← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 16989

كشف المنن في علامات الساعة والملاحم والفتن

محمود رجب حمادي الوليد

Полный текст (311 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

نصوص أخرى تعضد وتؤيد مبدأ لزوم الجماعة. ١ - عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال. (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) (١). ٢ - وقال ﷺ : (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ألا وهي الجماعة) (٢). وفى رواية أخرى: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) قال ابن حجر معلقًا على قول النبي ﷺ في صحيح البخاري: (تلزم جماعة من المسلمين وإمامهم) (وفى رواية الطبراني فإن رأيت خليفة فألزمه وإن ضرب ظهرك، فإنه لم يكن خليفة فالهرب. .) وفى رواية ابن ماجه (فلأن تموت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدًا منهم) (الجذل): عود ينصب لتحتك به الإبل. (قوله: وأنت على ذلك): أي العض، وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين). ثم قال ابن حجر: قال البيضاوى: (المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة ذلك الزمان، وعض أصل الشجرة: كناية عن مكابدة المشقة كقولهم فلان بعض الحجارة من شدة الألم. وقال ابن أبي جمرة: (في الحديث حكمة اللَّه في عباده، كيف أقام كلًا

стр. 142

منهم فيما شاء، فجب إلى أكثر الصحابة السؤال عن وجوه الخير ليعلموا بها -ويبلغوها غيرهم، وجب لحذيفة السؤال عن الشر ليجتبه ويكون سببًا في دفعه عمن أراد اللَّه له النجاة، وفيه سعة صدر النبي ﷺ ومعرفته بوجوه الحكم حتى كان يجيب كل من مسألة بما يناسبه) (١). ٣ - خطب عمر بن الخطاب ﵁ بالجابية (٢) فقال (أيها الناس أنى قمت فيكم كمقام الرسول ﷺ فإنا فقال: أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد) (٣). ٤ - عن الحارث بن الحارث الأشعرى وذكر حديثًا طويلًا وفيه عن النبي ﷺ قال: (وأنا آمركم بخمس أمرنى اللَّه بهن، السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة، فإن مكن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) (٤). قال ابن بطال: (مراد الباب الحض على الاعتصام بالجماعة لقوله (لتكونوا شهداء على الناس) وشرط قبول الشهادة العدالة، والمراد بالجماعة: أهل الحل والعقد من كل عصر). وقال الكرماني: (مقتضى الأمر بلزوم الجماعة أنه يلزم المكلف متابعة ما

стр. 143

أجمع عليه المجتهدون) (١) وقال القسطلاني في شرحه على البخاري (والجماعة التي أمر الشارع بلزومها جماعة أئمة العلماء لأن اللَّه تعالى جعلهم حجة على خلقه، واليهم تفزع العامة في أمر دينها، وقال آخرون: هم جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين). أحد عشر: الأمر بتعلم كتاب اللَّه ١ - قال حذيفة بن اليمان ﵁: (كان الناس يسألون رسول اللَّه ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر، وعرفت أن الخير لن يسبقني. قال: فقلت يا رسول اللَّه: بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة وشر. قلت، يا رسول اللَّه: بعد هذا الشر خير؟ فقال يا حذيفة تعلم كتاب اللَّه واتبع ما فيه، (ثلاث مرات) قلت يا رسول اللَّه: بعد هذا الشر خير؟ قال: هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء فيهم أو فيها. قلت يا رسول اللَّه: الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه. قلت: يا رسول اللَّه: بعد هذا الخير شر. قال: فتنة عمياء صماء، عليها دعاة على أبواب النار فإن مت يا حذيفة وأنت عاض على جذل، خير لك من أن تتبع أحد منهم) (٢).

стр. 144

٢ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه ولستم بتاركيه، يمنعكم من ذلك الفقر والحاجة، إلا أن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، إلا أن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، إلا أنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ولا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم. قالوا يا رسول اللَّه: كيف نصنع؟ قال كما صنع أصحاب عيسى بن مريم ﵊، نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة اللَّه، خير من حياة في معصية اللَّه) (١). ٣ - عن حذيفة قال: (لا تضرك فتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل) (٢). وإنما تحصل معرفة الدين بتعلم كتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ ليكون المرء على بينة من الأمر، فلا يختلط عليه الحق بالباطل فيقع بالباطل ظنًا أنه الحق وذلك يكون عند اتباع البدع والأهواء التي ما أنزل اللَّه من سلطان، أما إذا عرف المسلم دينه وأضحى على بينة من أمره فهو لا شك سوف لا تضره الفتنة إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 145

اثنا عشر: لماذا يكون القرآن هو العاصم عن الفتن، والمخرج منها ؟ ١ - لأن القرآن يصوغ المؤمن صياغة قرآنية، فيخرجه رجلًا ثابتًا صلبًا عزيزًا كريمًا يستعصى على الإفتتان، ويستعلى على الفتن. ٢ - يبصر المؤمن ببصائره القرآنية الهادية، فيكشف له حقيقة أعدائه، وأسلحتهم ووسائلهم ومكائدهم ضده، فلا تغبش نظرته، ولا تظلم طريقه، فيواجه الأعداء على بينة وبصيرة. ٣ - يحذر المؤمن من الإفتتان بالفتن حيث يعرفه عليها، وعلى أسسها وخلفيتها ويكشف له سرها وزخرفتها، ويريه غرورها وخداعها، ويكسبه بذلك المناعة والحصانة فلا يقع صريعًا لها. ٤ - يربط نظر المؤمن بالآخرة، ويجعله يعيش حياته في الدنيا غير مغتر بها وإنما أشواقه ونظراته وآماله موجهة إلى الجنة ونعيمها وخيراتها. ٥ - يعرف المؤمن على هدفه من الحياة وعلى وسائله لتحقيق هذا الهدف وعلى همته ووظيفته في الحياة، فلا يعود مفتونًا بتلك الفتن. ٦ - يوجه المؤمن إلى مواجهة الجاهلية، وتحدى الكفر والباطل ويقوم بتهيئته للمعركة وتعبئة قواه وحشدها للجهاد، فينوى هذا المؤمن مواجهة الفتن وأصحابها، ويتعامل معها بيقظة وبصيرة واستعلاء) (١). ثلاثة عشر: تمنى الموت إذا ظهرت الفتن ١ - عن أبي سلمة قال: (عدت أبا هريرة فقلت: اللهم اشف أبا هريرة فقال: اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمت، والذي نفسي بيده

стр. 146

ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول: ليتنى مكانه) (١). وقد كان أبو هريرة ﵁ يدعو اللَّه تعالى أن لا يبقيه إلى سنة ٦٠ هـ وما بعدها لأن النبي ﷺ كان قد أخبره بما سيحصل من الفتن والظلم الذي ينصب على المسلمين صبًا، وفى سنة ٦٠ هـ لأنت قد وقعت مذبحة الحرة حيث استبيحت مدينة الرسول ﷺ وقتل فيها ثلة من الصحابة، فكان أبو هريرة يدعو أن لا يبقى إلى ذلك العهد. أربعة عشر: أسباب كثرة الفتن في هذا الزمان لابد من وجود أسباب وعلل تؤدى إلى كثرة الفتن واستشرائها في الواقع، وقد أشرت إليها ليتسنى للمسلم معرفتها فيجتنبها ويحذر منها (٢) ١ - الإنحراف عن منهج اللَّه ، وإقصاء الإسلام عن الوجود الفعلي المؤثر في حياة المسلمين، وإحلال التصورات والنظم الجاهلية مكانه، وتحكمها في حياتهم. ٢ - مخالفة الرسول ﷺ كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. ٣ - تحكم الجاهلية في العالم، وقيادتها للبشرية وبخاصة في رأسيها: الرأس الصليبي الشيطاني المتمثل الآن في أمريكا، والرأس اليهودي الشيطاني المتمثل في تحكم اليهود في العالم وانشاء دولتهم على أرض فلسطين

стр. 147

٤ - التقدم المادى والعلمى والتكنلوجى المعاصر، الذي نتج عنه إنتاج العديد من الوسائل الإعلانية والإعلامية، التي لم تكن تخطر على بال أحد واستخدام هذه الوسائل أدوات للتغرير والخداع والتأثير في الآخرين. ٥ - ضعف التربية الإسلامية في بلاد المسلمين وقصور منهج التربية في المؤسسات التربوية والتعليمية وعجزها عن التأثير النافع القوى في الأجيال الناشئة، التي تتخرج بدون تربية مؤثرة أو حصانة قوية. ٦ - ضعف الصلة باللَّه، وعدم اللجوء والفرار إليه، وعدم العوذ به، وعدم الإعتصام بحبله المتين، ودينه القويم، فضلًا عن ضعف الصلة بالقرآن والإقبال عليه، والحياة في ظلاله، والحركة به. . . ٧ - حب الدنيا ونسيان الآخرة. خمسة عشر: ما موقف المسلم عند الفتن (١) ١ - الإعتصام بالكتاب والسنة. ٢ - الإلتفاف حول العلماء والدعاة إلى اللَّه. ٣ - لزوم جماعة المسلمين. ٤ - التسلح بالعلم الشرعى ثم العمل به. ٥ - الصبر. ٦ - كثرة التضرع والإبتهال إلى اللَّه ، ودعائه أن يكشف الغمة، وأن يرفع النبلاء وأن يهدى إلى الحق، وأنيثبت عليه بالتوبة والإستغفار. ٧ - الدعوة إلى اللَّه ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وبث

стр. 148

الطمأنينة في قلوب الناس، ورفع معنوياتهم، وخصوصًا في الفتن الكبرى. ٨ - الإكثار من الأعمال الصالحة من ذكر وصلاة وغيرها. ٩ - الثقة باللَّه وأن المستقبل للإسلام. ستة عشر: إعداد الإيمان وإكراه النفوس وفضل العبادة يخبر المصطفى ﷺ عن أيام تستشرى فيها الفتن وتشرأب القلوب إلى الحناجر، حيث تنتاب الناس أمور شداد وأهوال عظام، ويعتريهم زمن صعب فيه شدة ومرارة ويمتلك فيه الأراذل واللئام، ويسود فيه الفسقة والطغاة البهم والأسافل سادات الناس ووجهائهم، وفى ظل هذه الأيام المضنية التي تحدث عنها النبي ﷺ إذ يصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا وتكون باطن الأرض خيرًا من ظاهرها، ويضام أهل الحق ويعز أهل الباطل، في هذه الأيام يحثنا الصادق المصدوق ﷺ على إعداد الإيمان العميق والفهم الدقيق، الإيمان بحتمية الإستقامة على صراط اللَّه والصبر على هذه الإستقامة، الإيمان بأحقية منهج اللَّه، الإيمان بيوم الوقوف غدًا بين يدى اللَّه تعالى حثنا على العض على هذا الإيمان بالنواجذ، خوفًا من الإلتواء والذوبان في بوتقة الكفر والرذيلة، وإكراه النفوس على طاعة اللَّه وعدم الإنخراط والميل من الهوى وعند ذلك وعندما نكون كذلك في مستوى هذا التسامى والحب لطاعة اللَّه، يكون المصير والمال هو النعيم الدائم والسعادة الأبدية في بحبوحة الحنان في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولنقرأ معًا هذا النصح النبوى: قال ﷺ : (شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن الرحيل قريب، وتزودوا فإن السفر بعيد، وخففوا أثقالكم فإن روائكم عقبة كوؤدًا لا يقطعها إلا المخففون: أيها الناس: إن بين يدى الساعة أمورًا شدادًا وأهوالًا عظامًا يتملك فيه الظلمة ويتصدر

стр. 149

فيه الفسقة فيضطهد فيه الآمرون بالمعروف ويضام الناهون عن المنكر فأعدوا لذلك الإيمان وعضوا عليه بالنواجذ والجئوا إلى العمل الصالح واكرهوا عليه النفوس واصبروا على الضراء، تفضوا إلى النعيم الدائم) (١) وقال ﷺ : (العبادة في الهرج كهجرة إلى) (٢) حيث يشير النبي ﷺ إلى أفضلية الانقطاع إلى اللَّه تعالى والملاذ به في أيام الفتن والهرج حيث تكون للعبادة أفضلية خاصة، وذلك عندما تشراءب الأعناق إلى الدنيا وسفاسفها ويزهد الناس في الخير والطاعة، عند ذلك تكون العبادة كهجرة إلى رسول اللَّه ﷺ وللعابد المتمسك بدينه والصابر على طاعة اللَّه أجر المهاجر إلى رسول اللَّه ﷺ فهنيأً لمن تمسك بأهداب الكتاب والسنة وصبر على طاعة اللَّه في أيام الفتق فإن له الأجر العظيم في ذلك. قال ﷺ : "عبادة في الهرج والفتنة كهجرة إلى" (٣) * * *

стр. 150

الفصل الثالث ظهور الرايات السود وردت عدة أحاديث نبوية توحى بظهور أقوام من قبل المشرق شعارهم السواد، تجتاح هذه الرايات السود العالم العربى، وتخرج من خراسان صوب الغرب أي غرب خراسان وهى المنطقة العربية، ويكون فتح بيت المقدس وتطهيره على أيديهم، كما يتجلى ذلك من خلال أحاديث، ويكون ظهورها تمهيدًا وتوطئة لخروج المهدى الذي يملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت ظلمًا وجورًا وإليك هذه الأحاديث كما وردت في السنة: ١ - قال ﷺ : (يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم (١) قتلًا لم يقتله قوم -ثم ذكر شيئًا لا أحفظه- فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه، ولو حبوًا على الثلج فإنه خليفة اللَّه المهدى) (٢) الكنز الذي يتقاتل عليه أبناء الخليفة الثلاثة هو الكنز الذي يحسر عنه الفرات وأبناء الخليفة قد يعنى ثلاث دول تصطرع على هذا الكنز وقد يكون معناه زوال ثلاث دول وسيأتى الكلام لاحقًا عن إنحسار الفرات ٢ - قال ابن مسعود ﵁: (بينما نحن عند رسول اللَّه ﷺ إذ أقبل فتية من بنى هاشم، فلما رآهم النبي ﷺ اغرورقت عيناه وتغير لونه قال: فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئًا نكرهه؟

стр. 151

فقال: إنا أهل بيت اختار اللَّه لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتى سيلقون بعدى بلاء وتشريدًا وتطريدًا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتى، فيملؤها قسطًا كما ملؤوها جورًا فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوًا على ثلج) (١). ٣ - قال رسول اللَّه ﷺ : (تخرج من خراسان رايات سود لا يردها شئ حتى تنصب بإيلياء) (٢) قال ابن كثير عن هذا الحديث: (وهذه الرايات السود هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراسانى فآستلبت بها دولة بنى أمية في سنة ١٣٣ هـ بل رايات سود أخر تأتى بصحبة المهدى) (٣). * * *

стр. 152

الباب الثاني • الفصل الأول: علامات الساعة الكبرى. • الفصل الثاني: الملاحم والغزو وفتح القسطنتينية. • الفصل الثالث: الدجال الأكبر.

стр. 153

الفصل الأول علامات الساعة الكبرى تمهيد بعد ذكر علامات الساعة الصغرى وما يتخللها من الفتن وتغير الأحوال واضطراب الموازين، اذكر في هذا الفصل وما بعده العلامات الكبرى، وأول هذه العلامات ظهور المهدى، ومن العلماء من يعتبر خروج الدجال أول العلامات الكبرى، على خلاف بينهم، وعلامات الساعة الكبرى على نوعين: مألوفة وغير مألوفة أما العلامات المألوفة فهي: ظهور المهدى، خروج الدجال، نزول عيسى بن مريم من السماء، خروج يأجوج ومأجوج، وهذه كلها أمور اعتيادية في ظاهرها، لأنهم بشر عاديون. أما العلامات غير المألوفة فهي: طلوع الشمس من المغرب لا من جهتها التي اعتاد الناس عليها منذ خلق البشرية، وخروج الدابة التي تكلم الناس إلى آخر ذلك من الآيات التي توحى باضطراب في الأمور مذهل للبشرية. قال ابن حجر في الفتح: (والذى يترجح من مجموع الأخبار، أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهى ذلك بموت عيسى ﵇، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام الموذنة بتغير أحوال العالم العلوى وينتهى ذلك بقيام الساعة) (١).

стр. 154

ونحن في هذا الفصل بصدد الكلام عن علامات الساعة الكبرى المألوفة، وأولها ظهور المهدى ثم الدجال وعيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وهلاكهم تنتهى بهذه الحادثة علامات الساعة الكبرى المألوفة، ثم تظهر بعد ذلك العلامات الغير مألوفة وأولها ظهور الشمس من المغرب إلى آخر ذلك من العلامات وسيأتى الكلام عنها في حينه. وسأذكر في هذا الفصل الآيات القرآنية الواردة عن كل علامة إن وجدت وإلا فسوف أعرج على أحاديث النبي ﷺ التي تحدثت عن كل موضوع من هذه العلامات ذاكرًا آراء علمائنا الأجلاء وتعليقاتهم عليها، محللًا وموضحًا لذلك ما استطعت واللَّه المستعان. على أن الراجح أن خروج المهدى من العلامات الكبرى، إذ هو مؤيد من قبل اللَّه حيث يخسف اللَّه الأرض بالطاغية السفيانى الذي يخرج من الشام لمقاتلته والقضاء عليه، ثم أن المهدى يعاصر السيد المسيح رسول اللَّه ﷺ وشهد هلاك الدجال على يديه، فكيف لا يكون المهدى من العلامات الكبرى؟ واللَّه أعلم. والآن نشرع في ذكر أول هذه العلامات وهو خليفة اللَّه المهدى ﵁. أولًا: خليفة اللَّه المهدى هو رجل من أهل بيت النبي محمد ﷺ عالم ربانى مجدد لهذا الدين يخرجه اللَّه تعالى ليعز به الإسلام والسلمين، يملأ الأرض عدلًا ورحمة بعد أن ملئت ظلمًا وجورًا، ينصر اللَّه به ملة التوحيد، فتقر عيون المؤمنين وتشفى صدور الموحدين، فيخذل الكفر والضلال، وينزوى الملحدون والحاقدون ويعم الخير والبركات والرفاه والتوادد بين الناس أيام حكمه.

стр. 155

يكون قائدًا للمسلمين الذين يعبئون أنفسهم لمقاتلة الدجال، حيث تكون دولته الإسلامية قائمة بقيادته، وعاصمتها دمشق وينزل السيد المسيح عيسى بن مريم ﷺ فيقوى دولته، ويقتل الأعور الدجال بين يديه، وتقام الصلاة في المسجد الأقصى، فيقدم المهدى عيسى بن مريم ﷺ ليصلى بهم إمامًا، فيأبى ويقول (إمامكم منكم) ويصلى مأمومًا خلف المهدى. يولد ولادة طبيعية من أم وأب، خلاف ما يروج عنه الروافض، من أنه غائب حى في سرداب سامراء، ويدرس العلم الشرعى في المدينة المنورة، لا يعرفه الناس، إلى ان يبلغ سنًا معينًا فيصلحه اللَّه في ليلة ويبايعه المسلمون خليفة لهم وقائدًا أمينًا شجاعًا، فيوفقه اللَّه لهذه المهمة الملقاة على كاهله، حيث ينهى صولة الظلم والظالمين في الأرض وإلى الأبد، ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون. • اسمه: محمد بن عبد اللَّه. • كنيته: أبو عبد اللَّه. • أوصافه: (أجلى الجبهة، اكحل العينين، براق الثنايا، في خده الأيمن خال كث اللحية، اقنى الأنف، في كتفه علامة النبي ﷺ ، يشبه النبي ﷺ في الخلق ولا يشبهه في الخلق أسمر، مقوس الحاجب، مشرق اللون) (١).

стр. 156

ثانيًا: أحداث قبل وبين يدى خروجه ١ - عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول ﷺ (يقتل عندكم كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، لا يصير إلى واحد منهم ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم، ثم يجئ خليفة اللَّه المهدى فإذا سمعتم به فأتوه ولو حبوًا على الثلج، فإنه خليفة اللَّه المهدى) (١). والمقصود بالكنز هنا الذي يتقاتل عليه أبناء الخلفاء، وهو الكنز الذي يحسر عنه نهر الفرات وهذا رأى الشيخ على بن حسام المشهور بالمتقى الهندي (٢) وأما خروج الرايات السود فقد تقدم الكلام عنها سلفًا. ٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن مجاهد قال (حدثنى فلان -رجل من أصحاب النبي ﷺ أن المهدى لا يخرج حتى تقتل النفس الزكية، فإذا قتلت النفس الزكية غضب عليهم من في السماء ومن في الأرض، فأتى الناس المهدى فزفوه كما تزف العروس إلى زوجها ليلة عرسها، وهو يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، وتخرج الأرض نباتها وتمطر السماء مطرها وتنعم أمتى مدة ولايته لم تنعمها قط) (٣). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ (يخرج رجل يقال له

стр. 157

السفيانى في عمق دمشق، وعامة من يتبعه كلب (١) فيقتل حتى تبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان فيجتمع له قيس (٢) فيقتلها حتى لا يمتع ذنب تلعة، ويخرج رجل من أهل بيتى في الحرة (٣)، فيبلغ السفيانى فيبعث إليه جندًا فيهزمهم اللَّه فيسير إليه السفيانى بمن معه، حتى إذا صار ببيداء (٤) من الأرض خسف بهم، فلا ينجو إلا المخبر عنهم) (٥). ٤ - عن أم سلمه زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم البيداء بين مكة والدينة، فإذا رآى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق (٦) فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش، أحواله كلب، فيبعث إليهم بعثًا فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم، ويلقى الإسلام بجرانه (٧) إلى الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلى عليه

стр. 158

المسلمون) (١). ٥ - عن عبيد اللَّه بن حارث بن نوفل ﵁ قال: (كنت وافقًا مع أبي بن كعب فقال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا، قلت: أجل، قال: فإنى سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركن الناس يأخذون منه ليذهبن به كله، قال: فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون (٢). ٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيقتل منة كل مائة تسعة وتسعون، فيقول كل رجل منهم لعلى أكون أنا أنجو) (٣). ٧ - وفى رواية أخرى: قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا) (٤). ٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تقئ الأرض أفلاذ كبدها (٥)، في مثل الأسطون من الذهب والفضة فيجئ القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجئ القاطع فيقول، في هذا قطعت رحمى، ويجئ السارق فيقول: في هذا قطعت يدى ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا" (٦).

стр. 159

٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلى أكون أنا الذي أنجو) (١). قال ابن حجر حول الكنز الذي يحسر عنه الفرات: (والذى يظهر أن النهي عن أخذه لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه) ثم قال: وقد خرج ابن ماجة عن ثوبان رفعه قال: يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم بن خليفة فذكر حديث المهدى فهذا إن كان المراد بالكنز فيه الكنز الذي في حديث الباب دل على أنه إنما يقع عند ظهور المهدى وذلك قبل نزول عيسى وخروج النار جزمًا واللَّه أعلم) (٢). ثالثًا: كلمة عن انحسار الفرات ١ - أخبر النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة أن نهر الفرات سينحسر عن جبل أو كنز من ذهب، يقتتل عليه الناس أو تقتتل عليه ثلاث دول حسب اختلاف الروايات. ٢ - لم يحدثنا رسول اللَّه ﷺ حديثا إلا ورأيناه في واقعنا رأى العين وعشناه بقلوبنا وأجسادنا وأرواحنا، وكلما رأينا ذلك نقول: صدق رسول اللَّه ﷺ . ٣ - تواردت الأنباء عن قيام تركيا بإنشاء خمسة وعشرين سدًا على نهر الفرات داخل حدودها الإقليمية، وسيتم إكمال هذه السدود عام ٢٠٠٥ م، وأشهر هذه السدود (الخزانات) وأكبرها السد المسمى (سد

стр. 160

أتاتورك). ٤ - إذا كملت هذه السدود فستكون تركيا هي المسيطرة على مياه الفرات وسوف تتحكم بمقدار الكمية التي تصل إلى جاراتها سوريا ثم العراق اللتين يمر نهر الفرات عبر أراضيهما. ٥ - علينا أن نتذكر العلاقة الحميمة والاستراتيجية بين حكام تركيا وإسرائيل. ٦ - هناك تنبؤات سياسية تقول: إن حربًا قادمة ستنشب في غضون السنين المقبلة، وستكون حرب مياه. ٧ - ربما تخطط إسرائيل الآن أو مستقبلًا للسيطرة على منابع الفرات وذلك بالتنسيق مع حكام تركيا أصحاب العلاقة الحميمة معها. ٨ - الأيام التي نعيشها الآن تشهد أزمة جفاف لا سيما المنطقة العربية وبروز ظاهرة (التصحر) حيث قلة الأمطار: مما ينطوى على هذا قلة السيولة المائية في العيون والأنهار، وما يترتب على ذلك من مخاطر وأزمات. ٩ - يشهد نهر الفرات حاليًا نقصًا حادًا في مياهه، وهناك سوء تفاهم بين الدول التي يمر بها الفرات (تركيا، سوريا، العراق) حول الكمية المطلوبة من قبل تركيا إلى سوريا ثم العراق. ١٠ - هذه الملاحظات أضعها بين يديك -عزيزى القارئ الكريم- واعتبرها تمهيدًا لجفاف الفرات ومقدمة لانحساره. واللَّه أعلم بالغيب وحده. رابعًا: يتبين من خلال النصوص ما يلى: ١ - أن الكنز الذي يقتل عليه أبناء الخليفة هو الكنز الذي يحسر عن الفرات وهذا رأى ابن حجر العسقلاني والمتقى الهندي.

стр. 161

٢ - هذا الإقتتال عن كنز الفرات يكون عند ظهور المهدى إذ أن الناس لا يزالون مختلفة أعناقهم في حب الدنيا والتنافس عليها ولم تكن لديهم صحوة الحق التي تثنيهم عن الإقتتال على كنز الفرات، حيث يقتل من كل مائة تسعة وتسعون. ٣ - حرمة الأخذ من كنز الفرات كما ثبت ذلك النهي عن النبي ﷺ . ٤ - خروج الرايات السود من قبل المشرق توطئة لظهور المهدى ويأتى المهدى كثمرة لهذا الجهاد، إذ أن هذه الرايات تتغلغل صوب المسجد الأقصى حتى تحرره: ٥ - يعم في سنى المهدى الرخاء والخير، وتظهر البركات من السماء والأرض، حيث لا تدع السماء فطرًا إلا صبته، ولا تدع الأرض نبتًا إلا أنبتته. ٦ - نزول الأحقاد والضغائن بين الناس - إذ كانوا قبل المهدى منهمكين في استجلاب أكبر قدر ممكن من حطام الدنيا، ويعود -بظهور المهدى- الإيمان واليقين والقناعة إلى النفوس، ويضمحل الطمع ويزول، إذ هو السبب الحقيقى في النزاع والتنافس بين الناس. ٧ - يسود الرخاء الإقتصادى، إذ أن المهدى يحثو المال حثييًا ولا يعده عدًا، فتنعم الأمة نعمة لم تنعمها من قبل قط. ٨ - يتصدى الطاغية السفيانى واسمه (عتبة بن هند) (١) للمهدى ويبعث إليه بعثًا من جنوده فيقتلهم أنصار المهدى، ثم يتوجه السفيانى بجيشه لمقاتلة المهدى، فيخسف اللَّه بهم الأرض في ذي الحليفة بين مكة والمدينة. ٩ - يخرج المهدى في وقت عم فيه الفساد والكفر حتى لا يكاد أحد يجرؤ

стр. 162

على أن يقول (اللَّه، اللَّه) إلا قتل وهذا على العموم، إذ أن الطائفة المؤمنة والجماعة المقاتلة على الحق لا تزال موجوده وتبقى ثابتة على العهد لا يصرها من خالفها وخذلها حتى يقاتل آخرهم الدجال بقيادة المهدى ومن ثم عيسى رسول اللَّه ﷺ (١). ١٠ - أبدال الشام وعصائب ما أهل العراق، أما أبدال الشام فهم الصالحون من العباد المجاهدين وقد ورد فيهم حديث صحيح في مسند الإمام أحمد كما ذكرت سلفًا، وعصائب أهل العراق هم عشائر العراق المسلمة لربها والمؤمنة بدينها وعقيدتها ينضوون جميعًا تحت راية المهدى، كجنود للحق وأنصار للإسلام. ١١ - يهرب المهدى من المدينة إلى مكة بعد أن يعرفه الناس، وهذا الهرب يكون لزهده بالإمارة والخلافة فيحصره الناس بين الركن والمقام في بيت اللَّه الحرام ويضطرونه إلى أن يقبل بالبيعة خليفة للمسلمين وقائدًا للموحدين ومجددًا لمنهج رب العالين. ١٢ - يحكم سبع سنين وعمل بكتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ ويكون سلطانه عالميًا والغلبة في الأرض والسيادة له وللمسلمين من أنصار، فينعم الناس جميعًا بنعمة الإسلام. ١٣ - يصلى خلفه السيد المسيح، رسول اللَّه ﷺ حيث يكون إمامًا للمسلمين في حرم المسجد الأقصى. ١٤ - يكون أول الأمر من المشرق ثم المدينة المنورة ثم ينكشف أمره للناس ويعرفونه فيهرب إلى مكة، ويتبعه المسلمون يبايعونه إمامًا لهم ويستقر ملكه

стр. 163

في الشام. ١٥ - واجب على كل مسلم أن يقدم له الولاء والنصرة وأن يأتيه ولو حبوًا على ثلج. خامسًا: المهدى في السنة النبوية ١ - قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمير تكرمه اللَّه لهذه الأمة) (١). الأمير هنا: هو المهدى إذ يصلى إمامًا وخلفه سيدنا عيسى بن مريم رسول اللَّه في المسجد الأقصى. ٢ - قال النبي ﷺ : (تملأ الأرض ظلمًا وجورًا، فيقوم رجل من عترتى فيملؤها قسطًا وعدلًا، يملك سبعًا أو تسعًا) (٢). ٣ - قال النبي ﷺ : (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول اللَّه ذلك اليوم حتى يبعث اللَّه رجلًا منى -أو من أهل بيتى- يواطئ اسمه اسمى، واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت ظلمًا وجورًا) (٣). ٤ - قال النبي ﷺ : (المهدى من عترتى من ولد فاطمة) (٤). ٥ - قال النبي ﷺ : (المهدى منى، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض

стр. 164

قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، ويملك سبع سنين) (١). ٦ - قال النبي ﷺ : (إن في أمتى المهدى يخرج ويعيش خمسًا أو سبعًا أو تسعًا -الشك من الراوى- قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين. قال: فيجئ إليه الرجل فبقول: يا مهدى أعطنى، أعطنى قال: فيحثو له في ثوبه ما استطاع أن يحمله) (٢). ٧ - قال النبي ﷺ : (يكون في أمتى خليفة يحثو المال حثيًا ولا يعده عدًا) (٣). ٨ - قال النبي ﷺ : (أبشركم بالمهدى، بعث على إختلاف من الناس وزلازل، فيملًا قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحًا، ويملأ اللَّه قلوب أمة محمد ﷺ غناء ويسعهم بعدله. . . إلى أن قال:. . .فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثم لا خير في العيش بعده) (٤). ٩ - قال النبي ﷺ : (كيف أنتم إذا نزل بن مريم فيكم، وإمامكم منكم) (٥). ١٠ - قال النبي ﷺ من حديث جابر في الدجال ونزول عيسى بن مريم له: (. . . إذا هم بعيسى، فيقال: تقدم يا روح اللَّه، فيقول: ليتقدم إمامكم بكم) (٦).

стр. 165

١١ - قال النبي ﷺ حديث أبي أمامة: (. . . وكلهم -المسلمون- ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، وقد تقدم ليصلى بهم، إذ نزل عيسى، فرجع الإمام ينكص ليتقدم عيسى، فيقف عيسى بين كتفيه ثم يقول: تقدم فإنها لك أقيمت) (١). قال الحافظ ابن حجر: (وفى صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأمة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة، دلالة للصحيح من الأقوال أن الأرض لا تخلوا عن قائم للَّه بحجة واللَّه أعلم) (٢). ١٢ - قال النبي ﷺ (. . . يعمل على هذه الأمة سبع سنين وينزل بيت المقدس) (٣) ١٣ - قال النبي ﷺ (لن تهلك أمة أنا أولها وعيسى بن مريم في آخرها والمهدى في وسطها) (٤). ١٤ - عن عبد الرحمن بن سمره ﵁ قال: (بعثنى خالد بن الوليد بشيرًا إلى رسول اللَّه ﷺ يوم مؤتة (٥)، فلما دخلت عليه، قلت: يا رسول اللَّه، فقال على رسلك (٦) يا عبد الرحمن أخذ اللواء زيد بن حارسة، فقاتل حتى قتل، رحم اللَّه زيدًا، ثم أخذ اللواء جعفر، فقال، رحم اللَّه جعفر، ثم أخذ اللواء

стр. 166

عبد اللَّه بن رواحة، فقاتل فقتل، رحم اللَّه عبد اللَّه، ثم أخذ اللواء خالد، ففتح اللَّه لخالد، فخالد سيف من سيوف اللَّه، فبكى أصحاب الرسول ﷺ فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: وما لنا لا نبكى وقد قتل خيرنا وأشرافنا وأهل الفضل منا!! فقال: لا تبكوا فإنما مثل أمتى مثل حديقة قام عليها صاحبها، فاجثت زواكيها وهيأ مساكنها وحلق سعفها (١)، فأطعمت عامًا فوجًا ثم عامًا فوجًا فلعل آخرها طعمًا يكون أجودها قنوانًا وأطولها شمراخًا (٢) والذى بعثنى بالحق نبيًا، ليجدن عيسى بن مريم في أمتى خلفاء من حوارييه) (٣). ١٥ - قال رسول اللَّه ﷺ : (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوله اللَّه حتى يملك رجل من أهل بيتى جبل الديلم والقسطنطينية مدينة الروم وتفتح عند خروج الدجال) (٤). وسيأتى عنها الكلام لاحقًا. سادسًا: الطائفة المنصورة: قال الشيخ الكشميري عند حديث: (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين حتى يأتي أمر اللَّه وهم ظاهرون). (أي: لا يخلو زمان إلا وتوجد فيه تلك

стр. 167

الطائفة على الحق، إلا أنهم يكثرون في كل زمان، ولا أنهم يغلبون على من سواهم. حتى أن غلبة الدين في زمن عيسى ﵊ عندى كما ليس اشتهر على الألسنة، بك الموعود هو الغلبة، حيث يظهر ﵊ وفيما حواليه، أما فيما وراء ذلك فلم يتعرض إليه الحديث، والمعلومات كلها واردة في البلاد التي يظهر فيها، ولا تتجاوز فيما وراءها، وإنما هو من بداهة الوهم والسبق إلى ما اشتهر بين الأنام) (١) ولعل حديث النبي ﷺ القائل: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس. . .) (٢) يعضد هذا الرأى، إذ أن عيسى ﵊ يسيطر على رقعة معينة من الأرض، لا كل الأرض، وتكون الشام مسرحًا للعمليات الجهادية التي تحدث بينه وبين مناوئيه وأولهم الدجال وتكون دمشق ثم القدس عاصمة له على أن نفوذ الروم ينحسر انحسارًا كبيرًا ويضعف ويسلم كثير منهم وسيأتى الكلام عن هذا خلال فصل الملاحم لاحقًا. • وقال الإمام النووي في بيان هذه الطائفة المنصورة: (يجوز أن تكون هذه الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وزاهد وعابد. ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد،،، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز اجتماعهم في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم

стр. 168

أولًا فأولًا، إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر اللَّه) (١). قال ابن حجر في الفتح: (قال ابن المدينى: هم أصحاب الحديث، ثم قال: واخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدرى من هم) (٢). وقد أورد الإمام البخارى قول النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق وهم أهل العلم). وكذلك أورد الإمام البخارى في صحيحه قول النبي ﷺ :) (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين حتى يأتيهم أمر اللَّه وهم ظاهرون). قال ابن حجر معلفا على هذا الحديث: (حتى يأتيهم أمر اللَّه وهم ظاهرون) (أي على من خالفهم أي غالبون، أو المراد بالظهور أنهم غير مستترين بل مشهورين والأول أولى، وقد وقع عند مسلم من حديث جابر بن سمرة (لن يرح هذا الدين قائمًا تقاتل عليه عصبة من المسلمين حتى تقوم الساعة) وله في حديث عقبه بن عامر (لا تزال عصابة من أمتى يقاتلون على أمر اللَّه قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة). . . ثم قال ابن حجر: (إن شرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة يكونون بموضع مخصوص، وأن موضعًا آخر يكون به طائفة يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالفهم، (قيل يا رسول اللَّه وأين هم؟

стр. 169

قال: ببيت المقدس) (١). هذا وقد وردت أحاديث كثيرة بمعنى واحد كلها تشير إلى بقاء الطائفة، المنصورة التي لا يضرها من خالفها، وتنتصر على من يتصدى لها، ويقاتل أفرادها الدجال وهم ظاهرون على الحق وإلى أن تقوم الساعة. ولا داعى إلى سردها كلها وهى أحاديث صحيحة. * * *

стр. 170

الفصل الثاني الملاحم والغزو وفتح القسطنطينية أولًا: الملاحم سأقتصر على ذكر الأحاديث التي وردت حول مقاتلة المسلمين للروم والذين يمثلون المعسكر الغربى في المصطلح الحديث، وما دار بين المعسكرين من ملاحم وقتال، حيث تكون للمسلمين دولة تحميهم وجيش يذود عن حمى الدين والذى أراه أن ذلك يكون أيام المهدى وبقيادته، ولأن هذا الجيش العرمرم وهذه القوة المنتظمة لا تكون للمسلمين قبل خروج المهدى، وخروج المهدى يكون إنقاذًا للمستضعفين، فكيف يكون لهم جيش منظم؟ ثم أن حديثًا من رواية أبي داوود يوحى بأن المهدى يملك جبل الديلم والقسطنطينية، وقد مر ذكره في باب المهدى بالرقم ١٤. وهذا نصه عن رسول اللَّه ﷺ : (ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّلَه اللَّه حتى يملك رجل من أهل بيتي جبل الديلم والقسطنطينية) وكذلك ورد حديث عن قيادة المهدى للمسلمين عند مقاتلة الروم وسيأتى قريبًا. وهذا الحديث يؤيد ما ذهبت إليه وكذلك حديث خروج أهل الحجاز الذين هم روقة الإسلام لمقاتلة الروم سيأتى لاحقًا. ثم إن الأحاديث تشير إلى أن هذا الجيش الإسلامى عند فتحه لروما والشروع باقتسام الغنائم، يصيح فيهم صائح: إن الدجال قد خرج في داركم فيرجعون إلى الشام. . . فكيف يخرج الدجال والمهدى غير موجود؟ إذن فهذه الملاحم يشهدها المهدى ويكون قائدًا للمسلمين.

стр. 171

ثانيًا: الملاحم في السنة النبوية ١ - عن نافع بن عقبه قال: (حفظت من رسول اللَّه ﷺ قال: (تغزون جزيرة العرب فيفتحها اللَّه، ثم فارس فيفتحها اللَّه، ثم تغزون الروم فيفتحها اللَّه، ثم تغزون الدجال فيفتحه اللَّه). فقال نافع: يا جابر لا نرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم) (١) ٢ - وعن ذي مخمر عن النبي ﷺ : (قال: (ستصالحون الروم صلحًا آمنًا فتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم، فتنصرون وتغنمون وتسلمون ثم ترجعون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول (٢)، فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب فيقول. غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيدقه، فعند ذلك تغدر الروم وتجمع للملحمة) (٣). وفى رواية لأبن ماجة: (فيجتمعون للملحمة فيأتون حينئذ تحت ثمانين غاية (٤)، تحت كل غاية إثنا عشر ألفًا) (٥). ٣ - عن عمرو بن عوف قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تكون أدنى مسالح المسلمين ببؤلاء (٦). ثم قال رسول اللَّه ﷺ : يا على. يا على يا على، قال بأبى أنت وأمى قال: إنكم ستقاتلون بنى الأصفر (٧)

стр. 172

ويقاتلهم الذين من بعدكم حتى تخرج إليهم روقة الإسلام أهل الحجاز الذين لا يخافون في اللَّه لومة لائم، فيفتتحون القسطنطينية بالتسبيح والتكبير، فيصيبون غنائم مثلها، حتى يقتسموا بالأترسة ويأتى آت فيقول: إن المسيح قد خرج في بلادكم، إلا وهى كذبة، فالآخذ نادم والتارك نادم) (١). ٤ - عن أبي هريرة عن رسول اللَّه ﷺ قال: (سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ نعم يا رسول اللَّه قال (لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بنى إسحاق، فإذا جاؤها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، فيقسط أحد جانبيها الذي في البحر، ثم يقول الثانية: لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا، فبينما هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج) (٢). ثالثًا: غزو المعسكر الغربى لبلاد المسلمين ١ - عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق (٣) فيخرج إليهم جيش من المدينة (٤) من خيار أهل الأرض يومئذ فإذا تصافوا قالت الروم: خلو بيننا وبين الذين سبوا منا

стр. 173

نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا واللَّه لا نخلى بينكم وبين إخواننا (١)، فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب اللَّه عليهم أبدًا ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند اللَّه، ويفتح الثلث لا يفتنون أبدًا فيفتحون قسطنطينية (٢) فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون وذلك باطل فإذا جاءوا الشام خرج (٣)، فبينما هم يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم فأمهم (٤) فإذا رآه عدو اللَّه ذاب كما يذوب الملح في الماء فلو تركه لا يذاب حتى يهلك، ولكن يقتله اللَّه بيده (٥)، فيريهم دمه في حربته) (٦). ٢ - عن يسير بن جابر قال: (هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجار رجل ليس له هجيرى (٧) فقال ألا يا عبد اللَّه بن مسعود جاءت الساعة فقال: فقعد وكان متكئًا فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح

стр. 174

بغنيمه، ثم قال بيده هكذا ونحاها نحو الشام فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام: قلت الروم تعنى؟ قال: نعم. وتكون عند ذلكم القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة (١) للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفئ هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد (٢) إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل اللَّه الدائرة عليهم، فيقتتلون مقتله -أما قال: لا يرى مثلها وإما قال: لم يرى مثلها- حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتًا، فيتعاد (٣) بنوا الأم كانوا مائة -فلا يجدونه بقى منهم إلا الرجل الواحد (٤) فبأى غنيمة يفرح أو أي ميراث يقسم؟ فبينما هم كذلك، إذا سمعوا ببأس هو أكبر (٥) من ذلك، فجاءهم الصريح: أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما بأيديهم ويقبلون فيبعثون- عشرة فوارس طليعة، قال رسول اللَّه ﷺ (إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم حير فوارس على ظهر الأرض يومئذ وقال: من خير فوارس) (٦). ٣ - وفى حديث آخر عن بن عوف بن مالك قال: (أتيت رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك فقال: أعدد ستًا بين يدى الساعة: موتى ثم فتح بيت المقدس

стр. 175

ثم. . .ثم تكون هدنة بينكم وبين بنى الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا) (١). فتح القسطنطينية ٤ - قال رسول اللَّه ﷺ : (يحبس الروم على وال من عترتى اسمه يواطئ اسمى، فيقبلون بمكان يقال له العماق، فيقتتلون، فيقتل من المسلمين الثلث أو نحو ذلك ثم يقتتلون يومًا آخر، فيقتل من المسلمون نحو ذلك، ثم يقتتلون اليوم الثالث فيكون على الروم (٢)، فلا يزالون حتى يفتحوا القسطنطينية فبينما هم يقتسمون بالأترسة إذا أتاهم صارخ أن الدجال قد خلفكم في ذراريكم) (٣). هكذا تحدث رسول اللَّه ﷺ عن القتال الذي يدور بين المسلمين بقيادة المهدى، وغزوهم لبلاد الروم وفتح رومية والتى تسمى اليوم (روما) على أيديهم وكذلك القسطنطينية كما ورد في الأحاديث، وكذلك غزو الروم لبلاد المسلمين ومعقلهم الشام وما يجرى بينهم من القتل الشديد وسقوط الشهداء الذين هم خيرة أهل الأرض يومئذ. وجاء في هامش الصحيح قوله عن المدينة: (هذه المدينة في الروم وقيل الظاهر أنها قسطنطينية، ففى القاموس: هي دار ملك الروم وفتحها من أشراط الساعة ويحتمل أنها مدينة غيرها، يلهو الظاهر، لأن قسطنطينية تفتح بالقتال الكثير وهذه المدينة تفتح بمجرد التهليل والتكبير) (٤).

стр. 176

(وبما أن القسطنطينية قد فتحت على يد (محمد الفاتح) يرحمه اللَّه فلابد أن تكون المدينة التي تفتح قبل الدجال مباشرة هي مدينة آخرى، والأرجح أنها مدينة (روما) أو رومية، ويظهر أنها كانت تسمى بالقسطنطينية أيضًا نسبة إلى (قسطنطين) الذى شجع الدين النصرانى وأطلق الحرية له في روما وبأمره عقد المجمع المسكونى الأول للنصرانية عام ٣٢٥ م). وقد يفهم هذا -أي أن المدينتين كان لهما نفس الاسم- من حديث عبد اللَّه بن عمرو قال: (بينما نحن حول رسول اللَّه ﷺ أي المدينتين تفتح أولًا؟ القسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولًا، يعنى القسطنطينية) (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (فتح القسطنطينية مع قيام الساعة) (٢). ومن هذا يفهم أن المراد بالمدينة التي تفتح بين يدى الساعة هي (روما) الحالية، التي جانب منها في البحر ولآخر في البر أما عن القسطنطينية فقد فتحت قديمًا كما مر وتسمى إسطنبول. قال الأستاذ زاهد الزرقي معلقًا حول هذه الأحاديث: (والمدة الزمنية التي تستغرقها هذه الأحداث قد وردت في حديثين مختلفين: أحدهما: عن عبد اللَّه بن بسر أن رسول اللَّه ﷺ قال: (بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين ويخرج الدجال في السابعة) رواه أبو داود ابن ماجة واللفظ له.

стр. 177

والثانى: عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: (الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر) رواه أبو داوود بلفظه والترمذي. وهذان الحديثان لا يمكن الجمع بينهما فلا بد من ترجيح أحدهما، والراجح -واللَّه أعلم- هو الحديث الثاني وذلك لأن الملحمة الكبرى ستحصل في زمن المهدى، وبما أن مدة حكم المهدى هي سبع سنين -أو تسع، كما وردت في بعض الروايات، وبما أن الأحاديث تدل على أن أيام المهدى هي أيام خير وبركة، فالظاهر أن الأيام الأولى من تولِّيه ستكون أيام فتن وحروب: جيش الشام الذي يخسف به، وبعث كلب الملحمة الكبرى، وفتحه روما، ثم الدجال، ومكث الدجال في الأرض أربعين يومًا، منها يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كأسبوع وبقية أيامه إعتيادية أي سنة وشهرين ونصف يضاف إليها سبعة أشهر هي المدة التي بين الملحمة الكبرى وخروج الدجال، فيكون المجموع سنة وتسعة أشهر ونصف، فإذا كانت المدة بين بيعة المهدى والملحمة الكبرى شهران ونصف فإن المجموع سيصبح سنتان، ثم يعقب ذلك سبع سنوات من الخير والرخاء فيكون المجموع تسع سنين أو ثمان، إذا اعتبرنا فترة مكث الدجال في الأرض أربعين يومًا باعتبار شروق الشمس وغروبها لا باعتبار الساعات. ويستأنس لهذا المعنى بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال نبي اللَّه ﷺ (ينزل بأمتى في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشد منه حتى تضيق عنهم الأرض الرحبة، وحتى تملأ الأرض جورًا وظلمًا ولا يجد المؤمن ملجأ يلتجأ إليه من الظلم، فيبعث اللَّه رجلًا من عشيرتى فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا،

стр. 178

يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدخر الأرض من بذرها شيئًا إلا وأخرجته ولا السماء من قطرها شيئًا إلا صبه اللَّه عليهم مدرارًا، يعيش فيهم سبع سنين أو ثمان أو تسع تتمنى الأحياء الأموات. مما صنع اللَّه بأهل الأرض من خيره (١) رابعًا: إشكال ورده حول فتح القسطنطينية وردت عدة أحاديث حول فتح القسطنطينية وكذلك عدة تفسيرات وتأويلات لهذه الأحاديث، فمنهم من يقول أنها المدينة الكائنة في تركيا الآن ومنهم من يقول أنها مدينة روما الحالية وكانت تسمى قسطنطينة نسبة إلى ملكها قسطنطين. ولو أمعنا النظر في هذه الأحاديث مجتمعة نجد أن مدينة (القسطنطينية) التركية قد فتحت في عهد العثمانيين على يد القائد محمد الفاتح العثمانى، وفتحت بالقتال الشديد حتى تحققت النبؤة المحمدية (لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش) (٢). أما عن الفتح الثاني: فربما تفتح هذه المدينة نفسها مرة ثانية بدون قتال وذلك بالتهليل والتكبير ويكون في طليعة الجيش الفاتح لها ثلة كبيرة من الروم الذين يسلمون لدين اللَّه ويقاتلون مع المسلمين أو يكون هذا الفتح هو لمدينة (روما) الحالية والتى كانت تسمى (رومية) لأن (القسطنطينية) الحالية تعتبر من ضمن بلاد المسلمين، والذى يؤيد هذا ويعضده الحديث الآتى: (عن عمرو بن العاص قال: بينما نحن حول رسول اللَّه ﷺ نكتب

стр. 179

إذا سئل رسول اللَّه ﷺ : أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولًا: يعنى القسطنطينية) (١). فالفتح الأول قد وقع وهو في عهد العثمانيين امتثالًا لهذا الحديث وبقى فتح أخر فربما يكون لنفس المدينة التركية الحالية أو لروما؟ إذ يفتحها سبعون ألفًا من بنى إسحاق وهم الروم أي النصارى في المفهوم الحديث وذلك بعد أن يسلموا وينضموا إلى جيش المهدى ﵇. واللَّه أعلم. خامسًا: الرد على منكرى ظهور المهدى ١ - (عقد أبو داود في سننه، باب المهدى وأورد في صدره جابر بن سمرة عن رسول اللَّه ﷺ (لا يزال الدين قائمًا حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) فأشار بذلك إلى ما قاله العلماء أن المهدى أحد الإثنى عشر، فإنه لم يقع إلى الآن وجود اثنى عشر اجتمعت الأمة على كل منهم) (٢). ٢ - فتوى الإمام ابن حجر الشافعى في المهدى مختصرًا (أنه من أهل بيت النبي ﷺ ويملك شرقها وغربها، ويملؤها عدلًا، لم يسمع بمثله، وأنه يخرج مع عيسى ﷺ وعلى نبينا، فيساعده على قتل الدجال بباب بأرض فلسطين، قريب بيت المقدس، وأنه يؤم هذه الأمة وأن عيسى بن مريم ﵊ يصلى خلفه، وأنه يذبح السفيانى، وأنه يخسف بجيشه الذي يرسل به إلى المهدى بالبيداء، بين مكة والمدينة (عند ذي الحليفة)

стр. 180

فلا ينجو منهم إلا اثنان، وغير ذلك من العلامات الكثيرة) (١). ٣ - قال ابن تيمية في المتقى: (الأحاديث على خروج المهدى صحيحة، رواها أحمد وأبو داود والترمذي) (٢). ٤ - قال الشيخ ناصر: (الأحاديث التي وردت في المهدى صحيحة وإليك ما قاله العلماء بشأن المهدى: أ - أبو داود في السنن بسكوته على أحاديث المهدى. ب - العقيلى. ج - ابن العربى في عارضة الأحوذى. د - الطيبى كما في مرقاة المصابيح للشيخ القارى. هـ - ابن القيم الجوزية في المنار المنيف. و- الحافظ ابن حجر في فتح الباري. ز - أبو الحسن الآجرى في مناقب الشافعى. ح - العلامة المباركفورى في تحفة الأحوذى. ثم قال الشيخ ناصر: بعد تصحيح هؤلاء العلماء لصحة أحاديث خروج المهدى فلا يحق لمنكر أن ينكر هذه الحقيقة الماثلة للعيان (٣). ٥ - قال الشوكانى في رسالته المسماة (التوضيح في تواتر ما جاء في الأحاديث في المهدى والدجال والمسيح)؛ وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع فتقرر بجميع ما سقناه أن
следующие страницы →