← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

١١١٩ - وقال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا كان على طريقةٍ حسنةٍ من العبادةِ ثم مَرِضَ قيل للملك المُوَكَّلِ به: اكتبْ له مثلَ عملهِ إذا كان طليقًا حتى أُطلِقَهُ أو أَكْفِنَهُ إليَّ". وفي روايةٍ: "فإن شفاه غسَّله وطهَّره، وإنْ قبضَه غفرَ له ورَحِمه". قوله: "كان طليقًا"، (الطَليق): بمعنى المطلَق، إذا كان صحيحًا، وهو مفعول من (أطلق): إذا خَلَّى أحدًا، ورفع عنه القيد. (إذا كان طليقًا)؛ أي: إذا كان صحيحًا؛ يعني: اكتب له من الثَّواب في المرض بقدر ما كنتُ أكتبُ له في حال الصِّحة. "حتى أطلِقَهُ"؛ أي: أرفع عنه المرض. "وأكفته"؛ (الكَفْتُ): الجمع والضم؛ أي: حتى أميته. قوله: "غسله"؛ أي: غسله من الذنوب. "وإن قبضه"؛ أي: وإن أماته. * * * ١١٢٠ - وقال: "الشهادةُ سبعٌ سوى القتلِ في سبيلِ الله: المطعونُ شهيدٌ، والغريقُ شهيدٌ، وصاحبُ ذاتِ الجَنْبِ شهيدٌ، والمَبطونُ شهيدٌ، وصاحبُ الحريق شهيدٌ، والذي يموتُ تحتَ الهَدْمَ شهيدٌ، والمرأة تموت بجُمْعٍ شهيدٌ". قوله: "ذات الجَنْبِ": مرض معروف، وهو وَجَع الجَنْبِ. "وصاحبُ الحريق": الذي أحرقته النار. قوله: "المرأة تموت بِجُمْعٍ" بضم الجيم وسكون الميم؛ أي: التي تموت عند الولادة، ولم يخرج ولدها، ومن ماتَتْ عقيب الولادة بوجع الولادة لها

стр. 912

هذا الثواب أيضًا. * * * ١١٢١ - وعن سعد ﵁ قال: سئلَ النبيُّ ﷺ : أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟، قال: "الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبْتَلَى الرجلُ على حَسَبِ دينِهِ، فإنْ كانَ في دينِه صُلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإنْ كانَ في دينِه رِقَّةٌ هُوِّنَ عليه، فما زال كذلك حتى يمشيَ على الأرضِ ما لَهُ ذنبٌ"، صحيح. قوله: "ثم الأمْثَلُ فالأَمْثَلُ"؛ (الأمثل): الأصلح؛ يعني: مَنْ هو أقرب إلى الله تعالى يكون بلاؤه أشد؛ ليكون ثوابه أكثر، فأقرب الناس إلى الله الأنبياء، ثم الأولياء، ثم من أصلح واتقى. "صلبًا"؛ أي: شديدًا. "الرِّقة": الضَّعف. "هُوِّن" بضم الهاء وكسر الواو؛ أي: سُهِّلَ وقُلِّلَ عليه البلاء؛ ليكون ثوابه أقل. قوله: "فما زالَ كذلك"؛ يعني: أبدًا يصيب الصالحَ البلاءُ، ويغفر ذنبه بسبب البلاء، حتى يصيرَ بِلَا ذنب. * * * ١١٢٢ - وقالت عائشة ﵂: ما أَغْبطُ أحدًا بِهَوْنِ الموتِ بعدَ الذي رأيتُ من شِدَّةِ موتِ رسولِ الله ﷺ . قولها: "ما أَغْبطُ أحدًا بِهَوْنِ موت ... " إلى آخره. الهمزة في (ما أغبط) للمتكلم؛ أي: ما أفرحُ بسهولة موت أحد، وما أتمنى سهولة الموت، بل أتمنى شدة الموت، كما كان لرسول الله ﵇؛ ليكثر ثوابي.

стр. 913

(الهَون) بفتح الهاء: السهولة. * * * ١١٢٣ - وقالت: رأيتُ النبيَّ ﷺ وهو بالموتِ وعندهُ قَدَحٌ فيه ماءٌ وهو يُدْخِلُ يدَه في القَدَحِ ثم يمسحُ وجهه، ثم يقول: "اللهم أعنِّي على منكراتِ الموت - أو سكَرات الموتِ". "المُنْكَرَات": جمع مُنْكَرَة، والمُنْكَر والمُنْكَرَة: الشدة. "السَّكرات": جمع سَكْرَة، وهي شدة الموت. * * * ١١٢٤ - وقال ﷺ : "إذا أرادَ الله بعبدهِ الخيرَ عجَّل له العقوبةَ في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشرَّ أمسكَ عنه بذنبهِ حتى يوافيَه به يومَ القيامةِ". قوله: "إذا أراد الله بعبده الخير عَجَّل له العقوبة ... " إلى آخره. أي: ابتلاه الله تعالى بالمكاره حتى تكون تلك المكاره كفارةً لذنوبه حتى إذا وصل إلى القيامة لم يبقَ له ذنب. قوله: "أمسَكَ عنه بذنبه"؛ أي: أخر عنه العقوبة بذنبه في الدنيا. "حتى يوافيه"؛ أي: حتى يجازيه. "به"؛ أي: بذنبه. * * * ١١٢٥ - وقال: "إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سَخِط فَلَهُ السُّخطُ".

стр. 914

قوله: "إنَّ عِظَمَ الجزاء"؛ أي: إنَّ كثرةَ الثَّواب تحصلُ بوصول كثرة البلاء إلى الرجل. "فمن رضي فله الرضا"؛ أي: فَمَنْ رضيَ بالبلاء وصبرَ عليه، يحصل له رضا الله تعالى. "ومن سخط"، أي: ومَنْ كَرِهَ البلاءَ وجزع، ولم يرضَ بحكم الله، يحصل له سخط الله وغضبه، والسخط من العبد: يتعلق بالقلب لا بالأنين باللسان. فكم من رجل له أنين مِنْ شدَّةِ المرض، وفي قلبه الرضا والتسليم بأمر الله، فلا تَقُلْ عَمَّنْ (١) سمعته يئن: إنه غير صابر؛ لأن الرضا والسخط محلهما القلب، وأنت لا تطلع على قلب أحد. * * * ١١٢٦ - وقال: "لا يزالُ البلاءُ بالمؤمن أو المؤمنة في نفسِه ومالِه وولدِه، حتى يَلْقَى الله وما عليهِ من خطيئةٍ"، صحيح. قوله: "حتى يلقى الله": أي: حتى يموت، وقد زال ذنبه في الدنيا بسبب البلاء. * * * ١١٢٧ - وقال ﷺ : "إن العبدَ إذا سَبَقَتْ له من الله منزلةٌ لم يبلغْها بعملِهِ ابتلاه الله في جسدِهِ، أو في مالِهِ، أو في ولدِهِ، ثم صبَّرَه على ذلك، حتى يُبَلِّغَهُ

стр. 915

المنزلةَ التي سبقتْ له من الله". قوله: "سبقت له من الله منزلة"؛ يعني: إذا قَدَّرَ الله تعالى لعبدٍ منزلةً ودرجةً رفيعة، ولم يقدر ذلك العبدُ أن يبلغَ تلك المنزلة بالعمل الصالح، أصابَهُ الله تعالى ببلاء، ورزقَهُ صبرًا على ذلك البلاء حتى يبلغَ تلك المنزلة بما حصل له من ثواب ذلك البلاء وصَبْرٍ عليه. * * * ١١٢٨ - وقال: "مثَلُ ابن آدمَ وإلى جنبهِ تسعةٌ وتسعونَ منيَّةً، إنْ أخطأَته المَنايا وقعَ في الهَرَمِ حتى يموتَ"، غريب. قوله: "وإلى جنبه تِسع وتسعون مَنيةً"؛ (الجَنب): الأمر والشأن، (المَنِيَّة): تقدير الموت وسببه. "إن أخطاء": إذا جاوز. يعني: لابن آدم تسع وتسعون سبب موت، مثل: المرض، والجوع، والغرق، والهدم، ولدغ الحية والعقرب، وغير ذلك، فإن لم يلحقه شيء من تلك الأسباب لا يخلص من الهرم، وهو داء لا دواء له. يعني بهذا الحديث: أن ابن آدم لا يطيب عيشه في الدنيا، بل عيش الإنسان مَشُوب بالغُصَصِ في الدنيا، ولكن يحصل له بكل غُصَّةٍ ثوابٌ. روى هذا الحديث: "عبد الله بن الشَّخَّير". * * * ١١٢٩ - وقال: "يَوَدُّ أهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ حينَ يُعطَى أهلُ البلاءِ الثوابَ، لو أنَّ جلودَهم كانتْ قُرِضَتْ في الدنيا بالمقاريضِ"، غريب.

стр. 916

"يود أهل العافية ... " إلى آخره. يعني: إذا رأى الذين لم يكن لهم في الدنيا بلاء أنَّ الذين كان البلاء عليهم كثيرًا يعطون ثوابًا كثيرًا، تمنوا وقالوا: يا ليتَ جلودنا "قُرِضَتْ"؛ أي: قُطَّعَتْ "بالمقاريض" قطعةً قطعةً، حتى وَجَدْنَا اليومَ نحن أيضًا ثوابًا، كما وَجَدَ أهل البلاء الثواب. روى هذا الحديث: "جابر بن عبد الله". * * * ١١٣٠ - عن عامر الرَّامِ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ المؤمنَ إذا أصابَهُ السَّقَمُ ثم عافاه الله كانَ كفارةً لِمَا مضى من ذُنوبهِ، وموعظةً له فيما يستقبل، وإنَّ المنافقَ إذا مَرِضَ ثم أُعْفِيَ كانَ كالبعير عَقَلَهُ أهلُهُ ثم أرسلوهُ فلم يدرِ لِمَ عقلُوه ولِمَ أرسلوهُ". قوله: "كالبعير عَقَلَهُ أَهْلُهُ"، (عَقَلَهُ)؛ أي: شَدَّه؛ يعني: المؤمن مَنْ إذا أصابه مرض يحصل له تنبهٌ واعتبار، فيتوب عن الذنوب، والمنافق لا يتعظ ولا يتوب، فلا يكون مرضه مفيدًا له لا في الزمان الماضي ولا في المستقبل. و"عامر الرَّام"، قيل: عامر الرامي، أخو الخُضَر، والخُضَر قبيلة، ولم يعرف اسم أبيه. * * * ١١٣١ - عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخلتم على المريضِ فنفِّسُوا له في أجلِه، فإن ذلك لا يردُّ شيئًا ويُطَيبُ نفسَه"، غريب.

стр. 917

قوله:"فَنَفِّسُوا له في أجله"، (نفِّسوا)؛ أي: أذهبوا حزنَه فيما يتعلق باجله بأن تقولوا: طوَّل الله عمرك، ولا تخف، فإنه لا بأس عليك، وسيشفيك الله، وما أشبه ذلك. فإن دعاءَكم "لا يردُّ شيئًا" من قدر الله تعالى؛ يعني: لا يردُّ الموتَ عنه، ولكن يطيب قلبه ونفسه بدعائكم. * * * ١١٣٢ - وقال: "مَن قَتَله بطنُه لم يُعَذَّبَ في قبرِه"، غريب. قوله: "من قتلَهُ بطنُهُ لم يُعذَّب"؛ يعني: مَنْ مات لوجع البطن لم يعذَّب في القبر، ولعل سببه: أن وجع البطن شديد يكون كفارة لذنوبه، فلا يكون له عذاب في القبر. روى هذا الحديث: "سليمان بن صُرَد"، والله أعلم. * * * ٢ - باب تمنِّي المَوت وذِكْره (باب تمنَّي الموت وذكره) مِنَ الصِّحَاحِ: (مِنَ الصِّحَاحِ): ١١٣٣ - قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنَّى أحدكم الموتَ، إما مُحسِنًا فلعلَّه يزدادَ خيرًا، وإما مُسيئًا فلعله أن يستَعْتِب".

стр. 918

"لا يتمنَّى": نفي بمعنى النهي، وفي بعض النسخ: "لا يتمنَّيَنَّ" وهو صحيح في المعنى، ولكن لم نسمعه في الرواية، والنهي عن تمني الموت إنما كان إذا تمنى الرجل الموتَ من ضُرٍّ أو مكروه أصابه. وإنما نهى الرجل عن تمني الموت؛ لأن الحياة حكم الله تعالى عليه، وطلب زوال الحياة عدم الرضا بحكم الله تعالى، فإن كان تمني الموت لخوف الدِّين جاز، وليقل: "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وأمتني ما كان الموت خيرًا لي". قوله: "إما محسنًا"، (ما) زائدة؛ يعني: إن كان محسنًا، ويروى: "محسنٌ" بالرفع، وتقديره: إن كان رجل محسن في عمله؛ فـ (محسن) صفة رجل. قوله: "أن يَسْتَعْتِبَ"؛ أي: أن يتوبَ من الذنوب، (استعتب): إذا طلب إعتاب أحد، و (الإعْتَابُ): زوال الغضب والمصالحة. * * * ١١٣٤ - وقال: "لا يتمنَّى أحدُكم الموتَ، ولا يَدْعُ به من قبْلِ أنْ يأتيَهِ، إنه إذا مات انقطع عملُه، وإنه لا يزيدُ المؤمنَ عُمْرُهُ إلا خيرًا". قوله: "ولا يَدع به": في أكثر نسخ "المصابيح": "ولا يَدْعُ" بحذف الواو على أنه نهي، وهذا غير مستقيم؛ لأنه قبله: (لا يتمنى) بإثبات الياء على أنه نفي، فإذا كان (لا يتمنى) بإثبات الياء، فكذلك ليكن: (ولا يدعو) بإثبات واو لام الفعل. وهكذا في "شرح السنة": الياء في (لا يتمنى)، والواو في (ولا يدعو) مثبتتان، ولعل حذف الواو في: (ولا يدع) في نُسَخِ "المصابيح" سهوٌ من الكاتب. * * *

стр. 919

١١٣٥ - وقال: "لا يتمنَّيَنَّ أحدكم الموتَ من ضُرٍّ أَصابَه، فإنْ كان لا بُدَّ فاعلًا فليقلْ: اللهمَّ أحيني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتَوَفَّني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي". قوله: "فإن كان لا بُدَّ فاعلًا"؛ يعني: إن كان لا بدَّ يريد أن يتمنى الموت. * * * ١١٣٦ - وقال: "مَنْ أحبَّ لِقاءَ الله أحبَّ الله لقاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لقاءَ الله كرِهَ الله لقاءَهُ، والموتُ قبلَ لقاءَ الله، فقالتْ عائشةُ ﵂: إنا لنَكْرَه الموتَ؟، قال: "ليس ذلكِ!، ولكنَّ المُؤمنَ إذا حضَرهُ الموتُ بُشِّرَ برِضوانِ الله وكَرامَتِهِ، فليسَ شيءٌ أحبَّ إليه مما أَمامَه، فأحبَّ لقاءَ الله وأحبَّ الله لقاءَهُ، وإن الكافر إذا حُضره بُشِّرَ بعذابِ الله وعقوبتِه، فليس شيءٌ أكْرَهَ إليه مما أمامَه، فكرِهَ لقاءَ الله وكرِهَ الله لقاءَهُ". قوله: "لقاءَ الله"؛ أي: الوصول إلى الله تعالى؛ يعني: الانتقال من الدنيا إلى الآخرة. "أحبَّ الله لقاءه"؛ أي: وصوله إليه تعالى. وشرح هذا: ما قاله رسول الله ﵇ في جواب عائشة كما يأتي. "والموتُ قبلَ لقاءِ الله تعالى"؛ يعني: لا يمكن رؤية الله تعالى قبل الموت، بل بعده، ومَنْ قال: إني رأيت الله بالعين الباصرة قبل الموت غير نبينا محمد ﵇ فقد كذب؛ لأنه ليس لأحدٍ لم يكن نبيًا أن يكون، أعزَّ على الله تعالى من نبي. وموسى بن عمران - مع عِظَمِ شأنه - طلبَ من الله الكريم أن يراه فأجابه

стр. 920

تعالى بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فإذا لم يَرَ موسى ﵇، فكيف يراه من ليس بنبي، وأما نبينا ﵇؛ فإنه رأى الله تعالى حين عرج به إلى حيث شاء الله تعالى، ورآه. ثَمَّ في قول ابن عباس - وهو الأصح - وثم ليس من الدنيا. وقالت عائشة ﵂: لم يَرَ رسولُ الله ﵇ ربَّه. قوله: "ليسَ ذلك"؛ يعني: ليسَتْ كراهةُ الموت كما تظنين، يا عائشة! بل المؤمنون يكرهون الموت في حالة الصِّحة وفي المرض قبل حضور ملك الموت بهم، وكراهيتهم الموت؛ لخوف شدة الموت، وليس لكراهة انتقالهم من الدنيا إلى الآخرة، بل إذا رأى المؤمنُ مَلَكَ الموتِ بُشِّرَ المؤمن في ذلك الوقت بما له عند الله من المنزلة والكرامة، فيزول حينئذ خوفه، ويشتدُّ حرصه بسرعة قَبْض روحه؛ ليصل إلى ما له عند الله من الكرامة، وأما الكافر فحاله بعكس هذا. * * * ١١٣٧ - وقال أبو قَتادة ﵁: إنَّ رسول الله ﷺ مُرَّ عليه بجنازةٍ قال: "مُستريحٌ أو مُستَراحٌ منه"، قالوا: يا رسول الله!، ما المُستريحُ وما المُستَراحُ منه؟، قال: "العبدُ المُؤمنُ يستريح من نصَبِ الدُّنيا وأَذاها إلى رحمةِ الله، والعبدُ الفاجرُ يستريحُ منه العبادُ والبلادُ والشجرُ والدَّوابُّ". قوله: "ما المستَرِيح وما المُسترَاح منه؟ "، (المستريح): الذي وجد الرَّاحة، و (المُستراح منه): الذي خلصَ الناس من شرِّه، واستراحوا من ظلمه؛ يعني: إن كان هذا الميت صالحًا، فقد خَلَصَ من نَصَبِ الدنيا، وإن كان فاجرًا، فقد خَلَصَ الناس من شرِّه، وكذلك الدواب والأشجار والأرض خَلَصَتْ من

стр. 921

شره؛ لأن الفاجر تبغضه وتتأذى منه الأرض وما فيها. * * * ١١٣٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذَ رسولُ الله ﷺ بِمِنْكَبي فقال: "كُن في الدُّنيا كأنكَ غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ"، وكان ابن عمرَ يقول: إذا أَمسيتَ فلا تَنْتَظِر الصَّباح، وإذا أصبحتَ فلا تَنْتَظِر المَساءَ، وخُذْ من صِحَّتِكَ لمرضكَ، ومن حياتِكَ لموتِك". قوله: "عابرُ سبيل"؛ أي: مسافر؛ يعني: لا تَمِلْ إلى الدنيا؛ فإنك مسافر ستسافر إلى الآخرة، فلا تتخذ الدنيا وطنًا. قوله: "وخُذْ من صِحتكَ لمرضك"؛ يعني: اغتنم الصِّحة وبالغ في العمل الصالح في حال الصِّحة عملًا كثيرًا، يكون ذلك العمل خيرًا لِمَا فات عنك بلا عمل في حال المرض. "وخذ من حياتك لموتك"؛ يعني: خذ في حال الحياة زادَ الآخرة، وزادُ الآخرة العمل الصالح والتقوى. * * * ١١٣٩ - وقال رسول الله ﷺ : "لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلا وهو يُحسِنُ الظنَّ بالله". قوله: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسِنُ الظنَّ بالله" رواه جابر. يعني: ليكن الرجل عند الموت رجاؤُهُ غالبًا على خوفه، وليظنَّ أن الله تعالى كريم سيغفر له ذنبه، وإن كان عظيمًا، هذا في حال المرض: وأما في الصحة ليكن خوفه غالبًا على رجائه؛ ليحذر من الذنوب. * * *

стр. 922

مِنَ الحِسَان: ١١٤٠ - عن مُعاذ بن جبَل ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنْ شئتُم أَنبأتُكم ما أولُ ما يقولُ الله للمؤمنينَ يومَ القيامةِ، وما أولُ ما يقولونَ له؟ "، قلنا: نعم يا رسول الله!، قال: "إنَّ الله تعالى يقولُ للمؤمنين: هل أَحْبَبْتُم لقائي؟، فيقولون: نعم، يا ربنا، فيقولُ: لِمَ؟، فيقولون: رَجَوْنا عَفْوَك ومغفرتَك، فيقولُ: قد وجبتْ لكم مغفِرَتي". قوله: "أنبأْتُكُمْ"؛ أي: أخبرتكم. "لِمَ"؛ أي: لأي سبب. * * * ١١٤١ - وقال رسول الله ﷺ : "أكثِروا ذكْرَ هاذِمِ اللذاتِ" يعني: الموت. قوله: "أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت"، (الهاذم): الكاسر، يعني: يكسرُ الموت كل لَذَّةٍ وطِيبَ عيشٍ؛ يعني: اذكروه ولا تنسوه حتى لا تغفلوا عن القيامة، ولا تتركوا تهيئة زاد الآخرة. (الموت): يجوز بالجر على أنه عطف بيان لـ (هاذم اللذات)، ويجوز رفعه على تقدير؛ فهو الموت، ويجوز نصبه على تقدير: أعني الموتَ. * * * ١١٤٢ - وعن ابن مَسْعود ﵁: أن النبيَّ ﷺ قالَ ذاتَ يومٍ لأصحابه: "استحْيُوا من الله حقَّ الحَياءِ"، قالوا: إنا نستحْيي من الله يا نبيَّ الله، والحمد لله، قال: "ليسَ ذلك، ولكن مَن استحْيى من الله حقَّ الحياء فليحفظْ الرأسَ وما وَعَى، وليحفظْ البطْنَ وما حَوَى، وليذْكر المَوتَ والبلَى، ومَن أرادَ الآخرةَ تركَ زينةَ الدنيا، فمن فعلَ ذلك فقد استحْيى من الله حقَّ الحَياءِ"، غريب.

стр. 923

قوله: "ليس ذلك"؛ يعني: ليس "حق الحياء" أن تقولوا باللسان: إنا نستحيي، أو يكون في قلوبكم الاستحياء من الله ولم تتركوا المناهي، بل حقيقة الاستحياء: الإتيان بأوامر الله وترك المناهي. قوله: "فليحفظ الرأس وما وعى"، (وعى): إذا حفظ؛ يعني: فليحفظ رأسه، وما وعاه الرأس؛ أي: وما في الرأس من السمع والبصر واللسان. يعني: لا يستعمل رأسه في غير خدمة الله تعالى بأن يسجد - نعوذ بالله - لصنم، أو يسجد عند أحد تعظيمًا له، أو يصلي للرياء، ولا يبصر بعينه، ولا يسمع، بأذنيه، ولا يتكلم بلسانه ما لا يجوز. قوله: "وليحفظِ البطن وما حوى"، (حَوَى): إذا جَمَع؛ يعني: فليحفظ البطن وما يجتمع اتصاله بالبطن من الفرج والرجلين واليدين والقلب، فإن هذه الأعضاء متصلة بالجوف؛ يعني: لا يأكل إلا الحلال، ولا يستعمل هذه الأعضاء في المعاصي. "البلَى": مصدر من (بَلِيَ يَبْلَى): إذا صار الشيء خلقًا مُتَفَتِّتَاً (١)؛ يعني: اذكروا صيرورتكم في القبر عظامًا بالية، فمن ذكر هذا يهيئ زاد الآخرة، ولا يتكبر، ولا يَعْلَقُ قلبُه بالدنيا. * * * ١١٤٣ - وقال: "تُحفَةُ المُؤمن المَوتُ". قوله: "تحفة المؤمن الموت"؛ يعني: يكون الموت عند المؤمن عزيزًا، ولا يتأذَّى منه؛ لأنه شيء أعطاه الله إياه، وما أعطاه الحبيبُ يكون عزيزًا عظيم القدر، ولأن الموت منه سببُ وصول العبد المؤمن إلى الله تعالى، وما هو سبب

стр. 924

وصول الحبيب إلى الحبيب عزيز. رواه "عبد الله بن عمرو". * * * ١١٤٤ - وقال: "المؤمنُ يموتُ بعَرَقِ الجَبينِ". قوله: "المؤمن يموت بعَرَقِ الجَبين" رواه بريدة. يعني: يشتد الموت على المؤمن، وتكون سَكْرَةُ موته شديدةٌ بحيث يخرج منه العَرَقُ من الشِّدة، وذلك ليتخلص ويتطهر من ذنوبه الباقية عليه، ويزيد درجته. * * * ١١٤٥ - ويُروى: "موتُ الفَجْأَةِ أَخْذَةُ الأَسَفِ". قوله: "مَوْتُ الفَجْأَةِ أَخْذَةُ الأَسَفِ"، (الأسَف) بفتح السين: الغضب، وتقديره: أخذةٌ من الأَسَف، يعني: موت الفجأة أخذة الله تعالى العبدَ من الغضب؛ يعني: هذا أَثَرُ غضب الله تعالى على العبد؛ لأنه لم يتركه للتوبة وإعداد زاد الآخرة، ولم يُمرضه؛ ليكونَ المرضُ كفارةً لذنوبه، وقد تعوذ رسول الله ﵇ مِنْ مَوْتِ الفجأة. وقيل في "عبيد": عبيد بن خالد، وقيل: عتبة بن خالد والأول أصح. * * * ١١٤٦ - وعن أنس ﵁ قال: دخل النبيُّ ﷺ دخل على شابٍّ وهو في المَوت، فقال: "كيف تَجِدُكَ؟ "، قال: أرجو الله يا رسولَ الله، وإنيِ أخافُ ذُنوبي، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا يجتمعانِ في قلْبِ عبدٍ في مثْل هذا المَوطنِ إلا أعطاهُ الله ما يَرجو، وآمنَه مما يَخافُ"، غريب.

стр. 925

قوله: "كيف تَجِدُكَ"؛ أي: كيفَ تجدُ نفسك وقلبك في الانتقال من الدنيا إلى الآخرة، قلبك طَيبٌ أو مغمومٌ. قوله: "لا يجتمعان"؛ أي: لا يجتمعُ رجاءُ رحمة الله وخوفُ عذاب (١) الله. * * * ٣ - باب ما يقال لمَنْ حَضَرَهُ الموتُ (باب ما يقال عندَ من حَضَرَهُ الموتُ) مِنَ الصِّحَاحِ: ١١٤٧ - قال رسول الله ﷺ : "لقِّنوا موتَاكم لا إلهَ إلا الله". قوله: "لقِّنوا موتَاكم لا إله إلا الله"؛ يعني: قُولوا له: قول كلمتي الشهادة، فإن قال فهو المراد، وإن لم يقل لا يكلَّف عليه؛ لأنه ربما لا يقدر على الكلام أو يكون مشغولًا بفكر، ولكن يقول الحاضرون كلمتي الشهادة حتى يوافقهم بقلبه. * * * ١١٤٨ - وقال: "إذا حَضَرْتم المَريضَ أو الميتَ فقولوا خَيرًا، فإنَّ الملائكةَ يُؤَمِّنون على ما تقولون". قوله: "فقولوا خيرًا"؛ يعني: ادعوا للمريض بالشِّفاء، وقولوا: اللهم

стр. 926

اشفه، وللميت بالرحمة والمغفرة، وقولوا: اللهم اغفر له وارحمه، فإن الدُّعاء حينئذ مستجاب؛ لأن الملائكة يؤمنون. * * * ١١٤٩ - وقالت أُم سلَمة ﵂: قالَ رسول الله ﷺ : "ما مِن مُسلمٍ تُصيبُه مصيبةٌ: فيقولُ ما أَمَرَهُ الله به: إنا لله وإنا إليهِ راجعون، اللهم أَجِرْني في مصيبتي، وأَخْلِفْ لي خيرًا منها إلا أخلَفَ الله له خيرًا منها"، فلمَّا ماتَ أبو سلَمة قلتُ: أيُّ المُسلمينَ خيرٌ من أبي سلَمة؟، أولُ بيتٍ هاجر إلى رسولِ الله ﷺ ، ثم إنَّي قلتُها، فَأَخْلَفَ الله لي رسولَ الله ﷺ . "وأَخْلِفْ لي خيرًا"، (أخلف) أمر مخاطب، من (أَخْلَفَ): إذا أدى العِوض. قوله: "خيرًا منها"، أي: مِنْ هذه المصيبة؛ يعني: خيرًا مما فات عني في هذه المصيبة. قولها: "أول بيتٍ هَاجَر" من مكة إلى المدينة؛ موافقة لرسول الله ﵇. قولها: "ثم إني قلتها"؛ أي: قلت: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، فجعلني الله زوجةً لرسول الله ﵇. * * * ١١٥٠ - وقالت: دخَل رسولُ الله ﷺ على أبي سلَمة وقد شقَّ بَصَرُهُ، فأَغْمَضَهُ، ثم قال: "إنَّ الروح إذا قُبضَ تَبعَه البصرُ"، فَضَجَّ ناسٌ من أهلِهِ فقال: "لا تدعوا على أنفُسِكم إلا بخيرٍ، فإنَّ الملائكة يُؤَمِّنون على ما تقولون"، ثم قال: "اللهم اغفِرْ لأبي سلمةَ، وارفع درجتَه في المهدِيين، واخلفْه في

стр. 927

عَقِبه في الغابرين، واغفرْ لنا وله يا ربَّ العالمَين، وافسَحْ له في قبرِه ونوِّرْ له فيه". قولها: "وقد شَقَّ بصرُه" بفتح الشين، ورفع الراء على أنه فِعْلٌ معروف: إذا بقيَ بصرُه مفتوحًا. "إن الروح إذا قُبضَ تبعَهُ البصرُ"؛ يعني: إذا قبضَتِ الملائكةُ الروحَ نَظَرَ إليها البصرُ من الاشتياق، فإذا ذهبت الروح بقيَ البصر منفتحًا، وفي انفتاح عين الميت قُبْحٌ، فلهذا أغمضه رسول الله ﵇: أي: وضع أحد الجفنين بالآخر. قولها: "فضجَّ ناسٌ من أهله"؛ أي: رفع أقارب الميت أصواتهم بالبكاء. قوله ﵇: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير"؛ يعني: لا تقولوا شرًا، ولا تقولوا: الويل لي، وواويلي، وما أشبه ذلك، بل اذكروا الله تعالى، واستغفروا للميت. قوله: "وارفع درجته في المهديين"؛ أي: اجعله في زمرة الذين هديتهم إلى الإسلام، وارفع درجته من بينهم. "وأخلفه": هذا أمر مخاطب، من خَلَفَ يَخْلُفُ خِلافَةً: إذا قام أحدٌ مقام آخر في رعاية أمره، وحفظ مصالحه. "في عَقِبهِ"؛ أي: في أولاده الغابرين؛ أي: في الباقين، وفي الأحياء، (غَبَرَ): إذا مضى، وبقي، والمراد هنا: بقي، يعني: كن خليفة في أولاده الباقية؛ يعني: أنت احفظ أمورهم ومصالحهم، ولا تكلهم إلى كلاءة غيرك. * * * ١١٥١ - وقالت عائشة ﵂: إن رسولَ الله ﷺ حينَ تُوفي

стр. 928

سُجِّيَ ببُرْدِ حِبَرَةٍ. قولها: "سُجِّيَ ببُرْدِ حِبَرَةٍ"؛ (سُجِّيُ): أي: سُتِرَ، (التَسْجِيَةُ): السِّتْرُ، (الحِبَرَة): البُرْدُ اليمني، ليس المراد: بهذا الكفن، بل السُّنة أن يُسْتَرَ الميت من حين الموت إلى حين الغسل بثوب خفيف. * * * مِنَ الحِسَان: ١١٥٢ - قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كانَ آخرُ كلامِهِ لا إلَهَ إلا الله دخلَ الجنَّةَ". قوله: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" ظاهر هذا الحديث أن بعض اليهود والنصارى يدخلون الجنة؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله. ولكن ليس معناه: من قال: لا إله إلا الله، بل معناه: مَن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن كان آخر كلامه عند الموت هاتين الكلمتين دخل الجنة؛ إما قبل العذاب، وإما بعد أن عُذِّبَ بقدر ذنوبه. روى هذا الحديث: "معاذ بن جبل". * * * ١١٥٣ - قال: "اقرؤوا على موتاكُم يس". قوله: "اقرؤوا على موتاكم يس"، ولعل الحكمة في قراءة هذه السورة على من حضره الموت أن أحوال القيامة والبعث مذكورة فيها، فإذا قُرِئَتْ عليه، يجدد له ذكر الرحمن والبعث والقيامة، ويبقى في خاطره حتى يموت.

стр. 929

وكنية "معقل": أبو عبد الله، وقيل: أبو يسار، واسم جده: عبد الله بن مُعَبر بن حُرَاق. * * * ١١٥٤ - وقالت عائشة ﵂: إنَّ رسولَ الله ﷺ قبَّل عُثمانَ بن مَظْعون وهو ميتٌ وهو يبكي حتى سالَ دُموعُ النبيِّ ﷺ على وجه عثمان. قولها: "قبَّل عثمان بن مظعون ... " إلى آخره. هذا يدل على أن المسلم إذا مات فهو طاهر. * * * ١١٥٦ - عن الحُصَين بن وَحْوَح: أنَّ طَلْحة بن البَراء مرِضَ، فأتاه النبيُّ ﷺ يعودُه، فقال: "إني لا أرَى طلْحةَ إلا قد حَدَثَ به الموتُ، فآذِنوني به، وعَجِّلوا، فإنه لا ينبغي لجيفةِ مسلمٍ أن تُحْبَسَ بين ظَهْرَانَي أهلِهِ". قوله: "فآذِنوني"؛ أي: أخبروني بمَوْتِهِ إذا مات؛ لأحضر الصلاة عليه. قوله: "وعَجِّلوا"؛ أي: أسرعوا في غسله وتكفينه. "لِجيفَةِ مسلم"؛ أي: لجثة ميت مسلم. "بين ظَهْرَاني أهْلِهِ"؛ أي: بين أهله؛ أي: لا يُوضع الميتُ بينَ أهله زمانًا طويلًا كيلا يُنتن، وكي لا يَكْثُرَ حزنُ أهله. * * *

стр. 930

٤ - باب غُسْلِ المَيت وتكفينه (باب غسلِ الميت وتكفينه) مِنَ الصِّحَاحِ: ١١٥٧ - قالت أُم عَطيَّة ﵂: دخلَ علينا رسولُ الله ﷺ ونحن نغسلُ ابنتَه فقال: "اغْسِلْنَها وِتْرًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، بماءٍ وسِدْرٍ، واجعلن في الآخرة كافورًا فإذا فرغْتُنَّ فآذِنَّني"، فلما فرَغْنَا آذَنَّاهُ، فألقى إلينا حِقْوَهُ، وقال: "أَشْعِرْنَها إياه". وفي روايةٍ: "ابدأْنَ بميامِنِها ومواضعِ الوُضوءِ منها"، وقالت: فضفَرنا شعرَها ثلاثةَ قرونٍ فألقَيناها خلْفها. قوله: "ابدؤوا بميامنها ... " إلى آخر الحديث. قولها: "نغسل ابنته"؛ يعني: زينب بنت النبي ﵇. استعمالُ السِّدر في الغسل لنظافة البدن، ولأن السدر باردٌ يشبه الكافور يصلب الجلد. "حِقْوَه"؛ أي: إزاره. "أَشْعِرْنها إياه"؛ أي: اجعلْنَ هذا الحِقْوَ تحت الأكفان بحيث يلاصق بشرتها، والمراد منه: إيصال بركته ﵇ إليها. قولها: "فضفرنا"؛ أي: فتلنا شعرها "ثلاثة قرون"؛ أي: على ثلاثة أقسام، ولعل المراد بفتل شعرها ثلاثة قرون مراعاةُ عادة النساء في ذلك الوقت، أو مراعاة سنَّة عدد الوتر كسائر الأفعال. اعلم أن غسل الميت من فروض الكفايات، وكذلك تكفينُ الميت

стр. 931

والصلاة ودفنه، والجهاد، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر، والقضاء بين المسلمين، وحفظ جميع القرآن، وتعلُّم العلم إلى أن يبلغ الرجل درجة الفتوى، وتعليمُه، وإقامةُ الحج في كل سنة، ودفعُ الضرر عن المسلمين، كستر العارين، وإطعامِ الجائعين على الأغنياء إذا لم تفِ الزكاة بسدِّ الحاجات، ولم يكن في بيت المال من سهم المصالح ما يصرف إليها. ومن فروض الكفايات الحِرَفُ والصناعاتُ والعملُ بها، وما يَتمُّ به المعايش، وتحمُّلُ الشهادة وأداؤها. وفرضُ الكفاية ما إذا قام به واحدٌ أو جماعةٌ سقط الفرض عن الباقين. روى أصل هذا الحديث محمد بن سيرين عن أم عطية، وروت حفصة بنت سيرين أختُ محمد بن سيرين عن أم عطية. * * * ١١٥٨ - وقالت عائشة ﵂: إن رسولَ الله ﷺ كُفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ يمانيةٍ، بيضٍ، سَحُوليةٍ، من كُرْسُفٍ، ليس فيها قَميصٌ ولا عِمامةٌ. قولها: "سحولية" منسوبةٌ إلى سَحُول - بفتح السين -، وهو اسم موضع باليمن. "الكُرسف": القطن. قولها: "ليس فيها قميص ولا عمامة"؛ يعني: السنَّة في الكفن ثلاثُ لفائف، واللفائف جمع لفافةٍ مثل ملحفةٍ يلفُّ فيها الميت. * * *

стр. 932

١١٥٩ - وعن جابر قال: قال النبيُّ ﷺ : "إذا كَفَّن أحدُكم أخاهُ فليُحْسِن كفنَه" قوله: "فلْيُحْسِن كفنه" رواه جابر: "فلْيُحسِّن" بتشديد السين، وهو أمرُ غائبٍ من التحسين، وهو المبالغةُ في إحسان شيء، والمراد منه: تنظيف الكفن وتبييضه وتعطيره، وليس المراد منه جَعْلُ الكفن كثيرَ القيمة، هكذا قال محيي السنة في "شرح السنة". * * * ١١٦٠ - وقال خبَّاب بن الأرَتِّ ﵁: قُتِلَ مُصْعَب بن عُمَير يومَ أُحُدٍ، فلم نجدْ شيئًا نُكَفِّنُه فيه إلا نَمِرَةً، كنا إذا غطَّينا بها رأسَه خرَجَتْ رجلاهُ، وإذا غطَّينا رجليهِ خرجَ رأسُهُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ضَعُوها مما يلي رأْسَه، واجعلوا على رجليهِ من الإذْخِر". قوله: "فلم نجد شيئًا نكفنه فيه إلا نمرة"، (النمرة): نوعٌ من الكساء. "غطينا"؛ أي: سترنا. "يلي"؛ أي: يَقْرُب. "الإذخر": نبتٌ عريض الورق. هذا دليلٌ على أن ستر جميع الميت بالكفن واجب، والكفن: ما يستر الميت من أيِّ شيءٍ كان يجوز إذا لم يكن محرمًا. جده جندلة بن سعد بن خزيمة الخزاعي، وقيل: التميمي، وجد مصعب هاشم (١) القرشي. * * *

стр. 933

١١٦١ - وقال عبد الله بن عباس ﵄: إنَّ رجلًا كان مع النبي ﷺ ، فَوَقَصَتْهُ ناقتُهُ وهو محرمٌ فماتَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اغسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكفِّنُوه في ثوبَيهِ، ولا تُمِسُّوهُ بطِيْبٍ، ولا تُخَمِّروا رأسَه، فإنه يُبعث يومَ القيامَةِ مُلَبيًا". قوله: "فوقصته ناقته"؛ أي: أسقطته فاندقَّت عنقُه. قوله: "في ثوبيه"؛ أي: في إزاره وردائه اللَّذَيْن كان لبسهما للإحرام. "ولا تخمِّروا رأسه"؛ أي: ولا تستروا. ومذهب الشافعي وأحمد: أن المُحْرِم يكفَّن بلباس إحرامه، ولا يُستر رأسه، ولا يُجعل عليه طيبٌ؛ ليَبْقَى أثر الإحرام، فإنه يُبعث يوم القيامة ويقول: لبيك اللهم لبيك؛ ليعلم الناسُ أنه مات في حال الإحرام. ومذهب أبي حنيفة ومالك: أنه يُفعل به ما يُفعل لسائر الموتى. * * * مِنَ الحِسَان: ١١٦٢ - قال رسولَ الله ﷺ : "البَسُوا من ثيابكم البَياضَ، فإنها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم، مِنْ خَيْر أكحالِكم الإثْمِد، فإنه يُنْبتُ الشَّعرَ ويَجلُو البصَرَ"، صحيح. قوله: "ينبت الشعر"؛ أي: يَنْبُت منه أهدابُ العين، وكثرةُ الأهداب زينةٌ ومنفعة. "ويجلو البصر"؛ أي: يزيد في نور البصر. * * *

стр. 934

١١٦٤ - عن أبي سعيد الخُدري ﵁: أنه لما حَضَرَهُ الموتُ دعا بثيابٍ جُدُدٍ فَلَبسَهَا، ثم قال: قال رسولُ الله ﷺ يقول: "الميتُ يُبعثُ في ثِيابهِ التي يَمُوتُ فيها". قوله: "دعا بثياب جُدُد" بضم الجيم والدال الأولى: جمع جديدة. قال أصحاب الحديث: إن معنى هذا الحديث ليس كما فهمه أبو سعيد، بل يريد بالثياب: العمل، يعني: يبعث كلُّ واحد يومَ القيامة في عمله. * * * ١١٦٥ - وعن عُبادة بن الصَّامِت، عن رسولِ الله ﷺ قال: "خيرُ الكَفَنِ الحُلَّة، وخيرُ الأُضحيةِ الكبشُ الأقرنُ". قوله: "خير الكفن الحلة"، (الحلة): إزار ورداء، والمراد هنا: البُرْدُ اليمني. واختار بعض الأئمة أن يكون الكفن من برود اليمن بدليل هذا الحديث، والأصح: أن الثوب الأبيض أفضل؛ لحديث عائشة. ولعل فضيلة الكبش الأقرن على غيره في الأضحية لكونه أعظمَ جثةً وسِمَنًا في الغالب. * * * ١١٦٦ - عن ابن عباس قال: أمرَ رسولُ الله ﷺ بِقَتْلَى أُحُد أن يُنزعَ عنهم الحديدُ والجُلودُ، وأن يُدفَنُوا بدمائهم وثيابهم. قوله: "أمر رسول الله ﵇ بقتلى أحد ... " إلى آخره. "القتلى": جمع قتيل، أراد بـ "الحديد": السلاح والدرع، وأراد بـ (الجلود):

стр. 935

ما معهم من الفروة والكساء وغيرِ الملطَّخ بالدم. قوله: "أن يدفنوا بدمائهم وثيابهم"؛ يعني: ثيابهم الملطخة بالدم. لا يغسل الشهيد ولا يصلَّى عليه تكرمة له، فإنه مغفورٌ، هذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة لا يغسَّل ولكن يصلَّى عليه. * * * ٥ - باب المَشْي بالجَنازة والصَّلاة علَيها (باب المشي بالجنازة والصلاة عليها) مِنَ الصِّحَاح: ١١٦٧ - قال رسول ﷺ قال: "أَسرِعوا بالجنازَةِ، فإن تَكُ صالحة فخيرٌ تقدمونَها إليه، وإن تكنْ سوى ذلك فشرٌّ تضعونَه عن رقابكم". قوله: "فإن تك صالحة"؛ أي: فإن تكن الجنازة صالحة. "الجنازة" بكسر الجيم: الميت، والسريرُ الذي يُحمل عليه الميت، وبفتح الجيم: هذا السرير لا غير، فعلى هذا أَسْنَدَ الفعل إلى الجنازة، وأراد به الميت. "فخير تقدمونها إليه"؛ يعني: حاله في القبر يكون حسنًا وطيبًا، فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيبة عن قريب. * * * ١١٦٨ - وقال: "إذا وُضعَتْ الجنازَةُ فاحتمَلَهَا الرجالُ على أعناقِهم؛ فإن كانتْ صالحةً قالت: قدِّموني، وإن كانتْ غيرَ صالحةٍ قالت لأهلها: يا ويلها، أين تذهبون بها!، يسمعُ صوتَها كلُّ شيءٍ إلا الإنسان، ولو سَمِعَ

стр. 936

الإنسان لصَعِقَ" يرويه أبو سعيد الخُدري. قوله: "فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني"، احتمل وحمل واحد. قوله: "قدموني"؛ يعني: يرى الميت منزله حسنًا، ويقول: أسرعوا بي لأَصِلَ إلى منزلي. قوله: "يا ويلها" الضمير يرجع إلى الجنازة، والمراد منه الميت، تقول: يا ويل زيد، تقديره: يا قوم حصل هلاكُه قوله: "أين تذهبون بها" هذا خطابٌ لأهلها ولمَن حملها، وإنما يقول هذا؛ لأنها ترى منزلَها وحالها غيرَ حسنٍ. "صعق": إذا مات وأغمي عليه. * * * ١١٦٩ - وعنه أيضًا قال: "إذا رأيتم الجنازَة فقومُوا، فمن تَبعَها فلا يقعدْ حتى تُوضَعَ". قوله: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا" الأمرُ بالقيام عند رؤية الجنازة؛ لإظهار الرجلِ الفزعَ والخوف على نفسه، فإنه أمر عظيم، ومن رأى الجنازة ولم يقم وبقي على حاله فهذا علامةُ غِلَظِ قلبه، وعظمِ غفلته. قوله: "فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع" [أي: حتى يوضع] الميت في اللحد؛ ليكمل أجره. * * * ١١٧٠ - وقال: "إنَّ الموتَ فَزَعٌ، فإذا رأَيتُم الجَنازَة فقُوموا" يرويه جابر.

стр. 937

قوله: "إن الموت فزع"؛ أي: ذا فزع؛ أي: يُظْهِرُ الفزع والخوف في قلوب الناس. * * * ١١٧١ - وروي عن علي ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يقومُ للجنازةِ، ثم يَقعدُ بعدَه". قوله: "يقوم للجنازة ثم يقعد بعده"؛ يعني: يقوم إذا رأى الجنازة، ثم يقعد بعد مرورها؛ ليعلم الناس أن اتِّباع الجنازة إلى رأس القبر غيرُ واجبٍ، بل مستحبٌّ. قد جاء عن جماعة من الصحابة: أنهم يقومون إذا رأوا الجنازة من بعيد، ثم يقعدون قبل أن تنتهي الجنازة إليهم. ويحتمل أن يكون معنى قوله: (يقوم ثم يقعد) أنه يقوم إذا رأى الجنازة في وقت، ويقعد ولا يقوم إذا رأى الجنازة في وقت آخر؛ ليعلِّمَ الناس أن القيام للجنازة والقعود كلاهما جائز، وليس بواجب. * * * ١١٧٢ - قالَ رسُولُ الله ﷺ : "مَنْ تَبعَ جنازةَ مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا وكان مَعها حتى يُصلَّى عليها ويُفْرَغَ من دَفْنِها، فإنه يَرْجِعُ من الأجرِ بقيراطيْنِ، كلُّ قيراطٍ مثل أُحُدٍ، ومن صلَّى عليها ثم رجعَ قبلَ أن تُدْفَنَ فإنه يرجعُ بقِيْراطٍ". قوله: "إيمانًا واحتسابًا" (الاحتساب): طلب الثواب من الله تعالى، يعني: ليتَّبع الجنازة لطلب الثواب من الإيمان بالله تعالى ورسوله، لا لرياءٍ، وليطيبَ قلبَ أحد. * * *

стр. 938

١١٧٣ - وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ نَعَى للناس النَّجاشِيَّ اليومَ الذي ماتَ فيهِ، وخرجَ النبيُّ ﷺ بهم إلى المُصَلَّى، فصَفَّ بهم وكبَّر أربَعَ تكبيرات. قوله: "نعى للناس النجاشي"، أي: أخبرنا الناس بموت النجاشي. وهذا الحديث يدل على جواز النعي، وبه قال الشافعي وأكثرُ أهل العلم، وكره قومٌ النعي. ويدل أيضًا على جواز الصلاة على الغائب، وبه قال الشافعي، ويتوجَّهون القبلةَ لا بلدَ الميت. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الصلاة على الغائب. والنجاشي كان ملك الحبشة، وكان مسلمًا يكتم إسلامه؛ لأن قومه كانوا كفارًا، فلمَّا مات لم يصلِّ عليه أحد، فأخبر جبريلُ النبيَّ ﵇ بموته، فصلى رسول الله ﵇ مع الصحابة عليه. * * * ١١٧٤ - ورُوي: أن زيدَ بن أرقَم كبَّر على جنازةٍ خمسًا، وقال: كان رسولُ الله ﷺ يُكَبرُها. قوله: "أن زيدًا كبر على جنازة خمسًا ... " إلى آخره. رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن زيد، والمراد بـ (زيد) هنا: زيد بن أرقم. وبهذا قال حذيفةُ، ولم يعمل به واحد من الأئمة، لكن لو كبَّر الإمام خمسًا لم تبطُل صلاته على الأصح. * * *

стр. 939

١١٧٥ - وروي: أَنَّ ابن عباس ﵄ صلَّى على جنازةٍ فقرأَ فاتِحَةَ الكتابِ فقال: لِتَعْلموا أنها سُنَّةٌ. قوله: "أن ابن عباس صلى على جنازة ... " إلى آخره. رواه طلحة بن عبد الله بن عوف، عن ابن عباس. قوله: "سنة"؛ أي: مما فعله رسول الله ﵇. ومذهب الشافعي وأحمد: أن قراءة فاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى فرض. وقال أبو حنيفة: ليس بفرض. * * * ١١٧٦ - وقال عَوْف بن مالك: صلَّى رسولُ الله ﷺ على جنازةٍ فحَفظتُ من دُعائه، وهو يقول: "اللهم اغفرْ له، وارحمْهُ، وعافهِ، واعفُ عنه، وأكَرِمْ نُزُلَهُ، ووسِّع مُدْخَلَهُ، واغسلْه بالماء والثلج والبَرَدِ، ونَقِّه من الخطايا كما نَقَّيتَ الثوبَ الأبيضَ من الدَّنَسِ، وأبْدِلْهُ دارًا خيرًا من دارهِ وأهلًا خيرًا من أهلِه، وزوجَاً خيرًا من زَوجه، وأَدخِلْه الجنَّةَ، وقِهِ فِتْنةَ القَبرِ وعذابَ النارِ" حتى تمنيتُ أن أكونَ ذلكَ الميتَ. قوله: "وعافِه": هذا أمرُ مخاطَبٍ من المعافاة، وهو تخليص أحدٍ من المكاره. "وأَكْرِمْ نزلَه"، (النزل) بسكون الزاي وضمها: الرزق وما يقدَّمُ إلى الضيف من الطعام؛ يعني: أحسنْ نصيبه من الجنة. "مدخله"؛ أي: قبره.

стр. 940

قوله: "واغسله ... " إلى آخره؛ أي: اغسله من الذنوب بأنواع المغفرة، كما أن هذه الأشياء أنواعُ المطهِّرات من الدنس. وأراد بـ "فتنة القبر": التحيُّر في جواب المنكر والنكير والعذاب. والدعاء للميت بعد التكبيرة الثالثة فرضٌ عند الشافعي. وفرائض صلاة الجنازة عنده سبعٌ: النية، والتكبيرات الأربعة، وقراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، والصلاة على النبي ﵇ بعد الثانية، والدعاء للميت بعد الثالثة، وأقله أن يقول: اللهم اغفر له، والتسليمة الأولى، وفي القيام خلاف، والأصح أنه فرض. وأما عند أبي حنيفة ﵀: الواجب التكبيرات الأربعة، وما سواها سنةٌ. * * * ١١٧٧ - وقالت عائشة ﵂: صلَّى رسولُ الله ﷺ على ابني بَيْضاءَ في المسجدِ، سُهيلٍ وأخيهِ. قولها: "على ابني بيضاء"، (بيضاء) أمُّهما، واسمها: دعدٌ بنتُ الجحدم، واسم أبيهما: عمرو بن وهب، واسم أخي سهيل: سهل. فعند الشافعي: تجوز الصلاة على الميت في المسجد. وعند أبي حنيفة: تكره. * * * ١١٧٨ - وقال سَمُرَةُ بن جُنْدَبٍ: صلَّيتُ وراءَ النبيِّ ﷺ عَلى امرأةٍ ماتتْ في نِفاسِها، فقامَ وسَطَها.

стр. 941

قوله: "وسطها"؛ يعني: وليقف الإمام عند وسط المرأة كأنه يستر كفنها عن القوم. * * * ١١٧٩ - عن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيِّ ﷺ مَرَّ بقبْرٍ دُفِنَ ليلاً فقال: "متى دُفِنَ هذا؟ "، قالوا: البارحةَ، قال: "أفلا آذَنْتُمُوني؟ "، قالوا: دفنَّاه في ظُلمةِ الليلِ، فكرهْنا أن نوقِظَكَ، فقامَ فَصَفَفْنَا خلفَهُ، فصلَّى عليه. قوله: "مر بقبر دفن ليلًا ... " إلى آخره، هذا يدل على أن الدفن في الليل جائزٌ؛ لأن النبي ﵇ لم ينكر عليهم، ويدل أيضًا على أن الصلاة على القبر جائزة، وعلى أن الصلاة بالجماعة مستحبة؛ لأن القوم صلَّوا مع رسول الله ﵇ على القبر. * * * ١١٨٠ - وعن أبي هريرة ﵁: أن أسودَ كان يكونُ في المسجد يَقُمُّ المسجدَ، فماتَ فأَتى - يعني رسولُ الله ﷺ قبرَهُ فصلَّى عليه، ثم قال: "إنَّ هذه القبورَ مَمْلُوءةٌ ظُلمةً على أهلِها، وإنَّ الله يُنَوِّرُهَا لهم بصلاتي عليهم". قوله: "أن أسوَد: كان يكون في المسجد يقمُّ المسجد"، (أسود): اسم رجل، (يقمُّ المسجد)؛ أي: يكنسه ويطهِّره، فمات ولم يعلم النبي ﵇ بموته حتى مضى أيام، قال ﵇: "أين أسود؟ ": فقالوا: مات، فقال: "دلوني على قبره" فأتى قبره، فصلى عليه. قوله: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة"؛ يعني: القبور ممتلئةٌ من الظلمة، وينوِّرها الصلاة عليها، والدعاء، والعمل الصالح التي تكون للميت.

стр. 942

قوله: "بصلاتي عليهم" اعلم أن صلاة النبي ﵇ على القبور ودعاءَه لهم تكون نورًا، وكذلك صلاة غيره تكون مفيدةً للميت، وتكون نورًا له أيضًا؛ لأن الصلاة مِن شَرْعِ النبيِّ ﵇، وما هو شرعُ النبي ﵇ لا شك أن يكون رحمةً ونورًا للناس. * * * ١١٨١ - وقال: "ما من مسلم يموتُ فيقومُ على جنازتِهِ أربعونَ رجلًا لا يُشركونَ بالله شيئًا إلا شَفَّعَهم الله فيه". قوله: "إلا شفعهم الله تعالى"، (شفع) بتشديد الفاء: إذا قَبلَ الشفاعة، يعني: يقبل الله تعالى دعاءهم للميت ببركة دعائهم. * * * ١١٨٢ - وقال: "ما من ميتٍ تُصلي عليهِ أُمَّةٌ من المسلمين يبلغونَ مائةً، كلُّهم يشفعونَ له إلا شُفِّعُوا فيه". قوله: "يشفعون له"؛ أي: يدعون له. ليس بين هذين الحديثين تناقضٌ، بل حديثُ ابن عباس متأخِّرٌ عن هذا الحديث؛ لأن رحمة الله تعالى تزيد على المؤمنين ولا تنقص، يعني: لو شفع له مئة تُقبل شفاعتهم، ولو شفع له أربعون أيضًا تُقبل شفاعتهم. * * * ١١٨٣ - وقال أنس ﵁: مَرُّوا بجنازةٍ فأَثْنَوا عليها خيرًا، فقال النبيُّ ﷺ : "وَجَبَتْ"، ثم مَرُّوا بأُخرى فأَثْنَوا عليها شرًا فقال: "وَجَبَتْ"، فقالَ عمرُ: ما وَجَبَتْ؟، قال: "هذا أَثْنَيْتُم عليهِ خيرًا فوجبتْ له الجنةُ، وهذا أثنيتُم عليه

стр. 943

شرًا فوجبت له النارُ، أنتم شُهداءُ الله في الأرض". وفي روايةٍ: "المؤمنونَ شهداء الله في الأرضِ". قوله: "مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا" الضمير في (مروا) وفي (أثنوا) ضميرُ الصحابة. "وجبت"؛ أي: وجبت الجنة، ووجبت النار. قوله: "أنتم شهداء الله في الأرض" ليس معنى هذا أنَّ ما يقول الصحابة والمؤمنون في حق شخص من استحقاقه الجنة أو النار يكون كذلك؛ لأن مَن يستحق الجنة لا يصير من أهل النار بقول أحد، ولا مَن يستحق النار يصير من أهل الجنة بقول أحد. بل معناه: أن الذي أثنوا عليه خيرًا رأوا منه الخير والصلاح في حياته، والخير والصلاح من علامة كون الرجل من أهل الجنة، وأن الذي أثنوا عليه الشرّ رأوا منه الشر والفساد، والشرُّ والفساد من علامة دخول النار، فشهد النبي ﵇ للأول بالجنة، وللثاني بالنار. وتأويل قَطْعِه ﵇ للأول بالجنة، وللثاني بالنار: أنه أَطْلَع الله تعالى نبيَّه ﵇ على أن الأول من أهل الجنة، والثاني من أهل النار، وليس هذا الحكم عامًا في كلِّ مَن شهد له جماعةٌ بالجنة أو بالنار، ألا ترى أنه لا يجوز أن يُقطع بكون واحد أنه من أهل الجنة أو من أهل النار، وإن شهد له بالجنة أو بالنار جمعٌ كثير، بل نرجو الجنَّةَ لمن شهد له جماعةٌ بالخير، ونخاف النار لمن شهد له جماعة بالشر. * * * ١١٨٤ - وقال عمر ﵁: عن النبيَّ ﷺ : "أيُّما مسلمٍ شَهِدَ له أربعةٌ بخيرٍ أَدخلهُ الله الجنَةَ"، قلنا: وثلاثةٌ: قال: "وثلاثةٌ"، قلنا: واثنان؟ قال: "واثنانِ"،

стр. 944

ثم لم نسألْه عن الواحدِ. قوله: "أيُّما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة"؛ يعني: ومَن شهد له أربعةٌ أو ثلاثةٌ أو اثنان بالخير، فالظاهر والغالب من حاله أنه رجل صالح حتى يشهدوا له بالخير، وإذا كان صالحًا أدخله الله الجنة بفضله، وبسبب خيره وصلاحه، وربما يكون له ذنبٌ فيغفر الله تعالى ذنبه ويدخله الجنة؛ لتصديقِ ظنِّ المؤمنين في كونه صالحًا. ويحتمل أن يريد بقوله: (شهد له أربعة) صلاةَ أربعةٍ أو ثلاثة أو اثنين عليه ودعاءَهم وشفاعتهم له، فيقبل الله دعاءهم له. * * * ١١٨٥ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الأَمواتَ، فإنهم قد أَفْضَوا إلى ما قَدَّموا". قوله: "قد أفضوا إلى ما تقدموا"، رواه عائشة. "أفضوا": أصله أَفْضَيُوا، فقلبت الياء ألفًا وحذفت، ومعناه: وصلوا إلى ما أرسلوه إلى الآخره من الأعمال؛ يعني: كما لا يجوز غيبةُ الأحياء، لا يجوز غيبةُ الأموات. * * * ١١٨٦ - وعن جابر ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يجمعُ بين الرَّجُلينِ مِنْ قتلى أُحُدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثم يقولُ: "أيُّهم أكثرُ أخذًا للقرآن؟ "، فإذا أُشيرَ له إلى أحدٍ قَدَّمَهُ في اللَّحدِ، وقال: "أنا شهيدٌ على هؤلاءِ يومَ القيامةِ"، وأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بدمائِهم، ولم يصلِّ عليهم ولم يُغسلوا.

стр. 945

قوله: "في ثوب واحد"؛ أي: في قبر واحد. وليس معناه أنهما يجرَّدان عن الثياب بحيث تصل بشرة أحدهما إلى بشرة الآخر، وهذا لا يجوز، بل يكون على كلِّ واحدٍ منهما ثيابه الملطَّخة بالدم وغيرُ الملطَّخة، ولكن يضجع أحدهما بجنب الآخر في قبر واحد، ومَن هو أفضل يُضجع مستقبلَ القبلة ملاصقًا بجدار اللحد، والثاني خلف ظهره. قوله: "أنا شهيد على هؤلاء"؛ أي: أنا شفيعٌ لهؤلاء، وأشهدُ لهم بأنهم بذلوا أرواحهم، وتركوا حياتهم لله تعالى. * * * ١١٨٧ - قال جابر بن سَمُرَة ﵁: أُتِيَ النبيُّ ﷺ بفرسٍ مُعْرَوْرًى فركبه حين انصرفَ من جنازةِ ابن الدَّحْدَاحِ ونحنُ نمشي حوله. قوله: "بفرس مُعْرَوْرٍ", (مُعْرَوْرٍ): اسمُ فاعلٍ من اعْرَوْرَى الفرسُ: إذا تجرَّد عن السرج. هذا يدل على أنه يجوز الركوب عند الانصراف من الجنازة، بخلاف المشي مع الجنازة فإنه يكره الركوب. * * * مِنَ الحِسَان: ١١٨٨ - عن المُغيرة بن زياد ﵁ قال: إنه رفعَهُ إلى النبيِّ ﷺ قال: "الراكبُ يسيرُ خلفَ الجنازةِ، والماشي يمشي خلفَها وأمامَها، وعن يمينِها وعن يسارِها قريبًا منها، والسِّقْط يُصلَّى عليه ويُدْعَى لوالدَيهِ بالمغفرةِ والرحمةِ".

стр. 946

قوله: "السِّقط يصلَّى عليه" مذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنه يصلَّى على السقط إن استهل؛ أي: صوَّت حين انفصل من أمه ثم مات، وإن لم يستهلَّ لم يُصلَّ عليه. وقال أحمد: يصلَّى عليه إذا كان له أربعةُ أشهر وعشرٌ في البطن، ونُفخ فيه الروح، وإن لم يستهلَّ حين انفصل من الأم. في نسخ "المصابيح" وفي "شرح السنة": أن راوي هذا الحديث: المغيرة ابن زياد. * * * ١١٨٩ - عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ يمشونَ أمامَ الجنازةِ. ورواه بعضهم مرسلًا. قوله: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ يمشون أمام الجنازة. ورواه بعضهم مرسلًا. "سالم": هو سالم بن عبد الله بن عمر ﵃. وبهذا الحديث قال الشافعي وأحمد. * * * ١١٩٠ - وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "الجَنازةُ متبوعةٌ، ولا تَتْبَعُ"، وإسناده مجهول. قوله: "الجنازة متبوعة ولا تتبع" وإسناده مجهول. يعني: الناس يمشون خلف الجنازة، وبهذا قال أبو حنيفة. وعلةُ المشي خلف الجنازة: لينظر الناس إلى الجنازة، ويعتبرون وينتبهون

стр. 947

عن نوم الغفلة. وعلة المشي قدام الجنازة: أن الماشين مع الجنازة شفعاءُ الميت إلى الله تعالى، والشفيع يمشي قدام المشفوع. * * * ١١٩١ - وقال: "مَنْ تَبعَ جَنازَةً وحَمَلَها ثلاثَ مراتٍ فقد قَضَى ما عليهِ من حَقِّها"، غريب. قوله: "وحملها ثلاث مرات"؛ يعني: يعاون الحاملين في الطريق، ثم يتركها ليستريح، ثم يحملُها في بعض الطريق، يفعل كذلك ثلاث مرات. قوله: "فقد قضى ما عليه من حقها"؛ يعني: على المسلم معاونةُ المسلم بما يُطيق، فإذا حمل جنازته فقد قضى حقَّها من المعاونة، وليس معناه: أنه قضى ما عليه من دَينٍ وغيره من الحقوق مثلَ الغيبة والبهتان والضرب والشتم. * * * ١١٩٢ - وروي: أنَّ النبيَّ ﷺ حملَ جنازَة سَعْدِ بن مُعاذٍ بين العَمُودَين. قوله: "حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين" قال الشافعي: والحمل بين العمودين أن يحمل الجنازة ثلاثة: واحد يقف من قدام الجنازة بين العمودين، واثنان يقفان خلف الجنازة يضعُ كلُّ واحد منهما عمودًا على عاتقه، هذا عند حمل الجنازة من الأرض، ثم لا بأس بأن يعاونهم مَن شاء كيف شاء. ومذهب أبي حنيفة: الأفضل التربيعُ، وهو أن يحمل الجنازة أربعةٌ يأخذ كل واحد عمودًا.

стр. 948

روى هذا الحديث (١) [إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن شيوخ من بني عبد الأشهل]. * * * ١١٩٣ - وروي عن ثَوبانَ أنه قال: خرجنا معَ النبيِّ ﷺ في جنازةٍ، فرأى ناسًا ركبانًا، فقال: "ألا تستَحْيُون؟، إنَّ ملائكةَ الله على أقدامِهم وأنتم على ظُهورِ الدوابِّ"، ووقفه بعضهم على ثَوبان. قوله: "فرأى ناسًا ركبانًا ... " إلى آخره. يعني: المشي خلف الجنازة ركبانًا مكروهٌ، إلا إذا كان الشخص ضعيفًا، ووجْهُ الكراهة: أن الركوب تنعُّمٌ وتلذُّذٌ، وهذا لا يليق في مثل هذه الحالة. * * * ١١٩٤ - وعن ابن عباس ﵄: أن النبيَّ ﷺ قَرَأَ على الجنازةِ بفاتِحَةِ الكتابِ. قوله: "قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب"؛ أي: قرأها بعد التكبيرة الأولى. * * * ١١٩٥ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا صلَّيتم على الميت فأخلصوا له الدعاء". قوله: "فأخلِصوا له الدعاء" قد قلنا: الدعاء للميت بعد التكبيرة الثالثة فرضٌ عند الشافعي، وسنَّة عند أبي حنيفة.

стр. 949

فمَن قال بالفرض قال: هذا الأمر للوجوب، ومن قال بالسنة قال: هذا الأمر للندب، ومعنى الندب السنة. * * * ١١٩٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا صلَّى على جنازةٍ قال: "اللهم اغفر لِحَينا ومَيتِنَا، وشاهِدنا وغائِبنا، وصغيرِنا وكبيرِنا، وذكرِنا وأُنثانا، اللهم مَن أحييتَه منا فأَحْيهِ على الإسلام، ومن توفيتَه منا فتوفَّه على الإيمان، اللهم لا تحرِمْنا أجرَهُ، ولا تَفتِنَّا بعدَه واغفر لنا وله". قوله: "وشاهدنا وغائبنا"، (الشاهد): الحاضر. قوله: "صغيرنا" فإن قيل: الصغير لم يكن ذنبه ذنبًا؛ لأنه غيرُ مكلَّفٍ، وأيُّ حاجةٍ له إلى الاستغفار لأجله؟. قال بعض الأئمة: معناه: السؤال من الله الكريم أن يغفر له ما كُتب له في اللوح المحفوظ أن يفعله من الذنوب، حتى إذا فعله كان مغفورًا عنه. * * * ١١٩٧ - وعن وَاثِلة بن الأسَقَع قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ على رجلٍ من المسلمين فسمعتُه يقول: "اللهم إنَّ فلانَ بن فلانٍ في ذِمَّتِكَ، وحبلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ من فتنةِ القبرِ وعذاب النار، وأنت أهلُ الوفاءِ والحقِّ، اللهم اغفرْ له وارحَمْهُ، إنَّك أنت الغفورُ الرحيمُ". قوله: "في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار"، (الذمة): الأمان، (الحبل): العهد. (وحبل جوارك)؛ أي: في كنف حفظك وفي عهد طاعتك إذا مات.

стр. 950

وجَدُّ واثلة عبد العُزَّى (١) الليثي. * * * ١١٩٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "اذكُروا مَحاسِنَ موتَاكم، وكُفُّوا عن مَساوئهم". قوله: "اذكروا محاسن موتاكم"، (المحاسن): جمع حسن، و (المساوئ): جمع سوء، كلاهما جمعٌ غريب. "كفوا"؛ أي: اتركوا. * * * ١١٩٩ - عن أنس ﵁: أنه صلَّى على جنازةِ رجلٍ فقامَ حِيالُ رأسِه، ثم جاؤُوا بجنازةِ امرأةٍ فقامَ عندَ حِيالِ وسطِ السَّرير، فقيلَ له: هكذا رأيتَ رسولَ الله ﷺ قامَ على الجنازةِ مَقَامَكَ منها، ومِن الرجلِ مَقَامَكَ منه؟، قال: نعم. "حيال رأسه"؛ أي: إزاء رأسه وتِلْقاءَه. ليعلم زمرةُ إخواني، وثلَّةُ خُلَصائي أني قد شرطْتُ في أول الكتاب أن أُورد كلَّ حديثٍ من أحاديث هذا الكتاب مكتوبًا بالحمرة، ثم أشرح ذلك، ثم إني لمَّا رأيت غلبة الكفار على المسلمين، وسمعتُ بواقعة أمير المؤمنين، تكدَّر زماني، وتحيَّر جناني، وترجل قوتي وفرحي، وتوطَّن غمِّي وتَرَحي. وعلمتُ أن هذه الواقعة من اقتراب الساعة، وأيقنتُ أن الوقائع تصير
следующие страницы →