← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 16989

كشف المنن في علامات الساعة والملاحم والفتن

محمود رجب حمادي الوليد

Полный текст (311 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهكذا يتبين أن فتح القسطنطينية وبدأ الملاحم علامة على ظهور الدجال قال ابن كثير: (ثم يؤذن له في الخروج في آخر الزمان بعد فتح المسلمين مدينة الروم المسماة القسطنطينية فيكون بدء ظهوره من أصبهان من حارة يقال لها اليهودية، وينصره من أهلها سبعون ألفًا عليهم السيجان والأسلحة) (١). ثالثًا: الأمصار التي تتصدى للدجال ١ - قال عثمان بن العاص: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين (٢)، ومصر بالحيرة (٣)، ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، يخرج الدجال في أعراض (٤) الناس فيهزم من قبل المشرق. فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تبقى تقول: نشامه ننظر ما هو (٥)؟ وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذى يليهم. ومع الدجال سبعون ألفًا عليهم السيجان (٦)، وأكثر تبعه

стр. 212

اليهود والنساء. ثم يأتي المصر الذي يليه (١)، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه ننظر ما هو؟ وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر بالمصر الذي يليهم بغربي الشام. وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق (٢)، فيبعثون سرحًا لهم (٣)، فيصاب سرحهم، فيشتد ذلك عليهم، ويصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد (٤)، حتى أن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله فبينما هم كذلك، إذ نادى مناد من السحر (٥): يأيها الناس أتاكم الغوث، ثلاثًا، فيقول بعضهم لبعض: إن هذا الصوت رجل شبعان، وينزل عيسى بن مريم ﵇ عند صلاة الفجر (٦). ٢ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (. . . إنه يطلع من آخره مرة على بطن الأردن على ثنيه أفيق (٧)، وكل

стр. 213

واحد يؤمن باللَّه واليوم الآخر ببطن الأردن، وأنه يقتل من المسلمين ثلثًا، ويهزم ثلثًا، ويفرغ ثلثًا، ويجن عليهم الليل) (١). ٣ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، أنه ذكر عنده الدجال فقال: (يفترق الناس عند خروجه ثلاثة فرق، فرقة تتبعه، وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح (٢)، وفرقة تأخذ شط الفرات، فيقاتلهم ويقاتلونه (٣)، حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام، فيبعثون إليه طليعة (٤)، فيهم فارس على فرس أشقر أو أبلق (٥)، فيقتلون لا يرجع منهم أحد، ثم أن المسيح ﵇ ينزل فيقتله. . .) (٦). رابعًا: منزلة الرجل الذي يتصدى للدجال عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -صلى للَّه عليه وسلم-: (ذلك الرجل أرفع أمتى درجة في الجنة. قال أبو سعيد: واللَّه ما كنا نرى

стр. 214

ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب ﵁ حتى مضى لسبيله) (١). * * *

стр. 215

الفصل الثاني قتل عيسى بن مريم للدجال أولًا: عيسى بن مريم يقتل الدجال تبين من خلال الفصول الماضية أن المهدى يقود جموع المسلمين ضد الروم، ثم يأتي الدجال ومعه سبعون ألفًا من اليهود عليهم السيجان والطيالسة، فليعيد بهم مجد اليهود، ويقضى على الخلافة الإسلامية الراشدة، فيصاب المسلمون من جراءة -بمحنة عظيمة وعسر شديد، ويفر الناس منه إلى الجبال، ثم لا يلبث أن ينزل رسول اللَّه عيسى بن مريم ﵇ فيقتله ويخلص الناس من شره، وشر اليهود وإلى الأبد، وهكذا يقتل عدو اللَّه الدجال على يد عيسى بن مريم ﷺ ، كما جاء في السنة النبوية: ١ - جاء في حديث النواس بن سمعان ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال عن الدجال: (. . . ثم يدعو رجلًا شابًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث عيسى بن مريم فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله. . .) (١) ٢ - وجاء في حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه حدثهم عن الدجال فقال: (. . . فقالت أم شريك بنت العكر: يا رسول اللَّه: فأين العرب يومئذ؟ قال: العرب يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح،

стр. 216

فبينما إمامهم قد تقدم بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم. . .فإذا انصرف قال عيسى بن مريم ﵇: افتحوا الباب، فيفتح ووراؤه الدجال ومعه سبعون ألف يهودى، كلهم ذو سيف محلى وساج فإذ انظر إليه الدجال ذاب كما يذوب اللح في الماء، وينطلق هاربًا، ويقل عيسى: أن لي فيك ضربة لن تسبقنى بها، ويدركه عند باب اللد الشرقى فيقتله). ٣ - وجاء في حديث عثمان بن أبي العاص قوله سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (. . . فيشتد ذلك عليهم، ويصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد،. . . فبينما هو كذلك، نادى مناد من الشجر: يا أيها الناس أتاكم الغوث، ثلاثًا، فيقول بعضهم لبعض: أن هذا لصوت رجل شبعان. وينزل عيسى بن مريم ﵇ عند صلاة الفجر) ٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: (. . . وينزل عيسى بن مريم فيؤمهم، فإذا رفع من الركوع قال: سمع اللَّه لمن حمد، قتل الدجال وأظهر المؤمنين) (١) ثانيًا: التوفيق بين الروايات قال الشيخ أبو غدة: (الظاهر أن في ألفاظ هذا الحديث تصرفًا من بعض الرواه، إذ قد تقدم في الأحاديث أن عيسى ﵇ يقتل الدجال بباب لد، وذهب شيخنا عبد اللَّه الغمارى في كتابه (إقامة البرهان) ص ٣٢ - ٣٤ إلى سلامة هذه الرواية من تصرف الرواة، إذا وسع الكلام في بيان معنى الحديث وتوجيهه فقال: هذا الحديث يفيد أن قتل الدجال يحدث وعيسى

стр. 217

بن مريم في صلاة، مع أن الأحاديث الأخرى التي ذكرت أن عيسى يقتل الدجال بباب لد أو قريب منه لم تذكر أن ذلك يكون أثناء الصلاة، فكيف الجمع بين هذه وذاك؟؟ والجوب عن ذلك سهل بتسهيل اللَّه، غير أنه يتوقف على مقدمه وهي: أن الذي دلت عليه الأحاديث، أن عيسى ﵇ يصلى أول صلاة بعد نزوله من السماء مؤتمًا بإمام المسلمين، إظهارًا لكرامة هذه الأمة وفضلها ثم بعد ذلك يتقلد عيسى مقاليد الأمور فيصير خليفة المسلمين، وتجمع له الصلاة أي يصير هو الإمام فيها مع قيامه بأعباء الإمامة العظمى، ومن هنا تعلم أن قوله في هذا الحديث: (فيؤمهم) على ظاهره، أي فيؤمهم في الصلوات، ولا شك أن مما شرعه اللَّه لهذه الأمة في جهادها مع العدو صلاة الخوف. إذا تقرر هذا: فالحديث محمول على أن عيسى ﵇ يؤم المسلمين في صلاة الخوف وهم يقاتلون الدجال ومن معه، فإذا رفع عيسى رأسه من الركوع أمكنته الفرصة من العدو فيحمل على الدجال فيقتله، ومباشرة الأعمال الواجبة الضرورية لا تمنع منها الصلاة كما هو معروف. وهذا معنى قوله (وينزل عيسى بن مريم فيؤمهم، فإذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع اللَّه لمن حمده، قتل اللَّه المسيح الدجال -أي على يد عيسى- وإسناد القتل إلى اللَّه من باب قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: الآية ١٧] فبهذا التأويل يتضح المعنى ويكون الحديث متفقًا مع غيره من الأحاديث، متمشيًا مع القواعد الشرعية الغزاء) (١).

стр. 218

ثالثًا: أسئلة حول الدجال ؟ ١ - كيف تظهر الخوارق على يديه مع أنه كذاب؟ قال الحافظ ابن حجر: (قال الخطابي: فإن قيل: كيف يجوز أن يجرى اللَّه الآية على يد الكافر؟ فإن إحياء الموتى آية عظيمة من آيات الأنبياء، فكيف ينالها الدجال وهو كذاب مفتر يدعى الربوبية؟ فالجواب: أنه على سبيل الفتنة للعباد، إذ كان عندهم ما يدل على أنه مبطل غير محق في دعواه، وهو أنه أعور مكتوب على جبينه: كافر، يقرأه كل مسلم، فدعواه داحضة مع وسم الكفر، ونقص الذات والقدر إذ لو كان إلهًا لأزال ذلك عن وجهه، وآيات الأنبياء سالمة من المعارضة فلا يشتبهان) ثم قال الحافظ بن حجر بعد كلام الخطابى هذا: (وفى الدجال دلالة بينة -لمن عقل- على كذبه، لأنه ذو أجزاء مؤلفة، وتأثير الصفة فيه ظاهر، مع ظهور الآفة به من عور عينه أي عيبها- فإذا دعا الناس إلى أنه ربهم، فأسوأ حال من يراه من ذوى العقول أن يعلم أنه لم يكن ليسوى خلق غيره ويعد له ويحسنه ولا يدفع النقص عن نفسه فأقل ما يجب أن يقول: يا من يزعم أنه خالق السماء والأرض، صور نفسك وعدلها، وأزل عنها العاهة. .، فإن زعمت أن الرب لا يحدث في نفسه شيئًا فأَزِلْ ما هو مكتوب بين عينيك). ثم قال الحافظ بن حجر رحمه اللَّه تعالى: (وقال القاضي عياض: في هذه الأحاديث حجة لأهل السنة، في صحة وجود الدجال، وأنه شخص معين، يبتلى اللَّه به العباد ويقدره على الأشياء كإحياء الميت الذي يقتله، وظهور الخصب والأنهار والجنّة والنار، واتباع كنوز الأرض له فتنبت، وكل ذلك

стр. 219

بمشيئة اللَّه تعالى، ثم يعجزه اللَّه فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ثم يبطل أمره، ويقتله عيسى بن مريم ﵊. وقال الشيخ أبو بكر بن العربي: (الذي يظهر على يد الدجال من الآيات، من إنزل المطر والخصب على من يصدقه، والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار، ومياه تجرى، كل ذلك محنة من اللَّه وإختبار، ليهلك المرتاب، وينجو المتقين، وذلك كله أمر مخوف، ولهذا قال ﷺ : لفتنة أعظم من فتنة الدجال، وكان ﷺ يستعيذ منها في صلاته تشريعًا لأمته ﷺ ). وقال الحافظ ابن حجر كثير رحمه اللَّه تعالى في تفسيره قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قال القرطبي في تفسيره: قال علماؤنا: من اظهر اللَّه على يده -من ليس بنبى- كرامات وخوارق العادات فليس ذلك دالًا على ولايته، خلافًا لبعض الصوفية والرافضة، هذا لفظه، ثم استدرك على ما قال بأنها تقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافى اللَّه تعالى بالإيمان، وهو لا يقطع بنفسه لذلك، يعنى والوالي يقطع له بذلك الأمر. قلت: أي ابن كثير -وقد استدل بعضهم على ان الخارق قد يكون على غير الولى، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضًا بما ثبت عن ابن الصياد أنه قال: هو الدخان، حين خبأ له رسول اللَّه ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد اللَّه بن عمر، وبما يثبت به الأحاديث عن الدجال. بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة من أنه يأمر السماء أن تمطر،

стр. 220

والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسب، وأن يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة. قال يونس عبد الأعلى الصدفى: قلت للشافعى: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشى على الماء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. فقال الشافعي: قصر الليث ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشى على الماء، ويطير في الهواء فلا تغتروا به، حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة) (١). ٢ - لماذا لم يذكر في القرآن الكريم مع أنه أعظم فتنة، وحذر منه الأنبياء كلهم؟ قال ابن كثير: الجواب من وجوه: أ- وأنه اشير إلى ذكره في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وهذه الآيات فسرتها السنة الشريفة فقال النبي ﷺ : (ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من المغرب أو من مغربها) رواه الترمذي. ب - ولم يذكر بصريح اسمه في القرآن احتقارًا له، حيث يدعو الألوهية، وأمره عند الرب أحقر من أن يذكر، وأصغر وأدحر من أن يحكى على أمر دعواه. فإن قلت: فقد ذكر فرعون في القرآن وقد ادعى ما ادعاه من الكذب والبهتان حيث قال: (أنا ربكم الأعلى) فالجواب: أن أمر فرعون قد انقضى

стр. 221

وتبين كذبه لكل مؤمن وعاقل، وهذا سيأتى وكائن فيما يستقبل فتنته واختياره للعباد، فترك ذكره فى القرآن احتقارًا له، وامتحانًا به، إذا لأمر في كذبه أظهر من أن ينبه عليه، ويحذر منه، قد يترك الشئ لوضوحه، فالدجال واضح ظاهر النقص بالنسبة للمقام الذي يدعيه هو مقام الربوبية، فترك اللَّه ذكره والنص عليه لما يعلم اللَّه تعالى من عباده المؤمنين، أن مثل هذا لا يهديهم ولا يزيدهم إلا إيمانًا وتسليمًا للَّه ورسوله) (١). ٣ - كيف قال النبي ﷺ عن الدجال أنه لا يضر مسلمًا، وقد قتل الرجل الذي خرج إليه ونشره بالمنشار فصار ذلك أعظم الضرر؟ ليس المراد ذلك وإنما المعنى أن المسلم المحقق لا يفتنه الدجال فيرده على دينه، لما يرى عليه من سيما الحدث، ومن لم يكن بهذه الصفة من الإيمان العميق والفهم الدقيق فقد يفتنه الدجال لما يرى معه من الشبهات، أو أن هذا الحديث عام لكل المؤمنين يخصصه قتل ذلك الشخص الذي يعجز بعدها عن قتله خصوصًا، واللَّه أعلم. رابعًا: السلف يعلمون هذه الأخبار للناس كان السلف الصالحون يداومون على تعليم تلك الأخبار والأحاديث، ويذكرونها للناس حتى الأولاد فى الكتاب -والمدرسة- ليتوارثوا معرفتها بعلم وبصيرة، ولتكن لهم بها عقيدة راسخة أصلية، تزيد متانة على مرور الأيام. روى مسلم فى (صحيحه) عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ : كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السور من القرآن، يقول: (قولوا اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر،

стр. 222

وأعوذ بك من فتنة السيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) قال مسلم بن الحجاج: بلغنى أن طاووسًا، -وهو راوى هذا الحديث عن ابن عباس: قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا قال أعد صلاتك). وإنما أمر طاووس ابنه بإعادة الصلاة لأنه كان يرى وجوب الدعاء في الصلاة بهذه الدعوات الأربع، ويرى أن المصلى إذا أخل بها بطلت صلاته، وذلك لما فهمه من وجوبها، من إهتمام النبي ﷺ بتعليمها للصحابة كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وأمر بالدعاء بها في صلواتهم. وقد روى مسلم في (صحيحه) عن عائشة أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة بهذا الدعاء، وروى أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ باللَّه من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال). وما هذا الاهتمام العظيم من النبي ﷺ بهذا الدعاء عملًا وأمرًا وتعليمًا إلا لما حواه من التعوذ من عظائم الأمور والأهوال الكائنة الحق ولا ريب، ولهذا جزم ابن حزم الظاهرى بفرضية قراءة هذا التعوذ بعد الفراغ من التشهد كما في كتاب (المحلى)، وأخذًا من ظاهر حديث أبي هريرة ﵁. وبعد أن روى الإمام ابن ماجة في (سننه) حديث أبي أمامة الباهلي وفيه أوصاف الدجال وأحواله وأعماله ونزول عيسى ﵇، قال عقبه: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربى يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب وقال العلامة السفارينى في شرح منظومته في العقيدة الإسلامية المسمى (لوامع الأسرار البهية).

стр. 223

(ينبغي لكل عالم أن يبث أحاديث الدجال بين الأولاد والنساء والرجال، ولا سيما في زماننا هذا الذي إشرأبت فيه الفتن، وكثرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنن، وصارت السنة فيه كالبدع، والبدعة شرع يتبع) (١). * * *

стр. 224

الفصل الثالث اليهود أولًا: قضاء اللَّه على اليهود في القرآن قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ في الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. بهذا القضاء الإلهى، أخبر اللَّه بنى اسرائيل بما سيؤول إليه أمرهم من الإفساد في الأرض لا أنه قضاء قسرى، لأن اللَّه تعالى لا يأمر بالفساد ولا يجبر عباده على الشر. لقد قضى عليهم بذلك في التوراة التي أنزلت عليهم، أنهم سيفسدون في الأرض ويعبثون بها شرًا، ويذلون أعدائهم، ويخربون عليهم ديارهم، وينغصون عليهم عيشهم، لما تنطوى عليه نفوسهم من الشر والرذيلة والحقد على البشرية، إذ أنهم يعتقدون أن غيرهم من الأجناس الأخرى أراذل وأنهم -اليهود شعب اللَّه المختار، فهم يبيحون لأنفسهم قتلهم وإغتصاب أموالهم وأعرضهم. إذن، فبنو اسرائيل سيعلون في الأرض المقدسة علوًا كبيرًا -كما بين ذلك

стр. 225

القرآن- بحيث تكون لهم الصولة والقوة والتمكين على أعدائهم، ولأن ليهو قتلة الأنبياء وأعداء الفضيلة وأصحاب السجل الأسود الحافل بالجرائم فلا يمد اللَّه لهم الحبل على الغارب، بل يسلط عليهم من ينتقم منهم ويستأصل بيضتهم. إذا تحقق هذا الوعد -هو الوعد الحق- من الإفساد في الأرض -وقد تحقق سلفًا: بعث اللَّه عليهم عبادًا له أشداء أقوياء يسومونهم سوء العذاب، يخربون عليهم ديارهم- ويشربوهم كأس الذل والهوان، بحيث يستأصلون شأفتهم ويشردونهم ويمزَّقون شرَّ مُمزَّق، وهذا وعد من اللَّه تعالى قضاه عليهم لما يعلمه تعالى بأنهم يستحقون كل هذا العذاب فهم أهل الشر والقتل والخديعة على مر العصور. بعد أن يلقنهم اللَّه تعالى هذا الدرس على أيدى عباده الذين وصفهم بأنهم أولو البأس شديد، ولعلهم استفادوا من هذا الدرس القاسى، أنعم عليهم بأن مدهم بالمال والبنين وجعلهم أكثر رخاء ونعمة من ذي قبل، فعسى أن يتوبوا إلى ربهم ويعودوا إلى رشدهم، ويرعووا عن غيهم، حتى إذا استعلوا وتجبروا وأفسدوا بما أعطاهم اللَّه تعالى من القوة والتمكين والمنعة، وفوضوا هذا الفضل الإلهي عليهم في غير المحل الذي أراده اللَّه لهم أن يضعوه، مكن المغلوبين والمستضعفين من النصر على المتجبرين والمستهترين من اليهود وأعوانهم. والذى يجرى فى الوقت الراهن هو عين ما أخبر به القرآن الكريم، من وضع العرب والمسلمين مع اليهود في اسرائيل، فاللَّه تعالى كتب عليهم -اليهود- الذل والهوان ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. وهنا استثناء عن هذا القضاء الإلهى عليهم، وذلك إذا أراد اللَّه تعالى لهم

стр. 226

الغلبة والنصر) ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عِمرَان: الآية ١١٢]. أو إذا التزمهم الناس وهم الدول الغربية التي تلتزم اسرائيل وتمدها بالقوة والطغيان، فإذا أراد اللَّه لهم ذلك بحيث يصيرون أعزاء أقوياء، وهذا من الإبتلاء الذي ابتلى اللَّه به العرب والمسلمين. لكن إذا جاء وعد الآخرة، أي قضاء اللَّه عليهم الأخير، سلط عليهم عبادًا يدخلون البؤس والشقاء عليهم من شدة بأسهم وبطشهم وانتقامهم، إذ عزاهم اللَّه إلى نفسه فقال ﴿عِبَادًا لَنًا﴾ [الإسراء: الآية ٥] فيدخلون عليهم المسجد ويخربون ديارهم فوقهم، ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨] أي عسى يا بنى اسرائيل أن يعطف عليكم ربكم نتيجة هذا الذل الذي اشربتموه، والتسلط الذي ابتلاكم به: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] أي كما أفسدتم في الأرض عدنا إلى عهدنا معكم، بأن نسلط عليكم عبادًا لنا أشداء أقوياء وهكذا إلى يوم القيامة. وإذا استطردنا الأحداث التاريخية نرى ذلك واضحًا جليًا، في عهد اللَّه مع اليهود، فهم كلما أفسدوا في الأرض، سلط اللَّه عليهم من يهينهم، فمن هؤلاء: ونبوخذ نصر والإسكندر، إلى أن جاء الفتح الإسلامى حيث أجلى الرسول ﷺ قسمًا منهم عن ديارهم إلى أن أجلاهم عمر بن الخطاب من الجزيرة العربية، وفى العصر الحديث سلط اللَّه عليهم هتلر فظلوا مشردين مشتتين في الأرض أذلاء إلى أن حان وعد بلفور وجاء هرتزل فأقامهم في قلب الأمة الإسلامية في فلسطين، وهم اليوم يتجمعون من كل أنحاء العالم، ويذلون أعدائهم ويصبون عليهم جام غضبهم من جديد، إلى أن يحين القضاء الإلهى عليهم الذي ننتظره نحن المسلمون، بأن يسلط اللَّه عليهم أمة محمد العائدين إلى سلف مجدهم وقوتهم وهو الإسلام العظيم، ليحملوه

стр. 227

ويدركوا به معاقل الظالمين من اليهود وأذنابهم، وذلك في ظل الخلافة الراشدة ويأمره خليفة اللَّه المهدى، ومعاونة السيد المسيح ﷺ الذي ينزل فيقتل الدجال ويحكم بالشريعة المحمدية ويقضى على اليهود إلى الأبد، وهذا عندنا يقين كما أخبر اللَّه تعالى في هذه الآيات من سورة الإسراء، وبما أخبر النبي محمد ﷺ حيث يقول: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودى من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد اللَّه، هذا يهودى خلفى فتعال فاقتله) (١) ثانيًا: اليهود والدجال على أن اليهود يبشرون بقدوم زعيمهم المنقذ، وهو الأعور الدجال، ويتوعدون أعدائهم به -وهو وعد الباطل- إذ هم يعتقدون بخروجه ليحقق لهم حلمهم المنشود، السيادة على العالم من النيل إلى الفرات، وللانتقام من أعداء اليهود. والدجال يخرج ليعيد مجد اليهود وليطوى صفحة المسلمين ويقضى على التوحيد الذي نشروه من جديد، يخرج ومعه أزلامه من يهود اصفهان وهم سبعون ألفًا فضلًا عن رعاع الناس الذين يضلهم فينضوون في جيشه والشياطين الذين معه، فيفتن الناس الذين تستجبش كوامن الفتنة والشر في نفوسهم قبل مجيئه، أما المسلمون الصادقون فلا يقدر على غوايتهم، حيث يصطدم بصخرة الطائفة المنصورة بقيادة المهدى -حيث الخلافة الراشدة- التي لا يضرها من خذلها حتى يقاتلون الدجال وينزل السيد المسيح ليذبحه

стр. 228

بيده، فيقضى على بؤرة الشر وينتهى ذلك النسل الحقير إلى الأبد. (لذلك قفز اليهود بعيدًا بعيدًا عن المهمة الإنسانية، وبمقدار هذه القفزة كان العقاب، فهم من دون خلق اللَّه جميعًا الذين يأتي الدجال على هواهم، لقد وقع اليهود على الدجال، واعتبروه أميرًا من الأمراء ومن أجله صنعوا استراتيجية توصلهم به، فاستخدموا كل الإمكانيات المتاحة التي تحقق لهم هذه الغاية العليا. اخترقوا العمل السياسى والدبلوماسى في أماكن كثيرة من العالم، اخترقوا الإقتصاد وأمسكوا بزمامه في أماكن كثيرة من العالم، اخترقوا المجتمعات بنقل وجهة نظرهم عبر وسائل الإعلام التي يسيطرون عليها، وكل هذا من أجل الدجال الذي يعيش بيننا الآن في هذا لعالم، ويعلم الحدود التي عندما تصل اسرئيل عندها وتعيش فيها، يخرج هو من المكان الذي يعيش فيه) (١) ثالثًا: قتال اليهود في السنة ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودى من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد اللَّه، هذا يهودى خلفى، تعال فاقتله، إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود) (٢). ٢ - وفى رواية أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر ووراءه اليهود: يا مسلم، هذا يهودى ورائى، فاقتله) (٣).

стр. 229

٣ - جاء في حديث أبي أمامة الباهلى قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ : (. . . فيدركه عند باب اللد الشرقى فيقتله، فيهزم اللَّه اليهود، فلا يقى شيء مما خلق اللَّه يتوارى به يهودى إلا انطق اللَّه ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط، ولا دابة -إلا الغرقد فإنها من شجرهم لا تنطق- إلا قال: يا عبد اللَّه المسلم هذا يهودى فتعال. . .) (١). رابعًا: الوعد الحق والوعد المفترى هذا الصراع القائم بين اليهود من جهة وأعدائهم من الجهة الأخرى، هو صراع بين الحق والباطل، وعد الحق للمؤمنين بالخلافة الراشدة والتمكين في الأرض ومحق الكافرين، ووعد الباطل وهو وعد الكفرة والمشعوذين والمبتدعين الكافرين إلى أوليائهم بالنصر والتمكين، وعد اللَّه للطائفة المنصورة بالحكم على مناهج النبوة، وعودة الإسلام في ربوع المعمورة بقيادة المهدى ثم عيسى بن مريم ﵇ ورجوع أرض العرب تزخر بالخير مروجًا وأنهارًا، ووعد اليهود إلى أوليائهم وشياطينهم بالخلافة في الأرض وخروج الدجال على هواهم ليعيد لهم آمالهم المزعومة من جديد. (إنه في الحقيقة صراع بين عقيدة التوحيد وبين عقيدة الشرك والخرافة، ألا إنه بين عقيدة الحق التي جاء بها أبو الأنبياء إبراهيم ﵇ ثم جددها محمد ﷺ وسيجددها عيسى بن مريم ﵇ في آخر الدنيا، وبين عقيد القساوسة والرهبان رواد الدجل والشعوذة الذين افتروا على اللَّه الكذب، وكتبوا باطلًا من عندهم وقالوا هذا من عند اللَّه بزعمهم. لقد ابتدأت هذه الدعوة الضالة بحاخامات اليهود والبابوات الضالون ثم

стр. 230

انتهاء بهرتزل وبلفور ثم ينتهى الأمر في نهاية الزمن بظهور مسيحهم الدجال، حيث تنتهى المعركة بين الحق والباطل، بين الحق بقيادة عيسى ﵊ وبين الباطل بقيادة الأعور الدجال، بين أمة التوحيد والإسلام من جهة وبين اليهود والنصارى أهل الكتاب من جهة أخرى) (١). خامسًا: المستند التأريخى للوعد المفترى وموقف الغرب منه (تقول التوراة المحرفة، حيث يتكلم السياق فيها عن نوح ﵇: (وابتدأ نوح يكون فلاحًا، وغرس كرمًا وشرب من الخمر، فسكر وتعرى داخل خبائه، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجًا وقال لهم: إن أبي هكذا، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أيهما ووجهاهما إلى الوراء فلم يبصر عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به أبنه الصغير فقال: ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لأخوته. وقال: مبارك الرب اله سام، وليكن كنعان عبد لهم، وليفتح اللَّه ليافث، فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبد لهم، وليفتح اللَّه ليافث فيسكن في مساكن سام وليكن كنعان عبد لهم) (٢). من هو كنعان يا ترى؟ كنعان هو أبو العرب، ويمثل الجنس العربى، واللعن هنا ينصب عليه مدرارًا في كتب اليهود. .، لأنه يمثل الجنس العربى، فيكون العرب من خلاله ملعونين مطرودين، وفيه إشارة إلى أن كنعان سيكون عبدًا مستباحًا لأخوته، بلسان أبيه النبي نوح ﵇، ومن باب

стр. 231

أولى أن يكون بنوه ونسله كذلك مثله!! أليس في هذا الكلام انتقاصًا للعرب الذين هم مادة الإسلام، وهم الذين شرفهم اللَّه تعالى بحمل الرسالة وتبليغها إلى الناس كافة، وحملهم هذه المسؤولية خلال مخاطبة القرآن الكريم للنبى محمد ﷺ وقومه العرب من خلاله بهذه الأمانة، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾. أليس في هذا الكلام تصريح واضح وبيان سافر، بأن يكون العرب اذلاء لغيرهم من الأجناس الأخرى مستباحة بيضتهم؟؟ (هذا الكلام وأمثاله تقرأه المدارس اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية وعموم أوربا، حيث أن أول ما يدخل الطالب إلى هذه المدارس من الإبتدائية وإلى آخر مرحلة، يقرأ هذا الكلام عن العرب. وإليك ما تقوله التوراة في الإصحاح العاشر: (كان التخوم الكنعانى من صيدون حينما تجئ نحو جراء إلى غزة، وحين تجئ نحو سدوم وعمورة إلى لاشا). وهنا يخاطب الرب إبراهيم - بزعمهم قائلًا كما في الإصحاح الثاني عشر: (اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريد (١)، فجعلك أمة عظيمة، وبارك وأعظم اسمك وتكون بركة، وبارك مباركيك، ولاعنك اللعنة، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض، واجتاز إبراهيم في الأرض إلى مكان شكيم إلى مكان بلوط، وكذلك تجلى الرب لابراهيم وقال له: لنسلك اعطى هذه الأرض).

стр. 232

وفى الإصحاح الثالث عشر ما يلي: (سكن إبراهيم أرض كنعان (١) وقال الرب: ارفع عينيك وانظر في الموضع الذي أنت فيه شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، إن جميع الأرض الذي أنت ترى، لك أعطها ولنسلك إلى الأبد، وجعل نسلك كتراب الأرض) (٢). وفى الإصحاح السابع عشر يقول الرب لإبراهيم: (اقيم عهدى بينى وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدًا أبديًا، لأكون إلهًا لك ولنسلك من بعدك، وأعطى لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان ملكًا أبديًا). وفى الإصحاح الخامس عشر تحدد التوراة الأرض التي هي ملك وحق أبدى لليهود، وفيها يخاطب الرب إبراهيم ﵇: (لنسلك أعطى هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير (الفرات)). ويقول الرب تعالى ليعقوب (٣) ﵇: (يستعبد لك شعوبك وتسجد لك قبائل، كن سيدًا لأخوتك، وليسجد لك بنو أمك، ليكن لاعنوك ملعونين ومباركوك مباركين). وتذكر التوراة أن يعقوب ﵇ نام يومًا عند بئر سبع وحاران في أرض فلسطين، فرأى اللَّه تعالى فقال له: (أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق، الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطها لك ولنسلك، ويكون

стр. 233

نسلك كتراب الأرض، تمتد غربًا وشرقًا وشمالًا وجنوبًا، ويتبارك بك وبنسلك جميع قبائل) (١). لاحظ في هذا الكلام الذي يبشر به اليهود ويعتقدونه يتبين ما يلى: ١ - تأكيدهم على أن العرب الذين هم مادة الإسلام وأهله مستباحون في أرضهم وديارهم، لأنهم ملعونون بلعنة أبيهم كنعان!!، كما يزعم اليهود. ٢ - أرض العرب وتحديدًا من الفرات إلى النيل أرضهم وأرض أبائهم ولا يمكن التفريط بها فهم -بزعمهم- أحق بها من العرب الكنعانين. .، لذلك هم لا يفرطون فيها، وسيظلون يتطلعون إلى اليوم الذي يحققون فيه آمالهم بالسيطرة عليها. ٣ - التضارب الكبير والبون الشائع بين دعاواهم في توراتهم المحرفة وبين الواقع المعاصر، إذ أن اليهود المعاصرين هم أقل الأجناس البشرية، وأن أغلب اليهود الموجودين الآن هم ليسوا من ذرية يعقوب، وإنما هم شتات من يهود الخرز الأوربيين، أما اليهود الذين هم من صلب إبراهيم ويعقوب ﵉ فهم النزر اليسير قياسًا لغيرهم، فتأمل. . . ٤ - كذبهم وأفترائهم حتى في كتبهم المقدسة التي ينسبونها للتوراة ويشرون بها وتضارب نبؤاتهم، حيث أن اللَّه تعالى -بزعمهم- قد وعد يعقوب ﵇ بأن يجعل من نسله من حيث الكثرة مثل ذرات التراب، والواقع يثبت العكس تمامًا، إذ أن اليهود هم أقل الناس على أرجاء المعمورة إطلاقًا.

стр. 234

سادسًا: الدجال في منظور اليهود والنصارى (من باب أولى أن يكون النصارى مع المسلمين في موضوع الدجال، لأن الذين قتلوا المسيح بزعم النصارى هم اليهود، وهذا موجود في كتبهم. بل أن اضطهاد اليهود لحواريى المسيح وما فعلوه بالمسيح عيسى ﵇ أشهر من أن يعرف، وهم -المسيحيين- يعتقدون أن عيسى سيبعث من جديد في آخر الزمان وينتقم من اليهود فهم يعتقدون أن عيسى نبى دجال كذاب، ولن يعود مرة أخرى، وهنا كان أولى بالمسيحيين أن يكونوا مع المسلمين في هذا المضمار، حيث أن المسلمين يعتقدون أن المسيح ﵇ سينزل في آخر الزمان ويحكم بالشريعة المحمدية ويملأ الأرض عدلًا. لكن اليهود استطاعوا بخبثهم ومكرهم أن يمرروا كذبهم على النصارى لأن الآخرين منساقون وراء اليهود، حيث استطاعوا أن يقلبوا عليه الحقائق رأسًا على عقب، واستغلوا فكرة أن الكتاب الذي يؤمن به اليهود والنصارى معًا هو الكتاب المقدس، حيث يتكون من عهدين، العهد القديم والعهد الجديد، أما العهد القديم فهو التوراة متضمنة هذا الكلام الذي قرأناه سلفًا، فأي نصرانى يقرأ الكتاب المقدس، يجد تلك النصوص في العهد القديم الذي يؤمن به كمسيحى، هذا السبب الأول. أما السبب الثاني فهو ما جبل عليه أهل الكتاب مما بينه اللَّه تعالى في كتابه الكريم من الحسد لهذه الأمة، أنهم عرفوا الحق ولكنهم حادوا عنه، ومنهم من عرف الحق وآمن به وهو النجاشى وعبد اللَّه بن سلام وغيرهم كثير، وكاد هرقل ملك الروم أن يؤمن لولا الظالمون من حاشيته. فالمعركة إذن أضحت بين مسيحيين، الأول هو المسيح الدجال الذي

стр. 235

يؤمن به اليهود ويثقفون به الناس ويهيئون لخروجه، حيث يسمونه ملك السلام ومعهم النصارى في ذلك، أما المسيح الثاني فهو سيدنا عيسى بن مريم ﵊، وأما نحن المسلمين فنؤمن بالوعد بنزوله. إذن هنا نعرف الطريق بين المفهومين اليهوى والنصرانى. . .) (١). سابعًا: عقيدة النصارى الألفية روج النصارى لخروج السيد المسيح ﵊ مرة أخرى، بعد غيابه الأول وذلك بعد ألف عام من قتله كما يزعمون، حيث سيحكم العالم وينتقم من أعدائه، وانتطر النصارى هذا الخروج ولكن دون جدوى. . ولما أوشك هذا القرن الميلادى على الإنتهاء، بدأت هذه الدعوات تظهر من جديد وبنفس المفهوم السابق وفى جميع العالم النصرانى الغربى، وتسربت هذه الدعايات التى يعتقدها النصارى إلى المسلمين، في إطار المقولة (ألف ولا تؤلفان) كثيرًا ما يطرح المسلمون هذا السؤال في الوقت الحاضر داخل مجتمعاتنا: • هل صحيح أن الساعة ستقوم عام ٢٠٠٠ م؟؟ والحقيقة أن الساعة غيب اختص اللَّه تعالى بعلمه، من رحمته تعالى بعباده أن جعل لها علاقات تنبئ بقرب قيامها، أما تحديد موعد لها ومتى فهذا غير صحيح، ومن ادعى أنه يعلم متى تقوم الساعة فقد افترى على اللَّه الكذب. إن السيد المسيح ﵊ سيعود فى فلسطين، وهذا التجمع لليهود من كل مكان فى العالم إلى فلسطين المحتلة، هو مقدمة لهذا الظهور،

стр. 236

وهذا التبنى لهذه الفكرة من قبل مسيحى العالم هو نتيجة لما يؤمن به النصارى والغرب النصرانى على الخصوص لهذه الفكرة التي يؤمنون بها ويروجون لها. (ظهر كتاب في أمريكا وأشتهر جدًا واسمه (دراما نهاية الزمن) لمؤلفه (لوترال لوب روبرنس) وهناك كتاب آخر اسمه (نهاية أعظم كرة أرضية) لمؤلفه (لامسى بي) هذان الكتابان يفترضان ويروجان لعام ٢٠٠٠ م أو قريب منه ستكون نهاية العالم. . • وكيف ينتهى العالم؟؟ قالوا: كل الحضارات ستنتهى ولا داعى أن تفكروا في المصائب الإقتصادية والديون العالمية وبمستقبل الأجيال القادمة، لأن العالم سيعيش بضع سنوات وبعدها ستقوم المعركة الكبرى العالمية في سهل (هرمجدون) (١) ويسمونها معركة (هرمجدون) وهذه المعركة ستكون بين النصارى والوثنين. ويقول المراقبون السياسيون المعنيون بهذا المضمار، أن الرأى العام في أوروبا وأمريكا حشد حشدًا قويًا للتصديق بأن الحرب بين العراق ودول التحالف هي بداية المعركة (هرمجدون) أو ستكون عام (٢٠٠٠ م) أو قريبًا من هذا العام وستكون حربًا نووية، وهناك -كما يزعمون- سيأتي المسيح فيرفع المؤمنين به فوق السحاب (٢). ثامنًا: إيمان قادة الغرب بمعركة (هرمجدون) كنتيجة لهذا التثقيف الصليبى لهذه الدعوات، أضحى قادة الغرب في

стр. 237

طليعة المؤمنين بهذه لمعركة، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكى (ريغان) و (بوش) فضلًا عن الطبقة المثقفة في المجتمع الأمريكى ورجال الدين. (الرئيس الأمريكى نيكسون هو أكبر أمريكى تنظيرًا وفكرًا لهذه العقيدة، ألف كتابًا عنوانه (١٩٩٩ م نصر بلا حرب) يقول فيه: (أنه في عام ١٩٩٩ م سنكون قد حققنا السيادة الكاملة على العالم من غير حرب) ويختتم كتابه بقوله (عندما كانت أمريكا ضعيفة وفقيرة قبل (٢٠٠ سنة) مضت، كانت عقيدتنا هي المبقية علينا، وعلينا ونحن ندخل قرننا الثالث بالنسبة في أمريكا، ونستقبل الألف سنة المقبلة أن نعيد اكتشاف عقيدتنا ونبث فيها الحيوية) (١). وكتاب اسمه (البعد الدينى أولًا) (٢) يؤمن رؤساء أمريكا بهذه العقيدة الألفية وعودة المسيح، يقول الرئيس الأمريكى (كارتر) في هذا الكتاب (٣): (لقد آمن رؤساء أمريكان وجسدوا هذا الإيمان بأن جعلوا علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل هي أكثر من علاقة خاصة، بل هي علاقة فريدة لأنها متجذرة في ضمير وأخلاق ودين ومعتقدات الشعب الأمريكى نفسه، لقد شكلت اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية مهاجرين طليعيين، ونحن نتقاسم تراث التوراة، أن الصراع بين العرب واليهود هو صراع بين داود وجالوت) (٤)

стр. 238

تاسعًا: إن الذي يقرأ هذا الفصل يتبين له ما يلي: ١ - إن الوعد الحق هو الذي يؤمن به المسلمون حسب عقيدتهم، وهو أن عيسى بن مريم ﷺ ينزل من السماء ويقتل الدجال ويحكم بالشريعة الإسلامية. ٢ - إن الوعد المفترى هو الذي يؤمن به أهل الكتاب (اليهود والنصارى) ويثقفون له، ويبشرون بالدجال وأنه هو المنقذ لهم أو أن السيد المسيح سيعود من جديد ويقضى على أعدائهم. ٣ - من ضمن الوعد المفترى ما يسمى بمعركة (هرمجدون) وهي التي يؤمن بها الغرب ويثقف لها السياسيون والمفكرون ورجال الدين، وهذه المعركة (هرمجدون) بزعمهم تكون في فلسطين وينتصر فيها الغربيون على أعدائهم المسلمين إ! ٤ - لقد أخطأ من قال: إن معركة (هرمجدون) هي أخر علامات الساعة الصغرى ولوى النصوص وحرفها وأخضع أحاديث صحيحة عن رسول اللَّه ﷺ لما يراه أو يحلله أو لما يؤمن به الغرب ويثقف له. ٥ - جاء في كتاب (عمر أمة الإسلام وقرب ظهور المهدى) لأمين محمد جمال ما ملخصه: إن معركة (هرمجدون) ستكون أخر العلامات الصغرى وهي حرب عالمية ثالثة، وتكون نتيجة لهدنة بين العرب المسلمين وأوروبا وأمريكا، وعلى أثر هذه الهدنة يكون تحالف بيننا وبينهم وتغزو معًا عددًا أخر، قد يكون روسيا واليابان والصين، وهذه المعركة هي (هرمجدون) فينتصر هذا التحالف وبعد ذلك يغدر (المعسكر الغربي) بنا ويكون المهدى بعد ذلك خارجًا فيقود الملحمة أو الملاحم، ونتيجة

стр. 239

لمعركة (هرمجدون) العالمية يبطل السلاح المتطور الحديث وتعود الأسلحة القديمة كالسيف والحربة. . . إلخ. ٦ - أدلته على ذلك حديثان لرسول اللَّه ﷺ : (. . . ثم هدنة تكون بينكم وبين بنى الأصفر فيعذرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية. . .) وحديث (ستصالحون الروم صلحًا أمنًا فتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائهم فتسلمون وتغنمون. . .). ٧ - هذه الأدلة من الأحاديث كما ترى أخي المسلم ليس فيها إشارة لمعركة (هرمجدون) بل هي معارك تكون بين المهدى ومناوئيه ثم تحالف المسلمين مع الروم وغدرهم بالمسلمين. . . إلخ. ٨ - ثم أين هذا التحالف بين العرب المسلمين والغرب ونحن الآن في عام ٢٠٠٢ م ولم نر هذا التحالف، ومعركة (هرمجدون) يؤمن بها الغرب على أنها قبل عام ٢٠٠٠ م!!!. * * *

стр. 240

الفصل الرابع هلاك الدجال وحكم عيسى بن مريم أولًا: عيسى بن مريم في المنظور القرآنى إن قضية قتل عيسى بن مريم ﵊ وصلبه، قضية يتخبط فيها اليهود والنصارى، فاليهود يزعمون أنهم قتلوه، ويخرون من كونه نبيًا من الأنبياء، والنصارى يزعمون أنه صلب وانتهى وأنه عاد بعد الصلب بفترة، وسيعود من جديد -بعد أن مات- ليرفع المؤمنين به فوق السحاب. والتاريخ سكت عن هذه القضية، والأناجيل التي كتبت عنه ينقصها الصدق لأنها كتبت عنه بعد فترة طويلة من إسدال الستار عليه فضلًا عن كونها محرفة، فلم يبق لنا من الحق والحقيقة لهذا الموضوع إلا كتاب رب العالمين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. إن القرآن الكريم يقرر أن: ﴿قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. في هذا البيان القرآنى يتبين ضلال أهل الكتاب وكفرهم، وأن السيد المسيح السلام لم يقتل ولم يصلب ولكن شبه لمناوئيه ذلك والتبس الأمر عليهم فقتلوا غيره ورفعه اللَّه إليه، وأن الذين يقولون بقتله ليس لهم حجة دامغة، اللهم إلا الظن واتباع الهوى، وأنه سينزل من السماء ويؤمن به أهل

стр. 241

الكتاب الذين كانوا يعتقدون موته، ويوم القيامة -أمام اللَّه تعالى- يشهد عليهم بذلك. قال ابن كثير: (لا شك أن هذا هو الصحيح، لأنه المقصود من سياق الآية في تقرير بطلان ما ادعته اليهود في قتل عيسى ﵇ وصلبه وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة في ذلك، فأخبر اللَّه أنه لم يكن الأمو كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم أنه رفعه اللَّه إليه، وأنه باق حى وأنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة. .، فيقتل مسيح الضلالة ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، يعنى لا يقبلها من أحد من أهل الأديان بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف) (١). أما قولى تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران الآية ٥٥]. . . فقد جاء في تفسيرها: (أي آخذك وافيًا بروحك وجسمك، ورافعك إلى محل كرامتى، فالعطف للتفسير، يقال: وفيت فلانًا حقه، أي أعطيته إياه وافيًا فاستوفاه وتوفاه أي آخذه وافيًا. أو قابضك ومستوفى شخصك من الأرض، من توفى المال بمعنى استوفاه وقبضه، واعلم أن عيسى ﵇ لم يقتل ولم يصلب كما يدعى النصارى قال تعالى ﴿قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] وما قتلوه يقينًا، فاعتقاد النصارى القتل والصلب كفر لا ريب فيه، وقد اخبر اللَّه تعالى أنه رفع إليه عيسى كما قال: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] قال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِليَهِ﴾ [النساء: ١٥٨] فيجب الإيمان به، والجمهور على أنه حيًا من غير موت بجسده وروحه إلى

стр. 242

السماء، والخصوصية له ﵇ هي رفعه جسده وبقاؤه فيها إلى الأبد المقدر له) (١). وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر، بتقدير أنى رافعك إلى متوفيك يعنى بعد ذلك -وقال على بن طلحة عن ابن عباس: إني متوفيك، أي مميتك في المستقبل) (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] فالضمير في قوله تعالى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] عائد على عيسى ﵇، أي أن أهل الكتاب سيؤمن بعيسى حتمًا عندما ينزل مرة أخرى إلى الدنيا من السماء. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ بفتح اللام الأولى وسكون الثانية، إذ الضمير في (أنه) يعود على السيد المسيح ﵇، أي أن نزول المسيح من السماء إلى الأرض مرة أخرى في دلالة وإشارة إلى قرب قيام الساعة، وفى قراءة أخرى، ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] بفتح اللام الأولى وفتح الثانية، أي أن ظهوره ﵇ علم يعلم به دنو قيام الساعة. ثانيًا: عيسى بن مريم في السنة النبوية ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (والذي نفسى بيده، ليوشكن (٣) أن ينزل فيكم ابن مريم، حكمًا عدلًا (٤)، فيكسر الصليب (٥)،

стр. 243

ويقتل الخنزير (١)، ويضع الحرب (٢)، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها) (٣). ثم يقول أبو هريرة ﵁: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٤). قال الحافظ بن حجر في (فتح الباري): (والمعنى أنه ﵇، ينزل حاكمًا بهذه الشريعة فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ، بل يكون عيسى ﵇ حاكمًا من حكام هذه الأمة) (٥) وقال القرطبي: (ذهب قوم إلى أن بنزول عيسى ﵇ ترفع التكاليف، لئلا يكون رسولًا إلى أهل ذلك الزمان، يأمرهم عن اللَّه وينهاهم. وهذا مردود بقوله تعالى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقوله ﷺ

стр. 244

(لا نبى بعدى) وغير ذلك من الأخبار، وإذا كان ذلك فلا يجوز أن يتوهم أن عيسى ﵇ ينزل نبيًا بشريعة متجددة غير شريعة محمد نبينا ﷺ ، بل إذا نزل عيسى ﵇ فإنه يكون يومئذ من أتباع محمد ﵊ حيث قال لعمر بن الخطاب (لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعى) (١). ثالثًا: الأيام بعد هلاك الدجال وحكم عيسى ﵇ ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد (٢)، وإنى أولى الناس بعيسى بن مريم، لأنه لم يكن نبى بينى وبينه، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فأعرفوه، رجل مربوع، وإلى الحمرة والبياض (٣)، عليه ثوبان ممصران (٤) كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل (٥)، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، فيهلك اللَّه في زمانه الملل

стр. 245

كلها إلا الإسلام، ويهلك اللَّه في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمة على الأرض (١) حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون ويدفنونه) (٢). ٢ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: (كيف انتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم). قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): (وعند أحمد من حديث جابر في قصة الدجال ونزول عيسى، فيقال: تقدم يا روح اللَّه، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم) (٣). (ولابن ماجة في حديث أبي أمامة: (وكلهم -أي المسلمون- ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح قد تقدم ليصلى بهم، إذ نزل عيسى، فرجع الإمام ينكص ليتقدم عيسى، فيقف عيسى بين كتفيه ثم يقول: فإنها لك أقيمت). وهناك أحاديث أخرى وردت بهذا المعنى مع بعض الزيادات في سياق الحديث لا في معناه. قال الحافظ ابن حجر بعد هذه الأحاديث: (وفى صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأمة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة، دلالة للصحيح من الأقوال أن الأرض لا تخلو عن قائم للبحجة واللَّه اعلم) (٤).

стр. 246

وقيل في معنى (وإمامكم منكم): وهو منكم أي عيسى، فوضع الاسم الظاهر موضع السم المضمر، تعظيمًا له وتربية للمهابة في النفوس. وفي رواية أخرى لحديث أبي هريرة المتقدم: (فأمكم) وفي لفظة أخرى: (فأمكم منكم) حكى مسلم في (صحيحه) عقب هذه الرواية: (أن الوليد بن مسلم قال لشيخه في هذا المسند ابن أبي ذئب: أن الاوزاعى حدثنا عن الزهري عن نافع عن أبي هريرة ﵁ (وأمامكم منكم)؟ قال: ابن أبي ذئب: تدرى ما (أمكم منكم)؟. قلت: تخبرنى؟ قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ . وقد رحج الإمام الكشميري رحمه اللَّه تعالى في كتابه (فيض الباري على صحيح البخاري) رواية البخاري (وإمامكم منكم) على هذه الرواية) (١). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده: ليهلن ابن مريم بفج الروحاء (٢) حاجًا أو معتمرًا ليثنيها) (٣). قال ابن كثير في (تفسيره): (وقد ثبت في الحديث أن عيسى ابن مريم يحج البيت العتيق، واستشهد بذلك رواية الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ليحجن هذا البيت، وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج) ثم قال ابن كثير: انفرد

стр. 247

بإخراجه البخاري). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ في رواية أخرى أن رسول اللَّه ﷺ قال: (وليأتين قبرى حتى يسلم على ولأردن عليه). يقول أبي هريرة ﵁: (أي بنى أخى: إذا رأيتموه فقولوا: أبو هريرة يقرئك السلام) (١) ٥ - عن ثوبان ﵁ مولى رسول اللَّه ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال: (عصابتان من أمتى احرزهما (٢) اللَّه تعالى من النار، عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم ﵇ (٣). ٦ - عن مجمع ابن جارية الأنصارى رضى اللَّه عنه يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (يقتل ابن مريم الدجال بباب لد) (٤). ٧ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (كيف تهلك أمة أنا أولها، وعيسى بن مريم آخرها) (٥). ٨ - قال رسول اللَّه ﷺ : (لن تهلك أمة أنا أولها وعيسى بن مريم في آخرها والمهدى في وسطها) (٦).

стр. 248

٩ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ (أنا أول من يدخل الجنة يوم القيامة وأشفع، وسيدرك رجل من أمتى عيسى بن مريم، ويشهدون قتال الدجال) (١). ١٠ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من أدرك منكم عيسى بن مريم فليقرئه منى السلام) (٢). ١١ - في حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ الذي تقدم في فصل المهدى: (. . . والذي بعثني بالحق نبيًا، ليجدن عيسى بن مريم في أمتى خلفًا من حواريه) (٣). ١٢ - في حديث النواس بن سمعان ﵁ الذي تقدم في فصل الدجال: (. . . فبينما هو كذلك. .الدجال -إذ بعث اللَّه المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقى دمشق (٤) بين مهروذتين (٥) واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ

стр. 249

رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ (١)، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات (٢)، ونفسه ينتهى حيث ينتهى طرفه (٣)، فيطلبه (٤) حتى يدرك باب لد (٥) فيقتله (٦). . .) ١٣ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (. . . فيبعث اللَّه عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين) (٧).

стр. 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →