وعند المعتزلة: الحكم صفة للفعل المحكوم بأنه حلال أو حرام أو واجب. وقال الشيخ: الحكم الشرعي يتناول الخطابَ وصفةَ الفعل. قال: وهو قول السلف والأكثر، فيتناول وصف المحكوم عليه، وهو الفعل، والعبد، والأعيان، التي أُمِرَ بتعظيمها أو إهانتها (١).
وفي المقنع: استصحابُ براءة الذِّمَّة، والعرفُ والعادةُ حكم شرعي بلا خطاب.
ثم الخطاب إن ورد بطلب فعل مع الجزم: فإيجاب.
أو لا مع الجزم: فندب.
أو بطلب ترك مع الجزم: فتحريم.
أو لا مع الجزم: فكراهة.
أو بتخيير: فإباحة.
وإلا فوضعي (٢).
فائدة:
المشكوك: ليس بحكم، وقيل: بلى.
والوقف مذهب. وقيل: لا (٣).
стр. 107
فصل
الواجبُ لغة: الساقط والثابت. وشرعًا: ما ذُمَّ تاركه قصدًا مطلقًا. ولم يقل الطُّوفي: قصدًا.
وقال ابنُ عَقِيل: إلزام الشرع. ومنه ما لا يُثاب على فعله؛ كنفقة واجبة، وردِّ وديعة، وغصبٍ، ونحوه إذا فعله مع غفلة.
ومن المحرَّم ما لا يُثاب على تركه؛ كتركه غافلا. قاله القرافي، وابن حمدان، وابن قاضي الجبل، وهو في كلام القاضي وغيره.
والفرض لغة: التقدير والتأثير، والإلزام والعطية.
قال ابنُ عَقِيل: والإنزالُ والإباحةُ؛ بهذا قال هو وغيره: الواجِب آكد. وخالف المُوَفَّق وغيره.
وهما مترادفان شرعًا. كالشافعية.
وعنه: الفرض آكد. كالحنفية، وابن شَاقْلا (١)، والحَلْواني، والبَاقِلَّاني، وحكي عن الأصحاب. وللقاضي القولان.
وهو لفظي (٢).
стр. 108
فعليها: الفرض ما ثبت بدليل قطعي. وقيل: ما لا يسقط في عمد ولا سهو، وعنه: ما لزم بالقرآن (١).
وعليها (٢): يجوز أن يُقال: بَعْضُ الواجِبات آكد من بعض. ذكره القاضي، والحَلْواني، وجمعٌ. وفائدته: كثرة ثوابه (٣).
وعلى الأول: سواء.
ولابن عَقِيل قولان.
فائدة:
صيغة الفرض والوجوب نص في الوجوب. وعند القاضي وجمع: ظاهرة فيه. ويحتمل توكيد الاستحباب. وفي كلام أبي الفرج، وأبي الخَطَّاب: الأمران أيضًا.
وإطلاق الوعيد نص فيه (٤). وقال القاضي، والحَلْواني، وابنُ عَقِيل: يقبل التأويل.
و ﴿وَكُتِبَ عَلَيكُمُ﴾ نص فيه. ذكره القاضي. وفي الحاوي وغيره: حتم ولازم كواجب.
فصل
العبادة إن لم يكن لها وقت معين لم توصف بأداء ولا قضاء ولا إعادة.
وإلا فما وقتها غير محدود؛ كحج، وزكاة مال، وكفارة؛ توصف بالأداء.
ولنا وجه: وبالقضاء (٥).
стр. 109
وإطلاق القضاء في الحجِّ الفاسد لشَبَهه بالمقضيِّ (١).
وفعل الصلاة بعد تأخير قضائها لا يُسمى قضاء القضاء.
وما وقته محدودٌ يوصف بذلك (٢)؛ سوى الجمعة.
فالأداء: ما فُعِل في وقته المقدر له أولًا شرعًا.
والقضاء: ما فُعل بعد وقت الأداء؛ ولو لِعُذْرٍ تَمَكَّنَ منه؛ كسفر ومرض. أو لا لمانع شرعي؛ كحيض. أو عقليٍّ كنومٍ، لوجوبه عليهم عند أحمد وأصحابه، وغيرهم، وحُكي عن الفقهاء (٣).
وقيل: على مسافر ومريض، وقيل: على مسافر، وقيل: لا يجب، وحكي عن الحنفية؛ فليس بقضاء (٤).
وعن الأشعرية (٥)، وأهل العراق: يلزمه أحدُ الشهرين. وهو لفظي في الأصح (٦).
وعبادة صغير لا تسمى قضاءً إجماعًا. قال ابن حمدان: ولا أداءً.
стр. 110
والإعادة: ما فُعِل في وقته المقدَّرِ ثانيًا. زاد الرازي، والبيضاوي، وابن الحاجب، والطُّوفي، وجمعٌ: لخلل. وبعضهم: لعذر (١). وفي مذهب مالك: لا يختص بالوقت. وهو ظاهر الروضة (٢).
فصل
العبادةُ إن طُلِب فِعْلُها من كل واحد بالذات، كالخمس والنوافل، أو من واحد معين كالخصائص ففرضُ عين، وسنة عين.
وإن طلب الفعل فقط ففرض كفاية، وسنة كفاية.
قاله أصحابنا وغيرهم، كالسلام ونحوه.
وهُما (٣): مُهِمٌّ يُقْصد حصولُه من غير نَظَرٍ بالذات إلى فاعله. والأول واجب على الجميع عند الأربعة وغيرهم.
قال أصحابنا: ومن ظن أن غيره لا يقوم به وجب عليه، فإن فعله الجميع معًا كان فرضًا إجماعًا. ويسقط بفعل من يَكفِي ظنًّا؛ كسقوط الإثم إجماعًا.
وقال ابن عقيل، والشافعية: الثاني فرض أيضًا؛ فلا يجزئ بنية النافلة.
ولا فرق بينه وبين فرض العين ابتداءً. قاله المُوَفَّق وغيره.
وفَرْضُ العين أفضل منه، ويلزم بالشروع في الأظهر فيهما؛ كفرض عين، ولو مُوسَّعًا؛ كصلاةٍ، وقضاء رمضان عند الأربعة.
стр. 111
وقيل: يلزم بعضًا مبهمًا، وقيل: مُعَيَّنًا عند اللَّه تعالى، وقيل: من قام به.
وإن طُلِب واحدٌ من أشياء؛ كخصال الكفارة ونحوِها؛ فالواجب واحدٌ، لا بعينه عند الأكثر.
فالقاضي، وابن عَقِيل: يتعين بالفعل، وحكي عن الفقهاء، والأشعرية.
وقيل: بالاختيار.
وقال أبو الخَطَّاب: مُعَيّن عند اللَّه تعالى علم أنه لا يفعل غيره.
وقيل: بالوقف.
وعن المعتزلة كالقاضي.
وبعضهم: معين، ويسقط بغيره.
وبعضهم: كلها واجب على التخيير، بمعنى أن كل واحد منها مراد.
فالخلاف معنوي عند أبي الطِّيب، والآمديِّ، وجمعٍ. وعند الأكثر: لفظي (١).
تنبيه:
لا يجب أكثر من واحدة إجماعًا، وإن كفَّر بها مُرَتَّبةً فالواجب الأول إجماعًا، أو معًا لا يُثاب ثوابَ الواجب على كل واحد إجماعًا؛ بل على أعلاها، وإن ترك الكل لم يأثم عليه (٢) إجماعًا؛ بل على أدناها.
وقال القاضي، وأبو الطيب: بقدر عقابِ أدناها، لا أنه نفسه، وقال أبو الخَطَّاب، وابن عَقِيل: يثاب على واحد ويأثم به (٣).
стр. 112
فصل
وقت العبادة إما بَقَدْر فِعلها؛ وهو المضيَّق كالصوم.
أو أقلَّ فمن المحال.
أو أكثر وهو الموسَّع كالصلاة المؤقتة؛ فيتعلّق بجميعه مُوسَّعًا أداءً عندنا، وعند المالكية، والشافعية، والأكثر (١).
وأوجب أكثرُ أصحابنا، والمالكيةُ العزمَ إذا أخر، ويتعين آخره. ولم يوجبه أبو الخَطَّاب، والمجد، وجمع، ومال إليه في الكفاية.
وقال قوم: أوله؛ فإن أخر فقضاء.
وقال أكثر الحنفية: آخره.
وزاد الكَرْخي (٢): أو بالدخول فيها، فإن قدم فتعجيل. وقيل: نفل يُسْقِط الفرض (٣).
وأكثرهم: إن بقي مُكَلَّفًا فما قَدَّمه واجب. وإلا فلا وجوب.
وقيل: يتعلق بوقت غير معيَّن، اختاره ابن عَقِيل، وابن حمدان، والرازي، والمجد، وقال: يجب حمل مراد أصحابنا عليه. ورُدَّ (٤).
стр. 113
فائدة:
يستقر الوجوب عندنا بأول الوقت . وعنه: بإمكان الأداء، كالشافعي.
وقال مالك، والشيخ: بِضِيقِه.
فصل
من أخر الواجب الموسع مع ظن مانع موت أو غيره أثم إجماعًا، وفي المقنع: يأثم مع عدم ظن البقاء إجماعًا، ثم إن بقي ففعله في وقته فأداء عند الأكثر (١)، وخالف القاضيان (٢).
ومن له تأخيرها ومات لم يعص في الأصح، كالأربعة (٣)، ويسقط بموته عندهم، ويأثم بالحج في الأصح للشافعية، وخصه الغزالي، وحكي عن الشافعي بالشيخ.
فصل
ما لا يتم الوجوب إِلا به ليس بواجب مطلقًا (٤) إجماعًا.
وما لا يتم الواجب المطلق إِلا به وهو مقدور للمكلف فواجب عندنا، وعند الشافعية، والأكثر.
وقيل: إن كان سببًا.
стр. 114
وقال أبو المعالي، وابنُ بَرْهان، وابن الحاجب، وابن حمدان، والطُّوفي: أو شرطًا شرعيًّا.
وعن المعتزلة: ليس بواجب (١).
قال ابن الجوزي (٢): لا يجب إمساك جزء من الليل في الأصح (٣). وغير المقدور من المحال.
تنبيه:
ظاهر من أوجبه يعاقب بتركه، وقاله القاضي، والآمدي وجمع، كثوابه بفعله. وفي الروضة: لا يعاقب، وذكره الشيخ. وقال أيضًا: وجوبه عقلًا وعادة لا يُنكر، والواجب العقابي لا يقوله فقيه، والواجب الطلبي محل النزاع، وفيه نظر (٤).
فائدة:
يجوز النهي عن واحد لا بعينه ؛ كمِلْكه أختين ووطئهما.
стр. 115
وله فعل أحدها عند الأصحاب، والأكثر.
وعند أبي البقاء، والجُرْجَاني (١)، والقرافي، والمعتزلة: يمنع من الجميع (٢).
وفي المقنع أيضًا: التخيير يقتضي منع الجميع. وفي التمهيد أيضًا: يكون النهي للجمع وللتخيير.
ولو اشتبه محُرَّم بمباح وجب الكف، ولا يحرم المباح. وقال المُوَفَّق، والطُّوفي، والغزالي: حرما إلى التبيُّن.
فصل
لو كنى الشارع عن عبادة ببعض ما فيها ، نحو: ﴿وَقُرْءَانَ الفَجْرِ﴾ (٣)، و ﴿محُلِّقِنَ رُءُوسَكُم﴾ (٤) دل على فرضه. قطع به القاضي، وابن عَقِيل (٥).
فصل
الحرام ضد الواجب، وهو: ما ذُمَّ فاعلُه ولو قولا وعملَ قلب شرعًا.
ويسمى محظورًا، وممنوعًا، ومزجورًا، ومعصية، وذنبًا، وقبيحًا، وسيئة، وفاحشة، وإثمًا.
стр. 116
فصل
في الشخص الواحد ثواب وعقاب؛ خلافًا للمعتزلة في تخليد أهل الكبائر. والفعل الواحد بالنوع منه واجب وحرام؛ كسجوده للَّه ولغيره؛ خلافًا لأبي هاشم. وبالشخص له جهة واحدة فيستحيل كونه واجبًا حرامًا، وشَذَّ بعضهم (١).
وله جهتان ك الصلاة في مغصوب: فأحمد، وأكثرُ أصحابه، والظاهريةُ، والزيديةُ، والجُبَّائيةُ: لا تصح ولا يسقط الطلب بها، وكذا عندها؛ خلافًا للباقلاني، والرازي. وعنه: تحرم وتصح، كمالك، والشافعيِّ، والخلَّالِ (٢)، وابن عَقِيل، والطُّوفي، والأكثر؛ فلا ثواب. وقيل: بلى. وقيل: تكره، كالحنفية (٣).
فائدة:
تصح توبة خارج منه فيه، ولم يعص بخروجه عند ابن عَقِيل، وغيره، والمعظم. وخالف أبو هاشم، وأبو الخَطَّاب، وقال: يفعله لدفع أعلى المفسدتين بأدناهما. وقال الشيخ: حق اللَّه يزول بالتوبة، وحق الآدمي يزول بزوال أثر الظلم. وعن أبي المعالي: حكم المعصية باق، وخروجه غير منهي عنه. وعنه: هو طاعة معصية باعتبارين (٤).
стр. 117
تتمة:
الواقع على جريح إن بقيَ قتله، ومثله إن انتقل؛ يضمن، وتصح توبته إذن في الأصح. قال ابن عَقِيل، وغيره: ويحرم انتقاله. وابن المُنيِّر (١): ينتقل. وابن عبد السلام: إلى كافر معصوم. وأبو المعالي: لا حكم. وقاله الغزالي مرة، وخيَّره أخرى، ويلزم الأدنى قطعًا.
فصل
المندوبُ لغة: المدعو لمهم؛ من الندب، وهو الدعاء (٢).
وشرعًا: ما أُثِيب فاعله، ولو قولًا وعملَ قلب، ولم يُعاقَب تاركه مطلقًا. ويسمى سنة، ومستحبًا، وفي المقنع: وتطوعًا، وطاعةً، ونفلًا، وقُرْبةً، إجماعًا. قال ابْن قاضي الجبل: ومُرَغَّبًا فيه، وإحسانًا.
وفي الحاوي: أعلاه سُنَّة، ثم فضيلة، ثم نافلة. وفي المستوعب: السنة أعلى من الفضيلة.
وهو مأمور به حقيقة عند أحمد، والشافعي، وأكثر أصحابهما.
وعند أبي الخَطَّاب، والحَلْواني، والحنفية، وبعض الشافعية: مجاز.
стр. 118
قال الشيخ: المرغب فيه من غير أمر هل يسمى طاعة وأمرًا حقيقةً؟ ثالثها: طاعة فقط (١).
فعلى الأول: يكون للفور؛ قاله القاضي، وأبو الخَطَّاب. قال ابن عَقِيل: وتكراره كواجب.
وهو تكليف؛ قاله ابن عَقِيل، والمُوَفَّق، والطُّوفي، والأستاذ، والبَاقِلَّاني. ومنعه ابن حمدان، والأكثر، وهي لفظية (٢).
ولا يلزم غيرَ حَجٍّ وعمرة بالشروع. خلافًا لأبي حنيفة، ومالك، ولزومهما به لوجوب المضى في فاسدهما؛ قاله الشافعي، ولمساواته الفرض نيّة، وكفارة، وغيرهما.
فرع:
الزائد على قدرٍ واجبٍ في قيامٍ ونحوه نفل عند الأربعة، وغيرهم.
وواجب عند بعض الشافعية، والكَرْخي.
وللقاضي القولان.
وعند الثلاثة إن أدرك الركوع أدركها. وما لك مع الطمأنينة (٣).
فائدة:
أصحابنا، والمالكية، والشافعية: العبادة الطاعة، والحنفية: بشرط النية.
والطاعة: موافقة الأمر، والمعصية: مخالفته عند الفقهاء. وعند المعتزلة: مخالفة الإرادة.
وكل قربة طاعة، ولا عكس.
стр. 119
فصل
المكروه: ضد المندوب. وهو ما مُدِح تاركه ولم يُذَمَّ فاعله.
وهل يثاب بفعله؟ ثالثها: لا إن كره لذاته.
وفي كونه منهيًا عنه حقيقةً وتكليفًا كالمندوب. ويطلق على الحرام، وعلى ترك الأَولى (١)، وهو ترك ما فِعْلُه راجح أو عكسه، ولو لم يُنْه عنه، كترك مندوب.
ولنا وجه: أنه حرام، كمحمد بن الحسن (٢)، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: هو إلى الحرام أقرب (٣)، وهو في عرف المتأخرين للتنزيه.
ويقال لفاعله: مخالف، وغير ممتثل، ومسيء نصًّا، وقيل: يختص الحرام. وقال القاضي، وابن عَقِيل: يأثم بترك السنن أكثر عمره، قال الإمام أحمد: "مَنْ ترك الوِتْرَ فَرَجُلُ سُوءٍ" (٤).
стр. 120
فائدة:
الأربعةُ وغيرُهم: مطلق الأمر لا يتناول المكروه. وخالف أبو بكر الرازي (١)(٢).
فصل
المباح لغة: المعلن والمأذون (٣). وشرعًا: ما خلا من مدح وذَمٍّ لذاته.
وليس منه فعل غير مكلف، قاله القاضي وغيره. ويسمى طِلْقًا، وحَلالًا، ويطلق هو والحلال على غير الحرام.
وليس جِنسًا للواجب في الأصح؛ بل هما نوعان للحكم
ولا مأمورًا به عند الأربعة وأتباعهم، وخالف الكَعْبي (٤) وأصحابه. والخُلْف فيهما لفظي.
وعلى الأول: إن أريد بالأمر الإباحة فمجاز عند الأربعة وغيرهم. وقال أبو الفرج، وبعض الشافعية: حقيقة، وللقاضي القولان (٥).
стр. 121
والإباحة شرعية إن أريد بها خطاب الشرع، وإلا عقلية. وتسمى شرعية بمعنى [التقرير] (١)، وبمعنى الإذن، إِلا أن نقول: العقل مبيح.
وفي الرَّوضَة: ما لم يرد فيه سمع يحتمل التخيير، ويحتمل لا حكم (٢).
وليست بتكليف عند الأربعة وغيرِهم، وخالف الأستاذ وجمع (٣). وفي الروضة كالأول، وعدَّها في أحكام التكليف. وقال المجد: "هي تكليف بمعنى اختصاصها بالمكلَّف" (٤).
فائدتان:
الأولى: الجائز لغة: العابر. واصطلاحًا: يطلق على المباح، وعلى ما لا يَمْتنع شرعًا فيعم غير الحرام (٥)، أو عقلا فيعم الواجبَ، والراجحَ، والمساوي، والمرجوح.
وعلى ما استوى فيه الأمران شرعًا؛ كمباح.
أو عقلا؛ كفعل صغير.
وعلى مشكوك فيه فيهما بالاعتبارين.
الثانية: الممكن ما جاز وقوعه حِسًّا، أو وهمًا، أو شرعًا.
стр. 122
فصل
لو نُسخ الوجوبُ بقي الجواز.
فالمجد والأكثر، وحكي عن الأصحاب: مشترك بين الندب والإباحة. والقاضي، وأبو الخطاب، وابن عقيل، وابن حمدان: الندب.
ومنع في الروضة أن الوجوب ندب وزيادة.
وقيل: الإباحة.
وعنه: يعود إلى ما كان، كأكثر الحنفية، والتميمي (١)، والغزالي (٢).
فائدة:
نظيرها قول الفقهاء: لو بطل الخصوص بقي العموم.
لو صُرِف النهي عن التّحريم بقيت الكراهة حقيقة، قاله ابن عَقِيل، وغيره.
فصل
خطاب الوضع: ما استفيد من نصب الشارع علَمًا مُعَرِّفًا لحكمه.
فهو خبر لا يُشترط له تكليف، ولا كونه من كسبه، ولا عِلْم ولا قدرة، إِلا سبب عقوبة، وسببًا ناقلًا للملك.
стр. 123
وهو أقسام:
أحدها: العلة، وهي في الأصل العَرَض الموجِب لخروج البدن الحيواني عن الاعتدال الطبيعي.
ثم استعيرت عقلًا لما أوجبَ الحكمَ العقلي لذاته، كالكسر للانكسار، ونحوه.
ثم شرعًا لمعان:
أحدها: ما أوجب الحكمَ الشرعيَّ لا محالة، وهو المجموع المركب من مقتضي الحكم، وشرطه، ومحله، وأهله.
الثاني: مُقتَضِي الحكم، وإن تخلف لفوات شرط أو وجود مانع.
الثالث: الحكمة، وهي المعنى المناسبُ الذي يَنشأ عنه الحكم؛ كمشقة السفر للقصر والفطر، والدينِ لمنع الزكاة، والأبوةِ لمنع القصاص.
القسم الثاني: السببُ، وهو لغةً ما تُوصِّل به إلى غيره (١).
وشرعًا: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته.
فيوجد الحكم عنده لا به.
واستعير شرعًا لمعان:
أحدها: ما يقابل المباشرةَ؛ كحفر البئر مع التَّرْدِيَة. فالأول سبب، والثاني علة.
الثاني: علة العلة؛ كالرمي هو سبب للقتل، وهو علة الإصابة التي هي علة الزهوق.
الثالث: العلة بدون شرطها؛ كالنصاب بدون الحول.
стр. 124
الرابع: العلة الشرعية كاملة، وهو وقتي كالزوال للظهر، ومعنوي يستلزم حكمه باعثة كالإسكار للتحريم، ونحوه.
القسم الثالث: الشرط، وهو لغة: العلامة، وشرعًا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
فإن أخلَّ عدمُه بحكمة السبب فَشَرْطُ السببِ؛ كالقدرة على تسليم المبيع.
وإن استلزم عدمُه حكمةً تقتضي نقيضَ الحكم فشرطُ الحكم؛ كالطهارة للصلاة (١).
وهو عقليٌّ؛ كالحياة للعلم. وشرعيٌّ؛ كالطهارة للصلاة. ولغويٌّ: كأنت طالق إن قمتِ، وهذا كالسبب. وعاديٌّ؛ كالغذاء للحيوان كذلك.
وما جُعِل قيدًا في شيء لمعنًى؛ كشرط في عقدٍ فكالشرعي، لا اللغوي في الأصح.
واللغويُّ أغلبُ استعماله في السببية العقلية والشرعية.
واستُعمِل لغة في شرط لم يبق للمسبَّب شرط سواه.
القسم الرابع: المانع، وهو يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته.
وهو إما للحكم؛ كالأبوة في القصاص مع القتل العمد. أو لسببِ الحكم؛ كالدين في الزكاة مع ملك نصاب.
ونصب هذه الأشياء مفيدةً مقتضياتِها حكمٌ شرعيٌّ.
والصحة والفساد منه عندنا، وقيل: معنى الصحة الإباحة، والبطلان الحرمة. وقال ابنُ الحاجب وجمع: هما أمر عقلي (٢).
стр. 125
فالصحة في العبادة: سقوط القضاء بالفعل عند الفقهاء.
وعند المتكلمين وغيرهم: موافقة الأمر، فصلاة من ظن الطهارة صحيحة على الثاني فقط. والقضاء واجب عليهما عند الأكثر، فالخلاف لفظي.
وفي المعاملة: ترتب أحكامها المقصودة بها عليها.
ويجمعهما ترتب الأثر المطلوب من الفعل عليه.
فبصحة العقد يترتب أثره من مِلْكٍ وغيرِه، وبصحة العبادة يترتب إجزاؤها، وهو الكفاية في إسقاط التعبد، فَفِعْلُ المأمور به بشروطه يستلزمه إجماعًا، وإن فُسِّر بإسقاط القضاء استلزمه عند أصحابنا والأكثر. وخالف عبد الجبار (١)، وجمع؛ فلابد من دليل آخر.
فالإجزاء يختص بالعبادة، وقيل: بواجبها. والقبول كالصحة مطلقا (٢).
وقيل: توجد صحة بلا قبول، فأثر القبول الثّواب، وأثر الصحة عدم القضاء، ونفي الإجزاء كنفي القبول.
وقيل: بل أولى بالفساد.
стр. 126
فائدتان:
الأولى: الصحة عقلية؛ كإمكان الشيء وجودًا وعدمًا. وعاديَّة؛ كالمشي ونحوه. وشرعيَّةٌ؛ كالمذكور هنا.
الثانية: النفوذ تصرف لا يقدر فاعله على رفعه، وقيل: كالصحة.
والبطلان والفساد مترادفان يقابلان الصحة عند أصحابنا (١)، والشافعية؛ مع تفريقهما في الفقه بينهما في مسائل.
وعند الحنفية: الفاسد ما شُرع بأصله لا بوصفه كالربا. والباطل: ما لم يشرع بهما، كالملاقيح.
والعزيمة لغة: القصد المؤكَّد (٢)، وشرعًا: قال المُوَفَّق، والطُّوفي، وجمعٌ: الحكم الثابت بدليل شرعي خالٍ عن معارض. فيشمل الأحكام الخمسة، وأسقط الرازي الحرام.
والقرافي: طلب فعل لم يَشتِهر فيه منع شرعي. فيختص الواجبَ والمندوبَ. والغزالي، والآمدي، وابن حمدان، وابن مفلح: ما لزم بإلزام اللَّه تعالى من غير مخالفة دليل شرعي، فيختص الواجبَ (٣).
والرخصة لغة: السهولة، وشرعًا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح. فمنها واجبٌ كأكل مضطرٍ ميتةً، ومندوبٌ كقصرٍ، ومباحٌ كجمعٍ.
وهما وصفان للحكم الوضعي. وقيل: التكليفي. وقال الرازي وغيره: للفعل.
стр. 127
فصل
التكليف لغة: إلزام ما فيه مشقة. وشرعًا: إلزام مقتضى خطاب الشرع.
والمحكوم فيه: الأفعال؛ شرطها الإمكان، فيصح التكليف بالمحال لغيره إجماعًا.
وهل خلاف المعلوم أو وفقه لا يطاق؟ ثالثها: الفرق.
وأما المحال لذاته، كجمع بين ضدين. أو عادة، كالطيران؛ فالأكثر على منعه.
وأكثر الأشعرية، والطُّوفي على جوازه.
والآمدي وجمع في المحال عادة.
فعلى الجواز: لم يقع، وحُكِي عن الأكثر.
قال ابن الزَّاغُوني، والمجد: المحال لذاته ممتنع سمعًا إجماعًا.
وقال أبو بكر، وابن شَاقْلا، وجمع: بلى، وقيل: الممتنع عادة.
فصل
الكفار مخاطبون بالفروع عند أحمد، والشافعي، وأكثر أصحابهما، والأشعرية، وأبي بكر الرازي، والكَرْخي، كالإيمان إجماعًا (١).
وعنه: بالنواهي، كالجرجاني، وابن حامد، والقاضي في المُجرَّد.
قال الأستاذ: هو وفاق.
وقيل: بغير الجهاد.
стр. 128
وقيل: المرتد فقط.
وعنه: لا مطلقًا، كأكثر الحنفية، وأبي حامد.
ولمالك هذا والأول (١).
وقيل: بالوقف، وحكي عن الأشعري، وبعض أصحابه.
وملتزمهم في إتلاف وجناية وترتب أثر عقد، كغيرهم إجماعًا.
تنبيه:
فائدته عند أصحابنا والأكثر في الآخرة بكثرة العقاب وقلته (٢) ولنا وجهان: هل يجازَى الكافر بعمله في دنياه، أو يخفف عنه في عقباه؟
وقال ابن الصيرفي (٣) وجمع: وفي الدنيا من وجوه.
فصل
لا تكليف إِلَّا بفعل ، ومتعلَّقه في النهي: كَفُّ النفس عند الأكثر (٤).
وقيل: ضد المنهي عنه.
стр. 129
وقيل: مع قصد الترك.
وعن أبي هاشم وجمع: العدم الأصلي.
فصل
أصحابنا والأكثر: يصح التكليف بالفعل قبل حدوثه حقيقةً عند ابن عَقِيل، والأكثر. وقيل: إعلامًا، وقيل: عند المباشرة.
ويستمر حال حدوث الفعل عند الأشعري والأكثر.
وقالت المعتزلة، وأبو المعالي، والغزالي، والرازي، والطوفي، وغيرهم: ينقطع.
ولا يصح أمر بموجود عند أصحابنا والأكثر، وصححه الشيخ وغيره.
وقال ابن عَقِيل: يصح أن يقارِن الأمرُ الفعلَ حال وجوده، ونقله عن عامة السلف والفقهاء. خلافًا للمعتزلة؛ فبعضهم جوزه بوقت، وأكثرهم بأوقات. زاد بعضهم: للمصلحة (١).
تنبيه:
يشترط علم المكلف بكونه معلوم الحقيقة ومأمورًا به، ومن اللَّه تعالى، ولا يكفي مجرد الفعل.
فصل
المحكوم عليه شرطه فهم الخطاب عند العلماء، إِلا من شذَّ، فلا يُكلَّف مراهق. وعنه: بلى. اختاره ابن عَقِيل (٢). وعنه: ومميَّز.
стр. 130
ووجوب زكاة ونفقة وضمان من ربط الحكم بالسبب (١).
ويُكلَّف سكران يُمَيِّز قطعًا، وكذا من لا يميز عند أحمد، والشافعي، وأكثر أصحابهما، والحنفية.
وخالف ابن عَقِيل، والمُوَفَّق، والطُّوفي، وأكثر المتكلمين، كمعذور به، وآكل بنج نصًّا، ومغمًى عليه، ونائم، وناسٍ، وفي المقنع: ومخطٍ في الأصح فيهن.
والمكرَه المحمول كالآلة غيرُ مكلَّف عند أصحابنا والأكثر (٢).
خلافًا للحنفية.
ولنا وجه؛ يحنث في اليمين (٣).
وبالتهديد والضرب مكلَّف عندنا (٤) وعند الأكثر.
خلافًا للمعتزلة والطُّوفي.
ويبيح الإكراه ما قبح ابتداءً، خلافًا للمعتزلة (٥).
والمكره بحق مكلف عند الأربعة وغيرهم (٦).
стр. 131
فائدة:
أحمد، والأكثر: لا يجب على اللَّه شيء، قال ابن عَقِيل وغيره: لا عقلًا ولا شرعًا. وقال ابن الجوزي، وجمع من أصحابنا، وغيرهم: يجب عليه شرعًا بفضله وكرمه. وحكي عن أهل السنة. وقال الشيخ: أكثر الناس يثبت استحقاقًا زائدًا على مجرد الوعد (١). وعند المعتزلة يجب عليه رعاية الأصلح.
فصل
لا يكلف معدوم حال عدمه إجماعًا، ويعمُّه الخطابُ إذا كُلِّف كغيره عند أصحابنا، والأشعرية، وبعض الشافعية. وقالت المعتزلة، وجمع، وحكي عن أبي الخَطَّاب: لا، إِلا بدليل. وليس الخلاف لفظيًا خلافًا للجُرْجَاني.
وقيل: يشمله تبعًا لموجود. وقيل: إعلامًا لا إلزامًا (٢).
فصل
الأمر بما عَلِم الآمر انتفاء شرط وقوعه صحيح عندنا وعند الأكثر.
وخالف أبو المعالي، والمعتزلة.
ويصح مع جهل الآمر اتفاقًا.
لا إن عَلِمَا (٣). قطع به الأكثر.
وقال المجد: ينبغي أن يصح، ونبَّه عليه ابنُ عَقِيل.
стр. 132
فائدة:
يصح تعليق الأمر باختيار المكلف في الوجوب وعدمه . ذكره القاضي، وابن عَقِيل، وابن حمدان، وغيرهم.
وقيل: لا.
تنبيه:
الأدلة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس؛ فهو منها.
خلافًا لأبي المعالي وغيره. ويأتي غيرها.
فالأصل الكتاب، والسنة مخبرة عن حكم اللَّه، والإجماع مستند إليهما وإلى القياس، والقياس مستنبط منها (١).
* * *
стр. 133
باب
الكتاب: القرآن، وهو كلام مُنَزَّل على محمد ﷺ مُعْجِز مُتَعَبَّد بتلاوته.
والكلام عند الأشعرية: مشترك بين الحروف المسموعة والمعنى النفسي، وهو نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم.
وعند أحمد، وأصحابه، والبخاري، وغيرهم: لا اشتراك.
قال الإمام أحمد، وابن المبارك (١)، والبخاري، وأئمة الحديث: لم يزل اللَّه تعالى متكلمًا إذا شاء وكيف شاء بلا كيف.
قال القاضي: إذا شاء أن يُسْمِعَنا.
وقال أحمد أيضًا: لم يزل يأمر بما شاء ويحكم.
وقال أيضًا: القرآن معجز بنفسه.
قال جمع: مقتضاه أنه مُعْجِز في لفظه ونظمه ومعناه، كالحنفية وغيرهم.
وخالف القاضي في المعنى.
قال ابن حامد: الأظهر من جواب أحمد أن الإعجاز في الحروف المقطعة باقٍ خلافًا للأشعرية، وفي بعض آية إعجاز، ذكره القاضي وغيره.
стр. 134
وقال أبو الخَطَّاب، والحنفية، وغيرهم: لا.
زاد بعضهم: ولا في آية.
وفي الواضح: لا إعجاز ولا تحدِّي بآيتين.
قال القاضي، وابن عَقِيل، وجمع: في بعضه إعجاز أكثر من بعض.
فصل
القراءات السبع متواترة عند [الأئمة] (١).
قال ابن الحاجب وجمع: لا من قبيل صفة (٢) الأداء.
وقال أبو شامة (٣) وغيرُه: ولا صفة الألفاظ المختلَف فيها بين القراء، وهو ظاهر كلام أحمد وجمع.
وقيل: لا.
وقيل: مشهورة، ومال إليه الطُّوفي.
وما لم يتواتر فليس بقرآن.
стр. 135
والبسملة بعض آية من النمل إجماعًا، وقرآن عند الأئمة الثلاثة (١)، آية فاصلة بين كل سورتين، سوى براءة.
وخالف مالك، وأصحابه، وبعض الحنفية، وروي عن أحمد.
وليست من الفاتحة على الأصح (٢)، ولا تكفير من الجانبين.
وتُكرَه قراءة ما صحَّ منه (٣)؛ نَصًّا (٤).
ولا تصح الصلاة به عند الأربعة وغيرهم. وعنه: تصح (٥)، وحكي عن مالك، واختاره ابن الجوزي، والشيخ، وقاله النووي (٦) في الروضة إن بقي المعنى والصفة.
وعنه: يحرم، وقاله جمع، وحكي إجماعًا، وقيل: إن غَيَّر المعنى.
وهو (٧): ما خالف مصحف عثمان ﵁ عند أصحابنا وغيرهم؛ فتصح الصلاة بما وافقه، وصح، وإن لم يكن من العشرة نصًّا.
وقيل: ما وراء السبعة.
стр. 136
وقال البغوي (١)، وجمع: ما وراء العشرة، وهو أصح.
قال الشيخ: قال أئمة السلف: مصحف عثمان أحد الحروف السبعة (٢).
وهو حجة عند أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي، وأكثر أصحابهم.
وعنه: لا. اختاره الآمدي وجمع، وحكي عن مالك، والشافعي.
فصل
الأصح أن المُحْكَم: ما اتضح معناه.
والمتشابِه: عكسه؛ لاشتراكٍ، أو إجمالٍ، أو ظهور تشبيه (٣).
وليس فيه ما لا معنى له، ولا عبرة بمن شَذَّ (٤)، ولا ما لا يُعنَى به غير ظاهره إِلا بدليل، خلافًا للمرجئة.
وفيه ما لا يفهم معناه إِلا اللَّه تعالى عند أصحابنا، وأبي الطِّيب، والرازي، والأكثر (٥).
قال ابن بَرْهان: يجوز عندنا.
وقال أبو المعالي، والقشيري: ما فيه تكليف يمتنع دوام إجماله، وإلا فلا، وهو مراد غيره.
стр. 137
قال المجد؛ وبَحْث أصحابنا يقتصي فهمه إجمالًا لا تفصيلًا.
والأصح الوقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ (١)، لا ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ خلافًا للآمدي وجماعة، وهو ظاهر اختيار أبي البقاء (٢).
وقال الشيرازي، والسُهَيْلي (٣): الوقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ ويعلمه الراسخون، وقيل: بالوقف.
ويحرم تفسيره برأي واجتهاد بلا أصل.
ويجوز بمقتضى اللغة عند أحمد، وأكثر أصحابه، وغيرهم.
وعنه: لا (٤)، اختاره القاضي أبو الحسين (٥)، وأُوِّلَتْ.
стр. 138
باب
السنة لغة: الطريقة، وشرعًا اصطلاحًا: قول النبي ﷺ غير القرآن ولو بكتابةٍ، وفعلُه ولو بإشارةٍ.
وزيد: الهمُّ، وإقرارُه. وهو حجة للعصمة (١)، وهي: سلب القدرة على المعصية. وقيل: يَقْدِر ولكن يُصْرَف عنها.
وعند الأشعرية: توفيق عام.
والمعتزلة: خلق ألطاف تقرب إلى الطاعة، والجوزي (٢): حفظ المحل بالتأثيم أو التضمين (٣).
فامتناع المعصية منه ﷺ قبل البعثة عقلًا مبني على التقبيح العقلي، فمن أثبته كالراوفض منعها، وقاله المعتزلة في الكبائر. ومن لا فلا (٤).
وبعدها معصوم من تَعمُّد ما يُخِل بصدْقِه فيما دلت المعجزة على صدقه من رسالة وتبليغ إجماعًا، ولا تقع غلطًا وسهوًا عند الأكثر، وجوَّزه القاضي، والبَاقِلَّاني، والآمدي، وغيرهم (٥).
стр. 139
قال عِيَاض (١)، ومعناه لابن عَقِيل وغيره: لا يقع في الأقوال البلاغية إجماعًا، ثم لا يُقَرُّ عليه إجماعًا، فيُعلم به، قال الأكثر: على الفور، وأبو المعالي وغيره: مدة حياته (٢).
وما لا يخل بصدقه فمعصوم من كبيرة (٣)، ومما يوجب خِسَّةً أو إسقاط مروءة عمدًا إجماعًا، وجَوَّز القاضي والأكثر وقوعها سهوًا، ومنعه ابن أبي موسى، وجَوَّز الهمة (٤).
وتجوز صغيرة عمدًا عند القاضي، وابن عَقِيل، وابن الزَّاغُوني، والأشعرية (٥)، وقيل: لا.
وعند الحنفية: معصوم من معصية مقصودة، لا زَلَّة (٦)، وتجوز سهوًا عند الأكثر. ومنع الأستاذ وجمع من محققي أصحابنا وغيرهم مطلقًا، وهو أنزه المذاهب.
стр. 140
فصل
ما كان من أفعاله ﷺ مختصًّا به فواضح.
أو جبليًّا فمباح (١)، قطع به الأكثر، وقيل: مندوب، وقيل: ممتنع.
وإن احتمل الجبليَّ وغيرَه؛ كجلسة الاستراحة، وركوبه في الحجِّ، ودخوله مكة من كَداء (٢)، ولبسه السّبتي (٣) والخاتم، وذهابه ورجوعه في العيد ونحوه؛ فمباح. وحُكِيَ عن الأكثر.
وقيل: بالوقف.
وقيل: مندوب، وهو أظهر. وهو ظاهر فعل أحمد؛ فإنه تسرَّى (٤)، واختفى ثلاثًا، وقال: "ما بلغني حديث إِلا عملت به"، حتى أعطى الحجام دينارًا (٥)، وورد عن الشافعي.
стр. 141
وما كان بيانًا بقول؛ كـ "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (١)، أو فعل عند الحاجة؛ كقطع من كوع، وغسل مرفق؛ فواجب عليه اتفاقًا.
وما علمت صفته من وجوب أو غيره فأصحابنا والأكثر: أمته مثله.
والقاضي وغيره في العبادات، وبعض أصحابنا وقف (٢).
والبَاقِلَّاني: كالذي لم تعلم صفته.
والشيخ: يمكن وجوبه علينا لا عليه.
فائدة:
تُعْلَم الصفة بنصه وتسويته بفعل قد عُلمت جهته أو بقرينة تُبَيِّنُ صفةَ أحد الثلاثة (٣).
ووقوعه بيانًا لجمل، أو امتثالًا لنصٍّ يدل على حكم.
وما لم تعلم صفته وقُصِد به القربة فواجب علينا وعليه عند أحمد، ومالك، وأكثر أصحابهما.
وعنه: مندوب. إختاره التميمي، والقاضي، وحُكِي عن الشافعي، والحنفية، والفخر.
وقيل: مباح. اختاره الفخر في جَدَلِه، والجصاص، وحُكِي عن مالك (٤).
стр. 142
وعن أحمد: الوقف، اختاره أبو الخَطَّاب، وحكي عن التميمي، والأشعرية. وللشافعية الأربعة.
وغيره مباح عندنا وعند الأكثر.
وقال جمع: واجب. وجمع: مندوب.
والآمدي: مشترك بينهما فيما قُصِد به القُرْبة، وإلا بينهما وبين المباح، وما اختص به أحدهما فمشكوك فيه (١).
فائدتان:
الأولى: التأسِّي: فعلُك كما فَعَلَ لأجل أنه فَعَلَ، وكذا الترك (٢).
وفي القول: امتثاله على الوجه الذي اقتضاه، وإلا فموافقة لا متابعة.
الثانية: لا يفعل ﷺ المكروه ليُبَيِّن به الجواز؛ بل فِعْله ينفي الكراهة، قاله القاضي وغيره.
والمراد: ولا معارض له، وإلا فقد يفعل شيئًا ثم يفعل خلافه لبيان الجواز، وهو كثير عندنا، كتركه الوضوء مع جنابة لنوم، وأكل، ومعاودة وطء (٣).
وتشبيكه بعد سهوه (٤) لا ينفي الكراهة؛ لأنه نادر (٥).
وحَمَل الحنفيةُ وضوءَه بسؤر الِهرِّ، ونحوه على الجواز مع الكراهة (٦).
стр. 143
فصل
إذا سكت ﷺ عن إنكار أمر بحضرته أو زمنه عالمًا به دلَّ على جوازه، حتى لغيره في الأصح.
وإن سبق تحريمه فَنَسْخٌ إِلا من كافر (١).
وقيل: ومن يغريه الإنكار.
وقيل: ومنافق.
فصل
فعلاه ﷺ ولو اختلفا وأمكن اجتماعهما؛ كصوم وصلاة، أو لا، لكن لا يتناقض حكماهما؛ فلا تعارض.
وكذا إن تناقض كصومه في وقت وأكله في مثله.
لكن إن دل دليل على وجوب تكرر الأول له أو لأمته، أو أقرَّ من أكل في مثله؛ فَنَسْخٌ (٢).
وقيل في فعليه المختلفين: الثاني ناسِخٌ، وإلا تعارضا، ومال إليه الشافعي.
وقال البَاقِلَّاني، وأبو المعالي بجوازهما لما لم يتضمن أحدهما حظرًا، وهو ظاهر كلام أحمد في مسائل، وآخرهما أفضل (٣).
стр. 144
فصل
إذا تعارض فعله وقوله، ولا دليل على تكررٍ ولا تأسٍ، والقول خاص به وتأخر؛ فلا تعارض.
وإن تقدَّم فالفعل ناسخ قبل التمكن عندنا.
وإن جُهِل فكالجهل الآتي (١).
وإن اختص القول بنا فلا تعارض مطلقًا.
أو عمَّ، وتقدَّم الفعل فلا تعارض أيضًا.
وإن تقدم القول فكالقول الخاص به، ولا تعارض في حقنا (٢).
فإن كان العامُّ ظاهرًا فيه فالفعل تخصيص.
وإن دل عليهما والقول خاص به فلا تعارض فينا مطلقًا. وفيه المتأخر ناسخ.
فإن جهل فلا تعارض فينا، وفيه اختار أبو الخطاب، وابن حمدان: يعمل بالقول.
وقيل: بالفعل.
وابن حمدان: الوقف.
وفي التمهيد: إن ورد خبر يخالف فعلَه إن لم يعمه فلا تعارض.
وإلا تعارضا فالتخصيص، ثم المتواتر، ثم الترجيح، ثم الوقف (٣).
стр. 145
وإن اختص القول بنا فلا تعارض فيه، وفينا المتأخر ناسخ، فإن جُهِل فثالثها. ابن الحاجب، وابن قاضي الجبل: يُعمل بالقول.
وأبو الخطاب: إن تعارضا من كل وجه فالمتأخر ناسخ، فإن جهل عمل بالقول (١).
وإن عَمَّ القول فالمتأخر ناسخ، فإن جهل فالثلاثة. وإن اقتضى القول التكرارَ فالفعل ناسخ له، وإلا فلا تعارض. وإن دل على تكرر لا تأس، والقول خاص بنا فلا تعارض، أو به، أو عمَّ فلا تعارض فينا، وفيه المتأخر ناسخ، فإن جهل فالثلاثة (٢).
وإن دل على عكسه والقول خاص به وتأخر فلا تعارض مطلقا، وإن تقدم فالفعل ناسخ في حقه، فإن جهل فالثلاثة (٣).
وإن عَمَّ وتقدم الفعل فلا تعارض فيه، وفينا القول ناسخ.
وإن تقدم القول فالفعل ناسخ.
وبعد التمكن من [القول] (٤) لا تعارض، إِلا أن يقتضي القول التكرارَ فالفعل ناسخ له، فإن جهل فالثلاثة (٥).
فائدة:
فعل صحابي مذهب له في الأصح (٦).