إنسانًا حيًا له قلب يعقل أو ألقى السمع وهو شهيد ولكنه أغلق قلبه وألغى إنسانيته فكان جزاؤه من جنس عمله جزاءً وفاقًا (ولا يفل الحديد إلَّا الحديد) (١).
(وهكذا فإن الإِسلام يقرر عقوبات رادعة قد تبدو قاسية فظة لمن يأخذها أخذًا سطحيًا بلا تمعن ولا تفكير، ولكنه لا يطبقها أبدًا حتى يضمن أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مبرر ولا شبهة اضطرار.
فالإسلام يقرر قطع يد السارق ولكنه لا يقطعها أبدًا إذا كانت هناك شبهة بأن السرقة نشأت من جوع. والإسلام يقرر رجم الزانية والزاني ولكنه لا يرجمهما إلَّا أن يكونا محصنين، وإلَّا أن يشهد عليهما أربعة شهود بالرؤية القاطعة، وهذا يعني أن العقوبات لا تنفذ جزافًا أو تسلط على الناس بلا حساب) (٢).
وعمر بن الخطاب من أبرز فقهاء الإِسلام لم ينفذ حد السرقة في عام الرمادة (٣)، عام الجوع حيث كانت الشبهة قائمة في اضطرار الناس للسرقة بسبب الجوع.
فهذا مبدأ صريح لا يحتمل التأويل وهو أن قيام ظروف وملابسات تدفع إلى الجريمة يمنع تطبيق الحدود عملًا بحديث رسول الله ﷺ : "ادرأوا
стр. 247
الحدود بالشبهات، وأقيلوا الكرام عثراتهم إلَّا في حد من حدود الله -تعالى-) (١).
وروي أن غلمانًا لإبن حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مُزَيْنَةَ فنحروها فأُتي بهم عمر، فأقروا فأمر عمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم فلما ولى رده ثم قال: أما والله لولا أنِّي أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه لحل له لقطعت أيديهم ثم وجه القول لإبن حاطب بن أبي بلتعة فقال: (وأيم الله إذا لم تفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك ثم قال: يا مُزَنيُّ بكم أريدت منك ناقتك قال: بأربعمائة. قال عمر لإبن حاطب: اذهب فأَعطه ثمانمائة) (٢).
وهكذا وهكذا في جميع العقوبات التي قررها الإِسلام.
إنهم يزعمون أن قتل المحصن رجمًا بالحجارة فيه تحقير وازدراء بإنسانيته وهذا هو دأب أعداء الإِسلام ينازعون في كل أمر ويشككون في كل شيء فبعد أن نازعوا في أصل القتل واتهموا الإِسلام فيه بالوحشية والهمجية ينازعون الآن في كيفية القتل وطريقته ولكننا نقول لهم:
أمن الإزدراء والتحقير بالإنسانية أن تقام حدود الله؟ وليس من الإزدراء والتحقير بالإنسانية إذلال الإنسان وتعذيبه بخلع أظافره وإحراق جسمه وتسليط الصدمات الكهربائية على مخه وأعصابه وعصب رأسه بطوق حديدي يقضقض عظمه وكيه بالنار وقلع شعره والعبث بكرامته وآدميته كما يتعرض لذلك المعارضون في الرأي والسياسة في البلاد التي تتشدق
стр. 248
بالحريات الديمقراطية والإشتراكية والشيوعية وتتباهى بقوانينها ونظمها.
ثم إن قتل المحصن رجمًا لا يراد منه إزهاق روحه فقط وكفى وإلَّا فكان السيف والصعق الكهربائي ونحوهما أسرع في تحقيق الغرض المنشود كما يقولون. وإنما المراد من هذا القتل الزجر والردع عن مقارفة الجريمة الشنعاء، إنه ارتكب جرمًا أهدر فيه كرامة الإنسان، وضيع معالم النسب الإنساني فضلًا عن القتل المادي والوأد الظاهر أو الخفي الذي ألحقه بمجموعة من سلالة الإنسان، فكان من مقاصد الشارع الحكيم أن يقتل المرجوم رجمًا زيادةً له في الإيلام وتنفيرًا لغيره عن مقارفة تلك الجريمة النكراء وعبرة لمن تسول له نفسه أو يزين له الشيطان أن يقع في مثل ما وقع فيه.
ثم فوق هذا كله: إن الذي فرض العقوبة وقدرها وبين كيف تكون إنما هو العليم الخبير الذي يعلم دروب النفس وخباياها) (١).
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (٢)، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (٣).
يقولون: إن إقامة الحدود تقتضي إزهاقًا للأرواح وتقطيعًا للأطراف وبذلك تفقد الإنسانية من الطاقات وينتشر فيها المشوهون والمقطوعون والمكسحون ... إلخ ما قالوا.
стр. 249
ونحن نقول لهؤلاء:
إن القتل رتقطيع الأطراف في الحدود لفئات شريرة تعطل العمل والإنتاج يؤدي إلى حفظ مئات الأرواح وآلاف الأطراف سليمة طاهرة عاملة منتجة، مع ملاحظة أن المشوهين والمقطوعين والمكسحين لا يكادون يشاهدون في البلاد التي يقام فيها شرع الله تعالى وها هي ذي المملكة العربية السعودية مثلًا حيًا وواقعًا ملموسًا مشهودًا تقيم شرع الله وترعى حدوده ويسير فيها الراكب من أدناها إلى أقصاها وربما لا يرى فيها مشوهًا واحدًا أو مكسحًا بسبب إقامة حد وليس ذلك لأنهم لا يقيمون للحدود وزنًا كلا كلا بل لأن إقامتهم للحدود قد حالت بين الناس وبين الجرائم التي تقام بسببها الحدود فقلت الجرائم وبالتالي قل من تقام عليه الحدود. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ (١).
وبهذا يظهر كذب هذه الفرية ويفتضح أمر مدبريها المتقولين على الإِسلام.
يقولون: إن في إقامة الحدود تضييقًا على الأقليات غير المسلمة وإكراهًا لهم على أن يأخذوا بخلاف ما تقرره أديانهم وفي هذا سلب للحريات واعتداء على أناس ليسوا مطالبين بشريعة الإِسلام.
وقد أشبعت هذا الموضوع بحثًا واستوفيت جميع جوانبه (٢).
ويتلخص في أن الشريعة الإِسلامية تسوي بين المسلمين والذميين في تطبيق أحكام الشريعة في كل ما كانوا فيه متساويين أما ما يختلفون فيه فلا تسوية بينهم فيه ومعنى هذا:
стр. 250
أَن عقوبة الجرائم في الشريعة قسمان:
قسم عام يعاقب على إتيانه المسلم وغير المسلم -أعني كل المقيمين في دار الإِسلام-. وقسم خاص يعاقب على إتيانه المسلمون دون غيرهم وأساس هذا القسم هو الدين وذلك كالجرائم التي أساسها ديني محض كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير يعاقب على إتيانها المسلم فقط ولا يعاقب غير المسلم عليها إذ أنها في معتقدهم غير محرمة ولكن يعاقب غير المسلم على الجرائم القائمة على أساس ديني إذا كان إتيانها محرمًا في عقيدته أو يعتبر في دينه رذيلة أو كان إتيانها مفسدًا للأخلاق العامة أو ماسًا بشعور الآخرين أو يتضمن تعديًا على الأرواح والأموال، فمثلًا شرب الخمر ليس محرمًا في عقيدة أهل الذمة ولكن السكر محرم عندهم أو هو رذيلة فضلًا عن أنه مفسد للأخلاق العامة، ومن ثم فإنه يعاقب الذمي على السكر دون الشرب فمن شرب حتى سكر عوقب ومن شرب ولم يسكر فلا عقوبة عليه (١) ... وهكذا.
• • •
стр. 251
نستطيع بعد هذا البيان والرد على تلك المزاعم ودحض تلك الشبهات أن نخلص إلى الحقائق التالية:
المسألة الثانية: حقائق لابد منها:
أولًا: إن أول ما يجب أن يكون القارئ على بصيرة منه فيما يتعلق بالحدود والعقوبات في الإِسلام أنها إنما جعلت لتنفذ في مجتمع قائم على أصول الإِسلام وتكون الحياة المدنية والاجتماعة فيه منظمة على ما قرره لها الإِسلام من الأسس والمناهج: ومعنى هذا:
أن الحدود والعقوبات جعلت لتنفذ في مجتمع: لا تخرج فيه النساء متزينات متبرجات في الطرقات، ولا توجد فيه الصور العارية والملاهي المثيرة للعواطف الشهوانية، ولا توجد المثيرات الجنونية التي تدفع الشباب دفعًا إلى الهبوط في مهاوي الرذيلة، ولا يكون فيه الفقر الذي يمنع الشباب من الزواج، وتتوزع فيه الثروة توزيعًا عادلًا، وتتوفر فيه للناس جميع التسهيلات والتيسيرات التي يؤمن معها وقوعهم في الأخطاء وارتكابهم للمحرمات.
ومجتمع هذا شأنه لابد أن تنفذ فيه عقوبات صارمة للمحافظة على ما قد أقيم فيه من نظام متزن لجميع شعب الحياة وليست هذه العقوبات حينئذٍ
стр. 252
مما ينافي العدالة أو يجافي الرحمة والشفقة بل هي عين العدالة وبروح الرحمة والشفقة (١).
ثانيًا: أن العقوبات في الإِسلام لا تنفذ جزافًا أو اعتباطًا وإنما يبحث بكل دقة في الأسباب الموجبة لارتكاب الناس الجرائم وتتخذ جميع الوسائل المؤدية إلى سقوط العقوبة عنهم: فمن دقة في شروط الشهادة لإثبات الجريمة وتحديد مدة من الزمان لإجراء التحقيق قبل إقامة الحد فإنه عسى أن يتضح خلالها خطأ الشهود في شهادتهم ومن عمل القضاة كل ما في وسعهم لدرء الحدود عن الناس، بعد ذلك لا قبله يقرر الإِسلام العقوبة الرادعة وهو مطمئن إلى عدالتها بالنسبة لشخص لا يدفعه إلى جريمته مبرر معقول.
ثالثًا: أن الشريعة الإِسلامية تمتاز عن الشرائع الأخرى بالمساواة في التطبيق وإذابة الفوارق بين الطبقات فالعقوبات تنفذ على القوي والضعيف والوضيع والشريف بنسبة واحدة بلا وساطة ولا محسوبية وهذا خير شاهد على عدالة الإِسلام (٢).
رابعًا: أن العقوبات لم تشرع للحد من انتشار الفوضى وكبح جماح الشهوات وتأديب المجرمين في الدنيا فحسب بل إن في تشريعها عمقًا أكبر من ذلك وهو الرحمة من الله بعباده وإحسانه إليهم وتطهيره لهم من دنس
стр. 253
العقوبة وتوبته عليهم في الآخرة وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "من أصاب في الدنيا ذنبًا فعوقب به فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عباده ومن أذنب ذنبًا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه) (١).
• • •
стр. 254
الفصل الخامس
النتائج السلبية المترتبة على عدم تطبيق شرع الله -تعالى -
ويتضمن هذا الفصل ما يلي:
* تمهيد.
* النتائج السلبية في مجال العقيدة.
* النتائج السلبية في مجال العبادة.
* النتائج السلبية في المجال الإجتماعي.
* النتائج السلبية في مجال السياسة ونظام الحكم.
* النتائج السلبية في المجال الإقتصادي.
* النتائج السلبية في مجال العقوبات وتطبيق الحدود.
стр. 255
تمهيد
إن الحديث عن النتائج السلبية والآثار الضارة التي منيت بها الأمة الإِسلامية من جراء البعد عن شريعة الله وتحكيم القوانين الوضعية طويل ومتشعب وقبل أن أفيض في ذكر تلك المخازي المؤلمة والنتائج المخزية التي يئن لها القلب ويندى لها الجبين ... أذكر قول الله -تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١).
وقوله -تعالى-: ﴿... إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ (٢).
وقوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ (٣).
стр. 256
فهذا تقرير عدل الله في معاملة العباد، فهو -سبحانه- لا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلَّا بعد أن يغيروا نواياهم ويبدلوا سلوكهم، ويقلبوا أوضاعهم ويستحقوا أن يغير ما بهم من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها ... وأي نعمة أتم على العباد من الدين الكامل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
وقد تحدثت عن بعض خصائص ومقومات هذا الدين الكامل الشامل مما يستوجب تحكيمه والعمل به (١).
ولكن -وآسفاه- لقد أتى على هذه الأمة حين من الدهر انقلبت فيها الأوضاع، وتغيرت فيها النوايا وتبدل فيها السلوك وفسدت فيها المفاهيم، فمن القمة الشامخة السامقة إلى الحضيض السحيق، ومن الذروة العليا إلى أدنى دركات الضياع والذل والهوان والهبوط ولا يتسع المجال هنا لذكر كل النكبات التي حاقت بهذه الأمة والنكسات التي منيت بها، والأزمات التي تلاحقت عليها بسبب البعد عن شرع الله والتنكب لدينه ولكن يكفي أن نتحدث عما نشاهده بأعيننا ونسمعه بآذاننا في مجتمعاتنا المعاصرة من الولايات المتلاحقة والنكبات المروعة والمشاكل المخزية التي لا حصر لها وصدق الله العظيم إذْ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ (٢).
١ - ففي مجال العقيدة:
كانت الكارثة الأولى التي منيت بها الأمة هي فساد عقيدتها وإصابتها
стр. 257
بلوثات مادية جانحة زرعت الشك والإلحاد في كثير من نفوس أبنائها وعملت
مع الأيام على إشاعة التُّرُّهات والمفاهيم اللادينية.
"مما عرض روح التدين لهزات عنيفة ومخيفة مهدت بعدئذ لظهور الإتجاهات الإلحادية وتسلطها على بلاد المسلمين ومقدراتها ومن ثم محاربتها للإسلام ودعاته تارة بإطلاق الإشاعات والأراجيف وطورًا باختلاق الذرائع والمبررات لإستئصالهم والخلاص منهم" (١).
٢ - في مجال العبادة:
تعرضت العبادات لكثير من الإنحرافات وسوء الفهم لدى الغالبية العظمى من المسلمين منها: الغلو والإفراط في أدائها: فمن مفرط متساهل مهمل إلى متكلف متحامل على نفسه مبالغ في الذكر والزهد والتقشف!!
وما أحسن ما وصفهم به ابن عقيل ﵀: ما أعجب أموركم في التدين: إما أهواء متبعة أو رهبانية مبتدعة (٢). ناهيك عن جهل الكثير من المسلمين لأحكام الدين وعدم أداء العبادات أداءً صحيحًا على وجهها الأكمل.
نعم: (إن كل المفاهيم الإِسلامية قد تغيرت وانحرفت في حس الأجيال المتأخرة بدءًا بمفهوم لا إله إلَّا الله التي أصبحت مجرد كلمة تقال باللسان والقلب عنها غافل والسلوك عنها بعيد إلى مفهوم القضاء والقدر الذي تحول إلى قوة مثبطة مخذلة إلى مفهوم الدنيا والآخرة اللتين انفصلتا وتحولتا إلى
стр. 258
معسكري متقابلين متعاديين العمل في أحدهما يؤدي إلى إهمال العمل في الأخرى إلى مفهوم عمارة الأرض، الذي تحول من عمارة الأرض بمقتضى منهج الله إلى توقف العمارة إلى عودة العمارة ولكن بغير منهج (١) الله!! ...
ومن التخلف العقدي نشأت كل ألوان التخلف التي أصابت العالم الإِسلامي: التخلف العلمي والحضاري والاقتصادي والحربي والفكري والثقافي) (٢).
وكان من نتائج فساد العقيدة الذي أصيبت به الأمة: انهيار أخلاقها وشيوع الفواحش والمنكرات فيها وانغماس كثير من أبنائها في حمأة الرذائل والشهوات وانصرافها إلى المتع والملذات والبعد عن هدي الشريعة الإِسلامية في جميع المجالات الأخرى.
٣ - وفي المجال الإجتماعي:
"فشلت النظم المستوردة "يمينية" ويسارية في تأمين السعادة والطمأنينة والاستقرار للإنسان بل إنها تسببت في إشقاء الإنسان وانغماسه وانعكس ذلك على الأسر فتفككت وضعفت الروابط الأسرية وانهدمت الأواصر العائلية، وانعدمت القيم والمكارم، وحلت الأنانية والأثرة وحب الذات محل التعاون والإيثار، وحب الآخرين والعطف عليهم، وبدت ظاهرة القلق والإضطراب والإكتئاب على كثير من أفراد المجتمعات التي تنكرت لشرع الله وترتب على ذلك انتشار العيادات النفسية وارتفاع نسبة الإنتحار واستحالة النوم وجلب الطمأنينة النفسية أصبح هنا بتناول الحبوب المخدرة والمهدئة وشرب الخمور والمسكرات والإفراط في التدخين والسهر، والإنغماس في الموبقات
стр. 259
والشذوذ والجنس واقتراف الرذائل. وكم قرأنا عن شباب في عنفوان شبابهم قد استأثرتهم الشهوات وانعدمت فيهم القيم والأخلاق فانفصلوا عن واقعهم هربًا من مواجهة الحياة وصاروا يبنون لأنفسهم عالمًا حالمًا هو عالم إباحي مجنون انقلبت فيه القيم والمقاييس وتلاشت بل وانعدمت فيه الروح الدينية بسبب سيطرة النظم الوضعية والأفكار البالية القائمة أساسًا على المنفعة الفردية" (١).
٤ - وفي مجال السياسة ونظام الحكم:
تقدم (٢) أن الشريعة الإِسلامية تقوم على أسس راسخة وقيم أصيلة وسمات أخلاقية تعتبر هي ميزان الإجتماع في الإِسلام وهي الدعامة الوطيدة التي يقوم عليها بناء الجماعة الإِسلامية ويستقيم عليها أمرها، فالعدل في الإِسلام عدل مطلق يطبق على الكبير والصغير والشريف والوضيع والأمير والسوقة والمسلم وغير المسلم، ولا يفلت من قبضته أحد ... إلخ. والمساواة على إطلاقها فلا قيود ولا استثناءات، وإنما مساواة تامة بين الأفراد ومساواة تامة بين الأجناس ومساواة تامة بين الحاكمين والمحكومين ومساواة تامة في الحقوق والواجبات والمسؤوليات ... إلخ.
والشورى من أهم قواعد الشريعة الإِسلامية وهي لأهل الحل والعقد والتجربة والخبرة وهي الدعامة التي يقوم عليها نظام الحكم في الإِسلام.
стр. 260
وتلك هي أهم الأسس الرئيسية التي يقيم عليها الإِسلام بناءه في نظام الحكم ولكن هذه الأسس وغيرها قد تعطلت بسبب أهواء الكثير من الحكام واستبدادهم وتحكيمهم القوانين الوضعية، ولقد عانت الشعوب الإِسلامية من جراء ذلك وكابدت الأمرين!!
والذي ينظر في حال كثير من المجتمعات الإِسلامية اليوم يرى برهان ذلك.
فقد: "اكتظت البلاد بحكام وزعماء وأصحاب رأي تفرقوا أحزابًا وشيعًا يتآمر بعضهم على بعض ويتقول كل منهم على الآخر بالحق والباطل ويتبادلون القذف والسباب كما لوكانوا يتقارضون المدح والثناء، رضوا بأن يعيشوا متنابذين متفرقين وكل فريق يحاول تحقير الآخر وتشويهه ليعلوا على هامته أو ليخلوا له الجو فينطلق" (١).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
(وإذا خرج ولاة الأمور عن الحكم بغير ما أنزل الله وقع بأسهم بينهم، قال النبي ﷺ : "ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلَّا وقع بأسهم بينهم"، وهذا من أعظم أسباب تغير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه، فإن الله يقول في كتابه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ (٢).
стр. 261
فقد وعد الله بنصر من ينصره، ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله، لا نصر من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما لا يعلم) (١).
ومن نظر في حال المسلمين مهتديًا بما قرره شيخ الإِسلام هنا علم أن ما ابتلي به المسلمون اليوم من ضعف وذلة، واختلاف وفرقة وهزائم ونكسات سببه البعد عن شريعة الله، وتحكيم القوانين الوضعية القاصرة.
"وإذا كان الإِسلام يوزع العدل بالقسطاس المستقيم على القريب والبعيد والعدو والصديق فهذا العدل قد ذهب من البلاد التي تحتكم إلى غير ما أنزل الله ولا تجد إلَّا المحاباة الكريهة والمحسوبية العمياء، والحكام الجائرين الذين نكثوا أيمانهم وخانوا أماناتهم وأتوا من الأعمال ما لا يغتفر وأتوا بكل ما يناقض الإيمان وانحرفوا عن كل اتجاه يرجع إلى الإِسلام" (٢).
يقول أبو الأعلى المودودي ﵀:
"من ثم نرى أن كل مكان قامت فيه ألوهية الناس على الناس قد فشا فيه الظلم والجور والإستئمار الممقوت والتكبر في أرض الله بغير حق" (٣).
ويكفي هؤلاء الحكام ظلمًا ووخزًا في ضميرهم أنهم يباغتون بمكائدهم كل من قام يدعو إلى الله وينادي بالإصلاح فيذلونه بالخوف والقهر ويفقرونه ومن يلوذ بطرفه بالمصادرة لأمواله أو الحراسة عليها ويسلبونه حريته بالسجن والرعب ويذيقونه ألوانًا من العذاب ولم يكن إلَّا هذا شاهدًا على ظلمهم وجبروتهم وطغيانهم لكفى!!
стр. 262
والخلاصة: "أن أداة الحكم في تلك البلاد التي تحتكم إلى غير ما أنزل الله قد فسدت وتعفنت وانتشرت روائح الفساد في كل جانب من جوانب الحكم فيها فالحاكم يستولي على الحكم بالقوة المسلحة ويحتفظ بمنصبه بالحديد والنار ورجال السياسة البارزون سواء كانوا في الحكم أم كانوا من المعارضين كلهم من "العلمانيين" (١) الذين تنص لوائح أحزابهم على أنهم يستحلون كل شيء ما دام يؤدي لغايتهم، فالسرقة والرشوة والاختلاس وبيع الأعراض والكرامات والمساومة على المصالح العامة والتستر على الخيانة والفساد وإسكات صوت الحق كل ذلك جائز ما دام يؤدي إلى المال أو الجاه أو كراسي الحكم" (٢).
٥ - وفي المجال الإقتصادي:
"لم يكن في وسع الأنظمة -الرأسمالية والإشتراكية- أن توجد مجتمع الكفاية والعدل الذي تدعو إليه بل وعلى العكس من ذلك نشأت مشاكل "حرب الطبقات" والظلم الإجتماعي والاستغلال الحزبي والاحتكار والفقر والبطالة إلى ما لا نهاية له من المشاكل اليومية، ولقد تمثل الشعب بسادته وكبرائه في نفاقهم وسوء أخلاقهم فعم النفاق وفشا الربا وضاعت الأخلاق والكرامات، ولم يبق بين هؤلاء من له ذمة أو ضمير أو خلق إلَّا القليل.
стр. 263
ومما يؤلم حقًا أن يوجد بين هؤلاء الغني المتخم والفقير المتضور لأن هؤلاء المتخمين بالثروة يأبون أن يردوا على هؤلاء المساكين بعض حقهم الذي يوجبه لهم الدين بعد أن تعطلت فريضة الزكاة!! وبات الأغيناء يكدسون أموالهم وعقاراتهم ويملأون خزائنهم ذهبًا وفضة، ويستخدمون عمالًا يكدحون ويكدون بأجور زهيدة تافهة لا تقوم باللقمة الجافة والكساء الذي يستر العورة. وإذا كان الغني يكدس ذهبًا وفضة في خزائنه فإن العامل الفقير يكدس في قلبه غضبًا وحقدًا ينمو ويزيد كل يوم. وكل هذا بسبب خواء النفمس من الدين وفراغها من الانصياع لشريعة رب العالمين" (١).
٦ - وفي مجالات العقوبات وتطبيق الحدود:
نجد أن في المجتمعات التي تحتكم إلى القوانين الوضعية: "تنحط الأخلاق وتنحل القيم الروحية وتهبط القيم المعنوية وترتفع القيم المادية وتنتشر الفوضى والإباحية والهمجية وتستشري الجريمة وتفقد القوانين الوضعية سلطتها على النفس البشرية، لأن سلطة العقوبة وحدها لا تكفي في ردع المجرم ما لم يكن هناك دافع من دين أو وازع من ضمير!! " (٢).
• • •
стр. 264
الفصل السادس
الطرق والوسائل التي يستطيع الحكام بواسطتها تطبيق الشريعة الإِسلامية في جميع جوانب الحياة
стр. 265
تمهيد
في هذا الفصل سنذكر -إن شاء الله تعالى- أهم الطرق والوسائل التي يستطيع الحكام بواسطتها تنفيذ الشريعة الإِسلامية إن صلحت نواياهم وأحبوا أن يلقوا ربهم بوجه مشرق وصفحة بياض نقية وأول هذه الطرق العودة للشريعة الإِسلامية وإقصاء القوانين الوضعية وهو أول الشروط لوحدة الأمة الإِسلامية.
ونرى أن أفضل الطرق لتحقيق هذا الغرض ما يلي:
أولًا: أن ينتقل زمام أمر الدولة إلى حكام مسلمين صالحين تتوافر فيهم الغيرة على الإِسلام ويتحلون بالخبرة والتجربة والقدرة على تسيير دفة الحكم وفق أحكام الشريعة الإِسلامية وقواعدها.
ثانيًا: إنشاء الحياة الإِسلامية والسبيل الموصل إلى ذلك ينطلق من اتجاهين متكاملين (١):
- الإتجاه الأول: داخلي فكري نظري وهذا الإتجاه يوجب القيام بخطوات متعددة:
стр. 266
أولاها: الإيمان بأن تطبيق الشريعة الإِسلامية يحتاج إلى تغيير الوضع القائم، والتغيير يبدأ من ذوات أنفسنا يبدأ من الداخل ولا يستورد من الخارج.
ثانيتها: الإيمان بأنه لا طريق لعزنا ولا سبيل لتقدمنا وسعادتنا إلَّا بالإسلام، وأن مقياس السعادة في التصور الإِسلامي نابع من عبادة الله وحده وتحكيم شرعه والخلوص له سبحانه، وأن مصدر الشقاوة والمهانة نابع من عبادة الطاغوت والهوى والشهوة، وتلك هي دركات الشقاء التي يعيش فيها كل من أعرض عن هدي الله ودينه.
ثالثتها: الرجوع إلى الإِسلام في أصوله الأولى وفي تطبيق تلك الأصول وفق ما جاء في كتاب الله -تعالى- وسنَّة النبي ﷺ وسيرته وسيرة الخلفاء الراشدين والسلف الصالح -رضوان الله عليهم-.
- وأما الإتجاه الثاني: فهو اتجاه عملي تطبيقي (١) يوجب إزالة التناقض الكبير الذي يحكم سائر مجالات الحياة الإِسلامية من مصالح ودوائر ومؤسسات وهيئات وتعليم وصحافة وإعلام وجميع مجالات الحياة الإِسلامية وسائر الموافق والأجهزة الرسمية والشعبية والسبيل الموصل لهذا الغرض ما يلي:
أولًا: وجود "القاعدة المسلمة" (٢) بالحجم المعقول الذي يقود خطى الأمة كلها في سبيل تحقيق هذا الهدف المنشود والذي لا يعوقه وجود المنافقين، والمُبطِّئين وضعاف الإيمان والمتثاقلين، ونعني بوجود القاعدة
стр. 267
المسلمة أي: وجود الإنسان المسلم في عقيدته وفي تفكيره وفي خلقه وعاطفته وسلوكه وعمله وتصرفه.
- وجود البيت المسلم والأسرة المسلمة التي تتمثل الإِسلام وتتقيد بشرائع الإِسلام وتقوم بتنفيذها وممارستها في حياتها.
- وجود الشعب المسلم الذي يتمثل الإِسلام ويقيمه منهج حياة وعمل وممارسة واقعية.
- وجود القيادة المسلمة التي تأخذ الأسوة من رسول الله ﷺ ، وتزكي في نفس المسلم روح الإعتزاز بالإسلام وبمبادئه الحقة النابعة من مصدريه القرآن الكريم وسنَّة النبي ﷺ (١).
وأولى الخطوات لإقامة هذه القاعدة المسلمة:
- إيقاظ الوجدان الديني من غفوته وتحويله إلى حركة واقعية لا خيال ليكون ذات دلالة حقيقية تبنى عليها حركة واعية تغير الوضع القائم وتزيل ركام الجهل العالق بعقول كثير من المسلمين بحقيقة فهم لا إله إلَّا الله ومقتضياتها (٢).
- فنقطة البدء تكون بتصحيح العقيدة (٣)(٤) وجلاء مفهومها الحقيقي وارتباطها الوثيق بتحكيم شريعة الله كما بين الله ذلك في كتابه وكما علمه
стр. 268
الرسول ﷺ أصحابه، وكما وعت الجماهير المسلمة خلال أربعة عشر قرنًا من الزمان: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ (١).
- وتصحيح العقيدة بالبيان الهاديء الهادف: ﴿... وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ (٢).
كما يكون بإبراز الدليل الشرعي الذي تبنى عليه الأحكام مع التفقه في الدين.
ثانيًا: تجنيد كل الإمكانيات والطاقات لإصلاح مختلف نواحي الحياة الإجتماعية إصلاحًا شاملًا والطريق الموصل إلى ذلك ما يلي:
١ - "تنحية جميع القيادات اللادينية والعناصر المشبوهة التي تعطي صورة سيئة عن الإِسلام في مفاهيمها وفي سلوكها وتبعد كل عنصر صالح يدرك حيل أعداء الإِسلام ويكافح لإحباط مخططاتهم" (٣).
٢ - تولية القيادات الدينية الصالحة من حكام ودعاة ومعلمين وغيرهم يتحلون بالخلق والعلم والإستقامة، ويؤمنون بالله إيمانًا يدفعهم إلى الإخلاص في العمل والصدق في التوجه، والمراقبة لله -تعالى-، وهؤلاء هم المصلحون الذين يجمعون بين متانة العقيدة والإقتناع
стр. 269
بالإسلام دينًا خالدًا أبديًا وبأحكام الإِسلام شرعةً "ومنهاجًا" (١).
٣ - يجب أن نجعل همنا الأكبر وشغلنا الشاغل في المدرسة والجامعة والإذاعة والصحافة ووسائل الإعلام، وأجهزة التعليم والثقافة فيجب:
(أ) "إغلاق دور الصحافة والمجلات الخليعة التي تحوي في بطونها كل فسق ورذيلة وتنشر الأخبار والدعايات المغرضة والصور العارية والضرب بيد من حديد عليها، وتقليم أظافر محرريها ليكونوا عبرة لكل فاجر مرتاب" (٢).
(ب) "محاربة الشر والإنحلال بكل صوره وجميع أشكاله وألوانه وقطع دابر من يدعو إليه.
(ج) إحداث تغييرات جذرية في مؤسسات التعليم لتشمل أهدافها ومناهجها وبرامجها ووسائلها" (٣)، ويكون بما يأتي:
١ - إعادة صياغة الموجهين لها والعاملين بحيث يعد هؤلاء إعدادًا إسلاميًا، ليقوموا بدورهم الفعال المناط بهم على الوجه الأكمل، وليسهموا في عملية البناء والتعمير وينشروا الخير والفضيلة بين صفوف الأمة الإِسلامية.
стр. 270
٢ - "مراجعة شاملة لأهداف التعليم ومحتواه، وتخلصه من رواسب التبعية والاستعباد ومخلفات الإحتلال من نظريات الغرب المستشرقين والصليبيين ممن جعلوا الحضارة الغربية مثلًا أعلى والثقافة الغربية أملًا يسعى الشباب إليه" (١).
٣ - "تكريس المناهج التعليمية لخدمة أهداف الإِسلام في وجود الإنسان وتربيته تشريعيًا وسياسيًا واجتماعيًا وتنسيق حياته كلها وفق الكتاب والسنَّة وسير السلف الصالح من هذه الأمة" (٢).
٤ - "إن مفتاح سعادة الأمة الإِسلامية مطوي في هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد إذن: فلا يمكن للمسلمين أن ينهضوا نهضة حقيقية إلَّا إذا أقبلوا عليه واهتدوا بهديه واستضاؤوا بنوره وساروا على دربه" (٣)، وهذا يتطلب:-
(أ) الإهتمام بالقرآن حفظًا وفهمًا وتدبرًا وتعليمًا وتعلمًا.
(ب) العمل بهدي القرآن وتنفيذ أحكامه والاهتعمام بدراسته من حيث ألفاظه ومعانيه، وعقائده، وآدابه، وأحكامه، وتشريعاته وأخذ القدوة والأسوة في ذلك من سلفنا الصالح - رضوان الله عنهم - (٤).
стр. 271
- روى الدارمي بإسناده في سننه عن الحارث قال: (دخلت المسجد فإذا أناس يخوضون في أحاديث، فدخلت على علي فقلت ألا ترى أن أناسًا يخوضون في الأحاديث في المسجد فقال: قد فعلوها، قلت: نعم، فقال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ستكون فتن. قلت: وما المخرج منها. قال: كتاب الله كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل هو الذي من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم ينته الجن إذْ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾، هو الذي من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور) (١).
فما أحوجَ المسلمين اليوم إلى فهم كتاب الله -تعالى- الذي هو مصدر شريعتهم وسبيل هدايتهم وهو عصمتهم من الأهواء وشفاؤهم من الأدواء ... قال -تعالى-: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ (٢).
وقال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (٣).
стр. 272
وقال -تعالى-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ (١).
وما أحوجَ المسلمين اليوم إلى الإمتثال لأوامر القرآن ونواهيه والعمل بما فيه من آيات بينات وحكم وعظات، وتعلمه وتعليمه وتفهمه وتفهيمه: عن ابن مسعود ﵁ قال: (كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن) (٢).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا أنهم كانوا يستقرؤون من النبي ﷺ ، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعلموا بما فيها من العمل فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا) (٣).
وبهذا تمسك به أجدادنا حقيقة، وجعلو ٥ منهاجهم في الحياة ونبراسهم في العمل حتى غدوا سادة العالم وقادة الإنسانية في زمن قليل يعد على الأصابع.
ولكن يا لله من عصر تتقلب فيه الحقائق فيتحول القرآن من دنيا بعض المسلمين إلى مصاحف ثمينة داخل علب مغلفة بالحرير يتبادلها الناس هدايا في مناسباتهم أو يضعونها في واجهات متاجرهم وسياراتهم لتجلب البركة وتدفع السوء في اعتقادهم كحرز وغيره فإنا لله وإنا إليه راجعون!! ألهذا أنزل القرآن؟!!
стр. 273
ومما يؤسف له أن القرآن أصبح مهجورًا عند جمهرة كبيرة من أبناء المسلمين ولم يعد له قيمة عندهم سوى أنه يتلى في المناسبات وعلى قبور الأموات وفي المآتم والأربعينيات!، ويتخذ منه المتمشيخون وسيلة لإبتزاز أموال الناس بالباطل أو يصنع منه المشعوذون التمائم ويصيحون على أبواب المساجد آية الكرسي والمعوذات والآيات المنجيات بكذا وكذا ... وقد يتجرأ بعض الجهلة فيضعونه في زاوية مظلمة من البيت مهجورًا يتراكم عليه الغبار، وفي القرى والمدن يستغل كتاب الله أسوأ استغلال في كتابة التعاويذ والأحجبة والتمائم الشركية الممزوجة ببعض الآيات مع حروف مقطعة كالطلاسم لا تعرف؛ بدعوى أن ذلك يزيل المرض ويحقق الغرض وفعل ذلك في الحقيقة ضلال في ضلال. ما أنزل الله به من سلطان. فعلى كل مسلم غيور على دينه محاربة هؤلاء ومطاردتهم وتطهير المجتمع من فسادهم. فما أقل حياء من يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا!! ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (١). ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ (٢).
إن القرآن الكريم أنزله رب البرية سبحانه على نبيه ﷺ ليتلوه المؤمنون فتشرح به صدورهم وتستنير به أفئدتهم وقلوبهم وينالوا به مثوبة الله يوم القيامة أنزله ليكون للعالمين بشيرًا ونذيرًا أنزله كتابًا للأحياء لا للموتى من
стр. 274
الأحياء أنزله -سبحانه- ليتخذ المسلمون منه تشريعاتهم ويكون دستور حياتهم ونظام مجتمعهم ومنبع قوتهم وسر سعادتهم في الدنيا والآخرة.
إننا لا نريد أن يستوعب المسلمون آيات قرآنهم إتقانًا وتجويدًا ثم يعزلوه عن حياتهم فلا يزكي لهم نفسًا ولا يرفع لهم رأسًا.
إننا لا نريد أن يذاع القرآن ضمن الأغاني وفي الموالد والحفلات، أو يتلى في بدء بث البرامج الإذاعية والتلفزيونية وفي ختامها وكفى!!
أننا لا نريد جعل القرآن مادة إضافية بين مواد التعليم لا يترتب على الرسول فيها أثر.
نعم: إن القرآن الكريم قد أهمل حفظه في مكاتب تحفيظه بل أهمل بعد ذلك إنشاء المكاتب نفسها فحرم الأبناء والبنات من حفظ القرآن في حداثة السن وبداية التربية ثم أهمل حفظه وتدريسه في مراحل التعليم بعد ذلك في المدارس والمعاهد فتخرجت الأجيال الكثيرة خاوية من القرآن حفظًا ودراسة وفهمًا ويمكننا أن نقول -من غير مبالغة أو مغالاة- إن الشباب المسلم محروم الآن -في أكثر بلاد الإِسلام محروم من حفظ القرآن الكريم ودراسته في جميع مراحل التعليم وهم في السن التي يحتاجون فيها أشد الاحتياج إلى ضبط النفوس وجمح الشهوات والتربية الدينية الصحيحة والتوجيه إلى الخير والصلاح بوازع ديني محكم قويم ولن يتأتى ذلك إلَّا بعودة حميدة إلى القرآن الكريم وبناء هيكل حياة المسلمين على أسس صلبة متينة من تعاليمه وحفظه ودراسته وفهمه وتدبره وتأمين تطبيقه وتنفيذه سواء ما يتصل بالعقيدة أو العبادات أو المعاملات أو السياسة والإقتصاد أو الأدب والثقافة والإجتماع.
стр. 275
فلابد أن تتضافر جميع الجهود للوصول إلى هذه الغاية النبيلة ويقوم كل منا بمسؤوليته التي تحتم عليه أن يبذل كل ما في وسعه لخدمة كتاب الله -تعالى-: وخير سبيل نراه حتمًا علاجًا ناجحًا لهذا الحال الذي نعيشه في غياب القرآن ما يلي:
أولًا: إنشاء مدارس لتحفيظ القرآن الكريم في القرى والمدن يذهب إليها الأطفال في بدء نشاتهم ليحفظوا أجزاء من القرآن الكريم عن ظهر قلب على أن يكون التعليم فيها إجباريًا.
ثانيًا: فرض تدريس مادة القرآن الكريم في جميع مراحل التعليم للذكور والإناث على حد سواء بدءً بالدراسة الإبتدائية وانتهاءً بالدراسات العليا من (ماجستير ودكتوراه).
ثالثًا: "الإهتمام بالدراسات القرآنية وذلك بوضع موسوعة قرآنية تحرر فيها المعاني التاريخية لأخباره والمعاني السليمة لعقائده وآدابه بحيث يتدرج تدريس هذه الموسوعة مع نمو الطالب واتساع مداركه" (١).
رابعًا: "أركز مرة ثانية على كون هذه الدراسة للقرآن الكريم دراسة إجبارية يترتب على رسوب الطالب فيها عدم الإنتقال إلى صف أعلى وتوضع مناهج حفظ القرآن لكل مرحلة بل لكل سنَّة على غرار مناهج العلوم الأخرى في المدارس في جميع المراحل".
وإني أنوه هنا بالنهج الذي نهجته جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية بالمملكة العربية السعودية من العناية بالقرآن الكريم في معاهدها
стр. 276
وكلياتها والدراسات العليا فيها ونود أن تنهج كل الجامعات في المملكة العربية السعودية بل وفي العالم العربي والإسلامي هذا النهج" (١).
خامسًا: تخصيص مكافآت شهرية وسنوية مجزئة لمن يلي أمر التحفيظ في مكاتب التحفيظ في سائر القرى والمدن كما يجب تخصيص مكافآت مماثلة للحفاظ المتفوقين من الطلاب ترغيبًا لهم وتشجيعًا على حفظ القرآن الكريم.
سادسًا: إعداد مدرس القرآن الكريم إعدادًا يتناسب وشرف الرسالة التي يؤديها وعظم المسؤولية المناطة به، ليكون قدوة طيبة يتقن حفظ كتاب الله -تعالى- وتجويده ويفقه دينه بشرائعه وأحكامه، ولكن يوفر هذا الأنموذج، فلابد من إعداده إعدادًا خاصًا وتوفير سبل الحياة الكريمة له حيث إن الواقع المشاهد أن مدرس القرآن الكريم لا يتساوى مع مماثليه في هذا الغرض. وحسبنا أن نذكر مثالًا واحدًا في جامعة إسلامية مدرس القرآن الكريم يتقاضى عشر مرتب مدرس اللغة الأجنبية!!
سابعًا: يجب تعديل مناهج الجامعات سواء منها ما يختص بدراسة العلوم النظرية أو ما يختص بالعلوم التجريبية والعملية فتوضع المناهج الإِسلامية التي تعني بالقرآن الكريم حفظًا وفهمًا بالشريعة الإِسلامية روحًا ونصًا، لغرس الإيمان في قلوب الشباب وإلهاب العاطفة الدينية لديهم وتمكين ذوي الإتجاهات الدينية في كل جامعة لكي يقوموا بالدور الذي يجب عليهم القيام به.
ثامنًا: ربط العامة بالقرآن الكريم وغرس حبه في نفوسهم وحثهم على
стр. 277
حفظه وفهمه وتدبره في مساجدهم ومنازلهم ومجالسهم وأماكن أعمالهم وأنديتهم وحضهم على أن تعلم القرآن والعمل به فريضة على كل مسلم ولا يسع أحد جهله وعلى من تعلمه تكميل غيره بتعليمه إياه وصبره عليه وتذكيره بأن كتاب الله من أقرب القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه ولا يكفي مجرد الإيمان به فقط بل لا يكون العبد مؤمنًا كامل إلَّا إذا تذوق حلاوة كتاب الله -تعالى- وامتلأت جوانحه بحبه وامتزجت مشاعر به يرافقه في رحلاته ويسأل الله به في حل مشكلاته وينتصر به على كل معارضة ويصبح له شعارًا ودثارًا ويكون صلته به صلة رجل مسلم يعيش بالقرآن ويتخلق بأخلاق القرآن ويتادب بآداب القرآن (١).
تاسعًا: إصلاح الإعلام بكل أجهزته: المقرؤة والمرئية والمسموعة وتصحيح مساره وهذا من أوجب الضرورات بل هو واجب شرعي بحيث يبث الخير وينشر الفضيلة ويحذر من الشر والأخلاق الرذيلة ويكون قادرًا على توجيه الأمة، وتعميق العقيدة في نفوس أبنائها وتذكيرها بغايتها في هذه الحياة ويتحقق ذلك بالاختيار الأمين للعاملين في أجهزة الإعلام، فتختار الكفاءات المؤمنة المخلصة التي تدرك أهداف الأمة وغايتها وإبعاد العناصر المشبوهة عن مراكز القيادة والتوجيه وإبعادها عن وسائل الإعلام والتدريس وغيره وتمكين ذوي الإتجاهات الإِسلامية في كل بلد إسلامي لكي يقوموا بالدور الذي يجب عليهم القيام به (٢).
عاشرًا: "وضع البرامج الخاصة في الإذاعة والتلفاز، الهادفة إلى
стр. 278
إصلاح الأفكار وغرس القيم الخلقية والآداب السلوكية من توجيه وإرشاد وكل ما من شانه أن يغرز كيان الدين لدى أبنائه ويتفق وروح العقيدة السلفية الصحيحة (١).
حادي عشر: ربط المساجد بالمؤسسات التعليمية والمصالح الحكومية "من قطاع عام وقطاع خاصًا والمصانع والأسواق وتنسيق مواعيد العمل والدراسة بمواقيت الصلاة حتى يرتبط المسجد في وجدان المسلمين بالحياة وحركتها ويكون له مكانته في التوجيه والإرشاد وتحقيق أهداف الأمة المسلمة بشرط أن يكون ذلك بعيدًا عن الناحية المظهرية والشكلية بل طاعة وتعبدًا وتوجهًا إلى الله -تعالى- ولكي تؤتي رسالة المسجد ثمارها المرجوة فيجب إعداد الأئمة للقيام بواجب الدعوة إلى الله والتوجيه والتعليم ممن زُوِّدوا بعلوم والقرآن والسنَّة واللغة العربية وآدابها وممن درسوا المذاهب الفكرية والتيارات السياسية الموجهة للإسلام وأن يكون الإمام قدوة طيبة يعيش عصره بعلومه ومعارفه ويفقه دينه بشرائعه وأحكامه ويخشى ربه ويتقيه ولكي يوفر هذا الأنموذج فلابد من إعداده إعدادًا خاصًّا وتوفير سبل الحياة الكريمة له" (٢).
• • •
стр. 279
الفصل السابع
التدرج في تطبيق وتنفيذ أحكام الشريعة الإِسلامية
وفي هذا الفصل تمهيد وأربعة مباحث:
التمهيد.
المبحث الأول: وجود الإيمان العميق والعقيدة الراسخة.
المبحث الثاني: التدرج في الأخذ بأحكام الشريعة الإِسلامية.
المبحث الثالث: الثبات والصبر والتأني وعدم اليأس والقنوط.
المبحث الرابع: كيفية تطبيق الأحكام الشرعية وتنفيذها عمليًا في العالم الإِسلامي.
وفي هذا المبحث تمهيد وثلاثة مطالب:
التمهيد.
المطلب الأول: حكومة إسلامية في دولة تدين بالإسلام وتطبق شريعة الإِسلام.
المطلب الثاني: حكومة منحرفة في أمة مسلمة.
المطلب الثالث: أقليات إسلامية في أمة كافرة.
стр. 280
تمهيد
" إن بين الحق والباطل صراع دائم في حياة البشر، صراع يستمد وجوده من ذلك النزاع القائم في كيانه بين النوازع الفطرية التي تتوق إلى الحق وتسعى إلى سيادته وبين نوازع الشهوة والهوى التي تسعى إلى انتهاج الباطل منهجًا واقعيًا بديلًا لمنهج الحق في الحياة الفردية والجماعية (١).
ثم إن للعادات والأعراف سلطانًا على النفوس وتحكمًا في العقول فمتى رسخت العادة اعتبرت من ضرورات الحياة (٢). ولذلك فان كثيرًا ما كان يقاسي الأنبياء والمصلحون من المصاعب والأهوال، فيأخذون الناس بالعنف تارة وبالتدريج تارة أخرى لتحويلهم عن مفاسد عاداتهم وأعرافهم.
فلم تقف مهمتهم - عليهم الصلاة والسلام - عند بيان الحق وإبلاغه فحسب، بل بدعوة الناس إليه والإستجابة له وتحقيقه في أنفسهم اعتقادًا وقولًا وعملًا، فكان كل رسول يدعو قومه إلى الصراط المستقيم ويبينه لهم
стр. 281
ويهديهم إليه وهذا أمر متفق عليه بين الرسل جميعًا" (١).
ثم كان كل رسول يُقوِّم الإنحراف الحادث في عصره ومصره؛ إذ الإنحراف عن الصراط المستقيم لا يحصره ضابط وهو يتمثل في أشكال مختلفة:
"فنوح ﵇ أنكر على قومه عبادة الأصنام وكذلك إبراهيم ﵇ وهود ﵇ أنكر على قومه الإستعلاء في الأرض، والتجبر فيها، وصالح أنكر على قومه الإفساد في الأرض واتباع سبيل المفسدين. ولوط حارب جريمة اللواط التي استشرت في قومه. وشعيب قاوم في قومه جريمة التطفيف في المكيال والميزان. وهكذا فكل هذه الجرائم وغيرها التي ارتكبتها الأمم خروج عن الصراط وانحراف عنه والرسل - عليهم الصلاة والسلام - سمة دعوتهم المخلصة أنهم يبينون هذا الصراط ويحاربون الخروج عليه باي شكل من الأشكال كان" (٢).
ثم ختمت هذه الشرائع بالشريعة الإِسلامية الغراء التي لم تغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا وضعت لها أسلم وأنجح حل يسعد الفرد والمجتمع على السواء.
نعم: (لقد نظر محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - إلى العالم بعين النبوة والرحمة فرأى إنسانًا قد هانت عليه إنسانيته وصار يسجد للحجر والشجر ويعبد شهوته وهواه وما لا يملك لنفسه النفع والضرر. رأى عادات فاسدة من معاقرة الخمر إلى حد الإدمان والخلاعة والفجور إلى حد الإستهتار وتعاطي الربا إلى حد الإغتصاب واستلاب الأموال. رأى الطمع
стр. 282
وشهوة المال إلى حد الوأد وقتل الأولاد. رأى حكامًا اتخذوا بلاد الله تحت سلطانهم غنيمة وعباد الله عبيدًا لهم، ورأى أممًا كقطعان من الغنم ليس لها راع والحكم كسيف في يد سكران يجرح فيه من يعترض سبيله) (١).
"فكان ﷺ المثل الأعلى في فهم واقع الجاهلية والنفاذ إلى نفسيات أهلها، وخوالجهم، فقد أدرك ﷺ الأسباب التي تشدهم إلى الباطل وتعوقهم دون قبول الحق ثم أخذ في علاج تلك العوامل والأسباب فكان ﷺ بذلك يهدم صورة الواقع الباطل في سلود القوم لبنة لبنة ويبني صورة الحق لبنة لبنة، لقد أمضى الرسول ﷺ ثلاث عشرة سنة في مجال العقيدة، ثم انتقل إلى معالجة ما هو فرع لها في السلوك العملي:
فقد عرض ﷺ على الناس تصورات الإِسلام الأساسية ومبادئه الخلقية الراسخة، وأخذ يعد الرجال الذين قبلوا هذه الدعوة وانضووا تحت لوائها أمثال أبي بكر الصديق ﵁، وسائر أبطال الدعوة إلى الله -تعالى-، فلما أن تم له ذلك تقدم خطوة أخرى، فأقام في المدينة المنورة حكومة ثابتة الأركان راسخة القواعد، ثم بعد أن أصبحت المدينة معقل الإِسلام، ومشعل الهداية، وتسلم النبي ﷺ جميع الزعامات فيها، وتمكن منها كل التمكن، تقدم خطوة ثالثة فقام بمهمة التطبيق العملي في واقع مُهَيَّأ ملموس كان يعمل له من ذي قبل سنوات متعددة بالدعوة والتبليغ وبذا أقام ﷺ أحكام الإِسلام وآدابه وسلوكياته مكان العادات والتقاليد الجاهلية الفاسدة، وبفضل هذا السعي الجدي الدائب للإصلاح الشامل ظل ﷺ يطبق
стр. 283
أحكام الشريعة الإِسلامية بكل اتزان وتناسب حتى إذا مرت على ذلك تسع سنوات تم فيها إلى جانب بناء الحياة الإِسلامية جانبًا آخر هو تنفيذ وتطبيق الشريعة الإِسلامية في جميع المجالات" (١).
والآن: لسائل أن يقول: كيف الإنتقال من واقع باطل إلى تطبيق الشريعة الإِسلامية؟ وكيف يمكن توفير المناخ النفسي الصالح لذلك الإنتقال ليتعامل مع الواقع تعاملًا موضوعيًا ينتفي فيه التوتر والإضطراب اللذان قد يُحدثان الرفضَ المطلقَ للإستجابة لهذا العمل نتجية التغير الفجئي؟
نقول نعم: إن التغير المفاجيء يحدث في الجسم اضطرابًا قد تكون له آثار سيئة على صحة الجسم والتدرج من الداء إلى العافية في مراتب متعاقبة هو سنَّة الله في خلقه.
لهذا نرى أن التغيير يستلزم العمل التمهيدي في جميع الجوانب حتى تتوفر عوامل النجاح لهذا التغيير ويتهيأ بعد ذلك الوسط المنشود الذي يكون صالحًا لتطبق فيه أحكام الشريعة الإِسلامية في جميع الأقطار الإِسلامية (٢).
ويكون ذلك بإيجاد خطة سليمة وبرنامج مدروس يحدد أهداف الشريعة ومقاصدها وأهمية العمل بها، وترجمة ذلك إلى واقع ملموس في حياة المسلمين.
ويمكن جعل ذلك في أربعة مباحث:
стр. 284
المبحث الأول
وجود الإيمان العميق والعقيدة الراسخة
وهو أول السمات المميزة لطبيعة المجتمع المسلم واللبنة الأولى في بناء صرح الشريعة الإِسلامية.
وقد مر بنا أن النبي ﷺ أمضى ثلاثة عشرة سنة في مجال العقيدة ثم انتقل إلى ما هو فرع لها في السلوك العملي!!
يقول أبو الحسن النَّدْوي ﵀:
(أتى النبي ﷺ بيت الدعوة والإصلاح من بابه ووضع على قفل الطبيعة البشرية مفتاحه، ذلك القفل المعقد الذي أعيا فتحه جميع المصلحين في عهد الفترة، وكل من حاول فتحه من بعده بغير مفتاحه، فدعا الناس إلى الإيمان بالله وحده ورفض الأوثان والعبادات والكفر بالطاغوت بكل معاني الكلمة وقام في القوم ينادي: "يا أيها الناس: قولوا لا إله إلَّا الله تُفلحوا!! "، ودعاهم إلى الإيمان برسالته، والإيمان بالآخرة) (١).
ولم يكن النبي ﷺ في ذلك بدعًا من الرسل بل إن لب دعوات الرسل
стр. 285
والأنبياء جميعًا تنطلق من هذه النقطة، والغاية الأولى التي أنزلت لها الكتب السماوية الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ كل ما يعبد من دونه، ومحاربة الجاهلية بكل أشكالها وصورها وتقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة.
إذن فإنه قبل التفكير في إقامة مجتمع مسلم ينبغي أن يتجه الإهتمام أولًا: إلى أن يتمثل هذا المجتمع العبودية لله وحده في معتقدات أفراده وتصوراتهم كما يتمثلها في شعائرهم وعباداتهم كما تتمثل في نظامهم الجماعي وتشريعاتهم.
وهذه هي نقطة البدء في محاولة بعث أمتنا الإِسلامية لتحكيم الشريعة الإِسلامية: عقيدة تملأ القلب وتفرض سلطانها على الضمير، عقيدة مقتضاها ألا يخضع الناس إلَّا لله، وألا يتلقوا الشرائع إلَّا منه دون سواه ... يقول صاحب "معالم في الطريق" تحت عنوان "لا إله إلَّا الله منهج حياة" ما يلي: (العبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في العقيدة الإِسلامية المتمثل في شهادة: أن لا إله إلَّا الله. والتلقي عن رسول الله ﷺ في كيفية هذه العبودية. هو شطرها الثاني. المتمثل في شهادة أن محمدًا رسول الله والقلب المؤمن المسلم هو الذي يتمثل فيه هذه القاعدة بشطريها، لأن كل ما بعدهما من مقومات الإيمان وأركان الإِسلام إنما هو مقتضٍ لهما:
"فالإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله والهوم الآخر والقدر خيره وشره. وكذلك الصلاة والزكاة والصيام والحج. ثم الحدود والتعازير والحل والحرمة والمعاملات ... والتشريعات والتوجيهات الإِسلامية إنما تقوم كلها