← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

قوله: "السِّقط يصلَّى عليه" مذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنه يصلَّى على السقط إن استهل؛ أي: صوَّت حين انفصل من أمه ثم مات، وإن لم يستهلَّ لم يُصلَّ عليه. وقال أحمد: يصلَّى عليه إذا كان له أربعةُ أشهر وعشرٌ في البطن، ونُفخ فيه الروح، وإن لم يستهلَّ حين انفصل من الأم. في نسخ "المصابيح" وفي "شرح السنة": أن راوي هذا الحديث: المغيرة ابن زياد. * * * ١١٨٩ - عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ يمشونَ أمامَ الجنازةِ. ورواه بعضهم مرسلًا. قوله: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ يمشون أمام الجنازة. ورواه بعضهم مرسلًا. "سالم": هو سالم بن عبد الله بن عمر ﵃. وبهذا الحديث قال الشافعي وأحمد. * * * ١١٩٠ - وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "الجَنازةُ متبوعةٌ، ولا تَتْبَعُ"، وإسناده مجهول. قوله: "الجنازة متبوعة ولا تتبع" وإسناده مجهول. يعني: الناس يمشون خلف الجنازة، وبهذا قال أبو حنيفة. وعلةُ المشي خلف الجنازة: لينظر الناس إلى الجنازة، ويعتبرون وينتبهون

стр. 947

عن نوم الغفلة. وعلة المشي قدام الجنازة: أن الماشين مع الجنازة شفعاءُ الميت إلى الله تعالى، والشفيع يمشي قدام المشفوع. * * * ١١٩١ - وقال: "مَنْ تَبعَ جَنازَةً وحَمَلَها ثلاثَ مراتٍ فقد قَضَى ما عليهِ من حَقِّها"، غريب. قوله: "وحملها ثلاث مرات"؛ يعني: يعاون الحاملين في الطريق، ثم يتركها ليستريح، ثم يحملُها في بعض الطريق، يفعل كذلك ثلاث مرات. قوله: "فقد قضى ما عليه من حقها"؛ يعني: على المسلم معاونةُ المسلم بما يُطيق، فإذا حمل جنازته فقد قضى حقَّها من المعاونة، وليس معناه: أنه قضى ما عليه من دَينٍ وغيره من الحقوق مثلَ الغيبة والبهتان والضرب والشتم. * * * ١١٩٢ - وروي: أنَّ النبيَّ ﷺ حملَ جنازَة سَعْدِ بن مُعاذٍ بين العَمُودَين. قوله: "حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين" قال الشافعي: والحمل بين العمودين أن يحمل الجنازة ثلاثة: واحد يقف من قدام الجنازة بين العمودين، واثنان يقفان خلف الجنازة يضعُ كلُّ واحد منهما عمودًا على عاتقه، هذا عند حمل الجنازة من الأرض، ثم لا بأس بأن يعاونهم مَن شاء كيف شاء. ومذهب أبي حنيفة: الأفضل التربيعُ، وهو أن يحمل الجنازة أربعةٌ يأخذ كل واحد عمودًا.

стр. 948

روى هذا الحديث (١) [إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن شيوخ من بني عبد الأشهل]. * * * ١١٩٣ - وروي عن ثَوبانَ أنه قال: خرجنا معَ النبيِّ ﷺ في جنازةٍ، فرأى ناسًا ركبانًا، فقال: "ألا تستَحْيُون؟، إنَّ ملائكةَ الله على أقدامِهم وأنتم على ظُهورِ الدوابِّ"، ووقفه بعضهم على ثَوبان. قوله: "فرأى ناسًا ركبانًا ... " إلى آخره. يعني: المشي خلف الجنازة ركبانًا مكروهٌ، إلا إذا كان الشخص ضعيفًا، ووجْهُ الكراهة: أن الركوب تنعُّمٌ وتلذُّذٌ، وهذا لا يليق في مثل هذه الحالة. * * * ١١٩٤ - وعن ابن عباس ﵄: أن النبيَّ ﷺ قَرَأَ على الجنازةِ بفاتِحَةِ الكتابِ. قوله: "قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب"؛ أي: قرأها بعد التكبيرة الأولى. * * * ١١٩٥ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا صلَّيتم على الميت فأخلصوا له الدعاء". قوله: "فأخلِصوا له الدعاء" قد قلنا: الدعاء للميت بعد التكبيرة الثالثة فرضٌ عند الشافعي، وسنَّة عند أبي حنيفة.

стр. 949

فمَن قال بالفرض قال: هذا الأمر للوجوب، ومن قال بالسنة قال: هذا الأمر للندب، ومعنى الندب السنة. * * * ١١٩٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا صلَّى على جنازةٍ قال: "اللهم اغفر لِحَينا ومَيتِنَا، وشاهِدنا وغائِبنا، وصغيرِنا وكبيرِنا، وذكرِنا وأُنثانا، اللهم مَن أحييتَه منا فأَحْيهِ على الإسلام، ومن توفيتَه منا فتوفَّه على الإيمان، اللهم لا تحرِمْنا أجرَهُ، ولا تَفتِنَّا بعدَه واغفر لنا وله". قوله: "وشاهدنا وغائبنا"، (الشاهد): الحاضر. قوله: "صغيرنا" فإن قيل: الصغير لم يكن ذنبه ذنبًا؛ لأنه غيرُ مكلَّفٍ، وأيُّ حاجةٍ له إلى الاستغفار لأجله؟. قال بعض الأئمة: معناه: السؤال من الله الكريم أن يغفر له ما كُتب له في اللوح المحفوظ أن يفعله من الذنوب، حتى إذا فعله كان مغفورًا عنه. * * * ١١٩٧ - وعن وَاثِلة بن الأسَقَع قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ على رجلٍ من المسلمين فسمعتُه يقول: "اللهم إنَّ فلانَ بن فلانٍ في ذِمَّتِكَ، وحبلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ من فتنةِ القبرِ وعذاب النار، وأنت أهلُ الوفاءِ والحقِّ، اللهم اغفرْ له وارحَمْهُ، إنَّك أنت الغفورُ الرحيمُ". قوله: "في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار"، (الذمة): الأمان، (الحبل): العهد. (وحبل جوارك)؛ أي: في كنف حفظك وفي عهد طاعتك إذا مات.

стр. 950

وجَدُّ واثلة عبد العُزَّى (١) الليثي. * * * ١١٩٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "اذكُروا مَحاسِنَ موتَاكم، وكُفُّوا عن مَساوئهم". قوله: "اذكروا محاسن موتاكم"، (المحاسن): جمع حسن، و (المساوئ): جمع سوء، كلاهما جمعٌ غريب. "كفوا"؛ أي: اتركوا. * * * ١١٩٩ - عن أنس ﵁: أنه صلَّى على جنازةِ رجلٍ فقامَ حِيالُ رأسِه، ثم جاؤُوا بجنازةِ امرأةٍ فقامَ عندَ حِيالِ وسطِ السَّرير، فقيلَ له: هكذا رأيتَ رسولَ الله ﷺ قامَ على الجنازةِ مَقَامَكَ منها، ومِن الرجلِ مَقَامَكَ منه؟، قال: نعم. "حيال رأسه"؛ أي: إزاء رأسه وتِلْقاءَه. ليعلم زمرةُ إخواني، وثلَّةُ خُلَصائي أني قد شرطْتُ في أول الكتاب أن أُورد كلَّ حديثٍ من أحاديث هذا الكتاب مكتوبًا بالحمرة، ثم أشرح ذلك، ثم إني لمَّا رأيت غلبة الكفار على المسلمين، وسمعتُ بواقعة أمير المؤمنين، تكدَّر زماني، وتحيَّر جناني، وترجل قوتي وفرحي، وتوطَّن غمِّي وتَرَحي. وعلمتُ أن هذه الواقعة من اقتراب الساعة، وأيقنتُ أن الوقائع تصير

стр. 951

أضعافًا مضاعفةً، فهممتُ أن أترك التصنيف والتدريس طرًا، وأطوي في البكاء عمرًا، ولكن خفتُ ربَّ العالمين أن أترك ما استطعت إظهار الدين؛ فإن هذا ممَّا يفرح به الشيطان اللعين. فحَوْلَقْتُ وردَّدْتُ كلمةَ الاسترجاع، وأقبلت مع امتلاء قلبي من الجراح والأوجاع إلى إتمام الكتاب، واستعنتُ فيه من الله الوهاب، سالكًا سبيل الاختصار، بأن أترك كتابة لفظ "المصابيح" بالحمرة، وأورد منه ما يحتاج إلى الشرح، من غيرِ أن أترك من الإشكالات شيئًا، والله الموفق والمرشد. ٦ - باب دَفْن الميت (باب دفن الميت) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٢٠٠ - قال سعد بن أبي وقَّاص ﵁ في مرضه: ألحِدُوا لي لَحْدًا، وانصِبوا عليَّ اللَّبن نَصْبًا كما صُنِعَ برسولِ الله ﷺ . قوله: "كما صنع برسول الله ﵇"؛ أي: فُعِلَ بقبر رسول الله ﵇؛ يعني: وضع على قبر رسول الله ﵇ اللَّبن. يعني: جعلُ اللحدِ ونصبُ اللبن عليه سنةٌ بإجماع الصحابة ﵃. * * * ١٢٠١ - وقال ابن عباس ﵄: جُعِلَ في قبْرِ رسولِ الله ﷺ قطيفةٌ حمراء. قوله: "قطيفة حمراء"، (القطيفة): نوعٌ من الكساء.

стр. 952

الذي أَلْحَدَ - أي: حفر لحدَ - رسول الله ﷺ هو أبو طلحة، والذي جعل القطيفة في قبره ﵇ هو شُقْرَانُ، واسمه صالحٌ ولقبه شقران، وهو مولى رسول الله ﷺ ، وإنما جَعَل القطيفة في قبره ﷺ لأنها كان رسول الله ﷺ يلبسها، فوضعها شقران في قبره، فقال: والله لا يلبسها أحدٌ بعدك. وكره ابن عباس أن يُفرش تحت الميت شيءٌ. * * * ١٢٠٢ - وعن سُفيان التَّمَّار: أنه رأى قبرَ النبيِّ ﷺ مُسَنَّمًا. قوله: "مسنمًا" بفتح النون وتشديدها، وهو القبر الذي يكون مثلَ ظهر حمار، وتسنيم القبر وتسطيحه كلاهما جاء في الحديث. والتسنيم: أن يجعل القبر مسنَّمًا كما ذكرنا، والتسطيح: أن يُجعل مسطَّحًا، وهو أن يجعل مثل سرير، وميل الشافعي إلى التسطيح. * * * ١٢٠٣ - وقال علي ﵁ لأبي الهيَّاج الأَسَدي: ألا أبعثُكَ على ما بَعَثَني عليه رسولُ الله ﷺ : أن لا تدعَ تِمْثالًا إلا طمَستَه، ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سوَّيتَه. قوله: "ألا أبعثك"، أي: ألا أرسلك على أمرٍ قد بعثني رسول الله ﵇ إليه. "لا تدع"؛ أي: لا تترك "تمثالًا"؛ أي: صورةً وشكلاً يشبه شكلَ الحيوان، (التمثال): ما يُجعل على مثال شيء يشبهه، "إلا طمسته"؛ أي: إلا مَحَوْته، فإنَّ جَعْلَ صورة الحيوان محرَّمٌ إلا على الفراش. "ولا قبرًا مشرفًا"؛ أي: قبرًا مرتفعًا، "إلا سويته": أي: أزلت ارتفاعه،

стр. 953

وليس معنى التسويةِ هنا جعلَ القبر مستويًا على وجه الأرض بحيث لا يُعلم أنه قبر، بل هذا لا يجوز في قبور المسلمين، بل السنة: أن تجعل قبور المسلمين مرتفعةً من الأرض بقَدْرِ شبرٍ: إما مسطَّحًا، وإما مسنَّمًا، ولا ترفع أكثر من شبر. * * * ١٢٠٤ - وقال جابر ﵁: نهى رسولُ الله ﷺ أن يُجَصَّصَ القبرُ، وأن يُبنى عليه، وأن يُقعدَ عليه. قوله: "نهى رسول الله ﵇ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه". تجصيصُ القبور والبناءُ عليها - بجَعْلِ بيتٍ على القبر، أو ضربِ خيمةٍ عليه - منهي؛ لأنه إضاعة المال من غير فائدة للميت فيه، ولأنه من فعل الجاهلية. وقد أباح السلف ﵏ أن يبنى على قبور المشايخ والعلماء المشهورين ليزورهم الناس، ويستريح الناس بالجلوس في البناء الذي يكون على قبورهم مثل الرباطات والمساجد. وأما القعود على القبور: علة النهي عنه: أنه إذلالٌ واستخفاف بالميت، وهذا لا يليق بقبور المسلمين. وقد روي: أن رسول الله ﵇ رأى رجلًا قد اتكأ على قبر فقال النبي ﵇: "لا تؤذ صاحب القبر"؛ يعني: الميت. وقد أجاز قومٌ الجلوس على القبر، وحَمَلَ حديث النهي عن القعود على القبر على أن المراد منه: القعود للتغوط على القبر والبول. * * * ١٢٠٥ - قال رسولُ الله ﷺ : "لا تجلِسوا على القُبورِ، ولا تُصَلُّوا إليها".

стр. 954

"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها"؛ يعني: لا تصلُّوا وتلقاءَ وجوهكم قبر، وقد ذكر بحثه في باب المساجد. روى هذا الحديث: أبو مرثد (١) الغَنوي. * * * ١٢٠٦ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لأن يجلِسَ أحدُكم على جَمْرةٍ فَتُحرِقَ ثيابَهُ فتَخلُصَ إلى جِلْده خيرٌ له مِن أن يجلِسَ على قبرٍ"، يرويه أبو هريرة ﵁. قوله: "لأن يجلس ... " إلى آخره. روى هذا الحديث أبو هريرة. قوله: "فتَخْلُصَ"؛ أي: فتصلَ الجمرةُ إلى جلده فتحرقَ جلده، "خيرٌ له من أن يجلس على قبر"؛ لأن الجلوس على القبر يوجب عذاب الآخرة، وعذابُ الدنيا أهون من عذاب الآخرة. * * * مِنَ الحِسَان: ١٢٠٧ - قال عروةُ: كانَ بالمدينةِ رجلانِ أحدهما يَلْحَد والآخرُ لا يَلْحَدُ، فقالوا: أيُّهما جاءَ أولًا عَمِلَ عَمَلَه، فجاءَ الذي يَلْحَدُ، فَلَحَدَ لرسولِ الله ﷺ . قوله: "أحدهما يَلحد"؛ يعني: أحدهما يحفر القبر، ويجعل فيه اللحد، وهو أبو طلحة بن زيد بن سهل الأنصاري. قوله: "والآخر لا يلحد"؛ يعني: والآخر يحفر القبر، ولم يجعل فيه

стр. 955

اللحد، وهو أبو عبيدة بن الجراح، وجَعْلُ اللحد في القبر وتركُ اللحدِ كلاهما جائز، لأنه لو كان واحدٌ منهما منهيًا لَمَا فعله أبو عبيدة مع أنه من العشرة المبشَّرة بالجنة، وأبو طلحة مع أنه من كبار الصحابة. قوله: "فقالوا: أيهما جاء"؛ يعني: اختلف الصحابة في أنه يجعل قبر النبي ﵇ مع اللحد، أو من غير اللحد. فاتفقوا على أن يبعثوا رجلين إلى الذي يلحد، وإلى الذي لا يلحد، فقالوا: أيهما جاء أولًا يعمل عمله، فجاء أبو طلحة، فحفر قبر رسول الله ﵇ مع اللحد. * * * ١٢٠٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "اللَّحدُ لنا، والشَّقُّ لغيرِنا". قوله: "اللحد لنا"؛ يعني: جُعل اللحد في القبر من اختيارنا، وهو أولى عندنا. قوله: "والشق لغيرنا"؛ أي: تركُ اللحد مختارٌ لأهل الأديان التي قبلنا، وقد قلنا: اللحد وتركُ اللحد جائزٌ، واللحدُ أفضل بدليل هذا الحديث. * * * ١٢٠٩ - وعن هشام بن عامرٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ يومَ أُحُد: "احْفِرُوا، وأَوْسِعُوا، وأَعْمِقُوا، وأَحْسِنُوا، وادفِنُوا، الاثنينِ، والثلاثةَ في قبرٍ واحدٍ، وقدِّموا أكثرَهم قرآنًا". قوله: "أوسعوا"؛ أي: اجعلوا القبر واسعًا.

стр. 956

"وأعمقوا"؛ أي: اجعلوه بعيد القعر، السنة أن يكون القبر قَدْرَ قامة رجلٍ إذا مدَّ يده إلى رؤوس أصابع يديه. "وأحسنوا"؛ أي: اجعلوا القبر حسنًا بتسوية قعره عن الارتفاع والانخفاض، وتنقيته من التراب، وغير ذلك. روى هذا الحديث هشام بن عامر، وجدُّ هشام: أمية بن الخشخاش الأنصاري. * * * ١٢١٠ - وقال جابر: لمَّا كانَ يومُ أحدٍ جاءتْ عَمَّتي بأبي لتدفِنَه في مقابرنا، فنادَى منادِي رسولِ الله ﷺ : "رُدُّوا القَتْلى إلى مَضاجِعِها". قوله: "ردوا القتلى إلى مضاجعها"؛ (ردوا) أمرُ مخاطَبين، يعني: لا ينقل الشهداء من الموضع الذي قُتلوا فيه إلى غيره، بل ادفنوهم حيث قتلوا، وكذلك حكمُ غير الشهيد لا ينقل من البلد الذي مات فيه إلى بلد آخر. * * * ١٢١١ - عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: سُلَّ رسولُ الله ﷺ مِن قِبَلِ رأسِه. "سل رسول الله ﵇ من قبل رأسه"، (سُلَّ): ماضٍ مجهولٌ، من سَلَّ: إذا جَرَّ؛ أي: أُدخل النبي ﵇ في قبره من قِبَلِ رأسه بأن وُضع رأس الجنازة على مؤخَّر القبر، ثم يُدخل الميت القبر، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة فيما قبل القبلة من القبر بحيث يكون مؤخَّرُ

стр. 957

الجنازة إلى مؤخَّرِ القبر، ورأسُ الجنازة إلى رأس القبر، ويدخل الميت القبر. * * * ١٢١٢ - وعن عطاء، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ قبرًا ليلاً فأُسْرِجَ له سراجٌ، فأخَذَ من قِبَلِ القبلةِ، وقال: "رحمكَ الله إنْ كنتَ لأوَّاهًا تلاءً للقرآن"، إسناده ضعيف. قوله: "فأسرج له سراج"؛ يعني: دخل رسول الله ﵇ القبر في الليل، فوضع سراجٌ على طرف القبر ليضيء القبر، فأخذ رسول الله ﵇ الميت من قِبَلِ القبلة، ووضعه في القبر. قوله ﵇: "إن كنتَ لأوَّاهًا تلَاّءً" (إنْ) بسكون النون بمعنى (إنَّ) بتشديد النون، وتقديره: إنَّك كنتَ لأوَّاهًا؛ أي: كنت كثير التأوُّه من خشية الله تعالى "تلاء"؛ أي: كثير القراءة. * * * ١٢١٤ - وعن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن النبيَّ ﷺ حَثَى على الميتِ ثلاثَ حَثَيَاتٍ بيدَيْه جميعًا، وأنه رشَّ ماءً على قبرِ ابنهِ إبراهيم صلى الله عليه، ووضعَ عليه حَصباء"، مرسل. قوله: "حثا على الميت" هذا الحديثُ يدل على أن السنَّة لكلَّ واحدٍ من الذين يكونون على رأس القبر أن يحثوَ ثلاث حثيات من التراب في القبر بعد نصب اللَّبنات على اللحد، وعلى أنَّ رشَّ القبر بالماء ووضعَ الحصباء - وهو الحجار الصغار - على القبر سنةٌ؛ ليشتد القبر، كي لا ينبشه سبعٌ، وليكون علامةً للقبر. * * *

стр. 958

١٢١٥ - وقال جابرٌ ﵁: نهى رسولُ الله ﷺ أن تُجَصَّص القبورُ، وأن يُكْتَب عليها، وأن تُوطَأ يعني بالقدم. قوله: "وأن يكتب عليها"؛ يعني: مكروهٌ أن يكتب اسم الله واسمُ رسوله والقرآنُ على القبور؛ لأنه ربما يبولُ عليه الكلب وغيره من الدواب، وربما يضع عليه أحد رجليه، وتُلقي الريح التراب عليه، وكذلك يكره أن يُكتب اسم الله تعالى على جدار المساجد وغيرها، وكذلك القرآن. * * * ١٢١٧ - وعن المُطَّلِبِ أنه قال: لمَّا ماتَ عثمانُ بن مَظْعون ﵁ فدُفِنَ؛ أمَرَ النبيُّ ﷺ رجلًا أن يأتِيَهُ بحجرٍ، فلم نستطع حملَها، فقامَ النبيُّ ﷺ وحَسَرَ عن ذراعيهِ وحملَها، فوضَعها عندَ رأسِه وقال: "أُعَلِّم بها قبرَ أخي، وأَدْفِنُ إليه مَن ماتَ مِن أهلي". قوله: "وحسر عن ذراعيه"؛ أي: أبعد كُمَّهُ عن ساعده ولفَّ كمَّه، كما هو عادةُ مَن يعمل عملًا. "أعلِّم بها قبر أخي"؛ يعني: أجعلُ هذه الصخرة علامةً لقبر عثمان بن مظعون، وعُلم من هذا الحديث: أنَّ جَعْلَ العلامة على القبر ليعرفه الناس سنَّةٌ، وكذلك دفنُ الأقارب بعضهم قريب من بعض. * * * ١٢١٨ - وقال القاسمُ بن محمدٍ: دخلتُ على عائشةَ ﵂ فقلت: يا أُمَّاهُ!، اكشفي لي عن قبرِ النبيِّ ﷺ ، فكَشَفَتْ لي عن ثلاثةِ قُبورٍ لا مُشْرِفَةٍ ولا لَاطِئَةٍ، مبطوحةٍ ببطحاءِ العَرَصَةِ الحمراءِ. غريب.

стр. 959

قوله: "عن ثلاثة قبور" أحدها قبر النبي ﵇، والثاني قبر أبي بكر، والثالث قبر عمر ﵄، وعلق على وجهها ستر. "لا مشرفة"؛ أي: ليست القبورُ بمرتفعةٍ ارتفاعًا كثيرًا. "ولا لاطئة"؛ أي: وليست مستويةً على وجه الأرض بحيث لا تكون مرتفعةً، بل كانت مرتفعةً قَدْرًا يسيرًا. قوله: "مبطوحة"؛ أي: مبسوطةً عليها بطحاءُ العَرْصة، البطحاء: الرمل، والعَرْصَة: اسم موضع. * * * ١٢١٩ - وقال البَرَاءُ بن عازبٍ ﵁: خَرَجْنَا مع رَسولِ الله ﷺ في جنازةٍ، فوجدْنا القبرَ لم يُلْحَدْ، فجلسَ مستقبَلَ القِبْلَةِ وجلسْنا معَه. قوله: "فوجدنا القبر لم يلحد" هذا يدل على أن القبر من غير اللحد جائزٌ؛ لأن النبي ﷺ رأى ذلك القبر من غير لحدٍ ولم ينههم. قوله: "فجلس مستقبل القبلة" هذا يدل على أن الجلوس عند القبر إذا لم يتمَّ دفن الميت ليكن مستقبل القبلة، وأما عند زيارة الميت ليجلس مستقبل وجه الميت مستدبرَ القبلة. * * * ١٢٢٠ - عن عائشةَ ﵂: أن رسولَ الله ﷺ قال: "كَسْرُ عظمِ المَيتِ ككَسْرهِ حَيَّاً". قوله: "ككسره حيًا"؛ يعني: كما أن كسر عضو رجلٍ حيًّ فيه إثمٌ، فكذلك كسرُ عظم الميت فيه إثم؛ لأنه استخفافٌ وإذلال، ولا يجوز إذلال

стр. 960

الإنسان لا في الحياة ولا في الممات. * * * ٧ - باب البُكاء على المَيت (باب البكاء على الميت) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٢٢١ - قال أنس ﵁: دخلنا معَ رسولِ الله ﷺ على أبي سَيْفٍ القَيْنِ - وكان ظِئرًا لإبراهيمَ - فأخذَ رسولُ الله ﷺ إبراهيمَ فَقَبَّلَهُ وشمَّه، ثم دخلنا عليهِ بعدَ ذلكَ، وإبراهيمُ يجودُ بنفسه، فجعلَتْ عينا رسولِ الله ﷺ تَذْرِفَانِ، فقالَ له عبدُ الرحمن بن عَوْفٍ: وأنتَ يا رسولَ الله؟، فقالَ: "يا ابن عوفٍ! إنها رحمةٌ"، ثم أَتْبَعَها بأُخرى فقال: "إن العينَ تَدمعُ، والقلبُ يحزنُ، ولا نقولُ إلا ما يُرضي ربنا، وإنا لفِراقِكَ يا إبراهيم لَمَحْزُونون". قوله: "القين": الحداد. "وكان ظئرًا لإبراهيم": الظئر: المربي والمُرضع للطفل، يستوي في هذا اللفظ المذكَّر والمؤنث، يعني: كانت امرأته أم سيف تُرضع إبراهيم ابن النبي ﵇. قوله: "وشمه"؛ أي: وضع أنفه ووجهه على وجهه كمَن يَشَمُّ رائحة، هذا يدل على أن محبة الأطفال والترحُّمَ بهم سنَّةٌ. قوله: "ثم دخلنا عليه بعد ذلك"؛ أي: بعد أيام؛ إذ سمع ﵇ أن إبراهيم مرض.

стр. 961

قوله: "وهو يجود بنفسه"؛ أي: وهو يتحرك ويتردَّد في الفراش؛ لكونه في النزع والغرغرة. "تذرفان"؛ أي: تقطران وتجريان الدمع. قوله: "وأنت يا رسول الله؟ "، يعني: وأنت تبكي كما يبكي غيرك؟ وإنما قال عبد الرحمن هذا لأنه ظن أن البكاء منهيٌّ قليلُه وكثيره. قوله ﵇: "إنها رحمة"؛ يعني: البكاء يجيء من القلب الرحيم، والقلب الرحيم محمودٌ. والبكاء يجوز من غير ندبٍ ونياحة، والمنهيُّ هو الندب والنياحة. قوله: "ثم أتبعها بأخرى"؛ أي: ثم أتبع تلك المرة من البكاء بمرةٍ أخرى، أو تلك الدمعة، أو أتبع قوله: (إنها رحمة) بكلمةٍ أخرى، وهي قول: "إن العين تدمع". قوله: "ولا نقول إلا ما يرضي ربنا": هذا يدل على أنه إذا لم يقل بلسانه شيئًا من الندب والنياحة، وما لا يرضاه الله تعالى، لا بأس بالبكاء. * * * ١٢٢٢ - وقال أُسامة بن زيد: أَرْسَلَتْ ابنةُ النبيِّ ﷺ إليه: إن ابنًا لي قُبضَ فأْتِنَا، فأرسلَ يُقْرِئُ السلامَ ويقول: "إنَّ للهِ ما أَخَذَ وله ما أَعْطَى، وكلٌّ عندَه بأجَلٍ مسمًّى، فلتصبرْ ولتحتسبْ"، فَأَرْسَلَتْ إليه تُقْسِمُ عليه ليأتيَنَّها، فقامَ ومعَه سعدُ بن عُبادَةَ، ورجالٌ، فَرُفِعَ إلى رسولِ الله ﷺ الصبيُّ ونْفسُه تَتَقَعْقَعُ، ففاضَتْ عيناهُ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله!، ما هذا؟، قال: "هذه رحمةٌ جعلَها الله في قُلوبِ عبادِهِ، فإنما يرحمُ الله من عبادِه الرحماءَ". قوله: "ابنًا لي قبض"؛ أي: قَرُبَ موتُه، وهو في النزع، فأرسل يقرئها

стр. 962

السلام؛ يعني: فأرسل رسول الله ﵇ أحدًا إلى ابنته ليقول لها: إن رسول الله يقرئك السلام ويقول: "إن لله ما أخذ، وله ما أعطى". قوله: "فلتحتسب"؛ يعني: لتطلب الثواب من الله في الصبر. قوله: "فأرسلت"؛ يعني: فأرسلت إليه أحدًا مرة أخرى. و"تقسم عليه"؛ أي: تقول له: أقسمتُ عليك أن تأتيني. قوله: "فرُفع إلى رسول الله ﵇ الصبي"؛ أي: وضعه أحدٌ في حجر رسول الله ﵇، "ونفسه تتقعقع"؛ أي: تتحرك لكونه في النزع، "ففاضت عيناه"؛ أي: نزل الدمع من عيني رسول الله ﵇. قوله: "ما هذا؟ "؛ أي: ما هذا البكاء منك؟ قوله: "هذه رحمة"؛ يعني: البكاء رحمةٌ من رقة القلب، ومن ترحُّم الرجل على الناس، وهذه الصفة محمودة، وهو صفةُ رحيم القلب، ومَن يُرحِّمْ يُرحَّمْ عليه. * * * ١٢٢٣ - وقال عبدُ الله بن عُمرَ: اشتَكَى سعدُ بن عُبادَةَ شَكْوى، فأتَاهُ النبيُّ ﷺ يعودُهُ مع عبدِ الرحمن بن عَوفٍ، وسعدِ بن أبي وقَّاص، وعبدِ الله بن مسعودٍ ﵃، فلما دخلَ عليه وجدَه في غاشِيةٍ، فبكَى النبيُّ ﷺ ، فلما رَأَى القومُ بُكاءَ النبيِّ ﷺ بَكَوا، فقال: "ألا تَسْمَعون!، إن الله لا يُعَذِّبُ بدمعِ العينِ، ولا بحُزْنِ القلبِ، ولكن يعذِّبُ بهذا - وأشار إلى لسانِهِ - أو يرحمُ، وإن الميتَ ليُعَذَّبُ ببكاءِ أهلِهِ عليه". قوله: "اشتكى"؛ أي: مرض، "شكوى"؛ أي: مرضًا. قوله: "وجده في غاشية"؛ أي: في شدةٍ من المرض، ويحتمل أن يريد به

стр. 963

أنه صار مغشيًا عليه من غاية المرض. "ألا تسمعون؟ "؛ أي: أما سمعتم وأما علمتم أنه لا إثم على الرجل في البكاء؟ قوله: "ولكن يعذب بهذا"؛ يعني: يكون الإثم فيما صدر من اللسان من [الجزع والنياحة. قوله: "أو يرحم"؛ يعني: يعذب بهذا؛ يعني: يكون الإثم فيما صدر من اللسان] بسبب اللسان إن قال شرًا، أو يرحم إن قال خيرًا، مثل أن يقول عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون. قوله: "وإن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" قال الخطابي: إنما يعذَّب الميت إذا أوصى لأهله أن يبكوا عليه ويشقُّوا ثيابهم ويضربوا خدودهم وما أشبه ذلك، فإن أوصَى بهذا يعذَّب؛ لأنه أَمر ورضي بمعصية، وإن لم يوصِ بشيء من هذا، لا يعذَّب بأن يبكي أهله عليه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]. ﴿وَلَا تَزِرُ﴾ أي: ولا تحمل ﴿وَازِرَةٌ﴾ أي: نفسٌ حاملة ﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ أي: ذنبَ نفسٍ أخرى؛ يعني: لا يحمل أحدٌ ذنب غيره، ولا يؤاخَذُ واحدٌ بذنبِ غيره. * * * ١٢٢٤ - وقال: "ليسَ منا مَن ضرَبَ الخُدودَ، وشَقَّ الجُيوبَ، ودعا بدعَوى الجاهليةِ". قوله: "ليس منا"؛ أي: ليس من الذين يتَّبعونا؛ أي: ليس من أمتي الكاملين مَن ضرب يده على وجهه عند البكاء.

стр. 964

"وشق الجيوب"؛ أي: خرق ثوبه عند البكاء. "ودعا بدعوى الجاهلية"؛ أي: وقال عند البكاء ما يقول به أهل الجاهلية ممَّا لا يجوز في الشرع. روى هذا الحديث عبد الله بن مسعود. * * * ١٢٢٥ - وقال: "أنا بريءٌ ممن حَلَقَ، وسَلَقَ، وخَرَقَ". قوله: "حلق"؛ أي: حلق رأسه عند المصيبة، وكان عادةُ العرب إذا مات لأحدهم قريبٌ أن يحلق رأسه، كما أن عادة العجم قطعُ بعض شعر الرأس. "سلق"؛ أي: رفع صوته بالبكاء وقال ما لا يجوز، فإن لم يقل بلسانه قولاً قبيحًا لا بأس بالبكاء. "وخرق"؛ أي: شق ثوبه بالمصيبة. روى هذا الحديث أبو موسى الأشعري. * * * ١٢٢٦ - وقال: "أربعٌ في أُمَّتي من أمرِ الجاهليةِ لا يَتْرُكُونَهن: الفخْرُ في الأَحسابِ، والطَّعنُ في الأنسابِ، والاستسقاءُ بالنُّجومِ، والنِّياحةُ. وقال: "النائحةُ إذا لم تَتُبْ قبلَ موتِها، تُقامُ يومَ القيامَةِ وعليها سِرْبالٌ من قَطِرَانٍ ودِرْعٌ من جَرَبٍ". قوله: "الفخر في الأحساب"، (الأحساب): جمع حَسَب، وهو ما يَعُدُّه الرجل من الخصال التي تكون فيه كالشجاعة والفصاحة وغير ذلك؛ يعني: تفضيلُ الرجل نفسَه على غيره ليَحْقِرَه لا يجوز.

стр. 965

قوله: "والطعن في الأنساب"؛ (الطعن): العيب؛ يعني: تحقير الرجل آباءَ غيره وتفضيلُ آبائه على آباء غيره ليؤذيه، لا يجوز، فإن كان أبو أحدهما مسلمًا وأبو الآخر كافرًا جاز تفضيلُ المسلم على الكافر. قوله: "والاستسقاء بالنجوم"؛ يعني: اعتقادُ الرجل نزولَ المطر بظهور نجمِ كذا هذا حرام. قوله: "والنياحة"، (النياحة): أن يقول مَن مات له قريبٌ: واويلاه واحسرتاه، والندب: أن يَعُدَّ عند البكاء خصالَ الميت، بأن يقول: واشجاعاه واأسداه. روى هذا الحديث أبو مالك الأشعري. قوله: "النائحة"؛ أي: المرأة التي تَعدُّ خصال الميت؛ لتوقع أقرباء الميت وغيرهم في البكاء. "السربال": القميص. "القطران": دهنٌ يدهن به الجمل الأجرب. "الدرع": قميصُ النساء. يعني: النائحة تلبس في المصيبة قميصًا أسود للمصيبة، وتخدش وجهها، وتخدش أيضًا قلوب الحاضرين بما تعدُّ من خصال الميت، فيجازيها الله تعالى يوم القيامة بأن يُلبسها لباسًا من قطران، ولباسًا من جرب. ولباس القطران يكون أسود، ويسرع اشتعالُ النار فيه، ومعنى لباس الجرب: أنه يصير جلدها أجرب حتى يكون جَرَبُها كقميصٍ على أعضائها، وإنما فُعل بها هذا؛ لتحك وتخدش أعضاءها من الجرب، كما خدشت وجهها وقلوب الحاضرين بكلماتها.

стр. 966

روى هذا الحديث أبو مالك الأشعري. * * * ١٢٢٧ - وقال أنسٌ ﵁: مرَّ النبيُّ ﷺ بامرأةٍ تبكي عندَ قبرٍ، فقال: "اتقي الله واصْبري"، فقالت: إليكَ عَنِّي، فإنك لم تُصَبْ بمصيبَتي - ولم تعرفه - فقيلَ لها: إنه النبيُّ ﷺ ، فأتَتْ بابَ النبيِّ ﷺ ، فَلَمْ تَجِدْ عندَه بَوَّابينَ، فقالت: لم أعرفْكَ، فقال: "إنما الصبرُ عند الصَّدمةِ الأُولى". قولها: "إليك عني"؛ أي: ابعد ولا تلُمني، فإنه لم يصبك ما أصابني. "فقيل لها: إنه النبي ﷺ "؛ يعني: قيل لها بعد ما ذهب (١) النبي ﵇: إنه النبي، فندمت على ما جاوبت رسول الله ﵇ "فأتت باب النبي ﵇ لتعتذر، فلم تجد عنده بوَّابين" ليس النبي ﵇ مستكبرًا ولا جبارًا، ولم ينصب على بابه بوَّابًا ولا حاجبًا، كما هو عادة الملوك. قوله: "الصبر عند الصدمة الأولى"، (الصدم): الدق، يعني: الصبرُ المَرْضيُّ المثابُ عليه هو الصبر عند ابتداء المصيبة ولحوقِ المشقَّة، فأما الصبرُ بعد ما مضى زمانٌ مديدٌ فلا قَدْرَ له؛ لأن الصبر بعد مضيِّ مدةٍ ضروريٌّ، ولا قَدْرَ للضروري. * * * ١٢٢٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا يموتُ لمسلمٍ ثلاثةٌ من الوَلَدِ فيَلِجَ النارَ إلا تَحِلَّةَ القَسَم". قوله: "فيلج النار"؛ أي: فإن يلج النار؛ يعني: لا يدخل النار. "إلا تحلة

стр. 967

القسم"، (التحلّة): التحليل، وتحليل القسم: جَعْلُه صدقًا؛ يعني: لا يدخل النار إلا أن يمرَّ عليها من غيرِ لُحوقِ ضررٍ منها به، ومرورُه على النار إنما كان ليَجعل الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] صدقًا. ومعنى ﴿وَارِدُهَا﴾: أي: آتي النار ومجاوِزٌ عليها. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ١٢٢٩ - وقال لِنِسْوَةٍ من الأنصارِ: "لا يموتُ لإحداكُنَّ ثلاثةٌ من الولد فتحتسبَهُ إلا دخلَتْ الجنَّةَ"، فقالت امرأة: واثنانِ يا رسول الله؟، قال: "واثنانِ". وفي روايةٍ: "ثلاثةٌ لم يبلغوا الحِنْثَ". قال ابن شُميل: معناه قبل أن يبلغوا فيُكتبَ عليهم الإثمُ. "فتحتسبه"؛ أي: فتصبر للطمع في ثواب الله تعالى. قوله: "لم يبلغوا الحنث"؛ يعني: لم يبلغوا الاحتلامَ والبلوغ، فإن الشخص ما لم يبلغ لم يكتب عليه حنث؛ أي: ذنب، يعني: ثلاث أولاد يموتون قبل البلوغ. روى هذا الحديث أبو سعيد. * * * ١٢٣٠ - وقال: "يقولُ الله تعالى: ما لِعَبْدي المُؤمنِ عندي جزاءٌ إذا قَبَضْتُ صَفِيَّه مِن أهلِ الدنيا ثم احتسَبَهُ إلا الجنة".

стр. 968

قوله: "صفيه"؛ أي: ولده، و (الصفيُّ): المختار والمحبوب. قوله: "ثم احتسبه"؛ أي: ثم صبر عليه طلبًا لثواب الله تعالى. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * مِنَ الحِسَان: (من الحسان): ١٢٣٢ - وقال رسول الله ﷺ : "عَجَبًا للمؤمن!، إنْ أصابَهُ خيرٌ حَمِدَ الله وشَكَرَ، وإنْ أصابَتْهُ مصيبةٌ حَمِدَ الله وصبَرَ، فالمؤمنُ يُؤجرُ في كلِّ أمرِهِ، حتى في اللُّقمةِ يرفعُها إلى في امرأتِهِ". قوله: "إن أصابته مصيبة حمد الله تعالى وصبر" هذا يدلُّ على أن الحمد محمودٌ عند النعمة وعند المصيبة. وتحقيق الحمد عند المصيبة: أن المصيبة نعمةٌ أيضًا؛ لأنه يحصل له ثوابٌ عظيم، والثواب نعمةٌ خيرٌ من نعم الدنيا، فالحمد لهذا. قوله: "يرفعها إلي في امرأته"، (في) هنا بمعنى الفم؛ يعني: يحصل للمؤمن أجرٌ في جميع أمره، حتى في وضع اللقمة في فم امرأته. فإن قيل: كيف يؤجر في جميع أمره، بل ينبغي أن يقال: فيما هو خيرٌ من أمره؟. قلنا: الأمر ثلاثة أنواع: خيرٌ وشرٌّ ومباحٌ، فالمراد هنا بـ (أمره): الخير والمباحُ، فالمباح ينقلب خيرًا بالنية والقصد، مثالُه: النوم مباح، فإذا قصد بالنوم زوالَ التعب والملالةِ ليقوم لصلاة الصبح عن نشاطٍ وفرحٍ، يكون نومه طاعة. والأكل مباح، فلو قصد به قيام جسده وحصولَ القوة فيه حتى يقدر على الطاعة، يكون الأكل طاعة، وكذلك جميع المباحات.

стр. 969

روى هذا الحديث سعد بن أبي وقاص ﵁. * * * ١٢٣٣ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مُؤمنٍ إلا وله بابانِ بابٌ يصعدُ منهُ عملهُ، وبابٌ ينزلُ منه رِزْقُهُ، فإذا ماتَ بَكَيَا عليه، فذلكَ قوله : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]. قوله: "بكيا عليه" ووجه بكائهما عليه: أن الله تعالى خلق السماوات والأرض لعباده من الملائكة والجن والإنس، فمَن صدر خيرٌ منه تحبُّه السماء والأرض، وما كان مشغولًا به من السماء والأرض يتشرَّف لأجله، فإذا مات العبد الذي يتشرَّف به مكانُه وما كان مشغولًا به من السماء والأرض بكيا بفراقه؛ لأنه انقطع خيره من السماء والأرض، ولا شك أن السماء والأرض تحزنان وتبكيان على انقطاع الخير عنهما، هذه صفة المؤمن. وأما الكافر: تتأذى به السماء والأرض؛ لأنه يصدر منه الكفر والشر، فإذا مات تفرح السماء والأرض بموته؛ لأنه انقطع عنهما كفره وشره، فإذا كان كذلك فلا تبكيان عليه. * * * ١٢٣٤ - عن ابن عباس قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن كانَ له فَرَطَانِ مِن أمتي أدخلَهُ الله بهما الجنَّةَ"، فقالت عائشةُ ﵂: فَمَن كانَ له فَرَطٌ مِن أُمَّتِكَ؟، قال: "وَمَن كانَ له فَرَطٌ يا مُوَفَّقةُ"، فقالت: فمَن لم يكنْ له فَرَطٌ مِن أُمَّتك؟، فقال: "فأنا فَرَطُ أمَّتي، لن يُصابوا بمِثْلي"، غريب. قوله: "من كان له فرطان"، (الفرط) بفتح الفاء والراء: الذي يتقدم القومَ

стр. 970

ليهيئ أسبابهم في المنزل، حتى إذا وصلوا إلى المنزل تكون أسبابهم مهيَّأة، والمراد هنا: الطفل الذي مات، سمِّي فَرَطًا لأنه يتقدم أبويه في الذهاب إلى الآخرة، يعني: من مات له ولدان عوَّضه الله تعالى الجنة عن مصيبته، وبتجرُّح قلبه بموتهما. قوله: "فمن كان له فرط"؛ يعني: مَن مات له ولدٌ واحد فهل يكون له هذا الثواب أيضًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "ومن كان له فرط"؛ يعني: من مات له ولد يكون له هذا الثواب أيضًا. قوله لها: "يا موفَّقة"؛ يعني: الحرص على معرفة الشرع، والشفقة على الخلق بسؤالِ قَدْرِ ثوابهم، وذكاءُ القلب على السؤال = توفيقٌ من الله الكريم، وأنت موفَّقةٌ بهذه الأشياء. قوله: "لن يصابوا بمثلي"؛ يعني: لم تصل مصيبةٌ إلى أمتي مثل موتي، هذا يدل على أن المؤمن ليَكُنْ فوتُ ما يتعلق بالدِّين وفوتُ مَن تكون محبته لله تعالى عنه أشدَّ عنده من فوت ما تكون محبتُه نفسانيًا كالولد وغيره. * * * ١٢٣٥ - وقال: "إذا ماتَ ولدُ العبدِ؛ قال الله لملائكتِهِ: قَبَضْتُم ولَد عبدي؟، فيقولونَ: نعم، فيقول قَبَضْتُم ثَمَرَةَ فؤادِهِ؟، فيقولون: نعم، فيقولُ: ماذا قالَ عبدي؟، فيقولون: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ، فيقولُ الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنةِ، وسَمُّوهُ بيتَ الحمدِ". قوله: "واسترجع"؛ أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قوله: "سمُّوه بيتَ الحمد"؛ أي: اجعلوا اسمَ ذلك البيت: بيت الحمد، أضاف ذلك البيت إلى الحمد الذي قاله عند المصيبة؛ لأن ذلك البيتَ يكون جزاءَ ذلك الحمد.

стр. 971

روى هذا الحديث أبو موسى الأشعري. * * * ١٢٣٦ - وقال: "مَنْ عَزَّى مصابًا فله مثلُ أجرِهِ". قوله: "من عزى مصابًا"، (التعزية): أن يأمر أحدٌ أحدًا بالصبر، والمراد هنا: أن يقول لمَن مات له قريبٌ: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك. العزاء - بالمد -: الصبر. روى هذا الحديث عبد الله بن مسعود. * * * ١٢٣٧ - عن أبي بَرْزَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْدًا في الجنَّةِ"، غريب. قوله: "من عزى ثكلى"، (ثكلى) بفتح الثاء: المرأة التي مات ولدها. * * * ١٢٣٨ - وروي: أنَّه لمَّا جاءَ نَعْيُ جَعْفرَ بن أبي طالبٍ ﵁ قال النبي ﷺ : "اصنَعُوا لآلِ جعفرٍ طعامًا، فقد أتاهُمْ ما يَشْغَلُهم". "نعي جعفر"؛ أي: خبر موته. قوله: "ما يشغلهم"؛ أي: ما يمنعهم عن تهيئة الطعام. وهذا يدل على أن المستحَبَّ لأقرباء الميت وجيرانه أن يرسلوا طعامًا إلى أهل الميت. روى هذا الحديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. * * *

стр. 972

٨ - باب زِيارة القُبور (باب زيارة القبور) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٢٣٩ - عن بُرَيْدة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "نَهيتُكم عن زيارةِ القبورِ، فزوروها، ونهيتُكم عن لُحومِ الأَضاحي فوقَ ثلاثٍ، فأمسكوا ما بدَا لكم، ونهيتُكم عن النَّبيذ إلا في سِقَاءٍ، فاشرَبُوا في الأَسْقِيَةِ كلِّها، ولا تشرَبُوا مُسْكِرًا". "نهيتكم عن زيارة القبور"؛ يعني: نهيتكم قبل هذا عن زيارة القبور، ثم رخَّصتُ لكم في زيارتها. "ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث"، (الأضاحي): جمع أُضحية، وهي ما يُذبح يومَ العاشر من ذي الحجة وأيامَ التشريق للقربان. كان رسول الله ﵇ نهاهم عن أن يأكلوا ما بقي من لحوم أضاحيهم بعد ثلاثة أيام، وما بقي بعد ثلاثة أيام في أيِّ وقت شاؤوا وجب عليهم التصدُّق به؛ فرخَّص لهم أن يأكلوا ما بقي من لحوم أضاحيهم بعد ثلاثة أيام، ويلزمهم أن يعطوا الفقراء شيئًا منها، ويجوز أن يعطوا الأغنياء والفقراء، ولكن للفقراء أفضل. قوله: "ونهيتكم عن النبيذ"؛ يعني: عن إلقاء التمر والزبيب وغيرهما من الحلاوى في الماء، وكانوا يلقون التمر وغيره في الماء ليصير الماءُ حلوًا فيشربونه، فنهاهم النبي ﵇ أن لا يلقوا إلا في السِّقاء، فإن السِّقاء جلدٌ رقيق لا يَجعل الماء حارًا، فلا يصير مُسْكِرًا عن قريب، بخلاف سائر

стр. 973

الظروف، فإن سائر الظروف تجعل الماء حارًا؛ فيصير النبيذ مسكرًا عن قريب، فرخَّص لهم النبي ﵇ عن شرب النبيذ من كل ظرفٍ ما لم يَصِرْ مُسْكرًا. * * * ١٢٤٠ - وقال أبو هُريرة ﵁: زارَ النبيُّ ﷺ قبرَ أُمِّه فَبَكَى وأَبكى مَنْ حَوْلَهُ، فقالَ: "استأذنتُ ربي في أنْ أستَغْفِرَ لها فلم يأْذنْ لي، واستأذنْتُهُ في أن أزورَ قبرَها فأَذِنَ لي، فزوروا القبورَ، فإنها تذكِّرُكم الموتَ". قوله: "وأبكى من حوله"؛ يعني: حتى بكى الذين معه لكثرة بكائه، هذا يدل على أن البكاء جائز. قوله: "فلم يؤذن لي" وإنما لم يأذن الله تعالى له في أن يستغفر لأمه؛ لأنها كانت كافرةً، والاستغفارُ للكافر والكافرة لا يجوز؛ لأن الله تعالى لن يغفر لهم أبدًا. قوله: "فاستأذنته في أن أزور قبرها": هذا تعليمٌ لأمته في قضاء حقوق الآباء والأمهات، والأقارب والأصدقاء؛ [أي:] مع أن أمي كافرة لم أترك قضاء حقِّها من الزيارة، فلا تتركوا زيارة قبور المسلمين. * * * ١٢٤١ - عن بُرَيدَة ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُعَلِّمُهم إذا خَرَجوا إلى المقابرِ: "السلامُ عليكم أهلَ الديارِ من المؤمنينَ والمُسلمينَ، وإنَّا إنْ شاءَ الله بكم لاحِقُونَ، نسأَل الله لنا ولكم العافية". وعنه في روايةٍ: "إنَّا إنْ شاء الله بكم لاحِقُون، أنتم لنا فَرَطٌ ونحن لكم تَبَعٌ، نسأل الله العافية".

стр. 974

قوله: "السلام عليكم" هذا يدلُّ على أن التسليم على الأموات كالتسليم على الأحياء. وأما قوله ﵇ في حديث آخر: "عليك السلام تحية الموتى": وإنما قال هذا بعُرفهم؛ لأن عُرف العرب أن يقولوا إذا سلَّموا على قبر: عليك السلام، فتكلم رسول الله ﵇ على وفق عادتهم. قوله: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ليس في بعض نسخ "المصابيح" لفظة: (بكم)، ولعله تركٌ من الناسخ؛ لأنه في كتب "الصحاح": "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون". ولفظة: (إن شاء الله) ليست للشك، بل للتبرُّك وزينة الكلام. وهذا كقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، ومعلومٌ أن لفظة ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ في هذه الآية ليست للشك؛ لأن الشك لا يجوز على الله تعالى. (اللاحقون): الواصلون. "العافية": الخلاص من المكروه. * * * مِنَ الحِسَان: ١٢٤٢ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: مرَّ النبيُّ ﷺ بقبُورٍ بالمدينةِ، فأقْبَلَ عليهم بوجهِهِ فقالَ: "السلامُ عليكم يا أهلَ القبورِ، يغفرُ الله لنا ولكم، أنتم سلفُنا ونحنُ بالأثَرِ". وبالله التوفيق. قوله: "فأقبل عليهم بوجهه" اعلم: أن زيارة الميت كزيارته في حال حياته، يُستقبل وجهه، فإن كان في الحياة إذا زاره يجلس منه على البعد لكونه

стр. 975

عظيم القدر، فكذلك في زيارته ميتًا يقف أو يجلس منه بالبعد، وإن كان يجلس منه على القرب في حياته، فكذلك يجلس بقربه إذا زاره ميتًا. وإذا زاره يقرأ الفاتحة، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات، وإن قرأها اثني عشر كان حسنًا، ثم يدعو له. روى الحسن البصري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇ أنه قال: "من دخل المقابر فقرأ سورة (يس) خفِّف عنهم يومئذ، وكان له بعددِ مَن فيها حسنات". هكذا نقل هذا الحديث الإمام أبو الفُتوح العِجْليُّ - رحمة الله عليه - في "تفسيره". ومعنى (خفِّف عنهم): أن يزيل عنهم عذاب ذلك اليوم. يريد (بعدد من فيها): بعددِ كلِّ ميتٍ في تلك المقابر يحصل حسنةٌ لمَن قرأ (يس). قوله: "يغفر الله لنا ولكم": هذا يدلُّ على أنَّ مَن يدعو للحيِّ والميت؛ ليُقدِّمْ دعاء الحي على دعاء الميت، وكذلك مَن يدعو لحاضرٍ وغائب ليقدِّم دعاءَ الحاضر على دعاء الغائب، يقول: يغفر الله لك وله، وعليك وعليه السلام، وما أشبه ذلك. ° ° °

стр. 976

٦ - كِتابُ الزَّكَاةِ

стр. 977

[٦] كِتابُ الزَّكَاةِ (كتاب الزَّكَاةِ) مِنَ الصِّحَاحِ: (من الصحاح): ١٢٤٣ - عن ابن عباس ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ بعثَ مُعاذًا إلى اليَمنِ فقال: "إنك تأْتي قومًا أهلَ كتابٍ، فادعُهم إلى شهادةِ أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، فإنْ هُمْ أطاعوا لذلك فأَعْلِمْهُم أنَّ الله قد فَرَضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في اليومِ والليلةِ، فإنْ هم أَطاعوا لذلك فأعْلِمْهم أنَّ الله قد فرض عليهم صدقةً تُؤْخَذْ مِن أغنيائهم فَتُرَدُّ على فُقرائهم، فإنْ هم أَطاعوا لذلك فإيَّاكَ وكرائمَ أَموالِهِم، واتَّقِ دعوةَ المَظلومِ، فإنَّه ليسَ بينَها وبينَ الله حِجَابٌ". "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله": هذا يدل على أن الغزاة يجب عليهم عرضُ الإسلام على الكفار قبل أن يقاتلوهم، فإن أسلموا فهو المراد، وإن لم يُسْلِموا؛ فإن كانوا أهلَ التوراة والإنجيل، أو كانوا مجوسًا، فيعرضوا عليهم الجزية، فإن قبلوا الجزية فلم يقاتلوهم، وإن لم يقبلوا فحينئذ يقاتلونهم، وإن كانوا كفارًا غير هذه الأصناف الثلاثة لا تقبل منهم الجزية، بل يُقتلون إذا لم يُسْلموا.

стр. 978

قوله: "فإن هم أطاعوا لذلك"، (إنْ) بسكون النون كلمة الشرط، تقديره: إن أطاعوا لذلك - يعني: إن قبلوا الإسلام - فأخبرهم بوجوب أركان الشرع عليهم. قوله: "قد فرض الله عليهم صدقة"؛ أي: زكاة. قوله: "تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم": هذا يدلُّ على أن الزكاة تُصرف إلى فقراء بلد المال؛ لأنه أضاف إلى فقرائهم، ولو نَقَلَ الزكاة عن ذلك البلد إلى بلدٍ آخَرَ كُرِهَ، ولكن تسقط عنه عند أبي حنيفة والشافعي. وللشافعي قول: أنه لا تسقط عنه، والفتوى على القول الأول. قوله: "فإياك وكرائم أموالهم"، (الكرائم): جمع كريمة، وهي خيار المال، يعني: فإياك - أي: فاحذر - من أخذ خيار أموالهم، بل لا تأخذ الخيار إلا برضاهم، ولا تأخذ الرديء، بل خذ الوسط. قوله: "واتق دعوة المظلوم"؛ يعني: لا تظلم أحدًا بأن تأخذ منهم ما ليس بواجبٍ عليهم، أو تؤذيهم بلسانك، فإنك لو ظلمت أحدًا ودعا المظلومُ عليك بسوءٍ يقبل الله تعالى دعاءه، فإن الله تعالى لا يردُّ دعاء المظلوم. * * * ١٢٤٤ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما مِنْ صاحبِ ذَهبٍ ولا فِضَّةٍ لا يؤدِّي منها حقَّها إلا إذا كانَ يومُ القيامةِ صُفِّحَت له صَفائحَ مِن نارٍ، فأُحمِيَ عليها في نار جهنَّم، فيُكْوَى بها جَنْبُه وجَبينُهُ وظَهْرُهُ، كلَّما بَرَدَتْ أُعيدَتْ له في يومٍ كانَ مِقْدَارَه خمسينَ ألفَ سَنَةٍ حتى يُقْضَى بينَ العبادِ، فَيَرَى سبيلَهُ إمَّا إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النارِ، قال: ولا صاحبِ إبلٍ لا يُؤُدِّي منها حقَّها، ومِن حقِّها حَلْبُها يومَ وِرْدِها إلَاّ إذا كانَ يومُ القيامةِ بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ أوفَرَ ما كانت، لا يفقِدُ منها فَصِيلًا واحدًا تَطؤه بأَخْفافها، وتَعَضُّه بأَفواهِهَا، كلَّما مَرَّ

стр. 979

عليهِ أُولاهَا رُدَّ عليهِ أُخراها في يومٍ كانَ مِقْدَارُه خمسينَ ألفَ سنةٍ حتى يُقْضَى بينَ العبادِ، فيَرَى سبيلَه إمَّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النارِ، ولا صاحبِ بقَرٍ ولا غنَمٍ لا يُؤَدِّي منْها حَقَّها إلا إذا كانَ يومُ القيامةِ بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ لا يَفْقِدُ منها شيئًا ليسَ فيها عَقْصَاءُ ولا جَلْحَاءُ ولا عَضْبَاءُ تنطحُهُ بُقرونِها، وَتَطَؤُهُ بأَظلَافِهَا، كلَّما مَرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخراها في يومٍ كانَ مِقدارَه خمسينَ ألفَ سنةٍ حتى يُقضَى بينَ العبادِ، فَيَرَى سبيلَهُ إمَّا إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النارِ". قال: "والخيلُ ثلاثةٌ: لِرَجُلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سِتْرٌ، وعلى رجلٍ وِزْرٌ، فأمَّا الذي له أجرٌ: فرجلٌ ربَطها في سبيلِ الله، فأَطالَ لها في مَرْجٍ أو رَوْضَةٍ، فما أصابَتْ في طِيَلِها ذلكَ من المَرْج أو الرَّوضةِ كانَ له حَسَنَاتٍ، ولو أنه انقطعَ طِيَلُها فاسَتَّنت شَرَفًا أو شَرَفَيْنِ كانتْ آثارُها وأرواثُها حسناتٍ له؛ ولو أنها مَرَّت بنهرٍ فَشَرِبَتْ منه ولم يُردْ أنْ يسقيَها كانَ ذلك حسناتٍ له، وأمَّا الذي هي له سِترٌ: فرجلٌ ربَطها تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا، ثم لم يَنْسَ حَقَّ الله تعالى في رِقابها ولا ظهورِها، فهي له سِتْرٌ، وأما الذي هي عليه وِزْرٌ: فرجلٌ ربطَها فخرًا ورياءً ونِواءً لأهلِ الإِسلام، فهي على ذلك وِزرٌ". وسُئلَ رسولُ الله ﷺ عن الحُمُرِ؟، فقال: كما أُنزِلَ عليَّ فيها شيءٌ إلا هذه الآيةُ الفاذَّةُ الجامعةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ " [الزلزلة: ٧ - ٨]. قوله: "لا يؤدي منها حقها" ذكر الذهب والفضة، قال: (لا يؤدِّي منها حقَّها)، فينبغي أن يقول: منهما حقَّهما، لكن أراد به: من كلِّ واحدة منهما حقَّها، فالفضةُ مؤنَّثٌ لوجود التاء فيها، والذهب يجوز تأنيثه أيضًا؛ لأنه بمعنى العين، والعين مؤنَّثٌ.

стр. 980

"التصفيح": جَعْلُ الشيء عريضًا، والصفائح: جمع صفيحة، وهي العريضة؛ يعني: جُعلت فضتُه أو ذهبه إذا لم يؤدِّ زكاتها يوم القيامة كأمثال الألواح ثم أحميت تلك الصفائح؛ أي: جُعلت حارةً في نار جهنم حتى صارت كألواحٍ من نار. قوله: "صفائح من نار"؛ أي: جُعلت كأنها من نارٍ من غاية حرارتها، ولا يجوز أن يقال: تكون صفائحَ من نار؛ لأنه لو كانت تلك الصفائح من النار، فيكون قوله: "فأحمي عليها" بلا معنى، ولفظة: (عليها) ضمير من (الصفائح)، وتقديره: أُحميت تلك الصفائح. قال المفسرون والمحدِّثون: إن علَّةَ أن يُكوى جنبُ مانع الزكاة وجبينُه - أي: جبهته - وظهره من بين سائر أعضائه أن صاحب المال إذا رأى الفقير الطالب الزكاة يقبض جبهته ويعبس وجهه، فيتأذى الفقير، فإذا سأله الزكاة يصرف إليه جنبه ويُعرض عنه، فإذا بالغ في السؤال يقوم ويصرف ظهره إلى الفقير، ويذهب ولا يعطيه شيئًا، فيعذب الله تعالى أعضاءَه التي آذى بها الفقير بأن يكوي بماله تلك الأعضاء. قوله: "كلما ردَّت أعيدت"؛ يعني: كلما وصل كيُّ هذه الأعضاء من أولها إلى آخرها أُعيد الكيُّ إلى أولها حتى وصل إلى آخرها. قوله: "ومن حقِّها حلبُها يوم وردها"، (الورد): الإتيان إلى الماء، ونوَبةُ إتيان الإبل إلى الماء في كلِّ ثلاثة أيامٍ يومًا، أو في كلِّ أربعة أيامٍ يومًا، وربما يأتي بعد ثمانية أيام. يعني: الحقوقُ التي تصرف إلى الفقراء من الإبل: أحدها الزكاة، والثاني أن تحلب الإبل يوم وردها - أي: عند الماء - حتى يكون الفقراء حاضرين، ثم ليُصْرَفْ بعض لبنها إليهم، ولا يحلبها في موضعٍ بعيدٍ من الطريق والماء، وفي موضعٍ خالٍ

стр. 981

كيلا يراه الفقراء. وقيل: معناه: ومن حقها أن يحلبها في اليوم الذي شربت فيه الماء، ولا يحلبها في يوم لم تَسْتقِ فيه الماء، ويكون عطشُها فيه؛ لأن العطش ضررٌ ومشقَّةٌ، وحلبها مشقةٌ أخرى، فيلحقها مشقَّتان. قوله: "بُطح لها (١) بقاعٍ قرقرٍ"، (بطح) بضم الباء وكسر الطاء؛ أي: أُلقي على وجهه، (القاع والقرقر) كلاهما: الموضع المستوي، وذكر كِلَا اللفظين للتأكيد. قوله: "أوفر"؛ أي: أَتمَّ ما كانت في الدنيا. "لا يفقد"؛ أي: لا يَعْدَمُ ولا ينقص "منها فصيلًا"؛ أي: ولدًا، بل تحضر جميعها "تطؤه"؛ أي: تضربه الإبل "بأخفافها"؛ أي: بأرجلها، وأصل (تطأ): تَوْطَأ، فحُذفت الواو. "وتَعَضُّه بأفواهها"؛ أي: وتأخذه بأسنانها، وتشقُّ جلده وتعذِّبه؛ لأنه لم يُخرج الزكاة منها. قوله: "كلما مرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخراها" هكذا في "المصابيح"، وفي "شرح السنة"، وفي بعض الروايات المذكورة في كتاب مسلم. وفي رواية أخرى عن أبي هريرة أنه قال: "كلما مضى عليه أُخراها رُدَّت عليه أُولاها". وفي رواية أبي ذر: "كلما جازت أُخراها ردَّت عليه أُولاها". والروايتان الأخيرتان أقرب إلى المعنى؛ لأن الردَّ إنما يكون إذا انتهى مرور آخر قطار الإبل، فإذا مَرَّ الآخِرُ يعاد الأول.

стр. 982

يعني: أبدًا تمرُّ عليه إبلُه وتضربه بأخفافها وتعضُّه بأسنانها مرةً بعد أخرى في عرصة القيامة حتى يفرغ من حساب العباد. قوله: "ليس فيها عقصاء"، (العقصاء): الشاة أو البقرة مال قرنُها إلى خلف أذنها، "الجلحاء": التي لا قرن لها، "العضباء": المكسورة القرن، يعني: بقره وغنمُه يوم القيامة ليست بهذه الصفات؛ لأنَّ الشاة التي لها صفةٌ من هذه الصفات لا تقدر على النطح، ولا يكون نطحها شديدًا، بل يكون لها يومئذٍ قرنان مستويان؛ ليكون نطحها لصاحبها شديدًا. "النطح": الضرب بالقرن أحدًا، و"الوطء": الضرب بالرجل، "الأظلاف": جمع ظِلْفٍ، والظِّلْفُ للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس. قوله: "والخيل ثلاثة"؛ يعني: رَبْطُ الرجلِ الخيلَ على ثلاثة أنواع. قوله: "في سبيل الله"؛ أي: ليجاهد الكفار على ظهرها، "فأطال لها في مرج"، (المرج): المرعى؛ يعني (١): طوَّل حبلها لترعى في المرعى. قوله: "فما أصابت في طيلها"؛ (الطيل) أصله: طِوْل - بالواو - فقُلبت الواو ياءً لأن الياء أخفُّ من الواو، و (الطيل): الحبلُ الذي يشدُّ أحد طرفيه إلى وتدٍ أو شجر، وطرفه الآخر إلى يد الفرس ليرعى في المرعى كي لا يفر، يعني: فما وجد من العلف في ذلك المرج يحصلُ لمالكها بذلك أجرٌ؛ لأن نيته في ذلك الجهاد، وهو طاعةٌ عظيمة. قوله: "فاستنَّت"؛ أي: ركضت "شرفًا"؛ أي: طَلَقًا وشوطًا، وهو العَدْوُ من موضعٍ إلى موضع. "آثارها"؛ أي: خطواتها.

стр. 983

"وأرواثها"؛ أي: ما يسقط من الروث، وهو السِّرْجين. يعني: يحصل بجميع حركاتها وسكناتها لمالكها أجرٌ. قوله: "ولم يُرِدْ أن يسقيها"؛ يعني: لو شربت الفرس بنفسها من غير أن يسقيها مالكها، يحصل له أيضًا ثواب. قوله: "تغنيًا وتعفُّفًا"، (التغنِّي): إظهارُ الغنى، و (التعفُّف): إظهار العِفَّة، وهي حفظ النفس عن الفواحش والسؤال، يعني: رَبَطَ الفرس ليركبها إذا مشى في قضاء حوائجه كيلا يحتاج إلى أن يسأل مركوبًا أحدًا. ويحتمل أن يريد به: ربطها للنتاج؛ ليحصل له بنتاجها استعناءٌ، وكلُّ ذلك مباح. قوله: "ثم لم ينسَ حق الله تعالى" أراد به عند الشافعي: أنه لو طلبها أحد ليركبها إلى موضع، أو وَجَد مضطرًا عاجزًا في الطريق، لم يبخل بها، بل يُرْكِبه عليها. وعند أبي حنيفة: المراد به الزكاة. قوله: "فهي له ستر"، (الستر) هنا: ما يحفظه عن السؤال والاحتياج إلى مال أحد، بل يستغني بها وبنتاجها عن مال غيره. قوله: "فخرًا ورياء"؛ يعني: يربط الخيل ليفخر بها على الفقراء، وليظهر عن نفسه التكبر والعظمة. قوله: "ونواءً لأهل الإسلام"، النِّوَاء والمُناوَأة: المخاصمةُ المحارَبة، يعني: ليحارب المسلمين على ظهرها. "فهي على ذلك وِزْرٌ"؛ يعني: تكون تلك الفرس على ذلك القصد والنية وزرًا لصاحبها.

стр. 984

قوله: "وسئل رسول الله ﵇ عن الحمر"؛ يعني: هل يجب الزكاة فيها أم لا؟، (الحمر): جمع حمار. قوله: "ما أنزل عليَّ فيها"؛ يعني: ما أنزل عليَّ وجوبُ الزكاة فيها، إلا أنه داخلٌ في حكم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]؛ يعني: إنْ عاون بها أحدًا يجد ثواب ذلك، وذلك بأن يعطيها أحدًا عارية ليركبها، أو يحمل عليها حملاً. قوله: "الفاذة"؛ أي: المنفردة؛ يعني: ليس في القرآن آيةٌ مثلُها في قلة الألفاظ، وجمع معاني الخير والشر فيها. روى هذا الحديث - أعني: من قوله: "والخيل ثلاثة" إلى هنا - أبو هريرة. * * * ١٢٤٥ - عن أبي هريرةَ ﵁ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن آتَاهُ الله مالًا فلَم يؤدِّ زَكاتَهُ مُثِّلَ له مالُه يومَ القيامةِ شُجاعًا أقرعَ له زَبيبتانِ، يُطَوِّقُه، ثم يأخذُ بِلِهْزِمَتَيهِ - يعني شِدْقيه - يقول: أنا مالُكَ أنا كنزُكَ"، ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠]. قوله: "مثِّل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان"، (مُثِّل): ماضٍ مجهولٌ من التمثيل، وهو جَعْلُ شيءٍ مثلَ شيءٍ آخَرَ، (الشجاع): الحية الذَّكَر، (الأقرع): الذي ذهب الشعر من رأسه من غاية سمِّه، (الزبيبتان): نكتتان سوداوان فوق عينيه، وكلُّ حيةٍ لها زبيبتان فهي أخبثُ الحيات، يعني: جُعل له مالُه حيةً تُطْبقُ على عنقه وتَلدَغُه؛ لأنه لم يُخرج الزكاة منها. * * *

стр. 985

١٢٤٧ - وعن جَريرٍ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أَتاكُم المُصَدِّقُ فليَصْدُرْ عنكم وهو عنكم راضٍ". قوله: "إذا أتاكم المصدق فليصدر عنكم وهو عنكم راض"، (المصدق): الساعي، وهو الذي يجمع الزكاة للمستحِقِّين، (فليَصْدُر)؛ أي: فليرجع؛ يعني: حصِّلوا رضاه. روى هذا الحديث جرير بن عبد الله. * * * ١٢٤٨ - وقال عبد الله بن أبي أَوْفَى: كانَ النبيُّ ﷺ إذا أتَاه قومٌ بِصَدَقَتِهِمْ قال: "اللهم صَلِّ على آلِ فُلانٍ"، فأَتاهُ أَبِي بصدقتِه فقال: "اللهم صلِّ على آلِ أبي أَوْفَى". وفي روايةٍ: إذا أتى الرجلُ النبيَّ ﷺ بصدقته فقال: "اللهم صَلِّ عليه". قوله: "إذا أتاه قوم بصدقتهم"؛ يعني: إذا أعطى أحدٌ الزكاة "قال" رسول الله ﵇: "اللهم صل على آل فلان" أو: "على قوم فلان". هذا يدلُّ على أن المستحبَّ للساعي أن يدعو لمعطي الزكاة، بأن يقول: آجَرَكَ الله فيما أعطيت، وبارك فيما أبقيتَ، وجعله لك طهورًا، ولا يقول: اللهمَّ صل على فلان؛ لأن الصلاة على النبي، وله أن يقول لغيره [أما نحن] فلا يجوز لنا أن نصلِّي إلا على نبينا وغيره من الأنبياء، وكذلك يجوز على الملائكة. * * * ١٢٤٩ - عن أبي هريرة أنَّه قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ عُمرَ على الصَّدقةِ، فقيل: منعَ ابن جَميلٍ وخالدُ بن الوَليد والعبَّاسُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما ينقِمُ ابن جَميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسولُه؟، وأما خالدٌ فإنكم تَظلِمُونَ
следующие страницы →