← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16983

تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول

المرداوي

Полный текст (384 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ومنها: أن لا تتأخر علة الأصل عن حكمه في الأصح. وأن لا ترجع عليه بالإبطال، وإن عادت عليه بالتخصيص فالخلاف (١). فائدة: ما حَكَمَ به الشارعُ مطلقًا، أو في عين، أو فَعَلَه أو أقرَّه لا يعلل بعلة مختصة بذلك الوقت ، بحيث يزول الحكم مطلقًا عند أصحابنا، والشافعية. وجَوَّزه الحنفية، والمالكية، وقال الشيخ، وغيره: قد تزول العلة ويبقي الحكم، كالرَّمَل (٢). أما تعليله بعلة زالت لكن إذا عادت عاد ففيه نظر، وعكسه تعليل الناسخ بعلة نحتصة بذلك الزمن، بحيث إذا زالت زال، ويقع الفقهاء فيه كثيرًا (٣)، ووقوعه في خطاب عام فيه نظر. وفي الواضح: ألحق الحنفية النسخ بزوال العلة (٤). ومنها: أن لا يكون للمستنبطة معارض في الأصل، وقيل: راجح، وقيل: ولا في الفرع (٥). وقيَّد الآمديُ المعارضَ بكونه راجحًا عند من جَوَّز تخصيص العلة، قال: ويكفي الظن في نفي معارض في أصل وفرع.

стр. 282

وأن لا تخالف نصًّا، ولا إجماعًا، ولا تتضمن زيادةً على النص. وقال الآمدي: إن نافت مقتضاه (١). وأن يكون دليلها شرعيًّا، ولا يعم دليلها حكم الفرع بعمومه أو خصوصه (٢). وأن تتعين في الأصح. ولا تكون وصفًا مقدرًا خلافًا لقوم. وتكون حكمًا شرعيًّا عند ابن عَقِيل، والأكثر، وحكي عن أصحابنا (٣). ومنع جماعة، وحكي عن ابن عَقِيل، وابن المَنِّي، واختار الآمدي الجواز بمعني الأمارة في غير أصل القياس (٤). وتكون صفة الاتفاق والاختلاف علة عند أصحابنا، والأكثر، ومنعه القاضي وغيره (٥). ويتعدد الوصف ويقع عندنا، وعند الأكثر (٦) , وعند الجرجاني إلي خمسة, وحكي سبعة، وقيل: لا.

стр. 283

فصل لا يشترط القطع بحكم الأصل، ولا بوجودها في الفرع ، ولا انتفاء مخالفة مذهب صحابي إن لم يكن حجة في الأصح فيهن، ولا النص عليها، أو الإجماع على تعليله، خلافًا للمَرِيسِي (١) (٢). وإذا كانت علة انتفاء الحكم وجودَ مانعٍ أو عدمَ شرطٍ لزم وجود المقتضي عند الأكثر. وقال الرازي، وأتباعه: لا (٣). وصحح ابن عقيل، وجمع كون العلة صورة المسألة، نحو: "يصح رهن مشاع، كرهنه من شريكه"، ومنعه قوم (٤). تنبيه: أصحابنا، والحنفية: حكم الأصل ثابت بالنص. والشافعية: بالعلة، وهي المعرف. والخلف لفظي، وقيل: لا (٥). فصل شرط الفرع أن توجد فيه العلة بتمامها فيما يُقصد من عين العلة أو جنسها، فإن كانت قطعية فقطعي، وهو قياس الأَوْلَى، والمساواة، أو ظنية فظني، وهو قياس الأَدْوَن.

стр. 284

وعن بعض الحنفية: يكفي مجرد الشبه. وأن تؤثر في أصلها المقيس عليه عند أصحابنا، والحنفية، والشافعية، واكتفى الحَلْواني، وأبو الطيب بتأثيرها في أصل ما، وقيل: في أصلها وغيره، وتأتي المعارضة فيه. وأن يساوي حكمُه حكمَ الأصل فيما يقصد كونه وسيلة للحكمة من عين الحكم، أو جنسه (١)، ويأتي في الاعتراضات. وأن لا يكون منصوصًا على حكمه بموافق، خلافًا للغزالي، والآمدي، وجمع (٢). قال الحنفية، والآمدي، وابن الحاجب، وابن حمدان: ولا متقدِّمًا على حكم الأصل. زاد الآمدي: إلا أن يذكره إلزامًا لخصم، وقال الرازي: يجوز عند دليل آخر. والمُوَفَّق، والمجد، والطوفي: يشترط لقياس العلة، لا لقياس الدلالة. ولا يشترط ثبوت حكمه بنص جملة، خلافًا لأبي زيد، وأبي هاشم (٣). * * *

стр. 285

مسالك العلة (١) الأول: الإجماع ، كالصغر للولاية في المال، فيلحق به الولاية في النكاح. الثاني: النص ، فمنه صريح مثل: لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لأجل، أو من أجل، أو كي، أو إذن، وظاهر، كاللام ظاهرة ومقدرة، والباء، قاله جمع (٢). وجعلها ابن الحاجب، والموفق، والطوفي من الصريح، وزادا: المفعول له. أما إنها رجس ونحوه، فالقاضي، وأبو الخَطَّاب، والآمدي، وابن الحاجب: صريح، وإن لحقته الفاء فآكد. والبيضاوي وغيره: ظاهرٌ. وابن البناء: إيماءٌ. وابن المَنِّي، والفخر، والجوزي: توكيدٌ، وسبق بعض حروف للتعليل (٣). وعند الأصحاب، وغيرهم: إن قام دليل أنه لم يقصد التعليل فمجاز، نحو: "لم فعلت؟ " فتقول: "لأني أردت" (٤). وإيماء وتنبيه، وهو أنواع، منها: ترتب حكم عقب وصف بالفاء من كلام الشارع وغيره؛ فإنها للتعقيب ظاهرًا، ويلزم منه السببية، نحو: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ (٥)،

стр. 286

و"سَهَا فَسَجَدَ" (١). وقال ابن الحاجب: صريح، وقوم: ظاهر (٢). ومنها: ترتيب حكم على وصف بصيغة الجزاء، نحو: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣)، أي: لتقواه. ومنها: اقتران وصف بحكم لو لم يكن هو أو نظيره علةً للحكم كان اقترانه بعيدًا شرعًا ولغةً، فالأول كقول الأعرابي: "وقعتُ على أهلي في رمضان، فقال: أعتق رقبة" (٤) (٥). فإن حذف بعض الأوصاف ككونه أعرابيًّا، وتلك المرأة، والشهر؛ ف تنقيح المناط (٦). أقَرَّ به أكثر منكري القياس، حتى أبو حنيفة في الكفارة. وقيل: إنه أحد مسالك العلة بأن يبين إلغاء الفارق (٧).

стр. 287

والثاني: كقوله ﷺ للسائلة: "أرأيتِ لو كَانَ عَلَى أمِّكِ دينٌ أكنتِ قاضيتَه؟ قالت: نعم، قال: اقضوا اللَّه؟ فاللَّه أحق بالوفاء" (١) (٢). ومنها: أن يقدر الشارع وصفًا لو لم يكن للتعليل كان بعيدًا لا فائدة فيه، كقوله ﷺ لما سُئل عن بيع الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم؟ فنهى عنه" (٣) (٤). ومنها: أن يفرق ﷺ بين حكمين بصفة مع ذكرهما، نحو: "للراجل سهم، وللفارس سهمان" (٥)، أو مع ذكر أحدهما، نحو: "القاتل لا يرث" (٦)، أو بشرط

стр. 288

وجزاء: "فإذا اختلفت هذه الأوصاف فبيعوا" (١)، أو بغاية: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٢)، أو استثناء: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٣)، أو استدراك: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٤) (٥). ومنها: تعقيب الكلام أو تضمينه ما لو لم يعلل به لم ينتظم، نحو: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٦)، "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٧). ومنها: اقتران حكم بوصف مناسب، كـ "أكرم العلماء، وأهن الجهال". فإن ذكر الوصف صريحًا والحكم مستنبط منه كـ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٨)، صحته مستنبطة من حِلِّهِ فمومَى إليه في الأصح، وعكسه بعكسه، كحرمت الخمر، الوصف مستنبط من تحريمه (٩). ولا يشترط مناسبة الوصف المومَى إليه عند ابن المنِّي، والأكثر (١٠).

стр. 289

وعند الغزالي، والجوزي: بلى، واختاره الآمدى، وابن الحاجب إن فهم التعليل من المناسبة، ومعناه للموفق، والفخر (١). فصل الثالث: السَبْرُ والتقسيمُ: حصرُ الأوصافِ وإبطالُ ما لا يصلح؛ فيتعين الباقي علةً (٢). ويكفي المناظر "بحثْتُ فلم أجد غيره"، أو: "الأصلُ عَدَمُه"، فإن بَيَّن المعترضُ وصفًا آخرَ لزم إبطاله، ولا يلزم المعترضَ بيانُ صلاحيتِه للتعليل، ولا ينقطع المستدلُ في الأصح إلا بعجزه عن إبطاله، والمجتهدُ يعمل بظنه (٣). ومتى كان الحصرُ والإبطالُ قطعيًّا فالتعليلُ قطعىٌّ، وإلَّا فظنىٌّ (٤). ومن طرق الحذف: الإلغاءُ، ؤهو إثبات الحكم بالباقي فقط في صورة، ولم يثبت دونه فيظهر استقلاله وحده، وقال الآمدي: لا يكفي في استقلاله بدون طريق من طرق إثبات العلة (٥). ويشبه الإلغاءَ نفيُ العكس، وليس هو (٦). ومنها: طردُ المحذوفِ مطلقًا، كطول وقصر، أو بالنسبة إلى ذلك الحكم، كالذكورية في العتق (٧).

стр. 290

ومنها: عدمُ ظهور مناسبة (١). ويكفي المناظر "بحثْتُ"، فلو قال المعترض: الباقي كذلك بعد تسليم مناسبته لم يُقْبَل، وإلا فَسَبْرُ المستدل أرجح، وليس له بيان المناسبة (٢). واختار المُوَفَّقُ: ليس منها لمعارضة خصمه له بمثله، ولا يكفيه نقضه (٣). والسَبْرُ الظني حجةٌ مطلقًا في ظاهر كلام القاضي وغيره، وقاله ابن عَقِيل، والأكثر. وخالف الحنفية. قال أبو الخَطَّاب، والموفَّق، والطوفي: لا يصح؛ لجواز التعبد (٤). وأبو المعالي: حجة إن أُجمع على تعليل الحكم. وقيل: للناظر دون المناظر. ولو أفسد حنبلي علة شافعي لم يدل على صحة علته، لكنه طريق لإبطال مذهب خصمه، وإلزام له صحة علته. وقيل: لا تثبت علة الأصل باستنباط، وأومأ إليه أحمد (٥). وقيل: لا يقبل سَبْرٌ في ظَنِّيٍّ، وقيل: ولا في التعليل، إلا الإيماء، وما عُلِمَ بغير نظر كبوله في إناء ثم صبه في ماء (٦).

стр. 291

فائدة: لكل حكم علة عند الفقهاء تَفَضُّلًا، وعند المعتزلة وجوبًا. قال أبو الخَطَّاب: كلها معللة وتخفى نادرًا، قال القاضي: هي الأصل وترك نادرًا، ويجب العمل بالظن فيها إجماعًا. وقيل: الأصل عدمها، قال ابن عَقِيل: أكثر الأحكام غير معللة (١). فصل الرابع: المناسبة والإخالة ، واستخراجها يسمى تخريج المناط، وهو تعيين علة الأصل بإبداء المناسبة من ذات الوصف لا بنص وغيره، كالإسكار (٢). والمناسبة لغوية؛ فلا دَوْرَ (٣)، ويتحقق الاستقلال بعدم ما سواه بالسَبْر. والمناسب: ما تقع المصلحة عقبه، قاله المُوَفَّق، والطُّوفي، وزاد: لرابط عقلي. وقيل: الملائم لأفعال العقلاء عادةً، والبيضاوي وغيره: ما يجلب نفعًا أو يدفع ضررًا. وأبو زيد: ما لو عُرِضَ على العقول لتلقته بالقبول (٤). والآمدي ومن تبعه: وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتب الحكم عليه ما يصلح كونه مقصودًا من شرع الحكم من حصول مصلحة أو دفع مفسدة، فإن كان الوصف خفيًّا أو غير منضبط اعتبر الملازمة، وهي المظنة (٥). والمقصود من شرع الحكم قد يُعْلَمُ حصولُه كبيع، ويُظَنُّ كقصاص، ويُشَكُّ فيه كحد خمر، ويُتَوَهَّمُ كنكاح آيسة للتوالد (٦).

стр. 292

وقيل: لا يعلل بهذين، والأظهر: بلى اتفاقًا إن ظهر المقصود في غالب صور الجنس، وإلا فلا. وكذا قول ابن عَقِيل وغيره: السفر مشقته عامة، ويختلف قدرها (١). ولو فات يقينًا، كلحوق نسب مشرقي بمغربية ونحوه، لم يعلل به، خلافًا للحنفية (٢). والمناسب دنيوي ضروري أصلًا، وهو أعلى مراتبها، وهي الخمسة التي روعيت في كل ملة: حفظ الدين، فالنفس، فالعقل، فالنسل، فالمال، والعِرْض. ومكمله كحفظ العقل بالحد بقليل مسكر (٣). وحاجي، كبيع ونحوه، وبعضها أبلغ، وقد يكون ضروريًّا، كشراء ولي ما يحتاجه طفل ونحوه. ومكمله، كرعاية كفاءة، ومهر مثل، في تزويج صغيرة (٤). وتحسيني، غير معارض القواعد، كتحريم النجاسة، وسلب المرأة عبارة عقد النكاح، لا العبد أهلية الشهادة على أصلنا. أو معارض، كالكتابة (٥). وكون حفظ العقل ضروريًّا في كل ملة فيه نظر؛ فإن الكتابي لا يحد عندنا على الأصح، ولا عندهم (٦).

стр. 293

وليست هذه المصلحة بحجة، خلافًا لمالك وبعض الشافعية (١). وأخروي، كتزكية النفس ورياضتها وتهذيب الأخلاق، وقد يتعلق بهما، كإيجاب الكفارة. وإقناعي، ينتفي ظن مناسبته بتأمله (٢). فصل إذا اشتمل وصف على مصلحة ومفسدة راجحة، أو مساوية لم تنخرم مناسبته عند الموفق، والفخر، والمجد، والجوزي، والرازي، والبيضاوي (٣). وعند الآمدي وأتباعه، وابن قاضي الجبل: بلى (٤). وللمعلل ترجيح وصفه بطريق تفصيلي يختلف باختلاف المسائل، وإجمالي، وهو لو لم يقدر رجحان المصلحة ثبت الحكم تعبدًا (٥). فصل المناسب إن اعتبر بنص، كتعليل الحدث بمس الذكر، أو إجماع، كتعليل ولاية المال بالصغر فالمؤثر، وإن اعتبر بترتب الحكم على الوصف فقط إن ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو بالعكس أو جنسه في جنس الحكم فالملائم، وهو حجة عند المعظم، وإلا فالغريب، وهو حجة، ومنعه أبو الخطاب، والحنفية،

стр. 294

وإن اعتبر الشارع جنسه البعيد في جنس الحكم فمرسل ملائم، وإلا فمرسل غريب، منعه الجمهور، أو مرسل ثبت إلغاؤه، كإيجاب الصوم على واطئ قادر في رمضان، مردود اتفاقًا (١). المناسب المرسل ليس بحجة عند الأكثر، وقيل: في العبادات، وقال مالك: حجة، وأنكره أصحابه، وقاله الغزالي بشرط كون المصلحة ضرورية قطعية كلية، كتترس كفار بمسلم، وليس هذا منه؛ لاعتباره فهو حق قطعًا (٢). ومعني كلام المُوَفَّق، والفخر، والطوفي أن غير الملغي حجة (٣). وقيل: لا يشترط في المؤثر كونه مناسبًا (٤). فائدة: أعم الجنسية في الوصف: كونه وصفًا، ثم مناطًا، ثم مصلحة خاصة، وفي الحكم: كونه حكمًا، ثم واجبًا، ونحوه، ثم عبادة، ثم صلاة، ثم ظهرًا. وتأثير الأخص في الأخص أقوى، وتاثير الأعم في الأعم يقابله، والأخص في الأعم، وعكسه واسطتان.

стр. 295

فصل الخامس: إثبات العلة بالشبه: وهو تردد فرع بين أصلين، شبهه بأحدهما في الأوصاف أكثر عند القاضي، وابن عَقِيل، والقاضي يعقوب (١)، وابن حمدان، والطُّوفي، وجمع (٢). وقيل: منزلة بين المناسب والطردي، وقال البَاقِلَّاني: قياس الدلالة، وجمع: ما يوهم المناسبة (٣). والاعتبار بالشبه حكمًا لا حقيقةً، خلافا لابن عُلَيَّة (٤)، ولا يصار إليه مع قياس العلة إجماعًا، فإن عُدِمَ فحجة عندنا وعند الشافعية، وقيل: إن اعتبر عينه في عين الحكم فقط (٥)، وخالف الحنفية، والقاضي، والصيرفي، والباقلاني، وجمع. ولأحمد، والشافعي قولان. فصل السادس: الدَّوَرَان: ترتُّبُ حكم على وصف وجودًا وعدمًا، يفيد العلة ظنًّا عند أكثر أصحابنا، والمالكية، والشافعية، وبعض الحنفية، وقيل: قطعًا، ولنا وجه -

стр. 296

وأومأ إليه أحمد: لا يفيدها، كأكثر الحنفية، والآمدي، وغيره (١). ولا يلزم المستدل نفي ما هو أولى منه، فإن أبدى المعترض وصفا آخر ترجح جانب المستدل بالتعدية، وإن كان متعديًّا إلى الفرع ضر عند مانع علتين، أو إلى فرع آخر طلب الترجيح. والطرد: مقارنة الحكم للوصف بلا مناسبة. وليس وحده دليلا عند الأربعة وغيرهم، وقيل: بلى، وجوَّزه الكَرْخي جدلًا لا عملًا أو فتوى، وقال الرازي وغيره: إن قارنه فيما عدا صورة النزاع أفاد. وقيل: تكفي مقارنته في صورة (٢). قال الشيخ وغيره: تنقسم العلة العقلية والشرعية إلى ما تؤثر في معلولها، كوجود علة الأصل في الفرع، وإلى ما يؤثر فيها معلولها، كالدوران (٣). فوائد: الأولى: المناط متعلق الحكم سبق تنقيحه في الإيماء، وتخريجه في المناسبة، وتحقيقه: إثبات العلة في آحاد صورها. فإن علمت العلة بنص كجهة القبلة مناط وجوب استقبالها ومعرفتها عند الاشتباه مظنون، أو إجماع كالعدالة مناط قبول الشهادة، ومظنونة في الشخص المُعيَّن، وكالمثل في جزاء الصيد (٤).

стр. 297

احتج به الأكثر، وقيل: لا يقبل منه إلا قسمان، وزاد أبو هاشم ثالثًا (١). الثانية: مدار الحكم: موجبه أو متعلقه، ولازم الحكم: ما لا يثبت الحكم مع عدمه، وملزوم الحكم: ما يستلزم وجوده وجود الحكم. الثالثة: القياس جلي، وهو ما قطع فيه بنفي الفارق، كالأمة على العبد في السراية، أو علته منصوصة، أو مجمع عليها، وخفي، كالمثقَّل على المحدَّد (٢). وباعتبار علته: قياس علة، بأن صرح فيه بها، وقياس دلالة، بأن جمع فيه بما يلازم العلة، أو جمع بأحد موجبي العلة في الأصل لملازمة الآخر، وقياس في معني الأصل، بأن جمع بنفي الفارق، كالأمة في العتق (٣). فصل الأربعة، وغيرهم: يجوز التعبد به عقلًا، وقيل: لا، فقيل: لعدم معرفة الحكم منه، وقيل: لوجوب الحكم المتضاد، وقيل: لأنه أدون البيانين مع القدرة على أعلاهما (٤). وأوجبه القاضي، وأبو الخَطَّاب، والقَفَّال، وجمع (٥). فعلى الجواز: وقع شرعًا عندنا وعند المعظم، ومنعه داود، وبعض أصحابنا، وجمع، وعن أحمد مثله، فأثبتها أبو الخطاب، وحملها القاضي، وابن عقيل على قياس خالف

стр. 298

نصًّا، وابن رجب (١) على من لم يبحث عن الدليل، أو لم يحصِّل شروطه. فعليه: قيل: منع الشرع منه، وقيل: لم يأت دليل بجوازه. وعلى الأول: وقوعه بدليل السمع، لا العقل عند أكثر أصحابنا، والأكثر قطعي، لاظني في الأصح. وهو حجة في الأمور الدنيوية اتفاقًا. وفي غيرها أيضًا عند أكثر القائل به، ومنع الباقلاني في قياس العكس، وابن عبدان ما لم يضطر إليه، وقومٌ في أصول العبادات، وجمعٌ: الجزئي الحاجي إذا لم يرد نص على وفقه، وأبو حنيفة، وأصحابه: في حدٍّ، وكفارة، وبدل، ورُخَص، ومُقدَّرٍ، مع تقدير هم الجمعة بأربعة، وخرق الخف بثلاث أصابع قياسًا. وجمعٌ: في سبب وشرط ومانع. وفي المغني: لا يجري في المظان، وإنما يتعدى الحكم بتعدي سببه. وطائفة: في العقليات. وقال الطوفي: فيه قياس قطعي بحسب مطلوبه. وقوم: في العادات والحقائق. فصل أصحابنا، والأكثر، وأشار إليه أحمد: النص على علة حكم الأصل يكفي في التعدي (٢).

стр. 299

وأبو الخطاب، والموفق، وأكثر الشافعية، والسرخسي، والآمدي: إن ورد التعبد بالقياس كفى، وإلا فلا (١). والبَصْري: يكفي في علة التحريم، لا غيرها (٢). قال الشيخ: هو قياس مذهبنا. وسمى ابنُ عَقِيل المنصوصةَ استدلالًا، وقال: مذهبنا ليس بقياس. وقاله بعضُ الفقهاء (٣). و الحكم المتعدي إلى الفرع بعلة منصوصة مراد بالنص ، كعلة مجتهد فيها فرعها مراد بالاجتهاد، وقيل: لا (٤). ويجوز ثبوت كل الأحكام كلها بنص من الشارع، لا بالقياس عند أصحابنا، والأكثر (٥). فائدتان: الأولى: معرفته فرض كفاية، ويكون فرض عين على بعض المجتهدين، وهو من الدين، خلافًا للقاضي، وأبي الهذيل. وقال الجبائي: الواجب منه. الثانية: النفي: أصلي، يجري فيه قياس الدلالة، فيؤكد به الاستصحاب (٦)، وطارئ، كبراءة الذمة، يجري فيه هو وقياس العلة.

стр. 300

فصل القوادح ترجع إلى المنع في المقدمات، أو المعارضة في الحكم عند المعظم، وقيل: إلى المنع وحده. ومقدِّمها الاستفسار: وهو طلب معنى لفظ المستدل لإجماله أو غرابته، وبيانهما على المعترض في الأصح باحتماله أو بجهة الغرابة بطريقة، ولا يلزمه بيان تساوي الاحتمالات، ولو قال: الأصل عدم مرجِّح صح، وقيل: لا (١). وجواب المستدل بمنع احتماله، أو بيان ظهوره في مقصوده بنقل أو عرف أو قرينة أو تفسيره إن تعذر إبطال غرابته، ولو قال: يلزم ظهورُه في أحدهما دفعًا للإجمال، أو فيما قصد به لعدم ظهوره في الآخر اتفاقًا كفى في الأصح؛ بناءً على أن المجاز أولى، ولا يُعتدُّ بتفسيره بما لايحتمله لغة (٢). فساد الاعتبار: مخالفة القياس نصًّا أو إجماعًا، وجوابه بضعفه، أو منع ظهوره، أو تأويله، أو القول بموجبه، أو معارضته بمثله (٣). وهو أعم من فساد الوضع، وفسره ابن المَنِّي بتوجيه المنازعة في دلالة القياس. فساد الوضع: بأن يكون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم، كقول شافعي في مسح الرأس: مسحٌ؛ فسُنَّ تكراره، كالاستجمار، فيعترض بكراهة تكرار مسح الخف (٤).

стр. 301

ومنه أن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم، كتلقي التخفيف من التغليظ، كقول حنفي: القتل جناية عظيمة؛ فلا تجب فيه الكفارة، كبقية الكبائر، فجناية عظيمة تناسب التغليظ. أو التوسيع من التضييق، كقوله في الزكاة: مال وجب إرفاقًا لدفع الحاجة؛ فكان على التراخي، كالدية على العاقلة، فدفع الحاجة يقتضي الفور. أو الإثبات من النفي، كالمعاطاة في اليسير بيع لم يوجد فيه سوى الرضا؛ فوجب أن يَبْطُل كغيره، فالرضا يناسب الانعقاد. وجوابهما بتقرير كونهما كذلك، وفسره ابن المنِّي، والفخر بجعله القياس دليلا على منكره فيمنعه. منع حكم الأصل: يسمع في الأصح، فلا ينقطع بمجرده عند أصحابنا، والأكثر، فيدل عليه كمنع العلة أو وجودها، وقيل: بلى، واختاره الأستاذ مع ظهور المنع، واختار الغزالي اتباع عرف المكان (١). وفي الواضح: إن اعترض على حكم الأصل بأني لا أعرف مذهبي فيه؛ فإن أمكن المستدل بيانه، وإلا دل على إثباته (٢). ثم الأصح لا ينقطع المعترض بدلالة المستدل، فله الاعتراض، وليس بخارج عن المقصود (٣)؛ فيتوجه له سبع مُنُوع مترتبة. قال أصحابنا، والشافعية، وغيرهم: للمستدل أن يستدل بدليل عنده

стр. 302

فقط، كمفهوم وقياس، فإن منعه خصمه دل عليه ولم ينقطع، خلافًا لأبي علي إن كان الأصل خفيًّا، وأطلق قوم المنع (١). وليس للمعترض أن يلزمه ما يعتقده هو، ولا أن يقول: إن سلمت وإلا دلَّلتُ عليه، خلافًا للكِيَا، وقال الشيخ: لم ينقطع واحد منهما (٢). التقسيم: احتمال لفظ المستدل لأمرين فأكثر على السواء، بعضها ممنوع، وهو وارد عندنا، وعند الأكثر. وبيانه على المعترض كالصحيح في الحضر وجد السبب بتعذر الماء فجاز التيمم، فيقول: السبب تعذره مطلقًا، أو في سفر أو مرضٍ، الأول ممنوع، فهو منع بعد تقسيم، وجوابه كالاستفسار (٣). منع وجود المدّعى علة في الأصل، كالكلب حيوان يغسل من ولوغه سبعًا؛ فلا يطهر بدبغ كخنزير؛ فيُمنع، وجوابه ببيانه بدليل من عقل أو حس أو شرع بحسب حال الوصف، وله تفسير لفظه بمحتمل (٤). منع كونه علة أعظم الأسئلة، ويقبل عندنا، وعند الأكثر، وجوابه ببيانه بأحد مسالك العلة (٥). عدم التأثير بأن الوصف لا مناسبة له لا يؤثر في قياس الدلالة في الأصح. وفي الانتصار: لا يرد على قياس نافٍ للحكم (٦).

стр. 303

وقُسِّم أربعة أقسام: عدم التأثير في الوصف كصلاة لا تُقْصَر؛ فلا يُقدَّم أذانُها على وقتها، كالمغرب، فعدم القصر هنا طردي؛ فيرجع إلى سؤال المطالبة (١). وعدمه في الأصل، كمبيع غير مرئي؛ فبطل، كالطير في الهواء، فالعجز عن التسليم مستقل، وهو مبني على تعليل الحكم بعلتين، ولم يقبله الفخر، وقبله المُوَفَّق وغيره، وهو معارضة في الأصل (٢). وعدمه في الحكم، وهو أنواع: أن لا يكون لذكره فائدة، كالمرتد مشرك أتلف مالًا في دار حرب؛ فلا ضمان، كحربي، فدار الحرب طردي؛ إذ من أوجب الضمان أو نفاه أطلق. أو له فائدة ضرورية، كقول معتبر: عدد الأحجار في الاستجمار عبادة متعلقة بالأحجار، لم تتقدمها معصية فاعتبر فيها العدد كالجمار، فقوله: لم تتقدمها معصية لا أثر له، لكنه مضطر إلى ذكره لئلا ينتقض بالرجم. أو غير ضرورية، كالجمعة صلاة مفروضة؛ فلم تفتقر إلى إذن كغيرها، فمفروضة حشو؛ إذ لو حذف لم ينتقض شيء، وقيل: لا للتنبيه على أن غير المفروض أولى أن لا يفتقر. الرابع: عدمه في الفرع، كزوجت نفسها فلا يصح، كما لو زُوِّجَتْ بغير كفء، وهو كالثاني (٣)، وقيل: كالثالث.

стр. 304

وهذا مبني على جواز الفرض في بعض صور المسألة، من جوَّزه رده، ومن منعه قبله، فالجواز للموفق، والمجد، والأكثر، والجواز بشرط بناء ما خرج عن محل الفرض عليه لقوم، والمنع لابن فُورَك، والمنع إن كان الوصف طردًا لابن الحاجب. فعلى الجواز: يكفي قوله: ثبت الحكم في بعض الصور؛ فلزم ثبوته في الباقي، وقيل: لا؛ فلابد من ردِّ ما خرج عن محل الفرض إليه بجامع، وقيل: إن كان الفرض في صورة السؤال لم يحتج إليه، وإلا احتيج. واختار الفخر جواز الفرض من غير بناء، ومطابقة الجواب السؤال، ويجوز أعم (١). وعندنا وعند الأكثر: إن أتى بما لا أثر له في الأصل لدفع النقض لم يجز، وقيل: بلى، وقيل: إن صححت العلة بالطرد. وفي التمهيد ما يقتضي منع الإتيان به تأكيدًا (٢). وقال ابن عَقِيل: له ذكره تأكيدًا، أو لتأكيد العلة، فيتأكد الحكم، وللبيان، ولتقريبه من الأصل. وقال: إن جعل الوصف مخصِّصا لحكم العلة لم يصح في الأصح (٣). فائدة: الفرض: أن يسأل عامًّا فيجيب خاصًّا، أو يفتي عامًّا ويدل خاصًّا، وقيل: تخصيص بعض صور النزاع بالدليل. والتقدير: إعطاء الموجود حكم المعدوم، وعكسه.

стр. 305

ومحل النزاع: الحكم المفتى به في المسألة المختلف فيها. القدح في مناسبة الوصف بما يلزم من مفسدة راجحة أو مساوية، وجوابه بالترجيح (١). والقدح في إفضاء الحكم إلى المقصود، كتعليل حرمة المصاهرة أبدًا بالحاجة إلى رفع الحجاب، فإذا تأَبَّد انسد باب الطمع، فيقال: سده يفضي إلى الفجور، وجوابه: أن التأبيد يمنع عادة، فيصير طبيعيًّا كرحم محرم (٢). كون الوصف خفيًّا، كتعليله صحة النكاح بالرضا، فيقال: خفي، والخفيُّ لا يُعرِّف الخفيَّ، وجوابه ضبطه بما يدل عليه من صيغة، كإيجاب وقبول، أو فعل (٣). كونه غير منضبط، كتعليله بالحِكَم والمقاصد، كرخص السفر بالمشقة، فيعترض باختلافها بالأشخاص والأزمان والأحوال، وجوابه بأنه منضبط بنفسه، أو بضابط للحكمة (٤). النقض: سبق، كالحُلِيِّ مال غير نام؛ فلا زكاة فيه، كثياب البذلة، فيعترض بالحُلِيِّ المحرَّم (٥). وجوابه: منع وجود العلة في صورة النقض، أو منع الحكم فيها، وليس للمعترض الدلالة على وجود العلة فيها، قاله الموفق، والطوفي. وقاله القاضي، وأبو الطيب، إلا أن يبيِّن مذهب المانع، وقيل: بلى، واختاره الآمدي إن تعذر الاعتراض بغيره،

стр. 306

واختاره بعضهم إن لم يكن طريق أولى بالقدح، ومنعه بعضهم في الحكم الشرعي (١). قال أهل الجدل، وقوم: لو دل المستدل على وجود العلة بدليل موجود في صورة النقض فقال المعترض: ينتقض دليلك؛ فقد انتقل من نقض العلة إلى نقض دليلها، فلا يقبل. وفي الروضة: انتقل، ويكفي المستدل دليل يليق بأصله (٢). ولو قال المعترض ابتداءً: "يلزمك انتقاض علتك أو دليلها" قُبِلَ (٣). ولو منع المستدل تخلف الحكم في صورة النقض؛ ففي تمكين المعترض من الدلالة الخلاف في تمكينه ليدل على وجود العلة فيها (٤). وقال ابن بَرْهان: إن منع الحكم انقطع الناقض، وإن منع الوصف فلا. وحكي عن أبي الخَطَّاب، وابن عَقِيل (٥). ويكفي المستدل: لا أعرف الرواية فيها عند الأصحاب، وقيل: لا (٦). وفي التمهيد: إن قال: أنا أحملها على مقتضى القياس وأقول فيها كمسألة الخلاف، فإن كان إمامُه يرى تخصيص العلة لم يجز، وإلا الأظهر المنع أيضًا (٧). وفي الواضح: ليس له إلا أن ينقل عنه أنه علل بها فيجريها.

стр. 307

وإن فسر المستدل لفظه بما يدفع النقض بخلاف ظاهره، كتفسير عامٍّ بخاصٍّ لم يقبل في الأصح (١). ولو أجاب بالتسوية بين الأصل والفرع لدفع النقض قُبِلَ عند أكثر أصحابنا، والحنفية. وخالف ابن عَقِيل، والشافعية. وأجازه أبو الخَطَّاب إن جاز تخصيص العلة (٢). ولا يُلْزَمُ المستدِّل بما لا يقول به المعترض، كمفهوم، وقياس، وقول صحابي إلا النقض والكسر على قول من التزمهما، قاله أصحابنا، والشافعية، وغيرهم. وجوَّز بعضهم معارضته بعلة منتقضة على أصل المعترض، وقاله الشيخ إن قصد إبطال دليل المستدل، لا إثبات مذهبه. وقال ابن عَقِيل: إن احتج بما لا يراه، كحنفي لخبر واحد فيما تعم به البلوى، فقال: أنت لا تقول به، أجاب: أنت تقول به فيلزمك، فهذا قد استمر عليه أكثر الفقهاء، وعندي لا يحسن (٣). وإن نقض أحدهما علة الآخر بأصل نفسه لم يجز عند أصحابنا، والشافعية، وقيل: بلى. وقال الشيخ: هو كقياسه على أصل نفسه (٤). ولو زاد المستدل وصفًا معهودًا معروفًا في العلة لم يجز، ذكره أبو الخطاب، وابن عقيل، وقيل: بلى (٥).

стр. 308

ولا يُقْبَلُ النقض بمنسوخ، ولا بخاصٍّ بالنبي ﷺ في الأصح، ولا برخصة ثابتة على خلاف مقتضى الدليل، ولا بموضع استحسان عند أصحابنا، والشافعية. وعند الشيخ: تنتقض المستنبطة إن لم يبين مانعًا (١). ويجب احتراز المستدل في دليله عن النقض عند ابن عَقِيل، والمُوَفَّق، والطُّوفي، والفخر، وذكره عن معظم الجدليين. وقيل: إلا في المستثنيات. واختار ابن الحاجب وغيره: لا (٢). وإن احترز عن النقض بشرط ذكره في الحكم فالأصح يصح، اختاره أبو الخَطَّاب، وقال: إن احترز بحذف الحكم لم يصح (٣). الكسر: نقض المعنى، وسبق. وهو كالنقض (٤). المعارضة في الأصل، بمعنى آخر مستقل، كمعارضة علة الطُّعْم بالكيل، أو القوت، أو غير مستقل، كمعارضة القتل العمد العدوان بوصف الجارح، فالثاني مقبول عندنا، وعند الأكثر، وخالف قوم (٥). ولا يلزم المعترض بيان نفي وصف المعارضة عن الفرع، وقيل: بلى، واختاره الآمدي إن قصد الفرق، وإلا فلا، وقيل: إن صرح بنفيه لزمه (٦).

стр. 309

ولا يحتاج وصف المعارضة إلى أصل عند أصحابنا، والأكثر (١). وجوابها بمنع وجود الوصف أو الطالبة بتأثيره إن كان مثبتًا بمناسبة أو بشَبَه، لا بسبر، أو بخفائه، أو ليس منضبطًا، أو منع ظهوره، أو انضباطه، أو بيان أنه عدم معارض في الفرع، أو ملغي، أو أن ما عداه مستقل في صورة بظاهر نص أو إجماع (٢). واكتفى الموفَّق وغيره في استقلاله بإثبات الحكم في صورة دونه، وقيل: لا، قطع به ابن الحاجب وغيره (٣). فلو أبدى وصفًا آخر يقوم مقام ما ألغاه المستدل بثبوت الحكم دونه فسد الإلغاء، ويسمى تعدد الوضع لتعدد أصليهما. وجواب إفساد الإلغاءِ الإلغاءُ إلى أن يقف أحدهما (٤). ولا يفيد الإلغاء لضعف المظنة بعد تسليمها (٥). ولا يكفي المستدل رجحان وصفة، خلافًا للآمدي (٦). أما إن اتفقا على كون الحكم معللا بأحدهما قدم الراجح، ولا يكفيه كونه متعديًّا (٧).

стр. 310

ويجوز تعدد أصول المستدل في الأصح؛ فيجوز اقتصار المعارضة على أصل واحد، وقيل: لا، وجزم به الواضح؛ فيجب اتحاد المعارض في الجميع، وقيل: لا؛ فللمستدل الاقتصار في جوابه على أصل واحد، وقيل: لا (١). التركيب: سبق، كالبالغة أنثى، فلا تزوج نفسها، كبنت خمس عشرة، فالخصم يعتقد لصغرها، وهو صحيح في الأصح (٢). وقال الفخر: يرجع إلى منع الحكم في الأصل أو العلة، ثم هو غير صحيح (٣). التعدية: معارضة وصف المستدل بوصف آخر متعدٍ، كقوله في بكر بالغ: بكر فأجبرت، كبكر صغيرة، فيعترض بالصغر، وتعدِّيه إلى ثيِّب صغيرة. ويرجع إلى المعارضة في الأصل. وقال الآمدي: لا يخرج عنها، ولا أثر لزيادة التسوية في التعدية، خلافا للدَارَكي (٤) (٥). منع وجود وصف المستدل في الفرع، كأمانِ عبدٍ أمانٌ صدر من أهله كالمأذون، فيمنع الأهلية، فيجيبه بوجود ما عناه بالأهلية في الفرع، كجواب منعه في الأصل، والأصح منع المعترض من تقرير نفي الوصف عن الفرع (٦).

стр. 311

المعارضة في الفرع بما يقتضى نقيضَ حكم المستدل بأحد طرق العلة يُقْبَلُ عندنا، وعند الأكثر. وجواب المستدل بما يعترض به المعترض ابتداءً، ويُقْبَلُ الترجيح بوجه ترجيح عند أصحابنا، وغيرهم؛ فيتعين العمل به، وهو المقصود، ولا يلزم المستدل الإيماءُ إلى الترجيح في دليله، خلافًا لقوم فيهما (١). الفرق: راجع إلى المعارضة في الأصل أو الفرع، وقيل: بل إليهما معًا؛ فلهذا لا يقبل، وقيل: بلى، فهما سؤالان جاز الجمع بينهما. وقيل: واحد. وقال ابن عَقِيل: يحتاج الفرق القادح في الجمع إلى دلالة وأصل، كالجمع، وإلا فدعوى بلا دليل، خلافا لقوم، وإن أحب إسقاطه عنه طالب المستدل بصحة الجمع (٢). اختلاف الضابط في الأصل والفرع، كتسبَّبوا بالشهادة، فوجب القَوَد، كالمكره فيقال (٣): ضابط الفرعِ الشهادةُ، والأصلِ الإكراهُ، فلا يتحقق تساويهما، وجوابه بيان أن الجامع التسبب المشترك بينهما، وهو مضبوط عرفًا، أو بأن إفضاءه في الفرع مثله أو أرجح (٤).

стр. 312

ومنه: أولج في فرجٍ مشتهًى طبعًا محرَّمٍ شرعًا فحُدَّ كزانٍ، فيقال: حكمة الفرع الصيانة عن رذيلة اللواط، وحكمة الأصل دفع محذور اشتباه الأنساب، وقد يتفاوتان في نظر الشرع، وحاصله: معارضة في الأصل، وجوابه بحذفه عن الاعتبار (١). مخالفة حكم الفرع لحكم الأصل، وجوابه: ببيان اتحاد الحكم عينًا، كصحة البيع على النكاح، والاختلاف عائد إلى المحل، واختلافه شرط فيه، أو جنسًا، كقطع الأيدي باليد، كالأنفس بالنفس (٢). وتعتبر مماثلة التعدية، ذكره القاضي، والموفق، وغيرهما. واختار أبو الخطاب، والحنفية: لا، وحكي عن القاضي (٣). وإن اختلف الحكم جنسًا ونوعًا، كوجوب على تحريم، ونفي على إثبات، وبالعكس فباطل (٤). القلب: تعليق نقيض الحكم أو لازمه على العلة إلحاقًا بالأصل، فهو نوع معارضة عند أصحابنا، وبعض الشافعية، وحكي عن الأكثر. وقيل: إفساد، وقيل: تسليم للصحة، اختاره الآمدي وغيره (٥). فمنه: قلب لتصحيح مذهبه، مع إبطال مذهب المستدل صريحًا، كبيع فضولي عقد في حق الغير بلا ولاية؛ فلا يصح كالشراء، فيقال: عقد؛ فيصح كالشراء.

стр. 313

أو غيره، كالاعتكاف لبث محض، فلا يكون قربة بنفسه، كالوقوف بعرفة، فيقال: فلا يعتبر فيه الصوم، كالوقوف. وقلب لإبطال مذهب المستدل فقط صريحًا، كالرأس (١) ممسوح، فلا يجب استيعابُه كالخف، فيقال: فلا يتقدَّر بالربع كالخف. أو لزومًا، كبيع غائب عقد معاوضة، فيصح مع جهل المعوَّض كالنكاح، فيقال: فلا يعتبر فيه خيار رؤية (٢)، كالنكاح، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم. وقلب المساواة، خلافًا للبَاقِلَّاني، والسَّمْعاني، كالخل مائع طاهر (٣) مزيل كالماء، فيقال: يستوي فيه الحدث والخبث كالماء. ومنه: قول أبي الخطاب، والشيخ، وغيرهما: يصح جعل المعلول علة، وعكسه، كمن صح طلاقُه صح ظهارُه، وعكسه، فالسابق علة الآخر لا يفسد العلة عند أصحابنا، وأكثر الشافعية. وخالف الحنفية، وغيرهم. وزِيدَ قلب الدعوى مع إضمار الدليل فيها، ككل موجود مرئي، فيقال: كل ما ليس في جهة ليس مرئيًّا، فدليل الرؤية الوجود، وكونه لا في جهة دليل منعها، أو مع عدمه، كشكر المنعم واجب لذاته، فيقلبه (٤).

стр. 314

وقلب الاستبعاد، كالإلحاق تحكيم الولد فيه تحكم بلا دليل، فيقال: تحكيم القائف تحكم بلا دليل (١). وقلب الدليل على وجه يكون ما ذكره المستدل يدل عليه لا له، كـ "الخال وارث من لا وارث له" (٢)، فيقال: يدل على أنه لا يرث بطريق أبلغ؛ لأنه نفي عام، مثل: الجوع (٣) زاد من لا زاد له (٤)، وفيه نظر. القول بالموجَب (٥): تسليم مقتضى الدليل مع بقاء النزاع. وهو ثلاثة أنواع:

стр. 315

الأول: أن يستنتج المستدل ما يتوهمه محل النزاع، أو لازمه، كالقتل بالمثقَّل قتل بما يقتل غالبًا، فلا ينافي القود كالمُحدَّد، فيقال: عدم المنافاة ليس محل النزاع ولا لازمه (١). الثاني: أن يستنتج إبطال ما يتوهمه مأخذ الخصم، كالتفاوت في الوسيلة لا يمنع القود، كالمتوسَّل إليه، فيقال: لا يلزم من إبطال مانع عدم كل مانع ووجود الشروط والمقتضي، ويصدق المعترض في قوله: ليس هذا مأخذي، وقيل: لا، وأجازه جمع من أصحابنا، منهم الفخر، وقال: فإن أبطله المستدل، وإلا انقطع (٢). الثالث: أن يسكت في دليله عن صغرى قياسه، وليست مشهورة، كـ "كل قُربة شرطها النية"، ويسكت عن "والوضوء قربة"، فيقول المعترض: أقول بموجبه، ولا ينتج، ولو ذكرها لم يرد إلا منعها (٣). وجواب الأول: بأنه محل النزاع أو لازمه، والثاني: أنه المأخذ لشهرته، والثالث: بجواز الحذف، ويجاب في الجميع بقرينة أو عهد، ونحوه (٤). وفي الإثبات، كالخيل حيوان يسابق عليه ففيه الزكاة، كالإبل، فيقال بموجبه في زكاة التجارة، فيجاب بلام العهد، والسؤال عن زكاة السوم لا يصح عند أبي الخطاب، وابن عقيل. وصححه الموفق وغيره (٥).

стр. 316

فائدة: ترد الأسئلة على قياس الدلالة، إلا ما تعلق بمناسبة الجامع، وكذا قياس في معنى الأصل، ولا يرد عليه ما تعلق بنفس الجامع (١). خاتمة تتعدد الاعتراضات من جنس اتفاقًا، وكذا من أجناس، إلا عند أهل سمرقند، ومنع الأكثر المرتَّبة، ويكفي جواب آخرها، قاله القاضي، وجمع. وجوَّزه الأستاذ، والفخر، والآمدي، وابن الحاجب، فيقدَّم الاستفسار، ثم فساد الاعتبار، ثم الوضع، ثم ما تعلق بالأصل، ثم العلة، ثم الفرع، ويقدَّم النقض على المعارضة (٢). وأوجب ابن المَنِّي، والفخر ترتيب الأسئلة، فاختارا فساد الوضع، ثم الاعتبار، ثم الاستفسار، ثم المنع، ثم المطالبة، وهو منع العلة في الأصل، ثم الفرق، ثم النقض، ثم القول بالموجَب، ثم القلب، ورَدَّا التقسيمَ إلى الاستفسار، أو الفرق (٣). وعن ابن عَقِيل، وابن البَنَّا، وابن المَنِّي، وأكثر الجدليين: لا يطالبه بطرد دليل، إلا بعد تسليم ما ادعاه من دلالته، فلا ينقضه حتى يسلمه، فلا يقبل المنع إلا بعد التسليم (٤). وعن ابن عقيل: الجواب إذا زاد أو نقص لم يطابق، ويجيب قوم بمثله ويعدونه جوابًا، ولو سئل عن المذهب فذكر دليله فليس بجواب محقق، كما لا يخلط السؤال عن المذهب بالسؤال عن دليله، والصحيح خلاف هذا، وعليه الأكثر (٥).

стр. 317

فائدة: الجدل: فتل الخصم عن قصده لطلب صحة قوله وإبطال غيره. وهو مأمور به على وجه الإنصاف وإظهار الحق، دلَّ عليه القرآن، وفعله الصحابة والسلف، وحكي إجماعًا. قال البربهاري: الستر شد كلِّمْه وأَرْشِدْه، والمناظر احذروه؛ فإن في المناظرة المراء والجدال والغلبة والخصومة والغضب، وهو يزيل عن طريق الحق. ولم يبلغنا عن أحد من علمائنا أنه فعله، وفيه غلق باب الفائدة، والمجالسة للمناصحة فتح باب الفائدة (١). وقال بعض المحققين: إذا كانت مجالس النظر مشحونة بالمحاباة لأرباب المناصب تقرُّبًا، وللعوام تخوُّنًا، وللنظراء تعمُّلًا وتجملًا، ثم إذا لاح دليل خونتم اللائح وأطفأتم مصباح الحق الواضح، هذا واللَّه الإياس من الخير، مصيبة عمت العقلاء في أديانهم، ما ذاك إلا أنهم لم يَشَمُّوا رائحة اليقين (٢). وفي الواضح: لولا ما يلزم من إنكار الباطل، واستنقاذ الهالك بالاجتهاد في ردِّه عن ضلالته لما حسنت المجادلة للإيحاش فيها غالبًا، ولكن فيها أعظم النفعة إذا قصد بها نصرة الحق أو التَقَوِّي على الاجتهاد، ونعوذ باللَّه من قصد المغالبة، وبيان الفراهة (٣). وقال ابن الجوزي: طلب الرئاسة والتقدم بالعلم يهلك (٤).

стр. 318

وقال ابن هُبَيْرة: الجدل الذي يقع بين أرباب المذاهب أوفق ما يحمل الأمر فيه بأن يخرج مخرج الإعادة والدرس، فأما اجتماع جمع متجادلين في مسألة مع أن كلا منهم لا يطمع أن يرجع إن ظهرت حجة، ولا فيه مؤانسة ومودة وتوطئة القلوب لوعي حق، بل هو على الضد فمحدث مذموم (١). انتهى. فلو بان له سوء قصد خصمه توجه تحريم مجادلته (٢). وقال قوم: يجوز أن يطلب المذهب، لا وضع مذهب، ويطلب له دليلا (٣). قال ابن عَقِيل: ويبدأ كل منهما بحمد اللَّه والثناء عليه، قال: وللسائل إلجاؤه إلى الجواب، فيجيب أو يبين عجزه، وليس له الجواب تعريضًا لمن أفصح به، وعليه أن يجيبه فيما بينه وبينه فيه خلاف لتظهر حجته، والكلام في هذا الشأن إنما يُعوَّل فيه على الحجة لتظهر، والشبهة لتبطل، وإلا فهدر، وهو الذي رفعت بشؤمه ليلة القدر، وإليه انصرف النهي عن "قيل وقال" (٤). وللسائل أن يقول: لم ذاك؟ فإن قال: لأنه لا فرق، قال: دعواك لعدم الفرق كدعواك للجمع ونخالفك فيهما، فإن قال: لا أجد فرقًا، قال: ليس كل ما لم تجده يكون باطلا (٥). وقال الفخر، والجوزي: يشترط الانتماء إلى مذهب ذي مذهب للضبط. زاد الفخر: وإن كان الأليق بحاله التجرد عن المذاهب، وأن لا يسأل عن أمر جليٍّ فيكون معاندًا،

стр. 319

قال: ويكره اصطلاحًا تأخير الجواب عن السؤال كثيرًا، وقيل: ينقطع. ويعزو الحديث إلى أهله (١). ويعرف انقطاع السائل بعجزه عن بيان السؤال، وطلب الدليل، وطلب وجه الدليل، وطعنه في دليل المستدل ومعارضته، وانتقاله إلى دليل آخر، أو مسألة أخرى قبل تمام الأول. قال أبو الخطاب: ومن الانتقال ما ليس انقطاعًا، كمن سئل عن رد اليمين فبناه على الحكم بالنكول، أو عن قضاء صوم نفل فبناه على لزوم إتمامه (٢). وإن طالبه السائل بدليل على ما سأله فانقطاع منه لبناء بعض الأصول على بعض، وليس لكلها دليل يخصه (٣). وانقطاع المسئول بعجزه عن الجواب، وإقامة الدليل، وتقوية وجه الدليل، ودفع اعتراضه (٤). وانقطاعهما بجحد ما عرف من مذهبه، أو ثبت بنص أو إجماع، وليس مذهبه خلاف النص، وعجزه عن تمام ما شرع فيه، وخط كلامه على وجه لا يفهم، وسكوته سكوت حيرة بلا عذر، وتشاغله بما لا يتعلق بالنظر، وغضبه أو قيامه في غير مكانه، وسفهه على خصمه (٥). وظهر من ذلك القطع بالشغب بالإيهام بلا شبهة، وقاله ابن عَقِيل وغيره، وقال: إن تمادى أعرض عنه، وهو الأولى بذي الرأي والعقل، ولاسيما إن أوهم الحاضرين

стр. 320

أنه سالك طريق الحجة، وبالاستفسار عما لا يستفهم عن مثله (١). وفي الفصول: لا ينبغي أن يصيح على الخصم في غير موضعه (٢). وفي الواضح: احذر الكلام في مجالس الخوف، والتي لا إنصاف فيها، وكلام من تخافه أو تبغضه أو لا يفهم عنك، واستصغار الخصم، ولا ينبغي كلام من عادته ظلم خصمه، والهزء والتشفي لعداوته، والمترصد للمساوئ والتحريف والتزيد والبهت. وكل جدل وقع فيه ظلم الخصم اختل فينبغي أن يحترز منه. عليك بالصبر والحلم، ولا تنقص بالحلم إلا عند جاهل، ولا بالصبر على شغب المسائل إلا عند غبي، وترتفع في نفوس العلماء، وتنبل عند أهل الجدل. ومن خاض في الشغب تعوده، ومن تعوده حرم الإصابة، واستروح إليه، ومن عُرِفَ به سقط سقوط الذرَّة. ومن عرف لرئيس فضله، وغفر زلة نظير، ورفع نفسه عن دنيٍّ سلم من الغضب، وفاز بالظفر. ولا رأي لغضبان، ومع هذا فلا يسلم أحد من الانقطاع إلا من عصمه اللَّه (٣). وليس حد العالم كونه حاذقًا بالجدل فإنه صناعة، والعلم صناعة، وهو مادة الجدل، والمجادل يحتاج إلى العالم، ولا عكس، وينبغي أن يحترز في كل جدل من حيلة الخصم (٤). وأدب الجدل يزين صاحبه وتركه يشينه، ولا ينبغي أن ينظر لما اتفق لبعض من تركه من الحظوة في الدنيا، فإنه إن كان رفيعًا عند الجهال فهو ساقط عند ذوي الألباب (٥).
следующие страницы →