← Сияса и кади

Сияса и кади · id 16985

وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في كل عصر

صالح السدلان

Полный текст (339 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومن الرخص والتيسيرات في باب العبادات أيضًا: قصر الصلاة الرباعية في السفر. قال -تعالى-: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ (١). وروى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) (٢). وروى مسلم في صحيحه: عن ابن عباس ﵄ قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة) (٣). وسواء أمن الخوف من العدو أو لم يأمن، فقد روى مسلم عن يعلى ابن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس فقال: عجبت مما عجبت منه؛ فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته" (٤). وسواء أطالت المدة أم قصرت، فقد روى أبو داود في سننه عن جابر ﵄ قال: (أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة) (٥).

стр. 107

وكما شرع الإِسلام هذه التسهيلات في الصلاة الرباعية رفقاً بالمسافر وتخفيفاً عنه من العناء الذي تفرضه طبيعة السفر شرع رفقاً آخر لا يقل عما تقدمه، ذلك هو ما رخص به من الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير، ليرفع بهذه الرخصة ما قد يدخل عليه من المشقة، فقد روى مسلم في صحيحه عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعًا) (١). وروى مسلم أيضًا عن أنس ﵁ كان النبي ﷺ : "إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق" (٢). ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن الإِسلام لم يكد يترك مرحلة من المراحل التي تمر بها هذه العبادة إلَّا وقد حباها بنوع من السهولة واليسر. وصورة أخرى من صور اليسر والسهولة والسماحة ورفع الحرج والمشقة وهي أن الإِسلام راعى ما يعرض للإِنسان من ظروف وملابسات تجعل قيامه بالتكاليف الشرعية - مع يسرها وسهولتها -شاقاً وصعباً عليه كالمرض ونحوه- فشرع له أحكاماً تتناسب وحاله تخفيفاً وتيسيرًا عليه. وقد تقدم أن الإِسلام أباح للمريض الفطر في رمضان حتى يصح. كذلك خفف عنه في هيئة الصلاة وأباح له أن يؤديها حسب طاقته وقدرته.

стр. 108

وقد زار النبي ﷺ بعض أصحابه، وكان مريضًا فرآه يسجد على وسادة، فأخذها منه فرمي بها فقد روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة، فأخذها فرمى بها وأخذ عودًا ليصلي عليه فأخذه ورمى به وقال: "صل على الأرض إن استطعت وإلَّا فأوم إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك" (١). وقد تقدم وصف القرآن للنبي ﷺ في قوله -تعالى-: ﴿... وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ...﴾ الآية. ومن أمثلة ذلك: أن الشرائع السابقة كانت لا تُجَوِّز قربان الصلاة بدون تطهر بالماء مهما كانت الظروف والملابسات واشترطت في إجزائها أن تفعل في أماكنها الخاصة بها ولكن الإِسلام خفف من وطأة تلك الأحكام وراعى جميع الأحوال التي قد يتعرض لها المسلم وتدلنا آية التيمم على أن الله لا يريد أن يعنت الناس ويحملهم على الحرج والمشقة بالتكاليف، وإنما يريد أن يطهرهم ويتم عليهم نعمته حيث جاءت رخصة التيمم للمريض والمسافر. وأسقط فرض الطهارة المائية في الوضوء وغسل الجنابة عن المريض للعجز عن استعمال الماء، أو لضرر سيلحقه في استعماله من جرح أو برد شديد أو مرض يخشى زيادته أو تطاوله ... قال الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا

стр. 109

فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ (١). والحق الذي لا مرية فيه: (أن الرخص في الإِسلام تعتبر دليل عيان يشهد له بأنه دين اليسر والسهولة وأن هذه الرخص تعد قاعدة من قواعد الدين الكبرى وتوجد في جوانب التشريع كله من عقائد وعبادات ومعاملات وأحوال شخصية وقضاء وعقوبات وغير ذلك) (٢). والأمثلة لها أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تذكر: وقد تقدم أمثلة لها في باب العبادات. وإليك صورًا منها في باب المعاملات من ذلك: * إباحة العقود والتصرفات التي يحتاج الناس إليها، مثل: عقد السلم والاستصناع وبيع العرايا والمضاربة والشركة والمزارعة والمساقات والشفعة والقرض والرهن والضمان والكفالة والوكالة وغير ذلك كثير، وكلها تحقق إقامة العدل ومنع المنازعات وعدم الإعتداء على الحقوق المالية ودفع الحرج والعسر عن الناس والترخيص والتسهيل في الأحكام الشرعية. قال الإمام ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (والأصل في العقود كلها إنما هو العدل الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب، قال -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ

стр. 110

وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ...﴾ (١) الآية. والشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم وعن الميسر لما فيه من الظلم أيضًا، والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا، وكلاهما أكل المال بالباطل وما نهى عنه النبي ﷺ من المعاملات كبيع الغرر وبيع التمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين، وبيع المزابنة، والمحاقلة، وبيع الحصاة وبيع المضامين والملاقيح ونحو ذلك هي داخلة إما في الربا، وإما في الميسر ... " (٢). وقال ﵀: "ومن محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد، إتيانها بالشفعة، فإن حكمة الشارع اقتضت دفع الضرر عن المكلفين مهما أمكن، ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب دفع هذا الضرر بالقسمة تارة وبالشفعة تارة ... وكانت من أعظم العدل، وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد" (٣). * ما شرع من السماحة في البيع والشراء والقضاء والإقتضاء والخيار في البيع والشراء، والتنفيس عن المعسر، وإباحة الملكية الفردية وحمايتها ومنع الاحتكار بكل صوره وأشكاله والحث على الهبة والعطية والوصية وإباحة تبادل البر والصلات مع المشركين مع ضمان حرية الدعوة للإِسلام وتحقيق شرع الله في الأرض وإعلاء كلمته بل وأجاز قبول هداياهم ومكافئتهم عليها (٤).

стр. 111

وإليك من النصوص الدالة على ذلك: قال -تعالى-: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ (١). وروى الدارمي في سننه عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة" (٢). وفي السنَّة النبوية أحاديث كثيرة تحث على التسامح في البيع والشراء والقضاء والإقتضاء. روى البخاري في صحيحه عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع لرإذا اشترى وإذا اقتضى" (٣). وبهذا يتبين أن التيسير روح يسري في جسم الشريعة كلها كما تسري العصارة في أغصان الشجرة الحية، وهذا التيسير مبني على رعاية ضعف الإِنسان وكثرة أعبائه وتعدد مشاغله وضغط الحياة ومتطلباتها عليه ... وهذا ما يحسه ويلمسه كل من عرف هذا الدين، فالقرآن ميسر للذكر والعقيدة ميسرة للفهم كما أن الشريعة ميسرة للتنفيذ والتطبيق ليس فيها تكليف واحد يتجاوز طاقة المكلفين" (٤) وهذا ما سنتحدث عنه في المطلب التالي. • • •

стр. 112

المطلب الثالث التكليف بما في الطاقة والوسع وتجنب ما فيه كلفة ومشقة على المكلف إن الحقيقة التي لا يماري فيها إلَّا شاك معاند أو ذو نفس ضعيفة هيمن عليها الكسل وأقعدها الخمول، فلم تتذوق حلاوة العمل بشريعة الإِسلام هي أن: التكاليف الشرعية سهلة ميسورة شرعت كلها لتحقيق مصلحة المكلف وجلب النفع له أو دفع الضر عنه، والسمو به نحو الرفعة والكمال، وتهيئته في الحياة الدنيا للحياة الأخرى ... جاءت منسجمة مع طبيعته وفطرته ومستجيبة لحاجته وقصوره: تضع له المبادئ وتحدد له الحدود وتوجه عقله وسلوكه ليتمكن من أداء وظيفته كاملة شاملة لا يَظْلِمُ ولا يُظْلَمُ ولا يتيه ولا يعثر ولا يضل أو يشقى. ولهذا صرح العلماء بأن أحكام الله معللة بمصالح العباد فالشريعة من حيث هي شريعة جالبة للمصالح، ودارئة للمفاسد، وفي هذا يقول الشاطبي:

стр. 113

(تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها - في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون ضرورية. الثاني: أن تكون حاجية والثالث: أن تكون تحسينية) (١). وقد خيل لبعض المستشرقين ومن على شاكلتهم، ممن يكتبون عن الإِسلام بروح التعصب وعقلية المتحامل - أن الشريعة الإِسلامية شريعة جامدة صارمة لا يتسع صدرها لمسايرة التطور، ومواجهة ما يجد من أحداث الزمان ذلك أن أساسها الوحي، ومصدرها الأول النصوص الدينية التي لا يملك المسلم إزاءها إلَّا السمع والطاعة ومعنى هذا في نظرهم - أن التكاليف الشرعية تمثل قيودًا وأغلالًا في عنق الإِنسان، وترهق كاهله وهو يمثل في ظل التزامه بها عبدًا مسترقًا مسلوب الإرادة والإختيار (٢). والحق أنهم يتكلمون بما لا يعلمون ويهرفون بما لا يعرفون وحملهم على ذلك التحامل والتعصب ومقت الإِسلام وأهله إلى جانب جهلهم بمبادئ الإِسلام وتشريعاته السمحة الندية. وقد رأينا فيما سبق (٣) مدى يسر الإِسلام وسماحته وتجاوبه مع الفطر المستقيمة وحساسيته المرهفة لأحوال أهله ومسارعته في تقديم ما تزول به مشقتهم وعناؤهم. أضف إلى ذلك أن التكاليف الشرعية - التي يصورونها بأنها قيود وأغلال في رقبة الإِنسان المسلم لا يستطيعِ الفكاك منها - منوط بها

стр. 114

سعادته، وهو أهل لها وفي تكليفه بها تشريفه وتكريمه، وتوجيهه وتسديده، لتتم له السعادة في الدنيا والآخرة. ثم إن الأحكام الشرعية التي جاءت بها شريعة الله ليست جميعها تكاليف إلزامية، وإنما جاءت على أشكال متعددة. فمنها ما وضع للبشر ليسيروا على نهجها مع خلوها من الطلب والتكليف، وهي التي تسمى في اصطلاح العلماء الأحكام الوضعية. ومنها ما تضمن صوراً من الطلب والِإلزام، تختلف درجة الطلب فيها بين الجزم والترغيب والترهيب، وهي التي تعرف في اصطلاح العلماء بالأحكام التكليفية. ومنها أحكام اختيارية خلت عن الطلب مطلقاً، وترك الخيار فيها للمكلف يفعل ما يشاء وهي التي تمثل دائرة المباح ... وإذا ما قارن الناظر بين هذه الأحكام المختلفة وجد دائرة الإختيار والترغيب في الأحكام أوسع بكثير من دائرة الإِلزام أمراً أو نهياً، مما يوسع على المكلف ويترك له فسحة واسعة من الإختيار والحرية في الفعل والترك، فيترك بعضها أحياناً بمطلق إرادته، حيث خيره الشارع فيها. كما يفعل كثيراً منها رغبة وتطوعاً من نفسه؛ طمعاً في ثواب أو حرصًا على كمال حيث رغبة الشارع في فعلها أو تركها. إذن: فلم يبق بعد ذلك من الإِلزام في الأمر والنهي سوى دائرة ليست من مصلحته أن تترك كغيرها، لحظورتها وأهميتها، خشية أن لا يهتدى بعقله فيها إلى الصواب، فيضل ويشقى فتصبح دائرة التكليف الِإلزامي أضيق دوائر الأحكام الشرعية. وبهذا يتضح لنا بجلاء: "أن الأحكام الشرعية في حقيقتها توجيه وتشريف أكثر منها قيوداً

стр. 115

وحدوداً، وأن التكاليف الربانية أمر ينسجم مع فطرة الإِنسان ويتلاقى مع مزيته التي خصه الله بها من العقل والفهم. فأي حرج على الإِنسان أن يتقيد بها ويعمل بمقتضاها ما دام يعلم علم اليقين أن في الإلتزام بها سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة وينفض عن يديه غبار تلك الأعراف الفاسدة والتقاليد الزائفة والقوانين البشرية القاصدة ويكون عبداً خالصاً لله وحده، والله هو الهادي إلى سواء السبيل" (١). • • •

стр. 116

المطلب الرابع من مظاهر اليسر والسماحة في الشريعة الإِسلامية: إجراء الأحكام على وفق الظاهر " إن اجتماع الناس واتصال بعضهم ببعض يقضي بحاجة كل واحد إلى الآخر بالقيام بالأعمال وعمل الصناعات، والبيع والشراء، والمساقاة، والمزارعة والنكاح، والطلاق، والنفقات، وغير ذلك من ضروريات الحياة وحاجياتها. والشرع الحكيم وضع لهذا التعامل قواعد وشروطًا تحكم التعامل بين الناس وبالتزام هذه القواعد الشرعية، والأمور المرعية تسير الأمور كما ينبغي أن تكون، ولكن قد تحدث بعض المخالفات التي تؤدي إلى وقوع النزاع والشجار بين الأفراد؛ لذا شرع القضاء بين الناس والحكم بينهم والعدل؛ لإزالة الخصومات، وحل المشكلات، وحفظ الحقوق، وتأديتها إلى أصحابها، وقد وضعت الشريعة الإِسلامية الوسائل والطرق التي تثبت الحق لأهله وذلك فيما سمي "بطرق الإثبات" وهي الوسائل الظاهرة التي يعتمد عليها الحاكم في إثبات الدعوى أو نفيها: كالشهادات، والإِقرار، والإِيمان، والوثائق، والقرائن وغيرها. فإذا توفرت هذه الوسائل لدى القاضي حكم بموجبها" (١).

стр. 117

ولكن قد يحدث أن يبدي بعض الخصوم شيئًا والواقع خلافه، ومن هنا يأمر الإِسلام من يتولى الفصل بين المتنازعين بأن يجتهد وسعه في تحري الحقيقة والواقع مستنيرًا في ذلك بما لدى الخصمين من إقرارات، وحجج وبينات، ولكن يتجلى يسر الإِسلام وسماحته في أنه لم يكلفه إصابة عين الواقع (١). فهو بشر لا يعلم الغيب ولا يطلع على الأفئدة ليعلم الصادق من الكاذب، ولعل بعض الخصوم يكون أبلغ من بعض وأفصح وأبين في حجته منه فيقضي له بما سمعه منه فقط ويجري حكمه على وفق الظاهر ويدع بواطن الأمور لله -تعالى- فهو - سبحانه - وحده الذي يعلم ما تكنه الأنفس وما تخفيه الصدور. روى البخاري في صحيحه: عن أم سلمة ﵂ قالت: سمع النبي ﷺ جلبة خصام عند بابه فخرج عليهم فقال لهم: "إنما أنا بشر، وأنه يأتيني الخصم فلعل بعضاً يكون أبلغ من بعض أقضي له بذلك وأحسب أنه صادق فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها) (٢). قال النووي ﵀ في شرح مسلم: "معناه: التنبيه على حالة البشرية وأن البشر لا يعلمون من بواطن الأمور شيئًا إلَّا أن يطلعهم الله -تعالى-على شيء من ذلك. وأنه يجوز عليه ﷺ في أمور الأحكام ما يجوز عليهم، وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر فيحكم بالبينة وباليمين ونحو ذلك من أحكام الظاهر، مع إمكان كونه في الباطن

стр. 118

خلاف ذلك ولكنه إنما كلف الحكم بالظاهر، وهذا نحو قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلَّا بحقها وحسابهم على الله" (١). "ففيه أن الأحكام تجري على الظاهر والله يتولى السرائر، ولو شاء الله -تعالى- لأطلعه على باطن أمر الخصمين فحكم بيقين نفسه من خير حاجة إلى شهادة أو يمين، ولكن لما أمر الله -تعالى- أمته ﷺ باتباعه والإقتداء بأقواله وأفعاله وأحكامه، أجرى له حكمهم في عدم الإطلاع على باطن الأمور ليكون حكم الأمة في ذلك حكمه فأجرى الله -تعالى- أحكامه على الظاهر الذي يستوي فيه هو وغيره، ليصح الإقتداء به وتطيب نفوس العباد للإنقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن والله أعلم" (٢). وبما أن الشهادة إحدى الوسائل التي تعين القاضي على إصابة الحق، فقد وردت نصوص في القرآن والسنَّة تنهي عن الكذب في الشهادة وتحذر من كتمانها، فمن ذلك قوله -تعالى-: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣)، وقوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ...﴾ (٤) الآية، وغير ذلك. وقد وضع الفقهاء ﵏ شروطًا إذا توافرت في الشاهد وُصِفَ بالعدالة، وإذا اختل شرط منها وصف بعدم العدالة، ولكن كلها لا تعدو أن تكون شروطًا ظاهرة من غير كشف عن سريرة الشاهد ومعرفة ما

стр. 119

يكنه ضميره الذي بين جوانحه ولا يطلع عليه أحد إلَّا الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. روى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عتبة قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيراً، أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوء لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة) (١). هذا: ولم يقف الإِسلام عند هذا الحد من اليسر والسماحة في هذا الجانب من منهاجه الشامل للحياة، بل عممه في جميع الأحكام سواء أكانت في العبادات أم المعاملات أم في القضاء والشهادات، بل وجد ما هو أصرح في إجراء الأحكام على وفق الظاهر مهما وجدت الملابسات، وتعددت القرائن الدالة على خلاف الحقيقة: روى مسلم في صحيحه: بسنده عن أسامة بن زيد ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلَّا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "أقال لا إله إلَّا الله وقتله؟ " قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فما زال يكررها علي حتى تمنيت أنِّي أسلمت يومئذ ... الحديث" (٢).

стр. 120

قال النووي في شرح مسلم: قوله: "أفلا شققت عن قلبه" فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول: "إن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر" (١). ومعنى هذا: أننا كلفنا العمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لنا طريق إلى معرفة ما فيه من القصد والإعتقاد. • • •

стр. 121

المطلب الخامس من مظاهر اليسر والسماحة في الشريعة الإِسلامية: الأخذ بالعرف " العرف: ما اعتاده الناس، وتواضعوا عليه في شؤون حياتهم، حتى ألفوه واطمأنوا إليه، وأصبح أمراً معروفاً سواء أكان عرفاً قولياً أم عملياً. عاماً أم خاصاً. "والعرف من الأدلة الشرعية عند الفقهاء، وإليه يحتكم في كثير من أحكام الفقه الفرعية وخاصة الأَيْمان والنذور والنكاح والطلاق. قال ابن عابدين في أرجورته: وَالعُرْفُ في الشّرع له اعتبارُ ... لذا عليه الحكمُ قد يُدارُ (١) هذا وقد نوه به الفقهاء وبنوا عليه كثيراً من الأحكام واعتبروه حجة في التشريع بدليل قوله -تعالى-: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (٢). وبما جاء عن ابن مسعود - موقوفاً -: (ما رآه المسلمون حسناً فهو

стр. 122

عند: الله حسن وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيِّء) (١). تقسيم العرف: ينقسم العرف إلى قسمين: ١ - قولي. ٢ - وعملي، وعام وخاص. فمثال اللفظي: ١ - إطلاق لفظ "الولد" على " الذكر" دون "الأنثى". ٢ - ومثال العرف العملي: اعتياد الناس بيع المعاطاة من غير وجود صيغة لفظية، وتعارفهم قسمة المهر في الزواج إلى مقدَّم ومؤخَّر وتعارفهم أكل البُر ولحِم الضأن وغير ذلك. ٣ - والعرف العام ما يتعارفه غالبية أهل البلدان في وقت من الأوقات مثل تعارفهم عقد الإستصناع. ٤ - والخاص: ما يُتعارف ويشيع في بعض الأقطار أو بعض البلاد دون بعض، أو يخص ببعض الفئات: كالعرف التجاري بين التجار والعرف الزراعي بين الزراع وهكذا (٢). ومن القواعد الفقهية المشهورة: " (أ) المعروف عرفًا كالمشروط شرطاً. (ب) العادة محكمة. (ج) التعيين بالعرف كالتعيين بالنص. وغيرها

стр. 123

من القواعد التي مبناها على العرف والعادة" (١). وقد ترك الشارع أشياء كثيرة لم يحددها تحديدًا جامدًا صارمًا بل تركها - رحمة بنا من غير نسيان - للعرف يحكم فيها ويعين حدودها وتفاصيلها، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ...﴾ (٢) الآية، وقوله -تعالى-: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ (٣)، فالعرف هو المُحَكَم في تحديد النفقة للمرأة. والمتعة للمطلقة. "واعتبار العرف في هذه الحالات إذا لم يصادم نصًا ثابتًا أو إجماعاً يقينيًا وكذلك إذا لم يكن من ورائه ضرر خالص أو راجح؛ فأما العرف المصادم للنصوص الذي يحل الحرام أو يحرم الحلال، أو يبطل الواجبات أو يقر البدع في دين الله أو يشيع الفساد في الأرض، فلا اعتبار له ولا وزن له في فتوى أو قضاء" (٤). نستنبط مما سبق: "أن الأخذ بالعرف يعتبر مثالًا واضحاً على مرونة أحكام الشريعة الإِسلامية وخصوبة الفقه الإِسلامي" (٥). وأن الإِسلام بتقريره هذه القاعدة قد استحق صفة اليسر والسماحة، ومراعاة الحاجة والمصلحة، ودفع الحرج

стр. 124

والمشقة والتيسير في التكاليف الشرعية والإنسجام مع فطر الناس في كل زمان ومكان. قال في المدخل: (إن العرف في نظر الشريعة يعد مستندًا عظيم الشأن لكثير من الأحكام العملية بين الناس في شتى شعب الفقه وأبوابه وله سلطان واسع المدى في توليد الأحكام وتجديدها وتعديلها وتحديدها وإطلاقها وتقييدها ... وفي اعتباره تسهيل كبير يغني عن كثير من النصوص التفصيلية في الأحكام التشريعية وفي عقود المعاملات اعتمادًا على ما هو معروف ومألوف في شتى الوقائع المحتملة) (١). ويحسن بنا تتميمًا للفائدة: أن نضيف إلى ما سبق من مظاهر اليسر والسماحة في الشريعة الإِسلامية مظهرًا آخر يعتبر من الأحكام المبنية على العرف ألا وهو: تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف: - • • •

стр. 125

المطلب السادس تغيُّر الفتوى بتغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف تمهيد: "إن ثمة دعوى - يقوم بها قوم في قلوبهم إِحَنٌ وَدِخَنٌ على الإِسلام وأهله - مفادها: ضرورة تطوير الفقه الإِسلامي وإعادة صياغته ليواكب العصر الذي نعيش فيه ويتسع لمواجهة أوضاع الحضارة الحديثة: وهذه دعوى يدندن حولها هؤلاء المغرضون ذرًا للرماد في العيون وتدليسًا على عباد الله الصالحين" (١). ورداً على هؤلاء نقول: أولًا: إن هذه دعوى لا تصدر عن شخص مؤمن بالشريعة عالم بخصائصها إذ الإِيمان بأنها من عند الله يوجب تحكيمها دون سواها من القوانين الوضعية القاصرة.

стр. 126

ثانياً: إنه لو علم خصائصها وميزاتها وما اتصفت به من اليسر والسماحة والمبادئ الفاضلة لأيقن وبدون أدنى شك بصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان. ثالثاً: إن الشريعة الإِسلامية جاءت مقننة لكل عصر وأوان ولكل حديث وحادثة، فلقد قام فقهاء الإِسلام باستنباط الأحكام ووضعوا القواعد لحل جميع المسائل والمشكلات والمعضلات التي تعرض للمؤمن في حياته ولم يتركوا باباً من أبواب الفقه أو فصلًا من فصوله إلَّا جالوا فيه جولات واسعة مما لم يعرف له نظير أو شبيه عند متشرعي الأمم والشعوب وواضعي القوانين" (١). ومثال واحد على ذلك يكفي في الرد على زعم قصور الشريعة وجمودها وعدم تطورها وهو: "أن الفتوى تتغير وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد والنيات"، ومعناها: أن الواجب على الفقيه أن لا يجمد على موقف واحد دائم يتخذه في الفتوى أو القضاء أو التعليم أو التأليف وإن تغير الزمان والمكان والعرف والحال، بل ينبغي مراعاة مقاصد الشريعة الكلية وأهدافها العامة عند الحكم في الأمور الجزئية الخاصة (٢) ". ومن ثم قرر المحققون من أهل العلم أن الفتوى تتغير وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف. يقول الإمام ابن القيم

стр. 127

-﵀: "فصلٌ: في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: هذا فصل عظيم النفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج، والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح، لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي به أبصر المبصرون وهداه الذي اهتدى المهتدون وشفاؤه التام الذي به رواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها" (١). "فالأحكام قد تتغير بسبب تغير العرف أو تغير مصالح الناس، أو لمراعاة الضرورة أو لفساد الأخلاق وضعف الوازع الديني أو لتطور الزمن وتنظيماته المستحدثة، فيجب تغير الحكم الشرعي لتحقيق المصلحة ورفع المفسدة وإحقاق الحق والخير.

стр. 128

وليس معنى هذا أن الأحكام الشرعية كلها قابلة لتغير الفتوى بها بتغير الزمان والمكان والعرف، بل هذا كائن بالنسبة للأحكام الإجتهادية المتعلقة بالمعاملات أو الأحوال المدنية من كل ما له صلة بشؤون الدنيا وحاجات التجارة والإقتصاد، أما الأحكام التعبدية والمقدرات الشرعية وأصول الشريعة الدائمة فلا تقبل التبديل مطلقًا مهما تبدل المكان وتغير الزمان" (١). ويقول ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "والأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها. لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة: كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكاناً، وحالًا: كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة؛ فشرع التعذيب بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة، فعن معاوية بن أبي سفيان ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم. ثم إذا شربوا فاجلدوهم ثم إذا شربوا فاجلدوهم ثم إذا شربوا فاقتلوهم" (٢). وهذا الذي قرره ابن القيم ﵀ قرره غيره من المحققين في المذاهب الأخرى: كالِإمام القرافي المالكي في كتاب (الفروق) وغيره

стр. 129

وكالعلامة ابن عابدين الحنفي في رسالته. "نشر العَرْف في بناء بعض الأحكام على العُرْف". أصل قاعدة تغيُّرِ الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف: لهذه القاعدة دليل وأصل في الكتاب والسنَّة، وفي هدي الصحابة وسير الخلفاء الراشدين وفي عهد التابعين ومن بعدهم. فمثال ذلك في القرآن الكريم: آيات الصبر والصفح والعفو والإِعراض عن المشركين ونحو ذلك مما قال فيه كثير من المفسرين: نسختها آية السيف والحق أن لهذه الآيات وقتها ومجالها ولآية السيف وقتها ومجالها كذلك. قال الإمام السيوطي في "الإتقان" في علوم القرآن "ما نصه: في النوع السابع والأربعين من علوم القرآن: في ناسخ القرآن ومنسوخه: "الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر - حين الضعف والقلة - بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس ناسخاً بل هو من قسم المنسأ، كما قال -تعالى-: ﴿أو ننساها﴾: فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك بل هو من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت مَّا لعلة تقتضي ذلك الحكم بل ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ وإنما النسخ الِإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثااله. اهـ." (١).

стр. 130

ومثاله من السنَّة النبوية: ما روى البخاري بسنده: عن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي ﷺ : "من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء فلما كان العام المقبل قالوا يارسول الله نفعل كما فعلنا العام الماضي قال: كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها" (١). فهذا مثل واضح لتغير الفتوى بتغير الأحوال والظروف، فقد نهى النبي ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام لعلة معينة وأسباب طارئة فلما انتهى هذا السبب العارض وزالت هذه العلة الطارئة زال الحكم الذي أفتى به الرسول تبعًا لها وغير فتواه من المنع إلى الإِباحة. وأكثر الفقهاء على اعتبار هذه الإِباحة نسخًا للنهي المتقدم والتحقيق أنه ليس من باب النسخ بل من باب نفي الحكم بانتفاء علته" (٢). قال الإمام القرطبي في تفسيره: "اعلم أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبداً، والمرفوع لارتفاع عليته يعود الحكم لعود العلة، فلو قدم على أهل بلدة ناس يحتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلدة سعة يسدون بها فاقتهم إلَّا الضحايا لتعين عليهم أن لا يدَّخروها فوق ثلاث كما فعل النبي ﷺ " (٣). والناظر في سنَّة الراشدين وهدي الصحابة ﵃ يجدهم أفقه الناس في استعمال هذه القاعدة - قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها - ولذلك أمثلة عديدة منها:

стр. 131

ما روى البخاري: عن السائب بن يزيد قال: كنا نؤتي بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين) (١). ما روى الدارقطني بسنده عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أتى بشارب خمر وهو بحنين فحثى في وجهه التراب. ثم أمر أصحابه فضربوه بنعالهم، وبما كان في أيديهم، فقال لهم (ارفعوه، فتوفي رسول الله ﷺ وتلك السنَّة، ثم جلد أبو بكر في الخمر أربعين، ثم جلد عمر أربعين صدراً من إمارته ثم جلد ثمانين في آخر ولايته، ثم جلد عثمان الحدين جميعاً ثمانين وأربعين، ثم أثبت معاوية الجلد ثمانين) (٢). فدل على أن الصحابة ﵁ لم يثبت لديهم أن النبي ﷺ وقت في الخمر حداً معيناً، ولو ثبت لهم ذلك، لم يحتاجوا إلى المشاورة فيه؛ لذا: تغير حكمهم واختلفت فتاواهم بتغير الزمن واختلاف الأحوال. وهذا يدل على أن العقوبة تختلف باختلاف حال المجرم، ومقدار عتوه، واشتهاره بالفجور، وتكرار الجريمة منه مرة بعد مرة، وعدم ارتداعه بالعقوبة فمثل هذا يشدد عليه، ليرتدع ويزدجر بخلاف من لم يشتهر بفسق ولا فجور" (٣).

стр. 132

قال الحافظ ابن حجر (١) -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (قال القاضي عياض: أجمعوا على وجوب الحد في الخمر واختلفوا في تقديره فذهب الجمهور إلى الثمانين، وقال الشافعي في المشهور عنه، وأحمد في رواية، وأبو ثور وداود أربعين، وتبعه على نقل الإِجماع ابن دقيق العيد والنووي، وما تبعهما وتعقب بأن الطبري، وابن المنذر وغيرها حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير، بدليل الأحاديث الصحيحة التي سكتت عن تعيين عدد الضرب، وما جاء عن ابن عباس وابن شهاب من أن النبي ﷺ كان يقتصر في ضرب الشارب على ما يليق بحاله ... "وللدارقطني عن عبد الرحمن ابن أزهر قال: ... وكان عمر إذا أتى بالرجل الضعيف الذي كانت منه الذلة ضربه أربعين، قال وجلد عثمان أيضًا ثمانين وأربعين) (٢). وبعدُ: فإن الإستقراء أثبت أن الأحكام كلها في الشريعة الإِسلامية تقوم على المصلحة الإنسانية، فما من أمر أوحكم للإِسلام إلَّا وقد أثبت فيه المصلحة وحرص فيه على حرية الأفراد وحقوق الجماعات، وضمان أمنها واستقرارها وحريتها التامة ... وهذه هي الشريعة الإِسلامية قد أوجبت الحد على من شرب السكر من أي نوع دون ضرورة ملجئة إلى ذلك، ولكن مراعاة لحال الشارب واستجابة لظروفه نرى أن حكمه يختلف عن حكم من اشتهر بالعتو والفسوق مما يجعلنا نقول: إن حد شارب الخمر يمكن أن يدخل في باب العقوبة ذات الحدين أي يكون لها حد أدنى يمكن الإكتفاء به إذا رأى الحاكم أن ذلك يكفي لردع الشارب وإن عاد إليها أمكن للحاكم أن يزيد في

стр. 133

العقوبة فيما بين الأربعين والثمانين، فيكون ضرب "الثمانين" هو الحد الأعلى في هذه العقوبة وَحَدُّها الأدنى الذي لا يقل عنه "أربعين". إن من يلقي مجرد نظرة على هذا الحكم العادل، والتشريع الحكيم ويقيسه بتلك الأحكام السخيفة القاصرة التي ما أنزل الله بها من سلطان سيرى البون الشاسع والفرق الكبير: ومن يستعرض مواد القانون الوضعي في هذا المجال فيستضح له الإرتباك من خلال ذلك، والتناقض أيضًا. فهو يشدد فيما لا يقتضي الشدة ويلين ويتساهل فيما يتطلب ضد ذلك من التحفظ والضبط والزجر والردع ففي المادة (٣٨٥) الفقرة الثانية من القانون المصري مثلًا جاء: "من وُجِد في حالة سُكر بيّن في المحلات العمومية يعاقب بغرامة لا تتجاوز جنيها مصريًا واحدًا ... أو الحبس لمدة لا تزيد عن أسبوع" (١). فبالله كيف يرتدع المجرم من مثل هذا الحكم الجائر الناقص، وما يفيد في ردع المجرم السجن أو الغرامة؟! حقًا إنها سوف تتكرر الجريمة حيال هذه العقوبات السخيفة بل سوف تنتشر دون مبالاة بها كما يشهد بذلك الواقع في البلدان التي اتخذت من القانون دستورًا لها. وهذا مثال من أمثلة كثيرة ترينا "ما تمتاز به الشريعة الغراء بعدالتها في الأحكام وضبطها للشهوات الجامحة والأنفس الثائرة، ووضعها لكل جريمة عقوبة تناسبها وتناسب فاعلها كافية في ردعه ومنعه عن ارتكابها مرة أخرى" (٢). كذلك ما تمتاز به من المرونة والسعة، وما يلمسه الدارس لفقهها

стр. 134

من الأمثلة والوقائع والأحكام الكثيرة التي تركت فيها النصوص قصداً لإجتهاد المجتهدين في الأمة ليصدروا فتاواهم بما هو أصلح للناس وأليق بزمانهم وحالهم مراعين في ذلك المقاصد العامة للشريعة مهتدين بروحها ومحكمات نصوصها. • • •

стр. 135

المبحث السابع الإِيمان بالأسس التي قام عليها التشريع الإِسلامي في الحكم ويتضمن هذا المبحث تمهيد وثلاثة مطالب هي: المطلب الأول: الشورى ومكانتها في سياسة وإدارة الدولة الإِسلامية. المطلب الثاني: العدل أساس من أسس التشريع في الإِسلام. المطلب الثالث: المساواة من الأصول العامة للتشريع في الإِسلام.

стр. 136

تمهيد إن الإِسلام في حقيقته العليا الشاملة "دين ودولة"، وقد تحدثت عن: الجانب الأول من جانبي الإِسلام باعتباره ديناً يقوم أولاً على الإِيمان بالله ثم الإيمان برسالة محمد ﷺ وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين وأن الدين قد استقرت أسسه وكمل بنيانه على قواعده التشريعية الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأشياء، وقد ذكرتُ طرفًا منها: - وأما الجانب الثاني من جوانب الإِسلام باعتباره دولة فهو الجانب العملي الذي يقوم على تنظيم الأوضاع لسلطات التنفيذ لتشريعات الإِسلام وقواعده العملية التي جاء بها. وهذا الجانب مرتبط أشد الارتباط بالجانب الأول بل هما ممتزجان امتزاجاً يُكوِّن حقيقة الإِسلام الكاملة الشاملة. لهذا كان من اللازم بيان الأسس التي تعد ركناً أساسياً في بناء الدولة الإِسلامية، وقصدنا من بيان هذه الأسس بيان أثر نظام الحكم كما أمر به الإِسلام في تطبيق سماحة تشريعه وأن نضع بين يدي الأمة الإِسلامية نماذج من هذه الأسس لنقول لها إننا جربنا كثيراً من ألوان الحكم وأنظمته التي لا يقرها الإِسلام بل أقحمت على اْمته إقحاماً في فترات ضعفها وجهلها فلم

стр. 137

تفلح تلك الأنظمة في تحقيق ما تبتغيه الأمة من إصلاح يبلغ بها مكانها من العزة والكرامة، فلنجرب العودة إلى تاريخنا ومجدنا ومصدر عزنا وسعادتنا فنؤمن بالأسس التي قام عليها التشريع الإِسلامي ونترجم ذلك إلى تطبيق عملي يحقق الحكمة من مشروعيتها فيعيش المجتمع الإِسلامي في ظلها في أمن ورخاء ومحبة، وتعاون بين الحاكم والمحكوم، ومن أهم هذه الأسس: المطلب الأول: الشورى. المطلب الثاني: العدل. المطلب الثالث: المساواة.

стр. 138

المطلب الأول الشورى من الأسس العظيمة والقيم الأخلاقية في الشريعة الإِسلامية قاعدة الشورى، وهي من أهم قواعد الشريعة الإِسلامية التي نطق بها القرآن الكريم ... قال -تعالى-: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ (١). وقال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ (٢). كما أن النبي ﷺ على عظيم قدره، ومنزلته وتأييده بوحي السماء كان كثير المشاورة لأصحابه في كثير من الشؤون التي لم ينص عليها في القرآن. وكان ﷺ يعمل بما يظهر له أنه الصواب. ١ - فقد قال لأصحابه يوم بدر: "أشيروا علي أيها الناس" (٣) فأشار عليه الحباب بن المنذر بالنزول على الماء فقبل منه.

стр. 139

٢ - وأشار عليه السعدان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة يوم الخندق بترك مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما (١). ٣ - (كما ثبت أنه ﷺ استشار المسلمين قبل أن يخرج لغزوة أحد وأنهم أشاروا عليه بأن يخرج لقتال أعدائهم. وكان من رأيه أن يبقى في المدينة مدافعاً، ولكنه نفذ ما أشاروا عليه به وخرج وانتهى الأمر بمحنة المسلمين، وفي هذا برهان على أن الله يريد أن تكون سياسة المسلمين قائمة على مبدأ الشورى وأن لا يستبد بها فرد مهما كانت نتيجة المشاورة، فإذا كان النبي ﷺ مأموراً بالشورى وهو الذي يمتاز بكماله العقلي والروحي واتصاله بالوحي الإِلهي فغيره أولى بالأمر بالأخذ بهذا الأساس العظيم) (٢). قال ابن عطية ﵀ في تفسيره: (والشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ...﴾ (٣)، وقال النبي ﷺ : "ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد" (٤) ... والشورى بركة، وقد جعل

стр. 140

عمر بن الخطاب الخلافة وهي أعظم النوازل شورى، وقال الحسن: والله ما تشاور قوم بينهم إلَّا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم) اهـ (١). وأخرج الشافعي عن أبي هريرة ﵁ قال: (ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من المصطفى ﷺ (٢). ومعلوم أنه ﷺ لم يكن في حاجة قط إلى مشاورة أحد منهم، لأنه مؤيد بالوحي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٣) ومسدد من الله -تعالى- في اجتهاده، ولم يكن يجتهد إلَّا فيما لم ينزل عليه فيه وحي وكان اجتهاده واقعًا تحت إقرار الوحي ... أخرج البيهقي في الشعب عن أنس وابن عباس ﵄ لما نزل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال المصطفى ﷺ : "أما أن الله ورسوله يغنيان عنها لكن جعلها الله رحمة لأمتي. فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا ومن تركها لم يعدم غياً". قال ابن حجر: غريب (٤). وقال الحسن البصري: (ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمته من بعده) (٥).

стр. 141

وقال الحسن أيضاً: (كان والله غنيًا عن المشاورة ولكن أراد أن يستن لهم) (١). وقال علي ﵁: (الإستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم) (٢). ولذا (كان النبي ﷺ كثيرًا ما يحض على إقامة الشورى من بعده بما يشعر بوجوبها ... عن أبي هريرة ﵁ قال: (إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاؤكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاؤكم وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها) (٣). ففي هذا وعد بالخير والبركة في حياة المسلمين ما داموا متمسكين بالشورى، وفيه وعيد شديد وإنذار بما تلقاه الأمة في حياتها من الشدائد والمحن إذا تخلت عن الشورى الجادة وخضعت للعواطف المائعة واكتفت في أمورها برأي النساء، ورأى غالبهن إلى أفنْ (ضعف) وعزمهن إلى وهن!! (ومن يقرأ حياة الخلفاء الراشدين ﵃ والصالحين من ولاة الأمر في خير قرون الإِسلام يجد أن الشورى كانت ديدنهم في جميع ما

стр. 142

يعرض لهم من الحوادث التي لم يكن فيها نص من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، سواء أكان ذلك من قبيل سياسة الأمة أم من قبيل التشريع الاستنباطي في الأحكام الشرعية أم كان من قبيل مصالح الحروب وتعيين قوادها وتجهيز الجيوش، ومعاهدات الصلح وتحديد علاقات الأمة بغيرها من الأمم في حالتي الحرب والسلم، وإقامة موازين العدل بين الأفراد والجماعات، إلى غير ذلك مما يشمل كل جانب من جوانب حياة الأمة الإِسلامية) (١). مهمة الشورى وأهميتها في حياة الأمة: إن مهمة الشورى هي: (تقليب أوجه الرأي واختيار اتجاه مناسب من الإتجاهات المعروضة .. وهي خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة وتدريبها على تحمل التبعات. وهي الدعامة الأولى التي يقوم عليها نظام الحكم في الإِسلام، فلا يجوز لحاكم ولا لمجتمع أن يلغي الشورى من حياته السياسية، والإجتماعية ولا يحل لسلطان أن يقود الناس رغم أنوفهم إلى ما يكرهون بالتسلط والجبروت كما هو حال كثير من القادة والرؤساء الذين يعميهم التعصب الممقوت والإستبداد بالرأي، فينزلقون إلى الشر ويجرون وراءهم الأمم والشعوب إلى مهاوي الهلكة والدمار!!. ولكن الشورى في الإِسلام ربانية المصدر، فلا يجوز لحاكم أن يعطلها ليبسط سلطان طغيانه على الناس ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ على حين يجوز للحاكم في الدول ذات الدساتير الوضعية أن يعطل الدستور،

стр. 143

ويفرض الأحكام العرفية باسم ضرورات الأمن وضبط النظام ومن ثم يكون التسلط والطغيان) (١). قاعدة الشورى في الإِسلام: (ليست الشورى في المجتمع الإِسلامي على غرار الشورى في المجتمات الديمقراطية، فهذه شورى ابتدعها الإِنسان للتشاور في صيغة حكمه نفسه بنفسه، ولكن الشورى في الإِسلام شرعت للتداول بين أصحاب العقول الراجحة من أهل الحل والعقد للتوصل إلى الصورة المثلى في تطبيق حكم الله على البشر ... كذلك فإن قاعدة الشورى تمثل أجلى مظاهر اليسر والسماحة والتوازن بين الثبات والمرونة في الشريعة الإِسلامية، فإذا كانت الشورى واجبة على المسلمين بمقتضى قوله -تعالى-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وهذا يمثل عنصر الثبات والدوام، فإن تفصيل النظم الشورية والطرق التي تكون بها - مما يختلف باختلاف الأحوال والزمان والمكان - قد تركت لكل أمة تنظمها حسب الظروف والأحوال، حسبما يتفق ومصلحتها، فيستطيع المسلمون في كل عصر أن ينفذوا ما أمر الله به من الشورى بالصورة التي تناسب حالهم وأوضاعهم، وتلائم موقعهم من التطور، دون تحديد شكل معين أو قيد

стр. 144

يلزمهم بذلك وهذا يمثل عنصر السعة والمرونة واليسر والسماحة والسبيل الأقوم للشورى في الإِسلام) (١). أهل الشورى: (إن الشورى التي أوجبها الله -سبحانه- لا يفهم منها أنها لمجموع اْفراد الأمة أو الأكثرية المطلقة فيها وإنما لأهل الحل والعقد قاصرة على علية القوم من ذوي العقول الراجحة والكفاءات العلمية المتخصصة، وهم زعماؤها ورؤساؤها وعلماؤها العالمون بشريعتها ومصالحها السياسية والإجتماعية والقضائية والإِدارية) (٢). دون الغوغائيين وسفلة القوم من محترفي السياسة وتجارها كما هو الحال في البرلمانات ومجالس الشعب في كثير من الدول التي تدين بالاسلام!! وفي القرآن الكريم تكررت آيات كثيرة تنص على أن الرأي لأهل الفضل والعلم؛ ليس لأكثر الناس على التعميم قال -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ (٣). فإذا كانت طاعة الكثرة الجاهلة تضل عن سبيل الله، فليس من الصواب أن تكون لهم المشورة، وإنما ترجع المشورة إلى أهل الرأي والحكمة بدليل

стр. 145

قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١). وقال -تعالى-: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ (٢). ويقول الرسول الكريم ﷺ : فيما رواه عنه ابن مسعود ﵁: "ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وإياكم وهيشات الأسواق" (٣) (٤). (فإشارة النبي ﷺ بتقديم أولى الأحلام والنهي ليكونوا خلفه في الصلاة ترشيح لهم ليكونوا من أهل الشورى والحل والعقد في المجتمع الإِسلامي، وشتان ما بين شورى تعتمد على السوقة وطغام القوم وسفلتهم، وبين شورى تعتمد على أعيان الفضل وغرر المجد وهامة الشرف والتقوى في المجتمع. نعم هناك أمور تتعلق الحقوق فيها برأي العامة الذين تتصل بهم اتصالًا مباشرًا ولا يحتاج الرأي فيها إلى كبير تدبير، فتكون مشورتهم حينئذ
следующие страницы →