قال: سألت جعفر (١) بن محمد بن علي بن الحسين، فقلت: ما ترى فى قتال الديلم؟ فقال: قاتلوهم ورابطوهم، فإنهم من الذين قال اللَّه فيهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (٢).
قال أبو جعفر:
حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فى قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ قال: كان الذين يلونهم
стр. 72
من الكفار العرب، فقاتلهم حتى فرغ منهم، فلما فرغ قال اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. . . حتى بلغ ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قال: فلما فرغ من قتال من يليه من العرب، أمره بجهاد أهل الكتاب، قال: وجهادهم أفضل الجهاد عند اللَّه.
وأما قوله ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ فان معناه: وليجد هؤلاء الكفار الذين تقاتلونهم. فيكم أي منكم شدة عليهم. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ يقول: وأيقنوا عند قتالكم اياهم أن اللَّه معكم. وهو ناصركم عليهم، فان اتقيتم اللَّه وخفتموه، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فإن اللَّه ناصر من اتقاه معينه (١).
الفصل الرابع فى السنة التى وقعت فيها غزوة تبوك
قال الحافظ ابن عساكر:
أخبرنا أبو محمد هبة اللَّه بن أحمد الأكفانى (١)، ثنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتانى (٢)، نا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن أبى نضر (٣)، وأبو نصر محمد بن أحمد بن هارون بن الجندبى (٤) قالا: أنبأ
стр. 75
أبو القاسم علي بن يعقوب بن أبى العقب (١). نا أحمد بن إبراهيم القرشى (٢)، نا محمد بن عائذ (٣)، أخبرنى محمد بن شعيب (٤)، عن عثمان بن عطاء (٥)، عن أبيه عطاء الخراساني (٦) عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لبث رسول اللَّه ﷺ بعد خروجه من الطائف ستة أشهر، ثم أمره اللَّه بغزوة تبوك، وهي التى ذكر اللَّه ساعة العسرة، وذلك فى حر شديد، وقد كثر النفاق،
الفصل الخامس فى بعوث الرسول ﷺ الى القبائل قبل غزوة تبوك
قال الواقدى فى مغازيه:
وبعث رسول اللَّه ﷺ ، الى القبائل، والى مكة، يستنفرهم الى غزوهم، فبعث الى أسلم، بريدة بن الحصيب، وأمره أن يبلغ الفرع.
وبعث أبارهم الغفارى الى قومه أن يطلبهم ببلادهم. وخرج أبو واقد الليثي فى قومه. وخرج أبو جعد الضمرى فى قومه بالساحل، وبعث فى بنى كعب بن عمر بن بديل بن ورقاء، وعمرو بن سالم، وبشر بن سفيان، وبعث فى سليم عدة منهم العباس بن مرداس انتهى (١).
стр. 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 80
الفصل السادس فى استنفار الرسول ﷺ أصحابه الى تبوك
قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (١).
قال أبو جعفر فى تفسيره: تحث هذه الآية الكريمة أصحاب رسول اللَّه ﷺ على غزوة الروم، وذلك غزوة رسول اللَّه ﷺ تبوك ثم ساق الإسناد الى مجاهد بقوله، حدثنى محمد بن عمرو (٢) قال: ثنا أبو عاصم (٣)، قال: ثنا عيسى (٤) عن أبى نجيح (٥)،
стр. 81
من مجاهد (١) قال: أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد حنين، أمروا بالنفير حين خرفت النخل، وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج (٢).
قال أبو جعفر:
حدثنا القاسم (٣)، قال ثنا الحسين (٤)، قال: ثنى حجاج (٥) عن
стр. 82
ابن جريج (١)، عن مجاهد، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآية، قال: هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وحنين، وبعد الطائف، أمرهم بالنفير فى الصيف، حين اخترفت النخل، وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم الخرج، قال: قالوا منا الثقيل، وذو الحاجة، والضيعة، والشغل، والمنتشر به أمره فى ذلك كله، فأنزل اللَّه ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٢).
قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣).
стр. 83
قال أبو جعفر:
إن لم تنفروا أيها المؤمنون الى من استنفركم رسول اللَّه ﷺ يعذبكم اللَّه عاجلا فى الدنيا، بترككم النفر اليهم، عذابا موجعا، ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يقول: يبدل اللَّه نبيه قوما غيركم، ينفرون إذا استنفروا، ثم قال أبو جعفر: ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب (١)، قال: ثنا زيد بن الحباب (٢)، قال: ثنى عبد المؤمن بن خالد الحنفى (٣) قال: ثنى نجدة الخراسانى (٤)، قال: سمعت ابن عباس، وسئل عن قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قال: إن رسول اللَّه ﷺ استنفر حيا من أحياء العرب، فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر،
стр. 84
فكان ذلك عذابهم، فذلك قوله تعالى ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١).
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن حميد (٢) قال: ثنا يزيد (٣)، ثنا سعيد (٤)، عن
стр. 85
عن قتادة (١) ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ استنفر اللَّه المؤمنين فى لهبان الحر فى غزوة تبوك قبل الشام على ما يعلم اللَّه من الجهد، وقد زعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة.
قال اللَّه تعالى:
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
قال أبو جعفر:
اختلف أهل التأويل فى معنى الخفة، والثقل اللذين أمر اللَّه من كان به أحدهما بالنفر معه، فقال بعضهم: معنى الخفة التى عناها اللَّه فى هذا الموضع: الشباب، ومعنى الثقل: الشيخوخة، ثم ساق الإسناد الى مجاهد بقوله: حدثنى محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قال
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١).
قال أبو جعفر:
كانت جماعة من الصحابة قد استأذنت رسول اللَّه ﷺ فى التخلف عنه حين خرج الى تبوك فاذن لهم: لو كان ما تدعو اليه عرضا قريبا يقول: غنيمة حاضرة وسفرًا قاصدًا، يقول: موضعا قريبا سهلا، لاتبعوك، ونفروا معك اليهما، ولكنك استنفرتهم الى موضع بعيد، كلفتهم سفرا شاقا عليهم، لانك استنهضتهم فى وقت الحر، وزمان القيظ، وحين الحاجة الى السكن، ثم ساق الإسناد الى قتادة بقوله: حدثنا بشر بن معاذ (٢) قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ الى قوله ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ إنهم يستطيعون الخروج، ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم، والشيطان، وزهادة فى الخير (٣).
الفصل السابع فى تخليف رسول اللَّه ﷺ عليا على أهله فى غزوة تبوك
قال الإمام أحمد:
حدثنا محمد بن (١) جعفر، ثنا شعبة (٢)، عن الحكم (٣)، عن مصعب (٤) بن سعد، عن سعد بن أبى وقاص، قال: خلف رسول اللَّه ﷺ علي بن أبى طالب رضي اللَّه تعالى عنه فى غزوة تبوك فقال يا رسول اللَّه: تخلفنى فى النساء، والصبيان؟
стр. 90
قال: أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبى بعدى (١).
الفصل الثامن فى تخلف كعب بن مالك وأصحابه ﵃ فى غزوة تبوك
قال أبو جعفر: (٥٨ - ٦٢/ ١١)
حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال أخبرنى يونس، عن ابن شهاب، قال: غزا رسول اللَّه ﷺ غزوة تبوك، وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام، حتى بلغ تبوك، فأقام بها بضع عشرة ليلة. ولقيه بها وفد أذرح، ووفد أيلة فصالحهم رسول اللَّه ﷺ على الجزية، ثم قفل رسول اللَّه ﷺ من تبوك ولم يجاوزها، وأنزل اللَّه: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. . . والثلاثة الذى خلفوا: رهط، منهم كعب بن مالك، وهو أحد بنى سلمة، ومرارة بن ربيعة، وهو أحد بنى عمرو بن عوف، وهلال بن أمية، وهو من بنى واقف، وكانوا تخلفوا عن رسول اللَّه ﷺ فى تلك الغزوة، فى بضعة وثمانين رجلا، فلمارجع رسول اللَّه ﷺ الى المدينة، صدقه أولئك حديثهم، واعترفوا بذنوبهم، وكذب سائرهم، فحلفوا لرسول اللَّه ﷺ ما حبسهم إلا العذر فقبل منهم رسول اللَّه ﷺ وبايعهم، وكلهم فى سرائرهم الى اللَّه، ونهى رسول اللَّه ﷺ عن كلام الذين تخلفوا،
стр. 94
وقال فيهم حين حدثوه فى حديثهم، واعترفوا بذنوبهم: "قد صدقتم فقوموا حتى يقضى اللَّه فيكم" فلما أنزل اللَّه القرآن، تاب على الثلاثة، وقال للآخرين ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾. . . حتى بلغ ﴿لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قال ابن شهاب: وأخبرنى عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، ان عبد اللَّه بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمى، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول اللَّه ﷺ فى غزوة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول اللَّه ﷺ فى غزوة غزاها قط. إلا فى غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت فى غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول اللَّه ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع اللَّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول اللَّه ﷺ ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لى بها مشهد بدر، ان كانت بدر أذكر فى الناس منها، فكان خبرى حين تخلفت عنه فى تلك الغزوة، واللَّه ما جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتها فى تلك الغزوة، فغزاها رسول اللَّه ﷺ فى حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا مفاوز، واستقبل عددا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذى يريد، والمسلمون مع النبي ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد بذلك الديوان، قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب ألا يظن أن ذلك سيخفى، ما لم ينزل فيه وحى من اللَّه، وغزا رسول اللَّه ﷺ -
стр. 95
تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وانا اليهما أصعر فتجهز رسول اللَّه ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكى أتجهز معهم، فلم أقض من جهازى شيئًا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل، فأدركهم، فياليتنى فعلت، فلم يقدر ذلك لى، فطفقت إذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول اللَّه ﷺ يحزننى أنى لا أرى لى اسوة، إلا رجلا مغموصا عليه فى النفاق، أو رجلا ممن عذر اللَّه من الضعفاء، ولم يذكرنى رسول اللَّه ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال -وهو جالس فى القوم بتبوك-: "ما فعل كعب بن مالك؟ " فقال رجل من بنى سلمة: يا رسول اللَّه حبسه برداه، والنظر فى عطفيه. فسكت رسول اللَّه ﷺ ، فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول اللَّه ﷺ : كن أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة الأنصارى، وهو الذى تصدق بصاع التمر، فلمزه المنافقون، قال كعب: فلما بلغنى أن رسول اللَّه ﷺ قد توجه قافلا من تبوك حضرنى همى، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك بكل ذى رأى من أهلى، فلما قيل أن رسول اللَّه ﷺ قد أظل قادما، زاح عنى الباطل، حتى عرفت أنى لن أنجو منه بشيء ابدا، فأجمعت صدقى، وأصبح رسول اللَّه ﷺ قادما، وكان اذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون اليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا،
стр. 96
فقبل منهم رسول اللَّه ﷺ علانيتهما، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم الى اللَّه، حتى جئت، فلما سلمت تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشى حتى جلست بين يديه، فقال لى: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال: قلت يا رسول اللَّه، إني واللَّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت إنى سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا، ولكنى واللَّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى، ليوشكن اللَّه أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، انى لأرجوا فيه عفو اللَّه، واللَّه ما كان لى عذر، واللَّه ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك، فقال رسول اللَّه ﷺ : أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضى اللَّه فيك، فقمت، وثار رجال من بنى سلمة، فاتبعونى وقالوا: واللَّه ما علمناك اذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت الى رسول اللَّه ﷺ . بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللَّه ﷺ ، قال: فواللَّه ما زالوا يؤنبونى، حتى أردت أن أرجع الى رسول اللَّه ﷺ فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقى هذا معى أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهم مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامرى، وهلال بن أمية الواقفى، قال: فذكروا لى رجلين صالحين قد شهدا بدرا، لى فيهما أُسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما لى، ونهى رسول اللَّه ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة
стр. 97
من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت لى فى نفسى الأرض، فما هي بالأرض التى أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباى فاستكانا، وقعدا فى بيوتهما يبكيان، وأما أنا، فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج، وأشهد الصلاة، وأطوف فى الأسواق، ولا يكلمنى أحد، وآتى رسول اللَّه ﷺ ، فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة، فأقول فى نفسى: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلى معه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتى نظر إليَّ وإذا التفت نحوه أعرض عنى، حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة، وهو ابن عمى، وأحب الناس الي، فسلمت عليه، فواللَّه ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة أُنشدك باللَّه هل تعلم أني أحب اللَّه ورسوله؟ فسكت، قال: فعدت فناشدته. فسكت فعدت فناشدته، فقال: اللَّه ورسوله أعلم، ففاضت عيناى، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشى فى سوق المدينة، إذا نبطى من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل عليّ كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له، حتى جاءنى فدفع إليَّ كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه، أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك، قد جفاك ولم يجعلك اللَّه بدار هوان ولا مضيقة، فالحق بنا نواسك، فقال: قلت حين قرأته: وهذا أيضًا من البلاء، فتأممت به التنور فسجرته به، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين وأستلبث الوحى إذا رسول رسول اللَّه ﷺ -
стр. 98
يأتينى، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك -قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها، فلا تقربها، قال: وأرسل الى صاحبيّ بذلك، قال: فقلت لامرأتى: الحقى بأهلك تكونى عندهم، حتى يقضى اللَّه فى هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه ان هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: لا، "ولكن لا يقربنك" قالت: فقلت: إنه واللَّه ما به حركة الى شئ، وواللَّه ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان الى يومه هذا، قال: فقال لى بعض أهلى: لو استأذنت رسول اللَّه ﷺ فى امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه، قال: فقلت لا أستأذن فيها رسول اللَّه ﷺ وما يدرينى ماذا يقول لى إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول اللَّه ﷺ من كلامنا، قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال الى ذكر اللَّه عنا، قد ضاقت عليّ نفسى وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك ابشر، قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، قال: واذن رسول اللَّه ﷺ بتوبة اللَّه علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل الى فرسه وسعى ساع من أسلم قبلى، وأوفى الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءنى
стр. 99
الذى سمعت صوته يبشرنى نزعت له ثوبى، فكسوتهما اياه ببشارته، واللَّه ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أتأمم رسول اللَّه ﷺ ، فتلقانى الناس فوجا فوجا، يهنئونى بالتوبة، ويقولون: لنهنئك بتوبة اللَّه عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول اللَّه ﷺ جالس فى المسجد حوله الناس، فخام اليّ طلحة بن عبيد اللَّه يهرول، حتى صافحنى وهنأنى، واللَّه ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب، فلما سلمت على رسول اللَّه ﷺ ، قال وهو يبرق وجهه من السرور: ابشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك، فقلت: أمن عندك يا رسول اللَّه ﷺ أم من عند اللَّه؟ فقال: لا بل من عند اللَّه، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا سرّ استنار وجهه، حتى كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، قال: فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول اللَّه إن من توبتى ان أنخلع من مالى، صدقة الى اللَّه والى رسوله، فقال رسول اللَّه ﷺ : امسك بعض مالك، فهو خير لك، قال: فقلت: فأنى أمسك سهمى الذى بخيبر، وقلت: يا رسول اللَّه، إن اللَّه إنما أنجانى بالصدق، وإن من توبتى أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فواللَّه ما علمت أحدا من المسلمين. ابتلاه اللَّه فى صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ أحسن مما ابتلانى، واللَّه ما تعمدت كذبة منذ قلت لرسول اللَّه ﷺ الى يومى هذا، وإنى أرجو ان يحفطى اللَّه فيما بقي، قال: فأنزل اللَّه: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنُونَ﴾. . . حتى بلغ ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ
стр. 100
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ قال كعب: واللَّه ما أنعم اللَّه علي من نعمة قط، بعد أن هدانى للاسلام، أعظم فى نفسى، من صدقى رسول اللَّه ﷺ ، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن اللَّه تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحى شر ما قال لاحد: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. . . الى قوله تعالى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. . . قال كعب: خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل رسول اللَّه ﷺ توبتهم حين حلفوا، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول اللَّه ﷺ أمرنا، حتى قضى اللَّه فيه، فبذلك قال اللَّه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس الذى ذكر اللَّه مما خلفنا عن الغزو، انما هو تخليفه ايانا، وأرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر اليه، فقبل منهم (١).
قال أبو جعفر:
حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا الليث (١) عن عقيل (٢) عن ابن شهاب (٣)، قال: أخبرني عبد الرحمن (٤) بن عبد اللَّه
стр. 103
ابن كعب بن مالك، ان عبد اللَّه بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمى، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف، عن رسول اللَّه ﷺ فى غزوة تبوك فذكر نحوه (١).
قال أبو جعفر:
حدثنى يعقوب (٢)، قال: ثنا ابن علية (٣)، قال: أخبرنا ابن عون (٤) عن عمر بن كثير بن أفلح (٥)، قال: قال كعب بن مالك: ما كنت فى
стр. 104
غزاة أيسر للظهر والنفقة مني فى تلك الغزاة، قال كعب بن مالك: لما خرج رسول اللَّه ﷺ قلت: أتجهز غدا ثم ألحقه، فأخذت فى جهازى، فأمسيت ولم أفرغ، فلما كان اليوم الثالث أخذت فى جهازى، فأمسيت ولم أفرغ فقلت: هيهات، سار الناس ثلاثا، فأقمت، فلما قدم رسول اللَّه ﷺ ، جعل الناس يعتذرون إليه، فجئت حتى قمت بين يديه، فقلت: ما كنت فى غزاة أيسر للظهر والنفقة مني فى هذه الغزاة، فأعرض عنى رسول اللَّه ﷺ ، فأمر الناس الا يكلمونا، وأمرت نساؤنا أن يتحولن عنا، قال: فتسورت حائطا ذات يوم، فإذا أنا بجابر بن عبد اللَّه، فقلت أى جابر نشدتك باللَّه: هل علمتنى غششت اللَّه ورسوله يوما قط، فسكت عنى، فجعل لا يكلمنى، فبينا أنا ذات يوم، إذ سمعت رجلا على الثنية يقول: كعب كعب، حتى دنا مني فقال: بشروا كعبا (١).
стр. 105
الفصل التاسع فيما نزل من القرآن فى التائبين الثلاثة فى غزوة تبوك
قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة: ١١٧.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى: ذكره لقد رزق اللَّه الانابة الى أمره وطاعة نبيه ﷺ ، المهاجربن فتركوا ديارهم، وعشيرتهم الى دار السلام، وهم انصار رسول اللَّه ﷺ . الذين اتبعوه فى ساعة العسرة منهم، على قلة النفقة والزاد والماء. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ يقول من بعد ما كاد يميل قلوب بعضهم عن الحق، ويشك فى دينه، ويرتاب بالذي ناله من المشقة والشدة فى سفره وغزوه، ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: ثم رزقهم جل وعلا الإِنابة. والرجوع الى الثبات على دينه، وابصار الحق الذى كان قد كاد يلتبس عليهم ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يقول: ان ربكم بالذين خالط قلوبهم ذلك -لما نالهم فى سفرهم من الشدة والمشقة
стр. 106
روؤف رحيم أن يهلكهم، فينزغ منهم الايمان بعد ما قد أبلوا فى اللَّه ما أبلوا مع رسوله ﷺ ، وصبروا عليه من البأساء والضراء (١).
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ التوبة: ١١٨.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى ذكره: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ
стр. 107
والانصار، وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم اللَّه فى هذه الآية بما وصفهم به فيما قيل، هم الآخرون الذين قال جل ثناءه: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فتاب عليهم عزّ ذكره، وتفضل عليهم. فتأويل الكلام اذن: ولقد تاب اللَّه على الثلاثة الذين خلفهم اللَّه عن التوبة، فأرجأ عمن تاب عليه، ممن تخلف عن رسول اللَّه ﷺ (١).
стр. 108
وقال أبو جعفر:
قال: حدثنا أبو داود الحفرى (١)، عن سلام أبى الأحوص (٢)، عن سعيد بن مسروق (٣)، عن عكرمة ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قال: هلال بن أمية ومرارة، وكعب بن مالك (٤).
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد اللَّه (٥)، عن اسرائيل (٦)، عن
стр. 109
السدى (١) عن أبى مالك (٢)، قال: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة (٣).
قال أبو جعفر:
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الى قوله. . ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة, تخلفوا فى غزوة تبوك، ذكر لنا أن كعب بن مالك أوثق نفسه الى سارية فقال: لا أطلقها، أو لا أطلق نفسى حتى يطلقنى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: رسول اللَّه ﷺ واللَّه لا أطلقه حتى يطلقه ربه ان شاء.
стр. 110
وأما الآخر فكان تخلف على حائط له كان أدرك، فجعله صدقة فى سبيل اللَّه. وقال: واللَّه لا أطعمه. وأما الآخر فركب المفاوز يتبع أثر رسول اللَّه ﷺ ، ترفعه أرض وتضعه أخرى وقدماه تشلشلان دما (١).
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية (٢)، عن الأعمش (٣)، عن