ويهديهم إليه وهذا أمر متفق عليه بين الرسل جميعًا" (١).
ثم كان كل رسول يُقوِّم الإنحراف الحادث في عصره ومصره؛ إذ الإنحراف عن الصراط المستقيم لا يحصره ضابط وهو يتمثل في أشكال مختلفة:
"فنوح ﵇ أنكر على قومه عبادة الأصنام وكذلك إبراهيم ﵇ وهود ﵇ أنكر على قومه الإستعلاء في الأرض، والتجبر فيها، وصالح أنكر على قومه الإفساد في الأرض واتباع سبيل المفسدين. ولوط حارب جريمة اللواط التي استشرت في قومه. وشعيب قاوم في قومه جريمة التطفيف في المكيال والميزان. وهكذا فكل هذه الجرائم وغيرها التي ارتكبتها الأمم خروج عن الصراط وانحراف عنه والرسل - عليهم الصلاة والسلام - سمة دعوتهم المخلصة أنهم يبينون هذا الصراط ويحاربون الخروج عليه باي شكل من الأشكال كان" (٢).
ثم ختمت هذه الشرائع بالشريعة الإِسلامية الغراء التي لم تغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا وضعت لها أسلم وأنجح حل يسعد الفرد والمجتمع على السواء.
نعم: (لقد نظر محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - إلى العالم بعين النبوة والرحمة فرأى إنسانًا قد هانت عليه إنسانيته وصار يسجد للحجر والشجر ويعبد شهوته وهواه وما لا يملك لنفسه النفع والضرر. رأى عادات فاسدة من معاقرة الخمر إلى حد الإدمان والخلاعة والفجور إلى حد الإستهتار وتعاطي الربا إلى حد الإغتصاب واستلاب الأموال. رأى الطمع
стр. 282
وشهوة المال إلى حد الوأد وقتل الأولاد. رأى حكامًا اتخذوا بلاد الله تحت سلطانهم غنيمة وعباد الله عبيدًا لهم، ورأى أممًا كقطعان من الغنم ليس لها راع والحكم كسيف في يد سكران يجرح فيه من يعترض سبيله) (١).
"فكان ﷺ المثل الأعلى في فهم واقع الجاهلية والنفاذ إلى نفسيات أهلها، وخوالجهم، فقد أدرك ﷺ الأسباب التي تشدهم إلى الباطل وتعوقهم دون قبول الحق ثم أخذ في علاج تلك العوامل والأسباب فكان ﷺ بذلك يهدم صورة الواقع الباطل في سلود القوم لبنة لبنة ويبني صورة الحق لبنة لبنة، لقد أمضى الرسول ﷺ ثلاث عشرة سنة في مجال العقيدة، ثم انتقل إلى معالجة ما هو فرع لها في السلوك العملي:
فقد عرض ﷺ على الناس تصورات الإِسلام الأساسية ومبادئه الخلقية الراسخة، وأخذ يعد الرجال الذين قبلوا هذه الدعوة وانضووا تحت لوائها أمثال أبي بكر الصديق ﵁، وسائر أبطال الدعوة إلى الله -تعالى-، فلما أن تم له ذلك تقدم خطوة أخرى، فأقام في المدينة المنورة حكومة ثابتة الأركان راسخة القواعد، ثم بعد أن أصبحت المدينة معقل الإِسلام، ومشعل الهداية، وتسلم النبي ﷺ جميع الزعامات فيها، وتمكن منها كل التمكن، تقدم خطوة ثالثة فقام بمهمة التطبيق العملي في واقع مُهَيَّأ ملموس كان يعمل له من ذي قبل سنوات متعددة بالدعوة والتبليغ وبذا أقام ﷺ أحكام الإِسلام وآدابه وسلوكياته مكان العادات والتقاليد الجاهلية الفاسدة، وبفضل هذا السعي الجدي الدائب للإصلاح الشامل ظل ﷺ يطبق
стр. 283
أحكام الشريعة الإِسلامية بكل اتزان وتناسب حتى إذا مرت على ذلك تسع سنوات تم فيها إلى جانب بناء الحياة الإِسلامية جانبًا آخر هو تنفيذ وتطبيق الشريعة الإِسلامية في جميع المجالات" (١).
والآن: لسائل أن يقول: كيف الإنتقال من واقع باطل إلى تطبيق الشريعة الإِسلامية؟ وكيف يمكن توفير المناخ النفسي الصالح لذلك الإنتقال ليتعامل مع الواقع تعاملًا موضوعيًا ينتفي فيه التوتر والإضطراب اللذان قد يُحدثان الرفضَ المطلقَ للإستجابة لهذا العمل نتجية التغير الفجئي؟
نقول نعم: إن التغير المفاجيء يحدث في الجسم اضطرابًا قد تكون له آثار سيئة على صحة الجسم والتدرج من الداء إلى العافية في مراتب متعاقبة هو سنَّة الله في خلقه.
لهذا نرى أن التغيير يستلزم العمل التمهيدي في جميع الجوانب حتى تتوفر عوامل النجاح لهذا التغيير ويتهيأ بعد ذلك الوسط المنشود الذي يكون صالحًا لتطبق فيه أحكام الشريعة الإِسلامية في جميع الأقطار الإِسلامية (٢).
ويكون ذلك بإيجاد خطة سليمة وبرنامج مدروس يحدد أهداف الشريعة ومقاصدها وأهمية العمل بها، وترجمة ذلك إلى واقع ملموس في حياة المسلمين.
ويمكن جعل ذلك في أربعة مباحث:
стр. 284
المبحث الأول
وجود الإيمان العميق والعقيدة الراسخة
وهو أول السمات المميزة لطبيعة المجتمع المسلم واللبنة الأولى في بناء صرح الشريعة الإِسلامية.
وقد مر بنا أن النبي ﷺ أمضى ثلاثة عشرة سنة في مجال العقيدة ثم انتقل إلى ما هو فرع لها في السلوك العملي!!
يقول أبو الحسن النَّدْوي ﵀:
(أتى النبي ﷺ بيت الدعوة والإصلاح من بابه ووضع على قفل الطبيعة البشرية مفتاحه، ذلك القفل المعقد الذي أعيا فتحه جميع المصلحين في عهد الفترة، وكل من حاول فتحه من بعده بغير مفتاحه، فدعا الناس إلى الإيمان بالله وحده ورفض الأوثان والعبادات والكفر بالطاغوت بكل معاني الكلمة وقام في القوم ينادي: "يا أيها الناس: قولوا لا إله إلَّا الله تُفلحوا!! "، ودعاهم إلى الإيمان برسالته، والإيمان بالآخرة) (١).
ولم يكن النبي ﷺ في ذلك بدعًا من الرسل بل إن لب دعوات الرسل
стр. 285
والأنبياء جميعًا تنطلق من هذه النقطة، والغاية الأولى التي أنزلت لها الكتب السماوية الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ كل ما يعبد من دونه، ومحاربة الجاهلية بكل أشكالها وصورها وتقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة.
إذن فإنه قبل التفكير في إقامة مجتمع مسلم ينبغي أن يتجه الإهتمام أولًا: إلى أن يتمثل هذا المجتمع العبودية لله وحده في معتقدات أفراده وتصوراتهم كما يتمثلها في شعائرهم وعباداتهم كما تتمثل في نظامهم الجماعي وتشريعاتهم.
وهذه هي نقطة البدء في محاولة بعث أمتنا الإِسلامية لتحكيم الشريعة الإِسلامية: عقيدة تملأ القلب وتفرض سلطانها على الضمير، عقيدة مقتضاها ألا يخضع الناس إلَّا لله، وألا يتلقوا الشرائع إلَّا منه دون سواه ... يقول صاحب "معالم في الطريق" تحت عنوان "لا إله إلَّا الله منهج حياة" ما يلي: (العبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في العقيدة الإِسلامية المتمثل في شهادة: أن لا إله إلَّا الله. والتلقي عن رسول الله ﷺ في كيفية هذه العبودية. هو شطرها الثاني. المتمثل في شهادة أن محمدًا رسول الله والقلب المؤمن المسلم هو الذي يتمثل فيه هذه القاعدة بشطريها، لأن كل ما بعدهما من مقومات الإيمان وأركان الإِسلام إنما هو مقتضٍ لهما:
"فالإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله والهوم الآخر والقدر خيره وشره. وكذلك الصلاة والزكاة والصيام والحج. ثم الحدود والتعازير والحل والحرمة والمعاملات ... والتشريعات والتوجيهات الإِسلامية إنما تقوم كلها
стр. 286
على قاعدة العبودية لله وحده، كما أن المرجع فيها كلها هو ما بلّغه لنا رسول الله ﷺ عن ربه.
والمجتمع المسلم هو الذي تتمثل فيه تلك القاعدة ومقتضياتها جميعًا، لأنه بغير تمثل تلك القاعدة ومقتضياتها فيه لا يكون مسلمًا. ومن ثم تصبح شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمد رسول الله قاعدة لمنهج كامل تقوم عليه حياة الأمة الإِسلامية بحذافيرها فلا تقوم هذه الحياة قبل أن تقوم هذه القاعدة كما أنها لا تكون حياة إسلامية إذا قامت على غير هذه القاعدة، أو قامت على قاعدة أخرى أو عدة قواعد أجنبية عنها، قال -تعالى-: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) " (٣).
"على أن العقيدة ليست مفهومًا ذهنيًا تستوعبه الأذهان ثم يستقر فيها هناك. إنها على هذا النحو لا تصنع شيئًا في عالم الواقع ... كالفلسفة في الأبراج العاجية ... لا تغير شيئًا في واقع الناس!! إنما هي عقيدة ترسخ، وترسخ حتى تصبح يقينًا قلبيًا تنطلق على هداه مشاعر القلب ويجري بمتقضاه السلوك العملي للانسان ... وبهذه الصورة تعمل العقيدة في عالم الواقع ... تغير ... تهدم، وتبني ... تهدم الباطل وتبني مكانه الحق) (٤).
إن العقيدة التي تجمع المسلمين ولا تفرقهم وتوحدهم ولا تشتتهم هي
стр. 287
عقيدة السلف التي جمع الرسول الصحابة عليها وعلمهم إياها والتي تقوم على الأسس السليمة والأصول المتينة التي لا يأباها عقل حصيف (١).
فعلى كل مسلم يعيش في أرجاء المعمورة أن يفهم هذه العقيدة فهمًا كاملًا سليمًا حكيمًا، وبهذه نكون قد وضعنا اللبنة الأولى في بناء صرح الشريعة الإِسلامية الشامخ.
• • •
стр. 288
المبحث الثاني
التدرج في الأخذ بأحكام الشريعة الإِسلامية
(إن الطريق إلى الحق في مجال الأحكام الشرعية المتعلقة بالسلوك لا يكون بالغاء الواقع الجاهلي القائم على أساس الباطل وحذفه بصفة جمليَّة لتنزيل الحق منزلته، بل يكون بالانطلاق من ذلك الواقع إبقاءً على ما تبقى فيه من قِيَم الخير ورفعًا لما فيه من الفساد رفعًا تدريجيًا لتحل محله بالتدرج أيضًا صورة الحق في السلوك مراعاة لما ركب في "واقع الطبيعة الإجتماعية" من سنَّة التشبث بالموروث ومشقة الانقلاب الفوري من طور في السلوك إلى طور آخر مناقض له، وليس ما ورد في التشريع الإِسلامي من تنجيم في النزول ومن تدرج في بناء الأحكام إلَّا إرشادًا إلى هذه الطبيعة يتجاوز الحالة الخاصة المتمثلة في تحويل أهل الجاهلية من واقع جاهليتهم الباطلة إلى واقع الحقيقة الإِسلامية) (١).
(إن الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإِسلامية يجب أن تكون جامعة بين تحريك الإيمان في النفوس وإثارة الشعور الديني وبين إكمال الوعي وتنميته
стр. 289
وتربيته) (١)، ومعنى هذا: أن الكثير من متطلبات التغيير الذي يستلزمه الإصلاح يحتاج إلى استعداد نفسي كبير، فإذا فرض من غير طريق الإستعداد النفسي العميق لم يثمر الثمرة المرجوة ونذكر على سبيل المثال "قصة الخمر" وتحريمها في الإِسلام، فقد كانت شائعة في المجتمع الجاهلي شيوعًا كبيرًا وكانت الظاهرة البارزة المتداخلة في تقاليد هذا المجتمع فبماذا قاومها التشريع الإِسلامي؟ وماذا صنع ليقف في وجه هذه العادة القديمة التي تتعلق بها تقاليد اجتماعية كما تتعلق بها مصالح اقتصادية؟
لقد عالجها التشريع الإلهي ببضع آيات من القرآن الكريم وعلى مراحل وفي رفق وتؤدة دون حرب ودون إراقة دماء!!
قال في الظلال:
"عندما يتعلق الأمر أو النهي بقاعدة من قواعد التصور الإيماني أي بمسألة اعتقادية فإن الإِسلام يقضي فيها قضاءً حاسمًا منذ اللحظة الأولى، ولكن عندما يتعلق الأمر والنهي بعادة وتقليد أو بوضع اجتماعي معقد، فإن الإِسلام يتريث فيه ويأخذ المسألة باليسر والرفق والتدرج ويهيء الظروف الواقعية التي تيسر التنفيذ والطاعة، فعندما كانت المسألة مسألة التوحيد أو الشرك أمضى أمره منذ اللحظة الأولى في ضربة حازمة جازمة لا تردد فيها ولا تلفت ولا مجاملة فيها ولا مساومة ولا لقاء في منتصف الطريق، لأن المسألة هنا مسألة قاعدة أساسية للتصور لا يصلح بدونها إيمان ولا يقام إسلام ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ (٢).
стр. 290
وكمسألة التوحيد والشرك فإنه يأمر بالأول أمرًا جازما ويندد بالثاني تنديدًا لا هوادة فيه ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ (١).
فأما في الخمر والميسر فقد كان الأمر أمر عادة وإلف والعادة تحتاج إلى علاج، فبدأ بتحريك الوجدان الديني والمنطق التشريعي في نفوس المسلمين: قال -تعالى-: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ (٢).
والنص يلمح إلى أن الرزق الحسن غير الخمر وأن الخمر ليس رزقًا حسنًا، وفي هذا توطئة لما جاء بعدُ من تحريمها ... ولكن عادة الشراب أو تقليد الشراب في مكة كان أعمق من أن تؤثر فيه هذه اللمسة السريعة البعيدة. وقامت للإسلام دولة في المدينة وكان له سلطان لم يلجأ إلى تحريم الخمر بقوة الدولة وسيف السلطان ولكن بدأ المنهج عمله في رفق وفي يسر ولين: بدأ بآية البقرة ردًا على أسئلة تنبيء عن يقظة الضمير المسلم ضد الخمر والميسر ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٣) الآية.
إجابة عن سؤال عمر بن الخطاب ومعاذ ونفر من الصحابة حين قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مُذهِبة للعقل مُسلِبة للمال؟ فنزل قوله -تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ
стр. 291
لِلنَّاسِ﴾ فشربها قوم وتركها آخرون "ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ﵁ أناسًا منهم فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلي، فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، فنزلت ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فقَلَّ من شربها ... ثم حدثت أحداث أخرى: واجتمع قوم من الأنصار ومنهم سعد بن أبي وقاص، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعرًا فيه هجاء للأنصار، فضربه أنصاري بلحي بعير فشجه شجة موضحة، فشكا إلى رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁: اللهم بيِّن لما في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ (١)، فقال عمر ﵁ انتهينا يارب (٢)!!.
قال القفال ﵀: "والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله -تعالى- علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيرًا فعلم أن لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم فلا جرم أن استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق" (٣).
ويحضرني هنا مثل من سيرة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين المهديين المقتدى بهم "فقد أراد عمر أن يعود بالحياة إلى هدي الخلفاء الأربعة وذلك بعد أن يتمكن ويمسك الخيوط في يديه، ولكن كان ابنه الشاب الغيور عبد الملك من الأتقياء المتحمسين وهذا هو ينكر
стр. 292
على أبيه عدم إسراعه في إزالة بقايا الإنحراف والمظالم والتعفية على آثارها وَرَدِّ الناس إلى سنن الراشدين فقال عبد الملك لأبيه يومًا: مالك يا أبت لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق!! فكان جواب الأب الفقيه المؤمن: لا تعجل يا بني فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة فيكون من ذا فتنة" (١).
"ومن هنا كان لزاما على الذين يدعون إلى استئناف الحياة الإِسلامية وإقامة دولة الإِسلام في الأرض أن يرعوا سنَّة التدرج في تحقيق ما يريدون من أهداف آخذين في الإعتبار سمو الهدف ومبلغ الإمكانات وكثرة المعوقات (٢)، ولابد أن يأخذوا أسوة العهد النبوي الزاهر ويسيروا بطريق متزن ويدركوا طبيعة هذا الدين ومنهجه في الحركة على النحو الذي بيناه.
فيجب أن تخلص القلوب أولًا لله وتعلن عبوديتها له وحده بقبول شرعه وحده ورفض كل ما سواه. ثم بعد أن تتقرر "عقيدة التوحيد" على مهل وفي عمق وتثبت وبعد أن تتمثلها نفوس حية وضمائر حية متكيفة بها ومتفاعلة معها ومستجيبة لها ... ثم يأتي بعد ذلك التدرج في الخطوات وإعطاء كل خطوة ما تستحقها من العناية والدراسة وسنفصل ذلك قريبًا إن شاء الله -تعالى- (٣).
стр. 293
المبحث الثالث
الثبات والصبر والتأني وعدم اليأس والقنوط
إن الدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإِسلامية تحتاج إلى الصبر والتأني وعدم التسرع وتعجل الثمار والثبات والتوكل وعدم اليأس والقنوط: وأعود فأذكر القارئ بما فعله الرسول ﷺ يوم صاح بعقيدة التوحيد: كانت مئات الأصنام صفوفًا داخل الكعبة وحولها، وقد ظل ثلاثًا وعشرين سنة يدعو؛ تدري متى هدم هذا الأصنام؟ في السنة الحادية والعشرين من بدء الدعوة!!.
إنه ما ذكر ﵊ حتى في عمرة القضاء أن يمس منها وثنًا -أي قبل فتح مكة بسنة- أما نحن فيريد معظمنا إن لم نكن كلنا - الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإِسلامية في الصباح وشن حملة على من لم يحكم بها في المساء!! والنتيجة التي لا محيص عنها مصارع متتابعة ومتاعب متلاحقة ونزق يحمل الإِسلام مغارمه دون جدوى!!.
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀:
" ... كثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغيُّرَ كثيرٍ من أحوال الإِسلام جزع وَكَلَّ ناح كما كما ينوح أهل المصائب وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإِسلام وأن يؤمن بالله مع الذين
стр. 294
اتقوا والذين هم محسنون وأن يؤمن بأن العاقبة للتقوى، كما قال رب العزة -جلا وعلا - ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ (١)(٢).
إن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها ... وقد تدفعها القسوة والشدة أحيانًا إلى المكابرة والإصرار والنفور فتأخذها العزة بالإثم والتمادي في الذنب، فيجب بذل النصح وإسداء المعروف بأسلوب مؤثر يفتح القلوب ويشرح الصدور والدعوة إلى إدراك حقيقة الإِسلام بالتفقه والتعلم ومعرفة أصول الإِسلام وأحكامه وحلاله وحرامه وفهم خصائصه واستيعاب مراميه:
روى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: " ... إنما نزل أول ما نزل منه (٣) سورة من المُفصَّل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإِسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا لا ناع الخمر أبدًا ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا ... " الحديث (٤).
فيجب مراعاة سنن الله الكونية والشرعية في التدرج والصبر على الأشياء حتى تنضج وتبلغ مداها ذلك أن العجلة التي هي طبيعة الإنسان عامة والشباب خاصة والسرعة التي هي من طبيعة هذا العصر تجعل الكثيرين ممن يتحمسون لدينهم يريدون أن يغرسوا اليوم ليجنوا الثمرة في الغد، أو يزرعوا في الصباح ليحصدوا في المساء ذاهلين سنَّة الله في خلقه:
стр. 295
فالنواة لا تصبح شجرة مثمرة إلَّا بعد مراحل تقصر أو تطول حسب نوعها وتربتها ومناخها وظروف نمائها إلى أن تؤتي أكلها بإذن ربها!! وهكذا وهكذا ... إلخ، تتدرج الحياة في كل صورها من مرحلة إلى مرحلة حتى تكتمل سنَّة الله في خلقه، وكذلك بدأ ديننا أول ما بدأ: عقيدة سهلة، ثم أنزل الله التكاليف شيئًا فشيئًا وفرض الفرائض وحرم المحرمات، وفصل الشرائع بالتدرج حتى كمل البناء وتمت النعمة، ونزل قوله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).
"ولئن كان التيسير والرفق واللين مطلوبًا في كل زمن فإنه في زماننا ألزم وأكثر تطلبًا نظرًا لما نراه ونلمسه من رقة الدين وضعف اليقين وغلبة الحياة المادية على الناس، وعموم البلوى بكثير من المنكرات حتى أصبحت كأنها القاعدة في الحياة!! وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر وكل هذا يقتضي الرفق واللين، واتباع المنهج الذي رسمه القرآن الكريم في الدعوة إلى سبيل الله وجدال المخالفين وهو ما جاء في خواتيم سورة النحل خطابًا للرسول ﷺ ولكي نهتدي بهديه من بعده (٢): ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ (٣).
стр. 296
يقول الإمام الغزالي في الإحياء:
"لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلَّا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه. فقيه فيما يأمر به فقيه فيما ينهى عنه"، ومما ذكره هنا -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "أن رجلًا دخل على المأمون الخليفة العباسي فأغلظ له القول وقسا في التعبير، ولم يراع أن لكل مقام مقالًا يناسبه وكان المأمون ﵀ ذا فقه فقال له يا هذا أرفق فإن الله -تعالى- بعث من هو خير منك إلى من هو أشر مني وأمره بالرفق بعث موسى وهارون وهما خير منك إلى فرعون وهو شر مني، وأوصاهما بقوله: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ (١) " (٢).
ومن تأمل حوار موسى مع فرعون في القرآن الكريم يجده قد وعى وصية الله له ونفذها بكل دقة برغم جبروت فرعون واستعلائه، وتهجمه واتهامه وتهديده!! يوضح ذلك ابن قيم الجوزية ﵀ في بدائعه إذ يقول:
"أمر الله أكرم خلقه عليه -يقصد موسى ﵇ بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللين -يقصد فرعون مصر- فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعًا وعقلًا وعرفًا، ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه. وهكذا كان النبي ﷺ يخاطب رؤساء العشائر والقبائل ... وتأمل امتثال موسى ﵇ لما أمر به كيف قال لفرعون ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)
стр. 297
وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾ (١) فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض لا مخرج الأمر وقال: ﴿إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء. ثم قال: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك ... وقال ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيرًا ويافعًا وكبيرًا ... ونظير ذلك قول نوح لقومه ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٢).
وكذلك سائر خطاب الأنبياء لأممهم في القرآن الكريم إذا تأملته وجدته ألين خطاب وألطفه بل خطاب الله لعباده ألطف خطاب وألينه كقوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣) الآية وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك" (٤).
وأحسب أن في هذا القدر من النصوص ما يكفي لإقناع بعض الذين يعملون للإسلام ولكن يخلطون بين الصراحة في الحق والخشونة في الأسلوب مع أنه لا تلازم بينهما والداعية الحكيم هو الذي يوصل الدعوة إلى غيره، بألين الطرق وأرق العبارات دون إفراط أو تفريط.
• • •
стр. 298
المبحث الرابع
كيفية تطبيق الأحكام الشرعية وتنفيذها عمليًا
تمهيد:
مما لا يشك فيه عاقل بأن أحكام الشريعة الإِسلامية لا يمكن أن تطبق بين عشية وضحاها في البلاد الإِسلامية, ولا يعقل أن يكون ذلك موكولًا إلى الصدفة، وأن يتم ذلك بالحديد والنار, أو أن نتطلع بشوق إلى تغيير الواقع دون أن يخطر في بالنا أن ذلك لن يتم إلَّا إذا سرنا بطريق متزن وخطوات عملية مدروسة ووفق خطة مرسومة تعتبر من أكبر مهمات الفكر الواقعي، وعمل متواصل في سبيل الوصول إلى الغاية وامتحان وابتلاء لا يصبر عليهما إلَّا الصادقون!! ولكن ماذا يلزم عمليًا لتحقيق هذا الهدف.
وما الطريق إلى ذلك؟ فنقول:
إنه من خلال عملية سبر كاملة لأوضاع العالم ككل ولأوضاع العالم الإِسلامي خاصة، ومن خلال عملية تقييم شاملة، فإنه يمكن أن تقسم الحكومات إلى ثلاث (١) يمكن جعلها في ثلاثة مطالب:
стр. 299
الأول: الحكومة الأولى: حكومة إسلامية تدين بالإسلام وتطبق شريعة الإِسلام.
الثاني: الحكومة الثانية: حكومة منحرفة في أمة مسلمة.
الثالث: الحكومة الثالثة: أقليات إسلامية في أمة كافرة.
стр. 300
المطلب الأول
حكومة إسلامية تدين بالإسلام وتطبق شريعة الإِسلام
وهذه الحكومة: حكومة عادلة: يعترف من بيده السلطان فيها لله بالحاكمية ويدين له بالطاعة وأجهزتها يتولاها المسلمون الحقيقيون. مناهجها إسلامية منبثقة عن إرادة المسلمين، وتطلعاتها وآمالها منسجمة مع الإِسلام وخاضعة لحكم الله في أي قضية من القضايا. وهذه الحكومة المسلمة شريعتها شريعة الله وسنتها سنة رسول الله ﷺ ، تعمل لتوحيد أمة الإِسلام وتعبيء نفسها تعبئة جهادية للقيام بما تقدر عليه من أمر الجهاد لتوحيد المسلمين وجمع كلمتهم وهذه الحكومة علامتها في كتاب الله -تعالى- ما ذكره الله بقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ (١).
وحكومة كهذه مدعوة إلى أن تثبت وجودها في كل ميدان من ميادين التشريع الإِسلامي، كما أن عليها دولة وشعبًا وحكومة يقع واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكشف الفضيلة وتدعو إليها وتحمل عليها
стр. 301
وتعمل بها، وتستنكر الرذيلة وما يحرض عليها وما يغري بها ولابد أن تتجنب المفاسد التي تنخر في عظامها فتنشر الأثرة في كيانها وتثير الشهوات في أركانها وعلى كل مسلم يعيش في كنف مثل هذه الحكومة أن يوجد لديه الإحساس والشعور بالمسؤولية قال عمر بن عبد العزيز في تفسير قوله -تعالى-: ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ...﴾ الآية. قال ﵁: "ألا إنها ليست على الوالي وحده ولكنها على الوالي والمُوَلَّى عليه. ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم وبما للوالي عليكم منه، إن لكم على الوالي من ذلكم أن يأخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض وأن يهديكم للتي هي أحسن وأقوم ما استطاع وأن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة ولا المستكره بها ولا المخالف سرها علانيتها" (١).
إن بلدًا قد أنعم الله على أهله بالأمن والإستقرار وامتن عليهم فجعلهم درة ناصعة في جبين العالم بما حباهم به من تطبيق لشرعه في عالم سادته الجاهليات بكل أشكالها وجميع صورها؛ لجدير بأن يحرص كل فرد فيه "حاكمًا أو محكومًا" على هذه المكاسب ويحافظ عليها بكل ما أوتي من وسيلة، فإذا ما دب في ربوعه داء أو ظهر بين أهله وباء يهدد أخلاقهم ويقوض بنيانهم، فإن محاربته بكل قوة وحزم وعزم واجتذاذه من جذوره واجب شرعي لا يجوز القعود عنه والتهاون فيه. روى مسلم في صحيحه عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدين النصيحة"، قلنا لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (٢).
стр. 302
المطلب الثاني
حكومة منحرفة في أُمة مسلمة تحكم بغير شريعة الإِسلام وتطبق القوانين الوضعية
ويلزم لتطبيق الشريعة الإِسلامية في مثل هذه الدولة اتخاذ الخطوات التالية:
أولًا: انتقال زمام أمر هذه الدولة من أيدي حكام وزعماء مردوا على تحكيم القوانين الوضعية، والتحم بأرواحهم ودمائهم حب موالاة أعداء الله إلى أيدي رجال مصلحين تتوافر فيهم الشروط التي سبق ذكرها (١).
ثانيًا: على الهيئات العلمية في مثل هذه الدول أن تعمل على تحرير التعليم في كل مراحله من آثار التبعية الفكرية والثقافية وذلك بتكوين هيئات ومراكز بحث وتخطيط يكون عملها:
١ - إعادة صياغة المناهج وتطويرها بما يخدم تطبيق الشريعة الإِسلامية ويكفل لها البعد عن العلمانية والإلحاد.
٢ - إصدار دوائر معارف وموسوعات علمية إسلامية في مختلف فروع المعرفة لتغني الدارسين والباحثين عن مؤلفات أعداء الإِسلام.
стр. 303
٣ - حث الدولة والهيئات والمؤسسات الإِسلامية للعمل على تعميق الدراسات والموسوعات القرآنية وتيسير حفظ القرآن الكريم وفهمه والعمل به.
ثالثًا: العمل على عدم السماح للخلافات الداخلية: "الدينية أو السياسية أو غيرها بأن تكون مبررًا لمحاربة الفكر الإِسلامي ووحدته بما يتيح لوسائل الغزو الفكري المعادي للإسلام أن تسيطر على وسائل النشر والتوجيه بما يمزق كيان الأمة الإِسلامية" (١).
رابعًا: وجوب التحلي بالأخلاق والفضائل والآداب الإِسلامية والظهور بالمظهر الإِسلامي اللائق وتسخير كل وسائل الإعلام من صحافة ومذياع مسموع ومرئي لتحقيق هذه الغاية النبيلة.
خامسًا: فتح النقاش وإفساح المجال للعاملين لتحكيم شريعة الإِسلام وإقامة دولته ونصرة قضاياه وتجميع الناس عليه ويكون بتحاشي أساليب العنف والتعذيب والتصفية الجسدية ووضع الكمائم على أفواه دعاة الإِسلام.
سادسًا: إيجاد العدد الكافي من الدعاة المتمسكين مع تدريبهم تدريبًا عمليًا لنشر دعوة الإِسلام وهذا يستلزم إنشاء وتطوير معاهد متخصصة يقوم عليها رجال متمرسون ملتزمون قادرون على إعطاء المعرفة اللازمة والفكر الإِسلامي المتجدد. ومن الممكن تقسيم هؤلاء إلى ثلاث مجموعات تنظيمية:
стр. 304
* المجموعة الأولى: الإداريون:
ومهمتهم وضع البرامج والإشراف على تطبيق المخططات وإعادة النظر فيها تعديلًا وتقويمًا.
* المجموعة الثانية: الدعاة:
الذين ينقلون المعرفة الإِسلامية إلى الناس ويبصرونهم بأحكام دينهم في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجنايات وغير ذلك من أحكام الإِسلام وآدابه ويجادلونهم بالحكمة والموعظة الحسنة حتى ينتقلوا بهم إلى مرحلة التطبيق العملي والإلتزام بأحكام الشريعة الإِسلامية في سائر المجالات.
ولكن من هم الدعاة الذين تقع على عاتقهم هذه المسؤولية الضخمة والذين هم قادرون حقيقة على تكوين وعي إسلامي رشيد؟
أهم الدعاة الذين يمالئون الحاكم رغم علمهم بأنه لا يحكم بما أنزل الله؟
أم هم الدعاة الذين قل زادهم من اليقين والتقوى ونضبت ثروتهم من العلم والفقه وباتوا لا يعرفون من إسلامهم إلَّا ما يعرفه الدراويش ومحترفي التدين؟
كلَّا كلَّا.
"إننا لا نستطيع بتة أن نعد في الدعاة إلى الله رجلًا قليل البضاعة في التاريخ السياسي للإسلام أو التاريخ التشريعي له، أو رجلًا لا يدري إلَّا النزر اليسير عن خصائص الإِسلام، لأن وعيه غامض في القرآن الكريم كل
стр. 305
ما يعرف بضعة أحاديث إن صح سندها فهو لا يدري كيف يضعها مواضعها لا نستطيع أن ننظم في سلك الدعاة أمرءًا لا يعرف عن العالم المعاصر شيئًا ولا عن الفلسفات التي تحكمه ولا أسرار رجحان الإِسلام عليها شيئًا" (١).
نعم: "إن الإِسلام اليوم أحوج ما يكون إلى دعاة يدركون جيدًا واجبهم في هداية الناس فلا يمالقون ولا يداهنون على حساب دعوتهم، ولا يصانعون على حساب الحق الذي أمروا أن يصدعوا به بما يغض من كرامتهم ويحط من قدرهم.
إن الإِسلام اليوم أحوج ما يكون إلى دعاة يتحلون بالصبر ويتصفون بالشجاعة يجمعون القلوب ويقررون أمر العقيدة السليمة ويغرسون المباديء الصحيحة في قلوب المسلمين بالتؤدة والأناة والحكمة والقوة، يعاشرون الناس على بصيرة من أمرهم إن رأوهم على الصواب تعاونوا معهم وإن رأوهم مخطئين جابهوهم بآراء حرة وأفكار صريحة وحقائق واضحة تكشف لهم عن خطئهم لا يخشون في الله لومة لائم ولا يحسبون لرضا "الناس" وبغضهم حسابًا ولا وزنًا!!.
إن الإِسلام اليوم أحوج ما يكون إلى دعاة وطنوا أنفسهم على مواجهة العواصف العاتية بقلوب لا تعلق بها ريبة وعقول لا تطيش بها كربة يواجهون الأعباء مهما ثقلت وينتظرون النتائج مهما بعدت يجاهرون بالنصيحة ويطلبون الإصلاح -يواجهون الناس بقلب مفتوح ومبادئ معروفة لا يستعبدهم العرف الغالب ولا تتحكم فيهم التقاليد السائدة ولو أدى إلى
стр. 306
تصحيحها أن يبذلوا فيها أنفسهم ويضحوا فيها بأرواحهم ما داموا واثقين فيما يرون أنه الحق" (١).
وتلك سمة الدعوات العامة المخلصة التي تقتبس النور من مشكاة النبوة وتسير على نهجها إنها تجس نبض المجتمع جسًا صحيحًا أمينًا وتهتدي إلى الداء الحقيقي ومواضع الضعف في جسم هذا المجتمع وتضع إصبعها عليه وتضرب على الوتر الحساس من غير محاباة أو مداهنة ولا تكترث بألم هذا المجتمع أو ملامه.
كما فعل شعيب ﵇ في دعوته فبعد أن دعا إلى التوحيد وجه الدعوة إلى إيفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم وشنع على التطفيف إذ كان ذلك عيب المجتمع الذي بعث فيه وسمته البارزة وكذلك فعل غيره من الأنبياء.
وهذه أيضًا كانت سنة الدعاة إلى الله من المخلصين الربانيين في تاريخ الإِسلام، إذ كانوا ينتقدون المجتمع في الصميم ويصيبون المحز ولذلك كان وقع كلامهم في النفوس عظيمًا وعميقًا وما كان يسع المجتمع أن يتغافل عنهم أو يمر بهم مرًا سريعًا، فهذا مثلًا: الحسن البصري في مواعظه كان يشير في مواعظه إلى النفات الذي كان داء المجتمع الإِسلامي وهو في أوج مجده ورخائه ويذم حب الدنيا وطول الأمل.
وهذا كان شأن ابن الجوزي أيضًا في مواعظه الساخرة ومجالسه المزحومة فإنه كان يشنع على الحياة اللاهية الماجنة التي كان يحياها كثير
стр. 307
من الناس في بغداد وعلى الذنوب والمعاصي التي كانت ترتكب جهارًا والمنكرات التي شاعت فكان مئات بل وآلاف من الناس يتوبون ويقلعون عن الذنوب وكان نشيج يعلو وقلوب ترق وعيون تدمع لأنه كان يمس القلوب ويصور الواقع ولا يكتفي بالكلام العام والوعظ التقليدي ومن يطلع على كتبه كصيد الخاطر وغيره يجد دليلًا على هذا" (١).
"فعلى الدعاة إلى الله أن يعرضوا على الناس أولًا مبادئ الدين الأساسية ثم يدعوهم إلى مطالبه ومقتضياته ولوازمه وشيئًا فشيئًا وألا يقدموا الفروع على الأصول والأحكام الجزئية على القواعد الشاملة وأن لا يضيعوا أوقاتهم في تهذيب المفاسد الظاهرة قبل أن يعالجوا المفاسد الأساسية وأن لا يقابلوا الواقعين في الغفلة والضلال بالازدراء والكراهية والإحتقار بل عليهم أن يوجهوا أفكارهم إلى علاجهم ومواساتهم وبذل النصيحة لهم بمثل ما يعامل به الطبيب مريضه" (٢).
(والواجب على من ندب نفسه للدعوة إلى الله أن يبين للناس حقيقة شريعة الله ويفصل لهم بالبرهان من كتاب الله وسنة رسوله ﵊ ما أحله الله وما حرمه وما أباحه وما ألزمنا الله -تعالى- به من شرائع لم يجعل لأولي الأمر أو لغيرهم حقًا في تبديلها أو تغييرها وحدود ما أباح الله لأولي الأمر أو لغيرهم تنظيمه بالقوانين والقرارات واللوائح فضلًا عن أن يبين لهم الشروط الواجب توافرها فيمن يعتبر ولي أمر يتعين
стр. 308
طاعته فيما أنزل الله بطاعته فيه) (١).
* المجموعة الثالثة: الباحثون:
الذين يعملون على توسيع آفاق المعرفة في مجال تطبيق الشريعة الإِسلامية وذلك بإبراز مزايا ومحاسن الشريعة الإِسلامية وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان ويتمثل عمل هؤلاء في ما يلي:
إنشاء مراكز ومنابر لها سلطة التأثير على فكر الأمة وتوجيهها وذلك كمراكز المبحث العلمي والمجامع الفقهية والمؤتمرات والندوات والإصدارات المتخصصة ولضمان نجاح مهمة هؤلاء لابد من توفر ثلاث ركائز مهمة:
١ - النواحي المالية: بتوفير موارد ثابتة لتمويل نشاطها وبرامجها.
٢ - توفير الحماية التامة من الدولة.
٣ - التمكين من إقامة مثل هذه المراكز والمنابر.
سابعًا: يجب على الداعين لتطبيق الشريعة الإِسلامية والمنادين بتحكيمها أن تكون دعوتهم واضحة لا غموض فيها، محددة المفاهيم والضوابط بمعنى أن تطبق الشريعة الإِسلامية كما جاء بها محمد ﷺ وكما طبقها هو وأصحابه من بعده رضوان الله عليهم واقعًا عمليًا في الحياة بمفهومها الشامل الواسع.
والحذر الحذر من أخذ بعض أحكام الله دون بعض، فالإسلام كل متكامل لا يقبل التجزئة فإما أن يؤخذ كله أو يترك كله وقصره على جانب
стр. 309
دون جانب تحكم بلا دليل بل تنقضه أصول الشريعة ومصادرها: يقول -تعالى- مقرعًا بني إسرائيل على ذلك أشد التقريع حيث نفذوا بعض شرائع كتبهم وتركوا بعضها فقال -تعالى-: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ (١).
وبناء على هذا يجب أن تُرفض جميع الحلول الجزئية وتُستبعد جميع الإستخدامات الشائعة الآن لكلمة تطبيق الشريعة الإِسلامية من أنها تعني تلك الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات والعقوبات فقط منفصلة عن جوانب الحياة الإنسانية الأخرى، فتلك نظرة قاصرة خاطئة ... يقول الشيخ محمد الغزالي ﵀: (إن جهودًا كثيرة تبذل الآن لترضية المسلمين بإسلام آخر غير الذي تلقوه عن نبيهم وعرفوه من كتابهم. إسلام منقوص الحقيقة والأطراف منقوص العرى والوشائج. ينكر عليه المنكرون أن يتدخل في شؤون التشريع أو يبت في قضايا المجتمع أو يقدم الولاء له على الولاء للعنصر أو التراب، أو يضع قواعد التربية مقرونة بشعائره وعبادته، أو يحذف من السلوك العام ما يخدش قيمة ويمس مثله الرفيعة أو يلزم الأفراد بفوائضه اليومية والسنوية) (٢).
(لا ريب أن قطع يد السارق وجلد الزاني أو رجمه وجلد السِّكِّرين والقصاص من القتلة وعدم التعامل بالربا والأخذ بأحكام الإِسلام في سائر المعاملات لا ريب أنه جزء أصيل من الشريعة الإِسلامية لابد منه ولا غنى عنه يكفر من جحده ويفسق من أهمله ولكنه مع ذلك ليس كل الشريعة
стр. 310
الإِسلامية ... إنه لابد من أخذ الإِسلام كله بعقائده وتصوراته وشعائره وعباداته وأفكاره ومشاعره وأخلاقه وفضائله وآدابه وتقاليده ونظمه وتشريعاته وأن يكون الإِسلام هو الموجه والقائد للمجتمع في كل الميادين وجميع المجالات مادية ومعنوية) (١).
ولكي يتحقق ذلك لابد من إلقاء الضوء على ما ينبغي عمله في شتى المجالات ليتم تطبيق الشريعة الإِسلامية بصورة صحيحة وفعلية:
أولًا - في المجال الروحي والأخلاقي:
١ - "لابد من العودة بالعقيدة إلى المنابع الصافية من كتاب الله وسنة رسوله
ﷺ بعيدًا عن غلو الغالين وانتحال المبطلين وتحريف المحرفين.
٢ - تثبيت القيم الأخلاقية الأصيلة على هدى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وتطهير المجتمع من الرذائل المتوارثة والدخيلة من المادية والأنانية واتباع الشهوات والميوعة والتحلل وغير ذلك من أخلاق الضعف والسلبية والإنحلال.
٣ - المحافظة على شعائر الإِسلام وخاصة عباداته الكبرى وأركانه العملية التي بني عليها هذا الدين من الصلاة والزكاة والصيام والحج وتربية جميع فئات المجتمع على احترامها وتوقيرها: فتجب العناية بالصلاة واتخاذ المساجد والمصليات في الدواوين والمصالح الحكومية والمؤسسات والشركات وكل مجمع للناس كالموانئ والمطارات ومحطات السكك الحديدية ومواقف السيارات العامة ونحوها.
стр. 311
٤ - مقاومة البدع والأباطيل سواء في مجال العقائد أم العبادات أم التقاليد أم غير ذلك من كل ما يتصل بالفكر أو بالسلوك على وجه عام" (١).
ثانيًا - في مجال السياسة:
يجب أن يكون للدولة دستور مكتوب تلتزم به وتسير علي ضوئه ويكون حاكمًا على القوانين والنظم الفرعية ولذا ينبغي تجنيد الكفاءات الإِسلامية: "الفقهية والسياسية الأمينة المخلصة لتقوم بوضع دستور إسلامي يحدد النظام العام الذي تسير عليه الدولة والمصدر الذي تستمد منه شرعيتها ومصادر أنظمتها كما يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم ويحدد الحقوق والواجبات للمواطنين في الدولة المسلمة" (٢).
ثالثًا - وفي مجال التنظيم والتشريع:
يجب أن ينص في الدستور على أن الشريعة الإِسلامية هي المصدر الرئيسي الوحيد للنظم والمبادئ وأن الدولة الإِسلامية مهمتها التطبيق والتنفيذ لا التشريع والتنفيذ كما يجب إعادة البناء التشريعي من جديد مراعيًا الأمور الآتية:
١ - حرص الدولة بسلطاتها الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية على العمل بأحكام الشريعة الغراء وعدم الخروج عليها (٣).
стр. 312
- فالسلطة التشريعية: يمثلها هيئة من الفقهاء المتضلعين في علوم الشريعة وأدلتها ومقاصدها ومهمة هؤلاء مراعاة تطبيق الشريعة الإِسلامية في جميع شؤون الحياة ومعالجة القضايا التي تستجد على ضوء الشريعة الإِسلامية.
- والسلطة التنفيذية: "يمثلها الحاكم ونوابه وأجهزة الدولة الأخرى من وزارات وشرطة وغيرها" عليها تحاشي تعطيل أحكام القضاء وإلَّا اختل ميزان العدالة وتحطمت صخرة التطبيق الكامل لأحكام الشريعة الغراء وعليها أيضًا تهيئة كل الوسائل التي تؤدي إلى إقامة المجتمع المسلم الذي يطبق الإِسلام بنصه وروحه (١).
- والسلطة القضائية: يمثلها القضاء بقضاته وأعوانهم وأجهزة القضاء الأخرى وهذه السلطة مهمتها: "حماية العدل وإقرار الإنصاف والتزام المساواة المطلقة بين الناس ونصرة المظلوم وقمع الظالم وقطع الخصومات ورد الحقوق إلى مستحقيها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والضرب على أيدي العابثين وأهل الفساد كي يسود النظام ويعم الأمن والأمان ولن يتحقق ذلك إلَّا إذا تمسك القضاة بالعقيدة الإِسلامية والأخلاق النبوية ظاهرين على الحق بميزان العدل بأيد لا ترتجف وقلوب تحركها خشية الله ونفوس تستشعر خطر الأمانة وعظم المسؤولية لا ترهب الملوك والرؤساء ولا تنحاز إلى الأحزاب والعشائر والقبائل" (٢).
стр. 313
ولكي يتحقق هذا: "لابد أن تكون الشريعة الإِسلامية هي المصدر الفذ لجميع الأحكام في كافة جوانب الحياة بمصادرها الأصلية والتبعية والمصادر الأصلية للشريعة هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصادر التبعية الإستحسان والإستصلاح والعرف (١).
٢ - لابد أن ينص على أن كل نظام يخالف النصوص القطعية أو الإجماع أو
الدين المتيقن واجب البطلان.
٣ - النص على إقامة الحدود والعقوبات الإِسلامية التي شرعها الله حفظًا للمجتمع وردعًا للأشرار وقطعًا لشأفة الجريمة كحدود السرقة والحرابة والزنى والقذف والسكر وقتل العمد والردة -تلك التي ثبتت بالقرآن- مع مراعاة التشدد في أركان الجريمة وشروطها ودرء الحدود بالشبهات ما وجد إلى ذلك سبيل".
٤ - أن يكون الفقه الإِسلامي هو أساس الدراسة في كليات الحقوق في كل الجامعات الإِسلامية.
٥ - "ينبغي أن تحول كليات الحقوق والشريعة والقانون إلى مسمى كليات الشريعة الإِسلامية وكفى. وإن احتاج الأمر إلى دراسة القوانين والنظم المعاصرة فلا يمنع ذلك بحيث لا يكون على حساب الشريعة عكس ما يحصل الآن في كليات الحقوق تمامًا من حيث كون دراسة الشريعة
стр. 314
لا تأخذ إلَّا حيزًا لا يرى بجانب ضخامة الدراسة القانونية الوضعية" (١).
٦ - إلغاء جميع القوانين الوضعية وبطلانها ينحدر بها إلى درجة الإنعدام، ولابد أن ينص في الدستور صراحة على إلغائها وإحلال الشريعة الإِسلامية محلها وعلى ولي الأمر سنن التشريعات التنفيذية التي تستهدف ضمان تنفيذ أحكام الشريعة الإِسلامية وسن التشريعات التنظيمية لحماية النظام العام الإِسلامي. بل ويجب على جميع المسلمين في جميع مواقعهم سواء أكانوا من رجال السلطة القضائية أم من رجال السلطتين التشريعية والتنفيذية أو من أفراد الناس العاديين أن يمتنعوا عن تطبيق وتنفيذ أو احترام كل حكم وضعي يخالف أحكام الشريعة الإِسلامية (٢).
٧ - وجوب عمل المحاكم الإِسلامية وقيام قضائها على الأسس الشرعية "فتأخذ بما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية مسترشدة ومستهدية ومستأنسة في ذلك بالثروة الفقهية الهائلة التي ورثناها عن علماء أفذاذ قلما يجوز الزمان بأمثالهم كانوا المثل المحتذى للعلم والتقوى والورع" (٣).
стр. 315
٨ - إعداد القاضي المسلم إعدادًا دينيًا ونفسيًا وعلميًا فيجب أن لا يختار للقضاء بين المسلمين إلَّا من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه وأن يكون عارفا بكتاب الله -تعالى- عالمًا باكثر أحكامه وسنة رسوله ﷺ حافظًا لأكثرها وكذا أقوال الصحابة عالمًا بالوفاق والخلاف وأقوال الفقهاء والتابعين. كما يجب أن يكون ذا عقل رصين ودين متين وأمانة ونزاهة وقوة وكفاءة وحنكة وخبرة وتجربة ... ليستقيم ميزان الحكم. وقد شدَّد الإسلامُ المسؤولية إزاء القاضي ليستمد سلطته من كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله ﷺ ومن اجتهاده وهي المنابع الأولى للسلطة والمصدر الأول للفصل بين الناس:
لمّا وُلَّى رسول الله ﷺ معاذ بن جبل على قضاء اليمن سأله رسول الله ﷺ : كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال معاذ: أقضي بكتاب الله -تعالى-. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله، قال: أجتهد رأي ولا آلوا. قال: فضرب رسول الله صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسول اللهِ لما يرضي رسول الله" (١).
وللقضاء الإِسلامي نظريته في اختيار القاضي منذ أوائل السنة الأولى للهجرة نقرؤها في كتاب الإمام علي بن أبي طالب ﵁ إلى عامله في مصر الأشتر النخعي قال علي ﵁:
" ... ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر -أي
стр. 316
يضيق صدره- من الفيء إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه وأوقفهم في الشبهات وأخذهم بالحجج وأقلهم تبرمًا بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشف الأمور وأصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستمليه إغراء وأولئك قليل" (١). ولكن يطلب أكملهم وأفضلهم في هذه الصفات.
وإنها لمفخرة للإسلام والمسلمين أن تكون المملكة العربية السعودية قمة في تطبيق الشريعة الإِسلامية وإقامة حدودها في هذا العصر والحكم بمقتضاها وما كان ينبغي أن يسبقها غيرها إلى ذلك وهي مهبط الوحي ومئل الرسالات ومنبع النور الذي شع ضوءه فعم جميع الأنام.
نعم: إن نظام القضاء في المملكة العربية السعودية وهو يقوم على أسس إسلامية صحيحة أضحى أقرب النظم لحماية العدل وإقرار الإنصاف والتزام المساواة المطلقة بين الناس آخذًا بمبدأ البساطة بعيدًا عن التعقيد والتحايل.
ولا عجب: فالقضاة قد درسوا التشريع الإِسلامي نصوصًا ومذاهب ومبادئ وقواعد وأبحاثًا وفتاوى وطبقوه عمليًا أحكامًا ووقائع وقضاءً عادلًا يأخذ القدوة ويستنير بأحكام القضاء الإِسلامي على مدى ألف وأربعمائة عام هجرية ... كيف لا! والمحاكم الشرعية هنا مهيئة وهيئات التمييز والمجلس الأعلى للقضاء وغيرها من أجهزة السلطة القضائية تعمل في جو من الحرية والاطمئنان ولا يوجد ما يضادها أو ينافسها في مجال الحكم والقضاء.
стр. 317
فهل آن لصرعى الظلم القضائي وضحايا الإنحرافات البشرية في الدول التي لا تحتكم إلى الشريعة الإِسلامية ولا تُحَكِّمُ القاضي المسلم أما آن لهم أن يلتمسوا أمنهم ومصالحهم وطهارة بيوتهم وعفة نسائهم ورجالهم في تجربة قضاء الإِسلام الذي بسط الإطمئنان والرفاهية على أرض المملكة العربية السعودية وأهلها!!.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (١).
رابعًا - في مجال الإقتصاد (٢):
هناك أمور كثيرة ينبغي مراعاتها والقيام بها ليتم بناء الهيكل الإقتصادي في دولة كهذه على أسس سليمة وخطة مدروسة، من هذه الأمور:
١ - أن يستبدل هذا النظام الربوي المستفحل في كثير من المجتمعات الإِسلامية اليوم بنظام لا ربوي وذلك: بالتمهيد بسلسلة من الإجراءات الإقتصادية التي توفر المناخ الصالح لحصول هذا الإستبدال، ولهذا يجب أن تعنى كليات التجارة والإقتصاد والعلوم السياسية والدوائر الاقتصادية بالتعمق في دراسة الإقتصاد الإِسلامي ووضع خطة على أساس علمي وإحصائي لتطهير كل المؤسسات الاقتصادية من رجس الربا ومن كل معاملة تخالف شريعة الإِسلام وإنشاء مصارف (بنوك
стр. 318
إسلامية) تتعامل على أسس شرعية وإلغاء كل البنوك التي لا تخضع لهذا الإتجاه.
٢ - تشكيل لجنة من الأخصائيين وخبراء الإقتصاد وعلماء الدين لعمل صيغة اقتصادية إسلامية ملائمة لهذه التغييرات حتى لا يوجب التغيير فوضى وخللًا في الدولة أو في رخاء الأمة وحتى لا تضطرب أحوال البلاد الإقتصادية المتشابكة مع غيرها.
٣ - جباية الزكاة من كل أموال ظاهرة وباطنة (الظاهرة: الثروة الحيوانية والزراعية وزكاة الفطر والباطنة: أموال التجارة والنقود) بواسطة جهاز قوي أمين من -العاملين عليها- مع توسيع قاعدتها بحيث تشمل كل مال نام وكل دخل فائض عن الحوائج الأصلية وبذلك تسهم هذه الفريضة في تمويل التكافل وتحقيق العدل الإجتماعي ومحاربة الكنز ومقاومة الإستقراض بالربا إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة (١).
٤ - تقريب الفوارق الإقتصادية بين الأفراد والفئات بالعمل الدائب على الحد من طغيان الأغنياء والرفع من مستوى الفقراء وإزالة المظالم وتصفية الإمتيازات التي توارثها بعض الناس بغير حق بحيث يختفي منظر الثراء الفاحش إلى جانب الفقر المدقع.
٥ - وضع خطة على أساس علمرب وإحصائي -لزيادة ثروة الأمة الإِسلامية وتنمية إنتاجها -كمًّا ونوعًا- والإستفادة من التكامل الإقتصادي بين الدول الإِسلامية ووضع منهج اقتصادي إسلامي ليدرس في مؤسسات التعليم وفي مقدمتها كليات الإقتصاد والتجارة والشريعة الإِسلامية.
стр. 319
٦ - التوسع في إنشاء مؤسسات مصرفية غير ربوية ودعم القائم منها وتشجيع المؤسسات المصرفية الإِسلامية على تطوير نظمها بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإِسلامية (١).
خامسًا - في المجال الإجتماعي:
١ - لابد قبل أن تطبق الشريعة الإِسلامية أَنْ يقوَّم السلوك والمسؤول عن هذا كل فرد في الدولة عملًا بقول النبي ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ... " الحديث (٢).
٢ - على كل فرد في الدولة مقاومة الإنحراف والفساد والسرقات وأداء الأعمال بأمانة وهمة وتوجيه النصح في أناة ورؤية عملًا بقول ربنا ﵎: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ...﴾ (٣) الآية.
٣ - لابد أن تنشر الصحف والمجلات بحوثًا تعالج وتواجه الإنحراف عن الإِسلام وتبصر المسلمين رجالًا ونساءً بحقائق الإِسلام وأباطيل خصومه تقويمًا للسلوك وتبيانًا للشريعة لمن غابت عنهم أحكامها أو قصر فهمهم لها ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾ (٤).
٤ - "الإهتمام بشأن المرأة المسلمة بحيث تعود إلي فطرتها الأصيلة ورسالتها الجليلة فتاة مهذبة وزوجة صالحة وأمًّا فاضلة تعنى بأداء
стр. 320
الواجبات وعلى وسائل الإعلام بما تخصصه من برامج للمرأة أن تقاوم التقاليد الدخيلة وتنشر الآداب والتقاليد الإِسلامية الأصيلة.
٥ - تحريم شرب المسكرات والمخدرات بكل أصنافها وإغلاق حاناتها ومنع صنعها واستيرادها والإتجار فيها ومطاردة مدمنيها وتجارها إلى حد الحكم بإعدامهم وإغلاق دور اللهو الحرام التي تشيع الفاحشة وتنتهك فيها الحرمات من دور السينما والمراقص وغيرها.
٦ - تشديد الرقابة على كل أجهزة الدولة ومحاولة إصلاحها وتطهيرها من العناصر الفاسدة والإجتهاد في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وتقديم القوي الأمين على غيره" (١).
٧ - تهيئة كل الوسائل التي تؤدي إلى إقامة المجتمع المسلم الذي يطبق الإِسلام بنصه وروحه.