﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (١).
وهذه المظاهر الخادعة من المسابح والملابس واللحى والمراسم والطقوس والألفاظ والكلمات؟!
أهذا هو الإِسلام الذي أراده الله أن يكون رحمته العظمى ومنته الكبرى على خلقه؟
أهذا هو هدي محمد ﷺ ؟ أهذا هو تشريع القرآن الذي عالج أدواء الأمم ومشكلات الشعوب ووضع للإصلاح أدق القواعد وأرسخ الأصول؟ أهذا حال أمة نزل فيها القرآن وخصها الله بالهدى والبيان والكثير منهم معرضون وفي جهلهم وعبثهم سادرون؟ (٢).
يتصور كثير منهم أو يتوهم أنه يستطيع أن يظل على إسلامه وهو يطبق نظمًا ليست من عند الله جهلًا منه وظنًا أن الإِسلام هو أن يطبق بلسانه لا إله إلَّا الله أو على الأكثر يؤدي بعض العبادات في المسجد وينتهي مطلوب الإِسلام منه عند هذه النقطة (٣) وله بعد ذلك أن يسيح في الأرض ما يشاء يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء يأخذ من روسيا مرة ويأخذ من أمريكا مرة ويأخذ من ألمانيا مرة، ومن انجلترا مرة يأخذ ماذا؟ يأخذ نظام الحياة!!
لقد وقع كثير من السذج والجهلة بل وبعض العلماء في أيامنا هذه "في
стр. 212
شرك حقيقي" وبرهان ذلك ما نراه بأعيننا في كثير من البلاد العربية والإسلامية، إذا يتساقطون على الأضرحة والمشاهد ويقصدون الموتى ويعتمدون عليهم في جلب النفع ودفع الضرر، بل ويتوهم بعض الجهلاء هناك أن العبادة نفسها هي بالدرجة الأولى ما يأمر به المشايخ والأولياء من البدع؟! (١).
وهذا كله نتيجة انحسار مفهوم العبادة عند الصوفية وحصرها في الصلوات والأذكار وحفظ المتون الطويلة، مما أدى إلى انحراف العبادة نفسها واستقائها من غير معين الكتاب والسنَّة (٢).
• • •
стр. 213
المبحث الرابع
التأثر بالشبهات والإتهامات التي تثار حول تطييق الشريعة الإِسلامية وعدم القدرة على مواجهتها وتفنيدها
ويضم هذا المبحث تمهيدًا ومطلبين:
التمهيد.
المطلب الأول: شبهات عامة. وتحته مسألتان:
* المسألة الأولى: الأقليات غير المسلمة وموقفها من حكم الإِسلام.
* المسألة الثانية: اتهام التشريع الإِسلامي بالجمود وعدم مسايرته لتطورات العصر.
المطلب الثاني: شبهات خاصة. وتحته مسألتان:
* المسألة الأولى: دعوى أن الحدود والعقوبات قاسية.
* المسألة الثانية: حقائق لابد منها بعد تفنيد هذه الإدعاءات والشبهات والإفتراءات.
стр. 214
تمهيد
منذ بزغ فجر الإِسلام وقوى الشرك والضلال تكيد للإسلام وتضع المخططات وتدبر المؤامرات وتحيك الشبهات لكسر شوكته ومكافحة دعوته والقضاء عليه، ولكن الإِسلام هو الإِسلام لم ينكسر له جيش، ولم تُنكَّسْ له راية ولم ينهزم في معركة طوال تلك الحقب الطويلة من الأزمان، وكان المسلمون على بصيرة من أمرهم وبينة من دينهم وثقة بربهم يجاهدون في سبيله ولا تأخذهم فيه لومة لائم، أخوة الإِسلام تجمعهم وشريعة الإِسلام ترفرف فوق رؤوسهم وبتوفيق من الله وإعانة تم لهم النصر والفوز ففتحوا البلاد وسادوا العباد وكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس.
ولكن أعداء الإِسلام وقد جربوا الحرب مع المسلمين وذاقوا المرارات في معاركهم وعادوا يجرون أسمال الهزيمة في كل مواجهة بينهم وبين المسلمين، فكروا ودبروا بعد أن كادت الحسرات والزفرات تقطع نياط قلوبهم السوداء ... نظروا وفكروا وأجمعوا على أن سر تقدم المسلمين وانتصارهم إنما يكمن وراء دينهم وأن الإِسلام هو مبعث وحدتهم وقوتهم فأجمعوا أمرهم ودبروا كيدهم، وقالوا: تعالوا نهدم بنيانهم بهدم إسلامهم فنحاربه في نفوسهم ونضعفه في قلوبهم، وننفرهم منه ونبعدهم عنه، بما
стр. 215
نشغلهم من مبادئ أخرى ... ثم انطلقوا يضعون المخططات ويرسمون الخطط، وبيدهم أقلامهم التي هي معاول هدم وألسنة سوء يشرِّقون بها ويغرِّبون، ويفترون وما يخجلون، ويكذبون ولا يصدقون يتقولون على الإِسلام ويتلمسون فيه وفي شريعته المثالب والعيوب ويتحاملون عليه ويتهمونه بالباطل ويشوهون حقائقه الناصعة ويضعونه موضع المتهم أمام خصومه الألداء يدينونه ويلصقون به التهم الكاذبة مع سلامته من كل عيب ونقص واتهام!! (١)
وها نحن نذكر صورًا ونماذج من هذه الإتهامات الباطلة وتلك الافتراءات الظالمة التي يوجهها خصوم الإِسلام للإسلام نصورها ضمن مدلولاتها كما هي في ذهن أصحابها والمروجين لها ثم نتبع كل واحد منها بما يكشف عن زيفها وبطلانها.
وإذا تأملنا أنواع هذه الشبهات وعلاقتها بالشريعة الاسلامية ... وجدنا أنها تنقسم إلى (٢):
١ - شبهات تتعلق بجوهر الشريعة الإِسلامية ومضمونها.
٢ - شبهات تتعلق بالشكل فقط دون الجوهر والمضمون.
فأما الشبهات التي تتعلق بجوهر الشريعة الإِسلامية فتنقسم إلى قسمين:
стр. 216
(أ) شبهات عامة: وهذا هو المطلب الأول.
(ب) شبهات خاصة: وهذا هو المطلب الثاني.
فمن الشبهات العامة التي تتعلق بِكُلِّيِّ الشريعة دون النظر إلى أي جانب من الجوانب الأخرى ... يدعون:
بأن تطبيق الشريعة الإِسلامية يثير المشاعر السلبية لدى الأقليات غير المسلمة هذا ما يزعمونه ويَدَّعونه ويروجون له:
والحقيقة أَنَّ: "موقف الطوائف غير المسلمة من حكم الإِسلام مسألة يقال عنها دائمًا إنها شائكة ودقيقة، يتجنب الناس الحديث فيها خشية وقوع الفتنة بين المسلمين وغير المسلمين (١) والسبب في ذلك ما يتذرع به أعداء الإِسلام ويتهمون به المسلمون بما يشيعونه كذبًا:
"من أن تطبيق الشريعة الإِسلامية يثير المشاعر السلبية لدى الأقليات غير المسلمة ويهيج نوازع الأحقاد الطائفية في نفوسهم، مما يعرض الأمة لخطر التدابر والانقسام، ويهدد وحدتها وتآلفها، وخير للأمة أن تكون في مأمن من هذا الخطر عندما يلتقي أبناؤها على شرعة وضعية لا صلة لها بعقيدة أو دين مما يتخالف الناس فيه"!! (٢)
هكذا يقولون وهم يتهمون الشريعة الإِسلامية بأنها تتجاهل حقوق الأقليات التي لا تنتسب إلى الإِسلام، فتحرمهم من حقوقهم ولا تسمح لهم بممارسة الحياة الإنسانية في ظل الكرامة الجديرة بالإنسان.
стр. 217
ولكن على هؤلاء أن يعلموا علم اليقين:
أن هذه تهمة باطلة تكذبها النصوص ويكذبها التاريخ المعروف للمسلمين يوم كانوا يحكمون بلادًا فيها أقليات غير مسلمة، بل ويكذبها أيضًا المنصفون منهم ولا يتهمون بالتعصب للإسلام.
فأما النصوص ... يقول -تعالى-: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (١).
"فبينما كان رؤساء أكثر الأديان يأمرون أتباعهم باستعمال أشد الطرق الإكراهية لحمل الناس على الدخول في دينهم ولو أدى ذلك إلى سفك الدماء وقتل الأبرياء!! نرى أن الإِسلام لا يكره أحدًا على الدخول فيه بل يدع الناس في ظله أحرارًا في عقائدهم الخاصة لا يلزمهم إلَّا بالطاعة لشرائعه الإجتماعية والأخلاقية والإقتصادية والدولية" (٢).
أما عقيدة القلب فهم فيها أحرارًا. وأما أحوالهم الشخصية فهم فيها أحرارًا يزاولونها وفق عقائدهم، والإسلام يقوم عليهم ويحميهم ويحمي حريتهم في العقيدة ويكفل لهم حقوقهم، ويصون لهم حرماتهم ولا يطلب منهم سوى الإنتظام في سلك العدالة والحق في بَلَدٍ هُمْ أحق بالإنتظام فيه من غيرهم، باعتبارهم بعضًا من رعاياه أو مواطنيه.
ويقول سبحانه مخاطبًا رسوله محمدًا ﷺ : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ (٣).
стр. 218
فالرسول ﷺ لا يكره أحدًا على الإيمان وليس بمستطاع له ذلك ولا من وظائف الرسالة التي بعث بها أن تكره الناس على الإيمان، لأن الإيمان مشاعر القلب وتوجيهات الضمير، والعقائد لا تنشأ في الضمائر بالإكراه، فالإكراه في الدين فوق أنه منهى عنه هو كذلك لا ثمرة له.
فالإيمان إذن متروك للإختيار والإسلام لا يتملق أحدًا: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ...﴾ (١) الآية.
ولكن سنَّة الله -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ (٢).
"إن شياطين الإنس يخلون بالطوائف غير المسلمة في البلاد العرَبية والإسلامية فيقولون لهم: اتبعونا وسنحطم لكم هذا الإِسلام الذي يفرق بين الناس على أساس العقيدة" ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (٣). ليس الإِسلام هو الذي يفرق في نظمه ومعاملاته بين الناس على أساس العقيدة وهو الذي يمنحهم كل الحقوق الحيوية بلا تفريق ويجمع بينهم على أساس الإنسانية ... ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ (٤).
"ثم يترك لهم بعد ذلك كامل الحرية في اعتناق العقيدة التي
стр. 219
يريدونها ... إلَّا إكراه في الدين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر لكم دينكم ولي دين" (١).
ومن آثار هذه الحرية الدينية ما سنَّه الإِسلام من أدب المناقشة الدينية ومجادلة أهل الكتاب "اليهود والنصارى" مجادلة أساسها العقل والمنطق وعمادها الإقناع ولكن بالتي هي أحسن" (٢).
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ (٣).
وقال -تعالى-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ (٤).
ورغم قطع الولاء بين المسلم وأقاربه من الكفار وانفصام عرى المحبة بينه وبينهم فإن القرآن أمر بأن يصل الانسان رحمه ولو كفروا بدينه الذي اعتنقه، فإن التزامه بالحق لا يعني المجافاة للأهل ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ (٥) وهذا من الناحية الشخصية. أما من الناحية العامة فلم ينهانا الإِسلام عن برهم والإحسان إليهم إذا كفوا أيديهم عنا وأعلنوا الإنضواء تحت سلطان
стр. 220
المسلمين: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ (١).
ولم يتوقف الأمر من العدل معهم والبر بهم عند هذا الحد فحسب وإنما يسعى الإِسلام إلى توثيق الروابط بينهم وبين المسلمين بالتزاور والمؤاكلة والمشاربة وهي لا تكون إلَّا بين الأصدقاء والمتحابين ويتوج ذلك كله رباط الزواج وهو أوثق رباط: يقول جل ذكره: ﴿... وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ...﴾ (٢) والمؤاكلة والمصاهرة تدعو للمحبة وحسن المعاشرة والإِخلاص في المعاملة.
"ولقد أعطى النبي ﷺ مثلًا أعلى لمعاملة أهل الكتاب وكفل لهم حقوقهم الدينية والإنسانية وحفظ لهم مواثيقهم وعهودهم وشرط لهم واشترط عليهم ووفى لهم وأوصى بهم خيرًا ما داموا يعيشون تحت مظلة الحكم الإِسلامي وعلى ذلك سار المسلمون في علاقاتهم مع أهل الأديان الأخرى والدين أقوى حاكم على شعورهم فلم يشاهد منهم ما يعابون عليه من جهة التسامع مع مخالفيهم وكف الظلم عنهم ما دامت تربطهم بهم رابطة عهد أو ذمة أو مصلحة متبادلة، ولا يعرف ذلك لدين من الأديان أو شريعة من الشرائع أو أمة من الأمم غير دين الإِسلام وشريعته وأمته، والناظر في تصرفات قادة الفتوحات الإِسلامية من أصحاب رسول الله ﷺ وأمرائه وولاته، ومن جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم يرى أنهم كانوا أحرص الناس
стр. 221
على الرفق والسماحة في تنفيذ العهود والمواثيق وأحفظ من عرف التاريخ لحقوق من يقطنون ديارهم ويدينون بغير ديانتهم (١).
وإليك بعض النماذج التي تعتبر لسان صدق وشاهد عدل، وتصويرًا حيًا لحقيقة الإِسلام التشريعية وتطبيقاته السلوكية وهي حقائق مسطورة في سجل الحياة لم تستطع عوامل الجهالة والعصبية طمس معالمها ... وأشعة الحق لا يحجبها الضباب!!!
ومع كل حق من حقوقهم العامة والخاصة في الدولة الإِسلامية نجد أمثلة ثرة ونماذج واقعية وعتها عقول راشدة وسجلتها يد بيضاء لا تعرف الزيف والتحريف وهي ملء صفحات تاريخنا الاسلامي المشرق:
فمن ناحية حقوق غير المسلمين في أداء الشعائر الدينية وممارسة العبادات: تقوم الشريعة الإِسلامية على أسس أخلاقية رفيعة وأولها تقرير حرية العقيدة: فإن الإِسلام لا يفرض على أحد عقيدته قسرًا، ولا يرغم أحدًا على قبول شعائره التعبدية التي هي ذات صلة وثيقة بعقائده لأن هذه العبادات لا معنى لها بدون الإيمان الصحيح!!.
وإذا كان الإِسلام لا يكره أحدًا على الدخول فيه فإنه يكفل الحرية الدينية لكل إنسان يعيش على أرضه ويدع الناس في ظله أحرارًا في عقائدهم وإظهار شعائرهم وممارسة عبادتهم وفق عقائدهم السماوية وليس أدل على ذلك من تلك الوثيقة التي كتبها رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار ومن تبعهم حيث وادع فيها اليهود وعاهدهم، وتركهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم، وهي صورة صادقة لحقوق الإنسان، حيث وردت بما
стр. 222
يجعل المجتمع المسلم مجتمعًا متلاحمًا متماسكًا وكفلت -أيضًا- حقوق أهل الديانات الأخرى ... وسنقتصر على ذكر بعض فقراتها التي تتصل بهذا الشأن:
جاء في أولها: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس ... وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم ... وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة من المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ... وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة" وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم ... وأن الله جار لمن بر واتقى) (١).
فهذه الوثيقة تنطق برغبة المسلمين في التعاون الخالص مع يهود المدينة لنشر السكينة في ربوعها، والضرب على أيدي العادين ومدبري الفتن أيا كان دينهم -وقد نصت -بوضوح- على أن حرية الدين مكفولة وكان حقًا على اليهود أن يخشعوا وهم أهل كتاب- إذا وجدوا من يذكرهم بالله -تعالى- لقد جاء الرسول ﷺ إلى المدينة فمد يده إليهم مصافحًا وتحمل الأذى منهم مسامحًا حتى إذا رآهم مجمعين على التنكيل به ومحو دينه استدار إليهم وجرت بينه وبينهم الوقائع حتى قطع دابرهم واستأصل شأفتهم من المدينة، ولا غرو: فهم قوم تتوافر فيهم سؤات التدين المصنوع والإحتراف
стр. 223
السمج بالشرائع السماوية وأبرز خلالهم الحقد والنفاق والتمسك بالقشور والولع بالجدل، ومن وراء ذلك قلوب خربة، ونفوس معوجة!! " (١).
وعلى كل حال: بعدما لحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى وتتابعت الفتوحات الإِسلامية شرقًا وغربًا عامل المسلمون أهل الكتاب بمثل ما عاملهم به ﷺ من الرفق والسماحة وحرية العقيدة.
يقول الإمام أبو يوسف في كتابه "الخراج":
" ... إنما كان الصلح جرى بين المسلمين وأهل الذمة في أداء الجزية وفتحت المدن على أن لا تهدم بيعهم ولا كنائسهم داخل المدينة ولا خارجها وعلى أن يحقنوا لهم دماءهم وعلى أن يقاتلوا من ناوأهم من عدوهم، ويذبوا عنهم" (٢).
ويروي أبو يوسف أيضًا عن الإمام مكحول الشامي: "أن أبا عبيدة ابن الجراح ﵁ صالح أهل الذمة بالشام واشترط عليهم حين دخلها على أن تترك كنائسهم وبيعهم وطلبوا منه أن يجعل لهم يومًا في السنة يخرجون فيه صلبانهم بلا رايات وهو يوم عيدهم الأكبر، فأجابهم إلى ما طلبوا ووفى لهم المسلمون بشرطهم ... " (٣).
وهاك نموذجًا آخر يعتبر وثيقة من أعظم وثائق التاريخ فيه تصوير بارع لواقع سماحة الإِسلام في معاملة غير المسلمين من أهل الذمة والمصالحين
стр. 224
خاصة فيما يتصل بقضية العقيدة: "لما وجه أبو بكر الصديق ﵁ خالد بن الوليد إلى العراق خرج على تعبية (أي على أهبة واستعداد) وجعل يمر على البلاد والحصون يفتحها بلدًا بلدًا وحصنًا حصنًا حتى وصل إلى الحيرة- فخرج إليه عبد المسيح بن بقيلة وإياس بن قبيصة الطائي، وصالحه إياس على أداء الجزية وقال له: ما لنا في حربك من حاجة، وما نريد أن ندخل معك في دينك نقيم على ديننا ونعطيك الجزية: فصالحهم خالد ورحل عنهم على أن لا يهدم لهم بيعة ولا كنيسة ولا قصرًا من قصورهم التي كانوا بتحصنون فيها إذا نزل بهم عدو لهم، ولا يمنعون من ضرب النواقيس ولا من إخراج الصلبان في يوم عيدهم وعلى أن لا يشتملوا على ريبة أو فساد" (١).
بهذه المعاملة السمحة والأخلاق الكريمة عقدت المعاهدات والمواثيق التي تعد أساسًا عمليًا لتطبيق التشريع الإِسلامي المتعلق بتحديد العلاقة فيما بين المسلمين وغيرهم من الطوائف والأمم والشعوب والتي كان لها آثار بعيدة المدى عميقة الجذور في تاريخ الفتوحات الإِسلامية وانتشار الدعوة إلى الله، والنبي ﷺ إذ يتولى بنفسه تطبيق هذه المبادئ التشريعية لأمته إنما يرسم بعمله هذا طريق التأسي به في تحديد العلاقة بين المسلمين وغيرهم من الطوائف والأمم والجماعات.
على أن هذه المبادئ السمحة الراشدة تنقض الفكرة المتعنتة الجاحدة التي يرددها أعداء الإنسانية وأعداء الحق والحرية الذين قهرهم الإِسلام بعدله وفضله وتشريعه بتصوير فتوحاته غروًا ماديًا وإكراهًا للناس بقوة السلاح على
стр. 225
الدخول في دين الإِسلام، ومحاربة للحرية الدينية، وتدخلًا في ضمائر الناس بتغيير عقائدهم. وهو تصوير ظالم متجاهل، وتفكير عقل مظلم ورشح قلب مجهول" (١).
ذلك لأن النظرة العابرة بَلْهَ الناقدة الفاحصة في تاريخ المد الإِسلامي والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ترد ذلك وتدفعه في صدر زاعميه وقد تقدم عن النصوص القرآنية التي تنص على أن الإِسلام لم يحمل السيف ليكره الناس على اعتناقه عقيدة بعدما أعلنها القرآن مدوية في الآفاق ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ونقرأ في معاهدات الرسول ﷺ مع أهل الكتاب، ومصالحات قادة الفتوحات الإِسلامية أن المسلمين أبقوا على معابدهم وبيعهم وكنائسهم داخل المدن وخارجها مصونة لا يهدم منها شيء ولا يغير من معالمها شيء فهل بعد هذا يمكن أن تشتم رائحة غزو مادي، وهل يمكن أن يتصور أن الإِسلام يعتدي على حرية الأديان؟!
إن الإِسلام واضح صريح لا يخادع أحدًا ولا يرضى أن يخادعه أحد ولا يقبل الإستسلام المذل ولا يرضى لأهله بالضعف والاستكانة ولا يقبل أنصاف الحلول في مشاكل الدعوة إلى الله ولا يداور ولا يداهن: إنه يدعو أهل الكتاب إلى كلمة سواء إلى عبادة الله وحده وعدم الإشراك به وهذه هي المرتبة الأولى: الدعوة إلى الدخول في الإِسلام: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ (٢).
стр. 226
فإذا قبل المدعو ذلك كان له ما للمسلمين من حقوق في الإِسلام وعليه ما عليهم من الواجبات في الإِسلام، وأصبح بدخوله في الإِسلام أخًا لجميع المسلمين يربطه بهم الإخاء الإيماني أينما كان وكيفما كان في ظل العقيدة الإِسلامية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١). وإذا لم يقبل المدعو دعوة الإِسلام عرضت عليه الجزية وهي جزء قليل من المال يفرض على الأشخاص الذين هم أهل القتال من الرجال الأحرار البالغين والقادرين فإن أبي المدعو قبول الجزية بعد إبائه الدخول في الإِسلام أوذن بحرب ليكون على بصيرة من أمره: ونكرر ما قلناه قريبًا من أن الإِسلام واضح صريح لا يعرف المحاورة أو المداورة: فإِما دخول في ساحته وقبول لدعوته وإِما رضاء بحكمه في عهد مصالحة على الجزية ليدافع عن أهلها ويتحمل عبء حمايتهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وشرائعهم ويكون لهم من الحقوق الإنسانية مثل سائر المسلمين وإما إيذان بحرب لا هوادة فيها فهل بعد هذه السماحة والرحمة الرفق بأهل الكتاب يتصور أن الإِسلام يعتدي على حرية الأديان (٢)؟
إن البلاد الإِسلامية يعيش فيها على مر تاريخها نصارى ويهود بينما يعيش مسلمون في بلاد غير إسلامية، فكيف كانت معاملة هؤلاء ومعاملة هؤلاء؟
هل سمع أحد شكاية نصراني أو يهودي ضد المسلمين؟ أما المسلمون الذين يعيشون تحت كنف حكومات غير إسلامية فياللهول إننا لا نذهب إلى
стр. 227
الماضي لننكأ جروح الأندلس وهي غائرة في الصدور والقلوب ولكن يكفينا أن التاريخ المعاصر يمدنا بعشرات بل وبمئات من الأدلة والبراهين.
وعلى من جهل ذلك أو تجاهله أن يسأل الأقليات الملونة في أمريكا، والأقليات المسلمة في روسيا، والأقليات المسحوقة بل والمذابة ذوبانًا في أنظمة تلك الدول وغيرها كالفلبين والحبشة والصين ولبنان وكثير من دول آسيا وأفريقيا وأوربا إنهم يضطهدون هناك حتى الموت ويجبرون على ترك دينهم ويتعرضون لسوء العذاب وصنوف التنكيل بل وضروب القسوة والبربرية والعسف والتدمير!!.
ويرغم ذلك كله نقف عند قول ربنا تبارك -وتعالى-: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ...﴾ الآية.
فلسنا نأخذ الأقليات غير الإِسلامية عندنا بما تفعله الدول غير الإِسلامية بأقلياتنا، لأن الله علمنا ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وعلمنا ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ وعلمنا: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. ومن هنا نترك لهم عقيدتهم ونترك لهم معها عباداتهم يمارسونها وفق عقائدهم متى شاؤوا بلا خوف أو اضطهاد!!! " (١).
стр. 228
ومن حقوق غير المسلمين بل ومن آكلدها وأقواها:
المحافظة على شروط صلحهم أو معاهداتهم إن كانوا من أهل الصلح والمعاهدة، محافظة تحرم على أي مسلم أن يبخس بشيء مما جاء في تلك العهود والمواثيق ... فقد روى أبو داود بسنده عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" (١).
وروى ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قتل معاهدًا له ذمة الله وذمة رسوله فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عامًا" (٢).
وكان فيما تكلم به عمر بن الخطاب ﵁ قبيل وفاته: (أوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم) (٣).
ومن عهوده ﵁:
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ونفائسهم وصلبانهم سقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها
стр. 229
ولا من خيرها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود) (١).
"وإذا كان بعض الملوك والأفراد في بعض العصور وبعض البلدان من ديار الإِسلام قد انحرفوا عن مِهْيَع الإِسلام وهديه في شدة حرصه على العدالة والوفاء بالعهد والرفق الرحيم بالمعاهدين في أخذهم بشروطهم ومواثيقهم فإنهم قد وجدوا من أئمة الإِسلام وعلماء الأمة والقائمين على الدعوة إلى الله بالحق والشفقة على خلق الله، من يقوم في وجوههم بكلمة الحق يجهر بها وينكر عليهم ظلمهم لأهل الذمة والمهادنين والمصالحين من أي جنس وملة" (٢).
(فهذا أبو يوسف القاضي ﵀ يقف في وجه هارون الرشيد قائلًا له: "وقد ينبغي يا أمير المؤمنين أيدك الله أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد ﷺ والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ولا يؤخذ حق من أموالهم يجب لهم فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا من ظلم معاهَدًا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه") (٣).
وهذا يوضح لنا كيف كان قادة الفتح الإِسلامي يعاملون أهل الذمة وكل من ارتبط معهم بميثاق وعقد معاملة تعتمد على أصول وقواعد من القرآن الكريم والسنَّة النبوية وتصور مواقف أئمة الإِسلام وعلمائه في يقظة ضمائرهم
стр. 230
وشجاعتهم لحراسة مناهج هذا الدين التطبيقية ومراقبة تشريعاته في واقع الحياة تطبيقًا عادلًا كريمًا (١).
ومن الحقوق العامة لأهل الذمة: حفظ النفس والأعراض:
فدم الذمي كدمنا وديته كديتنا ... روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن ابن البيلماني قال: (قتل رسول الله ﷺ رجلًا من أهل القبلة قتل رجلًا من أهل الذمة، وقال أنا أحق من وفى بالذمة) (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن سفيان عن منصور عن إبراهيم: (في المسلم يقتل الذمي عمدًا قال يقتل به) (٣).
وقتل رجل من بني بكر بن وائل رجل من أهل الذمة بالحيرة في عهد عمر بن الخطاب ﵁ فأمر عمر ﵁ بتسليم الرجل إلى أولياء المقتول: فسلم إليه فقتلوه) (٤).
وروى البيهقي في سننه بسنده عن أبي الجنوب الأسدي قال: (أُتي علي بن أبي طالب ﵁ برجل من المسلمين قتل رجلًا من أهل الذمة قال: فقامت عليه البينة فأمر بقتله فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت،
стр. 231
قال: فلعلهم هددوك، وفرقوك وفزعوك، قال: لا، ولكن قتله لا يرد علي أخي وعوضوني فرضيت قال: أنت أعلم من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا) (١).
وورد في الدر المختار: "ويجب كف الأذى عن الذمي وتحريم غيبته كالمسلم" (٢).
فلا يجوز: إيذاء الذمي لا باليد ولا باللسان ولا شتمه ولا ضربه ولا غيبته.
ويقول الشهاب القرافي في كتاب "الفروق": (إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقًا علينا لهم؛ لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا وفي ذمة الله -تعالى- وذمة رسوله ﷺ ودين الإِسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو أي نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك، فقد ضيع ذمة الله وذمة رسوله ﷺ وذمة دين الإِسلام) (٣). ومن حقوقهم كذلك:
أن لا تطبق عليهم نظم الإِسلام في الزواج والطلاق وغيرها من الأحوال الشخصية وإنما يطبق عليهم نظام دينهم إلَّا إذا طلب أحدهم أن تطبق عليه أحكام الإِسلام في هذه الأحوال، فإنه يجاب إلى ذلك.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى الإمام الحسن البصري مستفتيًا: (ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذمة وما هم عليه من نكاح المحارم واقتناء
стр. 232
الخمور والخنازير؟ فأجاب الحسن البصري: إنما بذلوا الجزية ليتركوا وما يعتقدون وإنما أنت متبع لا مبتدع والسلام) (١).
كما أن الأحكام الجنائية للمسلم والذمي سواء: (يتساوى فيها الإثنان درجةٌ فالذي يعاقب به المسلم على ما يأتي من الجرائم يعاقب به الذمي أيضًا إلَّا الخمر فإن أهل الذمة قد استثنوا من حدها في الإِسلام) (٢).
ويرى الإمام مالك ﵀ أن الذمي مستثنى من حد الزنا كحد الخمر اعتمادًا على قضاء عمر ﵁ بأن الذمي يترك أمره إلى أهل ملته أي يعمل بقانون أحواله الشخصية.
"فلهم أن يُصَنِّعوا الخمر ويشربوها ويبيعوها ولهم أيضًا أن يربوا الخنازير ويأكلوها ويبيعوها" (٣).
قلت: ولكن ذلك فيما بينهم ومن غير إعلام وبقيود وضوابط يحددها الحاكم المسلم.
"وعند الحنفية والمالكية يضمن المسلم قيمة خمر الذمي وخنزيره إذا أتلفه لأنه مال متقوم في اعتقاد أهل الذمة" (٤).
وقال القرطبي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (إذا أدى أهل الجزية جزيتهم التي ضربت عليهم أو صولحوا عليها خُلِّيَ بينهم وبين أموالهم كلها وبين كرومهم وعصيرها ما ستروا خمورهم ولم يعلنوا بيعها من مسلم ومنعوا من
стр. 233
إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين، فإن أظهروا شيئًا من ذلك أريقت الخمر عليهم وأدب من أظهر الخنزير. وإن أراقها مسلم من غير إظهارها فقد تعدى ويجب عليه الضمان: وقيل لا يجب ولو غصبها وجب عليه ردها. ولا يعترض لهم في أحكامهم ولا متاجراتهم فيما بينهم بالربا) (١).
وليست هذه الحقوق التي ذكرت هي كل ما لغير المسلمين من حقوق في الدولة المسلمة وإنما لهم إلى جانب ذلك ما يراه الإمام المسلم مما لا يتعارض مع شرائع الإِسلام كحرية الرأي والتعبير عنه بالخطابة والكتابة وما إلى ذلك وهذا ما لا ينكره أحد في عصرنا هذا بعد أن نال أهل الكتاب أوفر نصيب من الحرية في كثير من البلاد الإِسلامية.
وبعدُ: "فهل رأى الناس أو سمعوا بسماحة رحيمة ومساواة عادلة ومواساة ورفق وإخاء وود مثل هذا الذي عامل به خلفاء الإِسلام وقواده وأمراؤه أهل الذمة والمعاهدين".
إن الناس في هذا العصر يتحدثون عن التكافل الإجتماعي وعن كفالة الدولة للشيوخ والعجزة فهل قرؤوا أو سمعوا عن هذه السماحة الإِسلامية في إلزام الدولة بهذه الصورة من الكفالة التي تحمي الكرامة الإنسانية من المهانة وتحفظها من الضياع؟!!
إن التكافل الإجتماعي في ظل الإِسلام لا يرضى أن يُذَلَّ رجل ليس على دين الإِسلام وهو يحيا في كنفه وظله فيعيش على الصدقة يتكفف
стр. 234
الناس، ولكن الإِسلام يحميه ويكرمه ويوجب على الدولة أن تحميه وتعول عياله معه (١).
وليس أدل على ذلك من قصة عمر بن الخطاب ﵁ مع اليهودي الذي رآه يسأل الناس على الأبواب:
فقد روى القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج: (أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضد ٥ من خلفه وقال من أي أهل الكتاب أنت فقال يهودي؟ قال: فما ألجأك إلى ما أرى، قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى بيته؛ فأعطاه شيئًا من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال. فقال: انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه إذ أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) والفقراء هم المسلمون والمساكين من أهل الكتاب وهذا منهم ووضع عنه الجزية وعن ضربائه) (٢).
وهذا خالد بن الوليد في مصالحته أهل الحيرة وهم يومئذ سبعة آلاف رجل يُخرج من به زِمَانةً منهم وتبلغ عِدَّتهم ألف رجل قد أعفوا من الجزية، وجعل لهم "أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت عنه الجزية وعيل من بيت مال المسلمين وعياله" (٣).
بهذه المعاملة الطيبة التي عامل بها المسلمون أصحاب الديانات
стр. 235
الأخرى من أهل البلاد التي فتحوها جعلت الكثير من عقلاء المفكرين المسيحيين المنصفين يعترفون بتلك الحقيقة ويشيدون بالمسلمين وبمعاملاتهم السمحة الندية ...
يقول الكونت هنري كاستروا في كتابه (الإِسلام خواطر وسوانح):
"ولقد درست تاريخ النصارى في بلاد الإِسلام فخرجت منه بحقيقة مشرقة وهي أن معاملة المسلمين للنصارى تدل على لطف في المعاشرة وترفع عن النلظة وعلى حسن مسايرة ورقة مجاملة" (١).
وبهذا التشريع المستنبط من عدالة الإِسلام وروح الوحدة الإنسانية عامل المسلمون غير المسلمين ولا يزالون على هذه السُّنَّة الإِسلامية الحميدة إلى اليوم لم يشاهد منهم ما يعابون عليه أو يكون مذمة في حقهم. وتلك المعاملة الكريمة تعد أساسًا أسلوب دعوة إلى الله -تعالى- على الدعاة إلى الله أن لا يغفلوه عليهم أن يدعو إلى الله على بصيرة بإبراز آداب الإِسلام.
ولا يقصد أبدًا أن يقوم بين المسلم وغير المسلم ولاء وتناصر وتواد على حساب العقيدة إذ أن الولاء الحق: لا يكون إلَّا لله ودينه ورسوله والمؤمنين خالصًا في قلب يؤمن بالله حقًا مدركًا لحقيقة التوحيد لا إله إلَّا الله محمد رسول الله ممتثلًا لها مدركًا مدلولها ومعناها عارفًا بمقتضياتها ولوازمها ثم علمه بحقيقة "الولاء والبراء" في المفهوم الإِسلامي الصحيح وهو أن: الولاء والحب والنصرة للمؤمنين من أي جنس كانوا، وبأي لغة نطقوا وفي أي مكان حلوا، فهو معهم بقلبه ولسانه وماله ودمه يألم لألمهم ويفرح
стр. 236
لفرحهم ويعلن بغضه وبراءه لجميع أعداء الله سواء كانوا كفارًا أصليين أم مرتدين أم منافقين وبهذا يكون مسلمًا واعيًا يعرف من يوالي ومن يعادي وماذا يريد الإِسلام منه، وماذا يراد للإسلام من أعدائه!!.
يقول الشهاب القرافي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
"إنه يتعين علينا أن نبرهم -أهل الذمة- بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع وصار من قبيل ما نهى الله عنه في قوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ...﴾ (١) الآية .. وغيرها من الآيات. فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا، والقيام لهم، ونداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شان المنادي بها ... ، وتمكينهم من الولايات والتصرف في الأمور الموجبة لقهر من هي عليه كل ذلك ممنوع وحرام. وأما ما أمرنا به من برهم من غير مودة باطنية فالرفق بضعيفهم وسد خلة فقيرهم وإطعام جائعهم وإكساء عاريهم ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة، والدعاء لهم بالهداية، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وكل خير يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله ومن العدو أن يفعله مع عدوه. وينبغي لنا أن نستحضر دائمًا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شافتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا ونعاملهم بما تقدم ذكره امتثالًا لأمر ربنا وأمر نبينا ﷺ لا محبة فيهم ولا تعظيمًا لهم" (٢).
стр. 237
"والحق أن التهم التي وُجِّهت إلى النظم الإِسلامية كثيرة ومتنوعة والحرب لم ولن تضع أوزارها، ومخططات الأعداء ماضية في طريقها آخذة كل يوم وسيلة من وسائل الخداع والكيد، وقد شاركهم في إطلاقها بعض المسلمين السذج المنتسبين إلى الإِسلام بالإسم والرسم وهؤلاء وأولئك يقومون بعمل منظم وخطط مرسومة أبعادها وأهدافها والقصد منها عزل الأمة الإِسلامية عن دينها وعن منهجها في الحياة" (١).
"ولكن شمس الهداية كانت ولا زالت أقوى في إشعاعها من ظلام عقولهم وقلوبهم وأرواحهم بددت أضواءها -ولا زالت تبدد- سحب الباطل بما تنشره من أنوار في آفاق الحياة. لو كان لأعداء الإِسلام عقول يفقهون بها لرأوا أن في صنيع المسلمين ومعاملتهم لأهل ذمتهم دليلًا قاطعًا على أن هذه الفتوحات المتتابعة في أقصر زمن وأقل قوة حربية بالنسبة لقوة أعداء الإِسلام كانت فتوحات للقلوب الكسيرة بمفاتيح الإيمان والحق والعدل والرحمة ونصرة المظلومين وحماية المستضعفيت، إن أهل الذمة لما رأوا وفاء المسلمين لهم وحسن سيرتهم فيهم وجربوا معاملاتهم صاروا حربًا على أعداء المسلمين وعونًا لهم وكان هذا الوفاء باعثًا على دخول كثير من المعاهدين على الجزية في الإِسلام" (٢).
وهذا ما تنبه له أعداء الإِسلام اليوم ولكن بأسلوب ماكر وطرق خبيثة:
فهم يوالون إرسال البعثات وتكثير الإرساليات التبشيرية لتنشر مكامن التبشير في كل مكان وتشكك الشباب المسلم في دينه وعقيدته وتتخذ جميع
стр. 238
الوسائل الممكنة والموصلة إلى هذا الهدف الخبيث: إنهم يخصصون جزءًا من أموالهم لفتح المستشفيات والمستوصفات ودور التمريض والرعاية الإجتماعية والنوادي الماسونية وينفقون الأموال الكثيرة على من يستطيعون تنصيره من المسلمين وإخراجه من حظيرة الدولة الإِسلامية.
أفلسنا نحن المسلمين بأولى منهم في هذا الشأن (١).
وهاك أمرًا آخر على جانب كبير من الأهمية:
ذلك: أن الإِسلام حين يبيح للمسلم معاملة من لا يحاربه في دينه بالحسنى ويدعو إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم يقصد من وراء ذلك تأليفهم وترغيبهم في الإِسلام لا غير.
• • •
стр. 239
المسألة الثانية:
اتهام التشريع الإِسلامي بالجمود وعدم مسايرته لتطور العصر:
وتلك فرية أخرى دبرها أعداء الإِسلام للنيل منه وأنى لهم ذلك؟! إنهم يتهمون التشريع الإِسلامي بالجمود وعدم مسايرته لتطورات العصر مما يتعارض وحاجات المجتمع إلى شريعة متطورة.
ويزعمون أن الدين الإِسلامي دين قبلي صحراوي وتشريعاته لا تنسجم والحياة العصرية المتمدنة وأن السبيل إلى التطور والحضارة ليكمن في نبذ المسلمين لنبيهم وكتابهم وراءهم ظهريًا.
وهذا اتهام يعد من أعظم دسائس الإستعمار وأخطر مؤامراته التي أراد بها تهديم المجتمع الإِسلامي والإتيان عليه من القواعد.
ويقوم أساسًا على استغلال الشعور بالنقص والإحساس بالتخلف الذي وخز الأمة الإِسلامية عند احتكاكها بالحضارة الأوروبية.
وهي فرية لم تنهض على دعامة من المنطق أو ميزان من العلم بل تقوم على ركام كبير من الجهل بأحكام الإِسلام وشريعة الإِسلام، فإن الشريعة الإِسلامية ما جمدت في عصر أو تخلفت عن ركب التقدم في دولة وإنما هم
стр. 240
أنفسهم الذين جمدت عقولهم وعميت أبصارهم عن الحق والصواب: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (١).
فإن الشريعة الإِسلامية السمحة دين ودولة، واقع ونظام، ماض وحاضر، علم وثقافة سياسة واجتماع، أدب وأخلاق، حكم وتشريع، مصحف وسيف، لا كما يتوهمه الدساسون والشكاكون بانها مجرد عقائد فردية وشعائر روحية وصلة بين العبد وربه، ولا دخل لها بأمور الحكم والحياة الإجتماعية والنشاط الإقتصادي وإن شئت فقل ليس لها في واقع الحياة العملية نصيب!!
وقد استوفيت هذه المسألة وأطلت الكلام فيها وبينت أن الشريعة الإِسلامية شريعة متطورة متقدمة وافية بحاجات البشر في كل زمان ومكان (٢).
والذي يعنينا هنا أن هذا الدس الخبيث يرتبط به ويتعلق بأسبابه دس آخر وهو ما قالوا وقولهم النكر والضلال والزور والتلفيق "ما دام الإسلامُ عاجزًا عن مسايرة ركب الحضارة وما دام الدين لا يساير ركب الزمن فمن الواجب على الدولة الإِسلامية أن تفصل الدين عن الدولة كما فعلت أوروبا في عصر النهضة والتطور، وقد اتخذت الأنظمة المعادية للإسلام من الأقليات النصراينة ذريعة لرفع الشعار العلماني "الدين لله والوطن للجميع" وذلك لمنع تطبيق الشريعة الاسلامية" (٣).
وهذا معناه: أن نقطع الصلة بديننا الذي فيه سعادتنا وتنظيم حياتنا
стр. 241
ونكون كما وقع بالفعل في كثير من بلدان الإِسلام "عالة على الغرب في استيراد النظم والقوانين من هنا وهناك ونصير كَلًّا على الكفار نأخذ منهم بعد أن كنا نعطيهم!!.
ومن يتصور أن الدين في الإِسلام منفصل عن الدولة فهو متكبر ظالم أو غبي جاهل، إذ أن الإِسلام دين ودولة وكلاهما شيء واحد لا ينفصم أحدهما عن الآخر.
وبعدُ: فتلك هي أهم الشبه العامة التي تتعلق بمضمون الشريعة وجوهرها.
стр. 242
المطلب الثاني
الشُّبَه الخاصة
وهي التي تتعلق بجوانب معينة من الشريعة الإِسلامية ومن أبرز هذه الشبه:
المسألة الأولى: ما يتعلق بأحكام الحدود في الإِسلام أعني نظام العقوبات في الشريعة الإِسلامية (١):
وبدء: نذكر تلك الشبه العاتية في نظر أصحابها الواهية المتداعية أمام الحق الصاح والعدل الرادع ثم نعقبها بمناقشتها والرد عليها حتى لا تقوم لأحد حجة في التخلي عن شرع الله وتطبيقه في أرض الله على عباد الله!!
стр. 243
إن أول ما يتذرع به شياطين الإنس في عصرنا ومن لف لفهم وحذا حذوهم هو أن:
العقوبات الإِسلامية قاسية لا تساير روح العصر ولا تتقدم مع ركب المدنية ولا تتفق والنظرية الجديدة في تحليل نفسية المجرم ... إلخ ما قالوا من العبارات الطنانة والكلمات الجوفاء!.
ثم أنبت الشيطان وجنوده من الشبهة السابقة شبهة ثانية فقالوا:
ولماذا. كان حد المحصن رجمًا بالحجارة أليس ذلك تحقيرًا له وازدراء لإنسانيته.
ثم إن إقامة الحدود تقتضي إزهاقًا للأرواح وتقطيعًا للأطراف وبذلك تفقد البشرية كثيرًا من الطاقات وينتشر فيها المشوهون والمقطوعون والمكسحون.
ثم قالوا -ولبئس ما قالوا-: إن إقامة الحدود ردة تاريخية ونكسة إنسانية ولا يليق بإنسان عاقل متمدن يعيش في القرن العشرين الميلادي أن يأخذ بقانون نشأ بين جبال مكة وجلاميد الصحراء.
وأخيرًا يسوقون شبهة يضفون عليها من لحن القول ما يموهون به على السذج وضعفاء العقول: إن إقامة الحدود فيها تضييق على الأقليات غير الإِسلامية وإكراه لهم على أن يأخذوا بخلاف ما تقرره أديانهم وفي هذا سلب للحرية واعتداء على أناس ليسوا بمسلمين ولا تسري عليهم شرائع الإِسلام!!.
إلخ ما حاكوه من الشبهات والإتهامات الضالة المضلة التي تقوم على الإفتيات والمغالطة!!
стр. 244
وقبل أن ندحض هذه الشبهات ونكذب تلك الإتهامات والإفتراءات نوضح الأسباب والدوافع التي جعلتهم يستفظعون هذه العقوبات ويرون فيها قسوة زائدة وإهدارًا لكيان الفرد واستهتارًا بشأنه!!.
السبب الأول:
الجهل بحكمة التشريع الإِسلامي في العقوبات.
السبب الثاني:
أنهم ينظرون نظرة سطحية عند تقويم خطورة الجرائم التي أنيطت بها الحدود فيستقلونها دون أن يرجعوا في ذلك إلى أي اعتبار لحكمة المشرع وتقويمه لها.
السبب الثالث:
أنهم يضعون أمام أعينهم ذلك النظام الفاسد للحياة الإجتماعية والاقتصادية والخلقية الذي يسود العالم اليوم. ومع ذلك يريدون أن يكونوا لأنفسهم رأيًا عن عقوبات قطع اليد والرجم والجلد بمقارنة جرائم كثيرة الحدوث كالسرقة والزنا وشرب الخمر ... إلخ.
فالظاهر أنهم لابد أن يجدوا عقوبات الإِسلام وحدوده قاسية ورهيبة في هذه المقارنة وحق لهم أن ترتجف قلوبهم هلعًا وفزعًا.
إذ أن مجتمعًا تشيع فيه الفاحشة وتروج فيه الرذيلة وتكون فيه المثيرات الجنونية من السينما العارية والأفلام الخليعة والصحافة المريبة والأغاني المبتذلة والفتنة الهائجة إذا طبقت فيه شريعة الإِسلام في مثل هذه الأوضاع فقد لا يسلم من الجلد ظهر أحد من الناس، كما ستقطع أيدي الآلاف منهم ويرجم آلاف منهم كل يوم وهذا لا ريب فيه ما فيه من الظلم والتعسف.
стр. 245
السبب الرابع:
أنهم لم يدرسوا نظرة الإِسلام للجريمة والعقاب على حقيقتها ولهذا يتصورون خطأ أنها كعقوباتهم "المدنية" ستطبق كل يوم فيتصورون في المجتمع الإِسلامي حدوث مجزرة هائلة كل يوم هذا يجلد وهذا يقطع وهذا يرجم ولكن الواقع خلاف ما يتصورون) (١).
وبعد: فهذه أهم الأسباب التي يتجنون عليه ويتصورون أنه بمعزل عن الحياة أو أنه قد استنفد أغراضه!! ساء ما يتصورون ولبئس ما يفكرون.
إنهم يزعمون أن في إقامة الحدود ضربًا من القسوة العاتية التي تتنافى مع الإنسانية الرحيمة ومع الشفقة التي يجب أن يتحلى بها الناس والتي تساير المدنية الحديثة والحضارة الراقية، ولكن نقول لهم:
نعم: إن في إقامة الحدود مظهرًا من مظاهر القسوة والشدة، ولابد لكل عقوبة أن يكون فيها مظهر قسوة أيًا كانت حتى تأديب الرجل لولده فيه مظهر من مظاهر القوسة والشدة، والعقوبة إن لم تشتمل على شيء من القسوة فأي أثر لها في الزجر والردع؟!. ثم إن العقوبة في ظاهرها قسوة وشدة وفي حقيقتها ومخبرها رحمة وشفقة بل هي الرحمة والشفقة بعينها؛ إذ لو ترك العضو المريض ونار الألم تتوهج وتستشري لأودى بحياة المريض بل وسار سرطان الجريمة في أوصال المجتمع كله فكان من الواجب ومن الحكمة أن يبتر عضو فاسد مفسد؛ إبقاء وإنقاء ليكان المجتمع كله.
على أن الإِسلام قبل أن يحكم على إنسان بالقتل أو بالقطع أو بالرجم أو بالجلد قدم له من وسائل الوقاية ما يكفي عن إِبعاده عن الجريمة لو كان
стр. 246
إنسانًا حيًا له قلب يعقل أو ألقى السمع وهو شهيد ولكنه أغلق قلبه وألغى إنسانيته فكان جزاؤه من جنس عمله جزاءً وفاقًا (ولا يفل الحديد إلَّا الحديد) (١).
(وهكذا فإن الإِسلام يقرر عقوبات رادعة قد تبدو قاسية فظة لمن يأخذها أخذًا سطحيًا بلا تمعن ولا تفكير، ولكنه لا يطبقها أبدًا حتى يضمن أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مبرر ولا شبهة اضطرار.
فالإسلام يقرر قطع يد السارق ولكنه لا يقطعها أبدًا إذا كانت هناك شبهة بأن السرقة نشأت من جوع. والإسلام يقرر رجم الزانية والزاني ولكنه لا يرجمهما إلَّا أن يكونا محصنين، وإلَّا أن يشهد عليهما أربعة شهود بالرؤية القاطعة، وهذا يعني أن العقوبات لا تنفذ جزافًا أو تسلط على الناس بلا حساب) (٢).
وعمر بن الخطاب من أبرز فقهاء الإِسلام لم ينفذ حد السرقة في عام الرمادة (٣)، عام الجوع حيث كانت الشبهة قائمة في اضطرار الناس للسرقة بسبب الجوع.
فهذا مبدأ صريح لا يحتمل التأويل وهو أن قيام ظروف وملابسات تدفع إلى الجريمة يمنع تطبيق الحدود عملًا بحديث رسول الله ﷺ : "ادرأوا
стр. 247
الحدود بالشبهات، وأقيلوا الكرام عثراتهم إلَّا في حد من حدود الله -تعالى-) (١).
وروي أن غلمانًا لإبن حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مُزَيْنَةَ فنحروها فأُتي بهم عمر، فأقروا فأمر عمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم فلما ولى رده ثم قال: أما والله لولا أنِّي أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه لحل له لقطعت أيديهم ثم وجه القول لإبن حاطب بن أبي بلتعة فقال: (وأيم الله إذا لم تفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك ثم قال: يا مُزَنيُّ بكم أريدت منك ناقتك قال: بأربعمائة. قال عمر لإبن حاطب: اذهب فأَعطه ثمانمائة) (٢).
وهكذا وهكذا في جميع العقوبات التي قررها الإِسلام.
إنهم يزعمون أن قتل المحصن رجمًا بالحجارة فيه تحقير وازدراء بإنسانيته وهذا هو دأب أعداء الإِسلام ينازعون في كل أمر ويشككون في كل شيء فبعد أن نازعوا في أصل القتل واتهموا الإِسلام فيه بالوحشية والهمجية ينازعون الآن في كيفية القتل وطريقته ولكننا نقول لهم:
أمن الإزدراء والتحقير بالإنسانية أن تقام حدود الله؟ وليس من الإزدراء والتحقير بالإنسانية إذلال الإنسان وتعذيبه بخلع أظافره وإحراق جسمه وتسليط الصدمات الكهربائية على مخه وأعصابه وعصب رأسه بطوق حديدي يقضقض عظمه وكيه بالنار وقلع شعره والعبث بكرامته وآدميته كما يتعرض لذلك المعارضون في الرأي والسياسة في البلاد التي تتشدق
стр. 248
بالحريات الديمقراطية والإشتراكية والشيوعية وتتباهى بقوانينها ونظمها.
ثم إن قتل المحصن رجمًا لا يراد منه إزهاق روحه فقط وكفى وإلَّا فكان السيف والصعق الكهربائي ونحوهما أسرع في تحقيق الغرض المنشود كما يقولون. وإنما المراد من هذا القتل الزجر والردع عن مقارفة الجريمة الشنعاء، إنه ارتكب جرمًا أهدر فيه كرامة الإنسان، وضيع معالم النسب الإنساني فضلًا عن القتل المادي والوأد الظاهر أو الخفي الذي ألحقه بمجموعة من سلالة الإنسان، فكان من مقاصد الشارع الحكيم أن يقتل المرجوم رجمًا زيادةً له في الإيلام وتنفيرًا لغيره عن مقارفة تلك الجريمة النكراء وعبرة لمن تسول له نفسه أو يزين له الشيطان أن يقع في مثل ما وقع فيه.
ثم فوق هذا كله: إن الذي فرض العقوبة وقدرها وبين كيف تكون إنما هو العليم الخبير الذي يعلم دروب النفس وخباياها) (١).
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (٢)، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (٣).
يقولون: إن إقامة الحدود تقتضي إزهاقًا للأرواح وتقطيعًا للأطراف وبذلك تفقد الإنسانية من الطاقات وينتشر فيها المشوهون والمقطوعون والمكسحون ... إلخ ما قالوا.
стр. 249
ونحن نقول لهؤلاء:
إن القتل رتقطيع الأطراف في الحدود لفئات شريرة تعطل العمل والإنتاج يؤدي إلى حفظ مئات الأرواح وآلاف الأطراف سليمة طاهرة عاملة منتجة، مع ملاحظة أن المشوهين والمقطوعين والمكسحين لا يكادون يشاهدون في البلاد التي يقام فيها شرع الله تعالى وها هي ذي المملكة العربية السعودية مثلًا حيًا وواقعًا ملموسًا مشهودًا تقيم شرع الله وترعى حدوده ويسير فيها الراكب من أدناها إلى أقصاها وربما لا يرى فيها مشوهًا واحدًا أو مكسحًا بسبب إقامة حد وليس ذلك لأنهم لا يقيمون للحدود وزنًا كلا كلا بل لأن إقامتهم للحدود قد حالت بين الناس وبين الجرائم التي تقام بسببها الحدود فقلت الجرائم وبالتالي قل من تقام عليه الحدود. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ (١).
وبهذا يظهر كذب هذه الفرية ويفتضح أمر مدبريها المتقولين على الإِسلام.
يقولون: إن في إقامة الحدود تضييقًا على الأقليات غير المسلمة وإكراهًا لهم على أن يأخذوا بخلاف ما تقرره أديانهم وفي هذا سلب للحريات واعتداء على أناس ليسوا مطالبين بشريعة الإِسلام.
وقد أشبعت هذا الموضوع بحثًا واستوفيت جميع جوانبه (٢).
ويتلخص في أن الشريعة الإِسلامية تسوي بين المسلمين والذميين في تطبيق أحكام الشريعة في كل ما كانوا فيه متساويين أما ما يختلفون فيه فلا تسوية بينهم فيه ومعنى هذا:
стр. 250
أَن عقوبة الجرائم في الشريعة قسمان:
قسم عام يعاقب على إتيانه المسلم وغير المسلم -أعني كل المقيمين في دار الإِسلام-. وقسم خاص يعاقب على إتيانه المسلمون دون غيرهم وأساس هذا القسم هو الدين وذلك كالجرائم التي أساسها ديني محض كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير يعاقب على إتيانها المسلم فقط ولا يعاقب غير المسلم عليها إذ أنها في معتقدهم غير محرمة ولكن يعاقب غير المسلم على الجرائم القائمة على أساس ديني إذا كان إتيانها محرمًا في عقيدته أو يعتبر في دينه رذيلة أو كان إتيانها مفسدًا للأخلاق العامة أو ماسًا بشعور الآخرين أو يتضمن تعديًا على الأرواح والأموال، فمثلًا شرب الخمر ليس محرمًا في عقيدة أهل الذمة ولكن السكر محرم عندهم أو هو رذيلة فضلًا عن أنه مفسد للأخلاق العامة، ومن ثم فإنه يعاقب الذمي على السكر دون الشرب فمن شرب حتى سكر عوقب ومن شرب ولم يسكر فلا عقوبة عليه (١) ... وهكذا.
• • •