← Сияса и кади

Сияса и кади · id 16985

وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في كل عصر

صالح السدلان

Полный текст (339 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقال الحسن أيضاً: (كان والله غنيًا عن المشاورة ولكن أراد أن يستن لهم) (١). وقال علي ﵁: (الإستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم) (٢). ولذا (كان النبي ﷺ كثيرًا ما يحض على إقامة الشورى من بعده بما يشعر بوجوبها ... عن أبي هريرة ﵁ قال: (إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاؤكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاؤكم وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها) (٣). ففي هذا وعد بالخير والبركة في حياة المسلمين ما داموا متمسكين بالشورى، وفيه وعيد شديد وإنذار بما تلقاه الأمة في حياتها من الشدائد والمحن إذا تخلت عن الشورى الجادة وخضعت للعواطف المائعة واكتفت في أمورها برأي النساء، ورأى غالبهن إلى أفنْ (ضعف) وعزمهن إلى وهن!! (ومن يقرأ حياة الخلفاء الراشدين ﵃ والصالحين من ولاة الأمر في خير قرون الإِسلام يجد أن الشورى كانت ديدنهم في جميع ما

стр. 142

يعرض لهم من الحوادث التي لم يكن فيها نص من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، سواء أكان ذلك من قبيل سياسة الأمة أم من قبيل التشريع الاستنباطي في الأحكام الشرعية أم كان من قبيل مصالح الحروب وتعيين قوادها وتجهيز الجيوش، ومعاهدات الصلح وتحديد علاقات الأمة بغيرها من الأمم في حالتي الحرب والسلم، وإقامة موازين العدل بين الأفراد والجماعات، إلى غير ذلك مما يشمل كل جانب من جوانب حياة الأمة الإِسلامية) (١). مهمة الشورى وأهميتها في حياة الأمة: إن مهمة الشورى هي: (تقليب أوجه الرأي واختيار اتجاه مناسب من الإتجاهات المعروضة .. وهي خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة وتدريبها على تحمل التبعات. وهي الدعامة الأولى التي يقوم عليها نظام الحكم في الإِسلام، فلا يجوز لحاكم ولا لمجتمع أن يلغي الشورى من حياته السياسية، والإجتماعية ولا يحل لسلطان أن يقود الناس رغم أنوفهم إلى ما يكرهون بالتسلط والجبروت كما هو حال كثير من القادة والرؤساء الذين يعميهم التعصب الممقوت والإستبداد بالرأي، فينزلقون إلى الشر ويجرون وراءهم الأمم والشعوب إلى مهاوي الهلكة والدمار!!. ولكن الشورى في الإِسلام ربانية المصدر، فلا يجوز لحاكم أن يعطلها ليبسط سلطان طغيانه على الناس ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ على حين يجوز للحاكم في الدول ذات الدساتير الوضعية أن يعطل الدستور،

стр. 143

ويفرض الأحكام العرفية باسم ضرورات الأمن وضبط النظام ومن ثم يكون التسلط والطغيان) (١). قاعدة الشورى في الإِسلام: (ليست الشورى في المجتمع الإِسلامي على غرار الشورى في المجتمات الديمقراطية، فهذه شورى ابتدعها الإِنسان للتشاور في صيغة حكمه نفسه بنفسه، ولكن الشورى في الإِسلام شرعت للتداول بين أصحاب العقول الراجحة من أهل الحل والعقد للتوصل إلى الصورة المثلى في تطبيق حكم الله على البشر ... كذلك فإن قاعدة الشورى تمثل أجلى مظاهر اليسر والسماحة والتوازن بين الثبات والمرونة في الشريعة الإِسلامية، فإذا كانت الشورى واجبة على المسلمين بمقتضى قوله -تعالى-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وهذا يمثل عنصر الثبات والدوام، فإن تفصيل النظم الشورية والطرق التي تكون بها - مما يختلف باختلاف الأحوال والزمان والمكان - قد تركت لكل أمة تنظمها حسب الظروف والأحوال، حسبما يتفق ومصلحتها، فيستطيع المسلمون في كل عصر أن ينفذوا ما أمر الله به من الشورى بالصورة التي تناسب حالهم وأوضاعهم، وتلائم موقعهم من التطور، دون تحديد شكل معين أو قيد

стр. 144

يلزمهم بذلك وهذا يمثل عنصر السعة والمرونة واليسر والسماحة والسبيل الأقوم للشورى في الإِسلام) (١). أهل الشورى: (إن الشورى التي أوجبها الله -سبحانه- لا يفهم منها أنها لمجموع اْفراد الأمة أو الأكثرية المطلقة فيها وإنما لأهل الحل والعقد قاصرة على علية القوم من ذوي العقول الراجحة والكفاءات العلمية المتخصصة، وهم زعماؤها ورؤساؤها وعلماؤها العالمون بشريعتها ومصالحها السياسية والإجتماعية والقضائية والإِدارية) (٢). دون الغوغائيين وسفلة القوم من محترفي السياسة وتجارها كما هو الحال في البرلمانات ومجالس الشعب في كثير من الدول التي تدين بالاسلام!! وفي القرآن الكريم تكررت آيات كثيرة تنص على أن الرأي لأهل الفضل والعلم؛ ليس لأكثر الناس على التعميم قال -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ (٣). فإذا كانت طاعة الكثرة الجاهلة تضل عن سبيل الله، فليس من الصواب أن تكون لهم المشورة، وإنما ترجع المشورة إلى أهل الرأي والحكمة بدليل

стр. 145

قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١). وقال -تعالى-: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ (٢). ويقول الرسول الكريم ﷺ : فيما رواه عنه ابن مسعود ﵁: "ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وإياكم وهيشات الأسواق" (٣) (٤). (فإشارة النبي ﷺ بتقديم أولى الأحلام والنهي ليكونوا خلفه في الصلاة ترشيح لهم ليكونوا من أهل الشورى والحل والعقد في المجتمع الإِسلامي، وشتان ما بين شورى تعتمد على السوقة وطغام القوم وسفلتهم، وبين شورى تعتمد على أعيان الفضل وغرر المجد وهامة الشرف والتقوى في المجتمع. نعم هناك أمور تتعلق الحقوق فيها برأي العامة الذين تتصل بهم اتصالًا مباشرًا ولا يحتاج الرأي فيها إلى كبير تدبير، فتكون مشورتهم حينئذ

стр. 146

حقًا من حقوقهم لا يقضي فيها إلَّا إذا أخذ رأيهم بطريقة من طرق تعرف الرأي المتاحة في المجتمع ومثال ذلك ما شرعه النبي ﷺ لأمته، لتقتدي به من بعده) (١). روى البخاري في صحيحه بسنده أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فقال رسول الله ﷺ : معي من ترون (أي من عامة الناس وخاصتهم) وأحب الحديث إلى أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم وكان أَنْظَرَهم رسولُ الله ﷺ بضعَ عشرة ليلة حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إحدى الطائفتين قالوا فإنا نختار سبينا فقام رسول الله ﷺ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد: فإن إخوانكم قد جاؤنا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يُطَيِّب ذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إيا ٥ من أول ما يُفِيُء الله علينا فليفعل. فقال الناس: قَدْ طَيَّبْنَا ذلك يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طَيَّبوا وأَذِنوا" (٢). فقول الرسول ﷺ : "إنا لا ندري -على التفصيل والتعيين - من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم" أي بعد التعرف

стр. 147

على رأي كل فرد منكم في حرية وطيب نفس فهذا مسلك يرشدنا إلى أدق ما وصلت إليه السياسة في تعرف رأي العامة فيما يتصل بما يكون للأفراد حق فيه، ويرشدنا كذلك إلى أن سياسة المسلمين مشاركة إيجابية بين الراعي والرعية وتعاون حقيقي فيما بينهم: فالرئيس الأعلى للدولة سلطته محكومة بشريعة الإِسلام في مبادئها العامة وقواعدها الكلية وأحكامها التفصيلية، فإذا وقع من الحوادث ما يتصل بالأفراد في حق من حقوقهم أو واجب من واجباتهم بادر إلى طلب الشورى من أهلها ولزام على الرعية أن يبدوا آراءهم حتى ولو تعارضت مع رأيه فما دام الحاكم مسلمًا تقيًا لا يجد غضاضة أن يسمع المعارضة تأتيه من أي فرد من أفراد الرعية، فيتقبلها بطيب خاطر ويرد عليها بسماحة نفس كما كان من عمر بن الخطاب ﵁ حينما اعترضه أحد المعترضين فقال له عمر: "لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها) (١). فِيمَ تكون الشورى؟ هذا ... وكما تكون الشورى في أمور السياسة ويستشار فيها أهل الحل والعقد والتجربة والخبرة كذلك تكون في أمور العلم والدين وفي الأمور المتعلقة بالأسرة وغيرها. • • •

стр. 148

المطلب الثاني العدل أساس من أسس التشريع في الإِسلام العدلُ شِعار الدين:؟ إذا كان لكل دين شعار خاص به وسمة تميزه عن غيره فإن شعار ديننا الإِسلامي الذي يميزه ويعين حقيقته (العدل). وهو الدعامة الوطيدة والميزة الحقيقية للشريعة الإِسلامية، ومن القيم الأصيلة الراسخة في المجتمع الإِسلامي وهو ميزان الإجتماع في الإِسلام يقوم به أبناء الجماعة. وإنه لعدل فذ فريد في تاريخ الأمم والشعوب، شهد بذلك كل من سمع به من سيرة الحكام والقضاة المسلمين، أو اطلع على النصوص القاطعة التي أمرت به، أمرًا لا مجال للترخيص أو الإجتهاد فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ...﴾ (١). وهو عدل مجرد دقيق خالص لا يميل ميزانه بالود والشنآن، ولا يؤثر في نصاعته ميل إلى قرابة أو نسب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا

стр. 149

فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ (١). وقال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ (٢). أمثلة من العدل في عهد الرسول ﷺ : ولقد ضرب رسول الله ﷺ أروع الأمثلة في العدل حينما جاء أسامة بن زيد يستشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، وعزم رسول الله ﷺ على قطع يدها فقال له: "أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٣). فالعدل في الإِسلام عدل مطلق يطبق على الكبير والصغير والشريف والوضيع والأمير والسوقة والمسلم وغير المسلم، ولا يفلت من قبضته أحد، وهذا مفرق الطرق بين العدل في المجتمع الإِسلامي وغيره من المجتمعات (٤). وكما أن من مقاصد الإِسلام رفع الحرج ودفع المشقة ورعاية مصالح الناس وأحوالهم فإن من أهم مقاصده أيضًا تحقيق العدالة ومنع الظلم بين الأفراد والتزام العدل والتوسط في الأمور كلها وبحسب العادات: قال -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ...﴾ (٥) الآية.

стр. 150

قال القرطبي ﵀: (المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها ... ولما كان الوسط مجانبًا للغلو والتقصير كان محموداً: أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم) (١). وقال السيوطي: (قوله -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ يستدل به على تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم. وقوله -تعالى-: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يستدل به على حجية إجماع الأمة) (٢). ومن يستعرض آيات القرآن التي تحض على العدل وتأمر به وتنفر من الظلم والحيف وتحذر منه يجد أن فيها كلها مطالبة واضحة بالتزام العدل في كل شيء ومن كل شخص وبالنسبة للناس جميعاً حتى مع الأعداء سواء في إصدار الأحكام الإجتهادية أم القضائية أم في نطاق السياسة والحكم والِإدارة أم في تولية المناصب والوظائف أم دي فرض الضرائب وجباية المال. وصرفه فيما ينفع الناس، أم في مجال الأسرة والتربية والتعليم وغير ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ...﴾ (٣) الآية. قال الشاطبي: (الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق

стр. 151

الوسط الأعدل الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال، بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الإعتدال كتكاليف الصيام والصلاة والحج والزكاة وغير ذلك مما شرع علي غير سبب أو لسبب) (١). العدل من صميم التطبيق لأحكام الشريعة الإِسلامية: فالعدل في الإِسلام من صميم التطبيق لأحكام الشريعة وليس مبدأً مستقلًا عنها لأن مصدره الوحي الإلهي من قرآن أو سنة نبوية أو اجتهاد المجتهدين الذين يستنبطون الأحكام من المصدرين السابقين بالقياس، بخلاف القانون الوضعي الذي يعتبر فكرة العدالة مصدرًا مستقلًّا خارجًا عنه يلجأ إليه القاضي أخيرًا ليستوحي القاعدة القانونية، ثم إن الشريعة مقاصدها تتصف بقوة الإِلزام الذي تستمده من الشارع الحكيم بخلاف القانون الوضعي الذي يستمد مقاصده من سمو المبادئ التي تحتوي عليها والتي تختلف بحسب الزمان والمكان) (٢). صور وضيئة للعدل في الإِسلام: هذا (وإذا كان العدل من السمات الأخلاقية المتميزة للدولة الإِسلامية وشريعتها فإنه لا يقتصر على أفراد الدولة فقط -أعني المسلمين فحسب- بل إن عدالة الإِسلام للإنسان (بإطلاقِ) أيًّا كان أصله العِرْقِي أو اللغوي أو طبقته أو عقيدته دون تمييز أو محاباة أو تحامل أو استعلاء، وليس أدل

стр. 152

على ذلك مما وعاه التاريخ وبقي صورة وضيئة للعدل عبر القرون من ذلك مثلًا: وقفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بجانب خصمه النصراني والذي سرق درعه، أمام شريح الذي لم يمنعه إكباره وإجلاله لأمير المؤمنين أن يطلب منه البينة على سرقة النصراني درعه، ولما لم يجد أمير المؤمنين البينة حكم القاضي للنصراني على أمير المؤمنين ... إلخ) (١). والتاريخ الإِسلامي حافل بأمثال هذه الأخبار الدالة على سيادة الحق والعدل في المجتمع الإِسلامي وحرية القضاء واستقلاله في المحكمة الإِسلامية ورسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري في القضاء التي حددت معالم الحق والعدل في الخصومات، لا تزال كنزًا من كنوز دساتير القضاء حتى اليوم ... يقول عمر ﵁: (... آس بين الناس في خلقك وعدلك، ووجهك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك ... إلخ) (٢). كلام قيَّم لإبن قيم الجوزية في هذا المضمار: يقول ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (إن الله -سبحانه- أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر

стр. 153

وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه ... إلخ) (١). الأمة الإِسلامية مكلفة بتحقيق العدل وبناء أصول حياتها عليه: (إن الأمة الإِسلامية مكلفة بتحقيق العدل في الأرض وهذا التكليف يوجب على المسلمين أن يكافحوا الظلم والبغي حيث كان ويزيلوا أسبابه لا ليملكوا الأرض ويستولوا على الموافق ويستذلوا الأنفس بل لتحقيق كلمة الله في الأرض خالصة من كل غرض مبرأة من كل هوى. ومكلفة أيضًا بأن تبني حياتها كلها على أصول العدل حتى تستطيع أن تحيا حياة حرة كريمة يحظى كل فرد في ظلها بحريته وينال جزاء سعيه ويحصل على فائدة عمله وكده) (٢). • • •

стр. 154

المطلب الثالث المساواة من الأصول العامة للتشريع في الإِسلام المساواة هي أساس التفاضل بين البشر: إن المساواة بين الناس تعد نتيجة حتمية لسيادة العدل بينهم، وهي ليست وليدة اجتهاد فردي، أو نتاج تفكير فلسفي وإنما هي مبدأ أصيل قرره الذي برأ الخلق والكون والحياة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) وهي قيمة وحيدة يرجح بها وزن الناس أو يشيل وهي قيمة سماوية بحته يستمد منها الناس في الأرض قيمهم وموازينهم، ويضربون صفحًا عن القيم الأخرى من نسب وقوة وجاه ومال وغير ذلك من القيم التي يتعاملون بها ويتفاوتون فيما بينهم في الأرض بسببها. (هذا هو الأساس الذي ولد قبل أربعة عشر قرنًا على يد الإِسلام في بلاد العرب التي كانت تعد أشد الأمم تباهيًا بالأنساب) (٢). الإِسلام انتشل الناس من وحل التفرقة العنصرية: فإذا نظرنا إلى ما شرعه الإِسلام من المساواة، لرأينا أنه لم يصل أي تشريع سماوي فضلًا عن وضعي -في مبدأ الحرص على المساواة- إلى ما وصل إليه الإِسلام.

стр. 155

فالأمم قبل الإِسلام وبعده إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي كانت تضع فروقًا عظيمة بين طبقات الأمة، (جاء في موسوعة لاروس: في سنة ١٧٩٨ م كان يوجد عدم مساواة في توزيع المناصب العمومية وعدم رقابة عليها فبذل وزراء لويس السادس عشر جهدهم لِإجراء الِإصلاحات التي تتطلبها الأمة فلم ينجحوا ضد المقاومة العنيفة لرجال الدين والنبلاء، فرأت الأمة أنه لا يجدي في هذا الأمر غير ثورة تضع مكان جماعة قائمة على اعتبار الإمتيازات جماعة أخرى يسودها قانون المساواة بين الجميع. وبعض الأديان تقر نظام الطبقية كالديانة البراهمية التي تقسم الأمة إلى طوائف أربع ويجعل على هذه الطبقات البراهمة أو الكهنة وأدناها السفلة والبرهمي يجب احترامه بسبب نسبه وحده وأحكامه هي وحدها الحجة وله يد -حين الحاجة- أن يمتلك مال الواحد من السفلة؛ لأن العبد وما ملكت يده لسيده وكان محرماً على هذه الطبقة المنكودة أن يتصل أحدهم بشيء من الدين أو العلم وإلَّا حل به عذاب غليظ: مثل صب الرصاص المصهور في أذنيه وشق لسانه وتقطيع جسمه. واليهود الذين يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه دون غيرهم - ساء ما يفترون - فرقوا في تشريعاتهم بين اليهود وغيرهم فحرموا الرب بشدة بينهم وجعلوه تجارتهم الرابحة الحلال بالنسبة لمن لم يكن منهم ... والأمم الديموقراطية التي تدعي -كذباً- أن العالم الإِنساني مدين لها بمبادئ المساواة لا تزال في قوانينها وسياستها تأتي بما يخالف هذا المبدأ كما في بعض الولايات الأمريكية وجنوب أفريقيا وكثير من المناطق الخاضعة للإستعمار الأوروبي توجد الفوارق بين الطبقات والتفرقة العنصرية بينهم ويتجرد السُّود هناك من أبسط الحقوق الِإنسانيَّة) (١).

стр. 156

(بَيْدَ أن الإِسلام بِمُثُلِه العليا لا يقيم لهذه القيم الهزيلة وزنا ولا يهتم بهذه النعرات السخيفة والاعتبارات الصغيرة الواهية إنه يجعل مقياس التفاضل وميزان العدل الذي توزن به جميع الأعمال والقيم ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ بغض النظر عن جميع الملابسات والإعتبارات والقيم الأخرى. فالأكرم عند الله هو الذي يستحق الرعاية والإهتمام ولو تجرد من كل المقومات والإعتبارات الأخرى التي يتعارف عليها الناس من النسب والجاه والقوة والمال ... إلخ. وسائر القيم الأخرى لا وزن لها حين تتعرى عن الإيمان والتقوى. والحالة الوحيدة التي يصح لها فيها وزن واعتبار هي حالة ما إذا أنفقت لحساب الإيمان والتقوى!!) (١). التقوى مقياس التفاضل في الإِسلام: نعم: (لقد قرر الإِسلام -باعتباره التقوى مقياسًا للتفاضل بين البشر- أبرع صورة للمساواة بينهم، وأمتن دعامة للإِخاء والمودة وهذا كله يدل دلالة قاطعة على مزيد شرف النوع الِإنساني وإظهار فضيلة اصطفائه لخلافة الله في الأرض، فالِإنسان -كل الإِنسان- مطالب أولًا بأن يفرد الله بالعبادة، ومن طريق هذه العبودية لله الواحد القهار له حقوق وعليه واجبات، فله أن يحيا حياة إنسانية كريمة في هذه الحياة ويعيش فيها عيشة محترمة آمنا على نفسه وماله وعرضه وعليه واجبات تقابل ما له من حقوق قررتها الشريعة الإِسلامية

стр. 157

تحقيقًا للتكافل الأخوي فعليه أن يؤدي ما عليه للمجتمع الذي يعيش فيه وللحياة التي يحياها مع الناس والأشياء. عناية القرآن الكريم بمبدأ المساواة: هذا: وقد عني القرآن الكريم بإبراز مبدأ المساواة بين أبناء الإِنسانية عامة على نسق يوقظ الشعور الِإنساني ويهزه هزًا إلى التعاطف الأخوي الإِنساني ووشائج الترابط النسبي بين كافة أفراد الإِنسان في شتى الأزمنة والأوطان قال -تعالى-: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ...﴾ (١) الآية. وقال -تعالى-: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ (٢). وهذا يشمل كل إنسان في الوجود لا يخص فردًا دون فرد ولا أمة دون أمة ولا طبقة دون طبقة فالناس في الواقع سواسية في حقيقة الإِنسانية ولا يقع التفاوت بينهم إلَّا بسبب الإنحراف عن هذه الحقيقة التي تجمعهم. التطبيق العملي لمبدأ المساواة الإِنسانية: كان أول تطبيق عملي لحقيقة هذه الآية الكريمة في ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الوجود الِإنساني هو ما صنعه في الإِسلام محمد بن عبد الله ﷺ الأنموذج الِإنساني الأعلى في حجة الوداع: (يا أيها الناس: أَلاَ إن ربكم

стр. 158

واحد. وإن أباكم واحد. أَلاَ لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلَّا بالتقوى، أَبَلَّغْتْ؟ قالوا: بلغ رسول الله ﷺ ) (١). وجعل ﷺ نفسه الكريمة وأقرب الناس إليه مثلًا أعلى لتطبيق دعامة المساواة الإِنسانية تطبيقاً عملياً، ليبين عن معقد الفضل بالعمل الصالح، ليتنافس فيه المتنافسون؟ (فقد زوج مولاه زيد بن حارثة ابنة عمته زينب بنت جحش ثم تزوجها ﷺ بعد أن طلقها زيد، ليكون ذلك أساسًا لتشريع المساواة فى أعلى ذروتها وأفضل صورها، وليقتلع به جذور الجاهلية من أصلها) (٢). وذلك ليذهب الفوارق الطارئة على حقيقة الإِنسانية ولم يُبْقِ إلَّا على ميزة العمل الصالح يقوم به المسلم فيسدي إلى مجتمعه الذي يعيش فيه خيرًا وبراً وإصلاحا. جاعلًا هذه الميزة هي مناط التفاضل والكفاءة نحو الأنساب والمصاهرة (٣). ولما لغطت ألسنة بشأن سلمان الفارسي، وتحدثوا عن العربية والفارسية بحكم إيحاءات القوم الضيقة ضرب رسول الله ﷺ ضربته الحاسمة في هذا الأمر فقال: "سلمان منا أهل البيت" (٤). فتجاوز ﷺ : كل آفاق النسب الذي يعتزون به، وكل حدود القومية الضيقة التي يتحمسون لها وجعله من أهل البيت رأسًا (٥).

стр. 159

وقد سار المسلمون على سيرة نبيهم، فعاشروا غيرهم من أهل الملل والنحل الأخرى بصفاء ووئام، والدين أقوى حاكم على شعورهم، فلم يشاهد منهم ما يعابون عليه، ولم يفرقوا في مكارم الأخلاق وحقوق الإجتماع بين مسلم وغير مسلم ولم يمنعوا غير المسلم أن يقاضي أرفع رأس في المسلمين، وينتصف منه. وعلى سبيل المثال لا الحصر: يطالعنا التاريخ الإِسلامي: (أن ابن عمرو بن العاص والي مصر في زمن الخليفة العادل عمر بن الخطاب لطم قبطياً، لأنه سابقه فسبقه، فاشتكى القبطي عند الخليفة عمر ﵁، فأرسل عمر إلى عمرو بن العاص وابنه فلما حضرا أحضر الخليفةُ القبطيَّ وقال له: أهذا الذي ضربك؟ قال نعم. قال: اضربه فأخذ يضربه حتى اشتفى له ثم قال له عمر: زد ابن الأكرمين!! ثم التفت إلى عمرو بن العاص وقال له: "منذ كم يا عمرو استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!! " (١). فهذا لون من العدالة الإِنسانية لا يعرفه الناس في غير الإِسلام، لأنه قائم على احترام الإِنسان -أي إنسان - بِغَضِّ النظر عن جنسه ولونه بل وعقيدته أيضًا، وهذا السمو الذي تحلى به الإِسلام يزداد ظهورًا إذا قورن بما يجري بين الأمم اليوم من المعاملات التي تنافي الكرامة الإِنسانية بعد أن طغت الجاهلية، وأصبح الإِنسان كله لا يساوي شيئًا في المذهب المادي المسيطر في روسيا زعيمة الدول الشرقية، ولا يقوم له وزن إلَّا برصيده من الدولارات في أمريكا زعيمة الدول الغربية!! وغيرهما من الدول التي لم تهتد

стр. 160

بهدي الإِسلام وتعاني ولا تزال تعاني من مشكلة الطبقات ومعضلة الملونين!! ولكن الإِسلام جاء بالمساواة الصحيحة المستقيمة التي روحها العدل والرحمة والتكافل في الحقوق: فقد ساوى بين طبقات الخلق في العدل في كل شيء ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (١)، وساوى بين طبقات العباد في الحقوق والواجبات تبعاً لقدرتهم واستطاعتهم. قال -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). وقال -تعالى-: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٣). وقال -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤). وقال -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٥). وساوى بينهم في وجوب إيتاء الحق الذي عليهم وفي إيصال الحق إليهم. قال -تعالى-: ﴿... وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) ...﴾ (٦) الآية. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له مظلمةٌ لأحد من عِرْضِه أو شيء فلْيتحلَّلْه منه اليوم قبل أن لا يكون

стр. 161

دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرح عليه" (١). كما ساوى الإِسلام بين المسلمين في إيجاب العبادات وتحريم المحرمات ساوى بينهم في الفضل والثواب بحسب أعمالهم ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ (٢). وكما ساوى بينهم في العبادات: ساوى بينهم في المعاملات العوضية والتبرعات، والإحسان، وجعل الرضا شرطاً لصحة العقود ونفاذها، وأن من أكره على شيء منها لا ينفذ له معاملة، ولا يستقيم له تبرع .. والخلاصة أن: الإِسلام ساوى بين الناس في كل حق ديني أو فى نيوي ولم يجعل لأحد على أحد ميزة في شيء؛ إلَّا بما قدم وبهذا يعرف كمال حكمة الله وشمول رحمته وحسن أحكامه ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾) (٣) (٤). • • •

стр. 162

الفصل الثالث الحكم بغير ما أنزل الله وفيه: تمهيد ومبحثان: التمهيد. المبحث الأول: الحكم بغير ما أنزل الله كفر مخرج عن الملة. المبحث الثاني: الحكم بغير ما أنزل الله كفر غير مخرج عن الملة.

стр. 163

تمهيد يا لله من عصر تُقْلَبُ فيه الحقائق وينسى فيه أنصار الإِسلام أنهم الذادون عن عرضه وحماه, فهذا الجم الغفير من المسلمين تسود بينهم العادات والتقاليد البالية وتنتشر بين ربوعهم المبادئ الهدامة، والأفكار الفاسدة الخطرة على الدين والأخلاق!! وتلك كثرة كاثرة من المسلمين تصاغ حياتها وفق أنماط متناقضة فهناك صياغة علمانية وأخرى اشتراكية لا دينية وثالثة ديمقراطية رجعية!! ومرجع هؤلاء وأولئك قانون ملفق من شرائع شتى ومرقع من قوانين كثيرة كالقانون، الفرنسي، والقانون البلجيكي، والأمريكي وغير ذلك من القوانين الوضعية الهدامة التي غالبًا ما تبارك المنكر وتؤيد الفساد وتحل ما حرم الله وتحرم ما أحله!! والإِسلام -بشموله وعمومه وأسسه وخصائصه- غائب عن الساحة غريب في أوطانه منكور بين أهله معزول عن الحكم والتشريع!! والحكام الذين حملهم الله المسؤولية عن شعوبهم المسلمة يسيرون في وادٍ غير وادي الإِسلام يوالون من عادى الله ويعادون من والى الله.

стр. 164

نعم: إن الأمة الإِسلامية قد ابتليت بحكام ظالمين -إلَّا من رحم الله- لا يشجعون مسلمًا يخدم الإِسلام بل يتنمَّرون لكل من يخدم الإِسلام ويعمل للإِسلام لأنهم حريصون عل أن يصبغوا دولهم بغير صبغة الإِسلام تقربًا إلى أعداء الله وإرضاء لمن يحاربون الله؛ فتراهم يجرؤن على استمداد التشريع من غير ما شرع الله زاعمين أنهم يختارون الخير لشعوبهم ويوائمون بين ظروفهم والتشريع الذي ينشؤونه من عند أنفسهم ساء ما يزعمون ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ...﴾ (١) الآية. ويدَّعي بعضهم أن القوانين الوضعية تساير التجدد والتطور، وتتناول الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال وأن الشريعة الإِسلامية أحكامها جامدة وقواعدها لا تفي بحاجات العصر الذي نعيش فيه -ساء ما يحكمون- وربما يجحد بعضهم حكم الله بالكلية زاعمًا أن الدين صلة بين العبد وربه وليس له صلة بشؤون التشريع والحكم والقضاء -ساء ما يفترون- ويحتج البعض الآخر منهم بأن القوانين الوضعية أفضل وأهدى وأنها بسبيل الرقى والتقدم أوفق وإليه أسبق: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ (٢). وقد يدفع الظن والجهل بعض الحكام فيعتقد أن تحكيم القوانين

стр. 165

الوضعية كتحكيم الشريعة الإِسلامية ولا فرق بينهما، أو تحمله شهوته وهواه على الحكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى" (١). وبعدُ: فتلك حال أكثر حكام البلاد الإِسلامية اليوم وحال من يحكمونهم وقبل أن نفند ما سبق من دعاواهم ونبين حكم الله فيهم: نقرر حقيقة لا مجال للشك أو المجاملة فيها وهي أن: كثيراً من قادة وحكام البلاد الإِسلامية مسلمون ومنهم متدينون، ولكن من المؤسف حقًا أنهم لا يعلمون من الإِسلام إلَّا القشور، بل إن إسلامهم لا يزيد عن إسلام الجهلة والعوام إنهم لا يعرفون عن الإِسلام إلَّا أنه صوم وصلاة وزكاة وحج، وليس وراء ذلك من مطلب ... فنقول: هؤلاء لا يخلو حالهم من أمرين: الأمر الأول: إمَّا أنهم يجهلون أحكام ما أنزل الله على رسوله، وعلى هؤلاء أن يعوا جيداً أن جهلهم قد أودى بهم وبشعوبهم في مهاوي الهلكة وكان سبباً في تخلفهم وتعاستهم!!. والأمر الثاني: أنهم يعلمون أحكام الشريعة ولكنهم يتجاهلونها أو يجحدونها ظلماً وعلواً، وهؤلاء قد نقضوا عهد الله، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، واستنكفوا عن عبادة الله وأفسدوا في الأرض بعد أن أكرمهم الله ومكَّن لهم وجعلهم حكاماً على الناس، وهؤلاء يصدق عليهم قول الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ

стр. 166

وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ (١)، وقوله -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾ (٢). لهذا: كان الحكم بغير ما أنزل الله ليس على درجة سواء ويمكن تقسيمه إلى قسمين: * القسم الأول: يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً مخرجاً عن الملة. وهذا هو المبحث الأول. * القسم الثاني: يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً غير مخرج عن الملة. وهذا هو المبحث الثاني. • • •

стр. 167

المبحث الأول الحكم بغير ما أنزل الله كفر مُخرج عن الملَّة نوضح في هذا القسم بأن الحكم بغير ما أنزل الله يكون كفراً مخرجًا عن الملة لصنفين من الناس: ١ - الصِّنف الأول: الذين شرَّعوا القوانين الوضعية المخالفة لشرع الله . ٢ - الصَّنف الثاني: الذين أطاعوا المُبدِّلين المغيرين لشرع الله. ويأتي تفصيل الكلام على هؤلاء (١). فأما الصِّنف الأَول وهم الذين شرَّعوا القوانين الوضعية والذين يتحاكمون إليها ويرضون بها فهؤلاء قد صرح القرآن الكريم بأنهم كافرون وظالمون وفاسقون (٢) .. قال -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ

стр. 168

قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ (١). وقال - تعالىَ -: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ (٢). فمن لم يحكم بما أنزل الله تعالى من أي جيل ومن أي قبيل فهو كافر برفضه ألوهية الله -تعالى- وخصائصها ممثلًا هذا في رفضه شريعة الله تعالى وجحودها أو المماحكة والتأويل والتأول ومحاولة المراوغة والتهرب من تطبيقها. وهو ظالم: بحمله الناس على شريعة هي غير التي شرعها لهم ربهم وخالقهم صالحة مُصْلِحةً لأحوالهم هذا فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة وتعريض حياة الناس -وهو معهم- للفساد، لأنه جاوز حق الإِنسان واعترض على حق خالص لله -تعالى-. وهو فاسق: بالخروج عن شرع الله واتباع طريق غير طريقه، إذ ليس لأحد من خلق الله كائنًا من كان أن يشرع لأحد، فالته وحده هو الذي يشرع لعباده ما يتناسب ويتناسق مع فطرتهم وطبيعتهم ويتناسب مع طبيعة الكون الذي يعيشون فيه، فالحكم له وحده، وهو خير الحاكمين .. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (٣).

стр. 169

قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزله الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلًا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر فإنه ما من أمة إلَّا وهي تأمر بالعدل، وقد يكون العدل في ديدنها ما رآه أكابرهم. بل كثير من المنتسبين إلى الإِسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف "البادية" وكانوا الأمراء المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي أن يحكم به دون الكتاب والسنَّة، وهذا هو الكفر، فإن كثيرًا من الناس أسلموا، ولكن لا يحكمون إلَّا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلَّا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار ... لأن الإِنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء وفي مثل هذا نزل قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾، أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله") (١). وقال ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول ﷺ فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه ... والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا عن عبادة الله إلى

стр. 170

عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة ولا قصدوا قصدهم بل خالفوهم في الطريق والقصد معًا" (١). وقال العلَّامة الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر نتفًا من "ألياسا" (٢) التي كان يحكم بها التتار: قال: (... وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عبادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله ﷺ الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر. فكيف بمن تحاكم إلى "الياسا" وقدمها عليه من فعل ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين .. قال الله -تعالى-: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٤) (٥). ويقول ﵀ في تفسير قوله -تعالى-: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ

стр. 171

يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (١)، يقول: "ينكر تعالى على من خرج على حكمه تعالى المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والإصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يصنعونها بآرائهم وأهوائهم. وكما يحكم به التتار من السياسات المَلَكِيَّة المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم (الياسق) وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإِسلامية وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعاً يقدمونه على الحكم بالكتاب وسنَّة رسول الله ﷺ فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير" (٢). وقال ابن الجوزي ﵀: (... وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً له، وهو يعلم أن الله أنزله كما فعلت اليهود، فهو كافر ومن لم يحكم به ميلاً إلى الهوى من غير جحود فهو ظالم فاسق وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو فاسق وظالم) (٣). وقد ارتضى هذا المذهب أبو جعفر الطبري في "جامع البيان في تفسير

стр. 172

آي القرآن فإنه قال: (... فكل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به فهو بالله كافر كما قال ابن عباس لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي) (١). وقال الشيخ أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (وهذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإِسلام السافرو العداوة هي في حقيقتها دين آخر، جعلوه ديناً للمسلمين بدلاً من دينهم النقي السامي لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها وغرسوا في قلوبهم حبها وتقديسها، والعصبية لها، حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثيراً كلمات لا تقديس القانون"، "قدسية القانون"، "حرمة المحكمة" وغير ذلك من الكلمات التي يأبون أن توصف بها الشريعة الإِسلامية، وآراء الفقهاء الإِسلاميين، بل هم حينئذٍ يصفونها بكلمات "الرجعية"، و"الجمود"، و"الكهنوت"، و"شريعة الغاب" إلى أمثال ما ترى من المنكرات في الصحف والمجلات والكتب العصرية التي يكتبها أتباع أولئك الوثنيين). ثم بيَّن، ﵀، أن المسلمين انحدروا درجة وتجرؤوا على الموازنة بين دين الإِسلام وشريعته وبين دينهم المفترى الجديد ... قال: (وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأَساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإِسلام سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئاً من أحكام الشريعة وما خالفها وكله باطل وخروج؛ لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة، لا اتباعًا لها، ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله، فالموافق والمخالف

стр. 173

مرتكس في حمأة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار، لا يجوز لمسلم أن يخضع له، ويرضى به" (١). وقال ﵀ في موضع آخر: (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس وهي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإِسلام - كائنًا من كان -في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها فليحذر أمرؤ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه" (٢). ثم يصور حالة العالم الإِسلامي في وقته وما ابْتُلِيَ به المسلمون من جراء هذه القوانين الفاسدة فقال: (والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنَّة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله بل بلغ الأمر مبلغ الإحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل وأسباب انقضت، فسقطت الأحكام كلها بانقضائها) (٣). وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان في قوله -تعالى-: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ (٤) .. قال ﵀: "قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر ﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾ بالياء المثناة التحتية وضم الكاف على الخبر، ولا نافية والمعنى: ولا يشرك الله - جل

стр. 174

وعلا- أحدًا في حكمه بل الحكم له وحده -جل وعلا- لا حكم لغيره البتة، فالحلال ما أحله -تعالى- والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه. وقرأ ابن عامر من السبعة "ولا تشرك" بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي أي لا تشرك يا نبي الله. أو لا تشرك أيها المخاطب أحدًا في حكم الله -جل وعلا- بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم. وحكمه -جل وعلا- المذكور في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ شامل لكل ما يقضيه -جل وعلا-، ويدخل في ذلك التشريع دخولًا أولياً. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبينًا في آيات أخر ... وبعد أن ساق ﵀ النصوص الدالة على أن الحكم لله وحده لا شريك له فيه وأن تحكيم القوانين الوضعية شرك ... قال: وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائ ٥ مخالفة لما شرعه الله -جل وعلا-على ألسنة رسله - صلوات الله وسلامه عليهم -، وأنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلَّا من طمس الله بصيرته وأعماه عن اتباع نور الوحي مثلهم. ثم بيَّن ﵀ أن هناك فرقًا بين ما يتغير بتغير الأزمان والأحوال وبين ما هو ثابت لا يتغير مهما تغيرت الأحوال والظروف في كل زمان ... فقال: اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك. وإيضاح ذلك أن النظام قسمان إداري وشرعي: أما الإِداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف

стр. 175

للشرع فهذا لامانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة فمن بعدهم ... كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة. وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم ... إلخ. فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها، وهو أعلم بمصالحها عن أن يكون معه مشرع آخر علوًا كبيرًا قال -تعالى-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ...﴾ الآية (١). وقد أطال ﵀ في تفسير قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ...﴾ (٢)، ومن جملة ما بينه في هذه المسألة ... قال "ومن هدي القرآن للتي هي أقوم. بيانه أن كل من اتبع تشريعًا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح مخرج عن الملة الإِسلامية) (٣).

стр. 176

هذا: وممن كتب في هذا الموضوع سماحة العالم الجليل الثبت الثقة العلامة السلفي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية كتب رسالة بعنوان: "وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه". وجاء في مقدمتها قول سماحته: "هذه رسالة موجزة، ونصيحة لازمة في وجوب التحاكم إلى شرع الله والتحذير من التحاكم إلى غيره كتبتها لما رأيت وقوع بعض الناس في هذا الزمان في تحكيم غير شرع الله والتحاكم إلى غير كتاب الله وسنَّة رسوله من العرَّافين والكهان وكبار عشائر البادية، ورجال القانون الوضعي، وأشباههم؛ جهلاً من بعضهم لحكم عملهم ذلك، ومعاداة ومحادة لله ورسوله من آخرين. ثم تعرَّض سماحته لبيان الغاية من خلق الجن والإِنس وأورد الأدلة الدالة على أنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وبين -أيده الله- أن العبادة تقتضي الإنقياد التام لله تعالى أمراً ونهياً واعتقاداً وقولاً وعملاً، وأن تكون حياة المرء قائمة على شريعة الله: يُحل ما أحل الله ويُحرم ما حرم ويخضع في سلوكَه وأعماله كلها وتصرفاته لشرع الله متجرداً من حظوظ نفسه ونوازع هواه، يستوي في هذا الفرد والجماعة والرجل والمرأة، لا يكون عابداً لله من خضع لربه في بعض جوانب حياته وخضع للمخلوقين في جوانب أخرى. وقد أورد حفظه الله النصوص التي تؤيد هذا المعنى كقوله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١).

стр. 177

وقوله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (١). وقد أفاض سماحته فيها وأجاد وبين المراد فليرجع إليها (٢). وحول سؤال ورد إلى سماحته لبيان ما يراه في المسلمين الذين يحتكمون إلى القوانين مع وجود القرآن الكريم والسنَّة المطهرة بين أظهرهم؟! فأجاب سماحته: رأيي في هذا الصنف من الناس الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين في الوقت الذي يتحاكمون فيه إلى غير ما أنزل الله، ويرون شريعة الله غير كافية، ولا صالحة للحكم في هذا العصر هو ما قال في شأنهم حيث يقول : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣). ويقول : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (٤). إذن فالذين يتحاكمون إلى شريعة غير شريعة الله لا شك أنهم يخرجون

стр. 178

بذلك عن دائرة الإِسلام، ويكونون بذلك كفاراً ظالمين فاسقين كما جاء في الآيتين السابقتين وغيرهما ... والله الموفق" (١). كما ورد إلى سماحته سؤال من أحد الأخوة وملخصه: ما حكم الذين يطالبون بتحكيم المبادئ الإشتراكية والشيوعية ويحاربون حكم الإِسلام وما حكم الذين يساعدونهم في هذا المطلب، ويذمون من يطالب بحكم الإِسلام ويلمزونهم ويفترون عليهم، وهل يجوز اتخاذ هؤلاء أئمة وخطباء في مساجد المسلمين؟ فأجاب سماحته: "الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه: (لا ريب أن الواجب على أئمة المسلمين وقادتهم أن يحكموا الشريعة الإِسلامية في جميع شؤونهم، وأن يحاربوا ما خالفهم وهذا أمر مجمع عليه بين علماء الإِسلام، وليس فيه نزاع بحمد الله، والأدلة عليه من الكتاب والسنَّة كثيرة معلومة عند أهل العلم. وبعد أن ذكر سماحته بعض النصوص من القرآن الكريم قال: والآيات في هذا المعنى كثيرة ... قال وقد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكم الله أو أن هدي غير رسول الله، أحسن من هدي الرسول ﷺ فهو كافر. كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد ﷺ أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال، وبما ذكرنا من الأدلة

стр. 179

القرآنية وإجماع أهل العلم يعلم السائل وغيره أن الله ين يدعون إلى الاشتراكة أو الشيوعية أو غيرهما من المذاهب الهدامة المناقضة لحكم الإِسلام كُفار ضُلَّال أكفر من اليهود والنصارى لأنهم ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يجوز أن يجعل أحد منهم خطيبًا وإمامًا في مسجد من مساجد المسلمين ولا تصح الصلاة خلفهم وكل من ساعدهم على ضلالهم وحسَّن ما يدعون إليه وذم دعاة الإِسلام ولمزهم فهو كافر ضال حكمه حكم الطائفة الملحدة التي سار في ركابها وأيدها في طلبها ... وأرجو أن يكون فيما ذكرنا كفاية ومقنع لطالب الحق والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين ويجمع كلمتهم على الحق وأن يكبت أعداء الإِسلام ويفرق جمعهم ويشتت شملهم، ويكفي المسلمين شرهم. أنه على كل شيء قدير، وصلَّى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم" (١). • • •

стр. 180

الصنف الثاني: الذين أطاعوا المبدلين المغيرين لشرع الله مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل: لمَّا كانت العقيدة الإِسلامية هي صخرة النجاة وخط الدفاع، ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة؛ لذا حرص أعداء الإِسلام على بذل كل ما في وسعهم لتحويل هذه الأمة عن عقيدتها، وحين يعييهم أن يحاربوا أهل هذه العقيدة ظاهرين يدسون لهم ماكرين، وحين يعجزهم أن يحاربوهم بأنفسهم وحدهم يجندون -ضعفاء النفوس- الذين يستعبدهم العرف الغالب وتتحكم في أعمالهم التقاليد السائدة ولو كانت خطأً يجر معه متاعب الدنيا والآخرة ويسخرونهم ليعيشو لهم أذنابًا يقتبسون مناهجهم وأوضاعهم ويتهافتون على تقليدهم، ويربطون كيانهم وحياتهم بمبادئهم ونظرياتهم وأفكارهم المناقضة والمخالفة لأصول الإِسلام وأحكامه. هؤلاء الضعفاء الأذناب كافرون بنص القرآن الكريم والسنَّة النبوية وأقوال العلماء قديماً وحديثاً: فمن القران: قال الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾ (١).
следующие страницы →