روؤف رحيم أن يهلكهم، فينزغ منهم الايمان بعد ما قد أبلوا فى اللَّه ما أبلوا مع رسوله ﷺ ، وصبروا عليه من البأساء والضراء (١).
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ التوبة: ١١٨.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى ذكره: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ
стр. 107
والانصار، وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم اللَّه فى هذه الآية بما وصفهم به فيما قيل، هم الآخرون الذين قال جل ثناءه: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فتاب عليهم عزّ ذكره، وتفضل عليهم. فتأويل الكلام اذن: ولقد تاب اللَّه على الثلاثة الذين خلفهم اللَّه عن التوبة، فأرجأ عمن تاب عليه، ممن تخلف عن رسول اللَّه ﷺ (١).
стр. 108
وقال أبو جعفر:
قال: حدثنا أبو داود الحفرى (١)، عن سلام أبى الأحوص (٢)، عن سعيد بن مسروق (٣)، عن عكرمة ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قال: هلال بن أمية ومرارة، وكعب بن مالك (٤).
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد اللَّه (٥)، عن اسرائيل (٦)، عن
стр. 109
السدى (١) عن أبى مالك (٢)، قال: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة (٣).
قال أبو جعفر:
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الى قوله. . ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة, تخلفوا فى غزوة تبوك، ذكر لنا أن كعب بن مالك أوثق نفسه الى سارية فقال: لا أطلقها، أو لا أطلق نفسى حتى يطلقنى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: رسول اللَّه ﷺ واللَّه لا أطلقه حتى يطلقه ربه ان شاء.
стр. 110
وأما الآخر فكان تخلف على حائط له كان أدرك، فجعله صدقة فى سبيل اللَّه. وقال: واللَّه لا أطعمه. وأما الآخر فركب المفاوز يتبع أثر رسول اللَّه ﷺ ، ترفعه أرض وتضعه أخرى وقدماه تشلشلان دما (١).
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية (٢)، عن الأعمش (٣)، عن
стр. 111
أبى سفيان، عن جابر، فى قوله ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قال: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة ربيعة، وكلهم من الأنصار (١).
قال أبو جعفر:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، وعمن سمع عن عكرمة، فى قوله ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قال: خلفوا عن التوبة (٢).
الفصل العاشر فيما نزل من القرآن فى الذين اعترفوا بذنوبهم
قال اللَّه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة: ١٠٢.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى ذكره: ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق، ومنهم آخرون اعترفوا بذنوبهم، يقول: اقروا بذنوبهم، خلطوا عملا صالحا، يعنى جل ثناءه بالعمل الصالح الذى خلطوه بالعمل السيء: اعترافهم بذنوبهم وتوبتهم منها، والآخر السيء هو تخلفهم عن رسول اللَّه ﷺ لما خرج غازيا الى تبوك وحين تركهم الجهاد مع المسلمين.
ثم قال أبو جعفر وقد اختلف أهل التأويل فى المعنى بهذه الآية، والسبب الذى من أجله انزلت فيه، فقال بعضهم: نزلت فى عشرة أنفس كانوا تخلفوا عن رسول اللَّه ﷺ فى غزوة تبوك، منهم أبو لبابة، فربط سبعة منهم أنفسهم الى السوارى عند مقدم النبي ﷺ ، توبة منهم من ذنبهم (١).
قال أبو جعفر:
حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ قال: كانو عشرة رهط تخلفوا عن النبي ﷺ فى غزوة تبوك، فلما حضر رجوع النبي ﷺ أوثق سبعة منهم أنفسهم بسوارى المسجد، وكان ممر النبي ﷺ إذا رجع فى المسجد عليهم، فلما رآهم قال: من الموثقون أنفسهم بالسوارى؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عنك يا رسول اللَّه حتى تطلقهم، وتعذرهم، فقال النبي ﷺ : "وأنا أقسم باللَّه لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون اللَّه هو الذى يطلقهم، رغبوا عنى، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين" فلما بلغهم ذلك، قالوا: ونحن باللَّه لا نطلق أنفسنا حتى يكون اللَّه الذى يطلقنا، فأنزل اللَّه ﵎ ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعسى من اللَّه واجب، فلما نزلت، أرسل اليهم النبي ﷺ ، فأطلقهم وعذرهم (١).
стр. 116
قال أبو جعفر، وقال آخرون: كانوا ستة، أحدهم أبو لبابة، وذكر من قال ذلك حدثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ﴾. . . الى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وذلك أن رسول اللَّه ﷺ غزا غزوة تبوك، فتخلف أبو لبابة وخمسة معه عن النبي ﷺ ، ثم أن أبا لبابة ورجلين معه تفكروا وندموا، وأيقنوا بالهلكة، وقالوا: نكون فى الكن والطمأنينة مع النساء، ورسول اللَّه ﷺ والمؤمنون معه فى الجهاد، واللَّه لنوثقن أنفسنا بالسوارى، فلا نطلقها حتى يكون رسول اللَّه ﷺ هو يطلقنا ويعذرنا، فانطلق أبو لبابة وأوثق نفسه ورجلان معه بسوارى المسجد، وبقي ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم، فرجع رسول اللَّه ﷺ من غزوته، وكان طريقه فى المسجد، فمر عليهم فقال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسواري؟ فقالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عنك تعاهدوا اللَّه
стр. 117
ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذى تطلقهم، وترضى عنهم، وقد اعترفوا بذنوبهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : واللَّه لا أطلقهم حتى أؤمر باطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يكون اللَّه هو يعذرهم، وقد تخلفوا عنى ورغبوا بأنفسهم عن غزو المسلمين وجهادهم، فأنزل اللَّه برحمته ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعسى من اللَّه واجب، فأطلقهم رسول اللَّه ﷺ وعذرهم، وتجاوز عنهم. (١)
وقال أبو جعفر: وقال آخرون: الذين ربطوا أنفسهم بالسوارى كانوا ثمانية، ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال ثنا يعقوب (٢) , عن
стр. 118
زيد بن أسلم، ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسوارى، منهم كردم ومرداس وأبو لبابة (١).
وقال أبو جعفر: وقال آخرون: كانوا سبعة. ذكر من قال ذلك. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رهط تخلفوا عن غزوة تبوك، فأما أربعة فخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. جد بن قيس، وأبو لبابة،
стр. 119
وحرام، وأوس، وكلهم من الانصار، وهم الذين قيل فيهم ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية (١)
стр. 120
قال أبو جعفر:
حدثت عن الحسين بن الفرج (١)، قال سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: فى قوله تعالى ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ نزلت فى أبى لبابة وأصحابه، تخلفوا عن رسول اللَّه ﷺ فى غزوة تبوك، فلما قفل رسول اللَّه ﷺ من غزوته، وكان قريبا من المدينة، ندموا على تخلفهم عن رسول اللَّه ﷺ ، وقالوا: نكون فى الظلال، والأطعمة، والنساء ونبى اللَّه فى الجهاد واللأواء، واللَّه لنوثقن أنفسنا بالسوارى، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي اللَّه ﷺ هو الذى يطلقنا ويعذرنا، وأوثقوا أنفسهم، وبقى ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم، فقدم رسول اللَّه ﷺ من
стр. 121
غزوته، فمر فى المسجد وكان طريقه، فأبصرهم، فسأل عنهم، فقيل له: أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك يا نبى اللَّه، فصنعوا بأنفسهم ما ترى، وعاهدوا اللَّه أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذى تطلقهم، فقال نبي اللَّه ﷺ : لا أطلقهم حتى أؤمر باطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يعذرهم اللَّه، قد رغبوا عنى بأنفسهم عن غزوة المسلمين، فأنزل اللَّه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الى قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعسى من اللَّه واجب (١).
قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية أبو لبابة خاصة، وذنبه الذى اعترف به، فتيب عليه منه، ما كان من أمره فى بنى قريظة وذكر من قال ذلك.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير (٢)، عن ورقاء (٣) عن ابن أبى نجيح،
стр. 122
عن مجاهد ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قال: نزلت فى أبى لبابة، قال: لبنى قريظة ما قال (١).
قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل نزلت فى أبى لبابة بسبب تخلفه عن تبوك حدثنا محمد بن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الزهرى: كان أبو لبابة، ممن تخلف عن النبي ﷺ فى غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية فقال: واللَّه لا أحل نفسى منها، ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت، أو يتوب اللَّه عليّ، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا، حتى خر مغشيا عليه، قال: ثم تاب اللَّه عليه، ثم قيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة فقال: واللَّه
стр. 123
لا أحل نفسى حتى يكون رسول اللَّه ﷺ يحلنى، قال: فجاء النبي ﷺ فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول اللَّه: ان من توبتى أن أهجر دار قومى التى أصبت فيها الذنب، وانخلع من مالى كله صدقة الى اللَّه والى رسوله، قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث (١).
قال أبو جعفر: وقال بعضهم: عنى بهذه الآية الاعراب. وذكر من قال ذلك. حدثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ قال: فقال أنهم من الاعراب (٢).
الفصل الحادى عشر فيما نزل من القرآن فى أخذ الصدقة عن الذين اعترفوا بذنوبهم فى غزوة تبوك
قال اللَّه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ التوبة: ١٠٣.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى ذكره: لنبيه ﷺ : يا محمد خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم، فتابوا منها، صدقة تطهرهم من دنس ذنوبهم، وتزكيهم بها، يقول: وتنميهم وترفعهم من جنس منازل أهل النفاق بها، الى منازل أهل الاخلاص ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: ادع لهم بالمغفرة لذنوبهم، واستغفر لهم منها ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ﴾ يقول: ان دعائك واستغفارك طمأنينة لهم بأن اللَّه قد عفا عنهم، وقبل توبتهم ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يقول: واللَّه سميع لدعائك إذا دعوت لهم، ولغير ذلك من كلام خلقه، عليم بما تطلب لهم بدعائك ربك لهم، وبغير ذلك من أمور عباده (١).
قال أبو جعفر:
حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: جاءوا بأموالهم، يعنى أبا لبابة وأصحابه حين اطلقوا، فقالوا: يا رسول اللَّه هذه أموالنا، فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، قال ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا، فأنزل اللَّه ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ يعنى بالزكاة: طاعة للَّه والاخلاص ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: استغفر لهم (١).
стр. 128
قال أبو جعفر:
حدثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه عن ابن عباس، قال: لما أطلق رسول اللَّه ﷺ أبا لبابة وصاحبيه، انطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم، فأتوا بها رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: خذ من أموالنا، فتصدق بها عنا، وصل علينا، يقولون: استغفر لنا، وطهرنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : لا آخذ منها شيئا حتى أؤمر، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ يقول: استغفر لهم من ذنوبهم التى كانوا أصابوا، فلما نزلت هذه الآية أخذ رسول اللَّه ﷺ جزءا من أموالهم، فتصدق بها عنهم (١).
стр. 129
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن زيد بن أسلم، قال: لما أطلق النبي ﷺ أبا لبابة، والذين ربطوا أنفسهم بالسوارى، قالوا: يا رسول اللَّه خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، فأنزل اللَّه ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية. . . (١).
стр. 130
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير (١)، عن يعقوب (٢)، عن جعفر (٣) عن سعيد بن جبير (٤)، قال: قال الذين ربطوا أنفسهم بالسوارى حين
стр. 131
عفا اللَّه عنهم: يا نبي اللَّه طهر أموالنا، فأنزل اللَّه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، وكان الثلانة إذا اشتكى أحدهم اشتكى الآخران مثله وكان عمي منهم اثنان، فلم يزل الآخر يدعو حتى عمي (١).
قال أبو جعفر:
حدثنى يونس (٢)، قال: أخبرنى ابن وهب، قال: قال ابن زيد، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قال: هؤلاء ناس من المنافقين ممن كان تخلف عن النبي ﷺ فى غزوة تبوك، اعترفوا بالنفاق وقالوا: يا رسول اللَّه، قد أرتبنا ونافقنا وشككنا، ولكن توبة جديدة، وصدقة تخرجها من أموالنا، فقال اللَّه لنبيه ﵊: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾
стр. 132
بعد ما قال ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (١).
قال أبو جعفر:
حدثنا القاسم (٢)، قال: ثنا الحسين (٣)، قال: ثنى حجاج (٤) عن
стр. 133
ابن جريج (١)، قال: قال ابن عباس، قوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ قال: أبو لبابة وأصحابه ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: استغفر لذنونهم التى كانوا عليها (٢).
قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ التوبة: ١٠٤.
قال أبو جعفر:
وهذا خبر من اللَّه تعالى ذكره، أخبر المؤمنين به، أن قبول التوبة، ممن تاب من المنافقين وأخذ الصدقة من أموالهم إذا أعطوها، ليسا الى رسول اللَّه ﷺ ، وأن رسول اللَّه ﷺ حين أبى،
стр. 134
أن يطلق من ربط نفسه بالسوارى من المتخلفين عند الغزو معه، وحين ترك قبول صدقتهم بعد أن أطلق اللَّه عنهم، حين أذن له فى ذلك، انما فعل من أجل أن ذلك لم يكن اليه ﷺ ، وان ذلك الى اللَّه جل وعلا، وان محمدا انما يفعل ما يفعل من ترك، واطلاق، وأخذ صدقة وغير ذلك من أفعاله ﷺ بأمر اللَّه تعالى، ألم يعلم هؤلاء المتخلفون عن الجهاد مع المؤمنين الموثقوا أنفسهم بالسوارى القائلون ولا نطلق أنفسنا حتى يكون الرسول ﷺ هو الذى يطلقنا السائلو رسول اللَّه ﷺ أخذ صدقة أموالهم. ان ذلك ليس الى محمد وان ذلك الى اللَّه وحده وانه جل وعلا هو الذى يقبل التوبة، ممن تاب اليه من عبادة يردها، ويأخذ صدقة من تصدق عنهم أو يردها عليه، دون محمد فيوجهوا توبتهم وصدقتهم الى اللَّه. ويقصدوا بذلك قصد وجهه دون محمد وغيره ويخلصوا التوبة له ويعلموا أن اللَّه هو التواب الرحيم (١).
стр. 135
قال أبو جعفر:
حدثنا الحسن بن يحيى (١)، قال: أخبرنا عبد الرزاق (٢)، قال: أخبرنا الثورى (٣)، عن عبد اللَّه بن السائب (٤)، عن عبد اللَّه بن أبى قتادة
стр. 136
المحاربى (١) عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: ما تصدق رجل بصدقة الا وقعت فى يد اللَّه قبل أن تقع فى يد السائل، وهو يضعها فى يد السائل، ثم قرأ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (٢).
قال أبو جعفر:
حدثنا أبو كريب (٣)، قال: ثنا عباد بن منصور (٤) عن القاسم (٥) أنه سمع
стр. 137
أبا هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن اللَّه يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه، فيربيها لاحدكم، كما يربى أحدكم مهره، حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك فى كتاب اللَّه ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ ويمحق الربا ويربى الصدقات (١).
قال أبو جعفر:
حدثنا محمد بن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب (٢)، عن القاسم بن محمد، عن أبى هريرة، قال: إن اللَّه يقبل الصدقة إذا كانت من طيب، ويأخذها بيمينه، وإن الرجل يتصدق بمثل
стр. 138
اللقمة، فيربيها اللَّه له، كما يربى أحدكم فصيله أو مهره، فتربو فى كف اللَّه، أو قال فى يد اللَّه، حتى تكون مثل الجبل (١).
قال أبو جعفر:
حدثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية، يعنى قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أخذ رسول اللَّه ﷺ من أموالهم، يعنى من أموال أبى لبابة وصاحبيه، فتصدق بها عنهم، وبقى الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة، وهم لم يوثقوا، ولم يذكروا بشئ، ولم ينزل عذرهم، وضاقت عليهم الارض بما رحبت، وهم الذين قال اللَّه ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
стр. 139
حَكِيمٌ﴾ فجعل الناس يقولون: هلكوا إذ لم ينزل لهم عذر. وجعل آخرون يقولون: عسى اللَّه أن يغفر لهم، فصاروا مرجئين لامر اللَّه، حتى نزلت: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الذين خرجوا معه الى الشام ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ثم قال: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ يعنى المرجئين لامر اللَّه، نزلت عليهم التوبة، فعموا بها، فقال ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. . الى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١).
стр. 140
الفصل الثانى عشر فيما نزل من القرآن كاشفا المتخلفين فى غزوة تبوك
قال اللَّه تعالى: ﴿قل لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ التوبة: ٥١.
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: مؤدبا نبيه محمدًا ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين الذين خلفوا عنك: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾ أيها المرتابون فى دينهم ﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ فى اللوح المحفوظ، وقضاه علينا. ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾: يقول: هو ناصرنا على أعدائه. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقول: وعلى اللَّه فليتوكل المؤمنون، فإنهم إن يتوكلوا عليه، ولم يرجوا النصر من عند غيره، ولم يخافوا شيئا غيره، يكفهم امورهم، وينصرهم على من بغاهم وكادهم (١).
стр. 141
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ التوبة: ٥٢.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ قل
стр. 142
لهؤلاء المنافقين الذين وصفت لك صفتهم، وبينت لك أمرهم: هل تنتظرون بنا إلا إحدى الخلتين اللتين هما أحسن من غيرهما، إما ظفرا بالعدو ويكون فتحا لنا بغلبتنا لهم، ففيها الاجر والغنيمة والسلامة، واما قتلا من عدونا لنا، ففيه الشهادة والفوز بالجنة والنجاة من النار، وكلتا هما مما يحب، ولا يكره، ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ فنقتلكم ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ يقول: فانتظروا إنا معكم منتظرون ما اللَّه فاعل بنا، وما اليه صائر أمر كل فريق منا ومنكم. ثم أيد تفسيره هذا بأثر ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه. إذ قال: حدثنى المثنى (١) قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي (٢) عن ابن عباس قوله: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ يقول: فتح أو شهادة. قال مرة أخرى: يقول القتل،
стр. 143
فهى الشهادة والحياة والرزق، وأما يخزيكم بأيدينا (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ التوبة: ٥٣.
قال أبو جعفر: قيل إن هذه الآية نزلت فى الجد بن قيس حين قال للنبي ﷺ لما عرض عليه النبي ﷺ الخروج معه لغزو الروم هذا مالي أعينك به، ثم ساق الاسناد الى ابن عباس إذ قال: حدثنا، القاسم قال: ثنا الحسين، قال: حدثنى، حجاج، عن ابن جريج (٢) قال ابن عباس قال الجد بن قيس: إنى إذا رأيت النساء لم أصبر حتى
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ التوبة: ٦٥.
قال أبو جعفر: يقول تعالى جل ثناءه لنبيه محمد ﷺ : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عما قالوا من الباطل والكذب، ليقولن لك انما قلنا ذلك لعبا، وكنا نخوض فى حديث لعبا وهزوا، يقول اللَّه لمحمد ﷺ قل يا محمد أباللَّه وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزؤن، ثم أيد تفسيره هذا بعدة آثار اختار منها هذا الاثر الذى يعتبر أقرب الى الصحة. قال: حدثنا علي بن داود، قال: ثنا عبد اللَّه بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثنى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم (١) عن عبد اللَّه