من اليهود والنصارى والمبتدعين والملحدين والعلمانيين وكل أعداء اللَّه والإسلام.
ثلاثون: ظهور الكاسيات العاريات والتقليد الأعمى لأعداء الإسلام
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتى مآخذ القرون قبلها شبرًا بشير، وذراعًا بذراع، قيل له: يا رسول اللَّه، كفارس والروم؟
قال: ومن الناس إلا أولئك؟) (١).
٢ - عن أبي سعيد الخدرى ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال:
(لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا حجر ضب لتبعتموهم، قلنا: يا رسول اللَّه، اليهود والنصارى؟؟
قال: فمن؟؟) (٢).
٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: قوم معهم سياط. . . ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة (٣) البخت (٤) المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وأن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا) (٥).
هكذا تحدث الرسول ﷺ عما يجرى من خطوب وما يحدث من فتن وما
стр. 107
يطرأ من عادات وتقاليد وشرائع ما أنزل اللَّه بها من سلطان، حيث انسلخت ثلة كبيرة من هذه الأمة ولا سيما شبابها وشاباتها عن قيم الأمة الإسلامية ومبادئها السامية نظرًا للانهزام الداخلى الذي يشعر به هؤلاء المقلدون للغرب والتوهم والانخداع بالمظاهر الجوفاء والتوحل في أتون الأهواء والشهوات.
إن الأمة التي عزفت عن قيمها ومبادئها وانتكست عن مصدر عزتها واستعلائها لا غير أنها أمة شقية ضالة، وإذا حدث هذا فأعلن أن الساعة توشك أن تكون أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد!!.
إن الاتباع الأعمى لليهود والمغضوب عليهم والنصارى الضالين والذين يمثلون في المصطلح الحديث (الغرب) هي مصيبة المصائب وهي الطامة التي نزلت بهذه الأمة، فقد أضحى وأمسى أبناء المسلمين ألعوبة بيد هؤلاء الغربيين فما من عادة إلا وأوحوها إليهم وما من منهج شيطانى إلا وصدروه، حتى أصبحنا كالنعاج الضالة التي تبحث عن صاحبها إزائهم، إنه التقليد الأعمى والتسليم المطلق لكل شئ غربي مستورد، وإنك لترى هذا مجسدًا في قوله ﷺ (شبرًا بشير) و (ذراعًا بذراع) و (حتى لو دخلوا ضب لدخلتموه)، وهذه كلها إشارات لشدة الاتباع والتقليد والاستسلام لكل ما يأتي منهم -الغرب- حتى غدا كثير ممن ينتسبون لهذه الأمة يكبرون كل شئ غربى لأنهم فتنوا بالقوة والتقدم الماديين لدى الغرب، ونظروا إلى حال المسلمين وواقعهم وقارنوا بين الواقعين، فتبلورت لديهم هذه الانهزامية المقيتة، والذنب ليس ذنب الإسلام ومبادئه بالنظر لواقع المسلمين، فالإسلام دين يدعو إلى العلم والتعليم والأخذ بناصية التقدم والتسابق في كل ما يدعو إلى القوة والحرية ولكن تداعى الأم الضالة علينا واستعمارهم لنا وأخذهم لكل شئ إيجابي في ديننا ونقلهم لعاداتهم السيئة إلينا وكأنه تقدم وتطور.
стр. 108
ونتيجة لهذا التقليد الأعمى للغرب الكافر وكثمرة من ثماره طفحت على ساحة المجتمعات الإسلامية عادة والتبرج من قبل ثلة كبيرة من نساء المسلمين، فقد أغوى الشيطان هؤلاء النسوة فانسلخن من لباس العفة والحياء، ولبسن ألبسة ضيقة شفافة تصف عوراتهن، وأرسلن شعورهن على مناكبهن غير آبهات ولا مكترثات لهذه الجريمة التي يفتن الشباب بها.
لقد وصف النبي ﷺ هؤلاء النسوة (كاسيات عاريات) لأنهن كاسيات في ظاهر الأمر ولكنهن في الحقيقة عاريات لأنهن يسترن شيئًا ويكشفن شيئًا آخرًا، ووصفن بأنهن
(مائلات مميلات) وذلك إمعان في الإغراء وإبداء الزينة وإظهار الفتنة على أشدها، فهن يملن أعجازهن وأعطافهن وأكتافهم ليجلبن أنظار الرجال إليهن، فقد سقطت المغيرة وبيع الشرف بعد أن ذهب العفاف وتبخرت المبادئ.
ووصفهن أيضًا بأنهن (رؤوسهن كأسنمة البخت) لأنهن يعملن التسريحات حسب الموضة التي تأتى من الغرب بطريقة التسريحة أو وصل الشعر بالباروكة وما إلى ذلك من ألاعيب وتفنن في الفتنة والإغراء.
إنها أسباب متعلقة الواحدة بالأخرى فالتحلل من القيم الإسلامية قال أغلب المسلمين إلى التخلى عن مبادئهم وانصرفوا عن أسمى شيء في هذا الوجود ألا وهو الدعوة إلى اللَّه وحب الإسلام والتبشير به والجهاد وسفك الدماء في سبيله، أدى هذا إلى نوم المسلمين وغفوتهم فقفز إلى أخذ زمام الأمور خروج الغرب والمنبهرين بمبادئه فنشروا الفساد وروجوا الإلحاد ووصموا الإسلام بالرجعية والتأخر، فأدى ذلك إلى فساد المجتمعات شيئًا فشيئًا وطفحت على الساحة هذه العادات السيئة ألا وهي السفور والفجور
стр. 109
كنتيجة لشعار (العصا والخبز) الذي رفعه هؤلاء الظالمون، وسياسة (السياط والجلد)، ففرضوا واقعًا غريبًا مستوردًا على أمة الإسلام، ومع تولى الأيام صرنا إلى ما صرنا إليه الآن.
إن النبي ﷺ يحذر أمته عن المبادئ والذوبان في بوتقة الحضارة الغربية، وإن من ينسلخ عن دينه ويعمل بما يملى عليه الغرب لا شك أنه من أهل السعير في الآخرة، فلا يجد الجنة ولا يشم ريحها.
إن الذي ينظر إلى أحاديث الرسول ﷺ في هذا المضمار يشم عبير الإعجاز، فالنبي ﷺ يصف هذه الحالات التي نعيشها ونراها في مجتمعاتنا وكأنه يعيش معنا، إنها النبوة، أجل إنها النبوة والوحى والإعجاز الإلهى.
إحدى وثلاثون: قطع المال والغذاء عن العراق وغيرها من بلاد المسلمين
١ - عن أبي نضرة قال: كنا عند جابر بن عبد اللَّه فقال: (يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز (١) ولا درهم.
قلنا: من أين ذاك؟
قال: من قبل العجم يمنعون ذاك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدى (٢). قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم. ثم سكت هنية ثم قال:. . . (٣).
وقد حدث هذا الحصار الإقتصادى قديمًا على العراق والشام أيام سيطرة
стр. 110
بريطانيا على بلاد المسلمين فحاصرت العراق والشام ومنعت عن هذين البلدين المسلمين المال والغذاء إلى أن انجلت هذه المحنة.
وقد تجدد هذا الظلم الغربي وقتنا الحاضر، وتمادى الغربيون في إثخان جراح المسلمين ومحاصرتهم ماديًا ومعنويًا وعلميًا وغذائيًا، حتى سقط آلاف الشهداء من الأبرياء نظرًا لفقدان الغذاء والدواء عن شعب العراق المسلم، وما ذنب هذه الشعوب المسلمة إلا لأن الغرب اللعين حاقد وجبان وينظر نظرة تخوف وارتياب إليها فربما مسكت بناصية العلم والتطور فتصبح هذه البلدان يومًا ما تضاهى إسرائيل المدللة من ناحية القوة العسكرية والاقتصادية، فهى تحاصر الشعوب وتملى سياسة الجوع والمرض والقتل باسم النظام العالمى الجديد.
وربما يحدث هذا للشام ولمصر وغيرها من دول المسلمين، فإن الغرب باستطاعته كتابة مسرحيات وإيجاد أبطال يمثلونها ليمرروا استراتيجيتهم وخططهم على شعوب المسلمين والعرب خصوصًا وما هذا التمادى والتبجح في حصار شعب العراق والإمعان في إثخان الجراح وتعدد أشكال القتل والتدمير إلا إرضاء إسرائيل المجرمة بنت الغرب المدللة، وما نراه ونشاهده ونعيشه من قتل وتعذيب وإذلال لشعب فلسطين ومحاولة وأد ثورة الحجارة المباركة وانتفاضة الأقصى (١) إلا خير شاهد على ذلك، والغرب اللعين يتفرج، بل العالم كله ينام ملأ جفونه ويطرب لأناة المعذبين وآهات الثكالى المستضعفين، ودماء الشهداء الخالدين، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
стр. 111
اثنان وثلاثون: انتفاخ الأهلة وموت الفجأة
١ - روى الطبراني في (الكبير) عن ابن مسعود، والطبراني في (الأوسط) و (الصغير) عن أبي هريرة والطبراني في (الأوسط) والضياء عن أنس: رسول اللَّه ﷺ قال: (من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة) (١).
٢ - روى الطبراني وغيره عن أنس ﵁ قال: أن رسول اللَّه ﷺ قال: (من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلًا (٢)، فيقال لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقًا، وأن يظهر موت الفجأة) (٣).
أما (انتفاخ الأهلة) فإن هذه العلامة لم تظهر بعد، وأما موت الفجأة، وقد أصبح ظاهرة العصر الراهن، نظرًا لتفشى الأمراض وضنك العيش والأزمات النفسية والقهر والإذلال وإنقلاب الموازين وسيادة اللئام وناقصى المروءة، وبروز أبناء البيوت المشبوهة والمطمورة وإنزوا ابناء البيوت الشريفة والمعرفة، إنها نتيجة لكل ما مر من علامات الساعة التي يدمى من بلائها فؤاد المسلم الحليم.
ثلاث وثلاثون: تغيير المظاهر لأخفاء الشيب (الخضاب بالسواد)
١ - روى أبو داود والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد (٤) كحواصل الحمام (٥) لا
стр. 112
يريحون رائحة الجنة) (١).
قال الحافظ في الفتح: (اختار النووي أن الصبغ بالسواد يكره كراهية تحريم) (٢).
أربعة وثلاثون: تكليم السباع والجماد للإنسان وإخبار الفحذ بما يحدث الأهل
١ - روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدرى، قال: (عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعى، فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه، قال: ألا تتقى اللَّه؟ تنزع منى رزقًا ساقه اللَّه إلى؟ فقال: يا عجبى، ذئب مقع على ذنبه يكلمنى كلام الأنس.
فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟؟
محمد ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعى يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول اللَّه ﷺ فأخبره، فأمر رسول اللَّه ﷺ فنودى بالصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للراعى: أخبرهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : صدق، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الأنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، ويخبره فخذه بما حدث أهله بعده) (٣).
٢ - روى أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: رسول اللَّه ﷺ الصبح، ثم أقبل على الناس فقال: (بينما رجل يسوق بقرة، إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم لخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث. فقال الناس:
стр. 113
سبحان اللَّه. . بقرة تتكلم؟ فقال: إنى أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثم.
وبينما رجل في غنمه، إذ عدا الذئب، فذهب منها بشاه، فطلب حتى كأنه استنفذها منه، فقال له الذئب: يا هذا استنفذتها منى فمن لها يوم السبع (١)، يوم لا راعى لها غيرى، فقال الناس: سبحان اللَّه! ذئب يتكلم؟ قال: فأنى أؤمن بهذا أنا وأبا بكر وعمر، وما هما ثم) (٢).
خمسة وثلاثون: صدق رؤيا المؤمن
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إذا اقترب الزمان، لم تأكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة).
وفى رواية أخرى: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا، أصدقكم حديثًا. . .) (٣).
٢ - عن أبى هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول:
(لم يبق من النبوة إلا المبشرات. قالوا: وما المبشرات؟؟
قال: الرؤيا الصالحة) (٤).
وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هي الرؤيا الصالحة (٥).
стр. 114
ثم قال الحافظ في الفتح:
(والمعنى لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات، ثم فسرها بالرؤيا. وقد جاء في حديث ابن عباس أنه ﷺ قال ذلك في مرض موته، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. . . عن ابن عباس أن النبي ﷺ كشف الستارة ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.
وقال ابن التين: معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتى ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا (١).
إن من علامات الساعة ودنو أجلها صدق رؤيا المؤمن، ولأن المؤمن في زمنه يكون غريبًا، فإن الرؤيا تعتبر له أنيس ومبشر في عالم يعج بالماديات والتكالب على الدنيا، إذ قلما تكذب رؤياه.
إذ من كان الصدق ملاصقًا له وأساسًا ينتهجه في حياته، تشرق روحه صفاء ويغلب على ظاهره التقوى فيتولد عن ذلك صدقًا في نومه فلا يرى إلا صدقًا، إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه، والإناء ينضح بما فيه والعكس بالعكس بالنسبة للكاذب، فهو لا يرى إلا تخليطًا وأوهامًا نظرًا لملاحقة الكذب له في يقظته.
قال الحافظ في الفتح:
(والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان: أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبًا فيقل أنيسه ومعينه فهي ذلك الوقت فيكرم بالرؤيا الصالحة) (٢).
стр. 115
الفصل الثاني الفتن
خلق اللَّه تعالى آدم ﵇ في أحسن تقويم، ونفخ فيه من روحه وأسكنه جنته، وبعد أن وسوس الشيطان له ولزوجه حواء في الجنة، وفشلا في الامتحان بعد أن نهاهما ربهما تعالى عن الأكل من الشجرة، أنزلهما إلى دار الابتلاء والكدح ليختبرهما من جديد وذريتهما في رحلة الحياة المضنية، بعد إنزاله تعالى لمنهجه في الأرض وإرساله الرسل والأنبياء كمرشدين ومنذرين، وعلى هذا الأساس فإن وجودنا على هذه الأرض محض ابتلاء وامتحان، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وقال تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] إذًا فكل ما حدث ويحدث للإنسان في مضمار حياته، هو فتنة وابتلاء واختبار حتى الخير والشر والسراء والضراء، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
الفتنة لغة واصطلاحًا
الفتنة لغة: الفتن جمع فتنة، وأصل الفتنة في كلام العرب: الامتحان والاختبار (١)
وفى الاصطلاح: هي المحنة والعذاب والشدة وكل مكروه وآيل إليه كالكفر والإثم والفضيحة والفجور والمصيبة، فإن كانت من اللَّه تعالى فهى
стр. 116
على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر اللَّه فهى مذمومة (١).
قال ابن الجوزي في المدهش: وردت كلمة الفتنة في القرآن الكريم بمعنى الشرك في قوله تعالى ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] ويراد بها القتل ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] ويراد بها المعذرة، ثم لم تكن فتنتهم ويراد بها الضلال، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١]، ويراد بها القضاء، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ويراد بها الإثم، ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩] ويراد بها المرض، ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ [التوبة: ١٢٦] ويراد بها العبرة، ﴿تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ [يونس: ٨٥] ويراد بها العقوبة، ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] ويراد بها الاختبار، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] ويراد بها الإحراق، ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] ويراد بها الجنون، ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] (٢).
والفتن التي يتعرض لها الإنسان هي بإرادة اللَّه سبحانه، لا لتعذيبه وإيذائه لأن اللَّه غنى عن عباده، ولكنها تعرض للناس كما يعرض الصائغ الذهب على النار ليطهره من الشوائب الدخيلة عليه ليصفيه ويجعله خالصًا أصيلًا يستهوى المقتنين له، كذلك المؤمن يعرضه ربه للشدائد ليصفو ويزكو وتتطهر نفسه وتخلص للَّه تعالى ليكون أهلًا لوراثة الخلافة في الأرض على منهج اللَّه في الدنيا وكذلك ليكون مستحقًا للنعيم الدائم يوم القيامة قال تعالى ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] أما الأدعياء الكاذبون فإنهم يسقطون لا محالة، وأما المخلصون الذين تنورت قلوبهم بنور
стр. 117
الإيمان وذاقوا برد اليقين وصدقوا في عهدهم مع اللَّه فإنهم يثبتون على العهد ولا تؤثر فيهم فتنة ما دامت السموات والأرض، واللَّه تعالى هو المطلع على القلوب يقلبها كيف يشاء وهو سبحانه المصرف للأحوال ويعطى كلًا حسب نيته وصدقه والعكس بالعكس.
(إن الإيمان ليصر كلمة تقال، إنما هي حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى إحتمال، فلا يكفى أن يقول الناس أمنًا وهم يتركون هذه الدعوى حتى يتعرضوا للفتنة، فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرها خالصة قلوبهم. إذ الإيمان أمانة اللَّه في الأرض لا يحملها إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفى قلوبهم تجرد لها وإخلاص، ولا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة وعلى الأمن والسلامة وعلى المتاع والأغراء، وأنها لأمانة الخلافة في الأرض، وتحقيق كلمته في عالم الحياة.
وما باللَّه -حاشا للَّه- أن يعذب المؤمنين بالإبتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة، ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة. . .
والنفس تصهرها الشدائد فتنفى عنها الخبث وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ويصقل) (١) لكل هذا وذاك كان النبي ﷺ يحدث أصحابه عن الفتن التي ستحدث بعده، وقبيل الساعة، وكيف النجاة منها وتجنبها وكان يدعو قائلًا (اللَّهم أنى أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيخ الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) (٢) وكذلك
стр. 118
كان حال الصحابه من بعده- يتدارسون موضوع الفتن ويستعيذون باللَّه منها تجنبًا لها وخوفًا على إيمانهم وإستقامتهم وحسن خاتمتهم، كما نرى من خلال الأحاديث النبوية وما فيها من حوار الرسول ﷺ مع صحابته حول هذا الموضوع الذي أقلقهم وقض مضاجعهم. قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: (لا يقولن أحدكم: اللَّهم أننى أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] فأيكم إستعاذ، فليستعذ باللَّه من مضلات الفتن) (١).
أولًا: حذيفة بن اليمان وأحاديث الفتن
١ - قال حذيفة ﵁ كاتم سر الرسول ﷺ :
(واللَّه أنى لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة بينى وبين الساعة، وما بي (إلا) أن يكون الرسول اللَّه ﷺ أسر إلى في ذلك شيئًا لم يحدثه غيري، ولكن رسول اللَّه ﷺ قال يومًا وهو في مجلس يتحدث عن الفتن ويعدهن:
منها ثلاث لا يكدن يذرن شيئًا، ومنها فتن كرياح الصيف -منها صغار ومنها كبار، فيذهب أولئك الرهط الذي سمعوه معى كلهم غيرى) (٢).
٢ - وفى رواية أخرى قال حذيفة ﵁:
(أخبرني رسول اللَّه ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته إلا أنى لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة)؟ (٣)
٣ - وعن ابن الدرداء ﵁ أنه قال لعلقمة: (أليس فيكم صاحب السر الذي لا
стр. 119
يعلمه غيره)؟ (١)
٤ - قال حذيفة بن اليمان ﵁: (كنا جلوسًا عند عمر بن الخطاب ﵁، فقال أيكم يحفظ قول رسول اللَّه ﷺ فيه الفتنة كما قال؟ فقلت: أنا أحفظه كما قال. . قال: أنت، للَّه أبوك! هات. إنك عليه لجرئ (٢)، فكيف، قلت. فتنة الرجل فيه أهله وماله ونفسه وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قال: ليس هذا ما أريد، إنما أمريد الفتنة التي تموج كموج البحر فقلت: مالك ولها؟ لا بأس عليك منها يا أمير المؤمنين، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير -تلك القلوب- على قلبين (٣)، أبيض مثل الصفا (٤)، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسودا (مربادًا) (٥) كالكوز مجخيًا (٦)، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا (إلا ما اشرب هواه، وإن بينك وبينها -الفتنة- بابًا) يوشك أن يكسر.
فقال عمر: اكسرًا؟ فلو أنه فتح لعله كان يعاد.
قلت: لا: بل يكسر، قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدًا إلى يوم القيامة.
стр. 120
فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد الليلة، أنى حدثته حديثًا (ليس بالأغاليط (١) فهبنا نسأل حذيفة من الباب؟ فقلنا المسروق: سله فقال: الباب عمر ﵁ (٢).
أي بموت عمر ﵁ يفتح باب الفتنة إلى يوم القيامة لا يغلق، قد تحقق هذا إذ باستشهاد أمير المؤمنين عمر، فتح باب الفتن على مصراعيه، وحدث من الأمور التي ينفطر منها قلب المؤمن، من الإقتتال والتجرأ على الخلفاء ودخول معول الهدم من الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والزندقة والحقد على الإسلام والمسلمين. . .
ومن كلام حذيفة ﵁ وقد سئل: أي الفتن أشد؟
فقال: (أن يعرض عليك الخير والشر فلا تدرى أيهما تركب) (٣).
ثانيًا: لا فتن وعمر موجود
١ - روى عن خالد بن الوليد: (أن رجلًا) قال له: يا أبا سليمان اتق اللَّه، فإن الفتن قد ظهرت.
فقال أما وابن الخطاب حي فلا، وإنما تكون بعده، فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكانًا (لم تنزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد، فتلك الأيام التي ذكر رسول اللَّه ﷺ بين يدى الساعة -أيام الهرج) (٤).
стр. 121
ثالثًا: الرسول يتحدث عن الفتن
١ - عن أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ . (اشرف على أطم (١) من آطام المدينة ثم قال: هل ترون ما أرى؟
إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر) (٢) قال النووي: (التشبيه بمواقع القطر: في الكثرة والعموم. أي أنها كثيرة وقع الناس لا تخص بها طائفة، وهذا إشارة إلى الحروب الجارية بينهم كموقعة الجمل وصفين) (٣)
٢ - سئل ﷺ : هل للإسلام من منتهى؟
فقال: أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد اللَّه بهم خيرًا ادخل عليهم الإسلام
فقال: ثم ماذا؟
قال: ثم تقع الفتن كالظلل
فقال الرجل: كلا واللَّه إن شاء اللَّه.
قال: بلى والذي نفسي بيده، لتعودن فيها أساود صبًا (٤)، يضرب بعضكم رقاب بعض) (٥).
стр. 122
٣ - عن أم سلمه زوج النبي ﷺ قالت: (استيقظ النبي ﷺ ليلة فزعًا مرعوبًا يقول: سبحان اللَّه ماذا فتح الليلة من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن، من يوقض صواحب الحجر، يريد أزواجه- لكى يصلين، رب كاسية في الدنيا عاريةً في الآخرة) (١).
٤ - خرج رسول اللَّه ﷺ فقال: (يا أصحاب الحجرات، سعرت النار، وجاءت الفتن كأنها قطع الليل المظلم، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا) (٢).
٥ - عن عبد اللَّه بن عمر قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إن الفتنة تجئ من هنا وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى ﵇ الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال اللَّه ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] (٣).
٦ - عن عبد اللَّه بن عمر أن النبي ﷺ قال: (اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا- مرتين فقال رجل: وفى مشرقنا يا رسول اللَّه؟ فقال ﷺ : من هناك يطلع قرن الشيطان، وبها تسعة أعشار الشر) (٤).
стр. 123
٧ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال في الفتنة:
(إكسروا فيها قسيكم، واقطعوا فيها أوتاركم، والزموا فيها اجواف بيوتكم، وكونوا كابن آدم) (١).
٨ - وأخرجه أبو داود بزيادة له في أوله قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أن بين يدى الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم (٢)، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خيرًا من القائم، والماشي فيها خيرًا من الساعي، فكسروا فيها قسيكم، وقطعوا أوتاركم، وضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دخل على أحد منكم فليكن كخير بنى آدم) (٣).
وفى رواية: قالوا فما تأمرنا؟ قال كونوا أحلاس (٤)، بيوتكم) (٥).
٩ - عن بكر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أنها ستكون فتنة ألا ثم تكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه قال: فقال رجل: يا رسول اللَّه: أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟
стр. 124
قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ قال: فقال رجل: يا رسول اللَّه: أرأيت إن اكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه، ويجئ سهم فيقتلنى؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار) (١). قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: قوله ﷺ (القاعد فيها خير من القائم إلى آخره. . .بمعناه: (بيان عظيم خطرها والحث على تجنبها والهرب منها ومن التشبث في شيء منها، وإن شرها وفتنتها يكون على حسب التعلق بها) (٢). قال الطبري: (اختلف السلف فحمل ذلك بعضهم على العموم وهم من قعد عن الدخول في القتال بين المسلمين مطلقًا، وقالت طائفة: بلزوم البيوت، وطائفة أخرى بالتحول عن بلد الفتن أصلًا. ومنهم من قال: إذا هجم عليه شيء من ذلك يكف يده ولو قتل، منهم من قال: بل يدافع عن نفسه وعن ماله وأهله وهو معذور إن قتل أو قتل، وقال آخرون: إذا بغت طائفة على الإمام وجب قتالها، ووجب على كل قادر الأخذ على يد المخطئ ونصر المصيب، وفصل آخرون فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام ولا جماعة فالقتال حينئذ ممنوع، وقيل: إن أحاديث النهي مخصوصة بآخر الزمان حيث يحصل التحقق بأن المقاتلة إنما هي في طلب الملك، وقد وقع في حديث بن مسعود الذي اشرت إليه (قلت يا رسول اللَّه ومتى ذلك؟ قال أيام الهرج قلت: ومتى؟ قال: حين لا يأمن الرجل جليسه) (٣).
стр. 125
١٠ - في رواية عنه ﷺ : (ويل للعرب من شر قد اقترب، قطعًا كالليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر أو قال الشوك) (١).
١١ - وفي رواية عنه ﷺ : (ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا إلا من أحياه اللَّه بالعلم) (٢).
١٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ستكون فتن القاعد لها تستشرقه، فمن وجد منها ملجأً أو معاذًا فليعذ به) (٣).
قال ابن حجر: قال بعض الشراح. (في قوله: (والقاعد فيها خيرًا من القائم) أي القاعد في زمانها عنها فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن تشرف قال: والمراد بالقائم الذي لا يستشرفها وبالماشي من يمشي في أسبابه لأمر سواها فربما يقع بسبب مشيه في أمر يكرهه).
قال وحكى بن التين عن الداودى: الظاهر أن المراد من يكون مباشرًا لها في الأحوال كلها، يعني أن بعضهم في ذلك أشد من بعض، فأعلاهم في ذلك الساعي فيها بحيث يكون سببًا لإثارتها، ثم من يكون قائمًا بأسبابها وهو الماشي، ثم من يكون مباشرًا لها وهو القائم، ثم من يكوم مع النظارة ولا يقاتل وهو القاعد، ثم من يكون مجتنبًا لها ولا يباشر ولا ينظر وهو المضطجع اليقظان ثم من لا يقع منه شيء من ذلك لكنه راض وهو النائم، والمراد بالأفضلية في هذه الخيرية من يكون أقل شرًا من فوقه).
стр. 126
قوله: (من تشرف لها تستشرفه): (من تطلع لها بأن يتصدى ويتعرض لها ولا يغرض عنها تستشرفه أي تهلكه بأن يشرف منها على الهلاك، يقال: استشرفت الشيء علوته وأشرفت عليه، يريد من انتصب لها انتصبت له ومن اعرض عنها أعرضت عنه، وحاصله بأن من طلع فيها بشخصه قابلته بشرها، ويحتمل أن يكون المراد من خاطر فيها بنفسه أهلكته، ونحو قول القائل من غلبها غلبته.
قوله: (فمن وجد فيها ملجأً أو معاذًا فليعذ به): (أي يلتجئ أليه من شرها، أي ليعتزل فيه ليسلم من شر الفتنة وفيه التحذير من الفتن عمومًا والحث على اجتنابها وأن الشر يلق بصاحبها حسب تعلقه بها، وتطلعه إليها وإلا فالأولى به أن يعتزلها كى لا يقع فيها واللَّه أعلم) (١).
١٣ - عن الزبير بن عدي قال: (أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج، فقال اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذى بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم ﷺ (٢).
وفي رواية عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان عند الاسماعيلى: (شكونا إلى أنس ما نلقى من الحجاج) (٣)
قال بن بطال: (هذا الخبر من أعلام النبوة لإخباره ﷺ بفساد الأحوال، وذلم من الغيب الذي لا يعلم بالرأى وإنما يعلم بالوحى) (٤).
قال ابن حجر: (وقد استشكل هذا الإطلاق مع أن بعض الأزمنة تكون
стр. 127
في الشر دون التي قبلها، ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز وهو بحذر من الحجاج بيسير. . .بل لو قيل: إن الشر اضمحل في زمانه لما كان بعيدًا، فضلًا عن أن يكون شر من الزمن الذي قبله، وقد حمله الحسن البصرى على الأكثر الأغلب.
وأجاب بعضهم: أن المراد بالتفضيل، تفضيا مجموع العصر، فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده لقوله ﷺ : (خير القرون قرني) وهو في الصحيحين، ثم وجدت عن عبد اللَّه بن مسعود التصريح بالمراد وهو أولى بالاتباع، يقول لا يأتي عليكم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعنى رخاء من العيش يصيبه ولا مالًا يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علمًا من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء واستوى الناس فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فعند ذلك يهلكون).
وفى لفظ عنه من هذا الوجه (يعني بن مسعود): (وما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها ولكن بذهاب العلماء ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه) (١).
قال ابن حجر: (قلت: ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة ما قبل وجود العلامات العظام كالدجال وما بعده ويكون المراد بالأزمنة المتفاضلة في الشر من زمن الحجاج فما بعده إلى زمن الدجال، وأما زمن عيسى ﵇ فله حكم مستأنف واللَّه أعلم، ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة
стр. 128
الصحابة بناء على أنهم هم المخاطبون بذلك فيختص بهم، فأما من بعدهم فلم يقصد في الخبر المذكور، ولكن الصحابي فهم التعميم فلذلك أجاب من شكا إليه من الحجاج بذلك وأمرها بالصبر) (١).
قال القسطلاني في شرحه للبخارى: (وعند الطبراني بسند صحيح عن بن مسعود ﵁ قال: (امس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وكذلك حتى تقوم الساعة) (٢).
١٤ - عن هند بنت الحارث الرواسية أن أم سلمه زوج النبي ﷺ قالت: (استيقظ رسول اللَّه ﷺ ليلة فزعًا يقول: سبحان اللَّه، ماذا أنزل اللَّه من الخزائن وماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صوحب الحجرات -يريد أزواجه- لكي يصلين؟ رب كاسية في الدنيا عاريةً في الآخرة) (٣) قال ابن حجر: قال ابن بطال: (في هذا الحديث أن الفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال بأن يتنافس فيه فيقع القتال بسبه وإن يخل به فبمنع الحق أو يطر صاحبه فيسرف، فأراد ﷺ تحذير أزواجه من ذلك كله وكذا غيرهن ممن بلغه ذلك وأراد بقوله: (من يوقظ) بعض خدمه كما قال يوم الخندق: (من يأتينى بخبر القوم) (٤).
وفى الحديث الندب إلى الدعاء، والتضرع عند نزول الفتنة ولا سيما في الليل لرجاء وقت الإجابة لتكشف أو يسلم الداعي ومن دعا له وباللَّه التوفيق) (٥).
стр. 129
١٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن) (١).
قوله (يفر بدينه من الفتن): قال ابن حجر: (والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، وقد اختلف السلف في أصل العزلة فقال الجمهور. الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعبادة وغير ذلك
وقال قوم: العزلة أولى لتحقق السلامة بشرط معرفة ما يتعين، وقال النووي: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى، وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه إما عينًا وإما كفاية بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح من يطلب على ظنه أن يسلم في نفسه إذا قام بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وممن يستوى من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة لما ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلكها كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] ويؤيد التفضيل المذكور حديث بن سعيد.
стр. 130
أيضًا (خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله ورجل فيه شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره) (١)
رابعًا: اللسان في الفتنة
١ - قال رسول اللَّه ﷺ : (إنها ستكون فتنة تستنظف العرب قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف) (٢).
٢ - وقال رسول اللَّه ﷺ : (ستكون فتنة صماء بكماء عمياء، من أشرف لها استشرفت له، اللسان كوقوع السيف) (٣).
٣ - وقال رسول اللَّه ﷺ : (إياكم والفتن فإن اللسان فيها مثل وقع السيف) (٤).
وقال القرطبي: قوله (تستنظف العرب): (أي ترمى بهم، مأخوذ من نظف الماء أي قطر، والنطفة الماء الصافى قل أو أكثر والجمع نطاف، أي أن هذه الفتنة تقطر قتلاها فلا النار أي ترميهم فيها لاقتتالهم على الدنيا واتباع الشيطان والهوى. قوله: (اللسان فيها أشد من وقع السيف): أي بالكذب عند أئمة الجور ونقل الأخبار إليهم فربما ينشأ عن ذلك من النهب والقتل والجلد والمفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها) (٥).
٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أمه سمع النبي ﷺ يقول: (إن العبد ليتكلم
стр. 131
بالكلمة ينزل بها في النار ما بين المشرق والمغرب) (١).
٥ - قال رسول اللَّه ﷺ : (أنا لغير الدجال أخوف علي وعليكم: فقلنا ما هو؟ قال: فتن كأنها قطع الليل المظلم.
قال: فقلنا: أي الناس فيها شر؟
قال: كل خطيب مصقع وكل راكب موضع. فقلنا: أي الناس فيها خير؟
قال: كل غنى خفي، فقلت: ما أنا بالغنى ولا بالخفى قال: فكن كابن اللبون: لا ظهر فيه فيركب، ولا ضرع فيحلب) (٢) قال الشيخ عبد الفتاح أبو عدة: (ويريد به الخطيب البليغ الذي يخدع ببلاغته وفصاحته العقول والألباب، فيريها الباطل حقًا والحق باطلًا) (٣).
٦ - عن عمر ﵁ رفعه إلى النبي ﷺ قال: (أتانى جبريل فقال: إذ أمتك مفتتنة من بعدك، فقلت من أين؟: من أقبل أمرائهم وقرائهم؟ يمنع الأمراء الناس الحقوق، فيطلبون حقوقهم فيفتنون، ويتبع القراء أهواء المراء فيفتنون. قلت: فكيف من يسلم منهم؟ قال بالكف والصبر، أن اعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه) (٤).
стр. 132
خامسًا: الأمر بالصبر عند الفتن
١ - روى أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (كيف أنت يا أبا ذر وموتًا يصيب الناس حتى يقوم البيت بالوصيف (يعني: القبر)؟!
قلت: ما خار اللَّه لي ورسوله، قال: تصبر. قال: كيف أنت وجوعًا يصيب الناس حتى تأتى مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك ولا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك؟
قلت: ما خار اللَّه لي ورسوله. قال: عليك بالعفة. ثم قال: كيف أنت وقتلًا يصيب الناس حتى تعرف حجارة الزيت بالدم؟! قلت: ما خار اللَّه لي ورسوله. قال: إلحق بمن أنت منه.
قال: قلت: يا رسول اللَّه، أفلا أخذ بسيفى فأضرب به من فعل ذلك؟
قال: شاركت القوم إذًا، ولكن أدخل بيتك. قلت: يا رسول اللَّه: فإن دخل على بيتى؟
قال: إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك فيبوء بإثمه وإثمك، فيكون من أصحاب النار) (١).
يشير النبي ﷺ إلى الفتن والحروب والمظالم التي تحدث بعده ويوضح على الخصوص أن أحجار الزيت (٢) وهو المكان الذي كان النبي ﷺ يستسقى عنده في المدينة المنورة -ستغرق بالدم من شدة القتل، إشارة إلى استباحة المدينة النبوية الشريفة وما جرى فيها من المظالم التي يندى لها الجبين
стр. 133
وما احدث من المنكرات حيث قتل ثلة من الصحابة وفيه إشارة إلى الاعتزال أيام اشتداد الفتن لمن لا يستطيع تغييرها، ولأن القتال كائن بين المسلمين، والأمر بالصبر وموالاة المؤمنين وانتظار الرحيل. . .
سادسًا: بادروا بالأعمال عند الفتن
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
(بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل) (١).
يشير النبي ﷺ في هذا الحديث إلى حالة يقشعر لها البدن ويرتجف منها القلب، وهي حالة الازدواجية والتذبذب التي تعترى الناس عمومًا، حيث يميل المرء والعياذ باللَّه مع هواه وإن وجد متاع الدنيا ولو كان هذا المتاع زهيدًا وهذه اللذة عابرة، فبهذه البساطة يبيع دينه وعقيدته التي هي أمانة أثقل من الجبال بل أبت السموات والأرض والجبال عن حملها قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] فيتحول من مؤمن إلى كافر عشية وضحاها، في هذا السيل المتلاطم من الفتن وبروز الأهواء وإيثار متاع الدنيا، يحسنا النبي ﷺ إلى العمل الصالح والتمسك بأهداب الإسلام صابرين محتسبين واللَّه المستعان.
سابعًا: انقلاب الموازين
١ - عن ابن مسعود ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: (كيف أنتم إذا لبستكم
стр. 134
فتنة يهرم فيها الكبير ويربوا فيها الصغير (١) ويتخذها الناس سنة، إذا ترك منها شئ قيل تركت السنة:
قالوا: ومتى ذلك؟
قال: إذا ذهبت علماؤكم وكثر قراؤكم وقلت فقهاؤكم وكثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين) (٢).
ثامنًا: فتنة الأحلاس والسراء والدهيماء
- عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: (كنا قعودًا عند رسول اللَّه ﷺ فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس.
فقال قائل يا رسول اللَّه: وما فتنة الأحلاس؟
قال هي هرب وحرب. ثم فتنة السراء، دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي.
يزعم أنه منى وليس منى، وإنما من أوليائي المتقون، ثم يصلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة فإذا قيل انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو غده) (٣).
قوله: (فتنة الأحلاس): شبه هذه الفتنة بالأحلاس، وهي جمع حلس، وهو كساء يكون على ظهر البعير لدوام هذه الفتنة ولزومها.
стр. 135
قوله: (حرب): بفتح الراء: ذهاب المال والأهل، يقال حرب الرجل فهو حريب، إذا سلب أهله وماله.
(كورك على ضلع): هو مثل: أي أنه لا يستقل بالملك ولا يلائمه، كما أن الورك لا تلائم الضلع.
(الدهيماء): السوداء المظلمة أو الداهية ومنها: أدهم أي أسود.
(الفسطاط): الخيمة الكبيرة والمراد به في هذا الحديث: الفرقة المجتمعة المنحازة عن الفرقة الأخرى) (١)
الظاهر من هذا الحديث الذي وفعه ابن عمر ﵁ إلى النبي ﷺ أن فتنة (الأحلاس) هي الفتنة التي نشبت بين المسلمين بعد مقتل عمر بن الخطاب ﵁، وما حدث من الإقتتال بعده حيث أمر النبي ﷺ فيها إلى الإعتزال وأن يكون المسلم (حلس بيته) وهي مبالغة في التصوير البلاغي حيث شبه النبي ﷺ المسلم بحلس البيت أي يكون كمتاع من متاع بيته وهي إمعان في الأمر بالعزلة وعدم المشاركة في الفتن التي تحدث.
أما فتنة (السراء): (فقد تكون سيطرة العباسين على الحكم وما رافق ذلك من ظلم وترف، أي هي فترة الخير الذي يشوبه دخن (٢) وقد تكون فتنة السراء هي الفتنة التي حصلت من تحت قدمي حاكم الحجاز الملقب (بالشريف) والذى اتفق مع الأنكليز ضد المسلمين العثمانيين، ولا شك أن السراء والترف الذي حصل في ذلك العصر نتيجة اكتشاف النفط كان فتنة عظيمة أصاب نسبة كبيرة من المسلمين والعرب، وهكذا تكون فتنة السراء
стр. 136
هي فتنة (الدعاة على أبواب جهنم) (١) الذين تزامن ظهورهم مع ظهور الحسين بن علي حاكم الحجاز واللَّه أعلم.
أما فتنة (الدهيماء) فالأرجح أنها الفتنة التي يعيش فيها المسلمون اليوم إذ تنطبق عليها بوضوح المواصفات التي وردت في الحديث النبوى الشريف، فهي (لا تدع أحد من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه)، بل هي الفتنة الوحيدة -من بين الفتن التي مرت بالمسلمين- التي تنطبق عليها هذه المواصفات، فمن يدرس حال الفتن السابقة يجد أن تلك الفتن لم تكن تصيب جميع الأمة، بل لابد أن تنجو منها نسبة كبيرة من عامة المسلمين وأهالى القرى والبوادي، أما هذه الفتنة فلم تدع أحدًا إلا لطمته لطمة وذلك لوصول خطرها إلى كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض، ولا شك أن المسلم الذي يسمع عن فتنة ما، فهو إما أن ينكرها بقلبه أو بلسانه أو يؤيدها بيده أو بلسانه أو بقلبه، كما أن الإنحراف في الفتن السابقة لم يكن يصل لدرجة الكفر والخروج عن الملة، ولم يحصل الكفر والإنسلاخ عن الإسلام إلا في مطلع هذا القرن عندما اتبع أبناء المسلمين الدعاه على أبواب جهنم واعتنقوا الأفكار المادية والإلحادية وآمنوا بالمبادئ الكافرة. كما أن تمايز الناس إلى فسطاطين (فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه) لم يحصل في أية فتنة سابقة، إذ ما من فتنة منها إلا وطرفاها مشتملان على مؤمنين صادقين عدا هذه.
стр. 137
وقد جاء في معنى (الدهيماء) أنها الداهية (قيل لها ذلك لإظلامها) ولا شك أن هذه الفتنة مظلمة لالتباس الأمور منها على الناس حتى غدا الحليم فيها حيرانًا. ويمكن أن تكون (الدهيماء) هي تصغير (الدهماء) وهم جماعة الناس، وهو تصغير للتحقير، ويكون المقصود به وصف الفتنة بأنها فتنة العوام والرعاع.
وقد وردت عدة أحاديث تشير إلى هذا المعنى، فمن هذه الأحاديث قوله ﷺ في أمارات الساعة: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) وفى رواية (إذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها) (١).
تاسعًا: ظهور الدعاة على أبواب جهنم
١ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال:
(كان الناس يسألون رسول اللَّه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول اللَّه: إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا اللَّه بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم: قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟؟ قال: نعم وفيه دخن (٢) قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستهدون بغير هدى، تعرف منهم وتنكر.
قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول اللَّه: صفهم لنا.
قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.
стр. 138
قلت: فما تأمرنى إن أدركني ذلك؟
قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.
قلت: فإن لم يكن لهم إمام ولا جماعة؟
قال: فاعتزل الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل الشجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك (١).
٢ - وفى رواية أبي داود:
(قال. أن كان للَّه خليفة في الأرض، فضرب ظهرك وأخذ مالك، فأطعه، وإلا وأنت عاض بجذل شجرة.
قلت: ثم ماذا؟
قال: ثم يخرج الدجال. . .) (٢).
٣ - رواية أخرى: عن حذيفة ﵁ قال:
(إن أصحاب النبي ﷺ كانوا يسألون عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أدركه، وإنى بينما أنا مع رسول اللَّه ﷺ ذات يوم قلت: يا رسول اللَّه: أرأيت (٣) هذا الخير الذي أعطانا اللَّه (٤). هل بعده من شر كما كان قبله شر؟
قال: نعم
قلت: فما العصمة منه؟
قال: السيف (٥).
стр. 139
قلت: وهل للسيف من بقية (١)؟
قال: هدنة على دخن (٢)
قلت: يا رسول اللَّه: ما بعد الهدنة؟
قال: دعاة للضلالة (٣)، فإن لقيت للَّه يومئذٍ خليفة في الأرض فالزمه، وإن أخذ مالك وضرب ظهرك، فإن لم يكن خليفة فاهربن في الأرض حد هربك (٤)، حتى يدركك الموت وأنت عاض على أصل شجرة.
قلت: يا رسول اللَّه: فما بعد الضلالة؟
قال: خروج الدجال. . .) (٥).
يشير النبي ﷺ في هذه الأحاديث التي رويت عن الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان ﵁ إلى الشر الذي يكون بعد وفاة النبي ﷺ ، حيث قتل أمير المؤمنين عمر ﵁ وفتح باب الفتن على مصراعيه من أوانه ثم مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، والحروب التي نشبت بين الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين في صفين والجمل وفتنة الخوارج ودعوتهم الباطلة ثم مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وتولى الحكم من قبل الغلمان الجائرين
стр. 140
ومقتل الحسين بن علي عنهما ومقتل كثير من الصحابة كعبد اللَّه بن الزبير وغيره، واستباحة مدينة الرسول في يوم الحرة وضرب الكعبة بالمنجنيق أيام الحجاج، ثم توقفت الفتن والحروب بعد ذلك وانتشرت الفتوحات الإسلامية فكان خيرًا ولكن فيه دخن، أي خبر غير خالص تشوبه بعض المنكرات والترف وظهور البدع والفرق التي فرقت المسلمين وجعلتهم طرائق قددًا، وهذه الفرق -لا شك- كانت تهدى بغير هدى النبي ﷺ حيث كان في أقوالهم حق مشوب بالباطل، لعدم اتباعهم المنهج الذي رسمه النبي ﷺ واتبعه أصحابه من بعده، ثم كان بعد ذلك الخير العميم -الذي استمر أكثر من عشرة قرون- كان بعده الشر الذي تمثل في ظهور الدعاة على أبواب جهنم، وهم دعاة الكفر والإلحاد، الذين ظهروا في منتصف القرن الرابع عشر الهجري ومطلع هذا القرن الميلادى، فقلوبهم قلوب الشياطين الذين توغر بالحقد والكره للحق وأهله، وتطرب للباطل والشر ودهاقنة الكفر والضلال، النبي ﷺ يوصى حذيفة وأمته من خلاله أن تعتزل هذه الفرق الضالة كلها، وتتمسك بأهداب الكتاب والسنة، وعلى المسلم أن يبقى متمسكًا بمبادئ الحق، عاضًا بالنواجذ على إيمانه بأحقية الإسلام، ويعتزل هذه الفرق كلها ولو أن يلزم جزع شجرة ماسكًا به حتى يدركه الموت وهو كذلك على الحق المبين، غير حائر ولا وجل ليأمن الفتنة في دينه، هكذا كانت وصية الرسول ﷺ لحذيفة وأمته من بعد حذيفة.
عاشرًا: وجوب لزوم الجماعة
تبين من خلال الحديث السالف وضع فيه النبي ﷺ النقاط على الحروف لحذيفة، بأن يلزم جماعة المسلمين عند ظهور الدعاة على أبواب جهنم، وهذه
стр. 141
نصوص أخرى تعضد وتؤيد مبدأ لزوم الجماعة.
١ - عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال. (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) (١).
٢ - وقال ﷺ : (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ألا وهي الجماعة) (٢).
وفى رواية أخرى: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)
قال ابن حجر معلقًا على قول النبي ﷺ في صحيح البخاري:
(تلزم جماعة من المسلمين وإمامهم) (وفى رواية الطبراني فإن رأيت خليفة فألزمه وإن ضرب ظهرك، فإنه لم يكن خليفة فالهرب. .) وفى رواية ابن ماجه (فلأن تموت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدًا منهم)
(الجذل): عود ينصب لتحتك به الإبل.
(قوله: وأنت على ذلك): أي العض، وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين).
ثم قال ابن حجر: قال البيضاوى: (المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة ذلك الزمان، وعض أصل الشجرة: كناية عن مكابدة المشقة كقولهم فلان بعض الحجارة من شدة الألم.
وقال ابن أبي جمرة: (في الحديث حكمة اللَّه في عباده، كيف أقام كلًا
стр. 142
منهم فيما شاء، فجب إلى أكثر الصحابة السؤال عن وجوه الخير ليعلموا بها -ويبلغوها غيرهم، وجب لحذيفة السؤال عن الشر ليجتبه ويكون سببًا في دفعه عمن أراد اللَّه له النجاة، وفيه سعة صدر النبي ﷺ ومعرفته بوجوه الحكم حتى كان يجيب كل من مسألة بما يناسبه) (١).
٣ - خطب عمر بن الخطاب ﵁ بالجابية (٢) فقال (أيها الناس أنى قمت فيكم كمقام الرسول ﷺ فإنا فقال: أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد) (٣).
٤ - عن الحارث بن الحارث الأشعرى وذكر حديثًا طويلًا وفيه عن النبي ﷺ قال:
(وأنا آمركم بخمس أمرنى اللَّه بهن، السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة، فإن مكن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) (٤).
قال ابن بطال: (مراد الباب الحض على الاعتصام بالجماعة لقوله (لتكونوا شهداء على الناس) وشرط قبول الشهادة العدالة، والمراد بالجماعة: أهل الحل والعقد من كل عصر).
وقال الكرماني: (مقتضى الأمر بلزوم الجماعة أنه يلزم المكلف متابعة ما
стр. 143
أجمع عليه المجتهدون) (١) وقال القسطلاني في شرحه على البخاري (والجماعة التي أمر الشارع بلزومها جماعة أئمة العلماء لأن اللَّه تعالى جعلهم حجة على خلقه، واليهم تفزع العامة في أمر دينها، وقال آخرون: هم جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين).
أحد عشر: الأمر بتعلم كتاب اللَّه
١ - قال حذيفة بن اليمان ﵁: (كان الناس يسألون رسول اللَّه ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر، وعرفت أن الخير لن يسبقني.
قال: فقلت يا رسول اللَّه: بعد هذا الخير شر؟
قال: فتنة وشر.
قلت، يا رسول اللَّه: بعد هذا الشر خير؟
فقال يا حذيفة تعلم كتاب اللَّه واتبع ما فيه، (ثلاث مرات)
قلت يا رسول اللَّه: بعد هذا الشر خير؟
قال: هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء فيهم أو فيها.
قلت يا رسول اللَّه: الهدنة على الدخن ما هي؟
قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه.
قلت: يا رسول اللَّه: بعد هذا الخير شر.
قال: فتنة عمياء صماء، عليها دعاة على أبواب النار فإن مت يا حذيفة وأنت عاض على جذل، خير لك من أن تتبع أحد منهم) (٢).
стр. 144
٢ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه ولستم بتاركيه، يمنعكم من ذلك الفقر والحاجة، إلا أن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، إلا أن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، إلا أنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ولا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم.
قالوا يا رسول اللَّه: كيف نصنع؟
قال كما صنع أصحاب عيسى بن مريم ﵊، نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة اللَّه، خير من حياة في معصية اللَّه) (١).
٣ - عن حذيفة قال: (لا تضرك فتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل) (٢).
وإنما تحصل معرفة الدين بتعلم كتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ ليكون المرء على بينة من الأمر، فلا يختلط عليه الحق بالباطل فيقع بالباطل ظنًا أنه الحق وذلك يكون عند اتباع البدع والأهواء التي ما أنزل اللَّه من سلطان، أما إذا عرف المسلم دينه وأضحى على بينة من أمره فهو لا شك سوف لا تضره الفتنة إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 145
اثنا عشر: لماذا يكون القرآن هو العاصم عن الفتن، والمخرج منها ؟
١ - لأن القرآن يصوغ المؤمن صياغة قرآنية، فيخرجه رجلًا ثابتًا صلبًا عزيزًا كريمًا يستعصى على الإفتتان، ويستعلى على الفتن.
٢ - يبصر المؤمن ببصائره القرآنية الهادية، فيكشف له حقيقة أعدائه، وأسلحتهم ووسائلهم ومكائدهم ضده، فلا تغبش نظرته، ولا تظلم طريقه، فيواجه الأعداء على بينة وبصيرة.
٣ - يحذر المؤمن من الإفتتان بالفتن حيث يعرفه عليها، وعلى أسسها وخلفيتها ويكشف له سرها وزخرفتها، ويريه غرورها وخداعها، ويكسبه بذلك المناعة والحصانة فلا يقع صريعًا لها.
٤ - يربط نظر المؤمن بالآخرة، ويجعله يعيش حياته في الدنيا غير مغتر بها وإنما أشواقه ونظراته وآماله موجهة إلى الجنة ونعيمها وخيراتها.
٥ - يعرف المؤمن على هدفه من الحياة وعلى وسائله لتحقيق هذا الهدف وعلى همته ووظيفته في الحياة، فلا يعود مفتونًا بتلك الفتن.
٦ - يوجه المؤمن إلى مواجهة الجاهلية، وتحدى الكفر والباطل ويقوم بتهيئته للمعركة وتعبئة قواه وحشدها للجهاد، فينوى هذا المؤمن مواجهة الفتن وأصحابها، ويتعامل معها بيقظة وبصيرة واستعلاء) (١).
ثلاثة عشر: تمنى الموت إذا ظهرت الفتن
١ - عن أبي سلمة قال: (عدت أبا هريرة فقلت: اللهم اشف أبا هريرة فقال: اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمت، والذي نفسي بيده