هذا: وممن كتب في هذا الموضوع سماحة العالم الجليل الثبت الثقة العلامة السلفي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية كتب رسالة بعنوان: "وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه".
وجاء في مقدمتها قول سماحته: "هذه رسالة موجزة، ونصيحة لازمة في وجوب التحاكم إلى شرع الله والتحذير من التحاكم إلى غيره كتبتها لما رأيت وقوع بعض الناس في هذا الزمان في تحكيم غير شرع الله والتحاكم إلى غير كتاب الله وسنَّة رسوله من العرَّافين والكهان وكبار عشائر البادية، ورجال القانون الوضعي، وأشباههم؛ جهلاً من بعضهم لحكم عملهم ذلك، ومعاداة ومحادة لله ورسوله من آخرين.
ثم تعرَّض سماحته لبيان الغاية من خلق الجن والإِنس وأورد الأدلة الدالة على أنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وبين -أيده الله- أن العبادة تقتضي الإنقياد التام لله تعالى أمراً ونهياً واعتقاداً وقولاً وعملاً، وأن تكون حياة المرء قائمة على شريعة الله: يُحل ما أحل الله ويُحرم ما حرم ويخضع في سلوكَه وأعماله كلها وتصرفاته لشرع الله متجرداً من حظوظ نفسه ونوازع هواه، يستوي في هذا الفرد والجماعة والرجل والمرأة، لا يكون عابداً لله من خضع لربه في بعض جوانب حياته وخضع للمخلوقين في جوانب أخرى. وقد أورد حفظه الله النصوص التي تؤيد هذا المعنى كقوله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١).
стр. 177
وقوله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (١). وقد أفاض سماحته فيها وأجاد وبين المراد فليرجع إليها (٢).
وحول سؤال ورد إلى سماحته لبيان ما يراه في المسلمين الذين يحتكمون إلى القوانين مع وجود القرآن الكريم والسنَّة المطهرة بين أظهرهم؟! فأجاب سماحته:
رأيي في هذا الصنف من الناس الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين في الوقت الذي يتحاكمون فيه إلى غير ما أنزل الله، ويرون شريعة الله غير كافية، ولا صالحة للحكم في هذا العصر هو ما قال في شأنهم حيث يقول : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣).
ويقول : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (٤).
إذن فالذين يتحاكمون إلى شريعة غير شريعة الله لا شك أنهم يخرجون
стр. 178
بذلك عن دائرة الإِسلام، ويكونون بذلك كفاراً ظالمين فاسقين كما جاء في الآيتين السابقتين وغيرهما ... والله الموفق" (١).
كما ورد إلى سماحته سؤال من أحد الأخوة وملخصه: ما حكم الذين يطالبون بتحكيم المبادئ الإشتراكية والشيوعية ويحاربون حكم الإِسلام وما حكم الذين يساعدونهم في هذا المطلب، ويذمون من يطالب بحكم الإِسلام ويلمزونهم ويفترون عليهم، وهل يجوز اتخاذ هؤلاء أئمة وخطباء في مساجد المسلمين؟
فأجاب سماحته:
"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه: (لا ريب أن الواجب على أئمة المسلمين وقادتهم أن يحكموا الشريعة الإِسلامية في جميع شؤونهم، وأن يحاربوا ما خالفهم وهذا أمر مجمع عليه بين علماء الإِسلام، وليس فيه نزاع بحمد الله، والأدلة عليه من الكتاب والسنَّة كثيرة معلومة عند أهل العلم.
وبعد أن ذكر سماحته بعض النصوص من القرآن الكريم قال: والآيات في هذا المعنى كثيرة ... قال وقد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكم الله أو أن هدي غير رسول الله، أحسن من هدي الرسول ﷺ فهو كافر.
كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد ﷺ أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال، وبما ذكرنا من الأدلة
стр. 179
القرآنية وإجماع أهل العلم يعلم السائل وغيره أن الله ين يدعون إلى الاشتراكة أو الشيوعية أو غيرهما من المذاهب الهدامة المناقضة لحكم الإِسلام كُفار ضُلَّال أكفر من اليهود والنصارى لأنهم ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يجوز أن يجعل أحد منهم خطيبًا وإمامًا في مسجد من مساجد المسلمين ولا تصح الصلاة خلفهم وكل من ساعدهم على ضلالهم وحسَّن ما يدعون إليه وذم دعاة الإِسلام ولمزهم فهو كافر ضال حكمه حكم الطائفة الملحدة التي سار في ركابها وأيدها في طلبها ... وأرجو أن يكون فيما ذكرنا كفاية ومقنع لطالب الحق والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين ويجمع كلمتهم على الحق وأن يكبت أعداء الإِسلام ويفرق جمعهم ويشتت شملهم، ويكفي المسلمين شرهم. أنه على كل شيء قدير، وصلَّى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم" (١).
• • •
стр. 180
الصنف الثاني:
الذين أطاعوا المبدلين المغيرين لشرع الله مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل:
لمَّا كانت العقيدة الإِسلامية هي صخرة النجاة وخط الدفاع، ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة؛ لذا حرص أعداء الإِسلام على بذل كل ما في وسعهم لتحويل هذه الأمة عن عقيدتها، وحين يعييهم أن يحاربوا أهل هذه العقيدة ظاهرين يدسون لهم ماكرين، وحين يعجزهم أن يحاربوهم بأنفسهم وحدهم يجندون -ضعفاء النفوس- الذين يستعبدهم العرف الغالب وتتحكم في أعمالهم التقاليد السائدة ولو كانت خطأً يجر معه متاعب الدنيا والآخرة ويسخرونهم ليعيشو لهم أذنابًا يقتبسون مناهجهم وأوضاعهم ويتهافتون على تقليدهم، ويربطون كيانهم وحياتهم بمبادئهم ونظرياتهم وأفكارهم المناقضة والمخالفة لأصول الإِسلام وأحكامه.
هؤلاء الضعفاء الأذناب كافرون بنص القرآن الكريم والسنَّة النبوية وأقوال العلماء قديماً وحديثاً:
فمن القران:
قال الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾ (١).
стр. 181
وقال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ (١).
وقال -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ (٢).
وقال -تعالى-: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (٣).
وتال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ (٤).
وقال -تعالى-: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ (٥).
قال ابن كثير: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك كما قال -تعالى-: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (٦).
стр. 182
ومن السنَّة:
ما رواه البيهقي في سننه بسنده عن عدي بن حاتم ﵁ قال أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب قال فسمعته يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾، قال: قلت: يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم قال أجل ولكن يحلون لهم ما حرم
الله فيستحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه فتلك عبادتهم لهم) (١).
وروى البيهقي أيضًا عن أبي البختري قال: سئل حذيفة ﵁ عن هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أكانوا يصلون لهم قال لا ولكنهم كانوا يحلون لهم ما حرم عليهم فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله لهم فيحرمونه فصاروا بذلك أرباباً) (٢).
ومن أقوال العلماء قديماً وحديثاً
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀:
(٥ ؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله إن علموا أنهم بدلوا دين الله فتابعوهم على التبديل، واعتقدوا تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً، وإن لم يكونوا يُصلُّون لهم ويسجدون لهم. فكان من اتبع
стр. 183
غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما
قاله الله ورسوله مشركًا مثل هؤلاء) (١).
وقال ﵀ ملزماً كل من علم حكم الله التمسك به وإن أوذي في ذلك .. قال ﵀: (ولو ضرب وحبس وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقًا لعذاب الله بل عليه أن يصبر، وإن أوذي في الله فهذه سنَّة الله في الأنبياء وأتباعهم) (٢).
وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀: (... وهذا مثل ما ابتلي به الذين أشربوا في قلوبهم حبها، والشغف بها، والذب عنها وحكموا بها وأذاعوها، بما ربوا من تربية أساسها صنع المبشرين الهدامين أعداء الإِسلام ومنهم من يصرح ومنهم من يتوارى، ويكادون يكونون سواء فإنا لله وإنا إليه راجعون) (٣).
قلت نعم: إن واقعنا المعاصر اليوم ليشهد لهذا: فالقوانين الوضعية تغمر كثيرًا من المجتمعات الإِسلامية -إلَّا ما رحم ربك- ويقبل عليها كثير من الناس بلا حرج، بل في شوق وارتياح وتمدها وتقوي شوكتها في ديار المسلمين روافد لا تنضب أولها في ديار الكفر وآخرها في قلوب إخوانهم وحلفائهم ممن تربوا على أيديهم ورضعوا ثقافتهم وتغذوا بلبانهم، وأصيبوا
стр. 184
بلوثتهم فدرسوا قوانينهم وأشربوا حبها في قلوبهم وبيتوا نية السوء للشريعة الإِسلامية.
إن الدول الكافرة كانت ولا زالت تبذل جهدها لإِيجاد فئة ترضى بالقوانين الوضعية وتتعلمها وتعلمها غيرها وتعمل بها في كل شؤون الحياة.
وقد حرص الإستعمار البغيض وهو يعزم على الرحيل جارًا أذياله وأسماله من العالم العربي والِإسلامي على أن تتربى على يديه وتنشأ في أحضانه "طبقة بديلة" توجد لديها قابلية شديدة للتأثر بالأنماط الوافدة، وتسري فيها روح التفرنج، لتكون امتدادًا لأفكاره وتحقيقًا مجسداً لأهدافه الخبيثة ونواياه السيئة تجاه الإِسلام والمسلمين ومع الأسف: فقد تم له ما أراد وظهرت آثار الكارثة حينما تولت هذه "الطبقة البديلة" قيادة الدول الإِسلامية في شتى مجالات الحياة وتحت شعارات خادعة من "الإِصلاح الإجتماعي" و"الإِصلاح والتجديد" "والتقدم والحضارة" ... إلخ، فغرسوا بواعث وأهداف جديدة في نفوس المسلمين بديلًا عن الإِسلام كالنعرات القومية والوطنية ودعاوى الاشتراكية والديمقراطية وغير ذلك من الدعوات التي روجوا لها وزينوها للمسلمين وبنوا حولها زعامات وقيادات تستقطب الناس من دعوة الإِسلام وتربط مصالحهم بقوانين وضعية تصرفهم عملياً عن الإهتمام بالشريعة الإِسلامية وتبعدهم عن دينهم وشريعة ربهم وتجعل وجهتهم القوانين الغربية.
وصحب ذلك خطة ضارية لعزل "دعاة الإِسلام" عن الحياة وحصرهم في أضيق نطاق بل وتصفيتهم وإبعادهم عن كل مجالات التأثير والتوجيه والدعوة للإِسلام!!!
стр. 185
واستخدم الطغاة العلماء الضعفاء كي يلبسوا على المسلمين دينهم ويزينوا تلك القوانين والمبادئ في أنظار المخدوعين تحت أي شعار أو استنادًا إلى أي تعليل!! (١).
فهؤلاء وأضرابهم ممن حذا حذوهم وانخدع بهم وسلك مسلكهم -في الدجل والنفاق والخداع والتلبيس على الناس- كافرون.
يقول الأستاذ مصطفى صبري (٢):
(ومن البلية أن الحركات التي تثار في الأزمنة الأخيرة ترمي إلى محاربة الإِسلام في بلاده بايدي أهله، والتي لا شك أنه الكفر وأخبث أفانين الكفر) (٣).
• • •
стр. 186
المبحث الثاني
الحكمُ بغير ما أنزل اللهُ كُفرٌ غيرُ مُخرج عن الملَّةِ
تحت هذا العنوان يُتصوَّر السؤال الآتي:
متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا غير مخرج عن الملة؟
وللإِجابة عن هذا السؤال نقول:
إذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أنه بهذا قد تجاوز الحق وخالف الصواب وعصى الله ورسوله "فهو كافر" ويسمى هذا بالكفر العملي أو المجازي أو الكفر الأصغر. ولا يخرجه هذا الكفر عن ملة الإِسلام.
وإليك بعض النصوص الواردة في هذا المجال:
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
(إذا كان الحاكم دينًا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار، وإن كان عالمًا لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار، وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص، وأما إذا حكم حكمًا عاماً في دين المسلمين فجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، والسنَّة بدعة والبدعة سنَّة، والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى الله عنه ورسوله، فهذا
стр. 187
لون آخر يحكم فيه رب العالمين، وإله المرسلين مالك يوم الدين الذي ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾) (١)(٢).
وقال شارح الطحاوية: (إن اعتقد الحاكم وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافراً كفرًا مجازياً أو كفراً أصغر، وإن جهل حكم الله مع بذل جهده واستفراغ وسعه بمعرفة الحكم وأخطأ فهذا مخطئ له أجر على اجهاده وخطؤه مغفور) (٣).
وقال ابن الجوزي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "فأما قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾، وقوله -تعالى- بعدها: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فاختلف العلماء في من نزلت فيه على خمسة أقوال:
أحدها: أنها نزلت في اليهود خاصة. رواه عبيد بن عبد الله عن ابن عباس وبه قال قتادة.
والثاني: أنها نزلت في المسلمين. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو هذا المعنى.
والثالث: أنها عامة في اليهود وفي هذه الأمة. قاله ابن مسعود والحسن والنَّخِعِي والسُّدَّي.
стр. 188
والرابع: أنها نزلت في اليهود والنصارى. قاله أبو مَجْلَز.
والخامس: أن الأولى في المسلمين والثانية في اليهود والثالثة في النصارى. قاله الشعبي.
وفي المراد بالكفر المذكور في الآية الأولى قولان:
أحدهما: أنه الكفر بالله -تعالى-.
والثاني: أنه الكفر بذلك الحكم وليس بكفر ينقُل عن الملة.
وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا له، وهو يعلم أن الله أنزله، كما فعلت اليهود، فهو كافر، ومن لم يحكم بما أنزل الله ميلاً إلى الهوى من غير جحود فهو ظالم وفاسق. وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق) (١).
وقد ارتضى هذا المذهب أبو جعفر الطبري في تفسيره .. فإنه قال: (فكل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به فهو بالله كافر كما قال ابن عباس لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي) (٢).
وقال القرطبي في تفسيره:
(وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار: أي معتقدًا ذلك ومستحلًا له فأما من فعل
стр. 189
ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين وأمره إلى الله -تعالى- إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) (١).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
" ... وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله وهو الذي لا يخرج عن الملة فهو الموافق تفسير ابن عباس ﵄ لقول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (٢). وذلك قوله ﵁: (كفر دون كفر)، وقوله أيضاً: (ليس بالكفر الذي تذهبون إليه)، وهو: بأن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهوى، فهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة. فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر: كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين الغموس، وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه كفراً - أعظم من معصية لم يسمها كفراً. نسأل الله -تعالى- أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه انقياداً ورضاءً إنه ولي ذلك والقادر عليه) (٣).
والخلاصة: أن الحكم بغير ما أنزل الله ليس على درجة واحدة، وإنما له درجات متفاوتة وأنواع متعددة بمعرفتها وتصورها يكون الحكم على من حكم بغير ما أنزل الله. ويمكن تقسيم ذلك -حسب ما أراه- إلى أربعة أصناف:
стр. 190
الصنف الأول:
الذين حكموا القوانين الوضعية راضين مختارين - في كل شؤون حياتهم وجعلوها بدلًا من الأحكام الشرعية اعتقادًا منهم أنها أدق وأتم وأشمل وأكمل من شرع الله -تعالى-أو أن شرع الله كان لفترة وانتهى الحكم به بانتهاء تلك الفترة، أو يعتقد الحاكم أن تحكيم القوانين الوضعية كتحكيم الشريعة الإِسلامية، أو غير ذلك مما يفتريه هؤلاء. فهؤلاء كفار لا شك في كفرهم وخروجهم عن ملة الإِسلام.
الصنف الثاني:
الذين أطاعوا المبدلين لشرع الله: اقتنعوا بآرائهم واعتبروا ما وضعوه من قوانين يحقق طموحاتهم ويصلح شأنهم وينظم حياتهم ووجدت لديهم قناعة تامة بذلك. فهؤلاء كفار أيضًا خارجون عن ملة الإِسلام.
الصنف الثالث:
الذين غُلبوا على أمرهم، فهم يعتقدون أن حكم الله أتم وشرعه أولى في الحكم بين الناس ويعترفون أنهم بهذا قد تجاوزوا الحق وأخطأوا وخالفوا الصواب، وعصوا الله ورسوله فهذا هو ما يسمى بالكفر العملي لا الاعتقادي. أي أن هؤلاء كفرهم كفر عمليٌّ لا يخرجهم عن ملة الإِسلام.
الصنف الرابع:
الذين يجهلون أحكام الشريعة عمومًا من عبادات ومعاملات، وأقضية ونحو ذلك وليس عندهم من العلم ما يميزون به بين حكم الله وحكم القوانين الوضعية وإنما عاشوا وتربوا في المجتمعات التي تحكم بالقوانين الوضعية فألفوا أحكامها ولم يعرفوا سواها، فهؤلاء جهلهم بأحكام الله -تعالى-
стр. 191
مساو لجهلهم بفرائض الإِسلام الأخرى من عبادات ومعاملات وحدود ... إلخ، إذ الكل عبادة وطاعة لله -تعالى- وتبصير هؤلاء بدينهم وتعريفهم بأحكام شريعة ربهم من ألزم الواجبات على علمائهم، فإذا ما قصَّر العلماء أو تقاعسوا عن أداء هذا الواجب العظيم فهم متحملون قَسطهم من تبعات ذلك وسيحملون أوزارهم وأوزار من قصروا في إسداء النصح إليهم (١) نسأل الله الهداية والتوفيق للجميع في اتباع شرعه والعملِ بسنة نبيِّه ﷺ .
• • •
стр. 192
الفصل الرابع
أسباب وبواعث الحكم بغير ما أنزل الله -تعالى -
وفيه تمهيد وأربعة مباحث:
التمهيد.
المبحث الأول: انعدام الإيمان أو ضعفه.
المبحث الثاني: مداهنة الكفار والركون إليهم.
المبحث الثالث: الجهل بأحكام الشريعة الإِسلامية.
المبحث الرابع: التأثر بالشبهات والإتهامات التي تثار حول تطبيق الشريعة الإِسلامية وعدم القدرة على تفنيدها ومواجهتها.
стр. 193
تمهيد
إننا لو فكرنا مليًا فيما آل إليه أمر المجتمعات الإِسلامية التي لا تحكم بما أنزل الله -تعالى-، وكيف غمرها الفساد وأخذت بخناقها المشكلات بسبب تحكيم القوانين الوضعية التي ذاق المسلمون في ظلها أكبر الويلات وأعظم النكبات والأزمات وانفرط عقد نظامهم بسببها عقديًا وسياسيًا وفكريًا واقتصاديًا واجتماعيًا وأخلاقيًا، لو فكر كل منا في هذا لتساءل وحُقَّ له أن يتساءل.
لماذا آل أمر المسلمين إلى هذا الحد؟ وما الذي أدى بهم إلى هذا الطريق المسدود؟
وفي -نظري- أن لذلك أسبابًا عدة جعلتها في أربعة مباحث:
المبحث الأَول: انعدام الإيمان أو ضعفه.
المبحث الثاني: مداهنة الكفار والركون إليهم.
المبحث الثالث: الجهل بأحكام الشريعة الإِسلامية.
المبحث الرابع: التأثر بالشبهات والإتهامات التي تثار حول تطبيق الشريعة الإِسلامية وعدم القدرة على تفنيدها ومواجهتها.
стр. 194
المبحث الأول
انعدام الإيمان أو ضعفه
نعم: إن ضعف الإيمان في نفوس كثير من المسلمين هو: الأصل الجامع لكل انحراف وقعوا فيه وكل الأسباب التي سأذكرها بعدُ إنما هي أسباب تفصيلية لهذا السبب الأساسي. ولا غرو فقد تقدم (١) أن الإيمان بالله -تعالى- وما يقتضيه هذا المعنى هو نقطة البدء التي ينبغي أن ينطلق منها المسلم بل وتعد عنصرً فعالًا في الإستجابة لأوامر الله -تعالى- وتطبيق شرعه، وإيمان بهذه المنزلة يعد إيمانًا حيًا نابضًا متحركًا ودافعًا إلى كل خير يشعر صاحبه بحلاوته وأثره.
"أما أن لا يتجاوز الإيمان إلَّا ادعاءه أو لا يتجاوز النطق بكلمة الإيمان باللسان فحسب، فإذا فتشت عن مدلوله في نفس مدعيه لا تجده شيئًا.
فمثل هذا الإيمان لا يحرك ساكنًا ولا ينتج أثرًا ولا يشعر صاحبه
стр. 195
بحلاوته وإنما هو إيمان اعتراه فتور أو موت ويتبع هذا -والعياذ بالله تعالى- المرض القلبي الذي يجعل المريض يعرض عن حكم الله وحكم رسوله ويقبل على حكم البشر مع قصوره وثبوت عجزه. نعم: إنه يدعي الإيمان بالله وبالرسول كما يدعي الطاعة فإذا ما دعي إلى تطبيق حكم الله ورسوله فإذا هو من المعرضين (١).
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ (٢).
وروى الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: "لقد عشت برهة من دهري وإن أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تُعلَّمون أنتم القرآن ثم أجد رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان؛ فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده منه وينثره نثر الدَّقْل (٣) " (٤).
وهذا ما يصدق على كثير من مسلمي اليوم فقد ضعف الوازع الديني
стр. 196
وبدا ظاهرة فاشية عندما انتشر الجهل وانعدمت التربية الإِسلامية في مختلف الأوساط وسيطر الظلم وفشا الجور واستبدت بالحكام الأهواء ولم تعد مراقبة الله أساسًا للتصرف، والإيمان به أصلا للسلوك والمعاملات، وأصبح الوازع الديني غير زاجر حقيقة عن اللهو والعبث والفساد. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 197
المبحث الثاني
مداهنة الكفار والركون إليهم في كل شأن من شؤون المسلمين
إن الإِسلام يواجه حربًا ضروسًا من جهات متعددة، ومن أعداء شرسين، فالصليبيون الحاقدون، والشيوعيون الملحدون والصهيونيون المخربون، كل هؤلاء يعملون جاهدين بكل طاقاتهم لحرب الإِسلام وقطع دابر المسلمين.
ومن المؤسف حقًا أن تنضم إليهم وتعمل لحسابهم فئات ثلاث:
١ - الفئة الأُولى:
فئة تنتسب إلى الإِسلام ولا سلطان للإسلام عليها ونقصد بتلك الفئة:
"الطبقات المتعاقبة من أصحاب القانون الوضعي" وهي الطبقات البديلة "ممن تربوا في أحضان الغرب، ودانوا بفكرتهم وتمذهبوا بمذاهبهم، على آثارهم يُهرعون وفي مرضاتهم يتنافسون وبمذاهبهم العلمانية والإشتراكية والشيوعية والصهيونية يتمذهبون!!! يهتفون باسمهم ويدعون إلى مبادئهم ويحملون الناس عليها" (١).
стр. 198
فتراهم يداهنون ويجاملون ويدارون الكفار والملحدين على حساب الدين وهذا نتيجة طبيعية للإنهزام الداخلي في نفوسهم حيث رأوا أن أعداء الله تفوقوا في القوة المادية فانبهروا بهم ولأمر مَّا رسخ وترسب في أذهان هؤلاء المخدوعين أن هؤلاء الأعداء هم رمز القوة ورمز القدوة في عالمنا المعاصر فأخذوا ينسلخون من شريعة ربهم وأحكام دينهم مجاملة للكفار ومداهنة لهم وتوددًا إليهم ولئلا يصمهم أولئك الكفرة بأنهم رجعيون متعصبون" (١).
فهؤلاء إلى غير الإِسلام أقرب؛ لأنهم يعملون عمل الكفار ويقولون قول المسلمين وما هم بمسلمين ولو قالوا ألف مرة بالسنتهم إنهم من المسلمين!!
وقد تقدم الحكم على هؤلاء عند الحديث على "حكم من حكم بغير ما أنزل الله -تعالى-" وهم الصنف الثاني الذين أطاعوا المبدلين لشرع الله" (٢).
وما نريد أن نقرره هنا هو:
أن هؤلاء ومن على شاكلتهم -أعني سواء كانوا حكامًا أو محكومين- يوالون أعداء الله، ويوادونهم ويتحببون إليهم تملقًا لهم وتقربًا إليهم وتثبيتًا لملكهم واستقباءً لسلطانهم وطلبًا لحمايتهم ... فتراهم يتصدرون أزمة الحكم ويحتلون مكان الزعامة الدينية والروحية والفكرية والسياسية والتنفيذية
стр. 199
ويدفعون بشعوبهم مغافلةً إلى ما يريدون بل إلى ما يألفون وهم يدرون أو لا يدرون ما يراد بهم وبشعوبهم أو ما سيصير إليه أمرهم فإنا لله وإنا إليه راجعون!!
نعم: إن تلامذة الإستعمار في قلب البلاد الإِسلامية يحملون معاول الهدم للإسلام ويبثون سمومهم للمسلمين هنا وهناك عن قصد أو عن غير قصد!
٢ - الفئة الثانية:
ومن المؤسف أيضًا أن يبتلى المسلمون بفئة أخرى -من أدعياء العلم- ترضى بالقوانين الوضعية بل وتتعلمها وتقوم بتعليمها وبالقضاء بها (١)، وهؤلاء العلماء والضعفاء قد استخدمهم الطغاة المنهزمون في أنفسهم، كي يلبسوا على المسلمين دينهم فتراهم يسلكون مسلك سادتهم وكبرائهم في النفاق والدجل والخداع في تمرير القوانين الوضعية والحكم بها ودراستها في كليات ومعاهد المسلمين يغلفون دعوتهم بغلاف جميل براق ويتخذون ألوانًا من المكر والخداع، فتارة يدَّعون أن الله فوض للأمة أن تضع ما يصلح شأنها من أنظمة وقوانين!!
وتارة يدَّعون أن القوانين الوضعية موافقة للشريعة الإِسلامية.
وتارة يدَّعون التوفيق بين الشريعة الإِسلامية والقوانين الوضعية (٢).
إلى غير ذلك من الإدعاءات الكاذبة التي هي كفر وضلال وخداع وتلفيق وقائلوها مخادعون أو مخدوعون ولا يخفى خداعهم هذا على من له
стр. 200
بصيرة في دينه بل أدنى بصيرة فيه! وهؤلاء قذى في أعين الإِسلام وبثرة في وجه الدين، فالاسلام منهم براء وسيحملون أوزارهم كاملة ومن أوزار الذين يضلونهم إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.
٣ - الفئة الثالثة:
على أن هناك فئة ثالثة: انتسبت إلى الإِسلام زورًا وخرجت على الدين خروجًا سافرًا في أقوالها وأفعالها وسلوكها، ليقول الناس عنهم إنهم أحرار التفكير ورواد الإصلاح وما هم في الواقع إلَّا ببغاوات يرددون كما ورد من الغرب الكافر أو الشرق الملحد وهو عندهم طابع المدينة وسمة الحضارة، ولن يكون الإنسان عند هؤلاء مدنيًا متحضرًا إلَّا إذا انسلخ من دينه ومن لسانه ليلبس جلد غيره ودينه ولسانه واستخدم هؤلاء سلاحًا فتاكًا لتقويض المجتمعات الإِسلامية ونقل الأوبئة الإجتماعية الغربية إليها وهو وسائل الإعلام من صحافة وتلفاز ومسرح وسينما ... إلخ. وبذا عمت الفوضى وانتشر الفساد وتولى الجيل الذي رباه المستعمرون تربية جيل جديد أكثر مسخًا وانحلالًا وحوربت أحكام الله على يد هؤلاء أكثر مما حوربت بأيدي المستعمرين (١).
وبعدُ: فهذا حال بعض من ينتسب إلى الأمة الإِسلامية. وهذا هو واقعنا الذي نعيشه ونحن مبتلون بهؤلاء المحسوبين علينا والمتولين أَزِمَّة الحكم فينا. وَمَرَدُّ ذلك كله الإعراض عن شرع الله وهديه والمداهنة. والموالاة -غير المشروعة- لأعداء الله وأعدائنا.
стр. 201
إنه لن يستقيم إيمان المسلم وسلوكه إلَّا على أساس إخلاص ولائه لربه ورسوله وعقيدته وجماعته المسلمة ... قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ (١).
ولن يتحقق معنى استخلاف الله له في الأرض بحمله راية هذه العقيدة المكينة ما لم يعرف طبيعة عدوه وبواعثه وطبيعة المعركة التي يخوضها معه وما لم يستيقن أن أعداء الله جميعًا إلب عليه وأن بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة والعقيدة الإِسلامية على السواء!!.
والنصوص التي تبين ذلك وتؤكده كثيرة منها:
قال -تعالى-: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ (٢).
فهذا نهي عن التولي العام لهم واتخاذهم أعوانًا وأنصارًا وأولياء، أو الدخول في دينهم.
قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: "من اتخذ الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا يواليهم على دينهم ويظاهرهم على المسلمين فليس من الله في شيء أي قد بريء من الله وبريء الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي إلَّا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة
стр. 202
العدالة تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل" (١).
وقال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ (٢).
قال ابن جرير -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في تفسيرها: "من تولى اليهود والنصارى من دون المؤمنين فإنه منهم، أي من أهل دينهم وملتهم فإنه لا يتولى متول أحد إلَّا وهو به وبدينه، وما هو عليه راض وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه" (٣).
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "أخبر الله في هذه الآية أن متوليهم هو منهم وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٤). فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب فالقرآن يصدق بعضه بعضًا" (٥).
وقال في الظلال في قوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ...﴾ الآية: هذا النداء موجه إلى الجماعة المسلمة في المدينة -ولكنه في الوقت ذاته موجه لكل جماعة مسلمة تقوم في أي ركن من أركان
стр. 203
الأرض إلى يوم القيامة ... موجه لكل من ينطبق عليه ذات يوم صفة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
إن القرآن الكريم يربي وعي المسلم بحقيقة أعدائه وحقيقة المعركة التي يخوضها معهم ويخوضونها معه. إنها معركة العقيدة فالعقيدة هي القضية القائمة بين المسلم وكل أعدائه، وهم يعادونه لعقيدته ودينه قبل أي شيء آخر، وهم يعادونه هذا العداء الذي لا يهدأ لأنهم هم فاسقون عن دين الله ومن ثم يكرهون كل من يستقيم على دين الله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ (١) ...
فالذين يحملون راية هذه العقيدة لا يكونون مؤمنين بها أصلًا ولا يكونون في ذواتهم شيئًا، ولا يحققون في واقع الأرض أمرًا ما لم تتم في نفوسهم المفاصلة الكاملة بينهم وبين سائر المعسكرات التي لا ترفع رايتهم. والذين يحملون راية هذه العقيدة لا يكونون مؤمنين بها ما لم يقتنعوا اقتناعًا لازمًا جازمًا لا أرجحة فيه ولا تردد بأن دين الله هو الدين الوحيد الذي لن يقبل الله من الناس سواه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (٢).
وبأن شرع الله لا يمكن أن يقوم مقامه أي منهج آخر من مناهج البشر ولن تستقيم حياة البشر إلَّا بإقرار شرع الله في أرض الله وتحكيمه في أوضاعهم وأنظمتهم وتنفيذه في أقضيتهم وأحوالهم.
إن الولاية التي ينهى الله الذين آمنوا أن تكون بينهم وبين اليهود والنصارى تعني التناصر والتحالف معهم ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم
стр. 204
فبعيد جدًّا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين. إنما هو ولاء التحالف والتناصر الذي كان يلتبس على المؤمنين أمره فيحسبون أنه جائز لهم بحكم ما كان واقعًا من تشابك المصالح والأواصر. ومن قيام هذا الولاء بينهم وبين جماعات من اليهود قبل الإِسلام وفي أوائل العهد بقيام الإِسلام في المدينة حتى نهاهم الله عنه وأمر بإبطاله بعدما تبين عدم إمكان قيام الولاء والتحالف والتناصر بين المسلمين واليهود في المدينة.
إن المسلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب ولكنه منهي عن الولاء لهم بمعنى التناصر والتحالف. والتسامح يكون في المعاملات الشخصية لا في التصور الإعتقادي ولا في النظام الإجتماعي" (١).
وبهذا يعلم أن سماحة الإِسلام مع أهل الكتاب شيء، واتخاذهم أولياء من دون الله شيء آخر، ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين السذج الذين ينادون بما يسمى "زمالة الأديان" ويقولون إننا نستطيع أن نضع أيدينا في أيدي أهل الكتاب للوقوف في وجه المادية والإلحاد بوصفنا جميعًا أهل دين، وهم بهذا يخلطون بين دعوة الإِسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه وبين الولاء الذي لا يكون إلَّا لله ولرسوله ثم للجماعة المسلمة ...
ولكن على هؤلاء السُّذَّج أن يعلموا أنهم واهمون في زعمهم هذا؛ فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يقوم بيننا وبين اليهود والنصارى ولاء وتناصر ندفع به المادية والإلحاد ولا يمكن أن نظن أن لنا وإياهم طريقًا واحدًا وهم الذين يتمنون أن لو نكفر كما كفروا فنكون سواءً: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا
стр. 205
فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (١).
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ...﴾ (٢) الآية.
وهم الذين كانوا يقولون للذين كفروا من المشركين: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ (٣).
وهم الذين ألبَّوا المشركين على المسلمين في المدينة وكانوا لهم درعًا وردءًا.
وهم الذين يتحينون الفرص للقضاء على الإِسلام، ويرصدون لأهله ليفتنوهم عنه ويردوهم كفارًا في صورة من صور الكفر الكثيرة وما أكثرها في زماننا هذا ...
﴿... وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ (٤).
وغير ذلك من النصوص والوقائع التي تُثْبِتُ عداوة اليهود والنصارى للمسلمين فهل بعد هذا يظن اتحاد أو تقارب أو زمالة بين الأديان!!
إن هؤلاء المخدوعين الذين ينادون بهذه الفكرة المشؤمة ويعملون لهذه الدعوة المزعومة من التقارب والإتحاد بين الأديان قد نسوا أو تناسوا أنهم تركوا جرحًا لا يندمل في جسم الأمة الإِسلامية وأوجدوا جيلًا مهزومًا في
стр. 206
نفسه؛ دان بالطاعة لأهل الكفر وتلقى عنهم واقتبس مناهجهم وأوضاعهم" (١).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في حكم موالاة أهل الإشراك:
"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: اعلم -رحمك الله تعالى- أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم موالاةً لهم وخوفًا منهم ومداراةً لهم ومداهنةً لدفع شرهم فإنه كافر مثلهم وإن كان يكره دينهم ويبغضهم ويحب الإِسلام والمسلمين هذا إذا لم يقع منه إلَّا ذلك فكيف إن كان في دار مَنَعة واستدعى بهم ودخل في طاعتهم وأظهر الموافقة على دينهم الباطل وأعانهم عليه بالنصرة ووالاهم وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين وصار من جنود القباب والشرك وأهلها بعدما كان من جنود الأخلاص والتوحيد وأهله، فإن هذا لا يشك مسلم أنه كافر من أشد الناس عداوة لله -تعالى- ورسوله ﷺ ... ثم ذكر -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- بعض الأدلة على ذلك" (٢).
وإن من أبرز ملامح موالاة الكفار ما وقع فيه كثير من أهل البلاد الإِسلامية في موالاة الكفار ومداهنتهم: تحكيم القوانين الوضعية وذلك نتيجة لضعف الإيمان أو فقده وإظهار المحبة للكفار والميل إليهم وهو شامل لكل ما يتنافى مع أحكام الإِسلام سواء كان ذلك في السياسة أم الإقتصاد أم المعاملات أم السلم أم الحرب أم الأخلاق أم النظم الإجتماعية.
стр. 207
المبحث الثالث
الجهل بأحكام الشريعة الإِسلامية
إن أكثر المسلمين اليوم يتوارثون الإِسلام توارثًا تقليديًا ... وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم لهذا فشا الجهل بأحكام الشريعة الإِسلامية لدى الكثير من أبناء الأمة الإِسلامية قياداتٍ وشعوبًا حتى أصبح كثير منهم لا يعرف من دينه إلَّا اسمه فلا يعرف أحكامه وعقائده ولا أخلاقه وآدابه. مما سهل على أعداء الله أن ينشروا ضلالهم وأن يبثوا سمومهم بل وأصبح يسيرًا عليهم أن يجندوا لهم عملاء من أبناء المسلمين يحاربون عقيدتهم بأيديهم وينشرون الجهل والضلال في صفوفهم ويتركونهم أسرى العادات والتقاليد والبدع والخرافات والعجب والغرور، وأصبح تصور هؤلاء للإسلام وفهمهم له سيئًا مشوهًا لا يتفق وجوهره وحقيقته في شيء:
ففي مجال الطاعة والإتباع غفل كثير من المسلمين عن هذا الأصل العظيم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (١).
стр. 208
ونسوا القاعدة التوحيدية المتمثلة في "أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (١).
وبذلك صرفوا هذا النوع من العبادة أو جزءًا منه إلى الحكام والولاة ومشايخ الطرق الصوفية والمشعوذين الذين تهيأ لهم الجو بما سيطر على الأمة من جهل وسذاجة.
وقد نسي هؤلاء أو تناسوا: إنه إذا قامت عبادة الله على أساس صحيح من العقيدة والإستقامة والاخلاص لله والصدق معه والخضوع لسلطانه نجحت جميع الآمال وانضبطت جميع الأعمال وأكسبت المجتمع الإعتدال والتوازن، وامتزجت أعمال أفراده بالطابع الديني المطهر للأخلاق، وعبادة هذا شأنها تكون أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشعائر التعبدية فقط من صلاة وصوم وحج ... إلخ. وحينئذٍ يتمثل فيها أمران رئيسان:
الأمر الأول:
استقرار معنى العبودية لله في النفس أي استقرار الشعور على أن هناك ربًا يُعْبَدْ وعبدًا يَعْبُدُ ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ (٢).
الأمر الثاني:
التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير وبكل حركة في الجوارح وبكل
стр. 209
حركة في الحياة، التوجه بها إلى الله خالصة، والتجرد من كل شعور آخر ومن كل معنى آخر غير معنى التعبد الله والخضوع لسلطان الله!!
وقد مرَّ بنا (١) أن كل المفاهيم الإِسلامية قد فسدت وانحرفت في حس الأجيال المتأخرة وانحصرت العبادة في الشعائر التعبدية -وربما تؤدى أو لا تؤدى- وأصبح الدين في النهاية صورة باهتة خاوية من الروح لا تستطيع أن تصمد للهجوم الوحشي الذي تدافع من كل صوب للقضاء على الإِسلام (٢).
وإليك صورًا من الجهل المنتشر بين أبناء الأمة الإِسلامية:
ففريق استهوته الشياطين من البشر فراح ينادي بعدم صلاحية الشريعة الإلهية للتطبيق وانقسم هذا الفريق إلى صنفين:
* صنف لم يدرس الشريعة ولم يفهم أحكامها ولكن لقن على أيدي الخبثاء المغرضين أن الدين تأخر وانحطاط وتحجر ورجعية وأن الوسيلة الوحيدة للتحضر والإرتقاء والتقدم هي الإنسلاخ من الدين بالكلية" (٣).
* وصنف لم يدرس الشريعة ولكن درس القوانين الوضعية فقط وتولى تربية جيل من المسلمين لا يعرف شيئًا عن حقيقة الإِسلام بل يعرف بدلًا عن ذلك شبهات تحوم في نفسه حول الدين" (٤).
стр. 210
وفريق ضل الهدى وافتقد الإيمان ولم ير في الوجود إلَّا ذاته يتعبد لها بإشباع شهوته واتباع هواه ويلتمس الكمال في الطلاقة من كل قيد يحد شهوة بطنه وفرجه والتعالي عن كل ضابط يكفكف من كبريائه وخيلائه.
وفريق رأى الإِسلام عقيدة مستسرة في القلب يصلي لها الإنسان ويصوم وما وراء ذلك تعب قلب ليس له لزوم!!
وفريق تولى بث الإشاعات ونشر الإتهامات، والسخرية والإستهزاء بعلماء الدين وتصويرهم في نفوس المسلمين بصورة الجهلاء الجامدين تارة والمنافقين المستغلين لسلطان وظائفهم ونفوذهم تارة أخرى وبذا قل طلب العلم الديني والشرعي وأصبح العالم الإِسلامي يشكو نقصًا في علماء الدين العاملين أكثر ما يشكو في أي شيء آخر (١).
وفريق تولى إفساد المرأة المسلمة وإخراجها باسم الثقافة والحرية والديمقراطية سافرة ومتبرجة وجعلها أحبولة الفساد في المجتمعات الإِسلامية ومن ثم تعطيل الأسرة وهدم كيان المجتمع الإِسلامي (٢).
وفريق فهم الإِسلام بمفهوم بعيد عن الإِسلام ومنهج الإِسلام: فهذه المساجد الشامخة القائمة يعمرها الفقراء والعاجزون فيؤدون فيها ركعات خالية من معاني الروح والخشوع إلَّا من هدى الله.
وهذه الأيام التي تصام في العام فتكون موسمًا للتعطل والتبطل والطعام والشراب والبذخ والإسراف وقلما تتجدد فيها نفس أو تزكو بها روح.
стр. 211
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (١).
وهذه المظاهر الخادعة من المسابح والملابس واللحى والمراسم والطقوس والألفاظ والكلمات؟!
أهذا هو الإِسلام الذي أراده الله أن يكون رحمته العظمى ومنته الكبرى على خلقه؟
أهذا هو هدي محمد ﷺ ؟ أهذا هو تشريع القرآن الذي عالج أدواء الأمم ومشكلات الشعوب ووضع للإصلاح أدق القواعد وأرسخ الأصول؟ أهذا حال أمة نزل فيها القرآن وخصها الله بالهدى والبيان والكثير منهم معرضون وفي جهلهم وعبثهم سادرون؟ (٢).
يتصور كثير منهم أو يتوهم أنه يستطيع أن يظل على إسلامه وهو يطبق نظمًا ليست من عند الله جهلًا منه وظنًا أن الإِسلام هو أن يطبق بلسانه لا إله إلَّا الله أو على الأكثر يؤدي بعض العبادات في المسجد وينتهي مطلوب الإِسلام منه عند هذه النقطة (٣) وله بعد ذلك أن يسيح في الأرض ما يشاء يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء يأخذ من روسيا مرة ويأخذ من أمريكا مرة ويأخذ من ألمانيا مرة، ومن انجلترا مرة يأخذ ماذا؟ يأخذ نظام الحياة!!
لقد وقع كثير من السذج والجهلة بل وبعض العلماء في أيامنا هذه "في
стр. 212
شرك حقيقي" وبرهان ذلك ما نراه بأعيننا في كثير من البلاد العربية والإسلامية، إذا يتساقطون على الأضرحة والمشاهد ويقصدون الموتى ويعتمدون عليهم في جلب النفع ودفع الضرر، بل ويتوهم بعض الجهلاء هناك أن العبادة نفسها هي بالدرجة الأولى ما يأمر به المشايخ والأولياء من البدع؟! (١).
وهذا كله نتيجة انحسار مفهوم العبادة عند الصوفية وحصرها في الصلوات والأذكار وحفظ المتون الطويلة، مما أدى إلى انحراف العبادة نفسها واستقائها من غير معين الكتاب والسنَّة (٢).
• • •
стр. 213
المبحث الرابع
التأثر بالشبهات والإتهامات التي تثار حول تطييق الشريعة الإِسلامية وعدم القدرة على مواجهتها وتفنيدها
ويضم هذا المبحث تمهيدًا ومطلبين:
التمهيد.
المطلب الأول: شبهات عامة. وتحته مسألتان:
* المسألة الأولى: الأقليات غير المسلمة وموقفها من حكم الإِسلام.
* المسألة الثانية: اتهام التشريع الإِسلامي بالجمود وعدم مسايرته لتطورات العصر.
المطلب الثاني: شبهات خاصة. وتحته مسألتان:
* المسألة الأولى: دعوى أن الحدود والعقوبات قاسية.
* المسألة الثانية: حقائق لابد منها بعد تفنيد هذه الإدعاءات والشبهات والإفتراءات.
стр. 214
تمهيد
منذ بزغ فجر الإِسلام وقوى الشرك والضلال تكيد للإسلام وتضع المخططات وتدبر المؤامرات وتحيك الشبهات لكسر شوكته ومكافحة دعوته والقضاء عليه، ولكن الإِسلام هو الإِسلام لم ينكسر له جيش، ولم تُنكَّسْ له راية ولم ينهزم في معركة طوال تلك الحقب الطويلة من الأزمان، وكان المسلمون على بصيرة من أمرهم وبينة من دينهم وثقة بربهم يجاهدون في سبيله ولا تأخذهم فيه لومة لائم، أخوة الإِسلام تجمعهم وشريعة الإِسلام ترفرف فوق رؤوسهم وبتوفيق من الله وإعانة تم لهم النصر والفوز ففتحوا البلاد وسادوا العباد وكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس.
ولكن أعداء الإِسلام وقد جربوا الحرب مع المسلمين وذاقوا المرارات في معاركهم وعادوا يجرون أسمال الهزيمة في كل مواجهة بينهم وبين المسلمين، فكروا ودبروا بعد أن كادت الحسرات والزفرات تقطع نياط قلوبهم السوداء ... نظروا وفكروا وأجمعوا على أن سر تقدم المسلمين وانتصارهم إنما يكمن وراء دينهم وأن الإِسلام هو مبعث وحدتهم وقوتهم فأجمعوا أمرهم ودبروا كيدهم، وقالوا: تعالوا نهدم بنيانهم بهدم إسلامهم فنحاربه في نفوسهم ونضعفه في قلوبهم، وننفرهم منه ونبعدهم عنه، بما
стр. 215
نشغلهم من مبادئ أخرى ... ثم انطلقوا يضعون المخططات ويرسمون الخطط، وبيدهم أقلامهم التي هي معاول هدم وألسنة سوء يشرِّقون بها ويغرِّبون، ويفترون وما يخجلون، ويكذبون ولا يصدقون يتقولون على الإِسلام ويتلمسون فيه وفي شريعته المثالب والعيوب ويتحاملون عليه ويتهمونه بالباطل ويشوهون حقائقه الناصعة ويضعونه موضع المتهم أمام خصومه الألداء يدينونه ويلصقون به التهم الكاذبة مع سلامته من كل عيب ونقص واتهام!! (١)
وها نحن نذكر صورًا ونماذج من هذه الإتهامات الباطلة وتلك الافتراءات الظالمة التي يوجهها خصوم الإِسلام للإسلام نصورها ضمن مدلولاتها كما هي في ذهن أصحابها والمروجين لها ثم نتبع كل واحد منها بما يكشف عن زيفها وبطلانها.
وإذا تأملنا أنواع هذه الشبهات وعلاقتها بالشريعة الاسلامية ... وجدنا أنها تنقسم إلى (٢):
١ - شبهات تتعلق بجوهر الشريعة الإِسلامية ومضمونها.
٢ - شبهات تتعلق بالشكل فقط دون الجوهر والمضمون.
فأما الشبهات التي تتعلق بجوهر الشريعة الإِسلامية فتنقسم إلى قسمين: