١٠٦٠ - عن عامر بن سَعْد، عن أبيه قال: خرجْنا معَ رسولِ الله ﷺ مِن مكةَ نريدُ المدينةَ، فلمَّا كنا قَريبًا من عَزْوَزاء نزلَ، ثم رفعَ يديهِ فدَعا الله ساعةً، ثم خَرَّ ساجدًا، فمكثَ طويلًا، ثم قامَ فرفعَ يديه ساعةً، ثم خرَّ ساجدًا، ثم قام فقال: "إني سألتُ ربي، وشفعتُ لأِمَّتِي، فأعطاني ثُلُثَ أُمَّتي، فخرَرْتُ ساجدًا لِربي شكرًا، ثم رفعتُ رأسي فسألتُ ربي لأمَّتي، فأعطاني ثلثُ أمتي فخررتُ ساجدًا لربي شكرًا، ثم رفعتُ رأسِي فسألتُ ربي لأِمَّتي، فأعطاني الثلث الآخِرَ، فخررتُ ساجدًا لربي شكرًا".
وروي أن النَّبي ﷺ رأى نُغاشِيًا، فسجد شكرًا لله، والنُّغاش: القصير.
"عن عامر بن سعد عن أبيه".
قوله: "قريبًا من عَزُوْزَاء": - بالعين غير المعجمة وبالزايين المعجمتين والمد -: موضع بين مكة والمدينة، نزل النبيُّ ﵇ في هذا الموضع للدعاء، ولم يكن خاصية هذا البقعة، بل بوحي أوحي إليه في الدعاء، أو لأمر آخر.
ودعاؤه لأمته في هذا الموضع وإعطاء الله تعالى إياه جميع أمته بثلاث مرات، ليس معناه أن يكون جميع أمته مغفورين بحيث لا يصيبهم عذاب؛ لأن هذا نقيض لكثير من الآيات والأحاديث الواردة في تهديد آكل مال اليتيم والربا والزاني وشارب الخمر وقتل النفس بغير حق وغير ذلك.
بل معناه: أنه سأل أن تخصَّ أمتُهُ من بين الأمم بأن لا تمسخ صورهم بسبب الذنوب، وأن لا يخلدهم في النار بسبب الكبائر، بل يخرج من النار من مات في الإسلام بعد تطهيره من الذنوب، وغير ذلك من الخواص التي خصَّ الله تعالى أمته ﵇ من بين سائر الأمم.
* * *
стр. 877
٤٩ - باب الاستِسقاء
(باب الاستسقاء)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٦١ - عن عبد الله بن زيد قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ بالناسِ إلى المصلَّى يستسقي، فصلَّى بهم ركعتين جهرَ فيهما بالقراءةِ، واستقبلَ القِبلةَ يدعُو، ويرفعُ يديهِ، وَحَوَّلَ رداءَهُ حينَ استقبلَ القبلة.
قوله: "فصلى بهم ركعتين" السُّنَةُ أن يصلي الاستسقاء بالجماعة ركعتين كصلاة العيد من غير فرق، ويخطب بعدها خطبتين، إلا أن يبتدئ؛ أي: في الخطبة الأولى للعيد بتسع تكبيرات، وفي الثانية بسبع، وفي الاستسقاء يبدل التكبير بالاستغفار، ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة، ويدعو بدعاء الاستسقاء، ويحول الخطيب رداءه والقوم يوافقونه في تحويل الرداء.
والغرض من تحويل الرداء: التفاؤل بتحويل الحال، يعني: حَوِّلْ علينا أحوالَنا رجاءَ أن يُحَوِّل الله العُسْر باليسر، والجَدْبَ بالخصب.
وكيفية تحويل الرداء: أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره، وبيده اليسرى الطرف الأسفل من جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره بحيث يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانبه اليمين، والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانبه اليسار، فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يسارًا، واليسار يمينًا، والأعلى أسفلَ، والأسفل أعلى، وهذا عند الشافعي وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي للاستسقاء، ولكن يدعو.
стр. 878
وقال مالك: يصلي ركعتين من غير تكبير كسائر الصلوات.
* * *
١٠٦٢ - وقال أنس ﵁: كانَ النبيُّ ﷺ لا يرفعُ يديهِ في شيء من دعائِه إلا في الاستسقاءِ, وإنه ليرفعُ يديهِ حتى يُرَى بياضُ إبطيْهِ.
قوله: "لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء"؛ يعني: لا يرفع يديه رفعًا كاملًا حتى تُجاوِزَ يداه وجهه إلا في الاستسقاء؛ فإنه يرفعهما حتى تُجاوِزا رأسه.
* * *
١٠٦٣ - وعن أنس ﵁: أن النبيَّ ﷺ اسْتَسْقى، فأشارَ بظهرِ كفَّيهِ إلى السماءِ.
قوله: "فأشار بظهر كَفَّيه إلى السماء" هذا إشارةٌ إلى دفع البلاء والقحط، فمن أراد من الله نعمة؛ فليجعل بطن كفه إلى السماء، ومن طلب دفع بلاء فليجعل ظهر كفه إلى السماء.
ويحتمل أن يريد بقلب بطن كفه إلى الأرض: نزول المطر؛ أي: اُصْبُب مطرَ السَّحاب إلى الأرض كما ينصبُّ ماء في الكف إذا جعل بطنه إلى الأرض.
* * *
١٠٦٤ - وقالت عائشة ﵂: إن النبيَّ رسول الله ﷺ كان إذا رَأَى المطرَ قال: "صَيبًا نافِعًا".
قوله: "صَيبًا نافعًا"، (الصيب): المطر؛ يعني: اجعل هذا المطر نافعًا،
стр. 879
ولا تجعله مغرقًا كطوفان نوح ﵇.
* * *
١٠٦٥ - وقال أنس: أصابنا ونحنُ معَ رسولِ الله ﷺ مطرٌ، قال: فحسَرَ رسولُ الله ﷺ ثوبَه حتى أصابَه من المطرِ، فقلنا: يا رسولَ الله، لِمَ صنعتَ هذا؟، قال: "لأنه حديثُ عهدٍ بربه".
قوله: "حَسَرَ ثوبَه"؛ أي: كَشَفَ ثوبه عن بدنه.
قوله: "لأنه حديثُ عهدٍ بربه"؛ أي: جديد النزول من حضرة ربه، وبأمر ربه، فالمطر مبارك، وَمَا لَم يصب الأرض يكون أكثر بركة وطهارة؛ فلهذا أحبَّ ﵇ أن يصيب المطر المبارك الطهور بدنه المبارك الطاهر، وهذا إشارة وتعليم لأمته أن يتقربوا ويرغبوا فيما فيه خير وبركة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٠٦٦ - عن عبد الله بن زَيدٍ ﵁ قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى المُصلَّى فاستَسقَى، وحوَّلَ رداءَه حين استقبلَ القبلَةَ، فجعل عِطافَه الأيمنَ على عاتِقِهِ الأيسرِ، وجعلَ عِطافه الأيسرَ على عاتِقِهِ الأيمنِ، ثم دَعا الله.
قوله: "فجعل عِطَافَه"، (العِطَاف) بكسر العين: الرِّداء.
"فجعل عِطافَه الأيمنَ"؛ أي: فجعل الجانب الأيمن من عِطافه.
* * *
١٠٦٧ - وعنه أنه قال: استسقَى النبيُّ ﷺ وعليهِ خَمِيصَةٌ له سوداءُ، فأرادَ
стр. 880
أن يأخذَ أسفَلَها فيجعلَهُ أعلاها، فلمَّا ثَقُلَتْ عليه قلَبَها على عاتِقَيْهِ.
قوله: "وعليه خَمِيصَةٌ"؛ (الخميصة): الكِسَاء الأسود.
"فلمَّا ثَقُلَتْ قَلَّبَها على عاتقيه"؛ يعني: فلما عسرت عليه جعل أسفلها أعلاها، وجعل ما على كتفه الأيمن منها على عاتقه الأيسر.
* * *
١٠٦٨ - عن عُمَير مولى آبي اللحمِ: أنه رأَى النبيَّ ﷺ يستسقي عندَ أحجارِ الزَّيتِ، قائمًا يدعُو رافعًا يديهِ قِبَلَ وجهِهِ لا يجاوزُ بهما رأسَه.
قوله: "أحْجَارِ الزَّيتِ": موضع بالمدينة قريبًا من الزَّوراء.
قوله: "لا يجاوز بهما رأسه"؛ يعني: لا يرفع يديه إلا بمحاذاة وجهه ورأسه، ولا يرفع أكثر من هذا، وهذا خلاف حديث أنس، ولعل هذا كان في مرة أخرى.
و"آبي اللحم" بالمد: سمي به؛ لأنه أَبَى أن يأكل اللحم، واسمه: عبد الله ابن عبد الملك استشهد يوم حنين، قيل: لم يروِ عميرٌ هذا الحديث عن رسول الله ﵇، بل عن مولاه آبي اللحم، ولم يرو آبي اللحم غير هذا الحديث.
* * *
١٠٦٩ - وقال ابن عباس ﵄: خرجَ النبيُّ ﷺ يعني في الاستسقاءِ - مُبتذلاً مُتَواضعًا مُتخشِّعًا مُتضرِّعًا.
قوله: "مُتَبَذِّلاً"، (التَّبَذُّلُ): الخروج بلباس البذْلَةِ، وهو ما يبذلها ويلبسها الرجل في جميع أيامه غير لباس الزينة، والإبذَالُ مثله؛ يعني: خرج
стр. 881
رسول الله ﵇ بلباس التواضع، لا بلباس الزينة، بخلاف العيد.
* * *
١٠٧٠ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسولَ الله ﷺ كانَ يقولُ إذا استسقى: "اللهم اسْقِ عبادَكَ وبَهيمَتَكَ، وانشُرْ رحمَتَكَ، وأَحْيِ بلدَكَ الميتَ".
قوله: "وانشُرْ"؛ أي: وابسط.
"وأحيي بلدك الميت"؛ أي: أنزل المطر حتى تصيرَ الأرضُ اليابسةُ البيضاءُ من عدم الماء والنبات رطبةً خضراءَ بالنبات والماء.
* * *
١٠٧١ - وعن جابر بن عبد الله قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُواكِئ يرفع يديه فقال: "اللهم اسقِنا غَيْثًا مُغيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نافعًا غيرَ ضارٍّ عاجلاً غيرَ آجلٍ"، فأطبَقَتْ عليهم السماءُ.
قوله: "يُوَاكِئ"؛ أي: يرفع يديه للدعاء، واتَّكَأ على يديه حتى وجد ثقلاً بيده كمن اتكأ على عصا، وهو من: (واكَأ يواكئ): إذا اتكأ على عصا، هكذا قال الخطابي.
"غيثًا"؛ أي: مطرًا.
"مغيثًا"؛ أي: مُعِيْنًا (١)، وهو قريب من قوله: (نافعًا).
"مريئًا"، (المَريء): الطعام الذي يوافق الطَّبع، ولا يحصل منه ضرر؛ يعني: أعطنا مطرًا نافعًا لا يكون فيه ضرر من الإغراق والإهدام.
стр. 882
"مَرِيعًا" قال الخطابي: يجوز (مَريْعًا) بفتح الميم وبالياء المنقوط تحتها بنقطتين و (مُربعًا) بضم الميم وبالباء المنقوطة تحتها بنقطة واحدة، فالأول من (مَرُعَ مَرَاعَة): إذا صارت الأرض كثيرة الماء والنبات، و (مَريعًا) هنا: صفة (الغيث)، فكأنه قال: غيثًا مريعًا؛ أي: كثيرًا.
والثاني من (أَرْبَعَ): إذا رعى الشاة في الربيع؛ فعلى هذا يكون معناه: غيثًا مربعًا؛ أي محصلًا ومنبتًا للربيع، وهو النبات الذي ترعاه الشاة في فصل الربيع.
ويجوز من حيث اللغة: (مُرِيْعًا) - بضم الميم - من (أَرَاعَ يُرِيْع): إذا كثر الشيء، وجعله زائدًا على ما كان، فعلى هذا يكون معناه: غيثًا عاجلًا لنبات كثير.
قوله: "فأُطْبقَتْ عليهم السماء" بضم الهمزة وكسر الباء: جُعِلَتِ السماء عليهم كطبق، و (السماء): السحاب، و (أطبق): إذا وضع طبقًا على رأس شيء وغطاه؛ يعني: ظَهَرَ السَّحاب في ذلك الوقت وغطاهم السحاب، جَعَلَ السَّحابَ كطبق فوقهم بحيث لا يرون السماء من السحاب.
* * *
فصل في صفة المَطَر والرِّيح
(فصل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٧٢ - قال رسول الله ﷺ : "نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهلِكَتْ عادٌ بالدَّبُورِ".
قوله: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهلكَتْ عادٌ بالدَّبُور"، و (الصبا): الريح التي
стр. 883
تجيء من خلف ظهرك إذا استقبلت القبلة، و (الدَّبُور): الريح التي تجيء من قِبَلِ وجهك إذا استقبلت القبلة أيضًا.
قصة هذا الحديث: أن قُريشًا وغَطَفان وبني قُريظة وبني النَّضير حاصروا المدينة يوم الخندق، ونزلوا قريبًا من المدينة، فهبَّتْ ريح الصَّبا، وكانت ريحًا شديدة، فقلعت خيامهم، وأراقت أوانيهم وقدورهم، ولم يمكنهم لفرار ثَمَّ، وألقي في قلوبهم الخوف فهربوا.
وذلك كان معجزة لرسول الله ﵇، وفضلاً من الله تعالى على المسلمين.
وأما (الدَّبور): فأهلكت قومَ عاد، وكانت قَامَةُ كلِّ واحد منهم اثني عشر ذراعًا في قول، فهبت عليهم الدَّبور، وألقتهم على الأرض بحيث اندقَّتْ رؤوسهم، وانشقَّت بطونهم، وخرجَتْ أحشاؤهم من بطونهم.
يعني بهذا الحديث: أن الريح مأمورة تجيء تارة لنصرة قوم، وتارة لإهلاك قوم.
رواه: "عبد الله بن عباس".
* * *
١٠٧٣ - وقالت عائشة ﵂: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ أضحى ضاحِكًا حتى أَرَى منه لَهَواتِهِ، إنما كانَ يَتَبَسَّمُ، وكانَ إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرِفَ في وجهِهِ.
قولها: "أرى منه"؛ أي: من رسول الله ﵇.
"لَهَواته"؛ (اللهوات): جمع لَهَاة، وهي قعر الفم قريب من أصل اللسان.
стр. 884
"الغيم": السَّحاب.
"عُرِفَ في وجهه"؛ أي: ظهر أثر الخوف في وجهه، خاف أن يحصل من ذلك السحاب أو الريح ما فيه ضرر بالناس.
* * *
١٠٧٤ - وقالت: كانَ النبيُّ ﷺ إذا عصَفَتِ الريحُ قال: "اللهم إني أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أُرسِلَتْ به، وأعوذُ بكَ من شرِّها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُرسِلت به"، وإذا تخيَّلت السماءُ تغيَّر لونُه، وخرجَ ودخلَ وأقبلَ وأدبرَ، فإذا مَطَرَت سُرِّيَ عنه، فعَرَفتْ ذلكَ عائشةُ ﵂ فسأَلَتْه؟، فقال: "لعلَّه يا عائشةُ كما قالَ قومُ عادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ".
وفي روايةٍ: ويقولُ إذا رأَى المطرَ: "رحمةً"؛ أي: اجعلْها رحمةً.
قولها: "عصفت"؛ أي: هبَّت وجاءت.
"تَخَيَّلَتِ السَّماء"، (السماء) هنا بمعنى: السَّحاب، و (تخيَّلَت السحاب): إذا تهيأت للمطر وظهر فيها أثر المطر.
قولها: "وخرجَ ودخلَ، وأقبلَ وأدبرَ": هذا الألفاظ عبارات عن عدم القرار من الخوف؛ يعني: من غاية الخوف لحظةً يخرجُ من البيت ولحظة يدخل.
قولها: "فإذا مطرت"؛ أي: مطرت السحاب؛ أي: نزل منها المطر.
"سُرِّيَ عنه" بضم السين وكسر الراء؛ أي: أُذهب عنه الخوف.
"عَارِضًا"؛ أي: سحابًا.
"استقبل ذلك السَّحاب أَوديَتِهم"؛ أي: صحاريهم.
стр. 885
" ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ "؛ أي: ظنوا أن هذا السحاب ينزل منه المطر، فظهرت منه ريح فأهلكتهم؛ كما تقدم بحثها في أول هذا الفصل.
يعني رسول الله ﵇ بهذا القول: أنه لا يجوز لأحدٍ أن يأمنَ من عذاب الله تعالى.
قوله: "رحمة"؛ يعني: اجعله رحمة ولا تجعله عذابًا.
* * *
١٠٧٥ - وقال رسول الله ﷺ : "مفاتيحُ الغيبِ خمسٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية".
قوله: "مفاتيح الغيب خمس" قيل: أراد بـ (مفاتيح الغيب): خزائن الغيب، وشرح هذه الآية ذُكر في أول (كتاب الإيمان).
* * *
١٠٧٦ - وقال ﷺ : "ليست السَّنَةُ بأنْ لا تُمْطَرُوا، ولكنَّ السَّنَةَ أنْ تُمْطَرُوا وتُمْطَروا ولا تُنبتُ الأرضُ شيئًا".
قوله: "ليست السَّنة بأن لا تمطروا"، (السَّنَةُ): القحط، (بأن لا تُمطروا)؛ أي: بأن لا ينزل عليكم المطر؛ يعني: لا تظنوا الرزق والبركة من المطر، بل الرزق والبركة من الله تعالى، فربَّ مطرٍ لا يَنبتُ منه شيءٌ.
وهذا ليس نهي عن الاستسقاء والاستمطار، بل الاستسقاء والاستمطار سُنَّةٌ، ولكنه نهي عن اعتقاد حصول الرزق بنزول المطر، وعدم حصول الرزق بعدم المطر، بل ليكتسب العبد وليعلم أنَّ الرزق من الله تعالى، وليستمطر وليعلم أنَّ الرزق من الله تعالى.
* * *
стр. 886
مِنَ الحِسَان:
١٠٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "الريحُ من رَوْحِ الله تأْتي بالرحمةِ وبالعذابِ، فلا تَسُبُّوها، وسَلُوا الله من خيرِها، وعُوذُوا بهِ مِن شرِّها".
قوله: "الريح من رَوْحِ الله تعالى": ذكر في "شرح السُّنة": أن قوله: (الريح من رَوح الله تعالى)؛ أي: من رحمة الله تعالى، فذكر هذا القدر، واقتصر (١) عليه.
والريح كيف تكون من رحمة الله تعالى مع أنه تجيء بالعذاب؟
جواب هذا الإشكال: أن الريح إذا جاءت لعذاب قوم؛ فذلك العذاب يكون رحمةً للمؤمنين خلصوا من أيدي الكفار الذين أهلكوا بالريح.
ويحتمل أن تكون (الريح) هنا مصدرًا بمعنى الفاعل كـ (عدل) بمعنى (العادل)، وحينئذٍ يكون معناه: من رائح الله؛ أي: من الأشياء التي تجيء من حضرة الله بأمر الله كالمطر والحرارة والبرودة وغير ذلك، فتارة تجيء للراحة بأمر الله، وتارة تجيء للعذاب بأمر الله تعالى، فإذا كان مجيئها بأمر الله، فلا يجوز سَبُّها بأن يَلْحَقَ منها ضررٌ إلى أحد، بل ليتوب ذلك الأحدُ؛ بل جميعُ الناس إلى الله تعالى، ويستعيذون به من عذابه.
* * *
١٠٧٨ - وعن ابن عباس ﵄: أن رجلًا لعنَ الريحَ عندَ النبيِّ ﷺ فقال: "لا تَلعنُوا الريحَ، فإنها مأمورةٌ، وإنه مَن لعنَ شيئًا ليسَ له بأهلٍ رجعَتِ اللعنةُ عليهِ"، غريب.
стр. 887
قوله: "رجعت اللعنة عليه"، الضمير في (عليه) يرجع إلى اللاعن هنا، لا إلى قوله: (شيئًا)، وباقي معناه ظاهر.
* * *
١٠٧٩ - وعن أُبيِّ بن كَعْبٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَسبُّوا الرِّيحَ، فإذا رأَيتُم ما تَكرهونَ فقولوا: اللهم إنا نسألُكَ من خيرِ هذهِ الريحِ وخيرِ ما فيها وخيرِ ما أُمِرَتْ به، ونعوذُ بكَ من شرِّ هذه الريحِ وشرِّ ما فيها وشرَّ ما أُمِرَت به".
قوله: "فإذا رأيتم ما تكرهون"؛ يعني: فإذا رأيتم ريحًا شديدةً تأذيتُمْ بها.
* * *
١٠٨٠ - وعن ابن عباس ﵄ قال: ما هَبَّت ريحٌ قطُّ إلا جَثَا النبيُّ ﷺ على ركبتَيهِ وقال: "اللهم اجعَلْها رحمةً ولا تجعَلها عذابًا، اللهم اجعَلها رياحًا ولا تجعَلها ريحًا".
قال ابن عباس ﵄: في كتابِ الله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾، و ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾، وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾.
قوله: "ما هبت ريحٌ قطُّ إلا جَثَا النبي ﵇ على ركبَتَيْهِ"، (جثا)؛ أي: جَلَسَ على ركبتيه من التواضع، وعرض الخشوع على الله، ومن الفرار من عذاب الله تعالى.
قول ابن عباس إنما قاله لتفسير قوله ﵇: "اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا"؛ يعني: كل ما كان في القرآن من الريح بلفظ المفرد؛
стр. 888
فهو عذاب نحو: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]، و ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، وكل ما كان بلفظ الجمع فهو رحمة نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] و ﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦].
(الصَّرْصَرُ): شديد البرد، (العَقِيْمُ): ما ليس فيه خير، (اللَّواقِحُ): جمع لاقِحة، وهي بمعنى مُلَقِّحَة؛ أي: تلقَّح الأشجار؛ أي: تجعلها حاملًا بالثمار، وهذا التفسير ليس بمستقيم؛ لأن في القرآن كثيرًا من الريح بلفظ المفرد، وليس بعذاب نحو قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، فثبت أنه لا فرق بين الريح والرياح، إلا إذا اتصل ذكر رحمة أو ذكر عذاب، وما في معناهما.
أما قوله ﵇: (اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا) قال الخطابي: إنما قال رسول الله ﵇ هذا؛ لأن الريح لو كانت مرة واحدة لا تلقح السحاب، فلا ينزل المطر، أو ينزل المطر، ولكن يكون قليلًا، وأما لو كانت الرياح كثيرة تُلُقِّحَ السَّحابَ، فيكون مطرها كثيرًا.
وقيل: معناه: لا تهلكنا بهذه الريح، وطوِّلْ أعمارنا حتى تمرَّ علينا رياحًا كثيرة؛ فإنك لو أهلكتنا بهذه الريح لكانت هذه الريح ريحًا لا تهُبُّ بعدها علينا ريحٌ أخرى، فتكون ريحًا لا رياحًا.
* * *
١٠٨١ - عن عائشةَ ﵂ قالت: كان النبيُّ ﷺ : إذا أَبصرْنا شيئًا من السماءِ - تعني السحابَ - تركَ عملَهُ، واستقبَلَهُ وقال: "اللهم إني أعوذُ بكَ من شرِّ ما فيهِ"، فإن كشَفَهُ الله حَمِدَ الله، وإن مطرَتْ قال: "اللهم سُقْيًا نافعًا".
قولها: "إذا أبصرنا شيئًا من السماء ناشئًا"؛ أي: سحابًا، سمي (ناشئًا)
стр. 889
لأنه ينشأ في الهواء؛ أي: يظهر.
قولها: "فإن كشفه الله تعالى حَمِدَ الله تعالى"؛ يعني: فإن أذهب الله تعالى ذلك السَّحاب ولم تمطر حمد الله على ذهابه، ولم يحصل منه عذاب، كما خرجت الريح من بين السحاب، وأهلكت عادًا وأخرجت نارًا من ظلمة مثل سحاب، وأحرقَتْ قومَ شعيب.
* * *
١٠٨٢ - عن ابن عمر ﵁: أن رسولَ الله ﷺ كانَ إذا سمعَ صوتَ الرعدِ والصَّواعِقِ قال: "اللهم لا تَقْتُلْنا بِغَضَبكَ، ولا تُهلِكنا بعذابكَ، وعافِنا قبلَ ذلكَ".
قولها: "إذا سمع صوتَ الرَّعد والصَّواعق"، (الصواعق): جمع (صاعقة)، وهي مثل الرعد، إلا أنه يقال لصوت شديد غاية الشدة يسمع من السحاب: صاعقة، ولصوت أقل من ذلك: رعد.
° ° °
стр. 890
٥ - كِتابُ الجَنَائِزِ
стр. 891
[٥]
كِتابُ الجَنَائِزِ
١ - باب عِيَادة المَريض وثواب المَرَض
(كتاب الجنائز)
(باب عيادة المريض وثواب المرض)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٨٣ - قال رسول الله ﷺ : "أَطْعِموا الجائع، وعُودُوا المَريض، وفُكُّوا العاني".
قوله: "وعُودوا المريض"، (عودوا): أمر جماعة المخاطبين، يقال: (عُدْ يا رجل) مثل: (قُل)، و (عُودا) مثل (قولا)، و (عُودوا) مثل (قولوا)، ومصدره العِيَادة، وهي معروفة.
"فُكُّوا" بضم الفاء أيضًا: أمر جماعة المخاطبين؛ أي: أعتقوا.
"العَاني": الأسير؛ أي: العبد والأمة.
стр. 892
١٠٨٤ - وقال: "حقُّ المُسلم على المُسلم خمسٌ: ردُّ السلام، وعيادةُ المَريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدَّعوة، وتشميت العاطِس".
قوله: "وإجابةُ الدَّعوة"؛ يعني: إذا دعا أحد لضيافة أو معاونة يجيبه ويطيعه في ذلك.
"وتشميت العاطس" بالشين والسين: أن يقول لِمَنْ عطس: (يرحمك الله).
وردُّ السَّلام فرضٌ على الكفاية؛ يعني: إذا جلس جماعة فسلم عليهم أحد، فإذا ردَّ مِنْ بين الجماعة واحدٌ السلامُ سقطَ الفرضُ عن الباقين.
وإن سَلَّمَ على الواحد تعيَّنَ عليه الجواب.
"واتِّباعُ الجنائز" أيضًا فرضٌ على الكفاية، وكذلك (إجابة الدعوة) إذا دعاه في النكاح، ولم يكن هناك معصية من زُمُرٍ وغيره.
وأما عيادة المريض، وتشميت العاطس إذا قال: (الحمد لله) فسُنَّةٌ.
* * *
١٠٨٥ - وقال: "حقُّ المُسلم على المُسلم سِتٌّ: إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأَجبْه، وإذا استنصحك فانصَح له، وإذا عَطَسَ فحمِد الله فشمِّته، وإذا مَرِضَ فَعُدْهُ، وإذا مات فاتَّبعْه".
قوله: "فسلِّمْ عليه"، التسليمُ سُنَّةٌ، فإذا سلَّم من بين جماعة أحد يكفي، وقد أدى جميعهم السُّنَّةَ.
قوله: "وإذا استَنْصَحَكَ"؛ أي: إذا طلب منك النصيحة، و (النصيحة): وعظ أحد ودلالته على الرُّشد، وإرادة الخير له.
* * *
стр. 893
١٠٨٦ - وقال البَراء بن عازِب: أَمَرَنا النبي ﷺ بسبعٍ، ونَهانا عن سبعٍ، أَمَرَنا بعِيادةِ المريض، واتباعِ الجنائزِ، وتشميت العاطِسِ، وردِّ السلام، وإجابةِ الداعي، وإبرار المُقْسِم، ونصر المظلوم، ونهانا عن خاتَم الذهب، وعن الحرير، والإسْتَبْرَق، والدِّيباج، والمِيْثَرة الحمراء، والقَسِّيِّ، وآنيةِ الفضة.
وفي روايةٍ: وعن الشرب في الفضة، فإنه مَنْ شَرِب فيها في الدُّنيا، لم يشرب فيها في الآخرة.
"وإبرار المُقْسِمِ"، (الإبرار): جعل اليمين صدقًا، و (المُقْسِم) بضم الميم وكسر السين: الحالف، مثال إبرار المقسِم: أن يقولَ زيدٌ مثلًا لعمرو: والله لا أذهبُ حتى تجيء معي، أو حتى تفعل كذا، فالمستحب لعمرو أن يفعل ذلك الفعل إذا لم يكن معصيةً؛ حتى يصير قَسَمُ زيد صدقًا.
ويحتمل أن يكون معنى (إبرار المقسم): تصديقه، مثل أن يقول أحد: والله فعلت كذا، أو ما فعلت كذا، فيعتقد كونه صادقًا، ولا يقول: إنه حلف كاذبًا.
"الإستَبْرَقُ والدِّيياج": نوعان من الإبريسَم.
"المِيْثَرة": وسادة توضع في السَّرج؛ ليكون موضع جلوس الراكب لينًا، فإن كان من الإبريسم حرم الجلوس عليه بأي لون كان، وإن لم يكن من الإبريسَم، فإن كان لونه أحمر فهو منهي عنه؛ لما فيه من الرعونة، وإن لم يكن أحمر فلا بأس به.
"القَسِّيِّ" بفتح القاف وتشديد السين والياء: ثياب منسوبة إلى القَس، وهي قرية من ناحية مصر، وكونه منهيًا؛ إما لكونه من الإبريسَم، وإما لكونه أحمر وإن لم يكن من الإبريسَم.
قوله: "لم يشرب فيها في الآخرة"؛ يعني: من اعتقد حِلَّها ومات على
стр. 894
هذا الاعتقاد؛ فإنه مات كافرًا، والكافر لا يدخل الجنة، وأما من اعتقد تحريمها؛ فإن هذا الحديث غير متناول له؛ لأن الشُّرب من آنية الذهب والفضة ذنب صغير، ومن أذنب ذنبًا صغيرًا كيف لا يشرب في الجنة من آنية الفضة، بل كل من دخل الجنة يشرب من آنية الذهب والفضة وغير ذلك، بل يكون هذا الحديث؛ لزجر المسلمين وتهديدهم عن الإذناب، وإن كان الذَّنب صغيرًا.
* * *
١٠٨٧ - وقال رسول الله ﷺ : "إنَّ المُسلمَ إذا عاد أخاه المسلم لم يَزَلْ في خُرْفَةِ الجنةِ حتى يرجِعَ".
قوله: "لم يزل في خُرْفة الجنة": ذكر في "شرح السنة" في آخر هذا الحديث: أن الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله! "وما خُرْفَةُ الجنة؟ قال: جَنَاها".
(الخُرْفَةُ) بضمِّ الخاء وسكون الراء: جنى الشجر، وهو الثمرة، وهنا مصدر محذوف، تقديره: في التقاط خُرفة الجنة؛ يعني: عيادة المريض تحصِّل الجنة للذي يعود المريض.
* * *
١٠٨٨ - وقال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يقول يومَ القيامة: يا ابن آدم، مرضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا ربِّ، كيف أَعُودُكَ وأنت رب العالمين؟، قال: أَما علمتَ أنَّ عبدي فلانًا مرِضَ فلم تَعُدْه، أما علمتَ أنك لَوْ عُدْتَه لَوَجَدْتَني عنده؟، ابن آدم، استطعمتُكَ فلم تُطعِمني، قال: يا ربِّ وكيف أُطعِمُك وأنت رب العالمين؟، قال: أَما علمتَ أنه استطعَمك عبدي فلانٌ فَلَم تُطْعِمْهُ، أَما علمتَ أنك لو أطعمتَه لَوَجدتَ ذلك عندي؟، ابن آدم: استسقيتُك فلَمْ تُسقِني، قال: يا ربِّ، كيف أسقيكَ وأنت رب العالمين؟، قال: استسقاك
стр. 895
عبدي فلانٌ فلم تَسَقِه، أَما علمتَ أنك لو سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذلك عندي".
قوله: "وأنتَ ربُّ العالمين"؛ يعني: أنت غنيٌّ ومنزهٌ عن الأمراض والنقصان والحَاجة إلى شيء أو إلى أحد.
قوله: "لوجَدْتَني عنده"؛ يعني: لوجدتني حاضرًا بالعلم عنده، ولوجدْتَ ثوابي عند عيادته.
قوله: "ابن آدم" التقدير: يا ابن آدم.
"استطعم": إذا طلبَ الطعام.
* * *
١٠٨٩ - وقال ابن عباس ﵄: إن النبيَّ ﷺ دخَل على أعرابي يعودُه، وكان إذا دخلَ على مريضٍ يعودُه قال: "لا بأْسَ، طَهُورٌ إنْ شاء الله تعالى"، فقال له: "لا بأْسَ، طَهُورٌ إن شاء الله"، قال: كلا بل حُمَّى تفورُ، على شيخٍ كبيرٍ، تُزِيرُه القُبورَ، فقال النبي ﷺ : "فنَعَمَ إذًا".
قوله: "لا بأسَ طَهُور"، (الطَّهُور): هو المطهِّر؛ يعني: ليس في هذا المرض ضرر عليك في الحقيقة؛ لأنه مطهر من الذنوب.
قول الأعرابي: "كلا"؛ أي: ليس هذا المرض مُطهرِّي، أو: ليس كما قلتَ: أنه لا بأسَ به، بل فيه بأسٌ شديد؛ لأنه "حُمَّى تَفُور"؛ أي: تَغْلِي في بَدَني كغليان القِدْر، قريبٌ من أن تزيرني القبر، أزَارَ يُزِيْرُ: إذا أذهب أحدًا إلى زيارة أحد.
قوله: "فنعم إذًا"؛ يعني: إذًا هذا المرض ليس بمطهِّرٍ لك كما قلتَ، وإنما قال رسول الله ﵇ هذا القول حين غضب برد الأعرابي قوله ﵇.
стр. 896
وهذا إشارة إلى أن الرجل ينبغي أن يتبرك بقول العلماء وأهل الدين، وأن يعظم أقوالهم، وأن يصدق ما أخبروا به، وأن تطيب نفسه بالمرض والحزن وغير ذلك من المكاره لما به من الثواب.
* * *
١٠٩٠ - وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منَّا إنسانٌ مَسَحه بيمينه، ثم قال: "أَذْهِبِ البأْسَ ربَّ الناسِ، اشفِ أنت الشَّافي، لا شفاءَ إلا شِفاؤك، شفاءً لا يُغادِر سَقَمًا".
قوله: "إذا اشتكى منا إنسانٌ مَسَحَهُ بيمينه"، (اشتكى) بمعنى: أنَّ يَئِنُ أَنينًا؛ يعني: إذا أَنَّ واحدٌ من مرضٍ وضعَ يده اليمنى على جبهته، أو على يده، أو موضع آخر، وقرأ به هذا الدعاء.
"لا يُغادر"؛ أي: لا يترك.
"سَقَمًا"؛ أي: مرضًا.
* * *
١٠٩١ - وقالت عائشة ﵂: كان إذا اشتكى الإنسانُ الشيءَ منه، أو كانتْ به قَرْحَةٌ، أو جَرْحٌ؛ قال النبيُّ ﷺ بإصبعه: "باسمِ الله، تُرْبَةُ أرضنا بِرِيقَةِ بعضنا ليُشْفَى سَقِيمُنَا بإذن ربنا".
قولها: "إذا اشتكى الإنسانُ الشيءَ منه، أو كانت به قَرْحَة أو جُرْح"، (الشيءَ) مفعول (اشتكى)؛ أي: إذا اشتكى مرضًا أو ألم بعض أعضائه.
القَرحة والجُرح واحد، ولعل المراد بـ (القَرحة) هنا: ما يخرج على الأعضاء مثل الدُّمَّل، وبـ (الجُرح): ما أصابه من جراحة بالسيف وغيره.
стр. 897
قولها: "قال النبي ﵇ بإصبعه"، (قال) هنا بمعنى: أشار، وهذا الحديث مختصر، وقد جاء في حديث آخر: أنَّ النبي ﷺ بلَّ إصبعه بريقه، ووضعه على التراب حتى لزق به التُّراب، ثم رفع إصبعه وأشار إلى ذلك المريض، وقال: "بسم الله، تُرْبَةُ أرضنَا، بِرِيْقَةِ بَعضنَا ... " إلى آخره.
(الرِّيْقَةُ والرِّيْقُ): ماء الفم، وهنا: كناية عن المني.
وقد جاء في الحديث: أنه ﵇ بصق على كفه، ثم وضع إصبعه عليه وقال: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم خلقتك من هذا"، وأراد به: المني، فكما أنه أشار إلى البزاق وأراد به المني، فكذلك ها هنا: "تربة أرضنا بِرِيْقَةِ بَعْضنَا".
أي: صورة كل واحد من بني آدم مخلوقة من التراب المعجون بالمني، وهذا مناجاة مع الله، يعني: يا مَنْ قدر على خلق الإنسان من النطفة اشفِ هذا المريض؛ فإنك قادر على شفائه، وهو هين عليك.
قوله: "ليُشْفَى سقيمُنا"؛ أي: فعلت هذا لتشفيَ سقيمَنا، هكذا قرر هذا الحديث بعض الأئمة.
* * *
١٠٩٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبيُّ ﷺ إذا اشتكَى نفَثَ على نَفْسِه بالمعوِّذات، ومسحَ بيده، فلمَّا اشتكى وَجَعَه الذي تُوفي فيه، كنتُ أنفثُ عليه بالمعوِّذات التي كان ينفثُ، وأمسحُ بيدِ النبيِّ ﷺ .
ويروى: كان إذا مَرِض أحدٌ من أهل بيته نفثَ عليه بالمُعوِّذات.
قولها: "إذا اشتكى"؛ أي: إذا مرض.
стр. 898
"نفثَ على نَفْسِهِ بالمعوِّذات"؛ أي: قرأ على نفسه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ونفث الريح على نفسه.
حقُّه أن تقول: بالمعوذتين؛ لأنهما سورتان، ولكن تَلَفَّظَتْ بلفظ الجمع؛ إما لأنها أَجْرَت التثنية مجرى الجمع، أو لأنها تعني بالمعوذات: هاتان السورتان وكل آية تشبههما، مثل: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦]، ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ [القلم: ٥١]، وما أشبه ذلك.
قولها: "ومسح عنه بيده"؛ أي: مسح عن ذلك النَّفْث بيده أعضاءَه.
وهذا الحديث يدل على أن الرُّقية بكلام الله وبالأدعية سُنَّة، وكذلك النَّفْث عند الرقية سنة.
* * *
١٠٩٣ - وعن عُثمان بن أبي العاص ﵁: أنه شكى إلى رسولِ الله ﷺ وجعًا يجدُه في جسدِه، فقال له رسول الله ﷺ : "ضع يدَك على الذي يُؤلم من جسَدِك، وقل: باسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أَعوذ بعزة الله وقُدرته من شرِّ ما أَجِدُ وأحاذِر"، قال: ففعلتُ، فَأذْهَبَ الله ما كان بي.
قوله: "يَأْلَمُ من جسدك"، (يألم)؛ أي: يوجع.
"ما أَجِدُ" من الوجَع، "وأُحَاذِرُ"؛ أي: وأحترز.
* * *
١٠٩٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن جبريلَ أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا محمد، أَشْتكَيْتَ؟، قال: "نعم"، قال: بسم الله أَرقيكَ، من كل شيءٍ يُؤذيك، من شر كل نفسٍ أو عينِ حاسدٍ، الله يَشفيك، بسم الله أَرقيك.
стр. 899
قوله: "أشْتكَيْتَ" أصله: (أاشْتَكَيْتَ) فحذفت الهمزة الثانية التي هو للوصل، ونزلت مكانها الهمزة الأولى التي هي للاستفهام، وهي مفتوحة.
* * *
١٠٩٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الحسنَ والحسينَ ويقول: "إن أباكما - يعني إبراهيم - كان يعوِّذُ بها إسماعيلَ وإسحاق، أُعِيذُكما بكلماتِ الله التامةِ من كلل شيطانٍ وهامَّة، ومن كل عينٍ لامَّة".
قوله: "كان النبي ﵇ يُعَوِّذُ الحَسن والحُسين ... " إلى آخره.
"إنَّ أبَاكما - يعني إبراهيم - كان يُعوِّذ بها إسماعيلَ وإسحاق، أُعِيذُكُمَا بكَلِمَاتِ الله التَّامَّة من كلِّ شيطان وهَامَّة" هذا لفظه في "المصابيح".
وأما في "الصِّحاح"، وفي "شرح السنة" لفظه: "أنَّ رسول الله ﵇ كان يُعوِّذ الحسن والحسين ويقول: أعيذكما بكلمات الله التَّامة من كلِّ شيطان وهامَّة، ومن كل عَيْنِ لامَّة، ويقول: كان إبراهيم يُعوِّذ بها ابنيْهِ إسماعيل وإسحاق ﵈".
قوله: "بها"؛ أي: بهذه الكلمات، وفي أكثر نسخ "المصابيح": "بهما" على لفظة التثنية، وهذا خطأ من الكاتب.
قوله: "بكلماتِ الله التَّامة"؛ أي: ليس فيها نقص؛ لأنها صفات الله تعالى وصفات الله تعالى منزهةٌ عن النقصان، وأراد بـ (كلماتِ الله): أسماء الله وصفاته.
قوله: "وهامَّة"، (الهَامَّة): ما له اسم مما يدِبُّ على الأرض كالحية والعقرب وغيرهما.
قوله: "ومِنْ كلِّ عينٍ لامَّة"، (اللامَّة): ما يُلم به الإنسان؛ أي: ينزل؛ من
стр. 900
جنون وغيره؛ يعني: ومن عينٍ حاسدةٍ يحصل منها ضرر بالإنسان.
* * *
١٠٩٦ - وقال رسول الله ﷺ : "مَن يُرِدْ الله به خيرًا يُصِبْ منه".
قوله: "يُصِبْ": مجزوم؛ لأنه جواب الشرط، و (من) في "مِنْهُ" للتعدية، ومعناه: إلى.
ويقال: أصاب زيدٌ من عمرو؛ أي: وصل إليه منه مصيبة وأذى؛ يعني: مَنْ يُرِدِ الله به خيرًا أَوْصَلَ إليه مصيبة؛ ليطهره من الذنوب، وليرفع درجته بتلك المصيبة، و (المصيبة): اسم لكل مكروهٍ يُصيب أحدًا.
* * *
١٠٩٧ - وقال: "ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا همًّ ولا حَزَنٍ، ولا أَذَى ولا غَمٍّ، حتى الشوكةُ يُشاكُها إلا كَفَّر الله بها مِن خطاياه".
قوله: "مِنْ وَصَبٍ ولا نَصَبٍ، ولا همِّ ولا حزنٍ، ولا أذى ولا غم"، (الوَصَبُ): المرض الطويل، و (النَّصَبُ): الأَلم الذي يصيب الأعضاء من جراحة وغيرها، (الهمُّ والحزن والغم): ما يصيبُ القلب من الأَلَم بفوت مال أو موت ولد وغير ذلك، إلا أن الغمَّ أشدُّ، وهو الحزن الذي يُغم الرجل؛ أي: يسترُهُ بحيث يقرب أن يغمى عليه.
و (الهمُّ): الحزن الذي يهُمُّ الرجل؛ أي: يُذيبُهُ، و (الحزن) أسهل منهما، وهو الذي يظهر منه في القلب خشونة وضيق، وهو من قولهم: مكان حَزْنٌ؛ أي: خشن.
قوله: "حتى الشوكة يُشاكها" يجوز برفع (الشوكة) على أنها مبتدأ،
стр. 901
ويجوز بجرها على أن (حتى) بمعنى الواو العاطفة، أو بمعنى (إلى) التي هي لانتهاء الغاية.
قوله: "يُشاكها" فالضمير مفعوله الثاني، والمفعول الأول مُضْمَرٌ قائمٌ مقام الفاعل، والتقدير: حتى الشوكة يشاكها المسلم تلك الشوكة؛ أي: تجرح أعضاؤه بشوكة.
* * *
١٠٩٨ - وقال: "إني أُوعَكُ كما يُوعَك الرجلانِ منكم"، قيل: ذلك لأن لك أجرين؟، قال: "أجل"، ثم قال: "ما من مسلمٍ يُصيبُه أذًى مرضٌ فما سِواه، إلا حطَّ الله سيئاتِه كما تَحُطُّ الشجرةُ وَرَقَها".
قوله: "أُوْعَك" علي بناء المجهول، همزته لنفس المتكلم؛ أي: يأخذني الوَعْكُ، وهو الحُمَّى.
قوله: "كما يُوْعَكُ رَجُلانِ"؛ أي: أَلَمُ وَعْكِي مِثلا ألمِ وَعْك كلِّ واحد منكم.
وهذا الحديث يدل على أن المرض إذا كان أشد يكون الأجر أكثر.
* * *
١٠٩٩ - وقالت عائشة ﵂: ما رأيت أحدًا الوجعُ عليه أشدُّ من رسول الله ﷺ .
١١٠٠ - وقالت: مات النبيُّ ﷺ بين حاقِنَتي وذاقِنَتي، فلا أكَره شدةَ الموتِ لأحدٍ أبدًا بعدَ النبيَّ ﷺ .
قوله: "حَاقِنَتِي وذَاقِنَتِي"، (الحَاقِنة) بالحاء غير المعجمة وبالقاف: التَّرْقُوَة،
стр. 902
و (الذَّاقِنة): طرف الحلقوم؛ يعني: وضع رسول الله ﵇ رأسه على ترقوتي عند النَّزع.
قولها: "فلا أكرهُ شدَّةَ الموتِ لأحد"؛ يعني: ظننْتُ شدَّةَ الموت من كثرة الذنوب، وظننتُها من علامة الشَّقاوة وسوء حال الرَّجُل عند الله، وهذا قبل موت رسول الله ﵇، فلما رأيت شدَّةَ موت رسول الله ﵇ علمت أن شدة الموت ليست بعلامة الشقاوة، ولا بعلامة سوء حال الرجل؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن لرسول الله ﵇ شدَّة، بل شدة الموت؛ لرفع الدَّرجة، ولتطهير الرجل من الذنوب، فإذا كان كذلك فلا أكره شدة الموت لأحد بعدما علمْتُ هذا.
* * *
١١٠١ - وقال النبيُّ ﷺ : "مثَلُ المؤمنِ كمثل الخامَةِ من الزرعِ، تُفَيئُها الرياح، تصرعها مرة، وتَعْدِلها أُخرى حتى يأتِيَه أجلُه، ومثَل المنافقِ كمثَل الأَرْزَةِ المُجْذِيَةِ التي لا يصيبها شيءٌ، حتى يكون انجِعافُها مرةً واحدةً".
قوله: "كمثل الخامة من الزرع"، (الخَامَة): الغصنُ الرَّطب من الزرع.
"تُفَيئُهَا"؛ أي: تحرَّكها وتميلها.
"وتَصْرَعُهَا"؛ أي: تسقطها.
"وتَعْدِلُهَا"؛ أي: وتقيمها؛ أي: تسقطها الرياح من جانب اليمين إلى جانب اليسار، ومن اليسار إلى اليمين.
قوله: "حتى يأتيه أجله"؛ يعني: يصيب المؤمن أنواع المشقة من الجوع والخوف والمرض وغير ذلك حتى يموت، وكل ذلك من أثر السعادة بحصول الثواب له.
стр. 903
"الأَرْزَة" بفتح الهمزة وسكون الراء: شجرة الصَّنوبر، والصنوبر ثمره، وهو شجرٌ صلب شديد الثبات في الأرض، وبفتح الهمزة والراء: شجر الأَرْزَن، وهو شجر صلب أيضًا يجعل منه السَّوط، والرواية الأولى أصح في الحديث.
"المُجْذِيَة": اسم فاعل من (أَجْذَى) بالجيم والذال المعجمة: إذا ثبت في الأرض.
"لا يصيبُها شيءٌ"؛ أي: لا يحرَّكها ولا يسقطها.
"الانجعاف": الانقلاع (١)، يعني: لا يصيبُ المنافقَ مرضٌ وألمٌ، حتى يموت كيلا يحصل له ثواب.
* * *
١١٠٢ - وقال: "مَثلُ المؤمنِ كمثَلِ الزرعِ لا تزالُ الريح تُميلُه، ولا يزالُ المؤمنُ يُصيبه البلاءُ، ومثل المنافقِ كمثل شجرة الأَرْزة، لا تَهْتَزُّ حتى تَسْتَحْصِدَ".
"لا تَهْتَزُّ"؛ أي: لا تتحرك.
"حتى تُسْتَحْصَد"؛ أي: حتى يدخل وقت حصاده؛ يعني: لا يصيب المنافقَ ألمٌ حتى يموت.
* * *
١١٠٣ - وقال جابر ﵁: دخل رسولُ الله ﷺ على أُم السَّائبِ فقال: "ما لَكِ تُزَفْزِفين؟ "، قالت: الحُمَّى، لا بارَكَ الله فيها، فقال: "لا تَسُبي الحُمَّى، فإنها تُذهِبُ خَطايا بني آدم كما يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ"
стр. 904
قوله: "الكِيْرُ": شيءٌ ينفخُ فيه الحَدَّاد في النار؛ ليزول خبث الحديد عن الحديد؛ يعني: الحُمَّى تطهر بني آدم من الذنوب كما يطهر الكِيرُ الحديدَ من الخبث.
* * *
١١٠٤ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا مرَض العبدُ أو سافر كُتِبَ له بمثلِ ما كان يعملُ مقيمًا صحيحًا".
قوله: "كتب له بِمثلِ ما كان يعملُ مقيمًا صحيحًا"؛ يعني: إذا فات منه عمل صالح بسبب المرض أو المسافرة أو شغل طاعة أو مباح، أعطاه ثواب ذلك العمل؛ لأنه معذور في فَوت ذلك العمل، وهذا في غير الفرائض، أما الفرائض لا عذر في فوتها إلا الصوم في السفر والمرض، فإنه يجوز أن يفطر بشرط القضاء.
روى هذا الحديث: "أبو موسى".
* * *
١١٠٥ - وقال: "الطاعون شهادةُ كلِّ مسلم".
قوله: "الطَّاعون شهادة كل مسلم" رواه أنس.
(الطَّاعون): الموت من الوَبَاء، و (الوباء): الموت العام، والمرض العام؛ يعني: مَنْ مات بالطاعون فهو شهيد.
* * *
١١٠٦ - وقال: "الشهداءُ خمسةٌ: المطعونُ، والمبطونُ، والغريقُ، وصاحبُ الهَدْم، والشهيدُ في سبيلِ الله".
стр. 905
"المَطْعُون": مَنْ مات بالطَّاعون.
"والمَبْطُون": من مات بوجع البطن.
روى هذا الحديث: "أبو هريرة".
* * *
١١٠٧ - وقال: "ليس من أحدٍ يقعُ الطاعونُ فيمكثُ في بلده صابرًا محتسِبًا، يعلم أنه لا يصيبُهُ إلا ما كَتَبَ الله له إلا كان له مثلُ أجرِ شهيدٍ".
"صابرًا"؛ أي: يصبر على الإقامة في ذلك البلد مع القدرة على الخروج.
"محتسبًا"؛ أي: طالبًا للثواب، لا لحظِّ مال، أو غرض آخر، وإنما يحصل له الثواب بالإقامة في ذلك البلد لأنه توكل على الله، ودرجةُ المتوكل أرفعُ الدرجات.
* * *
١١٠٨ - وقال: "الطاعونُ رِجزٌ أُرسِل على طائفةٍ من بني إسرائيل، أو على مَن كان قبلكم، فإذا سمعتُم به بأرض فلا تَقدُموا عليه، وإذا وقعَ بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فِرارًا منه".
"رِجْزٌ"؛ أي: عذاب.
قوله: "أرسل على طائفة من بني إسرائيل": هم الذين أمرهم الله تعالى أن يدخلوا الباب سُجَّدًا، فخالفوا ما أمرهم الله تعالى، فأرسل الله عليهم الطَّاعون، فمات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفًا من شيوخهم وكبرائهم.
أراد بـ (الباب): باب القبة التي صلى إليها موسى ﵇ ببيت المقدس، وأراد بقوله: (سجدًا): منحَنِيْنَ متواضعين.
стр. 906
قوله: "فلا تقدموا عليه"؛ يعني: إذا سمعتم أن الطاعون وقع ببلد فلا تدخلوا ذلك البلد، وهذا إشارة إلى أن الرجل لا يجوز له أن يوقِعَ نفسه في موضع يكون فيه الهلاك.
قوله: "فلا تخرجوا فرارًا منه"؛ يعني: إذا وقع الطاعون وأنتم فيه فاصبروا وتوكلوا ولا تفروا، هذا إشارة إلى أن العذاب إذا نزل بقوم وأنت فيهم، فاصبر ولا تهرب من بينهم، فإن العذاب لا يدفَعُهُ الهرب، وإنما يدفعه الاستغفار والتوبة؛ ليظن كل واحد من أولئك أن العذاب نزل على هؤلاء بشؤم ذنبه، وليستغفِر الله وليَتُبْ إليه.
* * *
١١٠٩ - وقال: "إن الله تعالى قال: إذا ابتلَيتُ عَبْدي بِحَبيْبَتَيْهِ ثم صَبَرَ، عَوَّضْتُه منهما الجنةَ" يُريد: عينَيه.
قوله: "إذا ابتليت عبدي بِحَبيْبَتَيْهِ ثم صَبَرَ عوضتُهُ منهما الجنة"؛ يعني: إذا أذهبْتُ عينيه ورضيَ بحكمي ولم يَجْزَع.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١١١٠ - عن عليٍّ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما مِن مسلمٍ يعودُ مسلمًا غُدوةً إلا صلى عليه سبعونَ ألفَ ملَكٍ حتى يُمْسِيَ، ولا يعودُه مساءً إلا صلى عليه سبعونَ ألف ملَكٍ حتى يُصْبحَ، وكان له خريفٌ في الجنة".
قوله: "له خَريف في الجنة"، (الخَريف): البستان.
* * *
стр. 907
١١١١ - وقال زيد بن أَرقَم: عادني النبيُّ ﷺ من وجعٍ كان بعينيَّ.
قوله: "عادني النبي ﵇ مِنْ وَجَعٍ كان بعيني"، وهذا يدلُّ على أنَّ مَنْ به وَجع يجلس لأجله في بيته، ولم يقدر أن يخرج = عيادتُهُ سُنَّةٌ.
* * *
١١١٢ - عن أَنَسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن توضأ فأَحسنَ الوضوءَ، وعادَ أخاه المسلمَ محتسِبًا؛ بُوعِدَ من جهنم مسيرةَ ستينَ خريفًا".
قوله: "فأحسنَ الوضوء"، ولعل الحكمة في الوضوء هنا: أن العيادة عبادة، وأداء العبادة على الوضوء أكمل، وإن كانت عبادةً ليس الوضوء فيها فرضًا كقراءة القرآن من الحفظ، والجلوس في المسجد.
قوله: "ستين خريفًا"؛ أي: ستين سنة، (الخريف): وقت الخَرْفِ، وهو قطع الثِّمار، سمي الكل باسم البعض.
* * *
١١١٤ - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يُعلِّمهم من الحُمَّى ومن الأَوجاع كلِّها أن يقولوا: "بسم الله الكبيرِ، أعوذ بالله العظيمِ، من شر كلِّ عِرْقٍ نعَّارٍ، ومن شر حَر النارِ"، غريب.
قوله: "عِرْقٍ نعَّارٍ": (العِرْق النَّعَّار): الذي يفورُ ويغلي دمه؛ يعني: غلبة الدم في البدن تولد الدَّاء، فليتعوذ منه الرجلُ بالله تعالى.
* * *
١١١٥ - عن أبي الدَّرداء أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنِ
стр. 908
اشتكى منكم شيئًا أو اشتكاه أخٌ له فليقلْ: ربنا الله الذي في السماء تقدَّسَ اسمك، أَمرُك في السماء والأرضِ، كما رَحَمْتُكَ في السماء، فاجعل رحمتَك في الأرض، اغفرْ لنا حُوْبنا وخطايانا، أنت ربُّ الطَّيبينَ، أنْزِلْ رحمةً من رحمتِكَ وشِفاءًا من شِفائك على هذا الوجَعِ، فيبرأَ".
قوله: "أو اشتكاه أخٌ له"، الضمير في (اشتكاه) يرجع إلى (شيئًا) الذي تقدم ذكره.
"ربنا" مبتدأ، و"الله" خبره، و"الذي" مع صلته: صفته.
قوله: "في السماء": هذا إشارة إلى علوِّ الشأن والرفعة لا إلى المكان؛ لأنه تعالى متنزه عن المكان.
"تقدس اسمك"؛ أي: تَطَهَّرَ اسمك عما لا يليق بك.
"الحُوب": الذنب.
قوله: "أنت ربُّ الطَّيبيْنَ"؛ أي: أنت ربُّ الذين اجتنبوا عن الأفعال والأقوال القبيحة كالشرك والفسق، وهذا إضافة التشريف؛ أي: أنت مُحبُّ الطَّيبين.
* * *
١١١٦ - عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاء الرجلُ يعودُ مريضًا فليقلْ: اللهم اشفِ عبدَك يَنْكَأُ لكَ عَدُوًّا أو يمشي لك إلى جَنازةٍ".
قوله: "يَنْكَأ لك عدوًا"، نَكَأَ يَنْكَأُ: إذا جَرَحَ، (ينكأ) مجزوم؛ لأنه جواب الأمر، ويجوز أن يكون مرفوعًا تقديره: اللهم اشف عبدك، (فإنه ينكأُ عدوك)؛ أي: يغزو في سبيلك.
стр. 909
قوله: "أو يمشي" جاء بإثبات الياء، وتقديره: أو هو يمشي.
* * *
١١١٧ - وسُئلت عائشةُ ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، وعن قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقالت: سألتُ رسولَ الله ﷺ ، فقالَ: "هذه معاتَبةُ الله العبدَ بما يُصيبهُ من الحُمَّى والنَّكبةِ، حتى البضَاعَةِ يضعُها في يدِ قميصِهِ فيفقِدُها فيفزعُ لها، حتى إن العبدَ ليَخرجُ من ذنُوبهِ كما يخرجُ التِّبْرُ الأحمرُ من الكِيرِ".
قوله: " ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ "؛ يعني: إن تُظهروا ما في قلوبكم من السوء وعملتم به.
" ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ "؛ يعني: أو تسرُّوه؛ يعني: ما جرى في خواطِرِكُم من قَصْدِ الذنوب.
" ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾ "؛ أي: يجازيكم به الله، ولكن جزاؤه ما يصيب الرجل من الحُزن والمرض، وغير ذلك، هذا قول عائشة.
وفي قولٍ: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ودَفْعُ ما جرى في الخَاطر ليس بمقدور الإنسان.
قوله: "هذه معاتبةُ الله العبدَ"، (المعاتَبَة): جريان العِتَابِ بين صديقين، و (العتاب): أن يُظهِرَ أحد الخليلين من نفسه الغضب على خليله؛ لسوء أدبٍ ظهر منه مع أن في قلبه محبته.
يعني: ليس معنى الآية: أن يعذبَ الله المؤمنين بجميع ذنوبهم يوم القيامة، بل معناها: أنه يلحقهم بالجُوَّع والعطَّش والمرَّض والحزَّن، وغير ذلك من المكاره، حتى إذا خرجوا من الدنيا صاروا متطهرين من الذنوب؛ لأن مكاره
стр. 910
الدنيا تكون كفارةً لذنوب المؤمنين.
"النَّكبة": المحنة والأذى.
قوله: "حتى البضَاعَةُ"؛ يعني: حتى لو وضع هنا متاعًا في كُمِّه وسقط، فيحزن لأجل ضَياعه، يكون ذلك كفارة.
"يد القميص"؛ أي: الكم.
"الفقدان": ضد الوجدان.
"يفزع"؛ أي: يحزن ويخاف.
"التِّبْرُ": الذهب الخَالص.
وفي أكثر نسخ "المصابيح": "متابعة الله العبد" وهذا خطأ من الكاتب؛ لأنه لم يُذكر هذا اللفظ في "الصحاح" ولم يحْسُن معناه هنا.
* * *
١١١٨ - عن أبي موسى ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصيبُ عبدًا نَكْبَةٌ فما فوقها أو دونَها إلا بذنبٍ، وما يعفو الله عنه أكثرُ، وقرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ".
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]؛ يعني: كلُّ مصيبة لحقتكم في الدنيا، تكون بسبب ذنوبكم، وتكون كفارةً لذنوبكم.
" ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ "؛ يعني: يعفو عن كثير من ذنوبكم، ولم يجازيكم بها لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ فضلًا منه تعالى ورحمة.
* * *
стр. 911
١١١٩ - وقال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا كان على طريقةٍ حسنةٍ من العبادةِ ثم مَرِضَ قيل للملك المُوَكَّلِ به: اكتبْ له مثلَ عملهِ إذا كان طليقًا حتى أُطلِقَهُ أو أَكْفِنَهُ إليَّ".
وفي روايةٍ: "فإن شفاه غسَّله وطهَّره، وإنْ قبضَه غفرَ له ورَحِمه".
قوله: "كان طليقًا"، (الطَليق): بمعنى المطلَق، إذا كان صحيحًا، وهو مفعول من (أطلق): إذا خَلَّى أحدًا، ورفع عنه القيد.
(إذا كان طليقًا)؛ أي: إذا كان صحيحًا؛ يعني: اكتب له من الثَّواب في المرض بقدر ما كنتُ أكتبُ له في حال الصِّحة.
"حتى أطلِقَهُ"؛ أي: أرفع عنه المرض.
"وأكفته"؛ (الكَفْتُ): الجمع والضم؛ أي: حتى أميته.
قوله: "غسله"؛ أي: غسله من الذنوب.
"وإن قبضه"؛ أي: وإن أماته.
* * *
١١٢٠ - وقال: "الشهادةُ سبعٌ سوى القتلِ في سبيلِ الله: المطعونُ شهيدٌ، والغريقُ شهيدٌ، وصاحبُ ذاتِ الجَنْبِ شهيدٌ، والمَبطونُ شهيدٌ، وصاحبُ الحريق شهيدٌ، والذي يموتُ تحتَ الهَدْمَ شهيدٌ، والمرأة تموت بجُمْعٍ شهيدٌ".
قوله: "ذات الجَنْبِ": مرض معروف، وهو وَجَع الجَنْبِ.
"وصاحبُ الحريق": الذي أحرقته النار.
قوله: "المرأة تموت بِجُمْعٍ" بضم الجيم وسكون الميم؛ أي: التي تموت عند الولادة، ولم يخرج ولدها، ومن ماتَتْ عقيب الولادة بوجع الولادة لها
стр. 912
هذا الثواب أيضًا.
* * *
١١٢١ - وعن سعد ﵁ قال: سئلَ النبيُّ ﷺ : أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟، قال: "الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبْتَلَى الرجلُ على حَسَبِ دينِهِ، فإنْ كانَ في دينِه صُلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإنْ كانَ في دينِه رِقَّةٌ هُوِّنَ عليه، فما زال كذلك حتى يمشيَ على الأرضِ ما لَهُ ذنبٌ"، صحيح.
قوله: "ثم الأمْثَلُ فالأَمْثَلُ"؛ (الأمثل): الأصلح؛ يعني: مَنْ هو أقرب إلى الله تعالى يكون بلاؤه أشد؛ ليكون ثوابه أكثر، فأقرب الناس إلى الله الأنبياء، ثم الأولياء، ثم من أصلح واتقى.
"صلبًا"؛ أي: شديدًا.
"الرِّقة": الضَّعف.
"هُوِّن" بضم الهاء وكسر الواو؛ أي: سُهِّلَ وقُلِّلَ عليه البلاء؛ ليكون ثوابه أقل.
قوله: "فما زالَ كذلك"؛ يعني: أبدًا يصيب الصالحَ البلاءُ، ويغفر ذنبه بسبب البلاء، حتى يصيرَ بِلَا ذنب.
* * *
١١٢٢ - وقالت عائشة ﵂: ما أَغْبطُ أحدًا بِهَوْنِ الموتِ بعدَ الذي رأيتُ من شِدَّةِ موتِ رسولِ الله ﷺ .
قولها: "ما أَغْبطُ أحدًا بِهَوْنِ موت ... " إلى آخره.
الهمزة في (ما أغبط) للمتكلم؛ أي: ما أفرحُ بسهولة موت أحد، وما أتمنى سهولة الموت، بل أتمنى شدة الموت، كما كان لرسول الله ﵇؛ ليكثر ثوابي.
стр. 913
(الهَون) بفتح الهاء: السهولة.
* * *
١١٢٣ - وقالت: رأيتُ النبيَّ ﷺ وهو بالموتِ وعندهُ قَدَحٌ فيه ماءٌ وهو يُدْخِلُ يدَه في القَدَحِ ثم يمسحُ وجهه، ثم يقول: "اللهم أعنِّي على منكراتِ الموت - أو سكَرات الموتِ".
"المُنْكَرَات": جمع مُنْكَرَة، والمُنْكَر والمُنْكَرَة: الشدة.
"السَّكرات": جمع سَكْرَة، وهي شدة الموت.
* * *
١١٢٤ - وقال ﷺ : "إذا أرادَ الله بعبدهِ الخيرَ عجَّل له العقوبةَ في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشرَّ أمسكَ عنه بذنبهِ حتى يوافيَه به يومَ القيامةِ".
قوله: "إذا أراد الله بعبده الخير عَجَّل له العقوبة ... " إلى آخره.
أي: ابتلاه الله تعالى بالمكاره حتى تكون تلك المكاره كفارةً لذنوبه حتى إذا وصل إلى القيامة لم يبقَ له ذنب.
قوله: "أمسَكَ عنه بذنبه"؛ أي: أخر عنه العقوبة بذنبه في الدنيا.
"حتى يوافيه"؛ أي: حتى يجازيه.
"به"؛ أي: بذنبه.
* * *
١١٢٥ - وقال: "إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سَخِط فَلَهُ السُّخطُ".
стр. 914
قوله: "إنَّ عِظَمَ الجزاء"؛ أي: إنَّ كثرةَ الثَّواب تحصلُ بوصول كثرة البلاء إلى الرجل.
"فمن رضي فله الرضا"؛ أي: فَمَنْ رضيَ بالبلاء وصبرَ عليه، يحصل له رضا الله تعالى.
"ومن سخط"، أي: ومَنْ كَرِهَ البلاءَ وجزع، ولم يرضَ بحكم الله، يحصل له سخط الله وغضبه، والسخط من العبد: يتعلق بالقلب لا بالأنين باللسان.
فكم من رجل له أنين مِنْ شدَّةِ المرض، وفي قلبه الرضا والتسليم بأمر الله، فلا تَقُلْ عَمَّنْ (١) سمعته يئن: إنه غير صابر؛ لأن الرضا والسخط محلهما القلب، وأنت لا تطلع على قلب أحد.
* * *
١١٢٦ - وقال: "لا يزالُ البلاءُ بالمؤمن أو المؤمنة في نفسِه ومالِه وولدِه، حتى يَلْقَى الله وما عليهِ من خطيئةٍ"، صحيح.
قوله: "حتى يلقى الله": أي: حتى يموت، وقد زال ذنبه في الدنيا بسبب البلاء.
* * *
١١٢٧ - وقال ﷺ : "إن العبدَ إذا سَبَقَتْ له من الله منزلةٌ لم يبلغْها بعملِهِ ابتلاه الله في جسدِهِ، أو في مالِهِ، أو في ولدِهِ، ثم صبَّرَه على ذلك، حتى يُبَلِّغَهُ
стр. 915
المنزلةَ التي سبقتْ له من الله".
قوله: "سبقت له من الله منزلة"؛ يعني: إذا قَدَّرَ الله تعالى لعبدٍ منزلةً ودرجةً رفيعة، ولم يقدر ذلك العبدُ أن يبلغَ تلك المنزلة بالعمل الصالح، أصابَهُ الله تعالى ببلاء، ورزقَهُ صبرًا على ذلك البلاء حتى يبلغَ تلك المنزلة بما حصل له من ثواب ذلك البلاء وصَبْرٍ عليه.
* * *
١١٢٨ - وقال: "مثَلُ ابن آدمَ وإلى جنبهِ تسعةٌ وتسعونَ منيَّةً، إنْ أخطأَته المَنايا وقعَ في الهَرَمِ حتى يموتَ"، غريب.
قوله: "وإلى جنبه تِسع وتسعون مَنيةً"؛ (الجَنب): الأمر والشأن، (المَنِيَّة): تقدير الموت وسببه.
"إن أخطاء": إذا جاوز.
يعني: لابن آدم تسع وتسعون سبب موت، مثل: المرض، والجوع، والغرق، والهدم، ولدغ الحية والعقرب، وغير ذلك، فإن لم يلحقه شيء من تلك الأسباب لا يخلص من الهرم، وهو داء لا دواء له.
يعني بهذا الحديث: أن ابن آدم لا يطيب عيشه في الدنيا، بل عيش الإنسان مَشُوب بالغُصَصِ في الدنيا، ولكن يحصل له بكل غُصَّةٍ ثوابٌ.
روى هذا الحديث: "عبد الله بن الشَّخَّير".
* * *
١١٢٩ - وقال: "يَوَدُّ أهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ حينَ يُعطَى أهلُ البلاءِ الثوابَ، لو أنَّ جلودَهم كانتْ قُرِضَتْ في الدنيا بالمقاريضِ"، غريب.