(وبما أن القسطنطينية قد فتحت على يد (محمد الفاتح) يرحمه اللَّه فلابد أن تكون المدينة التي تفتح قبل الدجال مباشرة هي مدينة آخرى، والأرجح أنها مدينة (روما) أو رومية، ويظهر أنها كانت تسمى بالقسطنطينية أيضًا نسبة إلى (قسطنطين) الذى شجع الدين النصرانى وأطلق الحرية له في روما وبأمره عقد المجمع المسكونى الأول للنصرانية عام ٣٢٥ م).
وقد يفهم هذا -أي أن المدينتين كان لهما نفس الاسم- من حديث عبد اللَّه بن عمرو قال: (بينما نحن حول رسول اللَّه ﷺ أي المدينتين تفتح أولًا؟ القسطنطينية أو رومية؟
فقال رسول اللَّه ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولًا، يعنى القسطنطينية) (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (فتح القسطنطينية مع قيام الساعة) (٢).
ومن هذا يفهم أن المراد بالمدينة التي تفتح بين يدى الساعة هي (روما) الحالية، التي جانب منها في البحر ولآخر في البر أما عن القسطنطينية فقد فتحت قديمًا كما مر وتسمى إسطنبول.
قال الأستاذ زاهد الزرقي معلقًا حول هذه الأحاديث:
(والمدة الزمنية التي تستغرقها هذه الأحداث قد وردت في حديثين مختلفين:
أحدهما: عن عبد اللَّه بن بسر أن رسول اللَّه ﷺ قال: (بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين ويخرج الدجال في السابعة) رواه أبو داود ابن ماجة واللفظ له.
стр. 177
والثانى: عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: (الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر) رواه أبو داوود بلفظه والترمذي.
وهذان الحديثان لا يمكن الجمع بينهما فلا بد من ترجيح أحدهما، والراجح -واللَّه أعلم- هو الحديث الثاني وذلك لأن الملحمة الكبرى ستحصل في زمن المهدى، وبما أن مدة حكم المهدى هي سبع سنين -أو تسع، كما وردت في بعض الروايات، وبما أن الأحاديث تدل على أن أيام المهدى هي أيام خير وبركة، فالظاهر أن الأيام الأولى من تولِّيه ستكون أيام فتن وحروب: جيش الشام الذي يخسف به، وبعث كلب الملحمة الكبرى، وفتحه روما، ثم الدجال، ومكث الدجال في الأرض أربعين يومًا، منها يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كأسبوع وبقية أيامه إعتيادية أي سنة وشهرين ونصف يضاف إليها سبعة أشهر هي المدة التي بين الملحمة الكبرى وخروج الدجال، فيكون المجموع سنة وتسعة أشهر ونصف، فإذا كانت المدة بين بيعة المهدى والملحمة الكبرى شهران ونصف فإن المجموع سيصبح سنتان، ثم يعقب ذلك سبع سنوات من الخير والرخاء فيكون المجموع تسع سنين أو ثمان، إذا اعتبرنا فترة مكث الدجال في الأرض أربعين يومًا باعتبار شروق الشمس وغروبها لا باعتبار الساعات.
ويستأنس لهذا المعنى بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
قال نبي اللَّه ﷺ (ينزل بأمتى في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشد منه حتى تضيق عنهم الأرض الرحبة، وحتى تملأ الأرض جورًا وظلمًا ولا يجد المؤمن ملجأ يلتجأ إليه من الظلم، فيبعث اللَّه رجلًا من عشيرتى فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا،
стр. 178
يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدخر الأرض من بذرها شيئًا إلا وأخرجته ولا السماء من قطرها شيئًا إلا صبه اللَّه عليهم مدرارًا، يعيش فيهم سبع سنين أو ثمان أو تسع تتمنى الأحياء الأموات.
مما صنع اللَّه بأهل الأرض من خيره (١)
رابعًا: إشكال ورده حول فتح القسطنطينية
وردت عدة أحاديث حول فتح القسطنطينية وكذلك عدة تفسيرات وتأويلات لهذه الأحاديث، فمنهم من يقول أنها المدينة الكائنة في تركيا الآن ومنهم من يقول أنها مدينة روما الحالية وكانت تسمى قسطنطينة نسبة إلى ملكها قسطنطين.
ولو أمعنا النظر في هذه الأحاديث مجتمعة نجد أن مدينة (القسطنطينية) التركية قد فتحت في عهد العثمانيين على يد القائد محمد الفاتح العثمانى، وفتحت بالقتال الشديد حتى تحققت النبؤة المحمدية (لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش) (٢).
أما عن الفتح الثاني: فربما تفتح هذه المدينة نفسها مرة ثانية بدون قتال وذلك بالتهليل والتكبير ويكون في طليعة الجيش الفاتح لها ثلة كبيرة من الروم الذين يسلمون لدين اللَّه ويقاتلون مع المسلمين أو يكون هذا الفتح هو لمدينة (روما) الحالية والتى كانت تسمى (رومية) لأن (القسطنطينية) الحالية تعتبر من ضمن بلاد المسلمين، والذى يؤيد هذا ويعضده الحديث الآتى: (عن عمرو بن العاص قال: بينما نحن حول رسول اللَّه ﷺ نكتب
стр. 179
إذا سئل رسول اللَّه ﷺ : أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولًا: يعنى القسطنطينية) (١).
فالفتح الأول قد وقع وهو في عهد العثمانيين امتثالًا لهذا الحديث وبقى فتح أخر فربما يكون لنفس المدينة التركية الحالية أو لروما؟ إذ يفتحها سبعون ألفًا من بنى إسحاق وهم الروم أي النصارى في المفهوم الحديث وذلك بعد أن يسلموا وينضموا إلى جيش المهدى ﵇. واللَّه أعلم.
خامسًا: الرد على منكرى ظهور المهدى
١ - (عقد أبو داود في سننه، باب المهدى وأورد في صدره جابر بن سمرة عن رسول اللَّه ﷺ (لا يزال الدين قائمًا حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) فأشار بذلك إلى ما قاله العلماء أن المهدى أحد الإثنى عشر، فإنه لم يقع إلى الآن وجود اثنى عشر اجتمعت الأمة على كل منهم) (٢).
٢ - فتوى الإمام ابن حجر الشافعى في المهدى مختصرًا (أنه من أهل بيت النبي ﷺ ويملك شرقها وغربها، ويملؤها عدلًا، لم يسمع بمثله، وأنه يخرج مع عيسى ﷺ وعلى نبينا، فيساعده على قتل الدجال بباب بأرض فلسطين، قريب بيت المقدس، وأنه يؤم هذه الأمة وأن عيسى بن مريم ﵊ يصلى خلفه، وأنه يذبح السفيانى، وأنه يخسف بجيشه الذي يرسل به إلى المهدى بالبيداء، بين مكة والمدينة (عند ذي الحليفة)
стр. 180
فلا ينجو منهم إلا اثنان، وغير ذلك من العلامات الكثيرة) (١).
٣ - قال ابن تيمية في المتقى:
(الأحاديث على خروج المهدى صحيحة، رواها أحمد وأبو داود والترمذي) (٢).
٤ - قال الشيخ ناصر: (الأحاديث التي وردت في المهدى صحيحة وإليك ما قاله العلماء بشأن المهدى:
أ - أبو داود في السنن بسكوته على أحاديث المهدى.
ب - العقيلى.
ج - ابن العربى في عارضة الأحوذى.
د - الطيبى كما في مرقاة المصابيح للشيخ القارى.
هـ - ابن القيم الجوزية في المنار المنيف.
و- الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
ز - أبو الحسن الآجرى في مناقب الشافعى.
ح - العلامة المباركفورى في تحفة الأحوذى.
ثم قال الشيخ ناصر: بعد تصحيح هؤلاء العلماء لصحة أحاديث خروج المهدى فلا يحق لمنكر أن ينكر هذه الحقيقة الماثلة للعيان (٣).
٥ - قال الشوكانى في رسالته المسماة (التوضيح في تواتر ما جاء في الأحاديث في المهدى والدجال والمسيح)؛ وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع فتقرر بجميع ما سقناه أن
стр. 181
الأحاديث الواردة في المهدى المنتظر واردة (١).
سادسًا: البشائر
وقد جاء في السنة ما يعضد الأحاديث التي وردت في المهدى والتى تبشر بعودة الخلافة الراشدة، وعموم الخير والحق في ربوع المعمورة من جديد بعد أن تنحى الحق وأهله عن تملك زمام الأمور ردحًا من الزمن.
١ - قال رسول اللَّه ﷺ : (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك اللَّه بيت مدر ولا بر إلا أدخله اللَّه هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزًا يعز به الإسلام وذلًا يذل اللَّه به الكفر) (٢).
٢ - قال رسول اللَّه ﷺ : (بشر هذه الأمة بالسناء والنصر والتمكين، ومن عمل منهم عمل الأخرة للدنيا لم يكن له في الأخرة نصيب) (٣).
٣ - قال رسول اللَّه ﷺ : (تكون النبوة فيكم ما شاء اللَّه أن تكون ثم يرفعها اللَّه إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء اللَّه أن تكون ثم يرفعها اللَّه إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكًا عاضًا فتكون ما شاء اللَّه أن تكون ثم يرفعها اللَّه إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء اللَّه أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت) (٤).
стр. 182
٤ - وفى رواية أخرى (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي، ويلقى الإسلام بجرانه في الأرض يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطر إلا صبته مدرارًا ولا تدع الأرض من نباتها وبركاتها شيئًا إلا أخرجته) (١).
٥ - قال رسول اللَّه ﷺ : (يا ابن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب من الناس من يدى هذه من رأسك) (٢).
* * *
стр. 183
الفصل الثالث الدجال الأكبر
تبين من خلال الفصل الماضي حول الكلام عن المهدى وفتحه لروما وشروع المسلمين في اقتسام الغنائم، إن المهدى والمسلمين معه كانوا يتوجسون من ظهور الدجال، وفعلًا يصبح فيهم صائح أن الدجال قد خرج في ذراريكم فيرجعون إلى الشام، وكأن لديهم علمًا بأن فتح المدينة الرومية علامة على ظهور الدجال كما ورد في الأحاديث، وفعلًا يظهر عليهم الدجال. والدجال شر غائب ينتظر، وهو أعظم فتنة يبتلى بها المؤمنون على مر التاريخ، يفتن فيها قوم وهم في قبورهم وينأى الناس عنه في الجبال.
أولًا: من هو الدجال ؟
هو رجل يهودى أعور، عينه اليمنى طائفة جاحظة، أفحج الرجلين يخرج من جهة المشرق من أماكن شديدة البرودة، يتبعه أقوام عراض الوجوه عليهم الطيالسة، وهم سبعون ألفًا من يهود أصبهان يخرج ليعيد مجد اليهود من جديد، وليقضى على الدولة الإسلامية بقيادة المهدى، يخرج كفتنة للعباد وتمحيص لهم، يذبح اليهود بعده شر ذبحة ويسدل الستار عليهم وإلى الأبد.
يعطيه اللَّه من خوارق العادات كثيرًا، يتبعه الرعاع من الناس وضعيفوا الإيمان وهم خلق كثير آنذاك يدعى الإصلاح أولًا ثم النبوة ثم الألوهية، لا يولد له ولد، يجوب أنحاء العالمة، ويدخل كل مدينة وقرية إلا مكة المكرمة والمدينة المنورة إذ تمنعه الملائكة من دخولها، حذر منه النبي محمد ﷺ أمته، وما من نبى إلا وحذر منه أمته. نصح النبي ﷺ من سمع به أو رآه أن ينأى
стр. 184
عنه ومن واجهه أن يتمسك بإيمانه وعقيدته ويعلم أن اللَّه تعالى ليس بأعور ولا تراه العيون في الدنيا ولا يطرأ عليه ما يطرأ على الحوادث من المخلوقات، وأنه تعالى ليس كمثله شئ، وليقرأ المؤمن عندما يراه أو يسمع به فواتح سورة الكهف، فإنها عصمة له من الوقوع في فتنته، ويقرأ كل مؤمن بين عينى الدجال كلمة كافر، ويتصدى له المؤمنون من أمة محمد ﷺ ويقاتلونه، يخرج كما جاء في السنة في ثلاث مناطق، وبعدها يتوجه تلقاء الشام، ويقتله رسول اللَّه عيسى بن مريم ﷺ في فلسطين بباب ويقضى على اليهود وإلى الأبد.
ثانيًا: الدجال في السنة النبوية
١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ باللَّه من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال) (١).
• تعوذه ﷺ من فتنة الدجال في صلاته.
٢ - ورد عنه ﷺ استعاذته من الفتن بقوله:
(اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر وشر فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من المأثم والمغرم) (٢).
• فتنة الدجال أعظم فتنة:
٣ - عن عمران بن حصين ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال:
стр. 185
(ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال (١).
• من سمع به فلينأ عنه.
٤ - عن عمران بن حصين ﷺ عن رسول اللَّه ﷺ قال:
(من سمع بالدجال فلينأ عنه، فواللَّه إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه، مما يبعث به من الشبهات) (٢).
٥ - عن جابر ﵁ قال: اخبرتنى أم شريك أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ليفرن الناس من المسيح الدجال في الجبال) قالت أم شريك: قلت: يا رسول اللَّه، فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل) (٣).
٦ - وقد جاء في حديث النواس بن سمعان ﵁ قال: (ذكر رسول اللَّه ﷺ ذأت غداة (٤)، فخفض فيه ورفع (٥) حتى ضنناه في طائفة النخل (٦)،
стр. 186
فانصرفنا من عند رسول اللَّه ﷺ ثم رحنا إليه.
فعرف ذلك فينا فقال: ما شأنكم؟
فقلنا: يا رسول اللَّه ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال، غير الدجال أخوفنى عليكم (١)، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، واللَّه خليفتى على كل مسلم، أنه شاب قطط (٢) عينه طافئة (٣)، كأنى أشبهه بعبد العزى بن قطن (٤)، فمن أدركه فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف (٥) أنه خارج خلة بين الشام والعراق (٦) فعاث يمينًا وعاث شمالًا (٧)، يا عباد اللَّه فأثبتوا (٨).
стр. 187
فقلنا يا رسول اللَّه: وما لبثه في الأرض؟
قال: أربعون يومًا، يوم كسنة، يوم كشهر. ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم (١).
стр. 188
قلنا: يا رسول اللَّه: فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ (١)
قال: لا: اقدروا له قدره. (٢)
قلنا: يا رسول اللَّه: وما اسراعه في الأرض؟ (٣)
قال: كالغيث استدبرته الريح (٤)، فيأتى على القوم فيدعوهم (٥) فيؤمنون به ويستجبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم (٦) أطول ما كانت ذرى (٧)، وأسبغه ضروعًا،. . .
стр. 189
وأمده خواطر.
ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله (١) فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين (٢) ليس بأيديهم شئ من أموالهم، ويمر بالخربة (٣) فيقول لها: اخرجى كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسب
النحل (٤)، ثم يدعو رجلًا شابًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض (٥)، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك (٦) فبينما هو كذلك (٧) إذ بعث عيسى بن مريم (٨) فيطلبه حتى يدركه باب لد (٩)، فيقلته. . (١٠).
стр. 190
٨ - عن عبد اللَّه بن عمرو عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : يخرج الدجال في أمتى فيمكث أربعين، لا أدرى أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا (١).
٩ - عن أبي أمامة الباهلى ﵁ قال: خبطنا رسول اللَّه ﷺ فكان أكثر خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال وحذرناه فكان من قوله أن قال (. . . فإنى سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نيى قبلى، إنه يبدأ فيقول، أنا نبى، ولا نبى بعدى، ثم يثنى ويقول: أنا ربكم، ولا ترون ربكم حتى تموتوا (٢).
стр. 191
وأنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه (كافر) يقرأه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب (١) وأن من فتنته أن معه جنة ونارًا فناره جنه وجنته نار فمن ابتلى بفاره فليستغث باللَّه وليقرأ فواتح الكهف (٢) فتكون عليه بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم وإن من فتنته أن يقول لأعرابى: أرأيت (٣) إن بعثت لك أباك وأمك أن تشهد أنى ربك؟ فيقول نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان: يا بنى اتبعه فإنه ربك: وأن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها وينشرها بالمنشار حتى يلقى شقتين (٤) ثم يقول: انظروا إلى عبدى هذا فإنى أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربًا
стр. 192
غيرى فيبعثه اللَّه- ويقول له الخبيث: من ربك؟
فيقول: ربى اللَّه، وأنت عدو اللَّه، أنت الدجال، واللَّه ما كنت بعد أشد بصيرة بك منى اليوم (١) وأن من فتنته أن يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض تنبت فتنبت، وأن من فتنته أن يمر بالحى فيكذبونه فلا يبقى لهم سائمة (٢) إلا هلكت وأن من فتنته، أن يمر بالحى فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك اسمن ما كانت وأعظمه، وامده خواطر، وادره ضروعًا، وأنه لا يبقى شئ من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة لا يأتيها من نقب (٣) من نقابها إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلته (٤).
(حتى ينزل عند الظريب الأحمر (٥)، عند منقطع السبحة (٦)، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات (٧)، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفى الخبث منها كما ينفى الكير خبث الحديد (٨) ويدعى ذلك اليوم يوم
стр. 193
الخلاص (١).
فقالت أم شريك بنت أبي العكر. يا رسول اللَّه: فأين العرب يومئذ؟
قال: العرب يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى بن مريم. . .فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب (٢) فيفتح ووراءه الدجال ومعه سبعون ألف يهودى، كلهم ذو سيف محلى وساج (٣)، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح بالماء (٤)، وينطلق هاربًا، ويقول عيسى: إن لي فيك ضربة لن تسبقنى بها فيدركه عند باب اللد الشرقى فيقتله، فيهزم اللَّه اليهود، فلا يبقى شئ مما خلق اللَّه يتوارى به (٥) يهودى إلا انطق اللَّه ذلك الشئ لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلا الغرقد (٦) فأنها من شجرهم لا تنطق -إلا قال: يا عبد اللَّه المسلم هذا يهودى فتعال اقتله. (٧)
стр. 194
(وإن أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة وآخر أيامه كالشرره (١)، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسى.
فقيل له: يا رسول اللَّه: كيف في تلك الأيام والأمصار؟
قال: تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام، ثم صلوا) (٢).
стр. 195
٩ - عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أن الدجال يخرج وإن معه ماء ونارًا، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارًا فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا، فإنه عذب طيب) (١).
١٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أن النبي ﷺ قال:
(أنه يهودى وأنه لا يولد له ولد، وأنه لا يدخل المدينة ولا مكة) (٢)
١١ - قال رسول اللَّه ﷺ : (وإن عينيه اليمنى عوراء، جاحظة، لا تخفى، كأنها نخاعة) (٣).
فى حائط مجصص، وعينيه اليسرى كأنها كوكب درى (٤) معه من كل لسان (٥) ومعه صورة الجنة خضراء ويجرى فيها الماء، وصورة النار سوداء) (٦)
١٢ - قال رسول اللَّه ﷺ : (وبين يديه رجلان ينذران أهل القرى، كلما
стр. 196
خرجا من قرية دخل أوائله) (١).
١٣ - قال رسول اللَّه ﷺ عن المكان الذي يخرج منه الدجال (أنه يخرج من أصبهان) (٢).
١٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
(يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين فتلقاه المسالح (٣) فيقولون له: أين تعمد؟
فقال: أعمد إلى هذا الذي خرج.
قال: فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟
فيقول: ما بربنا خفاء.
فيقولون: اقتلوه.
فيقول بعضهم لبعض: أليس نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدًا دونه؟
قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: أيها الناس، هذا الدجال الذي ذكر رسول اللَّه ﷺ .
قال: فيأمر الدجال به فيثج، فيقول خذوه وشجوه، فيوسع ظهره وبطنه ضربًا،
قال: فيقول أما تؤمن بى؟
فيقول: أنت المسيح الكذاب؟
قال: فيؤمر به، فينشر بالمنشار (٤) من مفرقه حتى يفرق بين رجليه،
стр. 197
قال: ثم يمشى الدجال بين القطعتين.
قال: ثم يقول له قم، فيستوى قائمًا،
قال: ثم يقول له، أتؤمن بي؟
فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة (١).
قال: ثم يقول: يا أيها الناس: أنه يفعل بعدى بأحد من الناس،
قال: فيأخذ الدجال ليذبحه، فيحمل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسًا، فلا يستطيع إليه سبيلًا.
قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس إنما قذفه إلى النار، وإنما ألقى في الجنة، فقال رسول اللَّه ﷺ : هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين) (٢).
١٥ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ ما سأل أحد رسول اللَّه ﷺ عن الدجال أكثر مما سألته وإنه قال لي: ما يضرك منه؟
قلت: إنهم يقولون: إن معه جبل خبز ونهر ماء (٣)؟
قال: هو أهون على اللَّه من ذلك) (٤).
стр. 198
١٦ - عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: (حدثنا رسول اللَّه ﷺ قال: (الدجال يخرج من أرض بالمشرق لها خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان (١) المطرقة (٢).
١٧ - عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يتبع الدجال من يهود اصفهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة) (٣).
١٨ - وجاء في حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (. . . ويبعث اللَّه معه شياطين تكلم الناس (٤)، ومعه فتنة عظيمة يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس، ويقتل نفسًا ثم يحييها فيما يرى الناس، لا يسلط على غيرها من الناس، ويقول:
يا أيها الناس هل يفعل مثل هذا إلا الرب ؟
فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم، فيشتد حصارهم، ويجهدهم جهدًا شديدًا.
ثم ينزل عيسى بن مريم. . .) (٥).
١٩ - جاء في فضائل سورة الكهف قوله ﷺ عن أبي الدرداء: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال) وفى رواية:
стр. 199
(من آخر الكهف) (١).
٢٠ - قال: ﷺ : (لا يسخر له من المطايا إلا الحمار فهو رجس على رجس. . .) (٢)
٢١ - قال رسول اللَّه ﷺ : (. . . إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ اللَّه ذرية آدم، أعظم من فتنة الدجال، وأن اللَّه تعالى لم يبعث نبيًا إلا حذر أمته من الدجال) (٣).
* * *
стр. 200
الباب الثالث
• الفصل الأول: علامات خروج الدجال.
• الفصل الثاني: قتل عيسى بن مريم ﵇ للدجال.
• الفصل الثالث: اليهود.
• الفصل الرابع: هلاك الدجال وحكم عيسى بن مريم.
• الفصل الخامس: ابن الصياد.
стр. 201
الفصل الأول علامات خروج الدجال
أولًا: هل الدجال حي ؟
ورد في الحديث الصحيح عن فاطمة بنت قيس ﵂، أن الصحابى الجليل تميمًا الداري وكان رجلًا نصرانيًا فأسلم وحسن إسلامه، وركب البحر فأنكسر لهم المركب وأرفؤوا إلى جزيرة من جزر بحر اليمن، فرأو الدجال هناك وسألهم وسألوه، وهو موثق بالحديد، وأخبرهم عن موعد خروجه وعلاماته، ما سنرى من خلال الحديث.
هذا السؤال يبدو غريبًا للوهلة الأولى، هل الدجال حى منذ ذلك الزمان وإلى زمننا هذا ثم يبقى كذلك إلى أن يخرج خرجته المعهودة؟
ثم إن الجزر اكتشفت كلها، ونحن الآن نعيش في أوج التقدم العلمي والاكتشافات قائمة على قدم وساق، فلماذا لم يخبر أحد أنه رأى هذا الشخص وأين هو الآن لا سيما والأقمار الصناعية التجسسية منتشرة في كل أصقاع المعمورة؟
هذه الأسئلة اطرحها وأجيب عليها بعد أن أورد الحديث الذي تكلم فيه النبي ﷺ وجمع الصحابة لما رأى رؤية تميم الدارى وكلامه حول الدجال تطابق ما أخبرهم عنه.
على أن هناك اختلافًا آخر بين العلماء حول (بن صائد) الذي كان يعيش في زمان النبي ﷺ ، كما اختلف الصحابة فيه، هل هو الدجال الحقيقى أم هو دجال من الدجاجلة؟
стр. 202
فتعال معى أخي القارئ الكريم لنتأمل في حديث تميم الدارى. . .
عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: (سمعت نداء المنادى ينادى، الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول اللَّه ﷺ فكنت في النساء التي تلى ظهور القوم، فلما قضى رسول اللَّه ﷺ صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلزم كل إنسان مصلاه ثم قال: أتدرون لما جمعتكم؟
قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: إني ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميمًا الدارى كان رجلًا نصرانيًا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثم ارفؤوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب (١)، كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره فقالوا: ويلك ما أنت؟
قالت: أنا الجساسة (٢). قالوا: وما الجساسة؟
قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل الذي في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق.
قال: لما سمت لنا رجلًا فرقنا (٣) منها أن تكون شيطانه،
قال: فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير (٤)، فإذا فيه اعظم إنسان رأيناه قط
стр. 203
خلقًا وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد.
قلنا: ويلك، ما أنت؟
قال: قد قدرتم على خبرى، فأخبرونى: ما أنتم؟
قلنا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم (١)، فلعب بنا الموج شهرًا، ثم ارفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابة أهلب، كثير الشعر، لا ندرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر.
فقلنا: ويلك، ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قلنا وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل الذي في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها ولم نأت من أن تكون شيطانه.
فقال: أخبرونى عن نخل بيسان؟ (٢)
قلنا: عن أي شأنها تستخير؟
قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟
قال: أخبرونى عن بحيرة الطبرية (٣) قلنا أي شأنها تستخير؟
فقال: هل فيها ماء؟
قالوا: هى كثيرة الماء.
стр. 204
قال: أما أن ماءها يوشك أن يذهب.
قال: أخبرونى عن عين زعر (١)؟
قالوا: عن أي شيء تستخبر؟
قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟
قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها)
قال: أخبرونى عن نبى الأميين ما فعل؟
قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب.
قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟
فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب واطاعوه.
قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا نعم.
قال: أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه، وأنى مخبركم عنى، أنا المسيح، وإنى اوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فسيروا في الأرض فلا ادع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة فهما محرمتان عليَّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدًا منها استقبلنى ملك بيده السيف صلتًا (٢) يصدنى عنها وأن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها، قلت: قال رسول اللَّه ﷺ : وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة، هذه طيبة -يعنى المدينة- ألا هل حدثتكم عن ذلك؟
فقال الناس: نعم: قال: فإنه أعجبنى حديث تميم أنه وافق الذي كنت
стр. 205
أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة، ألا أنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من المشرق، ما هو؟ من قبل المشرق ما هو؟
وأومأ بيده المشرق.
قالت: (فحفظت هذا من رسول اللَّه ﷺ ) (١).
هذا الحديث صحيح السند وهو يشير إلى أن الدجال موثق بالسلاسل في جزيرة من جزر بحر اليمن، ووردت روايات أخرى أنه يخرج من خراسان أو أصبهان من المشرق، فأما الآن وقد اكتشفت كل الجزر ولم ير أحد الدجال، فكيف التوفيق في ذلك، والجواب أنه إما أن يكون الدجال قد هرب من ذلك المكان بعد فترة واختبأ في مكان آخر، وقد يكون في ديار اليهود القاطنين إقليم اصبهان الآن، وهذا الإنتقال له بإذن اللَّه تعالى، وأن الدجال لا يزال حى وفى ذلك المكان على التحديد ولكن اللَّه طمس عيون الناس عن رؤيته إلى أن يحين الوقت المناسب لرؤيته، وما ذلك على اللَّه بعزيز.
وأما رؤية تميم الدارى له موثقًا فى جزر البحر فهي من الكرامات التي يعطيها اللَّه لأوليائه ويخصهم بها من دون الناس، وكانت هذه الرؤيا في حياة النبي ﷺ ليكون زيادة في إثبات صدق النبي محمد ﷺ فيما أخبر الصحابة عن الدجال، لذلك يرى أن الرسول ﷺ تهلل وجهه واستبشر بهذا الخبر والناس ليخبرهم بذلك.
والخلاصة: المؤمن يؤمن بأن الدجال حى وموجود في مكان ما من الكرة الأرضية، وأن اللَّه تعالى طمس عيون الخلق الآن عن رؤيته إلى أن يحين الوقت المناسب لخروجه بإذن اللَّه (٢).
стр. 206
ثانيًا: علامات خروج الدجال
هناك علامات ذكرت في السنة تكون قبل خروجه منها الجدب والقحط ومنها تغير الأحوال ومنها فتح روما وفى حديث تميم الدارى سأل الدجال عن اماكن مخصوصة هل ظلت على حالها أم تغيرت، لأن بتغيرها فيما يبدو من الحديث علامة على ظهوره، إذ سأل عنها بخصوصية وإمعان وإليك ما جاء في السنة حول هذا الموضوع.
١ - قال رسول اللَّه ﷺ : (إن أمام الدجال سنين خداعة، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة.
قالوا: وما الرويبضة يا رسول اللَّه؟
قال: (التافه يتكلم في شؤون العامة) (١).
٢ - قال رسول اللَّه ﷺ : (سيخرج ناس من أمتى من قبل المشرق، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم (٢)، كلما خرج منهم قرن قطع، حتى عد زيادة عن عشر مرات كلما خرج منهم قرن قطع، ثم قال حتى يخرج الدجال في بقيتهم) (٣).
لعل الذين يخرج فيهم الدجال هم أدعياء الإسلام وهم أشد خطرًا عليه من غيره، وهم أهل البدع والضلالات والأهواء.
стр. 207
٣ - عن ابن عباس عنهما قال: (وتكون آية خروجه -الدجال- تركهم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتهاونًا بالدماء، وإذا ضيعوا الحكم، واكلوا الربا، وشيدوا البناء وشربوا الخمور، واتخذوا القيان، ولبسوا الحرير، واظهروا بزه آل فرعون (١)، ونقضوا العهد، وتفقهوا لغير الدين، وزينوا المساجد، وخربوا القلوب، وقطعوا الأرحام، وكثرت القراء (٢)، وقلت الفقهاء (٣)، وعطلت الحدود، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، فتكافى الرجل بالرجال والنساء بالنساء، بعث اللَّه عليهم الدجال فسلط عليهم حتى ينتقم منهم، وينحاز المؤمن إلى بيت المقدس) (٤).
٤ - قال حذيفة بن اسيد: (. . . أن الدجال لو خرج في زمانكم (٥) لرمته الصبية بالخذف (٦) لكنه يخرج في نقص من الناس، وخفة من الدين، وسوء ذات البين (٧)،. . .) (٨).
стр. 208
٥ - قال رسول اللَّه ﷺ : (. . . ولن يكون (١) حتى تروا أمورًا يتفاقم شأنها في أنفسكم، تسألون بينكم، هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرًا؟ وحتى نزول الجبال عن مراسيها ثم على أثر ذلك القبض (٢) وأشار بيده) (٣).
٦ - عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ
(. . . وأن قبل الدجال ثلاث سنوات شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر اللَّه السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض أن تحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثى مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثى نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطره قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف (٤) إلا هلكت إلا ما شاء اللَّه.
قال: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟
قال: (التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجرى ذلك عليهم مجرى الطعام) (٥).
стр. 209
٧ - ورد في حديث تميم الدارى السابق عند رؤية الدجال مع نفر من أصحابه، ان الدجال سألهم عدة أسئلة، عن أماكن معينة، وعن النبي ﷺ ، مما يؤكد أنه لا يخرج حتى يتحقق مجئ ذلك أو حدوثه.
فقال: أخبروني عن نخل بيسان (١)، قلنا: عن أي شئ تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟
فقلنا له: نعم قال: أما أنه يوشك أن لا تثمر.
قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية، قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟
قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب.
قال: أخبروني عن عين زغر، قالوا: عن أي شيء تستخبر؟
قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟
فقلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها،
قال: أخبروني عن نبى الأميين، ما فعل؟
قالوا: (قد) خرج من مكة ونزل يثرب،
قال: أقاتله العرب؟
قلنا له: نعم، قال كيف صنع بهم؟
فأخبرناه: أنه قد ظهر على من يليه من العرب، واطاعوه.
قال: لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم، قال: أما أنه ذاك خيرهم أن يطيعوه. . .) (٢)
стр. 210
هذه هي الأسئلة التي سأل عنها الدجال، فأما بعثه النبي محمد ﷺ وانتصاره على مناوئيه بعد أن اخرجوه، فقد حصلت وتحققت، تبقى أمور محددة -من خلال هذا الحديث- فإذا تحققت، فستكون علامة على ظهوره وهذه العلامات هي:
أ - عدم اثمار نخل بيسان.
ب - جفاف بحيرة طبرية الكائنة في فلسطين.
ج - جفاف العين في مدينة زغر والتى تروى البساتين هناك.
هذه الأسئلة التي في هذا الحديث والتى يستخبر فيها الدجال عن عدم إثمار نخل بيسان وعن جفاف بحيرة طبرية وجفاف عين زغر، يعضد الرأى القائل بأن الدجال يخرج وحالة الجفاف والمحل والجوع وشدة العيش تنتاب الناس، والناس في ضيق شديد من جهد العيش، فيستعمل السلاح الأقتصادى، حيث يكون معه جبال من الخبز، وانهار تجرى معه، بل يصور للناس أن الجنة والنار تحت إمرته، وهذا إمعان في الفتنة والشدة على الناس وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل وحسب أجيالنا كذلك.
٨ - جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي عن معاذ بن جبل (١) ﵁ وكذلك الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد اللَّه بن بسر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ أخبر بأن فتح القسطنطينية وحدوث الملاحم علامة على خروج الدجال، وفعلًا ورد في الأحاديث الأخرى أن المسلمين عندما يفتحون عاصمة الروم يشرعون في اقتسام الغنائم يسمعون أن الدجال قد خرج في ذراريهم فيرجعون إلى الشام.
стр. 211
وهكذا يتبين أن فتح القسطنطينية وبدأ الملاحم علامة على ظهور الدجال
قال ابن كثير: (ثم يؤذن له في الخروج في آخر الزمان بعد فتح المسلمين مدينة الروم المسماة القسطنطينية فيكون بدء ظهوره من أصبهان من حارة يقال لها اليهودية، وينصره من أهلها سبعون ألفًا عليهم السيجان والأسلحة) (١).
ثالثًا: الأمصار التي تتصدى للدجال
١ - قال عثمان بن العاص: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين (٢)، ومصر بالحيرة (٣)، ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، يخرج الدجال في أعراض (٤) الناس فيهزم من قبل المشرق.
فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تبقى تقول: نشامه ننظر ما هو (٥)؟ وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذى يليهم. ومع الدجال سبعون ألفًا عليهم السيجان (٦)، وأكثر تبعه
стр. 212
اليهود والنساء.
ثم يأتي المصر الذي يليه (١)، فيصير أهله ثلاث فرق:
فرقة تقول: نشامه ننظر ما هو؟
وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر بالمصر الذي يليهم بغربي الشام.
وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق (٢)، فيبعثون سرحًا لهم (٣)، فيصاب سرحهم، فيشتد ذلك عليهم، ويصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد (٤)، حتى أن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله فبينما هم كذلك، إذ نادى مناد من السحر (٥): يأيها الناس أتاكم الغوث، ثلاثًا، فيقول بعضهم لبعض:
إن هذا الصوت رجل شبعان، وينزل عيسى بن مريم ﵇ عند صلاة الفجر (٦).
٢ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
(. . . إنه يطلع من آخره مرة على بطن الأردن على ثنيه أفيق (٧)، وكل
стр. 213
واحد يؤمن باللَّه واليوم الآخر ببطن الأردن، وأنه يقتل من المسلمين ثلثًا، ويهزم ثلثًا، ويفرغ ثلثًا، ويجن عليهم الليل) (١).
٣ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، أنه ذكر عنده الدجال فقال: (يفترق الناس عند خروجه ثلاثة فرق، فرقة تتبعه، وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح (٢)، وفرقة تأخذ شط الفرات، فيقاتلهم ويقاتلونه (٣)، حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام، فيبعثون إليه طليعة (٤)، فيهم فارس على فرس أشقر أو أبلق (٥)، فيقتلون لا يرجع منهم أحد، ثم أن المسيح ﵇ ينزل فيقتله. . .) (٦).
رابعًا: منزلة الرجل الذي يتصدى للدجال
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -صلى للَّه عليه وسلم-:
(ذلك الرجل أرفع أمتى درجة في الجنة. قال أبو سعيد: واللَّه ما كنا نرى
стр. 214
ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب ﵁ حتى مضى لسبيله) (١).
* * *
стр. 215
الفصل الثاني قتل عيسى بن مريم للدجال
أولًا: عيسى بن مريم يقتل الدجال
تبين من خلال الفصول الماضية أن المهدى يقود جموع المسلمين ضد الروم، ثم يأتي الدجال ومعه سبعون ألفًا من اليهود عليهم السيجان والطيالسة، فليعيد بهم مجد اليهود، ويقضى على الخلافة الإسلامية الراشدة، فيصاب المسلمون من جراءة -بمحنة عظيمة وعسر شديد، ويفر الناس منه إلى الجبال، ثم لا يلبث أن ينزل رسول اللَّه عيسى بن مريم ﵇ فيقتله ويخلص الناس من شره، وشر اليهود وإلى الأبد، وهكذا يقتل عدو اللَّه الدجال على يد عيسى بن مريم ﷺ ، كما جاء في السنة النبوية:
١ - جاء في حديث النواس بن سمعان ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال عن الدجال: (. . . ثم يدعو رجلًا شابًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث عيسى بن مريم فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله. . .) (١)
٢ - وجاء في حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه حدثهم عن الدجال فقال: (. . . فقالت أم شريك بنت العكر: يا رسول اللَّه: فأين العرب يومئذ؟
قال: العرب يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح،