وقال الحافظ ابن حجر: (ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: (وليس به اليد إنما هو النبلاء) فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودًا، ويؤيده ثبوت تمنى الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف.
قال النووي. لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ثم قال: قال القرطبي: كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لأحد إعتناء إلا بدنياه ومعاشه ونفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة، ويؤخذ من قوله: (حتى يمر الرجل بقبر الرجل) أن التمنى المذكور وإنما يحصل عند رؤيته القبر، وليس ذلك مرادًا، بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمنى؛ لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمنى أو يخف عند مشاهدة القبر فيتذكر هول المقام فيضعف تمنيه.
فإذا تمادى على ذلك دل على تأكد أمر تلك الشدة عنده حيث لم يصرف ما شاهده منة وحشة القبر وتذكر ما فيه عن استمرار على تمنى الموت) (١).
وقد وقع هذا التمنى فعلًا في وقتنا الحاضر بسبب ضنك العيش واستشراء الفساد وغلبة أهل الباطل وصولان أهل البدع والضلالات واللَّه المستعان.
تسعة عشر: تداعى الأم على الأمة الإِسلامية
١ - عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم
стр. 72
كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: من قلة نحن يومئذ؟؟
قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن اللَّه من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول اللَّه؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) (١).
ومن علامات الساعة التي أخبر عنها نبى اللَّه ﷺ هي هذه العلامة، بل الظاهرة الخطرة التي توحى بأن بلاد العرب والمسلمين تكون كالبقرة الحلوب لأعدائها، فقد استطاع الغرب إيجاد عملاء له في الداخل، وهم من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلوبهم قلوب الشياطين، تطفح بالحقد على الإِسلام وأهله، واستطاع أعداء المسلمين تمكين هؤلاء وذلك عن طريق مدهم ماديًا ومعنويًا ومنهم من وصل إلى سدة الحكم، فقاموا بالتبشير بقوميتهم المزعومة وعلمانيتهم المستورة، وساموا العباد سوء العذاب، وفرضوا أفكارهم الصليبية بالحديد والنار، والأدهى من هذا كله، إننا نجد صورة هذا التداعى على أمتنا وديارنا وإسلامنا في هذه الأيام أوضح ما تكون، حيث استطاعوا تمرير مؤامراتهم عن طريق عملائهم، وأوجدوا جوًا مناسبًا وتبريرات مصطنعة لكى يدوم هذا التداعى، وتستمر المنطقة تحت نير استعمار جديد ولكن بأثواب مزركشة تختلف عن الأثواب القديمة, وتحت أسماء وغايات ومبررات لا تنطلى على اللبيب.
إن أمم الغرب قاطبة تتابعت على ديار المسلمين، وأصبح الدم المسلم أرخص شيء في هذه الدنيا، مما يدل على أن ثمة مخططًا رهيبًا وقديمًا قد حيك على هذه الأمة من أجل نجاح هذه الهجمة الشرسة، وإمرار هذه
стр. 73
المؤامرة، ولكنهم لم يجدوا تلميذًا بارًا من تلاميذهم يستطيع أن يمرر هذه الخطة بإحكام، حتى استطاعوا أخيرًا تمثيل هذه المسرحية وإيجاد أبطالها الذين هم (من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) لكي يمعن الغرب الصليبى في امتصاص خيراتنا ونهب ثرواتنا وإذلال شعوبنا والأهم من ذلك، إفساد هذه الشعوب وطعنها في صميم عقيدتها وأخلاقها، ووأد الصحوة الإِسلامية المباركة التي تقض مضاجعهم، وتوحى لهم بالويل والثبور.
إن الذي ينظر في أحداث التأريخ يلاحظ وقوع هذه الهجمة مرات عديدة، فكان ذلك مرة بهجوم الأمم التركية وأجناسهم المختلفة ومنهم التتار الذين دمروا بغداد وأسقطوا الخلافة العباسية، ومن هذه الهجمات، الهجمة الصليبية الماكرة والذي وقف قائدها (اللنبى) على قبر صلاح الدين الأيوبي وركل قبره بحذائه وهو يناديه: (ها قد عدنا يا صلاح الدين!! ومنها تآمر الأمم قاطبة على إسقاط الخلافة الإِسلامية وتقاسم ديار المسلمين، وبشكل استعمار جديد.
ولا يزال الغرب يرقب ديار المسلمين وينظر إليها نظرة حذر وتخوف وتوجس، ما دامت عقيدة الإِسلام تنبض فينا وما دام القرآن مدويًا بيننا، وما دامت الصحوة الإِسلامية المباركة مضطردة مستمرة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]. ورب سائل يسأل عن سر هذا التداعى وأسبابه، هل لأن العرب والمسلمين قليلوا العدد أو ضعفاء اقتصاديًا أو معنويًا؟
والجواب على هذا يجيب عليه النبي ﷺ في هذا الحديث، والسر في ذلك، هو أننا لسنا قلة ولسنا ضعفاء اقتصاديًا ولا معنويًا ولكن المشكلة هي
стр. 74
الركون إلى الدنيا وكراهية الموت والذي سببه حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة، فالمسلمون كثرة ولكنهم غثاء كغثاء السيل.
إن ضعف الروح وسقوط الهمة وقلة النخوة والانهزام الداخلى والتنازل عن الكرامة التي وهبها اللَّه تعالى للمسلمين، وانصراف المسلمين عن دينهم وإيجاد الطواغيت الذين أذلوا الشعوب وساموهم وسلطوا عليهم السياط وأوجدوا حمامات الدم في كل مكان، جعلت الشعوب ترضى بالخنوع وتستكين للخذلان والذل، وهذه هي الوسيلة الوحيدة التي نجح الطواغيت في تمرير مؤامراتهم وفرض أفكارهم المستوردة والحاقدة.
إننا نشاهد الآن أن أهل الباطل يضحون من أجل باطلهم ويبذلون الغالى والنفيس في سبيله، فهم يخلصون لباطلهم ويصرفون جل أوقاتهم وإمكانياتهم في سبيله، في حين نرى العموم الغالب من المسلمين قد ركنوا إلى الدنيا وملذاتها وانهمكوا فيها حتى أصبحت أكبر همهم فصرفتهم عن آخرتهم، وعن القضايا العقدية والمصيرية التي هي من مقومات دينهم.
وثمة حالة أخرى توحى بالثبور وتشجع على هذا التداعى ألا وهو حالة التفرق والتمزق والتشرذم التي تعيشها أمة العرب والمسلمين اليوم، وعيون الأعداء ترض ذلك وترقبه عن كثب ولكن ببشر وفرح أنها ترى ألد أعدائها وهم المسلمون متفرقون متخاصمون وأصبح بأسهم بينهم شديدًا، فعاقبها اللَّه تعالى على خذلانها للدين الحق وعدم اعتصامها بكتابه المبين وسيرة نبيه الأمين، فأصبحت بذلك لقمة سائغة لأعدائها, ولن يرفع اللَّه تعالى هذا الذل عن هذه الأمة حتى تعود إلى سالف عزها وسر نهضتها وهو الإِسلام العظيم دينًا ومنهجًا وسلوكًا، وواللَّه: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها)
стр. 75
قال الشاعر وليد الأعظمى:
شباب الجيل للإسلام عودوا ... فأنتم روحه وبكم يسود
وأنتم سر نهضته قديمًا ... وأنتم فجره الزاهى الجديد
نهوضًا يا بني قومى نهوضًا ... فقد عادت إلى الدنيا ثمود
شباب الحق والإِسلام حق ... ويعلوا الحق إن صدق الجنود
عليكم بالعقيدة فهي درع ... نصون به كرامتنا حديد
وصارعنا الفساد ولم ترعنا ... دعاوى بات يدفعها يهود
رسول اللَّه يا رمز المعالى ... ونورًا لا تضيق به الحدود
نصحت لنا وكنت بنا رحيمًا ... وأنت القائد البطل النجيد
دعوتى إلى التحرر من أمور ... يتوقف لها الأراذل والعبيد
شباب الجيل لي معكم حديث ... عليه ينطوى القلب العميد
حذار حذار من كل اختلاف ... به البغضاء والشحنا تعود
فصونوا وحدة الآمال فيكم ... ولا تتفرقوا شيعًا تسود
ودرب الصاعدين كما علمتم ... به الأشواك تكثر لا الورود (١)
عشرون: ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء بالبنيان
١ - عن عمر بن الخطاب ﵁، في حديث جبريل للنبى ﷺ عن الإِسلام والإيمان والإحسان قال له جبريل: (. . . فأخبرنى عن الساعة؟؟
فقال ﷺ : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرنى عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في
стр. 76
البنيان. . .) (١).
قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: (والمراد بقوله: أن تلد الأمة ربتها: أي سيدتها ومالكتها، قال العلماء: هو إخبار عن كثرة السرارى وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزله سيدها؛ لأن مال الإنسان سائر إلى ولده، وقد ينصرف فيه في الحال تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينه الحال أو عرف الاستعمال، وقيل: معناه، أن يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها، وسيد غيرها من رعيته) (٢).
وقال ابن حجر في الفتح عن معنى: (أن تلد الأمة ربها). وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في معنى ذلك، قال ابن التين اختلف فيه على سبعة أوجه وقد لخصتها بلا تداخل فإذا هي أربعة أقوال:
أ - قال الخطابي: معناه اتساع الإِسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها؛ لأنه ولد سيدها.
• قال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين.
قلت: لكن في كونه المراد نظر؛ لأن استيلاء الإماء كان موجودًا حين المقالة والإستيلاء على بلاد الشرك وسبى ذراريهم واتخاذهم سرارى وقع أكثره في صدر الإِسلام، وسياق الكلام يقتضى الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة,.
قال العيني: (١/ ٢٨٩): (في نظره نظر!! لأن قوله (إذا ولدت الأمة ربها)، كناية عن كثرة التسرى من كثرة فتوح المسلمين واستيلائهم على بلاد
стр. 77
الشرك وهذا بلا شك لم يكن واقعًا وقت المقالة، والتسرى وإن كان موجودًا حين المقالة ولكنه لم يكن من استيلاء المسلمين على بلاد الشرك، والمراد: أن يكون من هذه الجهة) (١).
وقال الحافظ في الانتقاض: (١/ ١٠٢): (محصل نظر الأول: أن الخطابي إن كان أراد مطلق التسرى فلا يصح؛ لأنه كان موجودًا عند المقالة، وإن كان أراد بقيد من الإستيلاء فلا يصح؛ لأن الإستيلاء قد وجد في صدر الإِسلام، والسؤال إنما وقع عن العلامات التي إذا وجدت قامت الساعة، وإنما لم يجزم الشارح برده (يعني نفسه) الإحتمال أن يكون المراد بالعلامة: ما يتجدد بعد وقت المقالة سواء قرب عهد تجدده أم بعد فأقتصر على قوله: (ففيه نظر) واللَّه الموفق) (٢).
• ثم قال الحافظ في الفتح:
(وقد فسره وكيع. في رواية ابن ماجه بأخص من الأول. قال: أن تلد العجم العرب، ووجهه بعضهم بأن الإماء يلدن الملوك فتصير الأم من جملة الرعية والملك سيد رعيته، وهذا لإبراهيم الحربي، وقربه بأن الرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبًا من وطأ الإماء ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر ولا سيما في أثناء دولة بني العباس، ووجهه بعضهم. بأن إطلاق ربتها على ولدها مجاز, لأنه كان سببًا في عتقها بموت أبيه أطلق عليه ذلك، وخصة بعضهم بأن السبى إذا كثر فقد يسبى الولد أولا وهو صغير ثم يعتق ويكبر ويصير رئيسًا بل ملكًا ثم تسبى أمه فيما بعد فيشتريها عارفًا بها، أو وهو لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها أو يتخذها موطوءة أو يعتقها
стр. 78
ويتزوجها).
ب- أن تبيع السادات أمهات أولادهم ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد أو الإستهانة بالأحكام الشرعية.
جـ - وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء أمه الولد بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن بأن تلد الأمة حرًا من غير سيدها بوطأ شبهة أو رقيقًا بنكاح أو زنًا ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا وتدور في الأيدى حتى يشتريها ابنها أو ابنتها.
د- أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والإستخدام فأطلق عليه ربها مجازًا لذلك أو المراد بالرب المربى فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون جمع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة ومحصلة: الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند إنعكاس الأمور بحيث يصير المربى مربيًا والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: (أن تفسير الحفاة ملوك الأرض) (١).
قال العيني: (١/ ٢٨٩): (هذا ليس بأوجه الأوجه بل أضعفها؛ لأن النبي ﷺ إنما عد هذا من أشراط الساعة، لكونه على نمط خارج على وجه الاستغراب أو على وجه دال على فساد أحوال الناس، والذي ذكره هذا القائل ليس من هذا القبيل فافهم.
стр. 79
وأما رواية (بعلها) فالصحيح في معناها: أن البعل هو السيد أو المالك فيكون بمعنى ربها على ما سلف.
قال أهل اللغة: بعل الشيء: ربه ومالكه، قال تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] أي ربًا، قاله ابن عباس والمفسرون.
وقيل المراد هنا الزوج، وعلى هذا أن الأول أظهر؛ لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى (١).
معنى قوله ﷺ : (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان (٢).
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وإذا كان الحفاة العراة، زاد الاسماعيلى في روايته: الصم البكم. وقيل لهم ذلك: مبالغة في وصفهم بالجهل، أي: لم يستعملوا أسماعهم ولا أبصارهم في شيء من أمر دينهم وإن كانت حواسهم سليمة.
قوله: (رؤوس الناس) (٣): أي ملوك الأرض. . . والمراد بهم. أهل البادية.
قال: ما الحفاة العراة؟
قال: العريب.
ثم قال ابن حجر:
(قال القرطبي: المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولى أهل البادية على الأمر ويتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد
стр. 80
البنيان والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذه الأزمان) (١)(٢).
١ - قال الحافظ في الفتح:
(ومعنى التطاول في البنيان: أن كل من كان يبنى بيتًا يريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر, ويحتمل أن يكون المراد: المباهاة في الزينة والزخرفة، أو أعم من ذلك، وقد وجد الكثير من ذلك وهو في ازدياد) (٣).
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يبنى الناس بيوتًا يوشونها وشى المراحيل) (٤) والمراحيل: هي الثياب المخططة. إن هذا التصوير النبوى لما يحدث قبيل الساعة يشير لك أخي القاري إلى حقيقة النبوة وصدق صاحب الرسالة ﷺ ، أنه يصف الحالة التي نعيشها نحن أبناء القرن العشرون الميلادى، وإذا تأملت في حياتنا تجد مصداق هذا القول النبوى الذي تشم منه رائحة النبوة وحقيقة الإعجاز، والتباهى بذلك، بل والتنافس فيه أصبح واقعًا نعيشه ونتحسسه.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلى:
(فإذا صار الحفاة العراة رعاء الشاة وهم أهل الجهل والجفاء رؤوس الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا) (٥).
стр. 81
٣ - وفي رواية مسلم عن أبي هريرة ﵁: (ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس (١)، فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاة البهم في البنيان، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا اللَّه، ثم تلا ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾. . . إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢).
واحد وعشرون: تسليم الخاصة (السلام على المعارف) وفشو التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور
١ - عن طارق بن شهاب قال: كنا عند عبد اللَّه ابن مسعود جلوسًا، فجاء رجل فقال: قد أقيمت الصلاة، فقام وقمنا معه، فلما دخلنا المسجد رأينا الناس ركوعًا في مقدم المسجد، فكبر وركع وركعنا، ثم مشينا، وصنعنا مثل الذي صنع، فمر رجل يسرع فقال: عليك السلام يا أبا عبد الرحمن، فقال: صدق اللَّه ورسوله، فلما صلينا ورجعنا دخل أهله، فجلسنا، فقال بعضنا لبعض. أما سمعتم رده على الرجل: صدق اللَّه وبلغت رسله؟ أيكم يسأله؟ دقال طارق: أنا أسأله فسأله حين خرج، فذكر عن النبي ﷺ : (أن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم) (٣).
стр. 82
إنما من علامات الساعة التي أخبر عنها المصطفى ﷺ حيث يدع الناس تحية الإِسلام التي شرعها اللَّه ورسوله للمسلمين وجعلها سببًا للتآلف والمحبة بين أبناء المجتمع، وإذا تحول المجتمع إلى مادى بحت وصارت العلامات مبنية على المادة حسب فقد تودع من الدنيا، وإذا أشير على الرجل وأثنى عليه وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فقد عمت الفوضى وانحسرت الأخلاق وولت القيم، وعند ذلك يكون السلام متداولًا بين المعارف فقط فلا يسلم المسلم على أخيه المسلم إلا إذا عرفه وإلا فلا!! فأساس المعرفة على المادة والعلاقة التجارية المادية، فتقطع الأرحام التي أمر اللَّه ورسوله أن توصل، وتكثر شهادة الزور لأن الورع والتقوى مفقود، وتؤكل أموال الناس بالباطل والإثم والعدوان، وتكتم شهادة الحق، ويزخرف الباطل ويدعى له عن طريق أرباب الغزو الفكرى حيث ينشروا أراجيفهم ومعتقداتهم الجاهلية ويزوقوا الباطل عن طريق الكتب والصحف المأجورة.
إنه واللَّه وصف نبوى دقيق لحالة مجتمعاتنا وما داهما من فتن ومحن تدع الحليم حيرانًا، فالناس قد هجروا تحية الإِسلام ونتج عن ذلك تقطع وشائج المحبة وتنافر القلوب، وانتشرت التجارة وتوسعت وأصبح هم الناس جمع أكبر قدر ممكن من المال، ولا يبالون إن كان حلالًا أم سحة حرامًا, ولم يكتف الرجال بذلك بل جلبوا معهم نسائهم وكلهم يلهث وراء جمع المال، ونظرًا للتنافس الشديد بين الناس مما يؤدى إلى التباغض والتحاسد، تجد الرجل يسافر لجمع المال فإذا جاء إلى ذويه وأقاربه ومعارفه قال: لم أربح شيئًا!!
٢ - قال ﷺ : (وحتى يخرج الرجل مسألة إلى أطراف الأرض فيرجع فيقول:
стр. 83
لم أربح شيئًا) (١).
٣ - عن عبد اللَّه ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
(إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة، وفي رواية: أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة) (٢).
٤ - روى أحمد والطبراني عن عبد اللَّه ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن من أشراط الساعة: إذا كانت التحية على المعرفة) (٣).
اثنان وعشرون: المرور في المساجد واتخاذها طرقًا وعدم الصلاة فيها
١ - روى أبي خزيمة في صحيحه عن عبد اللَّه ابن مسعود ﵁ قال قال رسول اللَّه ﷺ : (إن من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلى فيه ركعتين) (٤)
٢ - روى الطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ (من اشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلى فيه ركعتين، وأن لا يسلم الرجل على من يعرف) (٥).
هذان الحديثان يشيران إلى حالة ضعف الوازع الديني وعزوف الغالبية في المجتمع عن المساجد وانصرافهم إلى اللعب واللهو وعدم الاكتراث بأوامر اللَّه، إن الصلاة في المساجد من سنن الهدى وأن الذين يتخلفون عن الصلاة
стр. 84
فيها هم المنافقون الذين لا يعرفون من الإِسلام إلا اسمه ولا من المصحف إلا رسمه، وهذه حالة نشهدها ونعيشها كما أخبر النبي ﷺ ، أن كثيرًا ممن ينتسبون إلى الإِسلام في شهادة الميلاد لا يدخلون المساجد أحيانًا إلا للمناسبات أو يدخلونها وهم موتى محمولين على النعش ليصلوا عليهم!! وقد كانوا في حياتهم زاهدين في المساجد التي هي للمسلم كالماء للسمك، ولا يدخلونها كى يصلوا فيها وإنما يدخلونها مرورًا بها لقضاء حاجة، يتخذونها طرقًا لهم!!
ثلاثة وعشرون: زخرفة المساجد والتباهى بها
١ - روى أحمد وأبو داوود والنسائي وابن خزيمة عن أنس ﵁ قال: أن النبي ﷺ قال: (إن من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد) (١).
٢ - وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد) (٢).
من علامات الساعة التي أخبر عنها رسول ﷺ ما نراه في الوقت الراهن الذي نعيشه ألا وهو زخرفة المساجد والتباهى في بنائها والمبالغة في تزيينها مضاهاة لأعداء اللَّه اليهود والنصارى.
إن اليهود والنصارى عندما حرفوا دينهم وبدلوا عقيدتهم وكتموا الحق الذي أخذ اللَّه عليهم العهد أن يبينوه للناس ولا يكتمونه، وصدقوا الناس عن الهدى، أخذوا بالتعتيم على أكلهم السحت واتباعهم غواية الشيطان، فأمعنوا المضاهاة بتشييد بيعهم وكنائسهم وزوقوها أنهم ما بنوها على تقوى اللَّه ولا حبًا بالحق واتباعه.
стр. 85
وفي وقتنا الحاضر تسللت هذه العادة السيئة إلى المسلمين عن طريق التقليد الأعمى لأعداء الإِسلام، ونظرًا لانحسار المفاهيم الصحيحة عند المسلمين، وانتشار البدع التي ما أنزل اللَّه بها من سلطان، طغت هذه العادة السيئة على عموم مساجدنا، فأنَّى اتجهت في رحاب المجتمعات الإِسلامية تجد الزخارف والنقوش والقباب المزركش والثريات البراقة والقناديل المذهبة والمفضضة.
لقد كان الإنسان المسلم يهرب من زخارف الدنيا ليضئ إلى رحاب الآخرة في المساجد، بها التواضع والبساطة وإذابة الآن يجد المساجد تعج بالزينة والترف وإبراز زخرف الحياة الدنيا.
قال الصحابي الجليل أبو الرداء ﵁: (إذا حليتم مصاحفكم، وزخرفتم مساجدكم، فالدمار عليكم).
لقد صدق واللَّه هذا الصحابي الجليل، فلقد حلينا مصاحفنا وزخرفنا مساجدنا، وقتلنا روح الجهاد في نفوسنا وفي نفوس الناشئة، فحل بنا الدمار والتصق بنا العار، وبعنا أخرانا بدنيانا، وسلمنا زمام أمورنا لأعداء ديننا، فحرفت العقائد، وراجت بضاعة الشياطين، واستولى أرباب الغزو الفكرى على أغلب مجتمعاتنا، وفرضوا القومية ونادوا بالعلمانية، ووأدوا الصحوة الإِسلامية، لقد حولوا المساجد إلى أبواق تلهج بباطلهم وصرفوها عن مهمتها الحقيقية ألا وهي عبادة اللَّه وحده وتربية الأجيال المسلمة على مفهوم (لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه) والولاء للمؤمنين والبراء من المشركين.
وانظر أخي المسلم إلى واقع مساجدنا الآن، وإلى واقع مساجد المسلمين أيام سالف عزهم ومجدهم، انظر إلى واقع المسلمين عندما كانت مساجدهم عامرة بذكر اللَّه يجللها التواضع والبساطة والترفع عن زينة الدنيا، وانظر إلى
стр. 86
واقع مساجدنا وواقعنا وكيف أصبحنا، مضاعة مقدساتنا بيد يهود وأذنابهم.
لقد كانت مساجد المسلمين مبنية باللبن وسقوفها الجريد وعمدها خشب النخل، وأرضها الحصباء والتراب، ففتحوا البلاد وهدموا العروش الكافرة الظالمة، ودانت لهم الأمم والشعوب بأسرها، وانظر إلى مساجدنا التي تنعم بالكبرياء والبهارج والنقوش والزخرفة والثريات والتذهيب والتفضيض، وكيف أصبح حالنا، لقد أصبحنا أيتامًا على موائد اللئام وأبناء الغرب وتلاميذهم من الحاقدين على أمتنا وديننا وعقيدتنا، وأصبح اليهود الذين هم أقذر جنس بشرى يقتلون أبنائنا على مرآى ومسمع من كل الدنيا ولا أحد يجيب ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
دعوة صادقة إلى الموسرين
وبهذه المناسبة اغتنم هذه الفرصة لأشير إلى حالة سلبية خطيرة تعيشها أغلب المجتمعات الإِسلامية، وهي دعوة صادقة أضعها أمام الموسرين الذين أفاء اللَّه عليهم من بركاته وأرزاقه: يبذل أغلب الأغنياء الأموال الطائلة على بناء المساجد وزخرفتها ويجلب لهذه المساجد أفخر البسط وأبهى الرخام وأثمن الثريات. . . إلخ.
وهناك آلاف من الأكباد الجائعة والبطون الخاوية التي عضها الجوع وذلها الفقر والحاجة، وهم ينؤون تحت وطأة تحمل أعباء أسر وأطفال وشيوخ وعجائز ومرضى. . . إلخ هم بأمس الحاجة إلى هذه الأموال فضلًا عن أن تصرف على التباهى في تزويق المساجد وزخرفتها من أجل السمعة الزائغة والرياء البغيض.
(إن الأكباد الجائعة أولى من بناء البيت الحرام) هذه العبارة أكتبها
стр. 87
بحروف من ذهب على صحائف من نور، إن هذا الأثر (١) أضحه أمام أعينكم أيها الموسرون وبين أيديكم، وإنها لصرخة غضب أصرخها في وجوهكم أيها المراؤون، صيحة تصور أنات الثكالى وآهات المعذبين الذين دارت عليهم الأيام وجار عليهم الزمن، وتخلى عنهم أقرب الناس إليهم.
قال الشاعر:
ورب إشارة تعطى بيانًا ... وتصريحًا إذا إحتبس القصيد
أربعة وعشرون: تدافع المصلين لعدم وجود إمام يصلى بهم
١ - قال رسول اللَّه- ﷺ : (. . وإن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد، لا يجدون إمامًا يصلى بهم) (٢).
هذه الحالة المؤلمة عشناها في وقتنا الراهن، حيث زهد طلبة العلم في وظيفة الإمامة لا سيما وهي أشرف وظيفة في الدنيا وهي مهمة الأنبياء والمرسلين، وذلك لأسباب منها الواقعية ومنها السلبية.
أما الأسباب الواقعية فهي:
١ - ضعف المرتب الشهرى الذي يتعاطاه الإمام والخطيب.
٢ - مهمة الإمامة والخطابة تحتاج إلى وقت كاف ومتسع، إذ مطلوب من طالب العلم أن يطور إمكانياته العلمية والفقهية ويتفرغ لطلب العلم والتفقه في الدين، ولما كان المرتب الشهرى لا يسمن ولا يغنى من جوع يضطر طالب العلم إلى الإنصراف عن هذه الوظيفة إلى التجارة أو ما يشابهها لكي يوفر لقمة العيش لعياله ولنفسه.
стр. 88
٣ - عزوف أغلب الموسرين عن مساعدة طلبة العلم وأئمة المساجد وذلك بسبب الحرص على جمع أغلب قدر ممكن من حطام الدنيا وفقدان الغيرة على الدين وأهله.
٤ - ضعف الوازع الديني وغلبة الأنانية والحرص مما يصرف الموسرين عن مد طلبة العلم ومساعدتهم.
٥ - تسلط الطغاة وإجبارهم طلبة العلم أن يكونوا أبواقًا لباطلهم الآثم وأراجيفهم المضللة، مما يجعل المخلصين يعزفون عن هذه المهمة.
أما الأسباب السلبية فهي:
١ - حب الدنيا: وحب الدنيا رأس كل خطيئة، فإذا ما استولى حب الدنيا على القلوب خارت العزائم وضعفت الهمم.
٢ - ضعف الإيمان: إذ أن الإيمان العميق يولد الخشية والخشية تولد التقوى، والتقوى تولد حب الدعوة إلى اللَّه والتفانى في سبيل نشر الإِسلام والتبشير به وصرف الأوقات، في سبيل اللَّه وتبليغ دعوة الإِسلام، إذ يعتبر هذا ضمن واجب الأمانة الملقاة على كأهل الإنسان المسلم.
٣ - عدم تطبيق الأوامر الشرعية أو التفقه لغير الدين: إذ أننا نجد أن أغلب طلبة العلم ولا سيما (العلم الشرعى) يطلبون العلم من أجل الشهادات لكي يحصلوا على مكانة مرموقة في المجتمع وليشار إليهم بالبنان، ولكى يقال (هذا عالم!!).
أما دراسة العلم الشرعى لكي يعمل به ويطبق على النفس وفي المجتمع أو دراسته لكي يدعى به إلى اللَّه ورسوله فهذا الجانب أضحى أصحابه أندر من الذهب الأحمر في واقعنا والعياذ باللَّه.
стр. 89
ولقد أشار النبي ﷺ إلى هذه الحالة في أحاديث كثيرة منها:
أ- روى الدارمى والحاكم عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (كيف بكم إذا لبستكم فتنة: يربو فيها الصغير, ويهرم فيها الكبير وتتخذ سنة (١)، فإن غيرت يومًا قيل: هذا منكر (٢).
قيل: ومتى ذلك؟؟
قال: إذا قلت أمناؤكم وكثرت أمراؤكم، وقلت فقهاؤكم وكثرت قراؤكم، وتفقه لغير الدين (٣)، والتمست الدنيا بعمل الآخرة) (٤)(٥).
خمسة وعشرون: عودة جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال. . . وجتى تعود جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا) (٦).
المعروف عن جزيرة العرب أنها أرض غير ذات زرع اللهم إلا ما يتخللها
стр. 90
من العيون والآبار هنا وهناك!!، والذي أراه أن النعمة التي أنعمها اللَّه تعالى على أهل الجزيرة وذلك بتدفق النفط فيها وجعل شريان العلم يمر منها وما در تصدير هذا النفط إلى الأسواق العالمية من رفاه مادى وإنتعاش إقتصادى رفع أهل الجزيرة في مصاف الدول الغنية المرفهة، وهذا الخير الإلهى العميم جعل أهل الجزيرة العربية ينصرفون إلى تطوير نشاطهم الزراعى، وإمكانياتهم العلمية في هذا المحال وغيره.
وقد تواردت الأنباء أن أهل الجزيرة أخذوا يصدرون الحنطة إلى الأسواق العالية حيث أنها تفيض عن حاجتهم، وهذا مؤشر إيجابي وتطور بارع وإسهام مبدع ومفرح. . .
إن ما يقوم به أهل تلك المنطقة من حفر الآبار وزراعة الأرض بشكل لم يكن معهودًا من قبل يؤيد هذه النبوءة التي أشارت لذلك.
أو ربما أن في هذا الحديث إشارة إلى الإمكانيات الواسعة التي يتحلى بها أهل الجزيرة العربية حاليًا من وافر العيش والتقدم العمرانى والمروج الزاهرة التي نراها ونشاهدها في كل مكان، نتيجة للإزدهار الإقتصادى وإرتفاع المستوى المعيشى للأفراد والحكومات.
ومما يؤيد ذلك الحديث الذي رواه مسلم عن معاذ بن جبل وهذا نصه:
٢ - قال رسول اللَّه ﷺ : (إنكم ستأتون غدا إن شاء اللَّه عين تبوك، وإنكم لم تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتى. فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض (١) بشئ من ماء، قال: فسألهما رسول اللَّه ﷺ وقال لهما ما شاء اللَّه
стр. 91
أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلًا حتى اجتمع في شيء، قال: وغسل رسول اللَّه فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين ماء بماء منهمر، أو قال غزير، حتى استقى الناس، ثم قال: يوشك (١) يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانًا) (٢).
ولقد صدق ﷺ فيما أخبر سواء بهذا الحديث أو غيره من الأحاديث، فما حدث صحابته عما يجرى مستقبلًا إلا ورأوه رأى العين ورآه الأجيال من بعدهم رأى العين.
وها نحن نرى مصداق هذه البشارة النبوية عن أرض تبوك فقد ملئت الأرض واللَّه جنانًا وبساتين وحدائق ذات بهجة، وانتشرت الزراعة بكل أنواعها، بل فاضت عن الحاجة المحلية وصدرت إلى الأسواق العربية والعالمية، وربما تنتشر هذه الظاهرة الإيجابية في كل دول الجزيرة العربية وليس ذلك على اللَّه ورسوله ببعيد.
ستة وعشرون: رفض السنة النبوية
١ - عن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (يوشك أن يقعد الرجل متكئا على أريكته، يحدث بحديث من حديثى، فيقول: بيننا وبينكم كتاب اللَّه، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وأن ما حرم رسول اللَّه ﷺ مثل ما حرم اللَّه) (٣).
٢ - في رواية أخرى عن رسول اللَّه ﷺ قال: (ألا وأنى أتيت هذا الكتاب
стр. 92
ومثله معى، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة (١) معاهد (٢)، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقرؤه (٣)، فإن لم يقرؤه، فله أن يعقبهم (٤) بمثل قراه) (٥).
٣ - عن أبي رافع ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا ألفين (٦) أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه أمرى مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: (لا أدرى، ما وجدنا في كتاب اللَّه اتبعناه) (٧).
من علامات الساعة التي أخبر عنها رسول اللَّه ﷺ ظهور أناس يرفضون اتباع السنة النبوية والعمل بها زاعمين أن السنة النبوية قد وصلت إليهم عن طريق خبر الآحاد، وخبر الآحاد لا يفيد إلا الظن في الحكم أو أنها -السنة- تخالف العقل والمنطق والعلم في بعض جوانبها!!
فأطلقوا على أنفسهم زورًا وبهتانًا (القرآنيون) وهي كلمة حق أريد بها باطل، زاعمين أن القرآن قد وصل إليهم عن طريق التواتر القطعى الدلالة،
стр. 93
وأن اللَّه تعالى قد تعهد بحفظه، فهم لا يأخذون إلا منه حسب.
لقد جهل هؤلاء أو تجاهلوا أن السنة النبوية هي الأصل الثاني من المصادر التشريعية وهي مفصلة القرآن وشارحه له، وموضحه مجملة مبينة محكمة، مطلقة مقيدة، مخصصة عامة، وساء في ذلك الأمور الغيبية الإعتقادية أو الأحكام العملية والسياسية والتربوية، ولا يجوز في حال من الأحوال ردها أو مخالفتها بزعم أنها تخالف الرأى أو الاجتهاد أو القياس أو العقل أو أنها من أخبار الآحاد (١).
إن الدين لا يؤخذ بالعقل بل يؤخذ بالوحى، والسنة النبوية من الوحي ومصدر من مصادر التشريع الإسلامي، يقول الإمام على ﵁: (لو كان الدين بالعقل، لكان مسح باطن الخف أولى من مسح ظاهره) أي أعلاه، والمعنى واللَّه اعلم: أن لو كانت الأحكام التشريعية تؤخذ عن طريق العقل من دون الرجوع إلى تعاليم النبي ﷺ يمسح ظاهر الخف فأتبعه وطبق سنته من دون الرجوع أو الإلتفات إلى العقل.
إن الذين يتبجحون بأنهم اتباع القرآن حسب إنما يريدون بذلك رفض الإِسلام كله، وهي دعوة عملية ومأجورة جاءت من أرباب الغزو الفكري وأوحوها إلى فروخهم في الشرق ليطعنوا الإسلام وينفثوا سمومهم الخبيثة وأفكارهم الماكرة في ربوع المجتمع الإِسلامي وبالتالى يؤولون القرآن كما يشاؤون وبما يوحى إليهم أساتذتهم ودهاقنتهم من أعداء الإسلام.
لقد ظهر أهل التأويل من قبل، فأولوا القرآن حسب بدعهم وأراجيفهم المسمومة والحاقدة، واتبعهم في ذلك ذيولهم من الفرق والملل الضالة، وظهر
стр. 94
في العصر الحديث (القرآنيون) الذين هم فروخ المعتزلة ومن المتأثرين بمنهجهم العقلى السقيم، فأخذوا يؤولون القرآن حسب ما توحى إليهم عقولهم الناقصة وانكروا كثير من الأحاديث الصحيحة بزعمهم أنها تتضارب مع العقل، وتأثر بهم وشجعهم واتبع منهجهم قوم ممن ضللهم الغرب ودهاقنته فسموا أنفسهم (العصرانيون) أي الذين يؤولون النصوص حسب مقتضيات العصر، وبذلك تجرؤوا على السُّنَّة وطعنوا في صحيح البخاري وغيره من كتب السنة التي تلقتها الأمة الإِسلامية منذ عهودها النيرة بالقبول والاستحسان.
إن اللَّه تعالى قد تعهد بحفظ القرآن الكريم وإن من ضمن هذا الحفظ، حفظ السنة النبوية؛ لأن النبي ﷺ يقول: (ألا وأنى أتيت القرآن ومثله معى) وقد أمر اللَّه تعالى باتباع نبيه فقال:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فكيف نأخذ ما أتانا الرسول وننتهى عما نهانا عنه إلا باتباع سنته؟
على أن من جوانب حفظ السنة النبوية هو ما هيئه اللَّه تعالى لسنة ﷺ من رجال بذلوا مهجهم وأرواحهم وأموالهم وعقولهم وأوقاتهم في سبيل خدمة السنة النبوية وتنقية الصحيح من السقيم وبذلك نقلوها إلينا ﵏ مصفاة منقاة، وتخصصت الأمة الإِسلامية بعلم لم يسبقها إلى مثله أحد، ألا وهو علم الرجال (الجرح والتعديل)، وفي هذا العلم يكمن السر الإلهى في تسخير هؤلاء الرجال لحفظ السنة النبوية وإظهارها للأمة الإِسلامية مصانة معافاة من كل يد مسمومة تمتد إليها أو عقل سقيم مأجور يشكك فيها.
قال رسول اللَّه ﷺ : (إنى قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبدًا: كتاب اللَّه وسنتى، ولن يفترقا حتى يرد على الحوض).
стр. 95
وبهذا الحديث الشريف يصفع رسول اللَّه ﷺ هؤلاء العملاء المشبوهين في وجوههم، إذا أعطانا ﷺ العاصم لنا في حياتنا بحيث لا نضل ولا نزيغ عن الهدى إذا اتبعناهما ألا وهما كتاب اللَّه وسنة نبيه، وبذلك يتبين لك أخي المسلم ضلال هؤلاء الطاغين وانكشاف عوارهم.
قال ابن أبي العز الحنفى: (فالواجب كمال التسليم للرسول ﷺ والإنقياد لأمره، وتلقى خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولًا، ونحمله شبهة أو شكًا، أو تقدم عليه أراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما نوحد المرسل (١) بالعبادة والخضوع والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب اللَّه إلا بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول) (٢).
٤ - روى أبو داوود وابن ماجه والحاكم عن حيوة بن شريح أن أبا سعيد الحميرى حدثه، قال: (كان معاذ بن جبل يتحدث بما لم يسمع أصحاب رسول اللَّه ﷺ ويسكت عما سمعوا، فبلغ عبد اللَّه بن عمرو ما يتحدث به فقال: واللَّه ما سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول هذا، وأوشك معاذ أن يفتنكم في الخلاء، فبلغ ذلك معاذ، فلقيه، فقال: معاذ: يا عبد اللَّه بن عمرو، وإن التكذيب بحديث رسول اللَّه ﷺ نفاق، وإنما أثمه على من قاله، لقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، والظل، وقارعة الطريق) (٣). فالتكذيب بحديث رسول اللَّه ﷺ بحجة أن المكذب لم يسمع به نفاق، فكيف بمن يكذب بحديث رسول
стр. 96
اللَّه الذي اتفقت الأمة الإسلامية بأسرها على قبوله -لأنه لا يوافق عقله ومنهجه وفهمه السقيم؟؟!!
إن التمسك بالقرآن دون السنة ضلال وإن التمسك بالسنة دون القرآن ضلال وإن الحق في التمسك بهما واتباعهما معًا.
سبعة وعشرون: يكرم الرجل مخافة شره وأمور تجلب البلاء
١ - اخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا: (إذا فعلت أمتي خمسة عشرة خصلة، حل البلاء: إذا كان المغنم دولًا (١)، والأمانة مغنمًا (٢)، والزكاة مغرمًا (٣)، وأطاع الرجل زوجه وعق أمه، وبر صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها (٤)، فليترقبوا عند ذلك ريحًا حمراء
стр. 97
أو خسفًا أو مسخًا (١).
٢ - عن حذيفة بن اليمان مرفوعًا قال: (من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة: إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، وأكلوا بالربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدماء، واستعملوا البناء، وباعوا الدين بالدنيا، وتقطعت الأرحام، ويكون الحكم ضعفًا، والكذب صدقًا، والحرير لباسًا، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وموت الفجأة، وائتمن الخائن، وخون الأمين، وصدق الكاذب وكذب الصادق، وكثر القذف، وكان المطر قيظًا، والولد غيظًا، وفاض اللئام فيضًا، وغاض الكرام غيضًا، وكان الأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقة، إذا لبسوا مسوك الضأن، قلوبهم أنتن من الجيفة وأمر من الصبر، يغشيهم اللَّه فتنته يتهوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة، وتظهر، الصفراء -يعني الدنانير-، وتطلب البيضاء -يعنى: الدراهم، وتكثر الخطايا، وتغل الأمراء، وحليت المصاحف، وصورت المساجد، وطولت المنائر، وخربت القلوب، وشربت الخمور، وعطلت الحدود، وولدت الأمة ربتها، وترى الحفاة العراة وقد صاروا ملوكًا، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وتشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، وحلف باللَّه من غير أن يستحلف، وشهد المرء من غير أن يستشهد، وسلم للمعرفة، وتفقه لغير الدين، وطلبت الدنيا بعمل الآخرة، وأتخذ المغنم دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وكان الزعيم القوم أرذلهم، وعق الرجل أباه، وجفا أمه، وبر صديقه، وأطاع زوجته، وعلت أصوات الفسقة في المساجد، واتخذت
стр. 98
القينات والمعازف، وشُرِبَت الخمور في الطريق، واتُخِذِ الظلم فخرًا، وبيع الحكم، وكثرت الشرط، وأتخذ القرآن مزامير، وجلود السباع صفافًا، والمساجد طرقًا, ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليتقوا عند ذلك رياحًا حمراء وخسفًا ومسخًا وآيات) (١).
هذا الحديث يشير إلى جملة من الأعمال القبيحة التي توحى بخفة العقل ونقص اليد وانحلال القيم وتفسخ المجتمعات وقلة الورع وانقلاب الموازين، يعضدها بقية الأحاديث التي أشار النبي ﷺ فيها إلى ابتعاد العموم الغالب عن دينهم واتباعهم الأهواء والشهوات المهلكة ورواج بضاعة الشيطان بينهم إلا ما رحم ربى من أهل الحق الذين يمسكون بالكتاب والسنة وعضوا عليها بالنواجذ وقبضوا على الجمر في سبيل عقيدتهم، فأصغوا إلى عز الدنيا وهنئوا في بحبوحة الصالحات ولهم في الآخرة نعيم مقيم وخلود سرمدى في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وترى في هذه الإرهاصات النبوية إرشادات وصيحات في وجه الذين يقولون مالا يفعلون فحذر ﷺ أمته من هذا السلوك المشين وكذلك ناصحًا الذين يتركون كتاب اللَّه وسنة نبيه ويتمسكون بالرأى والأهواء والأفكار المستوردة والدساتير الأرضية مبينًا أن الحكم للَّه وحده وما شرعه لرسوله وما سواه فهي الأهواء المضلة والبدع المهلكة والتيه والضلال والحيرة، نعوذ باللَّه من أن نرد على أعقابنا أو نعرض عن كتاب اللَّه وسنة نبيه.
стр. 99
ثمانية وعشرون: تخوين الأمين وائتمان الخائن، ووضع الخيار ورفع الأشرار، والفحش والتفحش
١ - روى أحمد والبوار عن ابن عمرو والطبراني في الأوسط عن أنس ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: (من أشراط الساعة: الفحش (١) والتفحش (٢)، وقطيعة الرحم، وتخوين الأمين، وائتمان الخائن) (٣).
٢ - روى الحاكم عن عمرو بن قيس السكونى، قال: (خرجت مع أبي في الوفد إلى معاوية، فسمعت رجلًا يحدث الناس، يقول: (إن من أشراط الساعة أن: ترفع الأشرار، وتوضع الأخيار، وأن يخزن الفعل والعمل (٤)، ويظهر القول، وأن يقرأ بالمثناه في القوم ليس فيهم من يغيرها أو ينكرها، فقيل: وما المثناه؟؟
قال: ما اكتتب سوى كتاب اللَّه . . .) (٥).
٣ - قال ابن حجر في الفتح: (أخرج الطبراني في الأوسط من طريق سعيد بن جبير عنه رفعه: (لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، وتهلك الوعول، وتظهر التحوت، قالوا: يا رسول اللَّه وما التحوت والوعول؟؟
قال: الوعول وجوه الناس وأشرافهم، التحوت الذين كانوا أقدام الناس لا يعلم بهم)
стр. 100
ثم قال الحافظ في الفتح: (. . . قلنا وما التحوت؟
قال: فسول الرجال (١) وأهل البيوت الغامضة، قلنا: وما الوعول؟
قال: أهل البيوت الصالحة) (٢).
٤ - قال رسول اللَّه ﷺ : (إن بين يدى الساعة سنين خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤمن فيها الخائن) (٣).
٥ - وفي رواية أخرى: (. . . وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟؟
قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) (٤).
ومن علامات الساعة التي أخبرنا عنها نبى اللَّه ﷺ هي بروز طبقة في المجتمع كانوا أسافل لا يعبأ بهم ولا يلتفت إليهم وهم أهل البيوت الغامضة من ناقصى التربية وأبناء الشوارع الذين لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، ولا يتورعون عن حرام ولا يشفقون على معوز اللهم إلا ما تملى عليهم أهوائهم وشهواتهم ونزواتهم الحيوانية، فمسكوا زمام الأمور واعتلوا سدة المجتمع، فضاعفت الأمانة وانتشرت الخيانة، وساد التفسخ والانحلال وسوء الأخلاق. . .
الذئب ذئب شعوبها ... خانت طريق كفاحها
واستسلمت للبغى حتى ... قادها جلادها
стр. 101
وهكذا انقلبت الموازين واضطربت الأحوال فتجرع الأحرار العلقم الزئام وأصبحت حياتهم جحيمًا وضيمًا ومرارًا بسب سيادة العبيد والبغاة والطغاة الذين لا يرعون إلَّا ولا ذمة.
هؤلاء الأحرار هم أهل البيوت الصالحة الذين نهلوا التدين والأخلاق والقيم منذ نعومة أظافرهم وتربوا في جو ملئه الطهر والعفاف والشعور بالمسؤولية والركون إلى الآخرة، هؤلاء أصبحوا غرباء في مجتمعاتهم مستضعفين، إذا قالوا لا يصدقون وإذا شفعوا لا يشفعون، وهذه واللَّه حالة يشيب منها الولدان وتنفطر لها القلوب.
هي الأمور كما شاهدتها ... دول من سره زمن سائته أزمان
وتتجسد هذه المعانى النبوية في التصوير البديع الذي يصوره الحديث الشريف موضحًا عمق المأساة وضراوة الضيم وضنك العيش قبيل الساعة، وهذا واللَّه نراه ونعيشه بل نذوق مرَّة ونتجرع صابه في حياتنا الراهنة، ألا وهو رجحان كفة الرويبضة، والرويبضة جامعة للرجل الفاجر الفاسق التافه عديم الأخلاق والقيم والمروءة، الذي يعتلى ويبرز بين عشية وضحاها في غفلة عن أعين الناس وانتباههم، حيث يأتون به أسياده وأربابه ليجعلوا منه منقذًا بزعمهم، فيرفع الشعارات البراقة ويلقى الخطب الرنانة التي ظاهرها الشهد وباطنها السم الزعاف فيتكلم هذا الرويبضة في أمور الناس ويسودهم وبالتالي يجرهم إلى عواقب وخيمة وفقر مدقع وبؤس مقيم وديكتاتورية ما بعدها دكتاتورية واللَّه المستعان.
٦ - عن حذيقة بن اليمان ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتَّى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع) (١).
стр. 102
واللكع هو: اللئيم وقيل: العبد وقيل: ردئ الحسب والنسب الذي لا يعرف له أصل، ولا يحمد علي سيرة وأخلاق.
قال ابن حجر في الفتح: (. . . وحديث بن مسعود، لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها) أخرجه الطبراني، وفى لفظ (رذالها)
وعند الترمذي من حديث أبي هريرة: (وكان زعيم القوم أرذلهم وساد القبيلة فاسقهم).
وحديث ابن مسعود: (لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظًا، والمطر قيظًا وتفيض الأيام فيضًا) أخرجه الطبراني.
وعن أم الضراب مثله وزاد: (ويجترئ الصغير على الكبير واللئيم على الكريم ويخرب عمران الدنيا ويعمر خرابها) (١).
تسعة وعشرون: ظهور أعوان الظلمة الذين يجلدون الناس بسياطهم
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (يوشك إن طالت بك مدة -وفى رواية حياة- أن ترى قومًا في أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون (٢) في غضب اللَّه، ويروحون (٣) في سخط اللَّه) (٤).
ومن علامات الساعة التي أخبر عنها رسول اللَّه ﷺ ظهور الأنظمة الديكتاتورية الظالمة، حيث يترأس شدة الحكم رجال لا يعرفون معروفًا إلَّا ما أشرب هواهم، يتسلطون على رقاب الناس ويسودونهم بالحديد والنار،
стр. 103
ويملون عليهم أفكارهم المستوردة بالجبر والقهر الإذلال، ويتخذ هؤلاء الظلمة للمحافظة على عروشهم أعوانًا قساة جبابرة، يرهبون الناس ويخوفوهم ويسومونهم أشد أنواع العذاب والتنكيل إرضاءً لأسيادهم وطواغيتهم، وإذا أصبح التنكيل والتعذيب شعارًا للحكام فإن الأفواه تكمم وأن الألسنة تخرس، فتضيع الحقوق ويسود قانون الغاب حيث يأكل القوى الضعيف ويظلم الغني الفقير وتنتهك الحرمات بشتى أنواعها وألوانها وعلى الجمهور أن يصفق ويهتف بملأ حناجره!!!
يقول الشاعر الشهيد هاشم الرفاعى في قصيدته، (رسالة في ليلة التنفيذ): مصورًا ما تلقاه على أيدى الطغاة.
أبتاه ماذا قد يحظ بنانى ... والحبل والجلاد منتظران
هذا الكتاب إليك في زنزانة ... مقرورة صخرية الجدران
قد عشت أؤمن بالإله ولم أذق ... إلا أخيرًا نعمة الإيمان
أبتاه أن طلع الصباح على الدنا ... وأضاء نور الشمس كل مكان
وأتى يدق كما تعود -بابكم ... سيدق باب السجن جلادان
وأكون يا أبتاه بعد هنيهة متأرجحًا ... في الحبل مشدودًا إلى الحيطان
ما ضرنى لو قد سكت وكلما ... زاد الأذى بالغت في الكتمان
أو لم يكن خير لنفسى أن أرى ... مثل الجموع أسير في أذعان
أهوى الحياة كريمة لا قيد ... لا إرهاب لا استخفاف بالإنسان
فإذا سقطت سقطت أحمل عزتى ... يغلى دم الأحرار في وجدانى
أنفاسك الحرى وإن هي أخمدت ... ستظل تغمر أفقهم بمعان
وقروح جسمك وهى تحت سياطهم ... صرخات حق يتقنها الجانى
لكن إذا انتصر الضياء ومزقت ... بيد الجموع شريعة القرصان
стр. 104
فلسوف يذكر في ويكبر همتى ... من كان في بلدى حليف هوان
إلى اللقاء تحت ظل عدالة ... قدسية الأحكام والميزان
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس،. . .) (١).
(ومن قدر اللَّه له دخول أحد السجون في البلاد التي لم تحكم بغير ما أنزل اللَّه ليستشعر تمامًا حديث رسول اللَّه ﷺ ، وهو يجلد بأنواع السياط التي تشبه أذناب البقر، وذات المقاسات المختلفة (١٢، ١٦، ١٨،. . . إلخ) والتى يتسابق الجلادون أعوان الظلمة، بل ويراهنون على من يستطيع أن يشق جلد السجين المسلم بضربة واحدة أو ضربتين -ناهيك عن آلات التعذيب التي لا تخطر على بال، جلادون ظلمة أشبه بالوحوش الكاسرة قلوبهم متحجرة، لذتهم الوحيدة رؤية السياط العنيفة تهوى على أجساد المؤمنين، وسماع أزيزها الحاقد المخلوط بأنين المظلومين على الأنماط البشرية الفريدة في عقيدتها المترفعة في إسلامها، والتى لا ذنب لها إلا أن قالت ربي اللَّه، فهذا مصلوب على خشبة، وهذا منكفئ على وجهه في دولاب التعذيب والسياط تمزق الجلد عن جسمه، وذاك تنزف الدماء من جبينه الذي لم ينحن إلا للَّه. . . أما العذاب الواقع على الفتيات المسلمات فحدث ولا حرج، فالقلم يخجل أن يسجل قاذورات أعوان الظلمة الطواغيت الذين يمارسون -قاتلهم اللَّه- احدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الغربية في بلاد أسيادهم في فن التعذيب والتنكيل بالسياط المحمومة كألسنة اللهب. وتيارات الكهرباء العالية والصلب و. . . والألفاظ القبيحة النابية، ناهيك عن الممارسات القذرة الوحشية في الإعتداء على الأعراض، ممَّا يدل
стр. 105
على حقد وكراهية للإسلام وأهله، نسأل اللَّه أن يكشف الغمة، وأن يهيئ للمسلمين طريق الخروج من هذه الفتنة، أنه سميع مجيب) (١).
أسمعت بالإنسان ينفخ بطنه ... حتى يرى في هيئة البالون؟
أسمعت بالإنسان يلهب ظهره بالسوط ... حتى يقول: أنا المسئ خذونى؟
وآسأل ثرى الحربى أو جدرانه ... كم من قتيل فيه أو مدفون
٣ - روى أحمد والحاكم والطبراني عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (سيكون في آخر الزمان شرطة يغدون في غضب اللَّه ويروحون في سخط اللَّه) (٢)
٤ - روى ابن حبان في (صحيحه) عن أبي سعيد وأبي هريرة عنهما قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : (ليأتين عليكم أمراء، يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم، فلا يكونن عريفًا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا) (٣).
في هذا الحديث يحث النبي ﷺ أمته أنه إذا ظهر هؤلاء الطغاة الذين يظلمون الناس ويذلون الأحرار ويبشرون بأفكار علمانية مستوردة فلا -يجوز شرعًا للمسلم أن يكون من أنصارهم ناهيك عن أن يكون في أعوانهم أو موظفيهم، وعلى المسلم أن يمتثل لأوامر اللَّه تعالى ويضع نصب أعينه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].
ويجسد في حياته معنى الولاء والبراء، الولاء للَّه ورسوله والمؤمنين والبراء
стр. 106
من اليهود والنصارى والمبتدعين والملحدين والعلمانيين وكل أعداء اللَّه والإسلام.
ثلاثون: ظهور الكاسيات العاريات والتقليد الأعمى لأعداء الإسلام
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتى مآخذ القرون قبلها شبرًا بشير، وذراعًا بذراع، قيل له: يا رسول اللَّه، كفارس والروم؟
قال: ومن الناس إلا أولئك؟) (١).
٢ - عن أبي سعيد الخدرى ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال:
(لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا حجر ضب لتبعتموهم، قلنا: يا رسول اللَّه، اليهود والنصارى؟؟
قال: فمن؟؟) (٢).
٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: قوم معهم سياط. . . ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة (٣) البخت (٤) المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وأن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا) (٥).
هكذا تحدث الرسول ﷺ عما يجرى من خطوب وما يحدث من فتن وما
стр. 107
يطرأ من عادات وتقاليد وشرائع ما أنزل اللَّه بها من سلطان، حيث انسلخت ثلة كبيرة من هذه الأمة ولا سيما شبابها وشاباتها عن قيم الأمة الإسلامية ومبادئها السامية نظرًا للانهزام الداخلى الذي يشعر به هؤلاء المقلدون للغرب والتوهم والانخداع بالمظاهر الجوفاء والتوحل في أتون الأهواء والشهوات.
إن الأمة التي عزفت عن قيمها ومبادئها وانتكست عن مصدر عزتها واستعلائها لا غير أنها أمة شقية ضالة، وإذا حدث هذا فأعلن أن الساعة توشك أن تكون أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد!!.
إن الاتباع الأعمى لليهود والمغضوب عليهم والنصارى الضالين والذين يمثلون في المصطلح الحديث (الغرب) هي مصيبة المصائب وهي الطامة التي نزلت بهذه الأمة، فقد أضحى وأمسى أبناء المسلمين ألعوبة بيد هؤلاء الغربيين فما من عادة إلا وأوحوها إليهم وما من منهج شيطانى إلا وصدروه، حتى أصبحنا كالنعاج الضالة التي تبحث عن صاحبها إزائهم، إنه التقليد الأعمى والتسليم المطلق لكل شئ غربي مستورد، وإنك لترى هذا مجسدًا في قوله ﷺ (شبرًا بشير) و (ذراعًا بذراع) و (حتى لو دخلوا ضب لدخلتموه)، وهذه كلها إشارات لشدة الاتباع والتقليد والاستسلام لكل ما يأتي منهم -الغرب- حتى غدا كثير ممن ينتسبون لهذه الأمة يكبرون كل شئ غربى لأنهم فتنوا بالقوة والتقدم الماديين لدى الغرب، ونظروا إلى حال المسلمين وواقعهم وقارنوا بين الواقعين، فتبلورت لديهم هذه الانهزامية المقيتة، والذنب ليس ذنب الإسلام ومبادئه بالنظر لواقع المسلمين، فالإسلام دين يدعو إلى العلم والتعليم والأخذ بناصية التقدم والتسابق في كل ما يدعو إلى القوة والحرية ولكن تداعى الأم الضالة علينا واستعمارهم لنا وأخذهم لكل شئ إيجابي في ديننا ونقلهم لعاداتهم السيئة إلينا وكأنه تقدم وتطور.
стр. 108
ونتيجة لهذا التقليد الأعمى للغرب الكافر وكثمرة من ثماره طفحت على ساحة المجتمعات الإسلامية عادة والتبرج من قبل ثلة كبيرة من نساء المسلمين، فقد أغوى الشيطان هؤلاء النسوة فانسلخن من لباس العفة والحياء، ولبسن ألبسة ضيقة شفافة تصف عوراتهن، وأرسلن شعورهن على مناكبهن غير آبهات ولا مكترثات لهذه الجريمة التي يفتن الشباب بها.
لقد وصف النبي ﷺ هؤلاء النسوة (كاسيات عاريات) لأنهن كاسيات في ظاهر الأمر ولكنهن في الحقيقة عاريات لأنهن يسترن شيئًا ويكشفن شيئًا آخرًا، ووصفن بأنهن
(مائلات مميلات) وذلك إمعان في الإغراء وإبداء الزينة وإظهار الفتنة على أشدها، فهن يملن أعجازهن وأعطافهن وأكتافهم ليجلبن أنظار الرجال إليهن، فقد سقطت المغيرة وبيع الشرف بعد أن ذهب العفاف وتبخرت المبادئ.
ووصفهن أيضًا بأنهن (رؤوسهن كأسنمة البخت) لأنهن يعملن التسريحات حسب الموضة التي تأتى من الغرب بطريقة التسريحة أو وصل الشعر بالباروكة وما إلى ذلك من ألاعيب وتفنن في الفتنة والإغراء.
إنها أسباب متعلقة الواحدة بالأخرى فالتحلل من القيم الإسلامية قال أغلب المسلمين إلى التخلى عن مبادئهم وانصرفوا عن أسمى شيء في هذا الوجود ألا وهو الدعوة إلى اللَّه وحب الإسلام والتبشير به والجهاد وسفك الدماء في سبيله، أدى هذا إلى نوم المسلمين وغفوتهم فقفز إلى أخذ زمام الأمور خروج الغرب والمنبهرين بمبادئه فنشروا الفساد وروجوا الإلحاد ووصموا الإسلام بالرجعية والتأخر، فأدى ذلك إلى فساد المجتمعات شيئًا فشيئًا وطفحت على الساحة هذه العادات السيئة ألا وهي السفور والفجور
стр. 109
كنتيجة لشعار (العصا والخبز) الذي رفعه هؤلاء الظالمون، وسياسة (السياط والجلد)، ففرضوا واقعًا غريبًا مستوردًا على أمة الإسلام، ومع تولى الأيام صرنا إلى ما صرنا إليه الآن.
إن النبي ﷺ يحذر أمته عن المبادئ والذوبان في بوتقة الحضارة الغربية، وإن من ينسلخ عن دينه ويعمل بما يملى عليه الغرب لا شك أنه من أهل السعير في الآخرة، فلا يجد الجنة ولا يشم ريحها.
إن الذي ينظر إلى أحاديث الرسول ﷺ في هذا المضمار يشم عبير الإعجاز، فالنبي ﷺ يصف هذه الحالات التي نعيشها ونراها في مجتمعاتنا وكأنه يعيش معنا، إنها النبوة، أجل إنها النبوة والوحى والإعجاز الإلهى.
إحدى وثلاثون: قطع المال والغذاء عن العراق وغيرها من بلاد المسلمين
١ - عن أبي نضرة قال: كنا عند جابر بن عبد اللَّه فقال: (يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز (١) ولا درهم.
قلنا: من أين ذاك؟
قال: من قبل العجم يمنعون ذاك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدى (٢). قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم. ثم سكت هنية ثم قال:. . . (٣).
وقد حدث هذا الحصار الإقتصادى قديمًا على العراق والشام أيام سيطرة
стр. 110
بريطانيا على بلاد المسلمين فحاصرت العراق والشام ومنعت عن هذين البلدين المسلمين المال والغذاء إلى أن انجلت هذه المحنة.
وقد تجدد هذا الظلم الغربي وقتنا الحاضر، وتمادى الغربيون في إثخان جراح المسلمين ومحاصرتهم ماديًا ومعنويًا وعلميًا وغذائيًا، حتى سقط آلاف الشهداء من الأبرياء نظرًا لفقدان الغذاء والدواء عن شعب العراق المسلم، وما ذنب هذه الشعوب المسلمة إلا لأن الغرب اللعين حاقد وجبان وينظر نظرة تخوف وارتياب إليها فربما مسكت بناصية العلم والتطور فتصبح هذه البلدان يومًا ما تضاهى إسرائيل المدللة من ناحية القوة العسكرية والاقتصادية، فهى تحاصر الشعوب وتملى سياسة الجوع والمرض والقتل باسم النظام العالمى الجديد.
وربما يحدث هذا للشام ولمصر وغيرها من دول المسلمين، فإن الغرب باستطاعته كتابة مسرحيات وإيجاد أبطال يمثلونها ليمرروا استراتيجيتهم وخططهم على شعوب المسلمين والعرب خصوصًا وما هذا التمادى والتبجح في حصار شعب العراق والإمعان في إثخان الجراح وتعدد أشكال القتل والتدمير إلا إرضاء إسرائيل المجرمة بنت الغرب المدللة، وما نراه ونشاهده ونعيشه من قتل وتعذيب وإذلال لشعب فلسطين ومحاولة وأد ثورة الحجارة المباركة وانتفاضة الأقصى (١) إلا خير شاهد على ذلك، والغرب اللعين يتفرج، بل العالم كله ينام ملأ جفونه ويطرب لأناة المعذبين وآهات الثكالى المستضعفين، ودماء الشهداء الخالدين، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.