * * ٩١٦ - عن أنس ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قنتَ شهرًا، ثم تَرَكَه. قوله: "قنت شهرًا ثم تركه"؛ يعني: دعا على الكفار في القنوت شهرًا، ثم ترك الدعاءَ على الكُفَّار، وليس معناه أنه ﵇ تركَ القنوتَ. * * * ٩١٧ - وعن أبي مالكٍ الأَشجَعي قال: قلتُ لأَبي: إنك قد صلَّيتَ خلْفَ رسولِ الله ﷺ وأبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ -

стр. 801

ههُنا بالكوفةِ نحوًا من خمسِ سنينَ، أكانوا يَقنُتونَ؟، قال: أَيْ بنيَّ، مُحْدَثٌ. قوله: "ههنا بالكوفة"؛ يعني: صليتُ خلفَ عليٍّ بالكوفة خمسَ سنين، وليس معناه صليتُ خلفَ رسولِ الله ﵇ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ بالكوفة. قوله: "أي بنيَّ مُحْدَثٌ"؛ يعني: يا بنيَّ! القنوتُ مُحْدَثٌ، أحدَثه التابعون، ولم يقرأْه رسول ﵇ وأصحابُه. قال الإمام أبو الفتوح العِجْلي رحمة الله عليه: لا يلزمُ من نفيِ هذا الصحابيِّ القنوتُ؛ لأنه يحتملُ أن يكونَ في آخرِ الصفِّ إذا صلَّى مع رسول الله ﵇ وأصحابه، ولم يسمعِ القُنوتَ. ويحتملُ أيضًا أنه يريدُ بنفي القُنوتِ نفيَ القُنوتِ في غير الصبح وِالوِتْر. ويحتملُ أنه يسمعُ من الناسِ بعدَ الصحابةِ كلماتٍ يقرؤونها في القُنوتِ، ولم يسمعْها من النبي ﵇، ولا من الخلفاء الراشدين، فأنكرَ تلك الكلماتِ، فقال: مُحْدَثٌ؛ أي: قراءةُ هذهِ الكلماتِ في القُنوتِ مُحدَثٌ. وقد روى القُنُوتَ حسنُ بن عليٍّ، وأبو هريرةَ، وأنسٌ، وابن عباس ﵃، وصحبةُ هؤلاء مع رسول الله ﵇ أكثرُ من صحبةِ هذا الصحابيِّ، وهو طارقُ بن أَشْيَمَ، فتكونُ روايتهم أثبتُ قولًا، والله أعلم. "أبو مالك": اسمه سعد بن طارق بن أشْيَمَ.

стр. 802

٣٦ - باب قِيَام شَهْر رمَضان (باب قيام شهر رمضان) مِنَ الصِّحِاحِ: ٩١٨ - قال زَيد بن ثابت ﵁: إنَّ رسولَ الله ﷺ اتَّخذَ حُجْرةً في المسجدِ من حَصيرٍ، فصلَّى فيها لياليَ حتى اجتمعَ إليه ناسٌ، ثم فَقَدوا صوتَه ليلةً، وظنُّوا أنه قد نامَ، فجعلَ بعضُهم يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إليهم، فقال: "ما زالَ بكم الذي رأَيتُ من صَنيعِكم حتى خشيتُ أن يُكتَبَ عليكم، ولو كُتِبَ عليكم ما قُمْتُمْ بهِ، فَصَلُّوا أيُّها الناسُ في بيوتكم، فإنَّ أفضلَ صلاةَ المَرْءِ في بيتِه إلا الصلاةَ المكتوبةَ". قوله: "فصَلَّى فيها لياليَ"؛ يعني: فصلَّى في تلك الحُجْرةِ، ويخرجُ من تلك الحُجْرَة، ويُصلِّي للناسِ بالجَماعة، واقتدَى الناسُ به في صلاةِ التراويح كما يقتدُون به في صلاةِ الفريضةِ حتى كَثُرَ الناس. قوله: "ثم فَقَدُوا صوتَه ليلةً"؛ أي: فلم يجِدُوا صوتَه؛ يعني: خرجَ ليلةً وصلَّى بهم صلاةَ الفريضةِ، ودخل تلك الحُجْرةَ ليخرجَ إليهم لصلاةِ التراويحِ بعد ساعةٍ كما هو عادتُه في الليالي الماضيةِ، فلم يخرجْ إليهم. قوله: "مما زالَ بكم"؛ يعني: رأيتُ شِدَّةَ حِرْصِكم في إقامة صلاة التروايح بالجماعة حتى خَشِيتُ أني لو واظبتُ على إقامتها لفرضت عليكم، ولو فرضت عليكم لم تُطِيقوها. وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أن الجماعةَ بصلاةِ التراويحِ سُنةٌ لمَّا فعلها رسول الله ﵇ لياليَ، ويدلُّ أيضًا على كونِها سُنَّةً بالانفراد.

стр. 803

واختُلِفَ في أن صلاةَ التراويحِ بالجماعة أَولى أو بالانفراد، والأصحُّ أن الجماعة فيها في عصرنا أفضلُ؛ لأن الكسلَ غالبٌ على الناس، فلو لم يصلُّوها بالجماعةِ لم يصلُّوها بالانفراد. * * * ٩١٩ - قال أبو هريرة ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ من غيرِ أن يأمُرَهم فيه بعَزيمةٍ، فيقول: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبهِ"، فتُوفيَ رسولُ الله ﷺ والأمرُ على ذلك، ثم كانَ الأمرُ على ذلكَ في خلافةِ أبي بكرٍ ﵁، وصدرًا من خلافةِ عُمر ﵁. قوله: "يُرَغِّبُ في قيامِ رمضان"، (يُرَغِّبُ) بتشديد الغين؛ أي: يُظْهِرُ رغبتَهم فيه بقوله ﵇: "من قام رمضان إيمانًا"؛ أي: عن صِدْقِ نيةٍ لا عن النفاق، "واحتسابًا": أي: لطلبِ الثوابِ من الله لا عن الرِّيَاء. قوله: "والأمرُ على ذلك"؛ أي: لم يكنِ الناسُ يقومون رمضانَ بالجماعةِ غيرَ الفَريضة. قوله: "وصَدْرًا"؛ أي: وفي أولِ خلافةِ عمرَ كذلك، وصدرُ الشيء: أولُه. ثم خرج عمرُ ﵁ في خلافته ليلةً في رمضان، فرأى الناسَ يصلُّون في المسجد منفردِين صلاةً غيرَ صلاةِ الفريضة، فأمرَ أُبيَّ بن كَعْبٍ وتميمًا الدَّارِيَّ ليصلِّيا بالناسِ بالإمامة صلاةَ التراويح، والمرادُ بقيام رمضان أداءُ صلاةِ التراويحِ عندَ أكثرِ أهلِ العلم، وعندَ أهلِ المدينة: أداءُ إحدى وأربعين رَكعةً من الوتر والتراويح. * * *

стр. 804

٩٢٠ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا قضَى أَحدُكم الصَّلاةَ في مَسجده فليجعَل لبيته نَصيبًا من صلاته، فإنَّ الله جاعلٌ في بيته من صلاته خَيْرًا". قوله "فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته"؛ يعني: لا تتركوا بيوتَكم خاليةً عن الصلاة، بل صلُّوا فيها صلاةَ النَّوافلِ والسُّنَنِ، فإنَّ الله يجعلُ البركةَ والرحمةَ في بيتٍ تُصَلَّى فيه صلاةٌ. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٢١ - قال أبو ذَرٍّ ﵁: صُمْنا مَعَ رسولِ الله ﷺ ، فلم يَقُمْ بنا شيئًا من الشهرِ حتى بقيَ سبعٌ، فقامَ بنا حتى ذهبَ ثلثُ الليلِ، فلمَّا كانت السادسةُ لم يَقُمْ بنا، فلمَّا كانت الخامسةُ قام بنا حتى ذهبَ شَطْرُ الليلِ، فقلتُ: يا رسولَ الله لو نَفَّلْتَنا قيامَ هذهِ الليلةِ، فقال: "إن الرجلَ إذا صلى معَ الإمام حتى ينصرفَ؛ حُسِبَ له قيامُ ليلةٍ"، فلمَّا كانت الرابعةُ لم يَقُمْ حتى بقيَ ثلاثٌ، فلمَّا كانت الثالثةُ جمعَ أهلَهُ ونساءَهُ والناسَ، فقامَ بنا حتى خَشِينا أن يفوتَنا الفلاحُ - يعني السُّحور - ثم لم يقمْ بنا بقيةَ الشهرِ. قوله: "فلم يَقُمْ بنا شيئًا من الشَّهر"؛ يعني؛ لم يصلِّ بنا غيرَ صلاةِ الفريضة، فإذا صلَّى الفريضة دخلَ حُجْرتَه، "حتى بقيَ لسبعٍ"؛ أي: سبع ليالٍ من شهر رمضانَ. "فقام بنا"؛ يعني: كان معنا "حتى ذهب ثلث الليل"، فيصلِّي ويذكر الله ويقرأُ القرآن "شَطْرَ الليل"؛ أي: نصفَه. "لو نَفَّلْتَنا"؛ أي: لو زدتَ في قيامِ الليلِ على نِصْفِه لكانَ خيرًا لنا. قوله: "صلَّى مع الإمام حتى ينصرفَ"؛ يعني: مَن صلَّى صلاةَ الفريضةِ

стр. 805

مع الإمامِ ويصبرُ معه حتى ينصرفَ الإمامُ من المسجد إلى بيته = يَحْصُل له ثوابُ قيامِ ليلةٍ تامَّةٍ. قوله: "فلمَّا كانتِ الرابعةُ لم يَقُمْ بنا حتى بقيَ ثلثُ الليل"، اعلم أن قولَه: (حتى بقي ثلث الليل) ليس في "معالم السنن"، ولا في "شرح السنة"، بل كان في الكتابين المذكورين: (فلمَّا كانت الرابعة لم يَقُمْ) فلعلَّ قوله: (حتى بقي ثلث الليل) جاء في بعض الرواياتِ. "الفلاح": البقاءُ، وسُمِّيَ ما يؤكَلُ في السَّحَر فلاحًا لأنه سببُ بقاءِ قوةِ الصائم، ومعينٌ له على الصَّوْم. * * * ٩٢٢ - وعن عائشة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله تعالى ينزلُ ليلةَ النصفِ من شعبانَ إلى السماءِ الدُّنيا، فيغفرُ لأكثرِ من عددِ شعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ"، ضعيف. قولها: "غَنَم كَلْب"؛ أي: غَنَم بن كَلْب، وهي قبيلةٌ كثيرةٌ، ولهم غَنَمٌ كثيرة. * * * ٩٢٣ - عن زيد بن ثابت ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "صلاةُ المرءِ في بيتِهِ أفضلُ من صلاتِهِ في مسجدي هذا إلا المَكتوبة". قوله: "صلاةُ المرءِ في بيته أَفْضَلُ"؛ يعني: صلاةُ النافلةِ أفضلُ في بيتِه من صلاتِه في مسجدِ المدينة، مع أنَّ صلاةً في مسجدِ المدينة أفضلُ من ألفِ صلاةٍ في سائر المساجدِ غيرَ المسجدِ الحرامِ، والله أعلم. * * *

стр. 806

٣٧ - باب صلاة الضُّحى (باب صلاة الضُّحى) مِنَ الصِّحَاحِ: ٩٢٤ - عن أم هانئٍ ﵂ أنها قالت: إنَّ رسول الله ﷺ دخلَ بيتَها يومَ فتح مكةَ، فاغتسلَ وصلى ثمانيَ ركعاتٍ، فلم أَرَ صلاةً قَطُّ أَخَفَّ منها، غيرَ أنه يُتِمُّ الركوعَ والسجودَ، وذاكَ ضحًى. قولها: "ولم أرَ صلاةً قَطُّ أخفَّ منها"، وخِفَّةُ هذه الصلاة كانتْ بتركِ قراءةِ السُّوَرِ الطويلةِ والأذكارِ الكثيرةِ، لا بترْكِ شيءٍ من الفَرائضِ. * * * ٩٢٥ - وقالت مُعاذَةُ: سألتُ عائشةَ ﵂، كم كانَ رسولُ الله ﷺ يصلي صلاة الضُّحى؟، قالت: أربع ركعاتٍ، ويزيدُ ما شاءَ الله. قوله: "ويزيدُ ما شاءَ الله"، مفهومُ قولها: (ويزيد ما شاء الله) أنه يزيدُ مِن غيرِ حَصْرٍ، ولكنْ لم يُنقَلْ أكثرُ من اثنتي عشرةَ رَكْعةً. * * * ٩٢٦ - وقال رسول الله ﷺ : "يُصبحُ على كلِّ سُلامَى من أحدِكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلُّ تَحميدةٍ صدقةٌ، وكل تهليلةٍ صدقةٌ، وكل تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروفِ صدقةٌ، ونهيٌ عن المُنكرِ صدقةٌ، ويُجزئُ من ذلكَ ركعتانِ يركعُهما من الضُّحى".

стр. 807

قوله: "على كلِّ سُلَامى"، (السُّلَامى) - بضم السين -: كلُّ عَظْمِ مِفْصَل، وكلُّ عَظْمٍ يَعتمِدُ به الإنسانُ عندَ الحركة؛ يعني: يستحقُّ على كلِّ واحدٍ منكم بعددِ كلِّ عظمٍ على أعضائه صدقةً شُكْرَ الله على أنْ خَلَقَه، وجَعَلَه بحيث يمكنكم الحركة به، وليسَ الصدقةُ بالمالِ فقط بل كلُّ خيرٍ صَدَقة. قوله: "ويُجْزِئُ"؛ أي: ويَكْفِي؛ يعني: إذا صلَّى ركعتي الضُّحى فقد أدَّى شكر ذلك، رواه أبو ذر. * * * ٩٢٧ - وقال: "صلاةُ الأَوَّابينَ حينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ". قوله: "صلاةُ الأَوَّابينَ حينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ"، رواه زيدُ بن أرقم. (الأَوَّابُ): الراجعُ إلى الله تعالى في جميع أحوالِه. "رَمِضَتِ" الفِصَالُ تَرْمَضُ: إذا احترقَتْ أخفافُها من غايةِ حرِّ النهار. وقصةُ هذا الحديث أنَّ رسولَ الله ﵇ دخلَ مسجدَ قُبَاء عند ارتفاعِ الشمسِ ارتفاعًا كثيرًا، فرأى أهلَ المسجدِ يُصَلُّون صلاةَ الضُّحَى، فقال رسول الله ﵇ هذا الحديث، وإنما مدَحهم بأن يُصَلُّوا صلاةَ الضُّحَى في هذا الوقت؛ لأنَّ هذا الوقتَ وقتُ القيلولةِ والاستراحةِ، فتركُوا الاستراحةَ واشتغلوا بالصلاةِ فاستحقُّوا المَدْحَ. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٢٨ - قال رسول الله ﷺ : عن الله ﵎ أنه قال: "يا ابن آدمَ،

стр. 808

اركَعْ لي أربعَ ركعاتٍ من أولِ النهارِ أَكْفِكَ آخِرَه". قوله: "أَكْفِكَ آخرَه"، أقْضي شُغْلَك وحوائجَك، وأَدفَعُ عنك ما تَكْرَه بعدَ صَلاتِك في آخرِ النَّهار. * * * ٩٢٩ - وقال: "في الإِنسان ثلاث مئةٍ وستونَ مَفْصِلًا، فعليه أنْ يتصدَّق عن كل مَفصِلٍ منه بصدقةٍ"، قالوا: ومَن يُطيقُ ذلك يا رسول الله؟، قال: "النُّخاعةُ في المَسجدِ تَدْفِنُها، والشيءُ تُنَحِّيه عن الطَّريقِ, فإنْ لم تجدْ فركعتا الضُّحى تُجزِئكَ". قوله: "النُّخَاعةُ في المسجدِ تَدْفِنُها"، (النُّخَاعَةُ) ماءُ الأنفِ؛ يعني: ليست الصدقةُ بالمالِ فقط، بل إذا دفنَ الرجلُ نُخَاعةً في المسجدِ كُتِبتْ له بذلك صدقةٌ، وكذلكَ كلُّ خيرٍ صدقةٌ. "تُنَحِّيه"؛ أي: تُبْعِدُه. رواه بُرَيْدَة. * * * ٩٣١ - وقال: "من قعدَ في مُصَلَاّهُ حينَ ينصرفُ من صلاةِ الصُّبحِ حتى يُسبحَ ركعتي الضُّحى لا يقولُ إلا خيرًا؛ غُفِرَ له خطاياهُ وإن كانتْ أكثرَ من زَبَدِ البحرِ". قوله: "حتى يُسَبحَ"؛ أي: حتى يُصَلِّيَ، والله أعلم. * * *

стр. 809

٣٨ - باب التطوع (باب التَّطَوُّعِ) مِنَ الصِّحَاحِ: ٩٣٢ - قال النبيُّ ﷺ لبلالٍ عندَ صلاة الفجرِ: "يا بلالُ!، حدِّثني بأَرْجَى عمَلٍ عَمِلْتَه في الإِسلامِ؟، فإِني سمعتُ دَفَّ نعليكَ بين يديَّ في الجنةِ"، قال: ما عملتُ عملاً أَرْجَى عندِي إلا أني لم أتَطَهَّرْ طُهُورًا في ساعةٍ من ليلٍ ولا نهارٍ إلا صلَّيتُ بذلكَ الطُّهور ما كُتِبَ لي أنْ أُصَلِّيَ. "عند صلاة الفجرِ" يحتملُ أن تكونَ هذه الواقعةُ ليلةَ المِعْرَاج، ويحتملُ أن يراه في النوم، أو أراه الله ﵇ في اليقظة. "دَفَّ نَعْلَيك"؛ أي: صوتَ نعليك. قوله: "بين يَدَيَّ"، هذا لا يدلُّ على تفضيلِ بلالٍ على واحدٍ من الصحابة العشرة فضلاً على رسول الله، وإنما مشى بلالٌ بين يديه ﵇ للخِدْمة، كما يسبقُ العبدُ السيدَ في المَشْيِ، وسؤالُه ﵇ بلالاً لُيَطَيبَ قلبَه بكونِه مستحِقًّا للجَنة، وليدومَ على ما عليه من الطاعةِ، وليُظْهِرَ رغبةَ مَنْ سمعَ هذا الحديثَ في الطاعة، وليصيرَ أداءُ الصلاةِ بعد الوضوء سُنَّةً، ويُسمَّى شُكْرَ الوُضوء. "ما كُتِبَ لي"؛ أي: ما قُدِّرَ لي. * * * (صلاة الاستخارة) ٩٣٣ - وقال جابر ﵁: كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنا الاستخارَةَ في الأُمورِ

стр. 810

كما يُعَلِّمُنا السورةَ من القرآنِ يقولُ: "إذا همَّ أحدُكم بالأمرِ فليركعْ ركعتينِ من غيرِ الفَريضةِ، ثم ليقلْ: اللهم إني أَستخيرُكَ بعلمِكَ، وأستقدرُكَ بقُدرتكَ، وأَسألُكَ من فضْلِكَ العظيمِ، فإنك تَقدِرُ ولا أَقدِرُ، وتعلَمُ ولا أعلمُ، وأنتَ علَاّمُ الغيوبِ، اللهم إنْ كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ - ويُسمِّي حاجَتَهُ - خيرٌ لي في دِيْني ومَعاشي وعاقبةِ أمري وآجِلِه فاقدرْه لي ويسِّرْه لي ثم بارِكْ لي فيه، وإنْ كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شرٌّ لي في دِيْني ومَعاشي وعاقبةِ أَمري وآجله فاصرفْهُ عني واصرفني عنه، واقدرْ ليَ الخيرَ حيثُ كانَ ثم أَرْضني به". قوله: "أَسْتَخِيرُك"؛ أي: أطلبُ الخيرَ منك. "وأسْتَقْدِرك"؛ أي: أطلبُ منك أن تُقَدِّرَ لي الخيرَ. قوله: "أن هذا الأمر"؛ أي: الأمر الذي يَقْصِدُه من نكاحٍ، أو مسافرةٍ، أو غيرِها. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٣٤ - قال علي ﵁: ما حدَّثني أحدٌ حَديثًا إلا استحلَفتُه، فإذا حلَفَ لي صدَّقتُه، وحدَّثني أبو بكرٍ الصديقُ ﵁ وصدَقَ أبو بكرٍ - قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما مِن رجلٍ يُذنِبُ ذَنْبًا ثم يقومُ فيتطهرُ، ثم يُصلِّي، ثم يستغفر الله تعالى إلا غفرَ الله لهُ، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ ". قوله: "ثم يستغفر الله"، أنه يتوبُ من ذلك الذَّنْبِ ويعزِمُ على ألَاّ يعودَ إليه، لأنَّ هذا شرطُ التوبةِ والاستغفار. قيل: "الفاحشة" في هذه الآية: الكبائرُ والظلم، ﴿أَوْ ظَلَمُوا﴾: الصغائر،
следующие страницы →