أبو زرعة (١)، عن أبى هريرة، قال: اشترى عثمان بن عفان ﵁ الجنة من النبي ﷺ مرتين بيع الحق، حيث حفر بئر رومة، وحيث جهز جيش العسرة، صحيح الاسناد ولم يخرجاه (٢).
قال ابن هشام (٣).
حدثنى من أثق به، إن عثمان بن عفان أنفق فى جيش العسرة، فى غزوة تبوك الف دينار، فقال رسول اللَّه ﷺ : اللهم ارض عن عمان فانى عنه راض (٤).
الفصل الثانى والعشرون فى نفقة عبد الرحمن بن عوف -رضي اللَّه تعالى عنه- فى غزوة تبوك
قال أبو جعفر:
حدثنى المثنى (١) قال: ثنا الحجاج بن المنهال الأنماطى (٢) قال: ثنا أبو عوانة (٣)
стр. 215
عن أبى سلمة (١) عن أبيه (٢) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "تصدقوا فانى أريد أن أبعث بعثا" قال، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول اللَّه ان عندى أربعة آلاف: ألفين أقرضهما اللَّه وألفين لعيالى، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "بارك اللَّه لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت" فقال رجل من الأنصار: وإن عندى صاعين من تمر، صاعا لربى، وصاعا لعيالى، قال: فلمزه المنافقون، وقالوا: ما اعطى ابن عوف هذا الا رياء، وقالوا: أو لم يكن اللَّه غنيا عن صاع هذا؟ فأنزل اللَّه ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ التى آخر الآية (٣).
قال أبو جعفر:
حدثنى المثنى، قال: حدثنا محمد بن رجاء أبو سهل العبادانى (٤)
стр. 216
قال: ثنا عامر بن يساف اليمامى (١) عن يحيى بن أبى كثير اليمامى (٢) قال: جاء عبد الرحمن بن عوف باربعة آلاف درهم الى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه- مالى ثمانية آلاف، جئتك بأربعة آلاف، فاجعلها فى سبيل اللَّه، وأمسكت أربعة آلاف لعيالى، فقال رسول اللَّه ﷺ : بارك اللَّه فيما أعطيت، وفيما أمسكت، وجاء رجل آخر فقال: يا رسول اللَّه، بت الليلة أجر الماء على صاعين، فأما أحدهما فتركت لعيالي، وأما الآخر فجئتك به، اجعله فى سبيل اللَّه، فقال: بارك اللَّه لك فيما أعطيت وفيما أمسكت، فقال ناس من المنافقين، واللَّه ما اعطى عبد الرحمن إلا رياء وسمعة، ولقد كان اللَّه ورسوله لغنيين عن صاع فلان، فأنزل اللَّه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ يعنى عبد الرحمن بن عوف ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ يعنى صاحب الصاع ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).
стр. 217
قال أبو جعفر:
حدثنى محمد بن سعد (١) قال: ثنى أبى (٢)، قال: ثنى عمى (٣) قال ثنى أبى (٤)، عن أبيه (٥) عن ابن عباس، قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ وذلك أن رسول اللَّه ﷺ خرج الى الناس يوما فنادى فيهم: ان اجمعوا صدقاتكم فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من أحوجهم بمن من تمر، فقال: يا رسول اللَّه هذا صاع من تمر بت ليلتى أجر بالجرير والماء، حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما، وأتيت بالآخر، فأمره
стр. 218
رسول اللَّه ﷺ أن ينثره فى الصدقات، فسخر منه رجال وقالوا: واللَّه إن اللَّه ورسوله لغنيان عن هذا، وما يصنعان بصاعك من شيء. ثم أن عبد الرحمن بن عوف: رجل من قريش من بنى زهرة، قال لرسول اللَّه ﷺ : هل بقى من أحد من أهل هذه الصدقات؟ فقال: لا، فقال عبد الرحمن بن عوف: إن عندى مئة أوقية من ذهب فى الصدقات، فقال له عمر بن الخطاب أمجنون أنت؟ فقال: ليس بى جنون، فقال: أتعلم ما قلت؟ فقال: نعم، مالي ثمانية آلاف: أما أربعة آلاف فاقرضها ربى، وأما أربعة آلاف فلي، فقال رسول اللَّه ﷺ : بارك اللَّه لك فيما أعطيت وفيما أمسكت، وكره المنافقون فقالوا: واللَّه ما أعطى عبد الرحمن عطيته الا رياء، وهم كاذبون، انما كان به متطوعا، فأنزل اللَّه عذره، وعذر صاحبه المسكين الذى جاء بالصاع من التمر قال اللَّه فى كتابه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية (١).
стр. 219
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو اسامة (١)، عن شبل (٢)، عن ابن أبى ما نجيح عن مجاهد ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بصدقة ماله أربعة آلاف، فلمزه المنافقون، وقالوا: مرائي ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ قال: رجل من الانصار، آجر نفسه بصاع من تمر لم يكن له غيره، فجاء به، فلمزوه، وقالوا: كان اللَّه غنيا عن صاع هذا (٣).
стр. 220
قال أبو جعفر:
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد (١)، عن قتادة قوله ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. . . الآية قال: أقبل عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله، فتقرب به الى اللَّه، فلمزه المنافقون فقالوا: ما أعطى ذلك إلا رياء وسمعة، فأقبل رجل من فقراء المسلمين يقال له: حبحاب أو عقيل، فقال: يا نبى اللَّه بت أجر الجرير على صاعين من تمر: أما صاع فامسكته لاهلى، واما صاع فها هو ذا فقال المنافقون: واللَّه ان اللَّه ورسوله لغنيان عن هذا، فأنزل اللَّه فى ذلك القرآن ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ (٢) الآية.
قال أبو جعفر:
حدثنا محمد بن الاعلى (٣)، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر،
стр. 221
عن قتادة ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله وكان ماله ثمانية آلاف دينار، فتصدف بأربعة آلاف دينار فقال ناس من المنافقين: ان عبد الرحمن بن عوف لعظيم الرياء، فقال اللَّه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ وكان لرجل صاعان من تمر، فجاء بأحدهما، فقال ناس من المنافقين: ان كان اللَّه عن صاع هذا لغنيا فكان المنافقون يطعنون عليهم ويسخرون بهم فقال اللَّه ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
стр. 222
الفصل الثالث والعشرون فى تصدق علبة بن زيد رضي اللَّه تعالى عنه عرضه فى غزوة تبوك
قال ابن هشام: قال ابن إسحاق:
ثم أن رجالا من المسلمين أتوا رسول اللَّه ﷺ ، وهم البكاؤون، وهم سبعة نفر من الانصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، اخو بنى حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، أخو بنى مازن بن النجار، وعمرو بن حمام بن الجموح، اخو بنى سلمة، وعبد اللَّه بن المغفل المزني -وبعض الناس يقول: بل عبد اللَّه ابن عمرو المزني، هرمى بن عبد اللَّه، اخو بني واقف، وعرباض بن سارية الفزارى، فاستحملوا رسول اللَّه ﷺ ، وكانوا أهل حاجة، فقال: "لا أجد ما أحملكم عليه" ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (١).
الفصل الرابع والعشرون فيما نزل من القرآن فى الثناء على الذين أنفقوا أموالهم فى غزوة تبوك
قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ التوبة: ٧٩.
قال أبو جعفر: يقول اللَّه تعالى ذكره: الذين يلمزون المطوعين فى الصدقة على أهل المسكنة والحاجة، بما لم يوجبه اللَّه عليهم فى أموالهم، ويطعنون فيها عليهم بقولهم: انما تصدقوا به رياء وسمعة، ولم يريدوا وجه اللَّه، ويلمزون الذين لا يجدون ما يتصدقون به الا جهدهم، وذلك طاقتهم، فينتقصونهم ويقولون: لقد كان اللَّه عن صدقة هؤلاء غنيا، سخرية منهم بهم ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ وقد بينا صفة سخرية اللَّه بمن يسخر به من خلقه فى غير هذا الموضع، بما أغني، عن اعادته ههنا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم قال أبو جعفر: وذكر ان المعنى بقوله ﴿الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عدى الانصارى، وان المعنى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ أبو عقيل الاراشى أخو بنى حنيف ثم أيد تفسيره هذا وتعيين عبد الرحمن بن
стр. 226
عوف رضي اللَّه تعالى عنه فى هذه الآية. بعدة آثار واختار منها اثرا واحدا صحيحا إذ قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد اللَّه، قال: ثنا شعبة، عن سليمان، عن أبى وائل، عن أبى مسعود قال: نزلت آية الصدقة كنا نحامل، قال أبو النعمان: كنا نعمل، قال فجاء رجل، فتصدق بشيء كثير، وجاء رجل فتصدق بصاع تمر. فقالوا: ان اللَّه لغنى عن صاع هذا، فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (١).
стр. 227
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع (١)، قال، ثنا زيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة (٢)، قال: ثنى خالد بن يسار (٣)، عن ابن أبى عقيل (٤)، عن أبيه، قال: بت أجر الجرير على ظهرى، على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما التى أهلي يتبلغون به، وجئت بالآخر، أتقرب به الى رسول اللَّه ﷺ ، فأتيت رسول اللَّه ﷺ ، فأخبرته فقال: انثره فى الصدقة، فسخر المنافقون منه وقالوا: لقد كان اللَّه غنيا عن صدقة هذا المسكين، فأنزل اللَّه ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. . الآيتين (٥).
стр. 228
قال أبو جعفر:
حدثنى المثنى (١) ثنا عبد الملك بن صاع، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾.
стр. 229
قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب الى النبي ﷺ وجاءه رجل من الانصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: واللَّه ما جاء عبد الرحمن بما جاء به الا رياء، وقالوا: ان كان اللَّه ورسوله لغنيين عن هذا الصاع (١).
стр. 230
قال أبو جعفر:
حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: اخبرنى يونس، عن ابن شهاب، قال: اخبرنى عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، يقول: الذى تصدق بصاع التمر فلمزه المنافقون، أبو خيثمة الانصارى (١).
стр. 231
الفصل الخامس والعشرون فيما نزل من القرآن فى فقراء الصحابة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك لفقرهم وعجزهم
قال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة: ٩١.
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: ليس على أهل الزمانة وأهل العجز عن السفر والغزو، ولا على المرضى، ولا على من لا يجد نفقة يتبلغ بها الى مغزاه حرج، وهو الاثم، يقول: ليس عليهم اثم إذا نصحوا للَّه ولرسوله فى مغيبهم عن الجهاد مع رسول اللَّه ﷺ ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ يقول: ليس على من أحسن فنصح للَّه ورسوله فى تخلفه عن رسول اللَّه ﷺ عن الجهاد معه، لعذر يعذر به، طريق يتطرق عليه، فيعاقب من قبله ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقول: واللَّه ساتر على ذنوب المحسنين، يتغمدها بعفوه لهم عنها، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها (١).
стр. 232
قال اللَّه تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ التوبة: ٨٨.
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: لم يجاهد هؤلاء المنافقون الذين اقتصصت قصصهم المشركين، لكن الرسول محمد ﷺ ، والذين صدقوا اللَّه ورسوله معه، هم الذين جاهدوا المشركين بأموالهم وأنفسهم، وانفقوا فى
стр. 233
جهادهم أموالهم، وفى قتالهم أنفسهم، وبذلوها ﴿اولئك﴾ يقول: وللرسول وللذين آمنوا معه الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم الخيرات، وهي خيرات الآخرة، وذلك نساءها وجناتها ونعيمها (١).
قال أبو جعفر: وذكر أن هذه الآية نزلت فى عائذ بن عمرو المزنى، وقال بعضهم: فى عبد اللَّه بن مغفل. ثم قال ذكر من قال: نزلت
стр. 234
فى عائذ بن عمرو: ثم ساق الإِسناد، حدثنا بشير، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ نزلت فى عائذ بن عمرو (١).
стр. 235
قال أبو جعفر:
ذكر من قال: نزلت الآية فى ابن مغفل.
حدثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾. . الى قوله: ﴿حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ وذلك أن رسول اللَّه ﷺ أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم عبد اللَّه بن مغفل المزنى، فقالوا: يا رسول اللَّه احملنا، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : واللَّه ما أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء، وعزّ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة، ولا محملا فلما رأى اللَّه حرصهم على محبته ومحبة رسوله، أنزل اللَّه عذرهم فى كتابه، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾. الى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
стр. 236
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ التوبة: ٩٢.
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: ولا سبيل أيضا على النفر الذين إذا ما جاؤوك لتحملهم، يسألونك الحملان، ليبلغوا الى مغزاهم لجهاد اعداء اللَّه معك يا محمد، قلت لهم: لا أجد حمولة أحملكم عليها ﴿تولوا﴾ يقول: أدبروا عنك، ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ وهم يبكون من حزن على أنهم لا يجدون ما ينفقون، ويتحملون به للجهاد فى سبيل اللَّه (١).
стр. 237
قال أبو جعفر:
وذكر بعضهم أن هذه الآية نزلت فى نفر من مزينة.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،
стр. 238
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ قال: هم من مزينة (١).
стр. 239
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، ثنا أبى (١)، عن أبى جعفر (٢)، عن الربيع بن أنس (٣)، عن أبى العالية (٤)، عن عروة (٥)، عن ابن مغفل المزنى (٦)، وكان أحد النفر الذين أنزلت فيهم ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾. . (٧).
стр. 240
قال أبو جعفر:
وقال آخرون: بل نزلت فى عرباض بن سارية. وذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو عاصم (١)، عن ثور بن يزيد (٢)، عن خالد بن معدان (٣)، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمى (٤)، وحجر بن حجر الكلاعي (٥)، قالا: دخلنا على عرباض بن سارية (٦)،
стр. 241
وهو الذى أنزل فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية (١).
قال أبو جعفر:
وقال آخرون: بل نزلت فى نفر سبعة من قبائل شتى.
ثم قال: حدثنى الحارث (٢)، قال: ثنا عبد العزيز (٣)، قال: ثنا أبو معشر (٤)، عن محمد بن كعب وغيره، قال: جاء ناس من أصحاب
стр. 242
رسول اللَّه ﷺ يستحملونه، فقال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ. .﴾ الآية، قال: هم سبعة نفر من بنى عمرو بن عوف: سالم بن عمير، ومن بنى واقف. حرمى بن عمرو، ومن بنى مازن ابن النجار: عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى، ومن بنى المعلى: سليمان بن صخر، ومن بنى حارثة: عبد الرحمن بن يزيد أو عبلة، وهو الذى تصدق بعرضه، فقبله اللَّه منه، ومن بنى سلمة: عمرو بن غنمة، وعبد اللَّه بن عمرو المزنى (١).
стр. 243
الفصل السادس والعشرون فى المنافقين فى غزوة تبوك، وما قاموا به من أعمال شنيعة
قال الإمام البيهقى: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو العباس، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن اسحاق، فى قصة تبوك قال: فلما بلغ رسول اللَّه ﷺ الثنية، نادى منادى رسول اللَّه ﷺ ، أن خذوا بطن الوادى فهو واسع عليكم، فان رسول اللَّه ﷺ قد أخذ الثنية، وكان معه حذيفة بن اليمان، وعمار ابن ياسر رضي اللَّه تعالى عنهما، وكره رسول اللَّه ﷺ ان يزاحمه فى الثنية أحد، فسمعه ناس من المنافقين فتخلفوا، ثم اتبعه رهط من المنافقين، فسمع ذلك رسول اللَّه ﷺ حس القوم خلفه، فقال لاحد صاحبيه: اضرب وجوههم، فلما سمعوا ذلك، ورأوا الرجل مقبلا نحوهم وهو حذيفة بن اليمان، انحدروا جميعا، وجعل الرجل يضرب رواحلهم، وقالوا: انما نحن أصحاب أحمد، وهم متلثمون لا يرى شئ الا أعينهم، فجاء صاحبه بعدما انحدر القوم، فقال: هل عرفت الرهط فقال: لا واللَّه يا نبي اللَّه: ولكنى قد عرفت رواحلهم، فانحدر رسول اللَّه ﷺ من الثنية، وقال لصاحبيه: هل تدرون ما أراد القوم؟ أرادوا
стр. 244
أن يزاحمونى من الثنية، فيطرحونى منها، فقالا أفلا تأمرنا يا رسول اللَّه فنضرب أعناقهم إذا اجتمعوا اليك، فقال: اكره أن يتحدث الناس، ان محمدا قد وضع يده فى أصحابه يقتلهم ثم ذكر القصة (١).
وقال ابن هشام: قال ابن اسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري، عن ابن أبى أكيمة الليثى، عن ابن أخى أبى رهم الغفارى، انه سمع أبا رهم، كلثوم بن الحصين، وكان من أصحاب رسول اللَّه ﷺ الذين بايعوا تحت الشجرة، يقول: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ غزوة تبوك،
стр. 245
فسرت ذات ليلة معه، ونحن بالاخضر قريبا، من رسول اللَّه ﷺ ، والقى اللَّه علينا النعاس، فطفقت أستيقظ، وقد دنت راحلتى من راحلة رسول اللَّه ﷺ ، فيفزعنى دنوها منه، مخافة أن اصيب رجله فى الغرز، فطفقت أحوز راحلتى عنه، حتى غلبتنى عيني فى بعض الطريق، ونحن فى بعض الليل، فزاحمت راحلتي راحلة رسول اللَّه ﷺ ورجله فى الغرز، فما استيقظت الا بقوله حس، فقلت: يا رسول اللَّه، استغفر لى، فقال: سر، فجعل رسول اللَّه ﷺ يسألنى عمن تخلف من بنى غفار، فأخبره به، فقال: وهو يسألنى: ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط؟ فحدثته بتخلفهم. قال فما فعل النفر السود الجعاد القصار؟ قلت: واللَّه ما أعرف هؤلاء منا، قال: بلى، الذين لهم نعم بشبكة شدخ، فتذكرتهم فى بني غفار، لم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم، كانوا حلفاء فينا، فقلت: يا رسول اللَّه، اولئك رهط من أسلم، حلفاء فينا فقال رسول اللَّه ﷺ : ما صنع أحد أولئك -حين تخلف أن يحمل على بعير من أبله امرأ نشيطا فى سبيل اللَّه، ان أعز أهلي عليّ أن لا يتخلف عني المهاجرون من قريش والانصار، وغفار، وأسلم (١).
стр. 246
قال القطيعي (١):
ثنى عبد اللَّه، حدثنى أبى، ثنا يزيد (٢)، انا الوليد (٣) -يعنى ابن
стр. 247
عبد اللَّه بن جميع، عن أبى الطفيل (١)، قال: لما أقبل رسول اللَّه ﷺ من غزوة تبوك، أمر مناديا، فنادى: ان رسول اللَّه ﷺ آخذ بالعقبة، فلا يأخذها أحد، فبينما رسول اللَّه ﷺ يقوده حذيفة، ويسوقه عمار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول اللَّه ﷺ وأقبل عمار يضرب، وجوه الرواحل، فقال رسول اللَّه ﷺ لحذيفة: "قد قد" حتى هبط رسول اللَّه ﷺ من الوادى، فلما هبط، ورجع عمار قال: يا عمار: هل عرفت القوم؟ قال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: هل تدرى ما أرادوا؟ قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: أرادوا أن ينفروا برسول اللَّه ﷺ فيطرحوه، قال: فسارّ عمار رجلا من أصحاب النبي ﷺ ، فقال: نشدتك باللَّه كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: اربعة عشر رجلا، فقال: إن كنت فيهم، فقد كانوا خمسة عشر، قال: فعذر رسول اللَّه ﷺ منهم ثلاثة، قالوا: ما سمعنا منادى رسول اللَّه، وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار: اشهد ان الاثنى عشر الباقين، حرب للَّه، ولرسوله فى الحياة الدنيا، ويوم يقوم الاشهاد (٢).
стр. 248
قال القطيعي: حدثنا عبد اللَّه، قال: حدثنى أبى، ثنا محمد بن عبد اللَّه بن الزبير، وأبو نعيم قالا: ثنا الوليد، يعنى ابن جميع قال أبو نعيم عن أبى الطفيل، مثل جميع ثنا أبو الطفيل قال: كان بين حذيفة، وبين رجل من أهل العقبة، ما يكون بين الناس، فقال: انشدك اللَّه، كم أصحاب العقبة؟ قال له القوم: أخبره إذا سألك قال: كنا نخبر انهم أربعة عشر، وقال أبو نعيم: فقال الرجل: كنا نخبر أنهم أربعة عشر قال: فان كنت منهم، أو قال أبو نعيم فيهم: فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد باللَّه ان اثنى عشر منهم حرب للَّه ولرسوله فى الحياة الدنيا، ويوم يقوم الاشهاد قال أبو أحمد: الاشهاد. وعندنا ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادى رسول اللَّه ﷺ ، وما علمنا ما أراد القوم. قال أبو أحمد: فى حديثه وقد كان فى حرة فمشى: فقال للناس: ان الماء قليل فلا يسبقنى اليه أحد فوجد قوما قد سبقوه. فلعنهم يومئذ (١).
стр. 249
قال محمد بن إسحاق: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بنى أشهل، قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم واللَّه، ان كان الرجل ليعرفه من أخيه، ومن أبيه، ومن عمه، وفى عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرنى رجال من قومى عن رجل من المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول اللَّه ﷺ حيث سار، فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان، ودعا رسول اللَّه ﷺ حين دعا، فأرسل اللَّه سحابة، فامطرت حتى ارتوى الناس، قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك، هل بعد هذا شيء؟ قال: سحابة مارة.
قال ابن إسحاق: ثم أن رسول اللَّه ﷺ سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فخرج أصحابه فى طلبها، وعند رسول اللَّه ﷺ رجل من أصحابه، يقال له عمارة بن حزم، وكان عقبيا بدريا، وهو عم بنى عمرو بن حزم، وكان فى رحله زيد بن اللصيت القينقاعى، وكان منافقا، قال ابن إسحاق: فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بنى عبد الاشهل قالوا: فقال زيد بن اللصيت، وهو فى رحل عمارة، وعمارة عند رسول اللَّه ﷺ أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدرى اين ناقته؟ فقال رسول اللَّه ﷺ وعمارة عنده: ان رجلا قال: هذا محمد يخبركم انه نبي، ويزعم انه يخبركم بأمر السماء، وهو لا يدرى اين ناقته؟ وانى واللَّه ما أعلم الا ما علمنى ربى، وقد دلنى اللَّه عليها، وهي فى هذا
стр. 250
الوادى، فى شعب كذا، وكذا قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتونى بها، فذهبوا، فجاؤا بها، فرجع عمارة بن حزم الى رحله، فقال: واللَّه لعجب من شيء حدثناه رسول اللَّه ﷺ -آنفا، عن مقالة قائل اخبره اللَّه عنه بكذا وكذا الذى قاله زيد بن اللصيت، فقال رجل ممن كان فى رحل عمارة: ولم يحضر رسول اللَّه ﷺ زيد واللَّه قال هذه المقالة قبل أن تأتي. فأقبل عمارة على زيد يجافى عنقه، ويقول: اليّ عباد اللَّه ان فى رحلى لداهية وما أشعر، أخرج أى عدو اللَّه من رحلى، فلا تصحبنى (١).