قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ التوبة: ٥٢.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ قل
стр. 142
لهؤلاء المنافقين الذين وصفت لك صفتهم، وبينت لك أمرهم: هل تنتظرون بنا إلا إحدى الخلتين اللتين هما أحسن من غيرهما، إما ظفرا بالعدو ويكون فتحا لنا بغلبتنا لهم، ففيها الاجر والغنيمة والسلامة، واما قتلا من عدونا لنا، ففيه الشهادة والفوز بالجنة والنجاة من النار، وكلتا هما مما يحب، ولا يكره، ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ فنقتلكم ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ يقول: فانتظروا إنا معكم منتظرون ما اللَّه فاعل بنا، وما اليه صائر أمر كل فريق منا ومنكم. ثم أيد تفسيره هذا بأثر ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه. إذ قال: حدثنى المثنى (١) قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي (٢) عن ابن عباس قوله: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ يقول: فتح أو شهادة. قال مرة أخرى: يقول القتل،
стр. 143
فهى الشهادة والحياة والرزق، وأما يخزيكم بأيدينا (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ التوبة: ٥٣.
قال أبو جعفر: قيل إن هذه الآية نزلت فى الجد بن قيس حين قال للنبي ﷺ لما عرض عليه النبي ﷺ الخروج معه لغزو الروم هذا مالي أعينك به، ثم ساق الاسناد الى ابن عباس إذ قال: حدثنا، القاسم قال: ثنا الحسين، قال: حدثنى، حجاج، عن ابن جريج (٢) قال ابن عباس قال الجد بن قيس: إنى إذا رأيت النساء لم أصبر حتى
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ التوبة: ٦٥.
قال أبو جعفر: يقول تعالى جل ثناءه لنبيه محمد ﷺ : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عما قالوا من الباطل والكذب، ليقولن لك انما قلنا ذلك لعبا، وكنا نخوض فى حديث لعبا وهزوا، يقول اللَّه لمحمد ﷺ قل يا محمد أباللَّه وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزؤن، ثم أيد تفسيره هذا بعدة آثار اختار منها هذا الاثر الذى يعتبر أقرب الى الصحة. قال: حدثنا علي بن داود، قال: ثنا عبد اللَّه بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثنى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم (١) عن عبد اللَّه
стр. 146
ابن عمر قال: قال رجل فى غزوة تبوك فى مجلس، ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، ولا أكذب السنا، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل فى المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لاخبرن رسول اللَّه ﷺ فبلغ ذلك النبي ﷺ ، ونزل القرآن، قال عبد اللَّه بن عمر: فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول اللَّه ﷺ . تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول اللَّه انما كنا نخوض ونلعب، ورسول اللَّه ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ التوبة: ٦٦.
قال أبو جعفر: يقول اللَّه تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل لهؤلاء الذين وصفت لك صفتهم ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ بالباطل، فتقولوا: كنا
стр. 147
نخوض ونلعب ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ يقول: قد جحدتم الحق بقولكم ما قلتم، فى رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين به ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ يقول: بعد تصديقكم به واقراركم به ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ وذكر انه عنى بالطائفة فى هذا الموضع رجل واحد. ثم ذكر ابن جرير أثر ابن اسحاق بقوله وكان ابن اسحاق يقول فيما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن اسحاق، قال: كان الذى عفى عنه فيما بلغنى محشى بن حمير الاشجعى حليف بنى سلمة، وذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع (١).
الفصل الثالث عشر فيما نزل من القرآن عن نهي الاستغفار للذين تخلفوا عن غزة تبوك بدون عذر مشروع
قال اللَّه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ التوبة: ٨٠.
قال أبو جعفر: يقول اللَّه تعالى ذكره لنبيه ﷺ : ادع اللَّه لهؤلاء المنافقين الذين وصفت لك صفاتهم فى هذه الآية بالمغفرة، أو لا تدع لهم بها، هذا كلام خرج مخرج الامر، وتأويله الخبر، ومعناه: ان استغفرت لهم يا محمد، أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر اللَّه لهم. وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ يقول: إن تسأل لهم أن تستر عليهم ذنوبهم، بالعفو منه لهم عنها، وترك فضيحتهم بها، فلن يستر اللَّه عليهم، ولن يعفو لهم عنها، ولكنه يفضحهم بها على روؤس الأشهاد يوم القيامة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يقول جل ثناءه: هذا الفعل من اللَّه بهم، وترك عفوه لهم عن ذنوبهم من أجل أنهم جحدوا توحيد اللَّه ورسالة رسوله ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
стр. 150
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن كيع (١)، قال: ثنا عبدة بن سليمان (٢)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول، قال لاصحابه: لولا أنكم لا تنفقون على محمد وأصحابه، لانفضوا من حوله وهو القائل:
стр. 151
﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ فأنزل اللَّه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال النبي ﷺ لأزيدن على السبعين، فأنزل اللَّه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فأبى اللَّه ﵎ أن يغفر اللَّه لهم (١).
стр. 152
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن حميد (١) وابن وكيع (٢)، قالا: ثنا جرير (٣)، عن مغيرة (٤) عن شباك (٥) عن الشعبى (٦)، قال: دعا عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبى سلول النبي ﷺ الى جنازة أبيه فقال له النبي ﷺ : من أنت؟ قال: حباب بن عبد اللَّه بن أبيّ، فقال له النبي ﷺ : بل أنت عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول أن الحباب هو الشيطان، ثم قال النبي ﷺ : انه قد قيل لى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، ان
стр. 153
تستغفر لهم، سبعين مرة فلن يغفر اللَّه لهم، فأنا أستغفر لهم سبعين وسبعين وسبعين وألبسه النبي ﷺ قميصه وهو عرق (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ التوبة: ٨١.
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فرح المخلفون عن الغزو مع رسوله والمؤمنين به، وجهاد أعدائه ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ يقول: بجلوسهم فى منازلهم خلف رسول اللَّه ﷺ ، يقول على الخلاف لرسول اللَّه فى جلوسه ومقعده، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ أمرهم بالنفر الى جهاد أعداء اللَّه، فخالفوا أمره وجلسوا فى منازلهم، وقوله (خلاف) مصدر من قول القائل: خالف فلان فلانا، فهو يخالفه خلافا، فذلك جاء مصدره
стр. 154
على تقدير فعال كما يقال: قاتله، فهو يقاتله، قتالا، ولو كان مصدره من خلفه لكانت القراءة بمقعدهم خلف رسول اللَّه لأن مصدر خلفه خلف، لا خلاف، ولكنه على ما بينت من أنه مصدر خالف، فقرئ خلاف رسول اللَّه، وهي القراءة التى عليها قراءة الأمصار، وهى الصواب عندنا ثم ذكر أبو جعفر بقية التفسير (١).
قال ابن جرير الطبرى:
حدثنا محمد بن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر،
стр. 155
عن قتادة فى قوله ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قال: عن غزوة تبوك (١).
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ذكر قول بعضهم لبعض، حين أمر رسول اللَّه ﷺ بالجهاد وأجمع السير
стр. 156
الى تبوك على شدة الحر، وجدب البلاد، يقول اللَّه جلّ ثناءه ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ التوبة: ٨٢.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى ذكره: فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول اللَّه ﷺ فليضحكوا فرحين قليلا فى هذه الدنيا الفانية، بمقعدهم خلاف رسول اللَّه، ولهوهم عن طاعة ربهم، فإنهم سيبكون طويلا فى جهنم مكان ضحكهم القليل فى الدنيا جزاء يقول: ثوابا منا لهم على معصيتهم بتركهم النفر إذا استنفروا الى عدوهم وقعودهم فى منازلهم خلاف رسول اللَّه ﷺ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يقول: بما كانوا يتحرجون من الذنوب (٢).
стр. 157
قال أبو جعفر:
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن (فليضحكوا قليلا) قال: ليضحكوا قليلا فى الدنيا (وليبكوا كثيرا) فى الآخرة فى نار جهنم (جزاءا بما كانوا يكسبون) (١).
стр. 158
قال أبو جعفر:
حدثنا علي بن داود (١)، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قال: هم المنافقون والكفار الذين اتخذوا دينهم هزوا ولعبا، يقول اللَّه ﵎ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ فى الدنيا ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ فى النار (٢).
стр. 159
قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ التوبة: ٨٣.
قال أبو جعفر: يقول اللَّه تعالى لنبيه ﷺ : فإن ردك اللَّه يا محمد الى طائفة من هؤلاء المنافقين: من غزوتك هذه، فاستأذنوك للخروج معك فى أخرى غيرها. (فقل) لهم "لن تخرجوا معى أبدا، ولن تقاتلوا معى عدوا، إنكم ضيغ بالقعود أول مرة) وذلك عند خروج النبي ﷺ اللَّه الى تبوك. ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ يقول: فاقعدوا مع الذين قعدوا من المنافقين خلاف رسول اللَّه ﷺ ، لأنكم منهم فاقتدوا بهديهم، واعملوا مثل الذى عملوا من معصية اللَّه، فإن إلهكم قد سخط عليكم (١).
стр. 160
قال أبو جعفر:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾. . . الى قوله ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أى مع النساء ذكر لنا أنهم كانوا اثنى عشر رجلا من المنافقين، فقيل فيهم ما قيل (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ التوبة: ٨٤.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه ﵎ لنبيه محمد ﷺ : ولا تصل يا محمد على أحد مات من هؤلاء المنافقين، الذين تخلفوا عن الخروج معك أبدا، ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ يقول: ولا تتول دفنه وتقبره، من قول القائل: قام فلان بأمر فلان: إذا ثولى أمره ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ يقول: إنهم جحدوا توحيد اللَّه ورسالة رسوله، وماتوا وهم خارجون عن الإِسلام، مفارقون أمر اللَّه ونهيه، وقد ذكر أن هذه الآية نزلت حين صلى النبي ﷺ على عبد اللَّه بن أبيّ (١).
стр. 163
الفصل الرابع عشر فيما نزل من القرآن فى نوع آخر من المتخلفين فى الغزوة
قال اللَّه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة: ١٠٦.
قال أبو جعفر: مفسرا لهذه الآية:
قال اللَّه تعالى ذكره: ومن هؤلاء المتخلفين منكم حين شخصتم لعدوكم أيها المؤمنون، آخرون، ورفع قوله آخرون عطفا على قوله: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وآخرون مرجون: يعنى مرجئون لامر اللَّه تعالى: وقضائه، يقال منه: ارجأته، ارجئه ارجاء، وهو مرجأ بالهمز، وترك الهمز وهما لغتان معناهما واحد، وقد قرأت القراء بهما جميعا. وقيل: عنى بهذه الآية هؤلاء الاخرين من نفر ممن تخلف عن رسول اللَّه ﷺ فى غزوة تبوك، فندموا على ما فعلوا، ولم يعتذروا الى رسول اللَّه ﷺ عند مقدمه، ولم يوثقوا أنفسهم بالسوارى، فأرجأ اللَّه أمرهم الى أن صحت توبتهم، فتاب عليهم، وعفا عنهم (١).
стр. 164
قال أبو جعفر:
حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي،
стр. 165
عن ابن عباس، قال: وكان ثلاثة منهم يعنى من المتخلفين عن غزوة تبوك، لم يوثقوا أنفسهم بالسوارى، أرجئوا برهة، لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم، فأنزل اللَّه ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾. . الى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١).
стр. 166
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا سويد بن عمرو (١)، عن حماد ابن زيد، عن أيوب، عن عكرمة ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ قال: هم الثلاثة الذين خلفوا (٢).
قال أبو جعفر:
حدثنى محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، فى قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ قال هلال بن أمية، ومرارة الربيع، كعب بن مالك من الأوس والخزرج (٣).
стр. 167
قال أبو جعفر:
حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة (١)، قال: ثنا شبل (٢)، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، كعب بن مالك من الأوس والخزرج (٣).
стр. 168
قال ابن جرير الطبرى:
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: فى قوله ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ هم الثلاثة الذين أخروا عن التوبة، يريد غير أبى لبابة وأصحابه، ولم ينزل اللَّه عذرهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وكان أصحاب رسول اللَّه
стр. 169
- ﷺ فيهم فرقتين: فرقة تقول: هلكوا حين لم ينزل اللَّه فيهم ما أنزل فى أبى لبابة وأصحابه، وتقول فرقة أخرى: عسى اللَّه أن يعفو عنهم، وكانوا مرجئين لامر اللَّه، ثم أنزل اللَّه رحمته ومغفرته، فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ .. الآية وأنزل ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. . . الآية (١).
стр. 170
الفصل الخامس عشر فيما نزل من القرآن فى معاتبة المتخلفين فى الغزوة
قال اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ التوبة: ١٢٠.
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: لم يكن لأهل المدينة، مدينة رسول اللَّه ﷺ ومن حولهم من الاعراب سكان البوادى، الذين تخلفوا عن رسول اللَّه ﷺ فى غزوة تبوك، وهم من أهل الايمان به أن يتخلفوا فى أهاليهم ولا دارهم ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، فى صحبته فى سفره، والجهاد معه، ومعاونته على ما يعانيه فى غزوه ذلك. يقول: إنه لم يكن لهم هذا، وبسبب أنهم لا يصيبهم فى سفرهم إذا كانوا معه ظمأ وهو العطش والنصب، ويقول: ولا تعب ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعنى:
стр. 171
ولا مجاعة فى إقامة دين اللَّه ونصرته، وهدم منار الكفر، ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ يعنى أرضا، يقول: ولا يطئون أرضا يغيظ الكفار وطوءهم إياهم ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ يقول: ولا يصيبون من عدو اللَّه وعدوهم شيئا فى أموالهم وأنفسهم وأولادهم إلا كتب اللَّه لهم بذلك كله ثواب عمل صالح قد ارتضاه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يقول: إن اللَّه لا يدع محسنًا من خلقه أحسن فى عمله، فأطاعه فيما أمره، وانتهى عما نهاه عنه ان يجازيه على احسانه، ويثيبه على صالح عمله، فذلك كتب لمن فعل ذلك من أهل المدينة، ومن حولهم من الاعراب ما ذكر فى هذه الآية: الثواب على كل ما فعل فلم يضيع له أجر فعله ذلك (١).
стр. 172
قال أبو جعفر:
وقد اختلف أهل التأويل فى حكم هذه الآية، فقال بعضهم: هى محكمة، وانما كان ذلك لرسول اللَّه ﷺ خاصة، لم يكن لاحد أن يتخلف إذا غزا خلافه، فيقعد عنه، إلا من كان ذا عذر، فأما غيره من الأئمة والولاة، فان لمن شاء من المؤمنين إن يتخلف خلافه تخلف إذا لم يكن بالمسلمين اليه ضرورة (١).
стр. 173
قال أبو جعفر، الذين ذهبوا الى نسخ الآية. . . ثم قال: ذكر من قال ذلك.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول اللَّه ﷺ ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾ هذا إذا غزا نبى اللَّه ﷺ بنفسه -فليس لاحد أن يتخلف، ذكر لنا أن النبي ﷺ ، قال: لولا أن أشق على أمتى ما تخلفت خلف سرية تغزو فى سبيل اللَّه، ولكنى لا أجد سعة، فانطلق بهم معى، ويشق عليّ أو أكره أن أدعهم بعدى (١).
стр. 174
قال أبو جعفر:
حدثنا علي بن سهل (١)، قال: ثنا الوليد بن مسلم (٢)، قال: سمعت الأوزاعى (٣)، وعبد اللَّه بن المبارك (٤)، والفزارى (٥)، والسبيعى،
стр. 175
وابن جابر (١)، وسعيد بن عبد العزيز (٢) يقولون فى هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾. . . الى آخر الآية إنها لأول هذه الامة وآخرها، من المجاهدين فى سبيل اللَّه (٣).
الفصل السادس عشر فى دليل رسول اللَّه ﷺ الى تبوك
قال محمد بن عمر الواقدى: حدثنى، رفاعة بن ثعلبة بن أبى مالك، عن أبيه، عن جده، ومضى رسول اللَّه ﷺ ، من المدينة فصبح ذا خشب (١) فنزل تحت الدومة، وكان دليله الى تبوك علقمة بن الفغواء الخزاعي (٢) وأقام رسول اللَّه ﷺ له تحت الدومة، وراح منها ممسيا
стр. 178
حيث أبرد، وكان فى حر شديد، وكان يجمع -من يوم نزل ذا خشب- بين الظهر والعصر فى منزله الحديث (١).
стр. 179
الفصل السابع عشر فى عدد جيش غزوة تبوك
قال الامام مسلم فى صحيحه: حدثنى سلمة بن شبيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدثنا معقل (وهو ابن عبيد اللَّه) عن الزهري، أخبرنى عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن عمه، عبيد اللَّه ابن كعب، وكان قائد كعب، حين اصيب بصره، وكان أعلم قومه، وأوعاهم لاحاديث أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، قال: سمعت أبى كعب بن مالك، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم يحدث أنه لم يتخلف عن رسول اللَّه ﷺ فى غزوة غزاها قط، غير غزوتين، وساق الحديث، وقال فيه: وغزا رسول اللَّه ﷺ بناس كثير، يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ (١).
стр. 180
قال الواقدي: حدثنى رفاعة بن ثعلبة بن أبى مالك (١)، عن أبيه، عن جده، قال: جلست مع زيد بن ثابت، فذكرنا غزوة تبوك، فذكر أنه حمل لواء مالك بن النجار، فى تبوك، فقلت: يا أبا سعيد كم ترى كان المسلمون؟ قال: ثلاثون الفا، لقد كان الناس، يرحلون عند ميل الشمس، فما يزالون يرحلون، والساقة مقيمون، برحل العسكر، فسألت بعض من كان بالساقة فقال: ما يرحل آخرهم إلا مساءًا، ثم