← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

٣٧ - باب صلاة الضُّحى (باب صلاة الضُّحى) مِنَ الصِّحَاحِ: ٩٢٤ - عن أم هانئٍ ﵂ أنها قالت: إنَّ رسول الله ﷺ دخلَ بيتَها يومَ فتح مكةَ، فاغتسلَ وصلى ثمانيَ ركعاتٍ، فلم أَرَ صلاةً قَطُّ أَخَفَّ منها، غيرَ أنه يُتِمُّ الركوعَ والسجودَ، وذاكَ ضحًى. قولها: "ولم أرَ صلاةً قَطُّ أخفَّ منها"، وخِفَّةُ هذه الصلاة كانتْ بتركِ قراءةِ السُّوَرِ الطويلةِ والأذكارِ الكثيرةِ، لا بترْكِ شيءٍ من الفَرائضِ. * * * ٩٢٥ - وقالت مُعاذَةُ: سألتُ عائشةَ ﵂، كم كانَ رسولُ الله ﷺ يصلي صلاة الضُّحى؟، قالت: أربع ركعاتٍ، ويزيدُ ما شاءَ الله. قوله: "ويزيدُ ما شاءَ الله"، مفهومُ قولها: (ويزيد ما شاء الله) أنه يزيدُ مِن غيرِ حَصْرٍ، ولكنْ لم يُنقَلْ أكثرُ من اثنتي عشرةَ رَكْعةً. * * * ٩٢٦ - وقال رسول الله ﷺ : "يُصبحُ على كلِّ سُلامَى من أحدِكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلُّ تَحميدةٍ صدقةٌ، وكل تهليلةٍ صدقةٌ، وكل تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروفِ صدقةٌ، ونهيٌ عن المُنكرِ صدقةٌ، ويُجزئُ من ذلكَ ركعتانِ يركعُهما من الضُّحى".

стр. 807

قوله: "على كلِّ سُلَامى"، (السُّلَامى) - بضم السين -: كلُّ عَظْمِ مِفْصَل، وكلُّ عَظْمٍ يَعتمِدُ به الإنسانُ عندَ الحركة؛ يعني: يستحقُّ على كلِّ واحدٍ منكم بعددِ كلِّ عظمٍ على أعضائه صدقةً شُكْرَ الله على أنْ خَلَقَه، وجَعَلَه بحيث يمكنكم الحركة به، وليسَ الصدقةُ بالمالِ فقط بل كلُّ خيرٍ صَدَقة. قوله: "ويُجْزِئُ"؛ أي: ويَكْفِي؛ يعني: إذا صلَّى ركعتي الضُّحى فقد أدَّى شكر ذلك، رواه أبو ذر. * * * ٩٢٧ - وقال: "صلاةُ الأَوَّابينَ حينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ". قوله: "صلاةُ الأَوَّابينَ حينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ"، رواه زيدُ بن أرقم. (الأَوَّابُ): الراجعُ إلى الله تعالى في جميع أحوالِه. "رَمِضَتِ" الفِصَالُ تَرْمَضُ: إذا احترقَتْ أخفافُها من غايةِ حرِّ النهار. وقصةُ هذا الحديث أنَّ رسولَ الله ﵇ دخلَ مسجدَ قُبَاء عند ارتفاعِ الشمسِ ارتفاعًا كثيرًا، فرأى أهلَ المسجدِ يُصَلُّون صلاةَ الضُّحَى، فقال رسول الله ﵇ هذا الحديث، وإنما مدَحهم بأن يُصَلُّوا صلاةَ الضُّحَى في هذا الوقت؛ لأنَّ هذا الوقتَ وقتُ القيلولةِ والاستراحةِ، فتركُوا الاستراحةَ واشتغلوا بالصلاةِ فاستحقُّوا المَدْحَ. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٢٨ - قال رسول الله ﷺ : عن الله ﵎ أنه قال: "يا ابن آدمَ،

стр. 808

اركَعْ لي أربعَ ركعاتٍ من أولِ النهارِ أَكْفِكَ آخِرَه". قوله: "أَكْفِكَ آخرَه"، أقْضي شُغْلَك وحوائجَك، وأَدفَعُ عنك ما تَكْرَه بعدَ صَلاتِك في آخرِ النَّهار. * * * ٩٢٩ - وقال: "في الإِنسان ثلاث مئةٍ وستونَ مَفْصِلًا، فعليه أنْ يتصدَّق عن كل مَفصِلٍ منه بصدقةٍ"، قالوا: ومَن يُطيقُ ذلك يا رسول الله؟، قال: "النُّخاعةُ في المَسجدِ تَدْفِنُها، والشيءُ تُنَحِّيه عن الطَّريقِ, فإنْ لم تجدْ فركعتا الضُّحى تُجزِئكَ". قوله: "النُّخَاعةُ في المسجدِ تَدْفِنُها"، (النُّخَاعَةُ) ماءُ الأنفِ؛ يعني: ليست الصدقةُ بالمالِ فقط، بل إذا دفنَ الرجلُ نُخَاعةً في المسجدِ كُتِبتْ له بذلك صدقةٌ، وكذلكَ كلُّ خيرٍ صدقةٌ. "تُنَحِّيه"؛ أي: تُبْعِدُه. رواه بُرَيْدَة. * * * ٩٣١ - وقال: "من قعدَ في مُصَلَاّهُ حينَ ينصرفُ من صلاةِ الصُّبحِ حتى يُسبحَ ركعتي الضُّحى لا يقولُ إلا خيرًا؛ غُفِرَ له خطاياهُ وإن كانتْ أكثرَ من زَبَدِ البحرِ". قوله: "حتى يُسَبحَ"؛ أي: حتى يُصَلِّيَ، والله أعلم. * * *

стр. 809

٣٨ - باب التطوع (باب التَّطَوُّعِ) مِنَ الصِّحَاحِ: ٩٣٢ - قال النبيُّ ﷺ لبلالٍ عندَ صلاة الفجرِ: "يا بلالُ!، حدِّثني بأَرْجَى عمَلٍ عَمِلْتَه في الإِسلامِ؟، فإِني سمعتُ دَفَّ نعليكَ بين يديَّ في الجنةِ"، قال: ما عملتُ عملاً أَرْجَى عندِي إلا أني لم أتَطَهَّرْ طُهُورًا في ساعةٍ من ليلٍ ولا نهارٍ إلا صلَّيتُ بذلكَ الطُّهور ما كُتِبَ لي أنْ أُصَلِّيَ. "عند صلاة الفجرِ" يحتملُ أن تكونَ هذه الواقعةُ ليلةَ المِعْرَاج، ويحتملُ أن يراه في النوم، أو أراه الله ﵇ في اليقظة. "دَفَّ نَعْلَيك"؛ أي: صوتَ نعليك. قوله: "بين يَدَيَّ"، هذا لا يدلُّ على تفضيلِ بلالٍ على واحدٍ من الصحابة العشرة فضلاً على رسول الله، وإنما مشى بلالٌ بين يديه ﵇ للخِدْمة، كما يسبقُ العبدُ السيدَ في المَشْيِ، وسؤالُه ﵇ بلالاً لُيَطَيبَ قلبَه بكونِه مستحِقًّا للجَنة، وليدومَ على ما عليه من الطاعةِ، وليُظْهِرَ رغبةَ مَنْ سمعَ هذا الحديثَ في الطاعة، وليصيرَ أداءُ الصلاةِ بعد الوضوء سُنَّةً، ويُسمَّى شُكْرَ الوُضوء. "ما كُتِبَ لي"؛ أي: ما قُدِّرَ لي. * * * (صلاة الاستخارة) ٩٣٣ - وقال جابر ﵁: كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنا الاستخارَةَ في الأُمورِ

стр. 810

كما يُعَلِّمُنا السورةَ من القرآنِ يقولُ: "إذا همَّ أحدُكم بالأمرِ فليركعْ ركعتينِ من غيرِ الفَريضةِ، ثم ليقلْ: اللهم إني أَستخيرُكَ بعلمِكَ، وأستقدرُكَ بقُدرتكَ، وأَسألُكَ من فضْلِكَ العظيمِ، فإنك تَقدِرُ ولا أَقدِرُ، وتعلَمُ ولا أعلمُ، وأنتَ علَاّمُ الغيوبِ، اللهم إنْ كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ - ويُسمِّي حاجَتَهُ - خيرٌ لي في دِيْني ومَعاشي وعاقبةِ أمري وآجِلِه فاقدرْه لي ويسِّرْه لي ثم بارِكْ لي فيه، وإنْ كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شرٌّ لي في دِيْني ومَعاشي وعاقبةِ أَمري وآجله فاصرفْهُ عني واصرفني عنه، واقدرْ ليَ الخيرَ حيثُ كانَ ثم أَرْضني به". قوله: "أَسْتَخِيرُك"؛ أي: أطلبُ الخيرَ منك. "وأسْتَقْدِرك"؛ أي: أطلبُ منك أن تُقَدِّرَ لي الخيرَ. قوله: "أن هذا الأمر"؛ أي: الأمر الذي يَقْصِدُه من نكاحٍ، أو مسافرةٍ، أو غيرِها. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٣٤ - قال علي ﵁: ما حدَّثني أحدٌ حَديثًا إلا استحلَفتُه، فإذا حلَفَ لي صدَّقتُه، وحدَّثني أبو بكرٍ الصديقُ ﵁ وصدَقَ أبو بكرٍ - قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما مِن رجلٍ يُذنِبُ ذَنْبًا ثم يقومُ فيتطهرُ، ثم يُصلِّي، ثم يستغفر الله تعالى إلا غفرَ الله لهُ، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ ". قوله: "ثم يستغفر الله"، أنه يتوبُ من ذلك الذَّنْبِ ويعزِمُ على ألَاّ يعودَ إليه، لأنَّ هذا شرطُ التوبةِ والاستغفار. قيل: "الفاحشة" في هذه الآية: الكبائرُ والظلم، ﴿أَوْ ظَلَمُوا﴾: الصغائر،

стр. 811

﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾: أي: ذكروا عذابَ الله وخافُوا منه. وجزاءُ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: ١٣٥] في الآية الثانية، وهو: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٦]. * * * ٩٣٥ - وقال حُذيفة: كانَ النبيُّ ﷺ إذا حَزَبَه أمرٌ صَلَّى. قوله: "إذا حَزَبَه أمرٌ صَلَّى"، (حَزَبَه): أي: نزلَ عليه؛ يعني: أو أُنْزِلَ عليه أمرٌ صلَّى؛ ليسهل ذلك الأمرُ ببركةِ الصلاة. * * * ٩٣٦ - عن بُرَيْدَةَ قال: أصبحَ رسولُ الله ﷺ فَدَعا بلالًا فقال: "بِمَ سَبقتني إلى الجنةِ؟، ما دخلتُ الجنةَ قَطُّ إلا سمعتُ خَشْخَشَتَكَ أَمامي"، قال: يا رسولَ الله!، ما أَذَّنتُ قَطُّ إلا صليتُ ركعتينِ، وما أَصابني حَدَثٌ قَطُّ إلا تَوضأتُ عندَه، ورأيتُ أن للهِ عليَّ ركعتينِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "بهما". قوله: "بما سبقتني ... " إلى آخره (ما): في (بما) للاستفهام. "خَشْخَشَتَك"؛ أي: حركتك. "ورأيتُ أنَّ لله علي رَكْعتين"؛ أي: ظننتُ أنَّ الله أوجبَ عليَّ رَكعتين. "بهما"؛ أي: بهاتين الخَصْلَتين دخلتَ الجَنَّة. * * * ٩٣٧ - عن عبدِ الله بن أبي أَوْفَى قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كانتْ له حاجةٌ إلى الله تعالى، أو إلى أحدٍ مِن بني آدمَ فليتَوضأ فليُحسنِ الوُضوء، ثم

стр. 812

ليُصلِّ ركعتينِ، ثم ليُثنِ على الله، وليُصلِّ على النبيِّ ﷺ ، ثم ليقلْ: لا إلهَ إلا الله الحليمُ الكريمُ، سُبحانَ الله ربِّ العرشِ العظيم، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، أَسألُكَ مُوجباتِ رحمتِكَ، وعزائمَ مغفرتِكَ، والغنيمَةَ مِن كلِّ برٍّ، والسَّلامةَ مِن كل إثْمٍ، لا تَدع لي ذنبًا إلا غَفرتَهُ، ولا همَّاً إلا فرَّجتَهُ، ولا حاجةً هي لك رِضًا إلا قضيتَها يا أرحمَ الراحمين"، غريب. قوله: "أسألك مُوْجِباتِ رَحْمَتِك"؛ أي: الأفعالَ والأقوالَ والصِّفاتِ التي تحصلُ رحمتُك لي بسببها. "وعزائم مغفرتك"، (العزائمُ): جمع عزيمة، وهي الخَصْلَة التي يَعْزِمُها الرجُل؛ أي: يقصِدُها، مِن قَصْدِ القلب والجِدِّ فيه؛ يعني أسألكَ الخِصالَ التي تَحْصُلُ مغفرتُك لي بسببها. "والغنيمة من كل بر"؛ أي: أسألُك أن تعطيَني نصيبًا تامًا من الخيرات. "لا تدع"؛ أي: لا تتركْ. "الهَمُّ": الغمُّ، "فَرَّجَ" تفريجًا: إذا زال الغَمُّ. "رضا"؛ أي: مُرضيًا؛ أي: كلُّ حاجةٍ وشغلٍ من حوائجي واشتغالي هو مرضيٌّ لك فاقضه. * * * ٣٩ - باب صلاة التَّسْبيح (صلاة التسابيح) ٩٣٨ - عن ابن عباس ﵄: أن النبيَّ ﷺ قالَ للعباسِ بن عبدِ المطلبِ:

стр. 813

"يا عَمَّاهُ، ألا أُعلِّمُكَ، ألا أَمنَحُكَ، ألا أَفعلُ بكَ عشرَ خصالٍ إذا أنتَ فعلتَ ذلكَ غُفِرَ لكَ ذنبُك أولُه وآخرُه، خَطَؤه وعَمْدُه، صغيرُه وكبيرُه، سِرُّه وعلانيتُه: أن تُصلِّي أربعَ ركعاتٍ تقرأُ في كلِّ ركعةٍ فاتحةَ الكتابِ وسورةً، فإذا فرغتَ من القراءةِ قلتَ وأنتَ قائمٌ: سُبحانَ الله، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا الله، والله أكبرُ خمسَ عشرةَ مرةً، ثم تركعُ فتقولُها عشرًا، ثم ترفعُ رأْسَك من الركوعِ فتقولُها عشرًا، ثم تَهوي ساجدًا فتقولُها عشرًا، ثم ترفعُ رأسَك من السجودِ فتقولُها عشرًا، ثم تَسْجُدُ فتقولُها عَشرًا، ثم ترفَعُ رأسك مِنَ السجودِ فتقولُها عشرًا قبل أن تقومَ، فذلك خمسٌ وسبعونَ في كلِّ ركعةٍ، إنِ استطعتَ أن تُصلِّيَها في كل يومٍ مرةً فافعلْ، فإن لم تفعلْ ففي كل جمعةٍ، فإن لم تفعلْ ففي كل شهرٍ فإن لم تفعلْ ففي كل سَنةٍ، فإن لم تفعل ففي عمُرِكَ مرةً". قوله: "يا عمَّاه! ألَا أعلِّمُكَ، أَلَا أَمْنَحُك"، هذا الحديث قد سَقَطَتْ ألفاظُه في كتاب "المصابيح" من الناسخ، ولفظهُ ما أوردناه هنا. (الهاء) في (عمَّاه) هاءُ السكت، وهاءُ الندبة لتعظيم النداء، وهي ساكنة. "أَمْنَحُكَ"؛ أي: أُعْطِيكَ، كرَّر هذه الألفاظَ لتعظيم هذه الصلاةِ، وهذا التعليمُ في خاطرِ عباس، ولا بدَّ من إضمار، والتقدير: ألَا أُعلِّمُكَ شيئًا يكفِّرُ عشرةَ أنواعِ ذُنوبك، وهي أولُه وآخرُه، قديمه وحديثه إلى آخرِ الخِصَال، والمراد بالخِصَال الأنواعُ المذكورة. قوله: "إذا أنت فعلت ذلك"، هذا شرحُ ما قال ﷺ : إذا أنت فعلت ما أعلمك غفر الله كل أنواع ذنوبك، عشر خصال. قوله: "سره وعلانيته"، يجوزُ بالنَّصْبِ على تقديرِ: عَدَّ رسول الله ﷺ عشرَ خِصَال، ويجوز بالرفع على تقدير هذه عشرُ خِصَال.

стр. 814

٩٣٩ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ أولَ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامةِ من عملِه صلاتُه، فإنْ صَلَحَت فقد أَفْلَحَ وأَنْجَحَ، وإن فَسَدَت فقد خابَ وخَسِرَ، فإن انتقَصَ من فَريضَتِه شيءٌ قال الرب ﵎: انظُروا هل لعبدي من تطوُّعٍ؟، فيُكَمَّلُ بها ما انتقصَ من الفَريضةِ، ثم يكونُ سائرُ عَمَلِهِ على ذلك". وفي روايةٍ: "ثم الزكاةُ مثل ذلك، ثم تُؤْخذُ الأَعمالُ على حسبِ ذلك". "أَفْلَحَ وأَنْجَحَ"، يأتي لازمًا ومتعدِّيًا وهنا لازمًا؛ أي: صارتْ حاجته، ومراده نافذًا. "وإن فَسَدَتْ"؛ أي: وإن لم يؤِّد جميعَ فرائضِ الصلاةِ، أو أدَّاها غيرَ صحيحة. "خاب"؛ أي: صار محرومًا عن الفوز والخلاص قبل العذاب. قوله: "ثم يكونُ سائرُ عَمَلِه على ذلك"؛ يعني كذلك الصوم، إن تركَ شيئًا من الصيام الواجِب يؤخذ بدلَه ما صام من السُّنَّة والنوافل، وإن ترك شيئًا من الزكاة يؤخذ بدلَها ما أعطى من الصدقات. قوله: "ثم تؤخَذُ الأعمالُ على حسب ذلك"؛ أي: على هذا المثال، يعني: من كان عليه حقٌّ لأحدٍ يؤخَذ من أعمالِه الصالحةِ بقدرِ ذلك الحقِّ، ويدفَع إلى صاحب الحَقِّ. * * * ٩٤٠ - وعن أبي أُمامة ﵁ أنه قال: قال النبيَّ ﷺ : "ما أذِنَ الله لعبدٍ في شيءٍ أفضلَ من ركعتينِ يُصليهِما، وإنَّ البرَّ ليُذَرُّ على رأسِ العبدِ ما دامَ في صلاتِهِ، وما تَقَرَّبَ العبادُ إلى الله تعالى بمثْلِ ما خرجَ منهُ"، يعني: القرآن.

стр. 815

قوله: "ما أَذِنَ الله لعبدٍ في شيءٍ أفضلَ من رَكْعتين يصلِّيهما"؛ يعني: أفضلُ العباداتِ الصلاةُ. "وإن البرَّ لَيُدَرُّ": بالدال غير المعجمة؛ أي: وإن الرحمة والثواب لينزل على المصلِّي، ويجوز (ليَذُرُّ) بالذال المعجمة وضمِّها، ومعناه: يَنْشُر. قوله: "بمثلِ ما خَرَجَ منه"؛ أي: بمثل قراءة القرآنِ؛ يعني: قراءةُ القرآن أفضلُ من الذِّكْر، لأن القرآنَ كلامُ الله تعالى، وفيه المواعظُ والحِكَمُ والاعتبارات، وغيرُ ذلك من الفوائدِ التي لا يمكنُ إحصاؤها. وقد جاءَ في الحديثِ أنَّ القارئَ يُعطي بكلِّ حرفٍ عشرَ حَسَناتٍ، ولأنَّ القيامَ والمداومةَ بالقرآن سببُ بقاءِ القرآنِ بين الناس، وبقاءُ القرآن بقاءُ الدِّين، ولا شكَّ أن السَّاعِيَ في شيءٍ فيه بقاءُ الدِّين أفضلُ مِن غيره. * * * ٤٠ - باب صلاة السَّفَر (باب صلاة المسافر) مِنَ الصِّحَاحِ: ٩٤١ - قال أنس ﵁: إنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى الظُّهرَ بالمدينةِ أربعًا، وصلى العصرَ بذي الحُلَيْفَةِ ركعتينِ. قوله: "صلَّى الظُّهرَ بالمدينة أربعًا ... " إلى أخره. "وصلَّى العَصْرَ بذي الحُلَيفة ركعتين"، (ذو الحُلَيفة): ميقاتُ أهلِ المدينة؛ يعني: صَلَّى الظُّهْرَ بالمدينة اليومَ الذي أرادَ الخروجَ إلى مكةَ للحجِّ

стр. 816

أربعَ رَكَعات، وإذا خرجَ من المدينة ووصلَ إلى ذي الحُلَيفة صلَّى العَصْرَ رَكْعَتين؛ لأنه كان في السفر، ويجوزُ قَصْرُ الظُّهْر والعَصْر والعِشَاء في السَّفَر. * * * ٩٤٢ - قال حارثة بن وَهْب الخُزاعي: صلَّى بنا النبيُّ ﷺ ونحنُ أكثرُ ما كنَّا قطُّ وآمَنُه بِمِنى، ركعتينِ ركعتينِ. قوله: "ما كُنَّا قَطُّ"، (ما) في: (ما كنا) مصدرية، ومعناها الجمعُ؛ لأنَّ ما أضيفَ إليه (أفعلُ) التفضيل يكون جمعًا؛ يعني: أكثرُ أكواننا في سائر الأوقات عددًا. قوله: "وآمَنُه"، الضميرُ فيه يرجِعُ إلى (ما)؛ أي: أكثرُ أَمْنًا ممَّا كنَّا في سائر الأوقات؛ يعني: قَصْر الصلوات في السفر لا يختصُّ بالخوف، بل يجوزُ من غيرِ خَوْفٍ. وشرحُ هذا الحديثِ في الحديثِ الذي بعدَه. * * * ٩٤٣ - وقال يَعْلى بن أُميَّة: قلت لعُمر بن الخطاب ﵁: إنما قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾، فقد أمِنَ الناسُ؟، قال عمر: عَجِبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسولَ الله ﷺ ؟ فقال: "صدقةٌ تصدَّقَ الله بها عليكم، فاقبلوا صَدَقَتَه". قوله: "إنما قال الله: أنْ تَقْصُرُوا من الصَّلاة ... " إلى آخره؛ يعني: شَرْطُ قَصْرِ الصلاةِ في السفر عند خوفِ المسلمين من الكُفَّار، ثم جَوَّزَ لهم القَصْرَ عند الأمنِ أيضًا تَفَضُّلاً منه تعالى على عباده.

стр. 817

قوله: "فاقبَلُوا صَدَقَتَه"؛ أي: اعملوا له برُخْصَته، وقابلوا فَضْلَه بالشُّكْر. * * * ٩٤٤ - وقال أنس: خرجْنا مع النبيُّ ﷺ مِن المدينةِ إلى مكةَ، فكانَ يُصلي ركعتينِ ركعتينِ، حتى رجعْنا إلى المدينةِ، قيل له: أَقَمتم بمكةَ شيئًا؟، قال: أَقمنا بها عشرًا. قوله: "أقمنا بها عشرًا"؛ أي: عشرَ ليالٍ، ومذهبُ الشافعيِّ ﵁: أن الرجلَ المسافرَ إذا لَبثَ ببلدٍ ولم يَنْوِ الإقامة، وعَزَمَ على الخروج كلَّما انقضى شغلُه = جاز له القَصْرُ إلى ثمانيةَ عشرَ يومًا، وإن نوى الإقامةَ أربعةَ أيام فصاعدًا أتَمَّ. وقال أبو حنيفة: جاز له القَصْرُ ما لم يَنْوِ الإقامةَ خمسةَ عشرَ يومًا. * * * ٩٤٥ - وقال ابن عباس ﵄: أقامَ النبيُّ ﷺ بمكةَ تسعةَ عشرَ يومًا يُصلي ركعتينِ. قوله: "أقام النبي ﷺ بمكةَ تسعةَ عشرَ يومًا يُصَلِّي رَكْعتين"، (أقام): معناه: لَبثَ لشغلٍ على عَزْمِ الخروجِ متى انقضى شغلُه، وبها قال الشافعي في أحدِ أقواله. * * * ٩٤٦ - وقال حَفْص بن عاصم: صَحِبتُ ابن عمرَ في طريقِ مكةَ، فصلَّى لنا الظهرَ ركعتينِ، ثم جاءَ رَحْلَهُ وجلسَ، فرأَى ناسًا قيامًا فقال: ما يصنعُ هؤلاءِ؟، قلتُ: يُسبحون، قال: لو كنتُ مسبحًا أَتممتُ صلاتي، صحبتُ

стр. 818

رسولَ الله ﷺ ، فكانَ لا يزيدُ في السَفرِ على ركعتينِ، وأبا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ ﵃ كذلك. قوله: "فرأى ناسًا قيامًا"، (قيام): جمع قائم. "يسبحُون": أي: يُصَلُّون السُّنَّةَ والنافلة. * * * ٩٤٧ - وقال ابن عباس ﵄: كان رسولُ الله ﷺ يجمعُ بينَ صلاةِ الظُّهر والعصرِ إذا كانَ على ظَهرِ سَيْرٍ، ويجمعُ بينَ المغربِ والعشاءَ، رواه ابن عمر، وأنسٌ، ومعاذ. قوله: "إذا كان على ظَهْرِ سَيْرٍ"؛ أي: إذا كان في السَّفَر تارةً ينوي تأخيرَ الظُّهْرِ ليصلِّيَها في وقتِ العَصْر، وتارةً يُقدِّمُ العَصْرَ إلى وقت الظُّهرِ ويؤدِّيها بعد الظُّهْر، وكذلك المغرب والعشاء. * * * ٩٤٨ - قال ابن عمر ﵁: كانَ النبيُّ ﷺ يُصلِّي في السَّفَر على راحلتِه حيثُ توجَّهَتْ بهِ، يومئُ إيماءَ صلاةِ الليلِ إلا الفرائضَ، ويُوتِرُ على راحلتِهِ. قوله: "يصلي في السَّفَر على راحلتِه حيث توجَّهَتْ به، يومِئُ إيماء"؛ يعني يجوزُ أداءُ السُّنةِ والنافلةِ مستقبلًا الطريقَ، راكبًا وماشيًا، يشير بالركوع والسجود، في السفر الطويل والقصير، فإن كان ماشيًا أو على دابة يسهلُ توجيهُها إلى القِبْلَة يلزمُه أن يستقبلَ القِبلةَ عند افتتاح الصلاة، ثم يستقبل الطريقَ ويُتِمُّ الصَّلاة.

стр. 819

وقال أبو حنيفة: لا يجوزُ أداءُ الوِتْرِ إلا مستقبلَ القِبْلَة، وهذا لأنَّ الوِتْرَ عنده واجبٌ. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٤٩ - قالت عائشة ﵂: كلُّ ذلكَ قد فعلَ رسولُ الله ﷺ ، قَصَرَ الصلاةَ وأتمَّ. قوله: "قَصَرَ الصلاة وأَتَمَّ"؛ يعني: كان رسول الله ﵇ يَقْصُرُ الصلاةَ في الرباعية في السَّفر ويُتِمُّها، فهذا مُستَنَدُ الشافعيِّ، فإنه يجوزُ القَصْرُ والإتمامُ في السفر، ولا يجوزُ الإتمامُ عند أبي حنيفة. * * * ٩٥٠ - قال عِمْران بن حُصَين: غزَوتُ مع النبيِّ ﷺ وشهدتُ معه الفتحَ، فأقامَ بمكةَ ثماني عشرةَ ليلةً لا يُصلي إلا ركعتينِ، يقول: "يا أهلَ البلدِ، صلُّوا أربعًا فإنَّا سَفْرٌ". قوله: "فإنا سَفْرٌ"، السَّفْرُ بسكون الفاء: المسافرون. * * * ٩٥١ - وقال ابن عمر ﵁: صلَّيتُ معَ النبيِّ ﷺ الظُّهرَ في السفَرِ ركعتينِ، وبعدَها ركعتينِ، والعصرَ ركعتينِ، ولم يُصلِّ بعدَها، والمغربَ ثلاثَ ركعاتٍ وبعدَها ركعتينِ. قوله: "وبعدها ركعتين"، أراد بالرَّكْعتين هنا: سُنَّةَ الظُّهر.

стр. 820

٩٥٢ - وعن مُعاذ بن جبَل ﵁: أنَّ رسولَ ﷺ كَانَ في غزوةِ تَبُوكَ إذا زاغتْ الشمسُ قبلَ أن يرتحِلَ جمعَ بينَ الظُّهرِ والعصرِ، وإنْ تَرَحَّل قبلَ أن تَزيغَ الشمسُ أَخَّرَ الظهرَ حتى ينزلَ للعصرِ، وفي المغربِ مثْلَ ذلكَ، إن غابَت الشمسُ قبلَ أن يرتحِلَ جمعَ بينَ المغربِ والعشاءِ، وإنِ ارتحَلَ قبلَ أن تغيبَ الشمسُ أخَّرَ المغربَ حتى ينزِلَ للعشاءِ، ثم جمعَ بينهما. قوله: "قبلَ أنْ تزيغَ الشمسُ آخرَ الظُّهْر"، زاغَ يَزيغُ: إذا مال؛ يعني: إذا زالت ودخلَ وقتُ الظُّهْرِ، وهو في منزلٍ يُصَلِّي العصرَ في وقت الظهرِ، وإن كان في وقت الظهرِ في السَّير يؤخرُ الظهرَ إلى وقت العَصْر. * * * ٩٥٣ - عن أنس ﵁: أن رسولَ الله ﷺ كانَ إذا سافرَ وأرادَ أنْ يتطوعَ استقبلَ القِبْلةَ بناقتِهِ، فكبَّرَ ثم صلَّى حيثُ وَجَّهَهُ رِكابُه. قوله: "وجهه ركابه"؛ أي: استقبلَ الطريقَ الذي ذهبَ به مركوبُه. * * * ٩٥٤ - وعن جابر ﵁ قال: بعثني رسولُ الله ﷺ في حاجةٍ فجئتُ وهو يُصلي على راحلتِهِ نحوَ المشرقِ، ويجعلُ السجودَ أخفضَ من الركوعِ. قوله: "نحو المَشْرِق"؛ يعني: كان طريقُه إلى جانب المَشْرِق، يُصَلِّي النافلةَ متوجِّهًا إلى طريقه. * * *

стр. 821

٤١ - باب الجُمُعة (باب الجمعة) مِنَ الصِحَاحِ: ٩٥٥ - عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "نحنُ الآخِرون السابقون يومَ القيامةِ بَيْدَ أنهم أُوتوا الكتابَ من قبلِنا، وأُوتيناهُ من بعدِهم، ثم هذا يومُهم الذي فُرِضَ عليهم - يعني الجمعةَ - فاختلَفوا فيه، فهدَانا الله له، والناسُ لنا فيه تَبَعٌ، اليهودُ غدًا والنَّصارى بعدَ غدٍ". وفي روايةٍ: "نحن الآخِرون الأَوَّلون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة". وفي روايةٍ: "نحن الآخِرونَ مِن أهلِ الدُّنيا، والأولونَ يومَ القيامةِ المَقْضيُّ لهم قبلَ الخلائِق". "نحن الآخرون"؛ أي: نحن آخِرُ الأنبياءِ في الدنيا، ولكن نَسْبقُهم في الآخرة. "بَيْدَ أَنَّهم"؛ أي: غيرَ أنهم؛ يعني: نحن السابقون على الأنبياء والأممِ في الآخرة، غيرَ أن الأنبياءَ كانوا في الدُّنيا قبلَنا، وبُعِثُوا وأُوتوا الكتاب قبلَنا. وقيل: معنى (بَيْدَ أنهم)؛ أي: معَ أنهم. قوله: "هذا يومُهم الذي فُرِضَ عليهم"؛ يعني فَرَضَ الله على اليهودِ والنَّصَارى أن يُعَظِّمُوا يومَ الجمعةِ بالطاعة، فقالت اليهود: اليومُ الذي فَرضَ الله علينا أن نعظِّمَ ربنا فيه هو يومُ السبتِ؛ لأنَّ الله تعالى فَرَغَ في هذا اليومِ من خَلْقِ المخلوقاتِ، فنحن نتفرَّغُ من الاشتغال، ونَشْتغِلُ بالعبادةِ فيه.

стр. 822

وقالت النصارى: بل هو يومُ الأَحد؛ لأن الله ابتدأَ بخلقِ المخلوقاتِ فيه، فهو أَولى بالتعظيم، فوفَّق الله أمةَ محمد ﷺ ليومِ الجُمُعَة. قوله: "والناسُ لنا فيه تَبَعٌ"؛ يعني: نحن اختْرنا يومَ الجمعة، واليهودُ بعدها يومَ السبت، والنصارى بعدَ يومِ اليهود، وهو يومُ الأحد. قوله: "المَقْضيُّ لهم"؛ يعني: أولُ مَن يُحاسَبُ يوم القيامة أُمَّتي. رواه أبو هريرة بعباراتٍ مختلفة. * * * ٩٥٦ - وقال: "خيرُ يومٍ طَلَعَتْ عليهِ الشمسُ يومُ الجمُعةِ، فيهِ خُلِقَ آدمُ، وفيه أُدخِلَ الجنةَ، وفيه أُخرجَ منها، ولا تقومُ الساعةُ إلا في يومِ الجمُعةِ". قوله: "وفيه أُدْخِلَ الجَنَّة، وفيه أُخْرِجَ منها، ولا تقومُ الساعةُ إلا في يومِ الجمعة"، فإن قيل: دخولُ آدمَ الجنةَ حسنٌ وخيرٌ له، وأما خروجُه منها غيرُ حَسَنٍ، وليس فيه خيرٌ له، بل هو شرٌّ له، فكيف يكونُ يومُ الجمعةِ مبارَكًا إذا حصلَ لآدمَ فيه شرٌّ؟ قلنا: في الحقيقة خروجُ آدمَ من الجنة عَيْنُ المصلحةِ والخَير؛ لأنه بواسطة إقامته في الأرض حصلَ منه أولادٌ كثيرة، ونَسْلٌ عظيم، وبعثَ الله الأنبياءَ من نَسْلِه على ذُرِّيته، وأنزلَ فيهم الكتبَ الشريفةَ العظيمةَ، وجَعلَ منهم الأخيارَ والأبرارَ، وظهرَ منهم عباداتٌ مُرْضيةٌ لله تعالى، وكلُّ ذلك خير. رواه أبو هريرة. * * * ٩٥٧ - وقال: "إن في الجمُعةِ لساعةً لا يوافِقُها مسلمٌ يسألُ الله فيها خيرًا

стр. 823

إلا أَعطاهُ إيَّاهُ قال: وهي ساعةٌ خفيفةٌ". وفي روايةٍ: إلا يوافِقُها مسلمٌ قائمٌ يُصلِّي يَسألُ". قوله: "إن في الجمعة لساعةً لا يوافقها مسلمٌ يسألُ الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه"؛ يعني: فيها ساعةٌ شريفةٌ يستجابُ فيها الدعاءُ، وهي غير معلومةٍ، والحِكْمَةُ في إخفائِها ليشتغِلَ الناسُ بالعبادِة والدعاءِ في جميعها رجاءَ أن يوافِقَ دعاؤُهم تلك الساعةَ. * * * ٩٥٨ - قال أبو موسى: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "هي ما بينَ أَنْ يجلِسَ الإمامُ إلى أنْ تُقْضَى الصلاةُ". قوله: "وهي ما بينَ أن يَجْلِسَ الإمامُ إلى أن يقضيَ الصلاةَ"؛ يعني: الساعةُ الشريفةُ ما بين أن يَجْلِسَ الخطيبُ بينَ الخُطْبتين إلى أن يَفْرُغَ من صلاة الجمعة، ويحتملُ أن يريدَ بالجلوسِ هنا صعودَ الخطيبِ المِنْبَرَ. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ يومٍ طلَعتْ عليهِ الشمسُ يومُ الجمعةِ، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه أُهبطَ، وفيه ماتَ، وفيه تِيْبَ عليه، وفيه تَقومُ الساعةُ، وما من دابةٍ إلا وهي مُسِيخَةٌ يومَ الجمعةِ، من حينَ تُصبحُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ شفقًا من الساعةِ إلا الجنُّ والإِنسُ، وفيه ساعةٌ لا يصادفها عبدٌ مسلمٌ وهو يُصلي يسألُ الله شيئًا إلا أعطاهُ إياه. وقال أبو هريرةَ ﵁: لقِيتُ عبدَ الله بن سلامٍ، فحدَّثتُه فقال عبدُ الله بن

стр. 824

سَلامٍ: قد علمتُ أيَّةَ ساعةٍ هي، هي آخرُ ساعةٍ في يومِ الجمعةِ، قال أبو هريرةَ: كيفَ تكونُ آخرَ ساعةٍ في يومِ الجمعةِ وقد قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يُصادِفُها عبدٌ مسلمٌ وهو يصلي، وتلكَ ساعةٌ لا يُصلَّى فيها؟ "، فقال عبدُ الله ابن سلام: ألم يَقُلْ رسولُ الله ﷺ : "مَن جَلَسَ مجلِسًا ينتظرُ الصلاةَ فهو في الصلاةِ"؟، قال أبو هريرةَ ﵁: بلى، قال: فهو ذاك. قوله: "وفيه أُهْبطَ"؛ أي: أُسْقِطَ وأُخْرِجَ من الجنة إلى الأرض. "تيب عليه"؛ أي: قُبلَتْ توبتُه. "مُسِيخَةٌ"، بالسين؛ أي: مستمعةٌ منتظِرةٌ لقيام الساعةِ من بينِ الصبحِ إلى طلوعِ الشمس؛ لأن القيامةَ تَظْهَرُ يومَ الجمعة بين الصبح وطلوعِ الشمس. يعني: ألهمَ الله جميعَ الدوابِّ أنَّ يومَ القيامةِ يقومُ يومَ الجمعةِ بينَ الصبحِ وطلوعِ الشمسِ، ينتظرونها كلَّ جمعةٍ، وأخفاها عن الجِنِّ والإنس؛ لأنهم مأمورون بالإيمان بالغَيْبِ، ولو عَلِمُوا متى تكونُ القيامةُ لم يكنْ إيمانُهم بالغيب، ولأنهم لو علموا متى تكون القيامةُ تَنغَّصَ عليهم عيشُهم، ولم يُحَصِّلُوا من القوتِ ما يعيشون به. "شَفَقًا"؛ أي: خوفًا من القيامة. قوله: "لا يُصَادِفُها"؛ أي: لا يوافِقُها. "فحَدَّثْتُه"؛ أي: فقلتُ له: إنَّ رسول الله ﵇ قال: "إنَّ في يوم الجمعة لساعةً يُستجابُ فيها الدعاءُ"، قال عبد الله بن سَلَام: عرفتُ تلك الساعةَ. * * * ٩٦٠ - قال أنس: عن النبي ﷺ قال: "التمِسُوا الساعةَ التي تُرجى في يومِ

стр. 825

الجمُعةِ بعدَ العصرِ إلى غَيبوبةِ الشَّمسِ". قوله: "التمسوا الساعة"؛ أي: اطلُبوا. "ترجى"؛ أي: تُطمَعُ إجابةُ الدعاءِ فيها. * * * ٩٦١ - وقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ مِن أفضلِ أيَّامِكم يومَ الجمعةِ، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه قُبضَ، وفيه النفخةُ، وفيه الصعقةُ، فأكثِروا عليَّ من الصلاةِ فيه، فإنَّ صَلاتَكُمْ معروضَةٌ عليَّ"، قالوا: يا رسولَ الله!، كيفَ تُعْرَضُ عليكَ صلاتُنا وقد أَرَمْتَ؟ - يقولون: بليتَ - فقال: "إن الله تعالى حرَّمَ على الأرضِ أجسادَ الأنبياءِ". قوله: "وقد أَرَمْتَ"؛ معناه: بَلِيتَ، وأصلُه: أَرْمَمْتَ، فنُقِلَت فتحةُ الميم الأُولى إلى الراء، وحُذِفَت إحدى الميمين. قوله: "يقولون: بليتَ"، يعني: الراوي، معناه: بليت. * * * ٩٦٢ - وعن أبي هريرة ﵁: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾: يومُ القيامةِ، واليومُ الـ ﴿مَشْهُودٍ﴾: يومُ عرفةَ، و ﴿الشاهد﴾: يومُ الجمعةِ، وما طلعَت الشمسُ ولا غَربت على يومٍ أفضلَ منه، فيه ساعةٌ لا يوافِقُها عبدٌ مؤمنٌ يدعو الله بخيرٍ إلا استجابَ الله له، ولا يستعيذُ من شيءٍ إلا أعاذهُ منه. غريب. قولُه: " ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾: يومُ القيامة، واليومُ المشهودُ: يومُ عرفة، والشاهد: يومُ الجمعة"، اليوم الموعود، والشاهدُ والمشهودُ المذكوراتُ في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ١ - ٣]،

стр. 826

ومعناه ما ذكرَه رسولُ الله ﵇ في هذا الحديث، والضمير في (منه) راجعٌ إلى يوم الجمعة. * * * ٤٢ - باب وجوبها (باب وجوبها) مِنَ الصِّحَاحِ: ٩٦٣ - قال رسول الله ﷺ : "لَيَنْتَهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجماعاتِ، أو ليختِمنَّ الله على قُلوبهم، ثم لَيكونُنَّ من الغافلين". "عن وَدْعِهم"؛ أي: عن تَرْكِهم، يعني: من خالفَ أمرًا من أوامرِ الله تعالى ورسولهِ يَظْهَر في قلبهِ نكتةٌ سوداء، فإذا تركَ أمرًا تظهر نكتةٌ أخرى في قلبه، ثم كذلك حتى يسودَّ قلبُه، فإذا اسودَّ قلبُه يغلبُ عليه الفِسْقُ والفجور والغَفْلَةُ والتباعُدُ من رحمةِ الله تعالى، فإن تاب؛ فبقدْرِ ما يبُعد عن المعاصي، وتركِ النواهي تزولُ تلك النُّكَت نكتةً بعد نكتةٍ من قلبه حتى ابيضَّ قلبه، ويغلبُ حينئذٍ عليه الصلاحُ والتقوى والقربُ من رحمة الله تعالى. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٦٤ - عن أبي الجَعْد الضَّمْري: أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَن ترَكَ ثلاثَ جُمَعٍ تَهاونًا بها طَبَعَ الله على قلْبهِ". قوله: "تهاوُنًا بها"؛ أي: عن التقصير لا مِن عُذْرٍ.

стр. 827

"طَبَعَ الله تعالى"؛ أي: ختمَ الله، ولم يُعرَفْ لأبي الجَعْد روايةُ حديثٍ غيرِ هذا الحديث، واسم "أبي جَعْد": أَدْرَع بن بكرِ بن عبد مناةَ من بني ضَمْرة. * * * ٩٦٥ - وقال: "مَن تركَ الجمُعةَ من غيرِ عُذْرٍ فليتصدَّقْ بدِينارٍ، فإنْ لم يجدْ فبنصفِ دينارٍ". وقال: "مَن تَرك الجمعةَ من غيرِ عُذْرٍ فليتصدَّقْ بدينار ... " إلى آخره. رواه سَمُرَة بن جندب، هذا التصدُّقُ مستحَبٌّ؛ لرفعِ إثمِ تَرْكِ الجمعة. * * * ٩٦٦ - عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "الجمُعةُ على مَن سَمِعَ النداءَ". قوله: "الجمعة على من سمع النداء"؛ يعني: الجمعةُ واجبةٌ على مَن كان بين وطنِه وبين الموضعِ الذي تُصلَّى فيه الجمعةُ مسافةٌ يسمعُ الأَذان بوطنه من ذلك الموضع. * * * ٩٦٧ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الجمُعةُ على مَن آوَاهُ الليلُ إلى أهلِهِ"، ضعيف. قوله: "الجمعةُ على مَن آواه الليلُ إلى أهلِه"؛ يعني: الجمعةُ واجبةٌ على مَن كان بين وطنِه وبيَن الموضعِ الذي تُصلَّى فيه الجمعةُ مسافةٌ يمكنُه الرجوعُ بعد أداء الجمعةِ إلى وطنِه قبلَ اللَّيلِ، وبهذا قال أبو حنيفة.

стр. 828

وشَرطَ عنده: أن يكونَ خراجُ وطنِ هذا الرجلِ إلى ديوانِ المِصْر الذي يأتيه للجُمعة، فإن كان لوطنه ديوانٌ غيرُ ديوانِ هذا المِصْرِ لم يجبْ عليه الإتيانُ إلى هذا المِصْر للجمعة. * * * ٩٦٨ - وقال: "تَجبُ الجمُعةُ على كل مُسلمٍ إلا امرأةً أو صَبيًا أو مَملوكًا". قوله: "إلا امرأةً أو صبيًا أو مملوكًا"، (إلَاّ) ههنا بمعنى غير، وما بعدَه مجرورٌ، وهو صفة لمسلم؛ أي: كلُّ مسلمٍ غيرِ امرأةٍ أو صبيٍّ أو مملوكٍ. روى هذا الحديث: محمدُ بن كعبٍ عن رجلٍ من بني وائلٍ عن النبي ﵇، ورواه طارق بن شهابٍ عن رسول الله ﵇. وقيل: رأى طارق بن شهاب رسولَ الله ﵇، ولم يسمعْ منه حديثًا. * * * ٤٣ - باب التَّنظيف والتَّبكير (باب التنظيف والتبكير) "التنظيف": التطهيرُ، و"التَّبْكِيرُ": المشيُ في أول النهار. مِنَ الصِّحَاحِ: ٩٦٩ - قال رسول الله ﷺ : "لا يغتسلُ رجلٌ يومَ الجمُعةِ ويتطهَّرُ ما استطاعَ من طُهرٍ، ويدَّهِنُ من دُهْنِهِ أو يَمَسُّ من طِيْبِ بيتِهِ، ثم يخرجُ، فلا

стр. 829

يُفَرِّقُ بين اثنينِ، ثم يُصلي ما كُتِبَ له، ثم يُنْصِتُ إذا تكلَّمَ الإِمامُ إلا غُفِرَ له ما بينَه وبينَ الجمُعةِ الأخرى"، وفي روايةٍ: "وفضْلُ ثلاثةِ أيامٍ". قوله: "ما استطاعَ مِن طُهْرٍ"، أراد بهذا الطُّهْرِ: قصَّ الشاربِ، وقَلْمَ الأظفار، وحَلْقَ العَانة، ونَتْفَ الإبط، وتنظيفَ الثياب. (أو): في "أو يمس": للشكِّ من الراوي، يعني: شكَّ الراوي أن رسول الله ﵇ قال: "ويدَّهن من دُهْنِه"، أو قال: "وَيمَسُّ من طِيبه" ومعنى (الدُّهْن) هنا: الطِّيب. "ولا يُفَرِّقَ بين اثنين"؛ أي: ولا يجلسُ بين الاثنين اللَّذين يجلِسان متقارِبَين بحيث لا يكونُ بينهما موضعُ جلوسِ واحدٍ، ويحتملُ أن يكونَ معناه: ولا يتخطَّى رقابَ الناس. "ما كتب له"؛ أي: ما رزقه الله تعالى مِن صلاةِ السُّنَّةِ والنوافل. "ينصت"؛ أي: يَسْكُت. "إذا تكلم الإمامُ"؛ أي: إذا قرأ الإمامُ الخطبةَ. "وفضل ثلاثةِ أيام"؛ أي: زيادة ثلاثة أيام على سبعةٍ حتى تكون عشرة أيام؛ لأن الحسنةَ بعشرة أمثالها. * * * ٩٧٠ - وقال: "مَنْ مَسَّ الحَصَى فقد لَغَا". قوله: "مَن مسَّ الحَصى فقد لَغَا"؛ يعني: من وضعَ يدَه على حَجَرٍ يومَ الجمعة في المسجِد بطريقِ اللَّعِبِ من غيرِ ضرورة. (فقد لغا): أي: فكأنه تكلَّمَ بلغْوٍ، وقيل: قد مالَ عن الحقِّ إلى الباطل.

стр. 830

٩٧١ - وقال: "إذا كان يومُ الجمعةِ وقفَت الملائكةُ على بابِ المسجدِ يكتبونَ الأولَ فالأول، ومثلُ المُهَجِّر كمثَل الذي يُهدي بدَنةً، ثم كالذي يُهدي بقَرةً، ثم كَبْشًا، ثم دجاجةً، ثم بيضةً، فإذا خرجَ الإِمام طَوَوْا صُحفَهم، ويستمعونَ الذِّكرَ". قوله: "يكتُبون الأولَ فالأولَ"؛ أي: يكتُبون: مَن أتى المسجدَ أولًا ثوابُه أكثرُ من ثوابِ مَن أَتى بعدَه. "المُهَجِّر": الذي يمشي إلى المسجد في أولِ الوقت، (التهجيرُ): المشيُ في وقتِ غايةِ الحرارةِ، يعني: ثوابُ الذَّاهبينَ إلى المسجدِ على هذا التفاوُتِ. "فإذا خرجَ الإمامُ"؛ أي: فإذا صعدَ الخطيبُ المنبرَ تَطوِي الملائكةُ كتبَهم ويَحْضُرون استماعَ الخُطبة؛ يعني: من دخلَ في هذا الوقتِ يكونُ ثوابُه قليلاً، ولا تكتُبه الملائكةُ مِن الذين لهم ثوابٌ كاملٌ. * * * ٩٧٢ - وقال: "إذا قلتَ لصاحِبكَ يومَ الجمعةِ: أَنْصِتْ، والإمام يخطبُ؛ فقد لغَوْتَ". قوله: "إذا قلتَ لصاحبك يومَ الجمعة: أنصتْ، والإمام يخطبُ، فقد لغوتَ"، رواه أبو هريرة، يعني: إذا قلت لمن يتكلَّم: اسكتْ، فقد تكلمتَ. والكلامُ منهيٌّ عنه إما على سبيل الاستحبابِ، أو على سبيل الوجوب على اختلاف القَولين، بل الطريقُ أن تُشيرَ إليه بيدِكَ إذا أَمَرْتَه بالسكوت. * * * ٩٧٣ - وقال: "لا يُقيمَنَّ أحدُكم أخاهُ يومَ الجُمعةِ ثم يخالفُ إلى مَقعدِه

стр. 831

فيقعدَ فيه، ولكنْ يقولُ: افسَحُوا"، رواه ابن عمر. قوله: "لا يُقيَمنَّ أحدُكم أخاه ... " إلى آخره. "المخالفةُ": أن يقومَ كلُّ واحدٍ من الشخصين مَقامَ صاحبه، و (المخالفة): المخاصَمةُ. "يُخالِفُ إلى مقعده": أي: يأخذُ مَكانَه، يعني: لا يُخْرِجُ أحدٌ أحدًا عن مقامه، ثم يقعدُ في مقامه. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٧٤ - قال: "من اغتسلَ يومَ الجمعةِ، ولبسَ من أحسَنِ ثيابهِ، ومَسَّ من طيبٍ إنْ كان عندَه، ثم أَتى الجمُعةَ فلم يتخطَّ أَعناقَ الناسِ، ثم صلَّى ما كَتَبَ الله له، ثم أَنصتَ إذا خرجَ إمامُه حتى يفرُغَ من صَلاتِهِ؛ كانت كفارةً لمَا بينَها وبينَ جُمُعَتِهِ التي قبلَها". قوله: "ولَبسَ من أحسنِ ثيابه ... " إلى آخره. في هذا الحديث: بيانُ كونِ لُبْسِ الثيابِ الحسنةِ، واستعمالِ الطِّيْبِ سُنَّتين، وكونِ وَضْعِ القَدَمِ على رقابِ الناسِ وإيذائهم منهيًّا، وكونِ السكوتِ عند الخطبة حتى يفرُغَ من الصلاة مأمورًا به. * * * ٩٧٥ - وقال رسول الله ﷺ : "من غسَّلَ يومَ الجمُعةِ واغتسلَ، وبَكَّرَ وابتكرَ، ومَشَى ولم يركبْ، ودَنَا من الإِمامِ واستَمعَ ولم يَلْغُ؛ كان له بكلِّ خطوةٍ عملُ سنةٍ: أَجْرُ صيامها، وقيامِها" رواه أَوْس بن أوسٍ.

стр. 832

قوله: "مَن غسَلَ يومَ الجمعة واغْتَسل"؛ (غَسَلَ واغتسل)، رُوِيَ في (غسل) التشديدُ والتخفيف، فبالتشديد معناه: مَن وَطِئَ امرأتَه حتى يكونَ يومُ الجمعة، إذا دخلَ في كثرةِ الناسِ شهوتُه منكسرةٌ، حتى لا ينظرَ بالشهوةِ إلى ما لا يجوزُ النظرُ إليه. ولغةً: (غسَّل) بالتشديد: حَمَلَ أحدٌ أحدًا على الاغتسال، وإذا وَطِئَ امرأتَه فقد حملَها على الاغتسال. وأما بالتخفيف فمعناه: مَنْ غَسَلَ رأسَه بالخِطْمِيِّ وغيرِه، واغتسلَ غُسْلَ الجمعة؛ فإنَّ من غَسَلَ رأسَه واغتسلَ الجمعَة تكون نظافتُه أكثرَ. ومعنى "بَكَّرَ" - بالتشديد -: مشى إلى المسجد في أولِ الوقتِ، ومعنى (ابتكر): استمع الخطبةَ، وهو من الابتكار، وهو لفظُ باكورةِ الثَّمَرة، وهو أولُ ما يبدو ويَطِيبُ من الثمار، ومن حضرَ واستمعَ أولَ الخُطبة فقد وجدَ باكورةَ الخطبة، "ولم يَلْغُ"؛ أي: ولم يَقُلْ لغوًا؛ أي: كلامًا ليس فيه خيرٌ. * * * ٩٧٦ - وقال: "ما على أحدِكم أنْ وجَد أنْ يتخِذَ ثوبَينِ ليومِ الجمُعةِ سِوىَ ثَوْبَي مِهْنتهِ". قوله: "ما على أَحدِكم"؛ أي: لا جناحَ ولا ضررَ على أحدِكم أن يكونَ له لباسٌ حسنٌ خاصةً ليومِ الجمعة. "المهنة": الخِدْمة. ومعنى "ثوبي مهنة": الثيابُ التي تكونُ معه فيه في سائر الأيام. * * *

стр. 833

٩٧٧ - وقال: "احْضُروا الذِّكرَ وادنْوا من الإِمام، فإنَّ الرجلَ لا يَزالُ يتباعدُ حتى يُؤَخَّرَ في الجنَّةِ، وإنْ دخلَها". قوله: "احْضُرُوا الذِّكْرَ"؛ (الذِّكْرُ) ههنا: الخطبة. "يتباعَدُ"؛ أي: يتباعَدُ ويتأخَّرُ من الخيراتِ. * * * ٩٧٨ - وقال: "مَنْ تَخَطَّى رقابَ الناسِ يومَ الجمعةِ اتخذَ جِسْرًا إلى جهنَّم"، غريب. قوله: "اتخذَ جِسْرًا إلى جهنَّمَ"، (الجسرُ): القَنْطَرةُ، يعني: من وضعَ قدمَه على رقابِ الناسِ يومَ الجمعةِ وغيرِها، فكأنه يضعُ قدمَه على قَنْطَرةِ جهنم، يعني: يكونُ إيذاؤُه الناسَ سببًا لدخوله النارَ. وجدُّ معاذٍ: سهلُ بن معاذ الجُهَني. * * * ٩٧٩ - عن مُعاذ بن أنسَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ نَهى عن الحُبْوَةِ يومَ الجمعةِ والإِمامُ يخطبُ. قوله: "نهى عن الحُبْوة"، الحُبْوَة - بضم الحاء وكسرها -: اسمٌ من الاحتباء، وهو أن يجلسَ الرجلُ على مَقْعَدِته، وينصبَ ركبتيه بحيثُ يكونُ أخمصاه على الأرض، ويأخذَ بيدهِ خَلْفَ ركبتيه، أو يشدَّ ظهرَه وساقيه بإزارٍ ونحوِه. ووجهُ النَّهْيِ: إذا جلسَ على هذه الهيئةِ يدخلُ عليه النَّوْمُ، ولا يكون مَقْعَدُه ممكَّنًا على الأرض، فربَّما يخرجُ منه رِيحٌ. * * *

стр. 834

٩٨٠ - وقال: "إذا نعسَ أحدُكم يومَ الجمعةِ فليتحوَّلْ من مَجلِسهِ ذلك". قوله: "فليتحوَّل"؛ أي: فلينتقْل من ذلك الموضعِ إلى موضعٍ آخرَ؛ ليذهبَ عنه النومُ. "نَعِسَ"، أي: نام. * * * ٤٤ - باب الخُطبة والصَّلاة (باب الخطبة والصلاة) مِنَ الصِّحَاحِ: (من الصحاح): ٩٨١ - عن أنس ﵁: أن النبيَّ ﷺ كانَ يُصلِّي الجمُعةَ حينَ تَميلُ الشَّمسُ. قوله: "كان يصلِّي الجمعةَ حتى تميلَ الشمسُ"؛ يعني: في أولِ الوقتِ، فوقتُها وقتُ الظهر. * * * ٩٨٢ - وقال سَهْل بن سَعْد: ما كنَّا نَقِيلُ ولا نتغدَّى إلا بعدَ الجمُعةِ. "نقَيلُ"؛ أي: ننام. "ولا نتغدَّى"؛ أي: فلا نأكلُ، يعني: لا ينامُون ولا يَأْكلُون قبلَ الجمعة، بل يَشْتَغِلُون بالغُسْل، ودخولِ المسجد في أولِ الوقت، ويشتغلون بالطاعة. * * *

стр. 835

٩٨٣ - وقال أنس ﵁: كان النبيُّ ﷺ إذا اشتدَّ البردُ بكَّر بالصلاةِ، وإذا اشتدَّ الحرُّ أَبْرَدَ بالصلاةِ، يعني: الجمعةَ. قوله: "بكر بالصلاة"؛ أي صلَاّها في أولِ الوقت. "أَبْرَدَ بالصلاة"؛ أي: صلَاّها بعد أن وقعَ ظِلُّ الجِدارِ في الطريقِ كي لا يتَأذَّى الناسُ بالشمسِ إذا دخلُوا المسجِدَ. * * * ٩٨٤ - وقال السائب بن يَزيد: كانَ النِّداءُ يومَ الجمعةِ أَوَّلُه إذا جلسَ الإِمامُ على المِنْبرِ، على عهدِ النبيَّ ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعمرَ، فلمَّا كانَ عثمانُ وكَثُرَ الناسُ زادَ النداءَ الثالثَ على الزَّوْرَاءِ. قوله: "كان النداء يومَ الجمعة أَوَّلُه ... " إلى آخره. يعني: كان النداء الأول على عهد رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر ﵄ عند صعودِهم المنبرَ، وهو الأذانُ، ولم يكنْ قبلَ هذا الأذانِ أذانٌ آخر. وأراد بالأذان الثاني الإقامةَ، فأمر عثمان ﵁ أن يؤذَّنَ في أولِ الوقتِ قبلَ أن يَصعَدَ الخطيبُ المنبرَ كما في زماننا؛ ليُعْلِمَ الناسَ بوقت صلاة الجمعة، وهو النداء الثالث. و"الزوراء": اسمُ دارٍ في السوق بالمدينة يقفُ المؤذِّنُ على سَطْحِ هذه الدار. * * * ٩٨٥ - وقال جابر بن سَمُرَة: كانت للنبيِّ ﷺ خُطبتانِ يجلسُ بينَهما يقرأُ القُرآنَ، ويُذَكَّرُ الناسَ، فكانت صلاتُه قَصْدًا، وخُطْبَتُه قَصْدًا.

стр. 836

قوله: "فكانت صلاته قَصْدًا، وخطبته قَصْدًا"، (القَصْدُ): الوَسَطُ، يعني: لم تكن طويلةً، ولا قصيرةً. * * * ٩٨٦ - وقال عمار: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ طُولَ صلاةِ الرجلِ وقِصَرَ خُطبتِهِ مَئِنَّةٌ مِن فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصلاةَ وأقْصُروا الخُطبةَ، وإنَّ من البَيانِ لَسِحرًا". قوله: "وقِصَرَ خُطْبتِه مَئِنَّةٌ مِن فِقْهِ الرَّجُل"، (مَئِنَّةٌ): أي: علامة، يعني: السُّنَّةُ قِصَرُ الخطبة وطولُ الصلاة، فمن فعلَ هذا ففِعْلُه يدلُّ على أنه عالمٌ فقيهٌ بالحديث. وقول جابر: "وكانتْ صلاتُه وخطبتُه قَصْدًا"، ليس معناه أن صلاتَه كانت مثلَ خطبته؛ لأنه حينئذٍ يكونُ بين حديثِ جابرٍ وعَمَّارٍ تضادٌّ، بل معناه: كانت صلاتُه طويلةً، ولكن لم يجاوزْ في الطولِ حَدَّه، بحيث يحصلُ منها مَلالَةٌ، وكانت خطبتُه قصيرةً، ولكن لم تكن في القِصَرِ على حَدِّ النقصان. وفرض الخُطْبَةِ خَمْسٌ: الحمدُ لله، والصلاةُ على رسول الله، والوعظُ بأيِّ لفظٍ كان، فهذه الثلاثةُ فريضةٌ في الخطبتين، والرابع: قراءةُ آيةٍ في الخطبة الأولى، والخامسُ الدعاءُ للمؤمنين في الخطبة الثانية. قوله: "وإنَّ من البيانِ لسحرًا"؛ قيلَ: هذا ذمُّ تزيينِ الكلامِ وتغييرِه بعبارةٍ يتحيَّرُ فيه السامِعون، كما أن الناسَ يتحيَّرون بالسحر، والساحرُ يُرِي الناسَ شيئًا بصورةِ شيء، فكما أن السحرَ منهيٌّ، فكذلك تزيينُ الكلامِ بحيث يغلط الناس مَنْهِيٌّ. وقيل: بل هذا مدحُ الفصاحة، يعني: أن الفصيحَ يجعلُ السامعَ مُحِبًا

стр. 837

ومريدًا للآخِرة بوعْظِه الفصيحِ، وكلامِه البليغِ، كما يجعلُه الساحرُ للذي يَرَى سِحْرَه مريدًا له بسحره. * * * ٩٨٧ - وقال جابر: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا خطَبَ احمَرَّتْ عيناهُ، وعَلا صوتُهُ، واشتدَّ غضبُهُ حتى كأنه مُنْذِرُ جيشٍ يقولُ: صَبَّحَكم ومَسَّاكم، ويقولُ: "بُعِثْتُ أنا والساعةَ كهاتَيْنِ"، ويَقْرُنُ بينَ أصبعَيْهِ السَّبَّابَةِ والوُسْطَى. قوله: "كأنه مُنْذِرُ جيش"؛ أي: مَن أخبرَ جيشًا؛ أي: قومًا بأنه قَرُبَ منهم جيشٌ عظيمٌ ليقتلَهم، ويغيرَ عليهم، يَرْفعُ صوتَه، ويَحْمَرُّ وجهُه إذا أخبرهم باقتراب الجيش. وسبب رفعِ صوتِه إبلاغُ صوتِه إلى آذانهم، وتعظيمُ ذلك الخبرِ في خواطرهم، وتأثيرُه فيهم، وكذلك رَفَعَ رسولُ الله ﵇ صوتَه، ويحمرُّ وجهُه إذا أخبرَهم؛ لتأثير وَعْظِه في خواطرِ الحاضرين. قوله: "صَبَّحَكم ومَسَّاكم"، (صَبَّحَكُم)؛ أي: أتاكُم الجيشُ في وقتِ الصَّباح، و (مسَّاكم)، أي: أَتَوكُم في وقتِ المساء، ومَنْ خَوَّفَ أحدًا يقول له هذين اللفظين. يعني: ستأتيكم القيامةُ بغتةَ، كما أن الجيش يأتي القومَ بغتةً في وقتِ الصباح، وهم نائمون غافلون. قوله: "بُعِثْتُ أنا والساعة" برفع (الساعة) على العطف على الضمير في (بُعِثْتُ)؛ يعني: مجيئي وبعثتي إليكم قريبٌ من القيامة، فتنبهوا من نوم الغَفْلَةِ. * * *

стр. 838

٩٨٨ - وقال صَفْوان بن يَعْلَى، عن أبيه: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقرأُ على المِنْبرِ: " ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ". قوله: "ويقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ "!؛ يعني: كان رسول الله ﵇ يقرأ القرآن في الخطبة، ويقرأ آية فيها وعظٌ وتخويفٌ، والضميرُ في ﴿وَنَادَوْا﴾ لأهل جهنم؛ يعني: يقول الكفار لـ (مالك): لِيبينْ ربُّك قَدْرَ لُبْثِنَا في النار؟ فقال لهم مالك: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾؛ أي: لكم لُبْثٌ طويل في النار من غير نهاية. ويعلى هذا: هو يعلى بن أُمية. * * * ٩٨٩ - وقالت أم هشامٍ بنتُ حارثةَ بن النُّعمانِ: ما أَخذتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسانِ رسولِ الله ﷺ يقرؤها كلَّ جمعةٍ على المِنْبرِ إذا خطَبَ الناسَ. قوله: "ما أخذْتُ"؛ أي: ما حفظْتُ، وأرادَتْ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾: أولَ السورة لا جميعها؛ لأن جميعها لم يقرأها رسولُ الله ﵇ في الخطبة. وقيل: في أم هشام: أم هاشم، وهي أنصارية. * * * ٩٩٠ - عن عَمْرو بن حُرَيثٍ: أن النبيَّ ﷺ خطبَ وعليهِ عِمَامةٌ سوداءُ قد أَرْخَى طرفَيْهَا بينَ كَتِفَيْهِ. قوله: "قد أَرْخَى طَرفَيْهَا بين كَتِفَيْه"؛ (أَرْخَى)؛ أي: سَدَلَ وأَرْسَلَ؛

стр. 839

يعني: لُبْسُ الزينة يوم الجمعة سُنَّةٌ، ولُبْسُ العمامة السوداء وإرسال طرفها بين الكتف سُنَّةٌ. * * * ٩٩١ - وعن جابر قال: قال رسولُ الله ﷺ وهو يخطُب: "إذا جاءَ أحدُكم يومَ الجمُعةِ والإمام يخطبُ فليركَعْ ركعتَينِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فيهما". قوله: "فلْيَتَجَوَّزْ"؛ أي: فليُخَفِّفْ، وهاتان الركعتان ينبغي أن يصليهما الرجل بنيَّة سُنَّةِ الجمعة، لا بنية تحية المسجد؛ لأن التحيةَ تحصل بأداء السُّنة، بخلاف العكس. * * * ٩٩٢ - وعن أبي هُريرة ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ أدركَ ركعةً من الصلاةِ مع الإِمام فقد أدركَ الصلاةَ". "فقد أدرك الصلاة"؛ أي: فقد أدرك صلاة الجمعة، يقوم بعد تسليمِ الإمام ويصلي ركعةً. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٩٣ - عن ابن عمر ﵄: كانَ النبيُّ ﷺ يخطبُ خُطبتينِ، كان يجلسُ إذا صَعِدَ المِنْبرَ حتى يفرغَ - أُراه المُؤذِّن - ثم يقومُ فيخطبُ، ثم يجلسُ ولا يتكلمُ، ثم يقومُ فيخطبُ. قوله: "أُراهُ المؤذن"؛ أي: قال الذي سمع هذا الحديث عن ابن عمر: أنَّ

стр. 840

ابن عمر لما قال: (حتى يفرغ): أُرَاه؛ أي: أظنُّ أن ابن عمر قال: حتى يفرغ المؤذن من الأذان. * * * ٩٩٤ - وعن عبد الله بن مَسْعود ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا استَوَى عن المِنبرِ استقبلناهُ بوُجوهِنا. ضعيف. قوله: "إذا استَوَى على المنبر استقبَلْنَاهُ بوجُوهِنا"، (استوى)؛ أي: قام؛ يعني: السُّنة أن يتوجَّهَ القومُ الخطيبَ، والخطيبُ القومَ. * * * ٤٥ - باب صلاة الخَوف (باب صلاة الخوف) مِنَ الصَّحَاحِ: ٩٩٥ - عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵄، عن أبيه، قال: غزوتُ مَع رسولِ الله ﷺ قِبَلَ نجْدٍ، فوازَيْنا العدُوَّ فصَافَفْنَا لهم، فقامَ رسولُ الله ﷺ يُصلي لنا، فقامَتْ طائفةٌ معه وأَقْبَلَتْ طائفةٌ على العدوِّ، وركعَ رسولُ الله ﷺ بمن معَهُ وسجَدَ سجدتَين، ثم انصَرفوا مكانَ الطائفةِ التي لم تُصَلِّ، فجاؤوا فركعَ رسولُ الله ﷺ بهم ركعةً وسَجدَ سجدتَينِ ثم سلَّم، فقامَ كلُّ واحدٍ منهم فركعَ لنفسِهِ ركعتَهُ، وسجدَ سجدتينِ. ورواه نافعٌ، عن عبد الله بن عمر، وزادَ: فإنْ كانَ خَوفٌ هو أَشدُّ من ذلكَ صلَّوا رِجالًا قيامًا على أقدامِهم، أو رُكبانًا مُسْتَقْبلِي القِبْلةِ أو غيرَ مُستقبلِيها.

стр. 841

قال نافع: لا أُرَى عبدَ الله بن عمرَ ذكرَ ذلك إلا عن رسولِ الله ﷺ . قوله: "فوازَيْنَا"؛ أي: فحَاذَيْنا ولاقَيْنا، (المُوَازَاة): المُحَاذَاةُ. "فصافَفْنَا"؛ أي: فوافقنا بالصَفِّ على وجُوهِهِم. "ورَكعَ رسولُ الله ﵇"؛ يعني: صلَّى بِمَنْ معه ركعةً، ومَشَتْ هذه الطائفةُ إلى وَجهِ العدو، ولم تُسَلِّم، ثم جاءت الطائفةُ التي كانت في وجه العدو، واقتدَتْ برسولِ الله ﵇، وصلى بهم الركعة الثانية، وسلَّم رسول الله ﵇، ولم تسلِّمْ هذه الطائفة، وخرجوا إلى وَجْه العدو، وجاءت الطائفة الأولى إلى مكانهم، وصلوا ركعتهم الثانية منفردين أيضًا، وسلَّموا ومضَوا إلى وجه العدو، ثم جاءت الطائفة الثانية وصَلوا ركعتَهم الثانية منفردين أيضًا وسلَّموا، وبهذا قال أبو حنيفة. قوله: "مُسْتَقْبلِي القبلةَ أو غَيْرَ مُسْتقبلِيْها"؛ يعني: فإن اختلط المسلمون والكفار في المحاربة، ولم يمكَّنْ للمسلمين أن يصلوا مستقبلي القبلة بالركوع والسجود، صلوا بالإشارة كيفَ اتَّفَقَ لهم. * * * ٩٩٦ - وعن يَزيد بن رُومَان، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عمَّن صلَّى مع رسولِ الله ﷺ يومَ ذاتِ الرِّقاع صلاةَ الخوفِ: أنَّ طائفةً صَفَّتْ مَعَهُ، وطائفةً وُجاهَ العدوِّ، فصلى بالتي معَه ركعةً ثم ثبتَ قائمًا، وأَتمُّوا لأنفسِهم، ثم انصرفوا فصفُّوا وُجاهَ العدوِّ، وجاءَتْ الطائفةُ الأُخرى فصلى بهم الركعةَ التي بقيَتْ من صلاتِهِ، ثم ثبتَ جالسًا وأَتمُّوا لأنفسِهم ثم سلَّم بهم. ورواهُ القاسمُ، عن صالح بن خَوَّاتٍ عن سهلِ بن أبي حَثْمة ﵁، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 842

قوله: "صلَّى مع رسول الله ﵇ يومَ ذاتِ الرِّقَاع صلاةَ الخوف"، (ذات الرِّقاع): غزوةٌ غزاها رسول الله ﵇ في السَّنة الخامسة من الهجرة، فلَقِيَ المسلمون الكفار، فخافوهم فصلَّى رسول الله ﵇ هذه الصلاة، ثم انصرف المسلمون والكفار، ولم يجرِ بينهم حربٌ. سُمِّيَتْ تلك الغزوة (ذات الرِّقاع)؛ لأن تلك الغزوة كانت بأرضِ كانت ألوانُها مختلفة من سوادٍ وبياضٍ وصفرةٍ وحمرةٍ، كالرِّقَاع المختلفة في الألوان. قوله: "وأَتمُّوا لأنفسهم"؛ أي: صلَّت الطائفة الأولى الركعة الثانية منفردين وَسَلَّمُوا. قوله: "وجاءَتِ الطائفةُ الأخرى وأتمُّوا لأنفسهم"؛ أي: صلوا الركعة الثانية منفردين من غير نِيَّةِ المُفَارقة، ومن غير تسليم، بل جلسوا في التشهد، وسلم رسول الله ﵇ بهم، وبهذه الرواية عمل الشافعي ومالك. * * * ٩٩٧ - قال جابر: أَقْبَلْنا معَ رسولِ الله ﷺ حتى إذا كنا بذاتِ الرِّقاعِ فنُودِيَ بالصلاةِ، فصلى بطائفةٍ ركعتينِ، ثم تأخَّروا، وصلَّى بالطائفةِ الأُخرى ركعتَينِ، فكانَت لرسولِ الله ﷺ أربعَ ركعاتٍ وللقومِ ركعتانِ. قوله: "أقبلنا مع رسول الله ﵇ ... " إلى آخره. هذه الروايةُ مخالفةٌ لِمَا قبلَها مع أنَّ الموضعَ واحدٌ، ويحتمل أن رسول الله ﵇ صلى بهذا المَوْضعِ مرتين؛ مرة كما رواه سَهْلُ بن أبي حَثْمَة وغيره، ومرة كما رواه جابر. * * *

стр. 843

٩٩٨ - عن جابر ﵁ قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ صلاةَ الخوفِ، فَصَفَفْنَا خلْفَهُ صَفَّيْنِ، والعدُوُ بَيْنَنَا وبينَ القِبلةِ، فَكَبَّرَ النبيُّ ﷺ وكبَّرنا جميعًا, ثم ركعَ وركعْنَا جميعًا، ثم رفعَ رأسَه من الركوعِ ورفعْنَا جميعًا، ثم انحدَرَ بالسُّجودِ والصفُّ الذي يليهِ؛ وقامَ الصفُّ المُؤخَّرُ في نَحْرِ العدوِّ، فلما قضَى النبيُّ ﷺ السجودَ وقامَ الصفُّ الذي يليهِ، انحدرَ الصفُّ المؤخَّرُ بالسجودِ ثم قاموا، ثم تقدَّمَ الصفُّ المؤخَّرُ، وتأخَّرَ المُقَدَّمُ ثم ركعَ النبيُّ ﷺ وركعْنَا جميعًا، ثم رفعَ رأسَهُ من الركوعِ ورفعْنَا جميعًا، ثم انحدَرَ بالسجودِ والصفُّ الذي يليهِ، الذي كانَ مُؤَخَّرًا في الركعةِ الأُولى، وقامَ الصفُّ المؤخَّرُ في نحرِ العدوِّ، فلما قضى النبيُّ ﷺ السجودَ والصفُّ الذي يليه؛ انحدرَ الصفُّ المؤخَّرُ بالسجودِ، فسجدوا، ثم سلَّم النبيُّ ﷺ وسلَّمْنَا جميعًا. قوله: "انحدَرَ بالسجود والصفُّ الذي يليهِ"، (الحَدْرُ): السجود؛ أي: نزل، (يَلِيْه)؛ أي: يكونُ أقرب منه. "في نَحْرِ العدوِّ"؛ أي: في إزاء العدو؛ يعني: وقفوا ينظرون إلى العدو كي لا يحمل عليهم العدو. قوله: "ثم تقدَّمَ الصفُّ المُؤَخَّرُ"؛ يعني: تقدم الصَفُّ الآخرُ بخطوة أو خطوتين ووقفوا مكان الصَّفِّ الأول، وتأخرَ الصَّفُّ الأول بخطوة أو خطوتين، ووقفوا مكان الصَّفِّ المتأخر، وإنما فعلوا ذلك؛ لأنَّ النَّوْبَةَ (١) في موافقة النبي ﵇ للصَفِّ المتأخر في الركعة الثانية؛ فينبغي أن يكون أقرب منه من غيرهم. قوله في الركعة الثانية: "ثم ركعَ النبيُّ ﵇"؛ يعني: قامَ وقرأَ

стр. 844

الفاتحةَ والسورةَ ثم رَكَعَ. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٩٩ - عن جابرٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُصلي بالناسِ صلاةَ الظُّهرِ في الخَوفِ ببطنِ نخْلٍ، فصلَّى بطائفةٍ ركعتينِ ثم سلَّم، ثم جاءَ طائفةٌ أخرى فصلَّى بهم ركعتين، ثم سَلَّم. قوله: "فصلى بطائفة ركعتين ... " إلى آخره. هذا الحديثُ يدلُّ على جَوازِ اقتداءِ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ؛ لأنَّ الطائفةَ الثانية كانوا مُفْتَرِضين، ورسولُ الله ﵇ كان مُتنفِّلاً إذا أمَّهم ﵇. * * * ٤٦ - باب صَلاةِ العِيْد (باب صلاة العيد) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٠٠٠ - عن أبي سعيد الخُدري ﵁ قال: كانَ النبيُّ ﷺ يخرجُ يومَ الفِطْرِ والأَضْحى إلى المُصلَّى، فأَولُ شيءٍ يبدأُ به الصلاةُ، ثم ينصرفُ فيقومُ مقابلَ الناسِ والناسُ جلوسٌ على صفوفهم، فَيَعظُهم ويُوصِيهم ويأمُرُهم، وإنْ كانَ يريدُ أن يَقْطَعَ بَعْثًا قطعَهُ، أو يأمر بشيءٍ أَمَرَ به، ثم ينصرفُ. "فأولُ شيءٍ يبدأُ به الصَّلاةُ"، يعني: ليس لصلاةِ العيد قبلَها سُنَّة، ولا بعدها. "أن يَقْطَعَ بَعْثًا"، (البَعْثُ): الجيش؛ يعني: أن يُرسِلَ جيشًا إلى ناحيةٍ أرسَلَهُ.

стр. 845

"أو يأمرُ بشيءٍ"؛ يعني: أو يأمرُ بشيءٍ من أمورِ الناسِ ومصالِحِهِم. * * * ١٠٠١ - عن جابر بن سَمُرَةَ أنه قال: صلَّيتُ مع النبيِّ ﷺ العيدين غيرَ مرةٍ ولا مرتينِ، بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ. قوله: "بغير أذَانٍ ولا إقامة"؛ يعني: لا يُؤذَّنُ لها، ولا يُقَام، بل يُنادى: (الصَّلاةَ جَامِعة)؛ ليجتمع الناس بهذا الصوت. * * * ١٠٠٢ - وقال ابن عمر ﵁: كانَ النبيُّ ﷺ ، وأبو بكرٍ، وعمرَ يُصَلُّونَ العيدينِ قبلَ الخُطبةِ. قوله: "يصلون العيدَيْنِ قبلَ الخُطبة"؛ يعني: الخُطبة في العيد بعد الصَّلاة بخلاف الجمعة؛ لأن خطبةَ الجمعة فريضةٌ، فلو قُدِّمَتِ الصلاة على الخطبة، ربما يتفرق جماعةٌ من الناس إذا صلوا الصلاة، ولا ينتظرون الخطبة، فيأثَموا، وأما خطبة العيد فسُنَّةٌ، فلو صلى بعضُ القوم، ولم ينتظر استماعَ الخطبة، لا إثمَ عليه. * * * ١٠٠٣ - وسُئل ابن عباسٍ ﵄: شهدتَ مع رسولِ الله ﷺ العيدَ؟، قال: نَعَم، خرجَ رسولُ الله ﷺ فصلَّى ثم خَطَبَ، ولم يذكُر أَذانًا ولا إقامةً، ثم أتى النساءَ فَوَعَظَهُنَّ وذَكَّرَهنَّ وأَمَرَهن بالصدقةِ، فرأيتهنَّ يُهْوينَ إلى آذانِهنَّ وحُلوقِهنَّ يدفَعْنَ إلى بلال، ثم ارتفعَ هو وبلالٌ إلى بيتِهِ. قوله: "شَهِدْتَ" همزة الاستفهام منه محذوفةٌ؛ أي: أشَهِدْتَ؛ يعني: أحضَرْتَ.
следующие страницы →