← Сияса и кади

Сияса и кади · id 16985

وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في كل عصر

صالح السدلان

Полный текст (339 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

-تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ...﴾ قال: (إن القرآن الكريم قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله، وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين عن ذلك وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم ... ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الِإلهية وأمور المعاد، والنبوات، والأخلاق والسياسات والعبادات، وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاتها لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات، ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلَّا بعض ما جاء به القرآن ... ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر فضلًا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه غيره) (١). نعم: إن القرآن الكريم الذي أنزله الله على نبيه - عليه أفضل الصلاة والسلام - هو منبع الخير كله ومطلع الهداية التي أشرق نورها على قلوب الناس فبدد منها الظلمات واستأصل منها الضلالات، فمن تمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها، فهو كلام الله رب العالمين: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (٢). فما أحوجَ -من لم يحكم بما أنزل الله- إلى عودة حميدة إلى القرآن من جديد وبناء هيكل حياته على أسس أصيلة متينة من تعاليمه سواء ما يتصل منها بالعقيدة والعبادات أو الأخلاق والمعاملات أو السياسة والإقتصاد أو الأدب والثقافة والإجتماع، فالقرآن الذي أنزله الله ليسطع على العالم ما

стр. 72

بقي الدهر وليقود الإِنسانية إلى الرشد لا يضيق بأي شيء من أطوار الزمن ولا بأية مشكلة تفرزها الحياة. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ...﴾ الآية (١). نعم: لقد كمل هذا الدين، وتمت به نعمة الله على المسلمين، ورضيه الله لهم منهج حياة للناس أجمعين ولم يعد هناك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله أو ترك شيء من حكمه إلى حكم آخر ولا شيء من شريعته إلى شريعة أخرى، وقد علم الله حين رضيه للناس أنه يسعهم جميعًا ويسع حياتهم جميعها ويحقق الخير لهم جميعًا إلى يوم الدين وأن أي تعديل في هذا المنهج -دعك من العدول عنه- هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضرورة يخرج صاحبه من الدين بالكلية ولو قال باللسان ألف مرة إنه من المسلمين (٢). قال -تعالى-: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ (٣). فهاتان الآيتان تقرران حق الحاكمية المطلقة لله وحده، وتجريد البشر من ادعاء هذا الحق أو مزاولته في أية صورة من الصور، وبيان أن هذا الكتاب نزل مفصلًا محتويًا على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة

стр. 73

جملة، كما أنه تضمن أحكاماً تفصيلية في المسائل الأخرى سواء منها الاقتصادية أو العلمية أو السياسية أو الواقعية وغيرها، ولم يبق قول لقائل في عقيدة أو مبدأ أو تصور أو شريعة أو حكم أو عادة أو تقليد: قال قتادة: صدقاً فيما قال وعدلاً فيما حكم يقول صدقاً في الإِخبار وعدلاً في الطلب فكل ما أخبر به فحقٌّ لا مريةَ فيه ولا شك وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه وكل ما نهى عنه فباطل فإنه لا ينهى إلَّا عن مفسدة. لا معقب لحكمه -تعالى- لا في الدنيا ولا في الآخرة وهو"السميع" لأقوال عباده "العليم" بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله" (١). وقال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (٢). "فهذه الآية خوطب بها جميع العالم لبيان أن القرآن الكريم من عند الله وأنه موعظة للعالمين وشفاء للمؤمنين وأنه اشتمل على مالهم وما عليهم، وأنه من عند الله -تعالى- لم يختلقه محمد ﷺ ، بل هو من عند الله فيه دواء لما في الصدور من العقائد الفاسدة والشكوك الواهية" (٣).

стр. 74

قال الإمام ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (... فلرسالته ﷺ عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإِيمان به إلَّا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج فرع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به. وقد توفى رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء ألا ذكر للأمة منه علماً، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي، وآداب الجماع والنوم، والقيام والقعود، والأكل والشرب والركوب والنزول، والسفر والإِقامة، والصمت والكلام، والعزلة والخلطة والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجن، والجنة والنار، ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأى عين. وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم وعرَّفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يُعرِّفْه نبيٌّ لأمة قبله ... وكذلك عرفهم ﷺ من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة، وبالجملة فجاءهم بخيري الدنيا والآخرة برمته ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها؟! ومن ظن ذلك فهو كمن ظن

стр. 75

أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد وقالوا هذا عهد نبينا إليكم وهو عهدنا إليكم ... وقد قال الله -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (١) " (٢). إن القرآن الكريم الذي تعبدنا الله بتلاوته وأمرنا باتباعه ولزوم أحكامه تناول في نحو خمسمائة آية جملة القواعد والأصول التشريعية وبعض الأحكام العقدية والخلقية والعملية (٣). وعكف العلماء على تفصيل آياته هذه وقسموها باعتبار موضوعها إلى قسمين رئيسين: القسم الأول: العبادات وتشمل نحوًا من أربعين ومائة آية. القسم الثاني: المعاملات: وتتفرع إلى سبعة أقسام: القسم الأول: يمكن إدراجه في الفقه العام وهو: ١ - الأحكام الدستورية الضابطة لنظام الحكم وأصوله والمحددة للعلاقة

стр. 76

بين الحاكمين والمحكومين والمقررة لحقوق الأفراد والجماعة وهي عشر آيات تقريباً. ٢ - الأحكام الدولية المنظمة للعلاقة بين الدولة الإِسلامية، وبين غيرها من الدول في حالتي السلم والحرب وهي خمس عشرة آية تقريباً. القسم الثاني: النظم الاقتصادية التي شرعها الإِسلام أو ما يتصل بها مما يسمى عند الفقهاء بالمعاملات وهي: ١ - الأحكام الاقتصادية والمالية القائمة على تنظيم العلاقة المالية من موارد وطرق إنفاق وغيرها وهي نحو عشر آيات تقريباً. ٢ - الأحكام المتعلقة بمعاملات الأفراد ومبادلاتهم من بيع وإجارة ورهن وكفالة وشركة ومداينة وغير ذلك وهي نحواً من سبعين آية. القسم الثالث: الحدود والقصاص: وهي الأحكام الجنائة المتعلقة بما يصدر عن المكلفين من جنايات وجرائم، وما يترتب على ذلك من عقوبات تحفظ على الناس أنفسهم وأعراضهم وحقوقهم وهي نحواً من ثلاثين آية تقريباً. القسم الرابع: نظام الأسرة وما يتصل بوضع الأفراد فيها: كالأحوال الشخصية المتناولة للزواج والطلاق والإِرث والوصية والحجر وغير ذلك مما يتصل بأحكام الأسرة، ويشمل هذا القسم نحواً من سبعين آية تقريباً.

стр. 77

القسم الخامس: الأحكام الشرعية المتصلة بالقضاء والشهادة واليمين وغير ذلك من الإجراءات الشرعية والترتيبات التي تمكن كل ذي حق من حقه ويشمل هذا القسم نحواً من ثلاث عشرة آية. القسم السادس: الآيات الدالة على التيسير ورفع الحجر عن المكلفين وهي كثيرة كقوله -تعالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وكقوله -تعالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (٢). وكقوله -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). وغيرها وسنزيد هذا القسم بياناً عند الحديث عن يسر الشريعة وسماحتها - إن شاء الله (٤). القسم السابع: القواعد العامة الكلية والأصول الثابتة الشرعية، ومنها: ١ - الآيات الواردة بشان التصرفات المالية .. كقوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٥). وقوله

стр. 78

-تعالى-: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (١). الآيات المتعلقة بلزوم العدل وتقوى الله عند رد العدوان مثل قوله -تعالى-: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢). ٣ - الآيات المحددة للمسؤُولية وما ينتج عنها من جزاء كقوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣). وغيرها من الآيات الدالة على ذلك. ٤ - الآيات المتعلقة بالتكليف بما في الطاقة والوسع مثل قوله -تعالى-: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٤) وغيرها من الآيات الدالة على ذلك. ٥ - الآيات الدالة على الوفاء بالعهد والعدل .. كقوله -تعالى-: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٥). وقوله -تعالى-: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٦). ٦ - الآيات الدالة على رفع الحرج ودفع الأذى ومنها: قوله -تعالى-: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا﴾ (٧).

стр. 79

وغير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. وجميع الآيات الواردة فيما سبق جئت بها على سبيل الإستشهاد لا الحصر. هذا: ومن الأمور المقررة شرعًا أن السنَّة هي المصدر الثاني للتشريع وعلى هذا لا ينبغي أن يفوتنا أن النبي ﷺ بين جميع أصول الدين وفروعه وظاهره وباطنه وعلمه وعمله، وقد جاءت سنته ﷺ وافية شافية كافية فيها كل ما يحتاج إليه البشر في دينهم ودنياهم ... فقد جاءت إما: مؤكدة لأحكام القرآن فيما هو قطعي الدلالة من نصوصه، لا تقبل التغيير والتبديل والتعميم والتخصيص. مثل: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج والنهي عن الشرك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وقتل النفس بغير حق وغير ذلك من النواهي. وإما: مفسِّرة ومفصِّلة: كبيان صفة الصلاة، ومقادير الزكاة، وتقييد المطلق كبيان أن الحد في السرقة القطع من الرسغ، وتخصيص العام كمنع الولد القاتل لأبيه من الميراث. وإما: قواعد عامة اعتبرت أساساً تشريعياً وأصلاً من أصول الدين اعتمده الفقهاء في ضبط الأحكام وتفريعها عنه .. وتلك أقوال كثيرة من كلامه ﷺ منها: (لا ضرر ولا ضرار)، و (الولد للفراش)، و (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). وغير ذلك. ومن السنَّة ما ليس تفسيرًا ولا تأكيدًا وإنما مرجعه إما وحي أوحي إلى النبي ﷺ عند البعض، وإما اجتهاد منه ﷺ عند البعض الآخر كتحريمه ﷺ الحُمُر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عمتها

стр. 80

أو خالتها، وجواز خيار الشرط وجواز الرهن وما إلى ذلك مما أساسه القرآن أو مرجعه تطبيق الأحكام العامة والمبادئ الأساسية لشريعة القرآن التي ملأت نفسه ﷺ وكانت له أصلًا يقيس عليه ويعتمد فيما يأمر به أو ينهى عنه وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢). ومع الإِيمان المطلق بكمال هذا الدين، وفهم هذه الحقيقة بجانب الإِيمان بقاعدة الوجود الكبرى وفهمها: وهي قوله -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣). يتلخص مما سبق أن الِإطار العام للشريعة، والدائرة الشاملة للحياة البشرية لا تزيد على ثلاثة أقسام: القسم الأول: جوانب ثابتة متعلقة بحقيقة الإِنسان أنى وجد في أي زمان أو مكان، تلك الحقيقة التي لا تتغير، ولا تتبدل على الإِطلاق، وهذه جاءت الشريعة لها بأحكام تفصيلية ثابتة كثباتها وقد فصلها الله تفصيلًا: كالشعائر التعبدية المحضة من صلاة وصيام وحج وكأحكام الطهارة، وأحكام الأسرة، والمحرمات الرئيسية: من زنًى وخمر وسرقة وخيانة ... إلخ؛ فهذه فصلت بمقتضى الحكمة والهداية الربانية التي لا يملكها البشر ولو وكل إليهم منها شيء لضلوا وتاهوا.

стр. 81

القسم الثاني: جوانب ثابتة الجوهر والهدف لكنها متجددة الصورة متغيرة الأساليب حسب سنَّة الله في الكون: مثل نوع الحكم وطريقته ومنهج الحياة الاقتصادية والخطط التعليمية وغيرها، وهذه وضعت لها الشريعة قواعد وضوابط عامة لا يصح أن تخرج عنها ... ولكن تركت تفصيلاتها - رحمة من غير نسيان - إلى اجتهاد الأمة في حدود تلك القواعد والضوابط الشرعية. القسم الثالث: الأمور الدنيوية المحضة: وقد اقتضت حكمة الله أن توكل إلى سعي الإِنسان وخبرته كي يحقق بنفسه معنى استخلافه في الأرض واستعماره فيها: كالضرب في الأرض وشؤون الزراعة والصناعة والعمارة وكل مظاهر الحياة المادية. وبما أنه ليس في الحياة البشرية شيء يبقى بعد هذه الأقسام أو يخرج عنها فلم يعد هنالك ما يبرر أية شبهة حول إسلام الحياة كلها لله خالصة له وحده مستقيمة على حكمه وشرعه" (١). وبعدُ: فإن منهج الإِسلام كل متكامل يشد بعضه بعضًا ونظم متناسق تتحد معانيه وتلتقي فيما يحقق سعادة البشرية. قال -تعالى-: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ (٢).

стр. 82

وكل زيادة أو إضافة يتكلفها المرء ليست من الشريعة بل هي بدعة مردودة. قال ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (١). فإذا صح عزم المرء وخلصت نيته في التوجه إلى الله فإن في أحكام الشريعة لدليلاً له إلى معالم الصراط المستقيم: قال -تعالى-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢). • • •

стр. 83

المبحث الخامس الإِيمان بأن الشريعة الإِسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة إن ثمةَ حقيقة لا ريب فيها: وهي: أن دين الله واحد جاءت به الرسل جميعاً، وتعاقبت عليه الرسل جميعاً، وعهد الله واحد أخذه على كل رسول من لدن آدم ﵇ إلى خاتم الرسل محمد ﷺ . ولكن كما كان دين الأنبياء والمرسلين دينًا واحدًا وأمتهم أمة واحدة كان لكل واحد منهم شرعةً ومنهاجاً. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ...﴾ (١) الآية. فهذه الحقيقة أعلنها القرآن وهي تدحض شبه المارقين والماديين الذين ينكرون الأديان بسبب اختلافها في جوهرها وأصولها، ويدَّعون -وهم الظالمون- بأن كل نبي يأتي من عنده بدين يناقض سابقيه وهذا ادعاء كاذب مُجافٍ للواقع ولا يمت إلى حقيقة الأديان بصلة، فالدين واحد في أصوله، ولكن تختلف الأديان في تشريعاتها لإختلاف أحوال الأمم الإجتماعية ودرجة استعدادها العقلي.

стр. 84

لقد كانت الرسالات قبل الرسالة المحمدية رسالات محلية، قومية، محدودة بفترة من الزمان - ما بين عهدي رسولين - وكانت كل رسالة تتضمن تعديلات وتحويرًا في الشريعة يناسب تدرج البشرية، وكانت البشرية تخطو على هدي هذه الرسالات خطوات محدودة حتى جاءت رسالة محمدبن عبد الله ﷺ إلى الإِنسانية كلها وختم الله سبحانه بها جميع الرسالات السماوية وجعلها ناسخة لها، وأتم بها نعمته على العالمين، واختار الأمة المسلمة لتتلقى تراث الرسالة كله وتقوم على دين الله في الأرض) (١). ﴿... وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ...﴾ (٢) الآية. وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلَّا كان من أصحاب النار" (٣). هذا: وإذا كان الإِسلام يقر جميع ما سبقه من الرسالات فإنه يقرها على وجهها الصحيح لا على ما آلت إليه من التُّرُّهات والأباطيل ويطلب بعد ذلك الإِيمان بأن محمدًا خاتم الأنبياء والمرسلين، وبأن رسالته تضمنت خلاصة الرسالات السابقة، وزادت عليها ما به كمال الإِنسانية والطريق

стр. 85

الواسع نحو التطور الصحيح، والرقي الروحي والحضاري، ولأنه ليست هنالك رسالات بعدها للأقوام والأجيال في كل مكان. نعم: لقد وسع الإِسلام كل الرسالات قبله وشملها، ولكنه أعلن ولاءه لها والِإيمان بها جملة قال -تعالى-: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ (١). فهذا هو الإِسلام في سعته وشموله لكل الرسالات قبله، وفي ولائه لكافة الرسل حملته، وفي توحيده لدين الله كله ورجعه جميع الدعوات وجميع الرسالات إلى أصلها الواحد والِإيمان بها جملة كما أرادها الله لعباده. قال في الظلال: (إن الإِسلام -بمعنى إسلام الوجه لله وحده- كان هو الرسالة الأولى وكان هو الرسالة الأخيرة ... والإيمان بالله يقتضي الإعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله، وصدق كل الرسل الذين بعثهم الله، ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم، وتتضمنه الكتب التي نزلت عليهم، ومن ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل في ضمير المسلم؛ فكلهم جاء من عند الله بالإِسلام في صورة من صوره المناسبة لحال القوم الذين أرسل إليهم، حتى انتهى الأمر إلى خاتم النبيين - محمد ﷺ فجاء بالصورة الأخيرة للدين الواحد، لدعوة البشرية كلها إلى يوم القيامة) (٢).

стр. 86

وقال -تعالى-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ (١). قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: [يخبر -تعالى- أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ﵇ إلى عيسى ﵇ لَمَهْمَا أتى الله أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ ثم جاء رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه ولا يمنعه ما هوفيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته ولهذا قال - تعالى وتقدس -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية ... وقال علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس ﵄: ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلَّا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمد ﷺ -وهو حي ليُؤمِنَنَّ به ولينصُرنَّه. وقال طاووس والحسن البصري وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وهذا لا يضاد ما قاله علي وابن عباس ولا ينفيه بل يستلزمه ويقتضيه] (٢). ويروي الإمام أحمد في مسنده بسنده عن عبد الله بن ثابت قال: (جاء عمر إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ قال

стр. 87

عبد الله: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ . فقال عمر: رضيت بالله ربًّا وبالِإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولاً. قال: فسُرِّي عن النبي ﷺ ثم قال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ﵇ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين) (١). وللحافظ أبي يعلى: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حيًا بين أظهركهم ما حل له إلَّا أن يتبعني). وروى الإمام أحمد ﵀ بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: (قيل لرسول الله ﷺ -أي الأديان أحب إلى الله: قال: الحنيفية السمحة) (٢). نعم: لقد جمعت الشريعة الخاتمة محاسن الرسالات السابقة، وفاقتها كمالًا وجلالاً. قال الحسن البصري ﵀: (أنزل الله مائة وأربعة كتب أودع علومها أربعة: التوراة، والِإنجيل، والزبور، والفرقان "القرآن" ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان) (٣). وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (إن القرآن قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بياناً، وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم، ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها

стр. 88

الرسل كلها ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها، وبين ما حرف منها وبدل، وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين أيضًا ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حُرِّف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقره الله، ونسخ ما نسخه. فهو شاهد في الخبريات حاكم في الأمريات ... ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الِإلهية، وأمور المعاد والنبوات والأخلاق والسياسات والعبادات وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاحها لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلَّا بعض ما جاء به القرآن) (١). نستخلص مما سبق: أن الإِسلام هو آخر الشرائع الِإلهية إلى البشر وأن محمدًا ﷺ خاتم النبيين، وأن شريعة الإِسلام ودعوته خالدتان، فليست شريعة الإِسلام موقوتة بوقت مستقبل محدود يقف عنده وجوب تطبيقها لإِصلاح الحياة البشرية بل هي رسالة عامة للبشرية كلها رسالة خاتمة أنزلت على خاتم الأنبياء والرسل. رسالة تخاطب "الإِنسان" من وراء الظروف والبيئات والأزمنة، لأنها تخاطب فطرة الانسان التي لا تتبدل ولا تتحور ولا ينالها التغيير ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ...﴾ (٢) الآية.

стр. 89

وقد فصلت هذه الرسالة شريعة تتناول حياة الإِنسان من جميع أطرافها وفي كل جوانب نشاطها وتحتوي على كل ما يحتاج إليه منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان. وبرهان آخر على نسخ الشريعة الإِسلامية للشرائع السابقة: قال -تعالى-: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) ...﴾ (١) الآية. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ (٢) الآية. فأهل الكتاب مأمورون بالإيمان بمحمد ﷺ وبالكتاب الذي أنزل عليه وألا يسارعوا إلى الكفر به، فيصبحوا أول الكافرين وكان ينبغي أن يكونوا أول المؤمنين!!. ولا يحكم عليهم بالكفر إلَّا إذا كانت الشريعة الإِسلامية ناسخة لشرائعهم، وقد أمر الله -تعالى- بقتالهم حتى يؤمنوا بشريعة محمد ﷺ . يقول -تعالى-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣). • • •

стр. 90

المبحث السادس الإِيمان بيسر الشريعة وسماحتها ووفائها بحاجات البشر في كل زمان ومكان ويشمل هذا المبحث تمهيداً وستةَ مطالبٍ وهي: التمهيد. المطلب الأول: النصوص التي تؤكد يسر الشريعة وسماحتها: ويشمل: (أ) النصوص من القرآن الكريم. (ب) النصوص من السنَّة النبوية. المطلب الثاني: ما ثبت من مشروعية الرخص وهو أمر مقطوع به ومعلوم من الدين بالضرورة. المطلب الثالث: التكليف بما في الطاقة والوسع. المطلب الرابع: إجراء الأحكام على وفق الظاهر. المطلب الخامس: الأخذ بالعرف وما ينبني عليه من تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمنة والأمكنة والأعراف. المطلب السادس: من الأحكام المبنية على العرف: تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف.

стр. 91

تمهيد من الحقائق المسلّمة أن الشريعة الإِسلامية مبناها وأساسها على اليسر والعدل والرحمة، ومراعاة مصالح العباد في المعاش والمعاد، فقد أنزلها الشارع الحكيم مباركة حنيفية سمحة سهلة حفظ فيها على الخلق حقوقهم وزينها في قلوبهم. قال -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ (١). لقد استطاعت الشريعة الإِسلامية أن تفي بحاجات كل المجتمعات التي حكمتها، وأن تعالج كافة المشكلات في كافة البيئات التي حلت بها، بأعدل الحلول وأصلحها، لأنها بجانب ما اشتملت عليه من متانة الأصول، وإقامة القسط بين الناس وجلب المصالح والخيرات لهم ودفع المفاسد والشرور عنهم؛ قد أودعها الله جلت حكمته مرونة عجيبة جعلتها تتسع لكل طريق وتعالج كل جديد بما يفي بمصالح الخلق ويحقق مقاصد الشرع بغير عنت ولا إرهاق، فقد وسعت العالم الإِسلامي كله على تنائي أطرافه وتعدد أجناسه، وتنوع بيئاته الحضارية وتجدد مشكلاته الزمانية فما ضاق ذرعها

стр. 92

بجديد ولا قعدت عن الوفاء بمطلب، بل كان عندها لكل مشكلة علاج ولكل حادثة حديث وكانت ولا زالت وستزال -بإذن الله منَزِّلها وحافظِها- عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها إلى أن تقوم الساعة ويقوم الناس لرب العالمين. إن الله لم يرد التكليف بالشاق والإعنات فيه، لأنه سبحانه لم يجعل تعذيب النفوس سببًا للتقرب إليه ولا لنيل ما عنده ولا يليق أن يوحي العليم الخبير البر الرحيم لخاتم رسله وأنبيائه بشريعة عامة خالدة تُحْرِجُ الناس في دينهم أو تضيق عليهم في دنياهم أو تعجز عن مواجهة الجديد من أحوالهم وأوضاعهم، وقد وصفها منزلها بالكمال، وأراد بها الرحمة واليسر ونفى عنها الحرج والعسر. • • •

стр. 93

المطلب الأول النصوصُ التي تؤكد يُسْرَ الشريعةِ وسماحتَها تمهيد: مَن تتبَّع الشريعةَ الغراءَ في أصولها وفروعها يجدْ ذلك واضحًا جليًا في العبادات والمعاملات والحقوق والقضاء والأحوال الشخصية وغير ذلك مما يتصل بعَلاَقة الخلق بخالقهم، وعَلاقة بعضهم ببعض وما يضمن سعادتهم في الدنيا والآخرة وقد زخر كتاب الله سبحانه وسنَّة رسوله ﷺ بالنصوص التي تدل لذلك وتؤيده: (أ) النصوص من القرآن الكريم: قال الله -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ...﴾ (١) الآية. حقًّا: لم يكلف الله أحدًا فوق طاقته ووسعه وهذا من لطفه -تعالى- بخلقه، ورأفته بهم وإحسانه إليهم، فهو سبحانه بلطفه وإنعامه علينا لم يكلفنا بالمشقات المثقلة، ولا بالأمور المؤلمة كما كلف من قبلنا بقتل أنفسهم، وقرض موضع البول من ثيابهم، وجلودهم بل سهل علينا ورفق بنا ووضع عنا

стр. 94

الإِصر والأغلال التي وضعها على من كان قبلنا "فلله الحمد والمنة والفضل والنعمة" (١). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "تضمن أن جميع ما كلفهم به اْمراً ونهياً مطيقون له قادرون عليه، وأنه لم يكلفهم ما لا يطيقون، وفي ذلك رد صريح على من زعم خلاف ذلك ... وتأمل قول الله "إلَّا وسعها" كيف تجد تحته أنهم في سعة ومنحة من تكاليفه، لا في ضيق وحرج ومشقة، فإن الوسع يقتضي ذلك، فاقتضت الآية أن ما كلفهم به مقدور لهم من غير عسر لهم ولا ضيق ولا حرج" (٢). وقال -تعالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ...﴾ (٣) قال السيوطي: "فهذه الآية أصل القاعدة الكبرى التي تقوم عليها تكاليف هذه الشريعة فهي يسيرة لا عسر فيها سمحة لا تكلف فيها، سهلة لا تعقيد فيها، وهي أصل لقاعدة عظيمة ينبني عليها فروع كثيرة وهي "أن المشقة تجلب التيسير" وهي إحدى القواعد الخمس التي ينبني عليها الفقه وتحتها من القواعد: قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة إذا ضاق الأمر اتسع، ومن الفروع ما لا يحصى كثرة، والآية أصل في جميع ذلك" (٤).

стр. 95

وقال -تعالى- في وصف النبي ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ (١). فال ابن جرير الطبري: "ويضع النبي الأمي العهد الذي كان الله أخذ على بني إسرائيل من إقامة التوراة والعمل بها وبما فيها من الأعمال الشديدة، كقطع الجلد من البول، وتحريم الغنائم ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم مفروضة فنسخها حكم القرآن" (٢). "وبذلك تميزت شريعة الإِسلام عن بقية الشرائع السماوية التي شرع الله فيها من الأحكام الشاقة ما يتناسب مع أوضاع الأمم السابقة مثل اشتراط قتل النفس للتوبة من العصيان والتخلص من الخطيئة، قال -تعالى- حاكيًا هذا الأمر في القرآن الكريم: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ (٣). ومثل تطهير الثوب بقطع النجاسة منه، وإيجاب ربع المال في الزكاة، وبطلان الصلاة في غير موضع العبادة المخصوص ونحو ذلك.

стр. 96

فنطاق السماحة والتيسير في الإِسلام لا يقتصر على شؤون العبادات فقط، وإنما يتسع لكل أحكام الإِسلام من معاملات مدنية وتصرفات شخصية وعقوبات جزائية وتشريعات قضائية ونحوها، والمتتبع للأحكام الشرعية والقواعد الفقهية يجد مظاهر رفع الحرج واضحة جلية ويجد أن جميع التكاليف في ابتدائها ودوامها روعي فيها التخفيف والتيسير على الناس قال -تعالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (١). وقال عز من قائل: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). وقال -تعالى-: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ...﴾ (٣) الآية. قال ابن كثير -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، أي مما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلَّا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً. فالصلاة التي هي أكبر أركان الإِسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعاً وفي السفر تقصر إلى اثنتين وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة واحدة، وتصلَّى رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها. والقيام فيها يسقط لعذر المرض فيصليها المريض جالساً، فإن لم يستطيع فعلى جبنبه إلى غير ذلك من الرخص

стр. 97

والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات" (١). نعم: إنه بأدنى تأمل يبدو جليًا أن هذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وتشريعاته ملحوظ فيه فطرة الإِنسان وطاقته، وملحوظ فيه تلبيته تلك الفطرة وإطلاق هذه الطاقة والاتجاه بها إلى البناء والإستعلاء، فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم إذا تقرر هذا: فإنه لا مساغ لأحد ولا منفذ له للِإعراض عن تحكيم الشريعة الإِسلامية متذرعًا بالعسر والضيق أو متعللًا بأن هذه الشريعة السمحة جامدة صارمة لا يتسع صدرها لمسايرة التطور، ومواجهة ما يجد من أحداث الزمان بروح العصر ... إلخ، هذه الافتراءات والافتعالات المزعومة التي دسها المستشرقون وأمثالهم ممن يكتبون عن الإِسلام بروح التعصب وعقلية المتحامل. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾ (٢). (ب) ومن السنَّة النبوية: نذكر بعض الأحاديث الدالة على يسر الشريعة الإِسلامية وسماحتها ومرونتها من ذلك: ١ - ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سرية من سراياه ... فقال النبي ﷺ : "إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة ... " الحديث (٣).

стр. 98

٢ - عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده قال لما بعثه رسول الله ﷺ ومعاذ بن جبل قال لهما: (يسراً ولا تعسرًا وبشرًا ولا تنفرًا وتطاوعاً ...) (١). ٣ - وروى البخاري أيضاً عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلَّا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلَّا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله) (٢). ٤ - ما روى أبو داود في سننه عن سهل بن أبي أمامة أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة (في زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فإذا هو يصلي صلاة خفيفة دقيقة، كأنها صلاة مسافر أو قريبًا منها، فلما سلم قال أبي -يرحمك الله- أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أو شيء تنفلته، قال: إنها المكتوبة وإنها لصلاة رسول الله ﷺ ، ما أخطأت إلَّا شيئاً سهوت عنه، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار" ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ...) الحديث (٣).

стр. 99

٥ - وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلَّا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" (١). قال الحافظ ابن حجر -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "إن دين الإِسلام ذو يسر أو سمي الدين يسراً مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله، لأن الله رفع عن هذه الأمة الِإصر الذي كان على من قبلهم. ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم) (٢). قلت: نعم كما قال الحافظ ﵀: إن الإِسلام لا يطلب ممن اقترف إثمًا أو ارتكب ذنباً سوى أن يقلع عن ذنبه ويندم على فعله ويعزم على أن لا يعود إليه، ويستغفر الله على ما فات من ذنوبه قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ (٣). وبهذا يتبين لنا مدى يسر الإِسلام وسماحته في توبة التائبين، وعدم تعنته في أمر من أراد الرجوع إلى الطريق المستقيم، كما يتبين لنا ما بينه وبين الأديان الأخرى من البون الشاسع في هذا المجال بل وفي كل مجال؛ فهو لا يطارد المذنب مطاردة أبدية بحيث لا يقيل له عثرة، ولا يقبل منه توبة، إلَّا أن يقتل نفسه أو يعذب جسده أو ترتكس روحه في أجشام رديئة حقباً وأجيالًا، وهو لا يفضح المذنب ولا يشيع الفاحشة ولا يعلنها على الملأ بكتابتها على بابه كما هو الشأن في شرعة بني إسرائيل.

стр. 100

إنه لا يعمل ذلك بقدر ستره لها، وحثه على تغطيتها، وعدم إشاعتها وترغيبه في عمل الوسائل الكفيلة بمحوها، فما أحكمَ ٥ من تشريع! وما أعدلَه من حُكْمٍ, وما أيسرَه من منهج!! (١). قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- معلقاً على هذا الحديث: "ما أعظم هذا الحديث وأجمعه للخير والوصايا النافعة والأصول الجامعة، فقد أسس ﷺ في أوله هذا الأصل الكبير فقال: (إن الدين يسر أي ميسر مسهل في قواعده وعقائده وأخلاقه، وأعماله، أكمل الأخلاق وأصلح الأعمال: بها صلاح الدين والدنيا والآخرة، وبفواتها يفوت الصلاح كله، وهي كلها - بحمد الله - ميسرة سهلة كل مكلف يرى نفسه قادرًا عليها لا تشق عليه ولا تكلفه. عقائده صحيحة بسيطة، تقبلها العقول السليمة والفطر المستقيمة وفرائضه أسهل شيء ... وباقية شرائعه غاية في السهولة ... فمن أراد أن يقتدي بأكمل الخلق وإمامهم محمد ﷺ رأى ذلك غير شاق عليه، ولا مانع له من مصالح دنياه بل يتمكن معه من أداء الحقوق كلها: حق الله وحق النفس، وحق الأهل، والأصحاب، وحق كل من له حق على الإِنسان برفق وسهولة (٢). مما سبق: يتضح لنا بجلاء: أن النصوص الشرعية من قرآن كريم وسنَّة نبوية تواردت على رفع الحرج وأن التيسير والتخفيف من أسمى مقاصد

стр. 101

الشريعة وأن الأحكام الشرعية أحكام كاملة شاملة رحيمة عادلة جاءت من لدن خالق عليم حكيم رؤوف رحيم بعباده ... قال -تعالى-: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (١). فهو سبحانه لم يتعبد الناس بهذه الأحكام تضييقًا عليهم وإحراجًا لهم، وإنما شرعها لهم ليتوصلوا بالسير على منهاجها وهديها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة. فأي حرج على الإِنسان بعد ذلك أن يتقيد بها، ما دام يعلم علم اليقين أن في الِإلتزام بها سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة، وأن هذه الأحكام منارات يهتدي بها، ومصابيح يسير على ضوئها، وحوافز تدفع به في طريق الخير والصلاح، وحواجز تحول بينه وبين الشر والفساد. • • •

стр. 102

المطلب الثاني ما ثبت من مشروعية الرخص وهو أمر مقطوع به ومعلوم من الدين بالضرورة (إن تشريع الرخص في الإِسلام نمط يدل قطعاً على التزام مبدأ السماحة واليسر في المطالبة بالأحكام الشرعية، والرخص هي الأحكام التي شرعها الله -تعالى-، مراعي فيها أعذار الناس، وسد حاجاتهم مع بقاء السبب الموجب للحكم الأصلي، كرخص السفر والفطر والقصر والجمع وتناول المحرمات عند الإضطرار، والحاجة إلى ثمن المنتجات قبل إدراكها ونضجها وإباحة ترك صلاة الجمعة لمرض أو مطر أو نحوهما) (١). ومن هنا جاءت القاعدة الأساسية الجليلة التي أجمعت عليها كل كتب القواعد الفقهية وهي "المشقة تجلب التيسير" (٢).

стр. 103

وبناء على هذه القاعدة: شرعت الرخص والتخفيفات الكثيرة في الفرائض الإِسلامية وتعددت في أبواب الطهارة والصلاة والصيام والحج وغيرها، وجاءت الإستثناءات في باب المحرمات مراعية ظروف البشر في الضرورات التي تنزل بهم وتثقل كواهلهم وبذلك تقررت القاعدة الشرعية الشهيرة "الضرورات تبيح المحظورات" (١). والأصل في هذا ما جاء في كتاب الله -تعالى- بعد ذكر الأطعمة المحرمة حيث استثنى حال الضرورة والمخمصة في مواضع متعددة من القرآن الكريم منها: ١ - قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ (٢). ٢ - وقال -تعالى-: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). ٣ - وقال -تعالى-: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ (٤). ٤ - وقال -تعالى-: (﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا

стр. 104

أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ (١). والموضعان الأولان في سورتي البقرة والمائدة مدنيتان والموضعان الآخران في سورتي الأنعام والنحل مكيتان. نعم: (إن الإِسلام يحسب حساب الضرورات فيبيح عندها المحظورات، ويحل فيها المحرمات بقدر ما تنتفي هذه الضرورات، بغير تجاوز لها ولا تعد لحدودها، فمن خاف على نفسه الموت أو المرض، من الجوع والظمأ فلا عليه أن يتناول من هذه المحرمات بقدر ما يدفع الضرر: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ...﴾ الآية. وقد تضمنت الآيات السابقة استثناء حالة الضرورة حفاظاً على النفس من الهلاك والاستثناء من التحريم إباحة، قال أبو بكر الجصاص: (قد ذكر الله -تعالى- الضرورة في هذه الآيات وأطلق الِإباحة في بعضها بوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة وهو قوله -تعالى-: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ فاقتضى ذلك وجود الِإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها) (٢). وكما أبيح الأكل من الميتة حال الضرورة والمخمصة أبيح الفعل المحرم عند الضرورة والحاجة ومثاله التلفظ بالكفر عند الإِكراه عليه بالقتل أو بقطع بعض الأعضاء، مع اطمئنان القلب بالأيمان بدليل قوله -تعالى-:

стр. 105

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ...﴾ (١) الآية) (٢). ومن الرخص والتخفيفات التي تزخر بها الشريعة الغراء إباحة ترك الواجب إذا كان فعله مشقة تلحق المكلف كإباحة الفطر في رمضان للمسافر والمريض، قال -تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ...﴾ (٣). إن الناس متفاوتون في قدراتهم ومختلفون في أحوالهم من حيث القوة والضعف والإِقامة والسفر والصحة والمرض، لذا فإن الإِسلام يعطي هذه الناحية اهتمامًا كبيرًا فيبحثها ويقومها في منهاج تشريعه، ويعطي لكل حالة ما يناسبها ويضفي عليها من اليسر والسهولة وما يبعد الضيق عنها، فقد أرخص للمسافر بأن يفطر في رمضان على أن يصوم الأيام التي أفطرها في أيام أخر حينما يرجع إلى بلده ويشعر بالراحة بين أهله، وليس حظ المريض من عناية الله ويسره بأقل من حظ المسافر بل رخص له في الفطر أيام مرضه فإِذا شفى - بإذن الله - قضى الأيام التي أفطرها متتابعة أو متفرقة كيفما شاء وهذا يشعر بالحساسية المتكاملة بتفقد الإِسلام لأحوال أهله والحنو عليهم بتخفيف شرائعه) (٤).

стр. 106

ومن الرخص والتيسيرات في باب العبادات أيضًا: قصر الصلاة الرباعية في السفر. قال -تعالى-: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ (١). وروى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) (٢). وروى مسلم في صحيحه: عن ابن عباس ﵄ قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة) (٣). وسواء أمن الخوف من العدو أو لم يأمن، فقد روى مسلم عن يعلى ابن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس فقال: عجبت مما عجبت منه؛ فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته" (٤). وسواء أطالت المدة أم قصرت، فقد روى أبو داود في سننه عن جابر ﵄ قال: (أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة) (٥).

стр. 107

وكما شرع الإِسلام هذه التسهيلات في الصلاة الرباعية رفقاً بالمسافر وتخفيفاً عنه من العناء الذي تفرضه طبيعة السفر شرع رفقاً آخر لا يقل عما تقدمه، ذلك هو ما رخص به من الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير، ليرفع بهذه الرخصة ما قد يدخل عليه من المشقة، فقد روى مسلم في صحيحه عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعًا) (١). وروى مسلم أيضًا عن أنس ﵁ كان النبي ﷺ : "إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق" (٢). ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن الإِسلام لم يكد يترك مرحلة من المراحل التي تمر بها هذه العبادة إلَّا وقد حباها بنوع من السهولة واليسر. وصورة أخرى من صور اليسر والسهولة والسماحة ورفع الحرج والمشقة وهي أن الإِسلام راعى ما يعرض للإِنسان من ظروف وملابسات تجعل قيامه بالتكاليف الشرعية - مع يسرها وسهولتها -شاقاً وصعباً عليه كالمرض ونحوه- فشرع له أحكاماً تتناسب وحاله تخفيفاً وتيسيرًا عليه. وقد تقدم أن الإِسلام أباح للمريض الفطر في رمضان حتى يصح. كذلك خفف عنه في هيئة الصلاة وأباح له أن يؤديها حسب طاقته وقدرته.

стр. 108

وقد زار النبي ﷺ بعض أصحابه، وكان مريضًا فرآه يسجد على وسادة، فأخذها منه فرمي بها فقد روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة، فأخذها فرمى بها وأخذ عودًا ليصلي عليه فأخذه ورمى به وقال: "صل على الأرض إن استطعت وإلَّا فأوم إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك" (١). وقد تقدم وصف القرآن للنبي ﷺ في قوله -تعالى-: ﴿... وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ...﴾ الآية. ومن أمثلة ذلك: أن الشرائع السابقة كانت لا تُجَوِّز قربان الصلاة بدون تطهر بالماء مهما كانت الظروف والملابسات واشترطت في إجزائها أن تفعل في أماكنها الخاصة بها ولكن الإِسلام خفف من وطأة تلك الأحكام وراعى جميع الأحوال التي قد يتعرض لها المسلم وتدلنا آية التيمم على أن الله لا يريد أن يعنت الناس ويحملهم على الحرج والمشقة بالتكاليف، وإنما يريد أن يطهرهم ويتم عليهم نعمته حيث جاءت رخصة التيمم للمريض والمسافر. وأسقط فرض الطهارة المائية في الوضوء وغسل الجنابة عن المريض للعجز عن استعمال الماء، أو لضرر سيلحقه في استعماله من جرح أو برد شديد أو مرض يخشى زيادته أو تطاوله ... قال الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا

стр. 109

فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ (١). والحق الذي لا مرية فيه: (أن الرخص في الإِسلام تعتبر دليل عيان يشهد له بأنه دين اليسر والسهولة وأن هذه الرخص تعد قاعدة من قواعد الدين الكبرى وتوجد في جوانب التشريع كله من عقائد وعبادات ومعاملات وأحوال شخصية وقضاء وعقوبات وغير ذلك) (٢). والأمثلة لها أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تذكر: وقد تقدم أمثلة لها في باب العبادات. وإليك صورًا منها في باب المعاملات من ذلك: * إباحة العقود والتصرفات التي يحتاج الناس إليها، مثل: عقد السلم والاستصناع وبيع العرايا والمضاربة والشركة والمزارعة والمساقات والشفعة والقرض والرهن والضمان والكفالة والوكالة وغير ذلك كثير، وكلها تحقق إقامة العدل ومنع المنازعات وعدم الإعتداء على الحقوق المالية ودفع الحرج والعسر عن الناس والترخيص والتسهيل في الأحكام الشرعية. قال الإمام ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (والأصل في العقود كلها إنما هو العدل الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب، قال -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ

стр. 110

وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ...﴾ (١) الآية. والشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم وعن الميسر لما فيه من الظلم أيضًا، والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا، وكلاهما أكل المال بالباطل وما نهى عنه النبي ﷺ من المعاملات كبيع الغرر وبيع التمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين، وبيع المزابنة، والمحاقلة، وبيع الحصاة وبيع المضامين والملاقيح ونحو ذلك هي داخلة إما في الربا، وإما في الميسر ... " (٢). وقال ﵀: "ومن محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد، إتيانها بالشفعة، فإن حكمة الشارع اقتضت دفع الضرر عن المكلفين مهما أمكن، ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب دفع هذا الضرر بالقسمة تارة وبالشفعة تارة ... وكانت من أعظم العدل، وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد" (٣). * ما شرع من السماحة في البيع والشراء والقضاء والإقتضاء والخيار في البيع والشراء، والتنفيس عن المعسر، وإباحة الملكية الفردية وحمايتها ومنع الاحتكار بكل صوره وأشكاله والحث على الهبة والعطية والوصية وإباحة تبادل البر والصلات مع المشركين مع ضمان حرية الدعوة للإِسلام وتحقيق شرع الله في الأرض وإعلاء كلمته بل وأجاز قبول هداياهم ومكافئتهم عليها (٤).
следующие страницы →