وقيل في معنى (وإمامكم منكم): وهو منكم أي عيسى، فوضع الاسم الظاهر موضع السم المضمر، تعظيمًا له وتربية للمهابة في النفوس.
وفي رواية أخرى لحديث أبي هريرة المتقدم: (فأمكم) وفي لفظة أخرى: (فأمكم منكم) حكى مسلم في (صحيحه) عقب هذه الرواية: (أن الوليد بن مسلم قال لشيخه في هذا المسند ابن أبي ذئب: أن الاوزاعى حدثنا عن الزهري عن نافع عن أبي هريرة ﵁ (وأمامكم منكم)؟
قال: ابن أبي ذئب: تدرى ما (أمكم منكم)؟.
قلت: تخبرنى؟
قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ .
وقد رحج الإمام الكشميري رحمه اللَّه تعالى في كتابه (فيض الباري على صحيح البخاري) رواية البخاري (وإمامكم منكم) على هذه الرواية) (١).
٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده: ليهلن ابن مريم بفج الروحاء (٢) حاجًا أو معتمرًا ليثنيها) (٣).
قال ابن كثير في (تفسيره): (وقد ثبت في الحديث أن عيسى ابن مريم يحج البيت العتيق، واستشهد بذلك رواية الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ليحجن هذا البيت، وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج) ثم قال ابن كثير: انفرد
стр. 247
بإخراجه البخاري).
٤ - عن أبي هريرة ﵁ في رواية أخرى أن رسول اللَّه ﷺ قال: (وليأتين قبرى حتى يسلم على ولأردن عليه). يقول أبي هريرة ﵁: (أي بنى أخى: إذا رأيتموه فقولوا: أبو هريرة يقرئك السلام) (١)
٥ - عن ثوبان ﵁ مولى رسول اللَّه ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال: (عصابتان من أمتى احرزهما (٢) اللَّه تعالى من النار، عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم ﵇ (٣).
٦ - عن مجمع ابن جارية الأنصارى رضى اللَّه عنه يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (يقتل ابن مريم الدجال بباب لد) (٤).
٧ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
(كيف تهلك أمة أنا أولها، وعيسى بن مريم آخرها) (٥).
٨ - قال رسول اللَّه ﷺ : (لن تهلك أمة أنا أولها وعيسى بن مريم في آخرها والمهدى في وسطها) (٦).
стр. 248
٩ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ (أنا أول من يدخل الجنة يوم القيامة وأشفع، وسيدرك رجل من أمتى عيسى بن مريم، ويشهدون قتال الدجال) (١).
١٠ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من أدرك منكم عيسى بن مريم فليقرئه منى السلام) (٢).
١١ - في حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ الذي تقدم في فصل المهدى: (. . . والذي بعثني بالحق نبيًا، ليجدن عيسى بن مريم في أمتى خلفًا من حواريه) (٣).
١٢ - في حديث النواس بن سمعان ﵁ الذي تقدم في فصل الدجال: (. . . فبينما هو كذلك. .الدجال -إذ بعث اللَّه المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقى دمشق (٤) بين مهروذتين (٥) واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ
стр. 249
رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ (١)، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات (٢)، ونفسه ينتهى حيث ينتهى طرفه (٣)، فيطلبه (٤) حتى يدرك باب لد (٥) فيقتله (٦). . .)
١٣ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
(. . . فيبعث اللَّه عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين) (٧).
стр. 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 251
١٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (. . . فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم فأمهم (١)، فإذا رآه عدو اللَّه ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لا نذاب حتى يهلك، ولكن يقتله اللَّه بيده (٢)، فيريهم دمه في حربته) (٣).
١٥ - في حديث أبي أمامة الباهلى ﵁ عن النبي ﷺ : قال:
(. . . فقالت أم شريك إلى قوله. . . إذ نزل عليهم عيسى بن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشى القهقرى (٤) ليقدم عيسى ويصلى، فيضع عيسى ﵇ يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فصل، فإنها لك أقيمت، فيصلى بهم إمامهم. فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب فيفتح وورأؤه الدجال. . . إلى قوله: -عيسى-: (وإن لي فيك ضربة لن تسبقنى بها، فيدركه عند باب اللد الشرقى فيقتله، فيهزم اللَّه اليهود. . .) (٥).
١٦ - عن عبد اللَّه بن سلام ﵁ قال: (مكتوب في التوراة: صفة محمد وعيسى بن مريم يدفن معه) (٦).
стр. 252
١٧ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
(ينزل عيسى بن مريم إلى الأرض فيتزوج ويولد له، ويمكث خمسًا وأربعين سنة، ثم يموت فيدفن معى في قبرى، فأقوم أنا وعيسى بن مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر) (١).
١٨ - (. . . ثم يتوفى فيصلى عليه المسلمون) (٢).
١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ينزل عيسى بن مريم، فيقتل الدجال، يمكث أربعين عامًا، يعمل فيهم بكتاب اللَّه وسنتى ويموت، فيستحلفون بأمر عيسى رجلًا من بنى تميم يقال له: المقعد، فإذا مات المقعد لم يأت على الناس ثلاث سنين حتى يرفع القرآن من صدور الرجال ومصاحفهم) (٣).
رابعًا: التوفيق بين الروايات في كيفية قتل عيسى للأعور الدجال
عن أبي هريرة ﵁ قال: (. . . وينزل عيسى بن مريم فيؤمهم، فإذا رفع من الركوع قال: سمع اللَّه لمن حمد، قتل الدجال واظهر المؤمنين) (٤).
قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: (الظاهر أن في ألفاظ هذا الحديث تصرفًا
стр. 253
من بعض الرواة، إذ قد تقدم في الأحاديث أن عيسى ﵇ يقتل الدجال باب لد، وذهب شيخنا عبد اللَّه الغمارى في كتابه (إقامة البرهان) إلى سلامة هذه الرواية من تصرف الرواة، إذا وسع الكلام في بيان معنى الحديث وتوجيهه فقال: هذا الحديث يفيد أن قتل الدجال يحدث وعيسى بن مريم في صلاة، مع أن الأحاديث الأخرى التي ذكرت أن عيسى يقتل الدجال بباب لد أو قريب منه، لم تذكر أن ذلك يكون أثناء الصلاة، فكيف الجمع بين هذه وذاك؟
والجواب: عن ذلك سهل بتسهيل اللَّه، غير أنه يتوقف على مقدمة وهى:
إن الذي دلت عليه الأحاديث أن عيسى ﵇ يصلى أول صلاة بعد نزوله من السماء -وهى صلاة الصبح- مؤتمًا بإمام المسلمين، إظهارًا لكرامة هذه الأمة وفضلها، ثم بعد ذلك يتقلد عيسى مقاليد الأمور، ويصير خليفة المسلمين، وتجمع له الصلاة أي يصير هو الإمام فيها مع قيامه بأعباء الإمامة العظمى، ومن هنا تعلم أن قوله في هذا الحديث: (فيؤمهم) على ظاهره، أي فيؤمهم في الصلوات، ولا شك أن مما شرعه اللَّه لهذه الأمة في جهادها مع العدو صلاة الخوف.
إذا تقرر هذا: فالحديث محمول على أن عيسى ﵇ يؤم المسلمين في صلاة خوف وهم يقاتلون الدجال ومن معه، فإذا رفع عيسى رأسه من الركوع أمكنته الفرصة من العدو، فيحمل على الدجال فيقتله، ومباشرة الأعمال الضرورية لا تمنع منها الصلاة كما هو معروف.
وهذا معنى قوله (وينزل عيسى بن مريم فيؤمهم، فإذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع اللَّه لمن حمد، قتل الدجال). أي على يد عيسى ﵇ وإسناد القتل إلى اللَّه من باب قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ
стр. 254
اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] فبهذا التأويل يتضح المعنى ويكون الحديث متفقًا مع غيره من الأحاديث متمشيًا مع قواعد الشريعة الغراء) (١).
خامسًا: ماذا بعد قتل عيسى ﵇ للدجال
قال رسول اللَّه ﷺ : (. . .فبينما هم كذلك، إذْ أوحى اللَّه إلى عيسى ﵇: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يد لهم أن لأحد بقتالهم (٢)، فحرز عبادى إلى الطور. . .) (٣).
* * *
стр. 255
الفصل الخامس ابن الصياد
أولًا: ابن الصياد
ولد هذا الرجل في المدينة النبوية على ساكنها الصلاة والسلام، من أبوين يهوديين، تظاهر بالإسلام وأداء الشعائر التعبدية، ولكن كانت له قرائن توحى بالريب لناظره، فقد كان يلوح بأنه يرى عرش الشيطان، وإذا غضب ينفتح فيملأ السكة، ويدعى أنه رسول اللَّه!! وأنه يأتيه تخليط. . .
وعندما حدث النبى ﷺ صحابته عن الدجال وفتنته تراءى للصحابة أن ابن الصياد هو الدجال بعينه حتى هم عمر ﵁ بقتله فمنعه رسول اللَّه ﷺ ، وقد استشكل على رسول اللَّه ﷺ أمره لأنه لم يوح إليه ﷺ بأمره شئ، فكان يمنحه ويستنطقه ويحاوره ليرى حقيقته. . .
تزوج في المدينة النبوية وولد له أولاد، وكان ورافق الصحابة في سفرهم، وحج مع أبي سعيد الخدري إلى بيت اللَّه الحرام، وكان الصحابة يتوجسون منه، وينظرون إليه بارتياب وحذر، لوجود هذه القرائن فيه.
• وهناك روايات مختلفة عن نهايته وهي:
أ- أنه تاب بعد ذلك ومات في المدينة مسلمًا وصلى عليه المسلمون بعد أن تبين برئته وتوبته.
ب- فقد في مذبحة الحرة أيام حكم يزيد.
ج- فقد في فتوحات المسلمين لبلاد فارس بمنطقة تسمى "الحارة اليهودية" في أصفهان. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 256
ونظرًا لإختلاف هذه الروايات في السنة، اختلف العلماء في شأنه، وإليك ما جاء في السنة عن ابن الصياد ثم أقوال العلماء فيه:
ثانيًا: ابن الصياد في السنة النبوية:
أ- عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: (إن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول اللَّه ﷺ في رهط من الصحابة قبل الصياد، حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم (١) بنى مغالة وقد قارب بن الصياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول اللَّه ﷺ ظهره بيده، ثم قال رسول اللَّه ﷺ لابن الصياد: أتشهد أنى رسول اللَّه؟ فنظر إليه ابن الصياد فقال: أشهد أنك نبى الأميين، فقال ابن الصياد لرسول اللَّه ﷺ : أتشهد أنى رسول اللَّه؟
فرفضه رسول اللَّه ﷺ وقال: (آمنت باللَّه ورسله). ثم قال له رسول اللَّه ﷺ : ماذا ترى؟
قال ابن الصياد: يأتنى صادق وكذاب (٢)، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (خلط عليك الأمر).
ثم قال رسول اللَّه ﷺ : (إني قد خبأت لك خبيئًا) (٣) فقال ابن الصياد: هو الدخ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (إخسأ فلن تعدو قدرك) (٤).
стр. 257
قال عمر بن الخطاب: ذرنى يا رسول اللَّه أضرب عنقه، فقال له رسول اللَّه ﷺ : إن يكنه فلن تسلط عليه (١)، وإن لم يكن فلا خير لك في قتله.
وقال سالم بن عبد اللَّه: سمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: انطلق بعد ذلك رسول اللَّه ﷺ وأبى بن كعب الأنصارى إلى النخل التي فيها ابن الصياد، حتى إذا دخل رسول اللَّه ﷺ النخل طفق يتقى بجذوع النخل (٢)، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول اللَّه ﷺ وهو مضطجع على فراش في قطيفة له فيها زمزمة (٣)، فرأت أم ابن صياد رسول اللَّه ﷺ وهو يتقى بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف -وهو اسم ابن صياد- هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال: رسول اللَّه ﷺ : لو تركته بين (٤).
قال سالم: قال عبد اللَّه بن عمر: فقام رسول اللَّه ﷺ في الناس فأثنى على اللَّه بما هو له أهل، ثم ذكر الدجال، فقال: إني لأنذركوه، ما من نبى إلا وقد أنذره قومه، لقد أنذر نوح قومه ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبى لقومه: (تعلموا أنه أعور (٥)، وأن اللَّه ﵎ ليس بأعور).
стр. 258
وزاد مسلم في صحيحه:
٢ - قال ابن شهاب: وأخبرنى عمر بن ثابت الأنصارى: أنه أخبره بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم حذار الناس الدجال: (أنه مكتوب بين عينيه كافر. . .)
وقال: (تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت) (١)(٢).
٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (لقيه رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وعمر -يعنى ابن صياد- في بعض طرق المدينة، فقال له رسول اللَّه ﷺ : أتشهد أنى رسول اللَّه؟ فقال هو: أتشهد أنى رسول اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : آمنت باللَّه، وملائكته، وكتبه، ما ترى؟ قال: أرى عرشًا على الماء، فقال رسول اللَّه ﷺ : ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟ قال: أرى صادقين وكاذبًا -أو كاذبين وصادقًا- فقال رسول اللَّه ﷺ . لبس عليه (٣)، دعوه) (٤).
٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أيضًا قال: (خرجنا حجاجًا أو عمارًا ومعنا بن صائد، قال: منزلنا منزلًا، فتفرق الناس وبقيت أنا وهو (٥)، فأستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه فوضعه
стр. 259
مع متاعى، فقلت: إن الحر شديد، فلو وضعته تلك الشجرة قال ففعل، قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق فجاء بعس (١) فقال: اشرب أبا سعيد!! فقلت إن الحر شديد واللبن حار.
ما بي إلا أنى أكره أن أشرب عن يده -فقال: أبا سعيد، لقد هممت أن آخذ حبلًا فأعلقه بشجرة ثم اختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد: من خفى عليه حديث رسول اللَّه ﷺ ما خفى عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم الناس بحديث رسول اللَّه ﷺ ؟
أليس قد قال رسول اللَّه ﷺ هو عقيم (٢) لا يولد له وقد تركت ولدى بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول اللَّه ﷺ : لا يدخل المدينة ولا مكة، وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة؟؟
قال أبو سعيد الخدري: حتى كدت أعذره، ثم قال: أما واللَّه إني لأعرفه (٣) وأعرف مولده وأين هو الآن.
قال: قلت له: تبًا لك سائر اليوم (٤)(٥).
ثالثًا: أقوال العلماء في ابن صياد
١ - قال القرطبي في التذكرة: (والصحيح أن ابن صياد هو الدجال بدلالة ما تقدم من أدلة) (٦).
стр. 260
٢ - قال الحافظ في الفتح: (وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم الدارى، وكون ابن صياد هو الدجال، إن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان فأستتر مع قرينه إلى أن تجئ المدة التي قدر اللَّه تعالى خروجه فيها) (١).
٣ - قال النووي في شرح مسلم: (قال العلماء: وقصته مشكلة، وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره، ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة.
قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره، وإنما أوحى إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر بن الخطاب ﵁: (إن لم يكن هو فلن تستطيع قتله).
وإما إحتجاجه هو بأنه مسلم لي الدجال كافر، بأنه لا يولد للدجال وقد ولد له هو، وإنه لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد قد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة، فلا دلالة له فيه، لأن النبي ﷺ إما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض.
وفى اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكذابين قوله للنبى ﷺ : (أتشهد أنى رسول اللَّه)، ودعواه أن يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشًا فوق الماء، وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه وقوله: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، وانتفاضة حتى ملأ السكة.
стр. 261
وأما إظهار الإسلام وحجة جهاده، وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال) (١).
٤ - قال ابن كثير في النهاية: (قال بعض العلماء: إن ابن صياد كان بعض الصحابة يظنه الدجال وهو ليس به، وإنما كان رجلًا صغيرًا. . . ثم قال: والمقصود إن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعًا وذلك لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية، فإنه فيصل في هذا المقام واللَّه أعلم) (٢).
* * *
стр. 262
الباب الرابع
• الفصل الأول: ذو القرنين ويأجوج ومأجوج.
• الفصل الثاني: علامات الساعة الكبرى غير المألوفة.
• الفصل الثالث: تخريب الكعبة.
стр. 263
الفصل الأول
أولًا: يأجوج ومأجوج
هذان الاسمان -يأجوج ومأجوج- يطلقان على أمة كبيرة من الناس، وهم محجوزون الآن في مكان ما، بين الجبال، جهة المشرق من الأرض، يخرجون بمشيئة اللَّه تعالى لهم، كما أشار بذلك القرآن الكريم (١).
هذه الأمة تظهر فجأة على العالم، تنساب عليهم من كل مكان، تنشر الرعب والفساد والدمار في الأرض، على نحو مذهل وطريقة مخيفة، حتى إنهم إذا مروا بقرية يدمرونها حتى يقال، قد كان في هذا المكان قرية كذا- ويمرون ببحيرة طبرية فيشربونها كلها، وأوان خروجهم هذا من العلامات الكبرى للساعة (٢).
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧] ﴿يَاوَيْلَنَا قَدْ كنا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كنا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٧].
في هذا البيان القرآنى يشير تعالى إلى خروج يأجوج ومأجوج، من كل مكان مرتفع من الأرض يسرعون إلى الفساد فيها، وخروجهم هذا هو من علامات الساعة الكبرى، وإيذانًا باقتراب الوعد الحق، إذ تشخص أبصار الذين كفروا، وتبدو عليهم علامات الويل والثبور لظلمهم وتكذيبهم وغيهم
стр. 264
عن الوعد الحق، واستهزائهم برسل اللَّه وما جاءوا به من عند اللَّه العزيز العظيم سبحانه.
تخرج هذه الأمة الكافرة بعد أن يقتل السيد المسيح عيسى بن مريم ﵇ المسيح الأعور الدجال، كما دل على ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.
قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة:
(كل واحد من هذين الفظين اسم لقبيل وأمة من الناس، مسكنهم في أقصى الشرق، وما يقال في خلقتهم وصفاتهم مما يخيل إني سامعه أنهم ليسوا من طبيعة البشر ولا على خلقة الناس فكذب أصل له) (١).
قال الحافظ ابن كثير في (تفسيره) سورة الكهف:
(هم من سلالة آدم ﵇ كما ثبت في (الصحيحين) أن اللَّه تعالى يقول (أي يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: ابعث بعث النار، -أي: ميز أهل النار من غيرهم- فيقول: وما بعث أهل النار؟ وما مقدارهم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشب الصغير. . وتضع كل ذات حمل حملها. . . فقال: أي رسول اللَّه ﷺ : (إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج).
وفى رواية البخاري: (ابشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم رجل).
ثم قال الحافظ ابن كثير: (وما يذكر في الأثر عن وهب بن منبه في
стр. 265
أشكالهم وصفاتهم وآذانهم وطولهم وقصر بعضهم ففيه غرابة ونكارة، وروى بن حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها).
وقال الشيخ أبو حيان الأندلسى في تفسيره (روح المعانى) مرتضيًا له، ويعنى أبو حيان أن الأخبار التي تروى في ذلك ضعيفة لا تثبت على محك النقد.
وقد اتفقت كلمة القرآن الكريم والحديث الشريف على كثرة يأجوج ومأجوج، وشدة إفسادهم كما هو صريح في الحديث الذي نشرحه، وكما هو صريح في حديث (الصحيحين) الذي نقلناه عن الحافظ ابن كثير، وذكرناه بعض رواياته، وكما جاء ذلك في أحاديث كثيرة لا تحصى. . .
وقد افصح القرآن الكريم عن هذا أيضًا فقال تعالى في سورة الكهف مخبرًا عن ذي القرنين وعنهم، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾.
ثم قال : ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾.
قال العلامة الآلوسى في تفسيره (تفسيره): (قال أبو حيان (في البحر): (والأظهر كون الضمير في ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ هو ليأجوج ومأجوج (أي وتركنا بعض يأجوج ومأجوج يموج في بعضهم آخر منهم حين يخرجون من السد، مزدحمين في البلاد وذلك بعد نزول عيسى ﵇) ثم عزز الآلوسى ذلك واستشهد له رحمه اللَّه تعالى بحديث النواس بن سمعان.
وقال الحافظ ابن كثير في (تفسيره): (وقال السدى في قوله تعالى:
стр. 266
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: ذاك حين يخرجون على الناس، وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما سيأتى بيانه عند قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾. قال: (وهذه صفتهم في حال خروجهم كأن السامع مع شاهد لذلك، ولا ينبئك مثل خبير.
رأى بن عباس صبيانًا يلعبون ينزو -يثب- بعضهم على بعض، فقال: هكذا يخرج يأجوج ومأجوج، وقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة من السنة النبوية، منها ما رواه الإمام أحمد في مسنده (مسنده) وابن ماجة في (سننه) واللفظ لأحمد من أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (تفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال اللَّه وهم من كل حدب ينسلون (فيغشون الناس -لفظ ابن ماجة- فيعمون الأرض -وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض، حتى أن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسًا. . حتى أن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان ها هنا ملء مرة!!
حتى إذا لم يبق من الناس أحدًا، إلا أحد في حصن أو مدينة قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، بقى أهل السماء، قال: ثم يمر أحدهم حربته ثم يرمى بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دمًا، للبلاء والفتنة.
فبينما هم على ذلك إذ بعث اللَّه دودًا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقهم، -لفظ ابن ماجة- كنغف الجراد فتأخذ بأعناقهم -فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس فيقول المسلمون: ألا رجل يشرى لنا نفسه، فينظر ما فعل هذا الدود؟ قال: فينحدر رجل منهم محتسبًا نفسه قد
стр. 267
أوطنها على أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادى: يا معشر المسلمين ألا ابشروا أن اللَّه قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لهم رعى إلا لحومهم، فتشكر عنهم -تسمن وتمتلئ شحمًا- كأحسن ما شكرت عن شئ من النبات أصابته قط) (١).
ثانيًا: ذو القرنين ويأجوج ومأجوج
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ (٢).
جاء في التفسير: (بعث كفار مكة إلى أوليائهم من أهل الكتاب أن يعلمونهم سؤالًا يحرج النبي ﷺ ، فقالوا لهم: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية ما يدرى ما صنعوا، وعن الروح، فنزلت سورة الكهف) (٣).
وسئل على بن أبي طالب ﵁ عن ذي القرنين فقال: (كان عبدًا ناصحًا للَّه، فناصحه دعا قومه إلى اللَّه فضربوه على قرنه، فمات، فأحياه اللَّه، فدعا قومه إلى اللَّه فضربوه على قرنه فمات، فسمى ذا القرنين). ويقال: أنه إنما سمى ذا القرنين لأنه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشمس ويغرب) (٤).
стр. 268
قال ابن حجر في الفتح: (روى الفاكهى أن ذا القرنين حج ماشيًا فسمع به إبراهيم فتلقاه ومن طريق عطاء عن ابن عباس: (إن ذا القرنين دخل المسجد الحرام فسلم على إبراهيم وصافحه) ومن طريق عثمان بن ساج: (إن ذا القرنين سأل إبراهيم أن يدعو له، فقال: كيف وقد أفسدتم بئرى؟ يعنى زمزم.
فقال: لم يكن ذلك عن أمرى، يعنى أن بعض الجند فعل ذلك بغير أذنى.
قال ابن حجر: (فهذه الآثار يشد بعضها بعضًا) (١).
إذن: ذو القرنين رجل صالح مكن اللَّه له في الأرض فبلغ ملكه المشارق والمغارب، وآتاه اللَّه العلم والحكمة ومباشرة أسباب التمكن في الأرض.
ثالثًا: ذو القرنين في القرآن
أما قصته مع يأجوج ومأجوج، هذه الأمة الطاغية، فقد جاء ذكرها في القرآن. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩). . .﴾ [الكهف: ٩٢ - ٩٩].
أي أن ذا القرنين اتبع طريقًا آخر في الأرض فوصل إلى السدين، وهما
стр. 269
جبلان شاهقان بينها ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج، وهذان الجبلان هما في شرق الأرض، ومن المفسرين من يزعم أن هذه الأمة هي أمة الصين وما جاورها من الشعوب، لأنهم أوباش لا دين لهم ولا قيم، حتى إذا أيقنوا بالانتصار على من في الأرض، تطلعوا إلى السماء ليحاربوا من فيها كما ورد في السنة، وسيأتى لاحقًا.
فوجد ذو القرنين قومًا لا يكاد يفهم كلامهم لعجمتهم وبعدهم عن الناس، فعرضوا عليه أن يجعلوا له مكافأة، على أن يبنى لهم سدًا يكون حاجزًا بينهم وبين أمة يأجوج ومأجوج، لأن الآخرين مفسدون في الأرض، فأبى أن يأخذ منهم مكافأة لأن اللَّه تعالى مكنه في الأرض وآتاه الملك، فهو ليس بحاجة إلى هديتهم وذلك من باب العفة والدين، ولكن عرض عليهم أن يساعدوه ليبنى لهم هذا البناء الذي طلبوه منه، وقال لهم: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ وهى قطع الحديد كاللبن، فبنى لهم هذا البناء من الأساس، حتى حاذى به رأسي الجبلين المذكورين، وأضاف عليه النحاس المذاب ليزداد قوة فوق قوته ورصانته.
عن أبي قتادة قال: ذكر لنا أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، قد رأيت سد يأجوج ومأجوج
قال: انعته لي؟
قال: كالبرد الحبر -طريقه سوداء وطريقة حمراء.
قال: قد رأيته) (١).
ثم أخبر جل وعلا: أن يأجوج ومأجوج لم يستطيعوا أن يصعدوا فوق هذا
стр. 270
السور ولا نقبه وذلك بأمر اللَّه تعالى ومشيئته.
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كانوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدًا، فيعودون إليه أشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد اللَّه أن يبعثهم على الناس، حفروا حتى إذا كانوا يرون الشعاع قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا، إن شاء اللَّه، فيستثنى فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعَلَوْنَا أهل السماء.
فيبعث اللَّه عليهم نغفًا فيهم في رقابهم فيقتلهم بها، قال رسول اللَّه ﷺ : والذى نفسى محمد بيده، أن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرًا من لحومهم ودمائهم) (١).
ثم قال ذو القرنين: إن بناء هذا السد ووقوفه وعدم استطاعة يأجوج ومأجوج استظهاره أو نقبه هى من رحمة اللَّه بالناس، لكن إذا حان وقت خروجهم وشاء اللَّه لهم ذلك، جعل هذا السد دكاء، أي مستويًا،
(تقول العرب: ناقة دكاء: إذا كان ظهرها مستويًا لا سنام لها) (٢). فتخرج هذه الأقوام، ويكون خروجها فتنة للناس ومحنة قاسية، وهذا الخروج يكون بين يدى الساعة، وهو حق صائر لا محالة لأنه من عند اللَّه وبأمره.
قال صاحب الظلال: (كشف سد بمقربه من مدينة (ترفد) عرف بباب الحديد، وقد مر به في أوائل القرن الخامس عشر الميلادى العالم الألمانى
стр. 271
(سيادبرجر) وسجله في كتابه، وكذلك المؤرخ الأسبانى (كلافيجو) في رحلته سنة ١٤٠٣ وقال: أن سد مدينة الحديد على طريق سمرقند والهند، وقد يكون هو السد الذي بناه ذو القرنين).
وسواء أكان هذا السد أو ذاك، فإنهم على كل حال من شعوب الشرق الأقصى والغالب الأرجح إنهم من سكان الصين، ويبلغ سكان الصين اليوم أكثر من ألف مليون، يعنى ثلث سكان الأرض أو قريبًا من ذلك، واللَّه اعلم. .
رابعًا: يأجوج ومأجوج في السنة
١ - قال رسول اللَّه ﷺ : (. . . ويبعث اللَّه يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية (١) فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر نبى اللَّه عيسى ﵇ وأصحابه (٢)، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبى اللَّه ﵇ وأصحابه إلى اللَّه تعالى (٣)، فيرسل اللَّه عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة) (٤).
стр. 272
٢ - قال رسول اللَّه ﷺ : (. . . فيرسل اللَّه عليهم ريحًا فتقذفهم في البحر أجمعين) (١).
٣ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا) (٢)
٤ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ : (ولد لنوح سام وحام ويافث، فولد لسام العرب وفارس الروم، وولد لحام القبط والبربر والسودان، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالية) (٣).
قال ابن حجر: (ووقع فيه فتاوى الشيخ محيى الدين: يأجوج ومأجوج من أولاد آدم من غير حواء، فيكونون إخواننا لأب، كذا قال، ولم نر هذا عن أحد من السلف إلا عن كعب الأحبار، ويرده الحديث المرفوع أنهم من ذرية نوح، ونوح من ذرية حواء قطعًا) (٤) بعد أن يهلك اللَّه يأجوج ومأجوج ويرسل عليهم النغف: قال رسول اللَّه ﷺ : (. . . ثم يهبط عيسى نبى اللَّه
стр. 273
وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبى اللَّه عيسى وأصحابه إلى اللَّه فيرسل طيرًا كأعناق البخت (١)، فتحملهم حيث شاء اللَّه، ثم يرسل اللَّه مطرًا لا يكن منه مدر ولا وبل، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة (٢)، ثم يقال للأرض: انبتى ثمرتك وردى بركتك، فيومئذ تأكل العصابة (٣) من الرمانة ويستظلون تحتها، فبينما هم كذلك، إذ بعث اللَّه ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن ومسلم، فيبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمير (٤) فعليهم تقوم الساعة) (٥).
قال النووي: (إن يأجوج ومأجوج خلقوا من منى خرج من آدم، فاختاط بالتراب فخلقوا من ذلك فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليس من حواء.
قال ابن كثير معقبًا على قول النووي هذا: (وهذا قول غريب جدًا، ثم لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة) (٦).
عن سمرة أن رسول اللَّه ﷺ قال:
(ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك) (٧).
стр. 274
قال بعض العلماء: (هؤلاء -يأجوج ومأجوج- من نسل يافث أبي الترك، وإنما سمى هؤلاء تركًا لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغى وفساد وجراءة) (١).
خامسًا: أوصافهم
١ - عن ابن حرملة عن خالته قالت: خطب رسول اللَّه ﷺ وهو عاصب إصبعه من لدغة عقرب، فقال: (إنكم تقولون لا عدو لكم، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار الأعين، صهب الشغاف (٢) من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة) (٣).
هذه الأوصاف التي ذكرها النبي محمد ﷺ لهذه الأقوام -يأجوج ومأجوج- تبدو واضحة لكل ذي لب، إذ هي تنطبق تمامًا على الشعوب الساكنة في أقصى الشرق من هذه الأرض، وبالتحديد سكان الصين وجنوب شرق آسيا، من الأقوام الذين ديانتهم بوذية وعقائدهم شيوعية ملحدة، وقد جاء في القرآن الكريم إن بناء مكان السد هو في الشرق قطعًا من هذه الأرض قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ والشمس تطلع من جهة المشرق، فتأمل. . .
ولعل بعض العلماء الذين قالوا عن يأجوج ومأجوج إنهم من سكان الصين وما حولها مصيب في ذلك، إذ أن هذه الأوصاف تنطبق على هذه الشعوب
стр. 275
تمامًا.
أما قوله ﷺ : (عراض الوجوه، صغار الأعين) فسكان الشرق الأقصى كذلك وأما (صهب الشغاف): فهي الصفرة في شعورهم.
٢ - عن ابن مسعود ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ قال: (لقيت ليلة أسرى لى إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ قال: فتذكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها (١) فلا يعلم بها أحد إلا اللَّه، وفيما عهد إلى ربي أن الدجال خارج ومعى قضبان، فإذا رآنى ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه اللَّه إذا رآنى، حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتى كافرًا فتعال فأقتله، قال: فيهلكهم اللَّه ثم يرجع الناس إلى ربهم وأوطانهم.
قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤن بلادهم، ولا يأتون على شئ إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء غلا وشربوه، ثم يرجع الناس إلى أوطانهم يشكونهم، فأدعوا اللَّه عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل اللَّه المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلى ربي أن ذلك إذا كان كذلك، إن الساعة كالحامل المتم لا يدرى أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلًا أو نهارًا) (٢).
٣ - عن أبي الصيف قال: قال كعب:
(إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، حفروا حتى يسمع الذين يلونهم
стр. 276
قرع فؤوسهم فإذا كان الليل ألقى اللَّه على لسان رجل منهم يقول: نجئ غدًا فنخرج، فيعيده اللَّه كما كان، فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاد اللَّه كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فئوسهم، فإذا كان الليل ألقى اللَّه على لسان رجل منهم يقول: نجيئ غدًا فنخرج إن شاء اللَّه، فيجيئون من الغد فيجدونه كما تروه، فيحفرون حتى يخرجوا فتمر الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمر الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تمر الزمرة الثالثة فيقولون: قد كان ههنا مرة ماء، فيفر الناس منهم فلا يقوم لهم شئ، ثم يرمون بسهامهم إلى السماء فترجع إليهم مخضبة بالدماء، فيقولون غلبنا أهل الأرض وأهل السماء، فيدعو عليهم عيسى بن مريم ﵇، فيقول: اللهم لا طاقة ولا يد لنا بهم، فأكفناهم بما شئت، فيسلط اللَّه عليهم دودًا يقال له: النغف، فيفرس رقابهم، ويبعث اللَّه عليهم طيرًا تأخذهم بمناقيرها فتلقيهم في البحر، ويبعث اللَّه عينًا يقال لها: الحياة، يطهر اللَّه الأرض وينبتها، حتى إن الرمانة ليشبع منها السكن، قيل وما السكن، قال: أهل البيت، قال: فبينما الناس كذلك إذا أتاهم الصريخ أن ذا السويقتين يريده قال: فيبعث عيسى بن مريم طليعة سبعمائة، أو بين السبعمائة والثمانمائة حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث اللَّه ريحًا يمانية طيبة فيقبض فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج الناس (١)، فيتسافدون كما تتسافد (٢) البهائم، فمثل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه متى تضع.
قال كعب: فمن قال بعد قولى هذا شيئًا، وبعد علمى هذا شيئًا فهو المتكلف) (٣)
стр. 277
وقد مر في فصل عيسى بن مريم ﵊ أنه يحج البيت أو يعتمر بعد أن يهلك اللَّه يأجوج ومأجوج ويموت ويدفن مع النبي محمد ﷺ بجوار قبره الشريف.
سادسًا: هل فتح السد وخرج يأجوج ومأجوج ؟
جاء في السنة النبوية أن السد قد فتح منه قدر يسير، وأنذر رسول اللَّه ﷺ العرب من شر يحيق بهم، ولعل ذلك الشر الذي نزل بالعرب هو اجتياح المغول التتار لبلاد العرب وإسقاطهم الخلافة العباسية كما قال بعض العلماء حول هذا الموضوع، إذ أن الحديث أشار بابتداء انشقاق السد، وفتح منه فتحة صغيرة، ولكن هذا الخروج الذي حصل أوائل القرن السابع للهجرة، ليس هو الخروج الذي يحصل لهم عند نهاية العالم وبين يدى قيام الساعة، بل الخروج كأنه عقاب للأمة لما ارتكبت من ذنوب وخطايا وهكذا شاء اللَّه أن يحل بها ما حل من تدمير وتقتيل إلى أن يشاء اللَّه لهم بالخروج وهو الإجتياح الأكبر الذي ثبت في الأحاديث الصحيحة.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (فتح اللَّه من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد بيده تسعين) (١).
قال ابن حجر: (وعقد التسعين أن يجعل طرف السبابة اليمنى في أصلها ويضمها ضمًا محكمًا بحيث تنطوى عقدتاها حتى تصير مثل الحية المطوقة، ونقل ابن التين عن الداودى: أن صورته: أن يجعل السبابة في وسط
стр. 278
الإبهام) (١).
وعن أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ وقد دخل عليها يومًا فزعًا يقول: (لا إله إلا اللَّه، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، قالت زينب: فقلت يا رسول اللَّه: أنهلك وفينا الصالحون؟
قال: نعم إذا كثر الخبث) (٢).
* * *
стр. 279
الفصل الثاني علامات الساعة الكبرى غير المألوفة
تمهيد
بعد أن يهلك اللَّه تعالى الدجال على يد السيد المسيح ﵇ ويعم الرخاء في الأرض، وتظهر البركة حيث تصب السماء ماءها وتخرج الأرض بركاتها بإذن اللَّه تعالى، حتى إن الجماعة تستظل بقحف الرمانة، ويلعب الأطفال بالحيات لا تؤذيهم إلى آخر ذلك كما ورد في السنة. . .
عند ذلك يعم الهدوء والطمأنينة في الأرض، ويشكر السيد المسيح ﵇ والمسلمون معه ربهم أن خلصهم من شر يأجوج ومأجوج يقيم عيسى ﵇ وجهه شطر المسجد الحرام حاجًا أو معتمرًا ثم يموت بعد ذلك ويدفن بجوار النبي محمد ﷺ .
عند هذه الحالة التي عليها المسلمون تظهر العلامات الكبرى، التي توحى أن الساعة أصبحت كالحامل المتم لا يدرى أهلها متى تلد، فتظهر العلامات الكبرى غير المألوفة، حيث طلوع الشمس من المغرب على غير عادتها وظهور الدابة التي تكلم الناس، والدخان والريح والخسوفات الثلاثة مع ما يتخلل هذه العلامات من ظهور ذي السويقتين وتهديمه للكعبة ورفع القرآن أي كلمات القرآن من المصاحف حتى تغدو مجرد صحف بلا حروف، ورفع القرآن من الصدور على ما ورد، وهذه العلامات الكبرى الغير مألوفة رتبتها في هذا الفصل كما يلى:
طلوع الشمس من المغرب، الدابة، الدخان، الريح الطيبة، المار،
стр. 280
الخسوفات الثلاثة، والناس التي تقوم عليهم الساعة، ثم خراب مكة والمدينة وخروج الناس من المدينة، وظهور ذو السويقتين إلى آخر العلامات وهى إثنان من مدينة مزينة تقوم عليها الساعة وإلى آخر حشر الناس إلى الشام.
على أننى أعتمد على الأحاديث وحاولت أن ارتبها ما استطعت حسب الأحداث التي وردت في كتب السنة أو الكتب التي تكلمت عن موضوع العلامات.
أولًا: طلوع الشمس من المغرب
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ قال ابن كثير: (يقول تعالى متوعدًا للكافرين به والمخالفين لرسله والمكذبين بآياته والصادين عن سبيله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا. . .﴾. . وذلك كائن يوم القيامة. . ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ وذلك قبل يوم القيامة كائن من إمارات الساعة واشراطها، حين يرون شيئًا من أشراط الساعة كما قال البخاري في تفسير هذه الآية).
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها) فذلك حين (لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل).
وقال ابن كثير: (أي إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك فإن كان مصلحًا في عمله فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحًا فأحدث توبة، حينئذ لم تقبل منه توبته كما دلت عليه الأحاديث،
стр. 281
وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ أي لا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملًا قبل ذلك) (١).
٢ - وعن أبي ذر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال له: (أتدرى أين تذهب الشمس إذا غربت؟
قلت: لا أدرى، قال: إنها تنتهى دون العرش، فتخر ساجدة ثم تقوم حتى يقال لها ارجعى، فيوشك يا أبا ذر، أن يقال لها ارجعى من حيث جئت، وذلك حين (لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) (٢).
٣ - عن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم، وخروج الدجال، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس -أو تحشر الناس- تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا) (٣).
٤ - عن صفوان بن عسال ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إن اللَّه فتح بابًا قبل المغرب عرضه سبعون عامًا للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه) (٤).
قال محمد بن جبر سلامة: (قوله ﷺ (أول الآيات خروجًا طلوع
стр. 282
الشمس -يعنى أول أشراط الساعة الكبرى المؤذنة بقرب إنتهاء العالم قربًا عظيمًا، فإن طلوع الشمس من المغرب إيذان باضطراب هذا الكون وخراب العالم، وهذا يقين إن شاء اللَّه تعالى، ومن أظهر الأدلة على ذلك أن باب التوبة يغلق بطلوع الشمس من المغرب، بينما يقبل الإسلام ممن أسلم في زمن عيسى ﵇ (١).
٥ - عن عمرو بن جرير قال: (جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة فسمعوه وهو يحدث عن الآيات يقول: إن أولها خروج الدجال، قال: فانصرفوا إلى عبد اللَّه بن عمرو فحدثوه بالذى سمعوه من مروان في الآيات فقال: لم يقل مروان شيئًا، حفظت من رسول اللَّه ﷺ : (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ضحى، فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها).
ثم قال عبد اللَّه وكان يقرأ الكتب: وأظن أولها خروجًا طلوع الشمس من مغربها وذلك أنها كلما غربت أتت تحت العرش وسجدت وأستأذنت في الرجوع، أذن لها في الرجوع، حتى إذا بدا اللَّه أن تطلع من مغربها فعلت كما كانت تفعل، أتت تحت العرش فسجدت فاستأذنت في الرجوع فلم يرد عليها شئ، ثم استأذنت في الرجوع فلا يرد عليها شئ، حتى إذا ذهب من الليل ما شاء اللَّه أن يذهب وعرفت أنه إذا أذن لها في الرجوع لم تدرك المشرق، قالت: رب ما أبعد المشرق، من لي بالناس؟. حتى إذا ما صار الأفق كأنه طوق، استأذنت في الرجوع فيقال لها: مكانك فاطلعى، فطلعت على الناس من مغربها، ثم تلا عبد اللَّه هذه الآية ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ
стр. 283
آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ. . .﴾ الآية) (١).
٦ - عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إن الهجرة خصلتان، وإحداهما تهجر السيئات والأخرى تهاجر إلى اللَّه ورسوله ولا تنقطع ما قبلت التوبة، ولا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل) (٢).
٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال:
(بادروا بالأعمال ستًا (٣)، طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان أو الدجال، والدابة (٤)، أو خاصة (٥) أحدكم أو أمر العامة) (٦).
٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال:
(لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن أمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا) ولتقومن من الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه. . ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته (٧) فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه (٨) فلا يسقى
стр. 284
منه (١)، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه (٢) فلا يطعمها (٣).
ثانيًا: الدابة
قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ (٤).
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: (هذه الدابة تخرج في أخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر اللَّه تعالى، وتبديلهم الدين الحق، يخرج اللَّه لهم دابة من الأرض فتكلم الناس على ذلك).
قال ابن عباس والحسن وقتاده: (تكلمهم كلامًا، أي تخاطبهم مخاطبة).
قال الألوسى في (روح المعانى): (أي تكلمهم بأنهم لا يتيقنون بأيات اللَّه تعالى الناطقة بمجئ الساعة ومباديها، أو بجميع أياته التي من جملتها تلك الأيات وقصارى ما أقول في هذه الدابة: أنها دابة عظيمة ذات قوائم، ليست من نوع الإنسان أصلًا، يخرجها اللَّه تعالى أخر الزمان من الأرض، وتخرج وفى الناس مؤمن وكافر) (٥)، ويدل على ذلك ما روى عن أبي هريرة ﵁:
١ - أن رسول اللَّه ﷺ قال: (تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان بن داوود، وعصا موسى بن عمران ﵉، فتجلوا وجه المؤمن (٦) بالخاتم،
стр. 285
وتخطم أنف الكافر (١) بالعصا، حتى أن أهل الحواء (٢) ليجتمعون، فيقول هذا: ويقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر).
ثم قال (الألوسى): وهذا الخبر أقرب الأخبار المذكورة في الدابة للقبول) (٣)(٤).
قال الإمام القرطبي: (قال بعض العلماء: قد جاء في الروايات، إذا خرج يأجوج ومأجوج وقتلهم اللَّه بالنغف في أعناقهم، وقبض اللَّه نبيه عيسى ﵇، وخلت الأرض منهم، وتطاولت الأيام على الناس، وذهب معظم دين الإسلام، أخذ الناس في الرجوع إلى عاداتهم. . وأحدثوا الأحداث من الكفر والفسوق، كما أحدثوه بعد كل قائم نصبه اللَّه تعالى بينه وبينهم حجة عليهم ثم قبضه، فيخرج اللَّه تعالى لهم دابة من الأرض فتميز المؤمن من الكافر ليرتدع بذلك الكفار عن كفرهم، والفساق عن فسقهم، ويستبصروا ويرجعوا عما هم فيه من الفسوق والعصيان، ثم تغيب الدابة عنهم ويمهلون، فإذا اصروا على طغيانهم طلعت الشمس من مغربها، ولم يقبل بعد ذلك من كافر ولا فاسق توبة، وأزيل الخطاب والتكليف عنهم، ثم كان قيام الساعة على إثر ذلك قريبًا، لأن اللَّه تعالى يقول:) وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون (فإذا قطع عنهم التعبد لم يقرهم بعد ذلك في زماننا طويلًا) (٥).