← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قال نافع: لا أُرَى عبدَ الله بن عمرَ ذكرَ ذلك إلا عن رسولِ الله ﷺ . قوله: "فوازَيْنَا"؛ أي: فحَاذَيْنا ولاقَيْنا، (المُوَازَاة): المُحَاذَاةُ. "فصافَفْنَا"؛ أي: فوافقنا بالصَفِّ على وجُوهِهِم. "ورَكعَ رسولُ الله ﵇"؛ يعني: صلَّى بِمَنْ معه ركعةً، ومَشَتْ هذه الطائفةُ إلى وَجهِ العدو، ولم تُسَلِّم، ثم جاءت الطائفةُ التي كانت في وجه العدو، واقتدَتْ برسولِ الله ﵇، وصلى بهم الركعة الثانية، وسلَّم رسول الله ﵇، ولم تسلِّمْ هذه الطائفة، وخرجوا إلى وَجْه العدو، وجاءت الطائفة الأولى إلى مكانهم، وصلوا ركعتهم الثانية منفردين أيضًا، وسلَّموا ومضَوا إلى وجه العدو، ثم جاءت الطائفة الثانية وصَلوا ركعتَهم الثانية منفردين أيضًا وسلَّموا، وبهذا قال أبو حنيفة. قوله: "مُسْتَقْبلِي القبلةَ أو غَيْرَ مُسْتقبلِيْها"؛ يعني: فإن اختلط المسلمون والكفار في المحاربة، ولم يمكَّنْ للمسلمين أن يصلوا مستقبلي القبلة بالركوع والسجود، صلوا بالإشارة كيفَ اتَّفَقَ لهم. * * * ٩٩٦ - وعن يَزيد بن رُومَان، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عمَّن صلَّى مع رسولِ الله ﷺ يومَ ذاتِ الرِّقاع صلاةَ الخوفِ: أنَّ طائفةً صَفَّتْ مَعَهُ، وطائفةً وُجاهَ العدوِّ، فصلى بالتي معَه ركعةً ثم ثبتَ قائمًا، وأَتمُّوا لأنفسِهم، ثم انصرفوا فصفُّوا وُجاهَ العدوِّ، وجاءَتْ الطائفةُ الأُخرى فصلى بهم الركعةَ التي بقيَتْ من صلاتِهِ، ثم ثبتَ جالسًا وأَتمُّوا لأنفسِهم ثم سلَّم بهم. ورواهُ القاسمُ، عن صالح بن خَوَّاتٍ عن سهلِ بن أبي حَثْمة ﵁، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 842

قوله: "صلَّى مع رسول الله ﵇ يومَ ذاتِ الرِّقَاع صلاةَ الخوف"، (ذات الرِّقاع): غزوةٌ غزاها رسول الله ﵇ في السَّنة الخامسة من الهجرة، فلَقِيَ المسلمون الكفار، فخافوهم فصلَّى رسول الله ﵇ هذه الصلاة، ثم انصرف المسلمون والكفار، ولم يجرِ بينهم حربٌ. سُمِّيَتْ تلك الغزوة (ذات الرِّقاع)؛ لأن تلك الغزوة كانت بأرضِ كانت ألوانُها مختلفة من سوادٍ وبياضٍ وصفرةٍ وحمرةٍ، كالرِّقَاع المختلفة في الألوان. قوله: "وأَتمُّوا لأنفسهم"؛ أي: صلَّت الطائفة الأولى الركعة الثانية منفردين وَسَلَّمُوا. قوله: "وجاءَتِ الطائفةُ الأخرى وأتمُّوا لأنفسهم"؛ أي: صلوا الركعة الثانية منفردين من غير نِيَّةِ المُفَارقة، ومن غير تسليم، بل جلسوا في التشهد، وسلم رسول الله ﵇ بهم، وبهذه الرواية عمل الشافعي ومالك. * * * ٩٩٧ - قال جابر: أَقْبَلْنا معَ رسولِ الله ﷺ حتى إذا كنا بذاتِ الرِّقاعِ فنُودِيَ بالصلاةِ، فصلى بطائفةٍ ركعتينِ، ثم تأخَّروا، وصلَّى بالطائفةِ الأُخرى ركعتَينِ، فكانَت لرسولِ الله ﷺ أربعَ ركعاتٍ وللقومِ ركعتانِ. قوله: "أقبلنا مع رسول الله ﵇ ... " إلى آخره. هذه الروايةُ مخالفةٌ لِمَا قبلَها مع أنَّ الموضعَ واحدٌ، ويحتمل أن رسول الله ﵇ صلى بهذا المَوْضعِ مرتين؛ مرة كما رواه سَهْلُ بن أبي حَثْمَة وغيره، ومرة كما رواه جابر. * * *

стр. 843

٩٩٨ - عن جابر ﵁ قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ صلاةَ الخوفِ، فَصَفَفْنَا خلْفَهُ صَفَّيْنِ، والعدُوُ بَيْنَنَا وبينَ القِبلةِ، فَكَبَّرَ النبيُّ ﷺ وكبَّرنا جميعًا, ثم ركعَ وركعْنَا جميعًا، ثم رفعَ رأسَه من الركوعِ ورفعْنَا جميعًا، ثم انحدَرَ بالسُّجودِ والصفُّ الذي يليهِ؛ وقامَ الصفُّ المُؤخَّرُ في نَحْرِ العدوِّ، فلما قضَى النبيُّ ﷺ السجودَ وقامَ الصفُّ الذي يليهِ، انحدرَ الصفُّ المؤخَّرُ بالسجودِ ثم قاموا، ثم تقدَّمَ الصفُّ المؤخَّرُ، وتأخَّرَ المُقَدَّمُ ثم ركعَ النبيُّ ﷺ وركعْنَا جميعًا، ثم رفعَ رأسَهُ من الركوعِ ورفعْنَا جميعًا، ثم انحدَرَ بالسجودِ والصفُّ الذي يليهِ، الذي كانَ مُؤَخَّرًا في الركعةِ الأُولى، وقامَ الصفُّ المؤخَّرُ في نحرِ العدوِّ، فلما قضى النبيُّ ﷺ السجودَ والصفُّ الذي يليه؛ انحدرَ الصفُّ المؤخَّرُ بالسجودِ، فسجدوا، ثم سلَّم النبيُّ ﷺ وسلَّمْنَا جميعًا. قوله: "انحدَرَ بالسجود والصفُّ الذي يليهِ"، (الحَدْرُ): السجود؛ أي: نزل، (يَلِيْه)؛ أي: يكونُ أقرب منه. "في نَحْرِ العدوِّ"؛ أي: في إزاء العدو؛ يعني: وقفوا ينظرون إلى العدو كي لا يحمل عليهم العدو. قوله: "ثم تقدَّمَ الصفُّ المُؤَخَّرُ"؛ يعني: تقدم الصَفُّ الآخرُ بخطوة أو خطوتين ووقفوا مكان الصَّفِّ الأول، وتأخرَ الصَّفُّ الأول بخطوة أو خطوتين، ووقفوا مكان الصَّفِّ المتأخر، وإنما فعلوا ذلك؛ لأنَّ النَّوْبَةَ (١) في موافقة النبي ﵇ للصَفِّ المتأخر في الركعة الثانية؛ فينبغي أن يكون أقرب منه من غيرهم. قوله في الركعة الثانية: "ثم ركعَ النبيُّ ﵇"؛ يعني: قامَ وقرأَ

стр. 844

الفاتحةَ والسورةَ ثم رَكَعَ. * * * مِنَ الحِسَان: ٩٩٩ - عن جابرٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُصلي بالناسِ صلاةَ الظُّهرِ في الخَوفِ ببطنِ نخْلٍ، فصلَّى بطائفةٍ ركعتينِ ثم سلَّم، ثم جاءَ طائفةٌ أخرى فصلَّى بهم ركعتين، ثم سَلَّم. قوله: "فصلى بطائفة ركعتين ... " إلى آخره. هذا الحديثُ يدلُّ على جَوازِ اقتداءِ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ؛ لأنَّ الطائفةَ الثانية كانوا مُفْتَرِضين، ورسولُ الله ﵇ كان مُتنفِّلاً إذا أمَّهم ﵇. * * * ٤٦ - باب صَلاةِ العِيْد (باب صلاة العيد) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٠٠٠ - عن أبي سعيد الخُدري ﵁ قال: كانَ النبيُّ ﷺ يخرجُ يومَ الفِطْرِ والأَضْحى إلى المُصلَّى، فأَولُ شيءٍ يبدأُ به الصلاةُ، ثم ينصرفُ فيقومُ مقابلَ الناسِ والناسُ جلوسٌ على صفوفهم، فَيَعظُهم ويُوصِيهم ويأمُرُهم، وإنْ كانَ يريدُ أن يَقْطَعَ بَعْثًا قطعَهُ، أو يأمر بشيءٍ أَمَرَ به، ثم ينصرفُ. "فأولُ شيءٍ يبدأُ به الصَّلاةُ"، يعني: ليس لصلاةِ العيد قبلَها سُنَّة، ولا بعدها. "أن يَقْطَعَ بَعْثًا"، (البَعْثُ): الجيش؛ يعني: أن يُرسِلَ جيشًا إلى ناحيةٍ أرسَلَهُ.

стр. 845

"أو يأمرُ بشيءٍ"؛ يعني: أو يأمرُ بشيءٍ من أمورِ الناسِ ومصالِحِهِم. * * * ١٠٠١ - عن جابر بن سَمُرَةَ أنه قال: صلَّيتُ مع النبيِّ ﷺ العيدين غيرَ مرةٍ ولا مرتينِ، بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ. قوله: "بغير أذَانٍ ولا إقامة"؛ يعني: لا يُؤذَّنُ لها، ولا يُقَام، بل يُنادى: (الصَّلاةَ جَامِعة)؛ ليجتمع الناس بهذا الصوت. * * * ١٠٠٢ - وقال ابن عمر ﵁: كانَ النبيُّ ﷺ ، وأبو بكرٍ، وعمرَ يُصَلُّونَ العيدينِ قبلَ الخُطبةِ. قوله: "يصلون العيدَيْنِ قبلَ الخُطبة"؛ يعني: الخُطبة في العيد بعد الصَّلاة بخلاف الجمعة؛ لأن خطبةَ الجمعة فريضةٌ، فلو قُدِّمَتِ الصلاة على الخطبة، ربما يتفرق جماعةٌ من الناس إذا صلوا الصلاة، ولا ينتظرون الخطبة، فيأثَموا، وأما خطبة العيد فسُنَّةٌ، فلو صلى بعضُ القوم، ولم ينتظر استماعَ الخطبة، لا إثمَ عليه. * * * ١٠٠٣ - وسُئل ابن عباسٍ ﵄: شهدتَ مع رسولِ الله ﷺ العيدَ؟، قال: نَعَم، خرجَ رسولُ الله ﷺ فصلَّى ثم خَطَبَ، ولم يذكُر أَذانًا ولا إقامةً، ثم أتى النساءَ فَوَعَظَهُنَّ وذَكَّرَهنَّ وأَمَرَهن بالصدقةِ، فرأيتهنَّ يُهْوينَ إلى آذانِهنَّ وحُلوقِهنَّ يدفَعْنَ إلى بلال، ثم ارتفعَ هو وبلالٌ إلى بيتِهِ. قوله: "شَهِدْتَ" همزة الاستفهام منه محذوفةٌ؛ أي: أشَهِدْتَ؛ يعني: أحضَرْتَ.

стр. 846

"يُهْوِيْنَ" بضم الياء الأولى وكسر الواو؛ أي: يَقْصِدْنَ إلى حُلِيهِنَّ من القُرْطِ والقِلادة والعِقْدِ ويَدْفَعْنَهُ إلى بلال ليتصدقَ لهنَّ على الفقراء. "ارتفع"؛ أي: ذهب. * * * ١٠٠٤ - وقال ابن عباس ﵄: إنَّ رسول الله ﷺ صلَّى يومَ الفِطْرِ ركعتينِ لم يُصَلِّ قبْلَها ولا بعدَها. قوله: "صلى يوم الفطر ركعتين لم يصلِّ قبلَهما ولا بعدَهما"؛ يعني: صلاة العيد ركعتان، وليسَ قبلها ولا بعدها سنة. * * * ١٠٠٥ - وقالت أُم عَطيَّة: أُمِرْنَا أنْ نُخرِجَ الحُيَّضَ يومَ العيدينِ وذواتِ الخُدُورِ، فيشهدنَ جماعةَ المُسلمينَ ودعوتَهم، وتعتزلُ الحُيَّضُ عن مُصَلَاّهُنَّ، قالت امرأةٌ: يا رسولَ الله!، إحدانا ليسَ لها جِلْبَابٌ؟، قال: "لِتُلْبسْها صاحبتُها من جِلْبَابها". قوله: "وتعتزل الحُيَّضُ عن مصلاهن"، (الحُيَّضُ): جمع حائض. "الخُدُور": جمع خِدْرٍ وهو الستر، (ذواتِ الخُدُور): النساء اللاتي قلَّ خروجُهُنَّ من بيوتِهن. "يَشْهَدْنَ"؛ أي: يَحْضُرْنَ. "تعتزلُ"؛ أي: تنفصلُ وتقفُ في موضعٍ منفردات؛ يعني: أمرَ رسولُ الله ﵇ بأن تحضرَ جميعُ النساء يومَ العيد المُصَلَّى؛ لِتُصلِّيَ مَنْ ليسَ لها عُذْرٌ، وتَصِلُ بركةَ الدعاء والصلاة إلى مَنْ لها عذر في ترك الصلاة مِنهنَّ، وهذا

стр. 847

ترغيبٌ للناس في حضور الصلاة، ومجالس الذكر، ومقاربة الصلحاء؛ لينالهم بركتهم، وحضورُ النِّساء المصلَّى في زماننا غير مستحبٍ؛ لظهور الفساد بين الناس. واسمُ أم عطيَّة: نُسَيْبَة بنت الحَارث، وقيل: بنت كعب، وهي أنصارية. * * * ١٠٠٦ - وعن عائشة ﵂: أن أبا بكرٍ ﵁ دخلَ عليها وعندَها جاريتانِ في أيامِ مِنَى تُدَفِّفانِ وتضرِبَانِ - وفي رواية: تغنِّيانِ - بما تَقَاوَلَتْ الأنصارُ يومَ بُعاثٍ، والنبيُّ ﷺ مُتَغَشٍّ بثوبهِ، فانتهرَهُمَا أبو بكرٍ، فكشفَ النبيُّ ﷺ عن وجهِهِ فقال: "دَعْهُمَا يا أبا بكرٍ، فإنها أيامُ عيدٍ"، وفي روايةٍ: "يا أبا بكرٍ، إن لكل قومٍ عيدًا، وهذا عيدُنا". قوله: "تُدَفِّفَان"؛ أي: تضربان الدُّف. قوله: "وتَضْرِبَان": هذا تكرار لزيادة الشرح؛ أي: وتضربان الدُّف. (تَقَاوَلَ) الرجلان: إذا أجابَ كلُّ واحدٍ منهما الآخر. "يوم بُعَاثٍ" بالعين غير المعجمة والباء مضمومة: اسم لحرب بين أَوْسٍ وخَزْرَجٍ قبل الإسلام، وهما قبيلتان من الأنصار؛ يعني: تغنيان بالأشعار التي يقرأها كل واحد من القبيلتين في ذلك اليوم؛ لإظهار شجاعتهم. وهذا يدل على جواز ضَرْبِ الدُّف، وجواز قراءة الأشعار التي لم يكن فيها وصفُ امرأة مُعَيَّنَةٍ، ولا هَجْوُ مسلم. قوله: "والنبي ﷺ مُتَغَشٍّ"، الصواب: "مُتَغَشٍّ" بحذف الياء؛ لأنه مرفوع بخبر المبتدأ، وفي أكثر نسخ "المصابيح": "متغشيًا" بالنصب، وهو لحن؛ لأنه لو نُصبَ لبقيَ المبتدأ بلا خبر، ومعنى (التَّغَشِّي): التَّغطي والتَّستر.

стр. 848

قوله: "انتهرَ": إذا رفعَ الصَّوتَ على أحد ومنعه. وهذا الحديث يدلُّ على تعظيم أيام العيد، وتجويزُ الضَّربِ للطَّرب والفرح، واللعب بما ليس فيه معصية. * * * ١٠٠٧ - وقال أنس ﵁: إنَّ النبيَّ ﷺ كانَ لا يغدو يومَ الفِطْرِ حتى يأكلَ تَمَرَاتٍ، ويأكُلُهنَّ وِترًا. قوله: "ويأكُلُهُنَّ وِتْرَاً"؛ يعني: يأكلُ قبلَ الخروج إلى صلاة عيد الفطر تمرات بعدد الوتر ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، وما أشبه ذلك. * * * ١٠٠٨ - وقال جابر: كانَ النبيُّ ﷺ إذا كانَ يومُ عيدٍ خالفَ الطريقَ. قوله: "إذا كان يوم عيد خالف الطريق"؛ يعني: يمشي إلى المُصلَّى في طريقٍ، ويعود في طريقٍ آخر، يمشي في طريق بعيد؛ لتكثرَ خُطُوَاته؛ لأن في كلِّ خُطْوةٍ درجةً، ويعود في طريق أقرب؛ ليقلَّ انتظارُ أهلِ بيته إيَّاه. ويحتمل أن يمشيَ في طريقٍ، ويعود في طريق آخر؛ ليستفيدَ منه أهل الطريقَيْنِ بالسُّؤال والبَركة. * * * ١٠٠٩ - وقال البَرَاءُ ﵁: خَطَبنا رسول الله ﷺ يومَ النحرِ فقالَ: "إنَّ أولَ ما نبَدأُ بهِ في يومِنا هذا أن نُصلَّيَ ثم نَرجعَ فننحرَ، فَمَنْ فعلَ ذلك فقدْ أصابَ سُنَّتَنَا، ومَن ذَبَحَ قبلَ أنْ يُصَلِّي فإنما هو شاة لحمٍ عَجَّلَهُ لأهلِهِ ليسَ مِن النُّسُكِ في شيءٍ".

стр. 849

قوله: "خطبنا رسول الله ﵇ يوم النحر، فقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي"، (يوم النحر): يوم عيد الأضحى. "وليس من النُّسُكِ في شيء": يعني: ليسَ بقُرْبَان، ولا ينال ثوابَ القُرْبَان. واعلم أن أول وقت الأُضْحِيَة: إذا مضى من يوم العيد بعدَ ارتفاع الشمس بقَدْر رُمْحٍ، قَدْر صلاة العيد والخطبتين، فإذا مضى هذا القَدْرُ دخل وقتُ الأُضْحِيَةِ، وإن لم يُصَلِّ القوم، وآخر وقته: إذا مضى اليوم الرابع مع يوم العيد يستوي فيه أهل الأمصار والقرى، هذا مذهب الشافعي ﵁. وأما مذهب أبي حنيفة: أنه يجوز لأهل القرى الأُضْحِيَة بعدَ طلوع الشمس، ولا يجوز لأهل المِصْرِ حتى يصليَ الإمامُ، فإن لم يُصَلَّ الإمامُ فحتى تزولَ الشمس، وآخرُ وقتِهِ عندَه آخرُ اليوم الثالث مع يوم العيد. * * * ١٠١٠ - وقال: "مَنْ ذبحَ قبلَ الصلاةِ فليذبحْ مكانَها أُخرى، ومَن لم يَذبَحْ حتى صلَّينا فلْيذبحْ على اسمِ الله تعالى". قوله: "من ذبَحَ قبلَ الصلاة فليذبَحْ مكانَها أخرى"؛ يعني: ذَبْحُ الأُضْحِية قبلَ الصلاة لا يجوز، وبعدَها يجوز، ولْيُسَمِّ الله الذي يَذْبَحُهَا. * * * ١٠١١ - وقال: "مَنْ ذَبَحَ قبلَ الصلاةِ فإنما يَذبحُ لنفْسِه، ومَنْ ذبحَ بعدَ الصلاةِ فقد تَمَّ نُسُكُهُ، وأصابَ سُنَّةَ المسلمينَ". قوله: "فإنما يذبَحُ لنفسه"؛ يعني: لا تجوز عن الأُضْحِية. * * *

стр. 850

١٠١٢ - وقال ابن عمر ﵁: كانَ رسول الله ﷺ يذبحُ وينحرُ بالمُصلَّى. قوله: "يذبحُ وينحرُ بالمصلى"، الذَّبْحُ للبقر والغنم، والنَّحْرُ للإبل. وإنما فعلَ رسولُ الله ﵇ الذَّبْحَ والنَّحْرَ بالمصلى في كلٍ لإظهارِ شِعَارِ الأضحية؛ ليراه الناس، ويقتدون به. ويجوز الذَّبْحُ في كل مَوْضعٍ في الدُّور وأجواف البيوت وغير ذلك. * * * مِنَ الحِسَان: ١٠١٣ - قال أنس ﵁: قَدِمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ ولهم يومانِ يلعبونَ فيهما، فقال: "ما هذانِ اليومانِ؟ "، قالوا: كنا نلْعبُ فيهما في الجاهليةِ، فقال النبيُّ ﷺ : "قد أَبْدَلَكُم الله بهما خيرًا منهما: يومَ الأَضحى، ويومَ الفِطْرِ". قوله: "قد أبدَلَكُمُ الله تعالى بهما خيرًا منهما: يومَ الأضحى، ويومَ الفطر"؛ يعني: اتركوا هذين اليومين، يعني: النَّيْرُوْز والمَهْرجان، وخذوا واقبلوا بَدَلَهُما يومَ الأضحى ويوم الفطر، وهذا يدل على أن تعظيم يومَ النَّيْرُوز والمَهْرَجَان وغيرهما مما لم يأمر الشَّارِعُ به لا يجوز. * * * ١٠١٤ - وقال بُرَيْدَة: كانَ النبيُّ ﷺ لا يخرُجُ يومَ الفِطْرِ حتى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَمَ يومَ الأَضْحى حتى يُصلِّي. قوله: "لا يخرجُ يومَ الفِطْرِ حتى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَمَ يومَ الأضحى حتى يُصلِّيَ": أي: لا يأكل يوم الأضحى قبلَ الصلاة موافقةً للفقراء؛ لأن الظاهر أن لا يكون للفقراء شيء، إلا ما أعطاهم الناس من لحوم الأضاحي، وهذا

стр. 851

يكون بعد الصلاة. وقيل: إنما لا يأكل قبل الصلاة يوم الأضحى؛ ليكونَ أولَ ما يأكل لحمُ أضحيتِهِ. وقد قال بريدة: إن رسول الله ﵇ كان يَطْعَمُ يومَ الفطر قبل أن يَخْرُجَ، وكان إذا كان يوم النَّحْرِ لم يَطْعَمَ حتى يرجِعَ فيأكلَ من ذَبيحَتِهِ، ويَدْفَعُ الفطرةَ إلى الفقراء قبلَ الصلاة في عيد الفطر؛ فكان يأكلُ قبلَ الصلاة. * * * ١٠١٥ - عن كثيرٍ بن عبدِ الله، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ ﷺ كبَّرَ في العيدينِ في الأُولى سبعًا قبلَ القراءةِ، وفي الآخرةِ خمسًا قبلَ القراءةِ. قوله: "كَبَّرَ في العيدين في الأولى سَبعًا قبل القراءة وفي الأخيرة خمسًا قبل القراءة"، وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد. والسَّبْعُ في الأُولى غيرُ تكبيرةِ الإحرام وتكبيرةِ الركوع، والخَمْسُ في الثانية غيرُ تكبيرةِ القيامِ وتكبيرةِ الركوع، وكلُّ واحدة من السَّبْعِ والخَمْسِ قبلَ القراءة. وعند أبي حنيفة: في الأولى أربع تكبيرات قبل القراءة مع تكبيرة الإحرام، وفي الثانية أربع تكبيرات بعد القراءة مع تكبيرة الركوع. * * * ١٠١٦ - ورُويَ مرسلاً عن جَعْفر بن محمد: أنَّ النبيَّ ﷺ ، وأبا بكرٍ، وعمرَ كبَّروا في العيدين والاستسقاء سبعًا، وخمسًا، وصلَّوا قبلَ الخطبةِ وجَهروا بالقِراءةِ.

стр. 852

١٠١٧ - وسُئل أبو موسى ﵁: كيفَ كانَ رسولُ الله ﷺ يكبرُ في الأَضْحى والفِطْرِ؟، قال؛ كانَ يُكَبرُ أربعًا تكبيره على الجَنائزِ. قوله: "تَكْبيرَهُ على الجنائز"، (تكبيرَه)؛ أي: مثل تكبيره على الجنائز، وهذا مُتَمَسَّكُ أبي حنيفة، كما ذكر بحثه. * * * ١٠١٨ - عن البَرَاء ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ نُووِلَ يومَ العيدِ قَوسًا فخطبَ عليه. ١٠١٩ - ورُويَ مُرسَلاً: أن النبيَّ ﷺ كانَ إذا خطبَ يعتمدُ على عَنَزَتِهِ اعتمادًا. قوله: "نوُوِلَ يومَ العيد قوسًا"، (نُوْوِلَ): أي: أُعطِي، من ناَوَلَ يُنَاوِلُ: إذا أعطى؛ يعني: السُّنةُ أن يأخذَ الخطيبُ بيده اليُسرى قَوْسًا أو سيفًا أو عَنَزَةً - وهي رُمْحٌ قصير - أو عصًا، ويأخذ بيده اليمنى خشبَ المنبر. * * * ١٠٢٠ - وعن جابر ﵁ أنه قال: شهدتُ معَ النبيِّ ﷺ في يومِ عيدٍ، فبدأَ بالصلاةِ قبلَ الخطبةِ بغيرِ أذانِ ولا إقامةٍ، فلما قَضَى الصلاةَ قامَ متوكِّئًا على بلالٍ فحمدَ الله وأثنَى عليهِ، ووعظَ الناسَ وذكَّرهم وحثَّهم على طاعته، ومضَى إلى النِّساءِ ومعَهُ بلالٌ، فأمرهنَّ بتقوى الله ووعظَهنَّ وذكَّرهنَّ. قوله: "قام متوكَّيًا على بلال"، أي: متوكئًا معتمدًا؛ يعني: كما يتَّكِئُ الخطيب على العصا اتَّكَأَ رسولُ الله ﵇ على بلال. "التذكيرُ والوعظُ": متقاربان في المعنى، (الحَثُّ): التحريض. "ومضَى"؛ أي: ذهب "إلى النساء"؛ يعني: كانت النساء واقفاتٍ بحيث

стр. 853

لا يسمَعْنَ وعظَ رسولِ الله ﵇ فأتاهُنَّ ووعظهُنَّ. * * * ١٠٢٢ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أنه أَصابهم مطرٌ في يومِ عيدٍ، فصلَّى بهم النبيُّ ﷺ صلاةَ العيدِ في المسجدِ. قوله: "أصابَهم مطرٌ في يومِ عيد"؛ يعني: كان رسولُ الله ﵇ يصلي صلاةَ العيد في الصحراء إلا إذا كان مطر. والأفضل: أداء صلاة العيد في الصحاء في سائر البلدان، وفي مكة خلافٌ، ويستخلفُ الإمامُ إذا خرجَ إلى المصلى أحدًا يصلي في الجامع بالضعفاء. * * * ١٠٢٣ - رُويَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كتبَ إلى عَمْرو بن حَزْمٍ وهو بنجْرَان: "عَجِّلْ الأضحى، وأَخِّرْ الفطرَ، وذكِّرْ الناسَ". قوله: "عَجَّلِ الأضحى، وأَخِّرِ الفطر، وذكِّرِ الناسَ". "عَمرو بن حَزْمٍ": كان عامل رسولِ الله ﵇ بنجْرَان، وهو اسم بلدٍ باليمن. يعني: السُّنة أن يصليَ صلاة عيد الأضحى بعد مضيِّ قليل من اليوم؛ ليشتغلَ الناس بذبحِ الأضاحي، ويصلي صلاة الفطر بعد مضيَّ كثير من اليوم؛ ليوسِّع على الناس وقتَ إخراج زكاة الفطر قبل الصلاة. * * * ١٠٢٤ - ورُويَ: عن أبي عُمَيْر بن أنس، عن عمومةٍ له من أصحابِ

стр. 854

النبيِّ ﷺ : أن رَكْبًا جاؤوا إلى النبيِّ ﷺ يَشهدُونَ أنهم رأَوْا الهلالَ بالأمس، فأمَرهم أنْ يُفْطِروا، وإذا أصبحُوا يغدوا إلى مُصَلَاّهم. قوله: "أن ركْبَاً جاءوا إلى النبي ﵇ يشهدون بأنهم رأَوا الهلال بالأمس فأمرهم"، (العُمُومَةُ): جَمع العَمَّ، (الرَّكْبُ): جمع الراكِب. يعني: لم يُرَ الهلالُ في المدينة ليلةَ الثلاثين من رمضان، فصاموا ذلك اليوم، فجاء قافلة يومَ الثلاثين في أثناء النهار، وشهدوا أنهم رَأَوا الهلالَ ليلة الثلاثين في بلد آخر، فأمر النبي ﵇ الناس بالإفطار، وبأداءِ صلاة العيد يوم الحادي والثلاثين. وفي الفقه: إن شهدوا قبل الزوال أفطرَ الناس وصلُّوا صلاةَ العيد من الغد عند أبي حنيفة وفي قولٍ للشافعي، وظاهر قوليه: أنه لا تُقضى الصلاةُ لا من اليوم ولا من الغد. * * * فصل في الأُضْحِيَة مِنَ الصِّحَاحِ: (فصل في الأضْحِية) مِنَ الصَّحَاحِ: ١٠٢٥ - عن أنس ﵁ أنه قال: ضحَّى رسولُ الله ﷺ بكبشينِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحهما بيدهِ وسمَّى وكبَّر، قال: رأيتُه واضعًا قدمَه على صِفَاحِهِما ويقولُ: "بسمِ الله والله أكبر". قوله: "ضحَّى رسولُ الله ﵇ بكْبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ"، يعني: أبيضين،

стр. 855

"أقرَنَيْن"؛ يعني: طويلي القَرْنِ. قوله: "ذبَحهما بيدِه"؛ يعني: السُّنة أن يذبحَ الرجلُ الأضحيةَ بيده؛ لأن فعلَ الرجلِ العبادةَ بنفسه أفضل، فإن وَكَّل أحدًا في ذبحها جاز. قوله: "سمَّى وكَبَّرَ" أي: قال: بسم الله والله أكبر. (الصَّفَاح): جَمْعُ صَفْحٍ، وهو الجَنْبُ. * * * ١٠٢٦ - عن عائشة ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ أمرَ بكبشٍ أقْرَنَ يَطأُ في سوادٍ، وَيبْرُكُ في سوادٍ، وينظرُ في سوادٍ، فأُتي به ليُضحِّيَ به، قال: "يا عائشةُ، هلُمِّي المُدْيَةَ"، ثم قال: "اشْحَذِيهَا بحجرٍ"، فَفَعَلَتْ ثم أخذَها، وأخذَ الكبشَ فأضجَعَه ثم ذبحه، ثم قال: "بسم الله، اللهم تَقَبَّلْ من محمدٍ وآلِ محمدٍ، ومن أُمَّةِ محمدٍ"، ثم ضحَّى به. "يطأُ في سَوادٍ": (يطأ): أي: يمشي ويضع رجليه، يعني: كأَن رجليه سُوْدٌ، "ويَبْرُكُ في سَوادٍ": أي: يضطَجِعُ؛ أي: بطنُهُ أَسْوَدٌ، "وينظر في سَواد": أي: حَوالي عينيه أسود، وباقيه أبيض. "هَلُمِّي": أي: أعطني. "المُدْيَةَ": وهي السكين. "اشحذيها"؛ أي: حَدِّديها، والشَّحْذُ: التَّحديد. قوله ﵇: "تَقَبَّلْ من محمدٍ وآل محمدٍ ومن أُمَّةِ محمد" ليس معنى هذا أنَّ واحدًا من الغنم يجوز عن اثنين فصاعدًا، بل لا يجوز واحد من الغنم إلا عن واحد، إلا أن معناه: إيصال الثواب إلى مَنْ أشار له في الذكر. ولهذا قال الشافعي ومالك وأحمد: إن المستحبَّ للرجل أن يقولَ إذا ذَبَحَ أضحيته: أُضحِّي هذا عنَّي وعن أهل بيتي، وكره هذا أبو حنيفة. * * *

стр. 856

١٠٢٧ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذبَحوا إلا مُسِنَّةً إلا أن يَعْسُر عليكم، فتذبَحُوا جَذَعَةً من الضَّأنِ". قوله: "لا تذبحوا إلا مُسِنَّةً"، (المُسِنَّةُ): ما له سنتان؛ يعني: أقل ما تذبحون في الأضحية مُسِنَّةٌ، والسِنُّ الذي يجوز في الأضحية إما الثَّنِيُّ، وإما الجَذَعُ، والثَّنِيُّ من الإبل: ما له خمس سنين، ومن البقر والمعز: ما له سنتان. وقيل: الثَّنِيُّ من المعز: ما له سنة، والجَذَعُ من الضَّأْنِ: ما له سنة. وقيل: ما له ستة أشهر. ولا يجوز من الإبل والبقر والمعز في الأضحية إلا ثَنِيٌّ، ومن الضأن: لا يُجزئ إلا جَذَعٌ. وقال الزهري: لا يجوزُ من الضأن أيضًا إلا ثَنِي، بظاهر هذا الحديث. وقال الآخرون غير الزهري: إنَّ النهيَ هنا ليس لنهي الجواز، بل لنهي الكمال. * * * ١٠٢٨ - عن عُقْبَة بن عامر: أن النبيَّ ﷺ أعطاهُ غنمًا يقسِمُها على أصحابهِ ضَحَايَا، فبقيَ عَتُودٌ، فقال: "ضَحِّ به أنتَ". وفي رواية: قلتُ: يا رسولَ الله، أَصابني جَذَعٌ، قال: "ضَحِّ به أنت". قوله: "يقسِمُهَا على أصْحَابهِ ضَحَايا"، (ضَحَايا): جمع أُضْحِية، وهي ما يذبح للقربان، الضمير المنصوب في (يقسمها) راجع إلى الغنم؛ يعني: يقسمُها بين أصحابه للتضحية؛ أي: ليجعل كل واحد ما أصابه أُضْحِيَةً.

стр. 857

(العَتُوْدُ): السَّخْلَةُ التي قدرت على الرعي، ولعل المراد به هنا: أنه بلغ سنًا يجوز في الأُضْحِيَّةِ. * * * ١٠٢٩ - وقال ابن عمر ﵁: كانَ النبيُّ ﷺ يذبحُ وينحرُ بالمُصلَّى. قوله: "يذبح وينحر بالمُصَلَّى" ذُكِرَ شرح هذا، والغرض من تكرار هذا الحديث: أنَّ ذكره هنا لبيانِ مكان الذبح، وهو المُصَلَّى، حيث ذَبَحَ جَازَ، إلا أن الأفضلَ الذبحُ بالمصلى؛ لإظهارِ شِعَارِ الدين. وذُكر قبل هذا الفصل لبيان وقت الأُضْحِيَةِ؛ لأنه ذكره بعد أحاديث كلها لبيان وقت الأُضحِيَة. فالمفهوم من إيراد هذا الحديث عقيب تلك الأحاديث: أنه لبيان وقتِ الأُضْحيَة، ووجه كون بيان وقت الأُضحيَة في هذا الحديث: أنه إذا ذَبَحَ رسولُ الله ﵇ بالمُصلَّى عُلِمَ أنه كان بعد صلاةَ العيد لا قبلها؛ لأنه قال ﵇ في حديث البَرَاء: "أولُ ما نبدأ به في يومِنا هذا أن نصلِّيَ"، فإذا كان أولُ ما نبدأ به الصلاة لا يكونُ الذبحُ بالمُصَلَّى قبل الصلاة. * * * ١٠٣٠ - وعن جابرٍ ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "البقرةُ عن سبعةٍ، والجَزُورُ عن سبعةٍ". قوله: "البقرة عن سَبْعَةٍ، والجَزُور عن سَبْعَةٍ"، و (الجَزُوْرُ): ما يُجْزَرُ من الإبل؛ أي: يُنْحَرُ. يعني: لو اشتركَ سَبْعَةُ أنفسٍ بذبْحِ بقرةٍ، أو نحْرِ جَمَلٍ للأُضحيَة، جَازَ، فلو

стр. 858

أراد بعضهم أن يأكلَ نصيبَهُ، ولم يصرف شيئًا منه في الأُضحيَة، جازَ عند الشافعي، ولا يجوز عند أبي حنيفة، إلا أن يريد كلهم الأضحية. وقال مالك: لا يجوز الاشتراك في البَدَنة وغيرها إلا أن يكون الشركاءُ أهلَ بيتٍ واحد، فيجوزُ حينئذ اشتراك سَبْعَةٍ في بَدَنة أو بقرة. * * * ١٠٣١ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا دخلَ العَشرُ وأرادَ بعضُكم أنْ يُضَحِّي فلا يمسَّ من شعرِهِ وَبَشَرِهِ شيئًا". وفي رواية: "فلا يأْخُذَنَّ شعرًا، ولا يُقَلِّمَنَّ ظُفْرًا". وفي رواية: "مَنْ رأى هلالَ ذي الحِجَّة وأرادَ أن يُضَحِّي فلا يأْخذْ من شعرِه ولا مِن أظفارهِ". قوله: "فلا يأخُذْ من شَعَرِهِ ولا مِنْ أَظْفَارِهِ"؛ يعني: مَنْ أراد أن يضحي لم يأخذ من شَعرِ نفسه، ولا من ظُفْره إذا دخل عشر ذي الحجة، والمراد بـ (البَشَرِ) هنا: الظُّفْرُ. وعلته: أن الأُضحيَة تكون يوم القيامة فداءً للمُضحِّي، فيصِلُ بكل عضوٍ وشَعَرَةٍ من الأُضحيَة بركةٌ ورحمةٌ إلى كل جزء من المُضحِّي، فنهى رسول الله ﵇ عن حَلْقِ الشَّعَرِ، وقَلْمِ الأظْفَار؛ لتكونَ تلك الشُّعور والأظْفَار واجدةً للرحمة والبركة. وهذا مثل أمره ﵇ بإرسال الثياب والشُّعور؛ لتقع على الأرض؛ لتكون ساجدةً مع المصلي؛ لينالَ كلُّ عضوِ ثوابَ السجود. وهذا نهيٌ، تاركُه تاركُ سُّنةٍ عند مالك والشافعي وأبي حنيفة، وعندهم ترك حلق الشَّعَرِ، وقَلْمِ الظُّفُرِ سُنَّةٌ، كما في الحديث.

стр. 859

وقال أحمد وإسحاق: هذا النَّهي نهيُ التحريم، وحَلَقَ ابن عمر بعد ما ذُبحَتْ أضحيته يوم العيد. * * * ١٠٣٢ - وقال: "ما مِن أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى الله مِنْ هذِهِ الأيامِ العَشْرِ"، قالوا: يا رسولَ الله!، ولا الجهادُ في سَبيلِ الله؟ قالَ: "ولا الجهادُ في سَبيلِ الله إلَّا رجلٌ خرجَ بنفسِه ومالِهِ فلمْ يرجِعْ من ذلكَ بشيء". قوله: "ما مِنْ أيَّامٍ العملُ الصالح ... " إلى آخره. وإنما كان العمل الصالح في هذه العشرة أفضل لفضل هذه الأيام؛ لأنها أيام الشهر الحرام، والحُجَّاج يشتغلون في هذه الأيام بزيارة بيت الله الحرام والبلد الحرام، ولا شَكَّ أنَّ الوقتَ إذا كان أفضل من غيره يكونُ العمل الصالح فيه أفضل. قوله ﵇: "فلم يَرْجِعْ من ذلك بشيء"؛ يعني: مَنْ أُخِذَ مالُه وأهَرِيقَ دَمُهُ في سبيل الله تعالى، فهذا الجهادُ أفضلُ من العبادة في هذه الأيام؛ لأن الثوابَ يكون بقدر المشقَّة في سبيل الله تعالى، ولا مشقة ولا رياضة في عمل من الأعمال الصالحة، أشدُّ من أن يُهَرَاقَ دمُ الرجل في سبيل الله تعالى. * * * مِنَ الحِسَان: ١٠٣٣ - عن جابر ﵁ قال: ذبحَ النبيُّ ﷺ يومَ الذَّبح كبشَين أَقْرنين أملَحين مَوجُوأَين، فلمَّا ذبحهما قال: "إني وَجَّهتُ وجهيَ للذي فطر السَّماواتِ

стр. 860

والأرضَ على مِلَّةِ إبراهيمَ حنيفًا ومَا أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي ومَحْيَايَ ومَمَاتي للهِ ربِّ العالمينَ لا شريكَ له، وبذلك أُمِرْتُ وأنا من المسلمينَ، اللهم منكَ ولَكَ عن محمدٍ وأُمَّتِهِ، بسم الله والله أكبرُ". وفي روايةٍ: ذبَح بيدهِ وقال: "بسم الله والله أكبرُ، اللهم هذا عني وعمن لم يُضَحِّ مِن أُمَّتي". قوله: "مَوجِيَّيْن" حقُّه: مَوْجُوئَيْن؛ لأنه مفعول مِنْ (وَجَأَ) مهموز اللام: إذا دَقَّ عروقَ الخِصيَةِ حتى يصيرَ الكبش شبيهًا بالخَصيِّ، إلا أنهم قلبوا الهمزة ياء، وقلبوا الواو ياء؛ لأن الواو والياء إذا اجتمعتا والأولى منهما ساكنة تقلب الواو ياء، وتدغم الياء في الياء، ويكسر ما قبل الياء، فصار (مَوْجِيَّيْنِ) مثله (مُوْجَيَيْنِ). قوله: "على مِلَّةِ إبراهيمَ"؛ أي: أنا على مِلَّة إبراهيم، وصرفتُ وجهي وعملي ونيتي إلى ربِّ العالمين، وأعرضْتُ عما سواه. قوله: "مِنْكَ"، يعني: حصل في هذا الكَبش منكَ، وجعلتُه "لك"، وأتقربُ به إليك. * * * ١٠٣٤ - عن حنَشٍ أنه قال: رأيتُ عليًا يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، وقال: إن رسولَ الله ﷺ أَوْصَاني أن أُضَحِّي عنه، فأنا أُضَحِّي عنه. قوله: "أَوْصَاني أن أُضَحِّي عنه"؛ يعني: يجوزُ التضحيةُ عن الميت سواء كان تَبرَّع به أحدٌ على الميت، أو كان من مال الميت، ووصَّى به الميت، ولكن إنْ كان وصَّى به الميت يُخرَجْ قيمةُ الأُضحيَةِ من ثُلُثِ مالِهِ، فإن لم يُوصِ (١)

стр. 861

وأجازَتِ الورثةُ؛ جازَتْ. * * * ١٠٣٥ - وعن علي ﵁ قال: أَمَرَنا رسول الله ﷺ أن نستشرِفَ العينَ والأُذُنَ، وأن لا نُضَحِّيَ بِمُقابَلَةٍ، ولا مُدابَرَةٍ، ولا شَرْقاءَ، ولا خَرْقاءَ. قوله: "أن نستشرِفَ العينَ"، (الاستشراف): النظر إلى شيء على التَّأمل. "أن نستشرِفَ"، أي: أن ننظر في عيني الأُضحيَة، فلا نضحي بالأعمى والأعور، وما في عينه نقصان ظاهر. قال محيي السنة: (المُقَابَلَةُ): ما قُطع مقدمُ أذنها، و (المُدَابَرَةُ): ما قطع مؤخر أذنها، و (الشَّرْقَاء): ما شُقَّ أذنها، و (الخَرْقَاء): ما ثقب أذنها. وقيل: (الشَّرْقَاء): ما قطع أذنها طولًا، و (الخَرْقَاء): ما قطع أذنها عرضًا. فعند الشافعي: لا يجوز التضحية بشاة قُطِعَ بعض أذنها. وعند أبي حنيفة: يجوز إذا قُطِعَ أقل من نصفه. ولا بأس بمكسور القَرْنِ. * * * ١٠٣٦ - وعن علي ﵁ قال: نَهى رسولُ الله ﷺ أن يُضَحِّى بأَغْضَبِ القَرنِ والأذُنِ. قوله: "أَعضَب القَرْن"؛ أي: مكسورَ القَرْن، وبهذا قال إبراهيم النخعي، و [قال] غيره: يجوز مكسور القَرْن. * * *

стр. 862

١٠٣٧ - وعن البَراء بن عازب: أن رسولَ الله ﷺ سُئل ماذا يُتَّقَى من الضحايا؟، فأَشارَ بيدِه فقال: "أربعًا: العرجاءُ البَينُ ظَلَعُها، والعوراء البَينُ عَوَرُها، والمريضةُ البينُ مرضُها، والعَجْفاءُ التي لا تُنْقي". قوله: "ماذا يُتقى من الضَّحَايا"؛ (يُتَّقَى): أي: يُحتَرَزُ، (الظَّلَعُ): العَرَجُ، أَنْقَى يَنْقى: إذا صار ذا مُخٍّ. "لا تُنْقِي"؛ أي: لا يَبْقَى بها نِقْيٌ، وهو المُخُّ من غاية العَجَفِ. * * * ١٠٣٨ - وعن أبي سعيد ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُضَحَّي بكبشٍ أَقْرَنَ فَحيلٍ، يَنظرُ في سوادٍ ويأكلُ في سوادٍ، ويمشي في سوادٍ. قوله: "يضحي بكبش أقْرَنَ فحيل"، (الفَحيل): الفَحْلُ المُختار السَّمين. "وينظرُ في سُواد"؛ أي: حوالي عينيه أَسْوَد. "ويأكل في سَواد"، أي: فيه أَسْوَد. "ويمشي في سَواد"، أي: رجله أَسْوَد. * * * ١٠٣٩ - عن مُجاشِعٍ - من بني سُلَيْمٍ - أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يقول: "إن الجَذَعَ يُوَفِّي مما يُوَفِّي منه الثَّنِيُّ". قوله: "يُوَفَّى"؛ أي: يجزئ، يعني: الجَذَعُ من الضَّأن يجوزُ تضحيته كما يجوز تضحية الثَّنِيَّ من المَعز وغيره. واسم أبيه: مسعود بن ثعلبة بن وهب. * * *

стр. 863

١٠٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: "نِعْمَتِ الأُضْحيةُ الجَذَعُ مِن الضَّأنِ". قوله: "نِعْمَتِ الأضحية الجَذَعُ من الضَّأْنِ"، مدحه رسول الله ﵇؛ ليعلمَ الناسُ أنه جائز في الأضحية. * * * ١٠٤١ - عن ابن عباس ﵄ قال: كنا معَ رسول الله ﷺ في سفَرٍ، فحضرَ الأَضحى، فاشتركْنا في البقرةِ سبعةً، وفي البعيرِ عشرةً"، غريب. قوله: "وفي البعيرِ عشرة" عمل بهذا إسحاق بن راهويه. وأما غيره قالوا: هذا منسوخ بما تقدم من قوله ﵇: "البقرةُ عن سَبْعَة، والجَزُوْرُ عن سَبْعَةٍ". * * * ١٠٤٢ - عن عائشة ﵂، عن النبيَّ ﷺ قال: "ما عَمِلَ ابن آدمَ مِنْ عملٍ يومَ النحرِ أحبَّ إلى الله مِن هِراقةِ الدمِ، وإنه لتأتي يومَ القيامةِ بقُرونِها وأَشعارِها وأَظلافِها، وإن الدمَ ليقعُ من الله بمكانٍ قبلَ أن يقعَ بالأرضِ، فَطِيبُوا بها أَنْفُسًا". قوله: "بفروثها وأشعارها وأظلافها"، (الفُرُوْثُ): جمع فَرْثٍ، وهو النجاسة التي تكون في الكَرِشِ. (الأَظْلافُ): جمع ظِلْفٍ، وهو من الغنم بمنزلة الخُفِّ من البعير، يعني: أفضل عبادات يوم العيد إراقة دم القُرْبَان.

стр. 864

وإنه يأتي يوم القيامة كما كان في الدنيا من غير أن ينقصَ منه شيء، ويُعْطَى الرجلُ بكل عضوٍ منه ثوابًا، ويكونُ مركَبَهُ على الصراط. وكل زمان يختص بعبادة، وهذا الزمان - أعني: يوم النحر - مختص بعبادةٍ فَعَلَهَا إبراهيمُ خليل الله ﵇، وهي تضحية القُرْبَان والتكبير. ولو كان شيءٌ أفضلَ من ذبح الغنم في فداء الإنسان لم يجعل الله تعالى الذَّبْحَ المذكور في قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فداءً لإسماعيل ﵇. قوله: "وإنَّ الدَّمَ يقع ... " إلى آخره؛ يعني: يقبلُهُ الله تعالى عند قَصدِ الرجلِ ذبحَه قبلَ أن يقعَ دمُه على الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]. قوله: "فَطِيْبُوا بها أنفسًا"؛ يعني: إذا علمتم أن الله تعالى يقبله ويجزيكم بها ثوابًا كثيرًا، فلتكنْ أنفسُكم بها طيبة من غير كراهية. * * * ١٠٤٣ - ويروى أنه قال: "ما من أيامٍ أحبُّ إلى الله أنْ يُتعبَّدَ له فيها مِن عشرِ ذي الحِجَّةِ، يَعدلُ صيامُ كلِّ يومٍ منها بصيامِ سنةٍ، وقيامُ كلِّ ليلةٍ منها بقيامِ ليلةِ القدرِ"، ضعيف. قوله: "يعدل"، أي: يَسوى صيام كل يوم منها؛ أي: من أول ذي الحجة إلى يوم عرفة، وقد صحُّ الحديث في أنَّ صومَ يوم عرفة كفارةُ سنتين. قوله: "بصيام سنة"، أي: سَنةً غيرَ عشر ذي الحجة. روى هذا الحديث: أبو هريرة. * * *

стр. 865

٤٧ - باب العَتِيْرةِ (باب العتيرة) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٠٤٤ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا فَرَعَ ولا عَتِيْرَة"، قال: والفَرَعُ أول نِتاجٍ كان يُنْتَجُ لهم، كانوا يَذبحونه لطَواغِيتِهم، والعَتِيرَةُ في رجبٍ. قوله: "لا فَرَعَ ولا عَتِيْرَة"، والفَرَعُ: أولُ نِتاجٍ كان يُنْتَجُ لهم، (الفَرَع) - بفتح الراء -: أولُ ولدٍ ولدته ناقة، الكفارُ كانوا يذبحونه لأصنامهم بمنزلة الأُضحيَة في الإسلام. و (العَتِيْرَة): جمل أو شَاة، كلُّ واحدٍ بقَدْرِ وُسْعِهِ، كانوا يذبحونه في رجب لأصنامهم، و (عَتَرَ): إذا ذَبَحَ، والفَرَعُ والعَتِيْرَةُ كلاهما منهي في الإسلام، وجَوَّزَ ابن سيرين العَتيرة وقال: لا بأس بذبح شاة في رجب لا للأصنام. * * * مِنَ الحِسَان: ١٠٤٥ - عن مِخْنَفِ بن سُليم: أنه شهدَ النبيَّ ﷺ يخطبُ يومَ عرفةَ يقولُ: "على كلِّ أهلِ بيتٍ في كلِّ عامٍ أُضحيةٌ وعَتِيْرَةٌ"، ضعيفٌ، ومنسوخٌ. قوله: "على كل أهل بيت في كل عام أُضحيَّة وعتيرة"، الأضحيةُ واجبةٌ عند أبي حنيفة على مَنْ مَلَكَ نِصابًا من المال المزكَّى بدليل هذا الحديث، وأما العَتِيْرَة فلا تجوز عنده كالشافعي وغيره.

стр. 866

وجَدُّ مِخْنَف: الحارثُ بن عوفٍ بن ثعلبة، ولَاّه علي بن أبي طالب أصفهان. * * * ٤٨ - باب صلاة الخُسُوف (باب صلاة الخسوف) مِنَ الصَّحَاحِ: ١٠٤٦ - قالت عائشة ﵂: إن الشمسَ خَسَفَتْ على عَهْدِ النبيِّ ﷺ ، فَبَعث مُناديًا: "الصلاةُ جامعةٌ"، فتَقَدَّمَ فصلَّى أربعَ ركعات في ركعتينِ، وأربعَ سَجَداتٍ. "خُسِفَتْ"؛ أي: أُخِذت وأُزيل نورُها. "الصلاةُ جامعةٌ" بالرفع، (الصلاة) مبتدأ، و (جامعة) خبرها؛ يعني: الصلاةُ تجمع الناس في المسجد، ويجوز أن يكون الناس في المسجد، (جامعة): بمعنى ذات جماعةٌ؛ أي: هي صلاةٌ ذات جماعة تُصلى بالجماعة، لا صلاة تصلى منفردة، كسنن الرواتب والنوافل. "أربع ركعات"؛ أي: أربع ركوعات، ويقال لركوع واحد: ركعة، كما يقال لسجود واحد: سجدة؛ يعني: صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان. وإنَّ صلاة الخسوف والكسوف واحد، إلا أن الخُسوف الأكثر استعماله في القمر، والكسوف في الشمس، ويجوز بالعكس. وصلاة الخسوف والكسوف ركعتان بالصفة التي ذكرناها عند مالك

стр. 867

والشافعي وأحمد، وأما عند أبي حنيفة: فهي ركعتان في كل ركعة ركوع واحد وسجودان، كسائر الصلوات. وتصلى الخسوف والكسوف بالجماعة عند الشافعي وأحمد، وفرادى عند أبي حنيفة، وأما عند مالك: تصلى كسوف الشمس جماعة، وخسوف القمر فرادى. * * * ١٠٤٨ - وعن عائشة ﵂ أنها قالت: جهَرَ النبيُّ ﷺ في صلاةِ الخُسوفِ بقِراءتِه. قولها: "جَهَرَ النبي ﷺ في صلاة الخسوفِ بِقراءتِهِ": أرادت بـ (الخسوف): القمر؛ لأن خسوف القمر يكون بالليل، فيجهر بالقراءة فيها، ولا يجهر بالقراءة في كسوف الشمس كصلاة الظهر والعصر. * * * ١٠٤٩ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: خَسَفتْ الشمسُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فصلَّى رسولُ الله ﷺ والناسُ معَه، فقامَ قِيامًا طويلًا نَحوًا من سورةِ البقَرةِ، ثم ركعَ ركوعًا طويلًا، ثم رفعَ رأْسَه، فقامَ قيامًا طويلًا وهو دُونَ القيامِ الأولِ، ثم ركعَ ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوعِ الأول، ثم رفع ثم سجَدَ، ثم قامَ فقامَ قيامًا طويلًا وهو دونَ القيامِ الأولِ، ثم ركعَ ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوعِ الأول، ثم رفعَ فقامَ قيامًا طويلًا وهو دونَ القيامِ الأولِ، ثم ركعَ ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوعِ الأولِ، ثم رفعَ، ثم سجدَ، ثم انصرفَ وقد تَجَلَّتْ الشَّمسُ فقال: "إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، لا يَخْسِفان لمَوتِ أحدٍ ولا لحَياتِه، فإذا رأَيتُم ذلكَ فاذكروا الله"، قالوا: يا رسولَ الله!، رأَيناكَ تناولتَ

стр. 868

شيئًا في مَقامِك هذا، ثم رأيناكَ تَكَعْكَعْتَ؟، قال: "إنَّي رأيتُ الجنةَ، فَتَناولْتُ منها عُنقودًا، ولو أخذتُه لأَكلتُم منه ما بقيَتْ الدنيا، ورأيتُ النارَ، فلمْ أرَ كاليومِ مَنظرًا أفظَعَ قَطُّ منها، ورأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ"، فقالوا: لِمَ يا رسولَ الله؟، قال: "بكفرِهنَّ"، قيل: يَكْفُرْنَ بالله؟، قال: "يكفُرْنَ العَشيرَ، ويكفُرنَ الإحسانَ، لو أَحسنتَ إلى إحداهُنَّ الدهرَ كلَّهُ، ثم رأتْ منكَ شيئًا قالت: ما رأَيتُ منكَ خيرًا قطُّ". قوله: "ثم قَام": أي: قام إلى الركعة الثانية. "فَقَام": أي: فوقف قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول؛ أي: وهو أقل وأقصر من القيام الثاني من الركعة الأولى، وكذلك حيث قال: (دون القيام الأول)، أو (دون الركوع الأول)، أراد: دون القيام الذي قبله، ودون الركوع الذي قبله. يعني: كلُّ قيامٍ تقدَّمَ فهو أطولُ مما بعدَه، وكذلك الركوع. (تجلَّى): إذا أضاء، و"تجلَّت" أصله: تجليت، قلبت الياء ألفًا، وحذفت الألف لسكونها وسكون التاء؛ لأن التاء كانت ساكنة وحركت هنا لسكونها، وسكون ما بعدها. "آيتان من آيات الله تعالى"؛ يعني: علامتان من علامات القيامة؛ فإذا رأيتموها؛ فخافوا الله وصلوا. وقيل: معنى (آيتان من آيات الله تعالى): أن خسوفَهما علامةُ كونهما مُسَخَّرَيْن ومقهورَيْن كسائر المخلوقات، فإذا كانا عاجِزَيْنِ، كيف يجوزُ أن يتخذهما بعضُ الناس معبودَيْنِ؟! "لا يُخسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياته" إنما قال ﵇ هذا تكذيبًا لجماعة يزعمون: أن كسوفهما يُوجب حدوث تغيُّرٍ في العالم من موتِ أحد، أو

стр. 869

ولادةِ أحد، أو قَحْطٍ، أو غير ذلك من الحوادث. "رأيناك تناوَلْتَ شيئًا"، (تَنَاوَل): إذا أخذ، (تكعكع): إذا تأخر، يعني: رأى القومُ رسولَ الله ﵇ في صلاة خسوف الشمس أنه تقدم من مكانه، ومدَّ يدَه إلى شيء، ثم رأَوْهُ تأخَّرَ. "فتناولتُ منها عُنقودًا"؛ يعني: حين رأيتموني تقدمتُ من مكاني، ومددتُ يدي، عُرِضَتْ عليَّ الجنة، فمددْتُ يدي لآخذَ عنقودًا، "ولو أخذْتُهُ" لأكل منها أهل الدنيا ولا يفنى؛ لأن ما كان من الجنة لا يفنى. ووجه عدم إفنائه: أن يخلق الله تعالى بدل كل حَبَّةٍ أَكلَهَا أحدٌ حَبَّةً، فإذا كان كذلك لا يفنى. وعِلَّةُ تركه ﵇ تناولَ العُنقود: أنه لو تناولَهُ ورآه الناس؛ لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب، وقد أُمِرَ الناسُ أن يؤمنوا بالغيب، والشهادة ضد الغيب. "ورأيت النار"؛ يعني: حين رأيتموني تأخرت من مكاني عُرِضَتْ عليَّ النار تأخرت عن مكاني؛ خشية أن يصيبني لَفحها؛ أي: حرارتها وشعلتها. "فلم أر كاليوم منظرًا"؛ تقديره: لم أَرَ منظرًا مثل المنظر الذي رأيته في هذا اليوم؛ يعني: لم أر شيئًا أشد وأخوف من النار. "قيل: يَكْفُرْنَ بالله"؛ يعني: سألَ رجلٌ: دخولُ النساءِ النارَ لأجل أنهنَّ يكفُرْنَ بالله أم لا؟ فقال: لا يكفرن بالله، "ولكن يكفُرْنَ العشيرَ"، (العشير): الزوج؛ أي: يتركْنَ شكر أزواجهن، ومَنْ لم يشكرِ الناسَ لم يشكرِ الله، ومن لم يشكرِ الله يُدخله النار.

стр. 870

"ثم رأت منك شيئًا"؛ أي: شيئًا تكره. * * * ١٠٥٠ - وعن عائشة ﵂ نحوَ حديث ابن عباس، وقالت: "ثم سجَدَ فأطالَ السجودَ، ثم انصرفَ وقد انجلتِ الشمسُ فخطبَ الناسَ فحمِدَ الله وأثنى عليهِ، ثم قال: "إن الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله لا يَخْسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلكَ فادعُوا الله وكَبروا وصلُّوا وتَصدَّقوا"، ثم قال: "يا أُمَّةَ محمدٍ!، والله ما مِن أحدٍ أَغْيَرُ من الله أنْ يَزنيَ عبدُه أو تَزنيَ أَمَتُهُ، يا أُمَّةَ محمدٍ!، والله لو تعلمون ما أعلمُ لضحِكْتُم قليلاً وَلبكَيْتُم كثيرًا". قوله: "أَغْيَرُ"؛ أي: أشدُّ غَيرة، و (الغَيْرَةُ): كراهةُ الرجل اشتراكَ غيره فيما هو حقه، وغيرة الله تعالى: أن يكره مخالفة أمره ونهيه. "أن يزنيَ عبدُهُ أو تزني أمَتُهُ"، يعني: لو زنى عبدُ أحدكم أو تزني أَمَةَ أحدكم يكرهُ ويغارُ، فإذا زنى عبدٌ من عباد الله تعالى، أو أَمَةٌ من إمائه تكون غَيرته وكراهيته أشد من غيرتكم وكراهيتكم. "لو تعلمون ما أعلم"؛ يعني: ما أعلم من شدة العذاب، وشدة غضب الله تعالى وقهره. * * * ١٠٥١ - وعن أبي موسى أنه قال: خَسَفتِ الشمسُ، فقامَ النبيُّ ﷺ فَزِعًا يَخْشَى أن تكونَ الساعةُ، فأَتَى المسجدَ، فصلَّى بأطولِ قيامٍ ورُكوعٍ وسجودٍ ما رأيته قطُّ يَفْعَله، وقال: "هذه الآياتُ التي يرسلُ الله لا تكونُ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ، ولكنْ يُخَوِّفُ الله بها عبادَهُ، فإذا رأيتُم شيئًا من ذلكَ، فافزَعُوا إلى

стр. 871

ذكرِه ودعائه واستغفارِه". قوله: "فَزِعًا"؛ أي: خائفًا. قول أبي موسى: "يخشى أن تكون الساعة" هذا ظَنٌ منه؛ لأنه لم يعلم ما في قلب النبي ﵇، وهذا الظنُّ غير صواب؛ لأن النبي ﵇ كان متيقنًا أن الساعة لا تقوم حتى ينجزَ الله ما وعده له ولأمته من أخذ بلاد العجم والروم وغير ذلك من المواعيد. فإن قيل: يحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل أن يخبر الله تعالى رسوله بهذه الأشياء، فحينئذٍ في يتوقع وقوع السَّاعة كل لحظة. قلنا: ليس كذلك؛ لأن إسلام أبي موسى كان بعد فتح خيبر، وقد أخبر الله تعالى النبيَّ ﵇ بهذه الأشياء قبل فتح خيبر، وهذا الخسوف كان بعد فتح خيبر، وإنما فزع النبي ﵇ وتغير وجهه؛ لأنه خاف نزول عذابٍ على أهل ناحيته. قوله: "رأيته قطُّ" أصل استعمال (قط): أن تكون بعد النفي، وليس هنا حرف نفي، فلعله مُقدر؛ أي: ما رأيته قط فعل مثل هذا الركوع والسجود. "فافزعوا"؛ أي: التجئوا، أو عوذوا من عذابه "إلى ذِكْرِهِ". * * * ١٠٥٢ - وعن جابر ﵁ قال: انكسَفَتِ الشمسُ في عهدِ رسولِ الله ﷺ يومَ ماتَ إبراهيمُ ابن النبيِّ ﷺ ، فصلَّى بالناسِ ستَّ ركعاتٍ بأربعِ سَجداتٍ. قوله: "انكسفت الشمس في عهد رسول الله ﵇ ... " إلى آخره؛ ظنَّ بعضُ الناس أن انكسافَ الشمسِ يوم مات إبراهيم لموت إبراهيم ابن النبي ﷺ فقال النبي ﵇: "الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى

стр. 872

لا يخسفان لموت أحد" كما تقدم في الأحاديث المذكورة. و"إبراهيم": ابن النبي ﵇ كان له ثمانية عشر شهرًا، وأكثر أهل التواريخ: على أنه مات في سنة العاشرة من الهجرة. قوله: "ست ركعات بأربع سجدات"؛ يعني بـ (الركعات) هنا: جمع الرَّكعة، التي هي بمعنى الركوع؛ يعني: صلَّى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات. فعند الشافعي وأكثر أهل العلم: أن الخسوف إذا تمادى جاز أن يركع في كل ركعة ثلاث ركوعات، وخمس ركوعات؛ فإنه قد روي: أن رسول الله ﵇ صلى ركعتين بعشر ركوعات، وأما السجود لا يزيد على السجدتين في كل ركعة؛ فإن أسرع الانجلاء جازَ الاقتصارُ في كل ركعة على ركوع واحد. * * * ١٠٥٣ - ورُوي عن علي ﵁، عن رسولِ الله ﷺ أنه صلَّى ثماني ركعاتٍ في أربعِ سَجَداتٍ. قوله: "ثماني ركعات في أربع سجدات"، (الركعة) ها هنا: بمعنى الركوع؛ يعني: صلى رسول الله ﵇ ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات، وقد ذكر بحثه. * * * ١٠٥٤ - وقال جابر بن سَمُرَة: كَسَفتِ الشمسُ في حياةِ رسولِ الله ﷺ ، فأَتيتُه وهو قائمٌ في الصلاةِ رافعٌ يديهِ، فجعلَ يُسبح ويهلِّلُ ويكبرُ ويحمدُ

стр. 873

ويدعو حتى حُسِرَ عنها، فلما حُسِرَ عنها قرأَ سورتينِ وصلَّى ركعتينِ. قوله: "حُسِرَ عنها": أي: أُزيل وأُذهب عن الشمس خسوفها. يعني: دخل رسول الله ﵇ في صلاة الخسوف، ووقف في القيام الأول، وطوَّلَ التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد حتى ذهب الخسوف، ثم قرأ القرآن وركع وسجد، ثم قام في الركعة الثانية وقرأ فيها القرآن، وركع وسجد وتشهد وسلم. ولم يذكر الراوي أنه ﵇ ركع في ركعة ركوعا واحدًا أو أكثر، وظاهر الحديث يدل على أنه ركع في كل ركعة ركوعًا واحدًا. وقد قلنا: أنه إذا انجلى الخسوف جاز الاقتصار في كل ركعة على ركوع واحد. * * * ١٠٥٥ - وقالت أسماء بنتُ أبي بكر ﵂: أمرَ النبيُّ ﷺ بالعَتاقَةِ في كُسوفِ الشَّمسِ. قولها: "في كسوف الشمس"، اعلم أن الإعتاق وسائر الخيرات مأمور بها في خسوف الشمس والقمر كليهما؛ لأن الخيرات ترفع العذاب. * * * مِنَ الحِسَان: ١٠٥٦ - عن سَمُرَة بن جُندُب ﵁ قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ في كسوفٍ لا نسمعُ له صوتًا.

стр. 874

قوله: "لا نسمع له صوتًا": هذه الصلاة كانَتْ صلاة كسوف الشمس. * * * ١٠٥٧ - وقال عِكْرِمة: قيل لابن عباس: ماتَتْ فلانةُ - بعضُ أزواجِ النبيَّ ﷺ فَخَرَّ ساجدًا، فقيلَ له: أَتسجدُ في هذه الساعةِ؟، فقال، قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم آيةً فاسجُدُوا"، وأيُّ آيةٍ أَعظمُ مِن ذهابِ أزواجِ النبيِّ ﷺ ؟!. قوله: "ماتَتْ فلانة"، (فلانة): هي صفية زوجة النبي ﵇. "بعض أزواج النبي ﵇"؛ أي: إحدى زوجات النبي ﵇. "فخر ساجدًا"؛ أي: سقط للسجود. قوله: "إذا رأيتم آية"؛ أي: علامةً يخوِّف الله بها عباده كالخسوف والكسوف. قوله: "فاسجدوا" أراد بـ (السجود): الصلاة، إن كانت الآية خسوف الشمس والقمر، وإن كانت الآية غيرها كمجيء الريح الشديدة والزلزلة وغيرهما يكون معنى (فاسجدوا) هو السجود بغير صلاة. وقيل: لا يجوز السجود في غير الصلاة إلا سجود تلاوة القرآن وسجود الشكر. قوله: "وأيُّ آيةٍ أعظم من ذهاب أزواج النبي ﵇" يخاف عُقيبه نزول العذاب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] فما دام النبي ﵇ حيًا يندفع العذاب عن الناس ببركته، وزوجاته أيضًا ذوات البركة؛ لأن أهل الرجل منه؛ فيندفع العذاب عن

стр. 875

الناس أيضًا ببركتهن، ويُخاف نزول العذاب بذهابهنَّ، فيتوجه الالتجاء إلى ذكر الله تعالى والسجود عند انقطاع بركتهن؛ ليندفع العذاب ببركة الذَّكْرِ والسُّجود والخيرات. * * * فصل في سُجُود الشُّكر (فصل في سجود الشكر) مِنَ الحِسَان: ١٠٥٨ - عن أبي بَكْرَةَ ﵁: أن النبيَّ ﷺ كانَ إذا جاءَهُ أمرٌ يُسَرُّ به خرَّ ساجدًا شكرًا للهِ. غريب. قوله: "في سجود الشكر"؛ يعني: فصل في سجود الشكر، وسجود الشكر عند حدوث نعمة، أو وصول شيء إلى الرجل يُسَرُّ به، واندفاع بليَّة كانت عليه = سُنَّةٌ عند الشافعي، وليس بسنة عند أبي حنيفة. * * * ١٠٥٩ - ورُوي أنَّ النبيَّ ﷺ رأَى نُغاشيًا، فسجدَ شكرًا للهِ تعالى. قوله: "رأى نغاشيًا فسجد"، (النُّغَاشيُّ) بتشديد الياء بالغين المعجمة: قصيرُ الخلق. فالسُّنة لمن رأى مبتلى ببلاءٍ أن يسجدَ شكرًا لله على أن عافاه الله تعالى من ذلك البلاء، ولكن ليكتم السجود عنه كيلا يتأذى، وإن رأى فاسقًا ليسجد وليظهر السجود، فلعلَّ الفاسق ينتبه ويتوب. * * *

стр. 876

١٠٦٠ - عن عامر بن سَعْد، عن أبيه قال: خرجْنا معَ رسولِ الله ﷺ مِن مكةَ نريدُ المدينةَ، فلمَّا كنا قَريبًا من عَزْوَزاء نزلَ، ثم رفعَ يديهِ فدَعا الله ساعةً، ثم خَرَّ ساجدًا، فمكثَ طويلًا، ثم قامَ فرفعَ يديه ساعةً، ثم خرَّ ساجدًا، ثم قام فقال: "إني سألتُ ربي، وشفعتُ لأِمَّتِي، فأعطاني ثُلُثَ أُمَّتي، فخرَرْتُ ساجدًا لِربي شكرًا، ثم رفعتُ رأسي فسألتُ ربي لأمَّتي، فأعطاني ثلثُ أمتي فخررتُ ساجدًا لربي شكرًا، ثم رفعتُ رأسِي فسألتُ ربي لأِمَّتي، فأعطاني الثلث الآخِرَ، فخررتُ ساجدًا لربي شكرًا". وروي أن النَّبي ﷺ رأى نُغاشِيًا، فسجد شكرًا لله، والنُّغاش: القصير. "عن عامر بن سعد عن أبيه". قوله: "قريبًا من عَزُوْزَاء": - بالعين غير المعجمة وبالزايين المعجمتين والمد -: موضع بين مكة والمدينة، نزل النبيُّ ﵇ في هذا الموضع للدعاء، ولم يكن خاصية هذا البقعة، بل بوحي أوحي إليه في الدعاء، أو لأمر آخر. ودعاؤه لأمته في هذا الموضع وإعطاء الله تعالى إياه جميع أمته بثلاث مرات، ليس معناه أن يكون جميع أمته مغفورين بحيث لا يصيبهم عذاب؛ لأن هذا نقيض لكثير من الآيات والأحاديث الواردة في تهديد آكل مال اليتيم والربا والزاني وشارب الخمر وقتل النفس بغير حق وغير ذلك. بل معناه: أنه سأل أن تخصَّ أمتُهُ من بين الأمم بأن لا تمسخ صورهم بسبب الذنوب، وأن لا يخلدهم في النار بسبب الكبائر، بل يخرج من النار من مات في الإسلام بعد تطهيره من الذنوب، وغير ذلك من الخواص التي خصَّ الله تعالى أمته ﵇ من بين سائر الأمم. * * *

стр. 877

٤٩ - باب الاستِسقاء (باب الاستسقاء) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٠٦١ - عن عبد الله بن زيد قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ بالناسِ إلى المصلَّى يستسقي، فصلَّى بهم ركعتين جهرَ فيهما بالقراءةِ، واستقبلَ القِبلةَ يدعُو، ويرفعُ يديهِ، وَحَوَّلَ رداءَهُ حينَ استقبلَ القبلة. قوله: "فصلى بهم ركعتين" السُّنَةُ أن يصلي الاستسقاء بالجماعة ركعتين كصلاة العيد من غير فرق، ويخطب بعدها خطبتين، إلا أن يبتدئ؛ أي: في الخطبة الأولى للعيد بتسع تكبيرات، وفي الثانية بسبع، وفي الاستسقاء يبدل التكبير بالاستغفار، ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة، ويدعو بدعاء الاستسقاء، ويحول الخطيب رداءه والقوم يوافقونه في تحويل الرداء. والغرض من تحويل الرداء: التفاؤل بتحويل الحال، يعني: حَوِّلْ علينا أحوالَنا رجاءَ أن يُحَوِّل الله العُسْر باليسر، والجَدْبَ بالخصب. وكيفية تحويل الرداء: أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره، وبيده اليسرى الطرف الأسفل من جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره بحيث يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانبه اليمين، والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانبه اليسار، فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يسارًا، واليسار يمينًا، والأعلى أسفلَ، والأسفل أعلى، وهذا عند الشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يصلي للاستسقاء، ولكن يدعو.

стр. 878

وقال مالك: يصلي ركعتين من غير تكبير كسائر الصلوات. * * * ١٠٦٢ - وقال أنس ﵁: كانَ النبيُّ ﷺ لا يرفعُ يديهِ في شيء من دعائِه إلا في الاستسقاءِ, وإنه ليرفعُ يديهِ حتى يُرَى بياضُ إبطيْهِ. قوله: "لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء"؛ يعني: لا يرفع يديه رفعًا كاملًا حتى تُجاوِزَ يداه وجهه إلا في الاستسقاء؛ فإنه يرفعهما حتى تُجاوِزا رأسه. * * * ١٠٦٣ - وعن أنس ﵁: أن النبيَّ ﷺ اسْتَسْقى، فأشارَ بظهرِ كفَّيهِ إلى السماءِ. قوله: "فأشار بظهر كَفَّيه إلى السماء" هذا إشارةٌ إلى دفع البلاء والقحط، فمن أراد من الله نعمة؛ فليجعل بطن كفه إلى السماء، ومن طلب دفع بلاء فليجعل ظهر كفه إلى السماء. ويحتمل أن يريد بقلب بطن كفه إلى الأرض: نزول المطر؛ أي: اُصْبُب مطرَ السَّحاب إلى الأرض كما ينصبُّ ماء في الكف إذا جعل بطنه إلى الأرض. * * * ١٠٦٤ - وقالت عائشة ﵂: إن النبيَّ رسول الله ﷺ كان إذا رَأَى المطرَ قال: "صَيبًا نافِعًا". قوله: "صَيبًا نافعًا"، (الصيب): المطر؛ يعني: اجعل هذا المطر نافعًا،

стр. 879

ولا تجعله مغرقًا كطوفان نوح ﵇. * * * ١٠٦٥ - وقال أنس: أصابنا ونحنُ معَ رسولِ الله ﷺ مطرٌ، قال: فحسَرَ رسولُ الله ﷺ ثوبَه حتى أصابَه من المطرِ، فقلنا: يا رسولَ الله، لِمَ صنعتَ هذا؟، قال: "لأنه حديثُ عهدٍ بربه". قوله: "حَسَرَ ثوبَه"؛ أي: كَشَفَ ثوبه عن بدنه. قوله: "لأنه حديثُ عهدٍ بربه"؛ أي: جديد النزول من حضرة ربه، وبأمر ربه، فالمطر مبارك، وَمَا لَم يصب الأرض يكون أكثر بركة وطهارة؛ فلهذا أحبَّ ﵇ أن يصيب المطر المبارك الطهور بدنه المبارك الطاهر، وهذا إشارة وتعليم لأمته أن يتقربوا ويرغبوا فيما فيه خير وبركة. * * * مِنَ الحِسَان: ١٠٦٦ - عن عبد الله بن زَيدٍ ﵁ قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى المُصلَّى فاستَسقَى، وحوَّلَ رداءَه حين استقبلَ القبلَةَ، فجعل عِطافَه الأيمنَ على عاتِقِهِ الأيسرِ، وجعلَ عِطافه الأيسرَ على عاتِقِهِ الأيمنِ، ثم دَعا الله. قوله: "فجعل عِطَافَه"، (العِطَاف) بكسر العين: الرِّداء. "فجعل عِطافَه الأيمنَ"؛ أي: فجعل الجانب الأيمن من عِطافه. * * * ١٠٦٧ - وعنه أنه قال: استسقَى النبيُّ ﷺ وعليهِ خَمِيصَةٌ له سوداءُ، فأرادَ

стр. 880

أن يأخذَ أسفَلَها فيجعلَهُ أعلاها، فلمَّا ثَقُلَتْ عليه قلَبَها على عاتِقَيْهِ. قوله: "وعليه خَمِيصَةٌ"؛ (الخميصة): الكِسَاء الأسود. "فلمَّا ثَقُلَتْ قَلَّبَها على عاتقيه"؛ يعني: فلما عسرت عليه جعل أسفلها أعلاها، وجعل ما على كتفه الأيمن منها على عاتقه الأيسر. * * * ١٠٦٨ - عن عُمَير مولى آبي اللحمِ: أنه رأَى النبيَّ ﷺ يستسقي عندَ أحجارِ الزَّيتِ، قائمًا يدعُو رافعًا يديهِ قِبَلَ وجهِهِ لا يجاوزُ بهما رأسَه. قوله: "أحْجَارِ الزَّيتِ": موضع بالمدينة قريبًا من الزَّوراء. قوله: "لا يجاوز بهما رأسه"؛ يعني: لا يرفع يديه إلا بمحاذاة وجهه ورأسه، ولا يرفع أكثر من هذا، وهذا خلاف حديث أنس، ولعل هذا كان في مرة أخرى. و"آبي اللحم" بالمد: سمي به؛ لأنه أَبَى أن يأكل اللحم، واسمه: عبد الله ابن عبد الملك استشهد يوم حنين، قيل: لم يروِ عميرٌ هذا الحديث عن رسول الله ﵇، بل عن مولاه آبي اللحم، ولم يرو آبي اللحم غير هذا الحديث. * * * ١٠٦٩ - وقال ابن عباس ﵄: خرجَ النبيُّ ﷺ يعني في الاستسقاءِ - مُبتذلاً مُتَواضعًا مُتخشِّعًا مُتضرِّعًا. قوله: "مُتَبَذِّلاً"، (التَّبَذُّلُ): الخروج بلباس البذْلَةِ، وهو ما يبذلها ويلبسها الرجل في جميع أيامه غير لباس الزينة، والإبذَالُ مثله؛ يعني: خرج
следующие страницы →