قال القطيعي (١):
ثنى عبد اللَّه، حدثنى أبى، ثنا يزيد (٢)، انا الوليد (٣) -يعنى ابن
стр. 247
عبد اللَّه بن جميع، عن أبى الطفيل (١)، قال: لما أقبل رسول اللَّه ﷺ من غزوة تبوك، أمر مناديا، فنادى: ان رسول اللَّه ﷺ آخذ بالعقبة، فلا يأخذها أحد، فبينما رسول اللَّه ﷺ يقوده حذيفة، ويسوقه عمار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول اللَّه ﷺ وأقبل عمار يضرب، وجوه الرواحل، فقال رسول اللَّه ﷺ لحذيفة: "قد قد" حتى هبط رسول اللَّه ﷺ من الوادى، فلما هبط، ورجع عمار قال: يا عمار: هل عرفت القوم؟ قال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: هل تدرى ما أرادوا؟ قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: أرادوا أن ينفروا برسول اللَّه ﷺ فيطرحوه، قال: فسارّ عمار رجلا من أصحاب النبي ﷺ ، فقال: نشدتك باللَّه كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: اربعة عشر رجلا، فقال: إن كنت فيهم، فقد كانوا خمسة عشر، قال: فعذر رسول اللَّه ﷺ منهم ثلاثة، قالوا: ما سمعنا منادى رسول اللَّه، وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار: اشهد ان الاثنى عشر الباقين، حرب للَّه، ولرسوله فى الحياة الدنيا، ويوم يقوم الاشهاد (٢).
стр. 248
قال القطيعي: حدثنا عبد اللَّه، قال: حدثنى أبى، ثنا محمد بن عبد اللَّه بن الزبير، وأبو نعيم قالا: ثنا الوليد، يعنى ابن جميع قال أبو نعيم عن أبى الطفيل، مثل جميع ثنا أبو الطفيل قال: كان بين حذيفة، وبين رجل من أهل العقبة، ما يكون بين الناس، فقال: انشدك اللَّه، كم أصحاب العقبة؟ قال له القوم: أخبره إذا سألك قال: كنا نخبر انهم أربعة عشر، وقال أبو نعيم: فقال الرجل: كنا نخبر أنهم أربعة عشر قال: فان كنت منهم، أو قال أبو نعيم فيهم: فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد باللَّه ان اثنى عشر منهم حرب للَّه ولرسوله فى الحياة الدنيا، ويوم يقوم الاشهاد قال أبو أحمد: الاشهاد. وعندنا ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادى رسول اللَّه ﷺ ، وما علمنا ما أراد القوم. قال أبو أحمد: فى حديثه وقد كان فى حرة فمشى: فقال للناس: ان الماء قليل فلا يسبقنى اليه أحد فوجد قوما قد سبقوه. فلعنهم يومئذ (١).
стр. 249
قال محمد بن إسحاق: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بنى أشهل، قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم واللَّه، ان كان الرجل ليعرفه من أخيه، ومن أبيه، ومن عمه، وفى عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرنى رجال من قومى عن رجل من المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول اللَّه ﷺ حيث سار، فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان، ودعا رسول اللَّه ﷺ حين دعا، فأرسل اللَّه سحابة، فامطرت حتى ارتوى الناس، قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك، هل بعد هذا شيء؟ قال: سحابة مارة.
قال ابن إسحاق: ثم أن رسول اللَّه ﷺ سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فخرج أصحابه فى طلبها، وعند رسول اللَّه ﷺ رجل من أصحابه، يقال له عمارة بن حزم، وكان عقبيا بدريا، وهو عم بنى عمرو بن حزم، وكان فى رحله زيد بن اللصيت القينقاعى، وكان منافقا، قال ابن إسحاق: فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بنى عبد الاشهل قالوا: فقال زيد بن اللصيت، وهو فى رحل عمارة، وعمارة عند رسول اللَّه ﷺ أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدرى اين ناقته؟ فقال رسول اللَّه ﷺ وعمارة عنده: ان رجلا قال: هذا محمد يخبركم انه نبي، ويزعم انه يخبركم بأمر السماء، وهو لا يدرى اين ناقته؟ وانى واللَّه ما أعلم الا ما علمنى ربى، وقد دلنى اللَّه عليها، وهي فى هذا
стр. 250
الوادى، فى شعب كذا، وكذا قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتونى بها، فذهبوا، فجاؤا بها، فرجع عمارة بن حزم الى رحله، فقال: واللَّه لعجب من شيء حدثناه رسول اللَّه ﷺ -آنفا، عن مقالة قائل اخبره اللَّه عنه بكذا وكذا الذى قاله زيد بن اللصيت، فقال رجل ممن كان فى رحل عمارة: ولم يحضر رسول اللَّه ﷺ زيد واللَّه قال هذه المقالة قبل أن تأتي. فأقبل عمارة على زيد يجافى عنقه، ويقول: اليّ عباد اللَّه ان فى رحلى لداهية وما أشعر، أخرج أى عدو اللَّه من رحلى، فلا تصحبنى (١).
الفصل السابع والعشرون فيما نزل من القرآن فى المستأذنين بعدم حضور غزوة تبوك
قال اللَّه تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ التوبة: ٤٣.
قال أبو جعفر: وهذا عتاب من اللَّه -تعالى- ذكره عاتب به نبيّه ﷺ فى إذنه، لمن أذن له فى التخلف عنه حين شخص الى تبوك لغزو الروم، من المنافقين، يقول جلّ ثنائه ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يا محمد ما كان منك فى إذنك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنونك فى ترك الخروج معك، وفى التخلف عنك من قبل أن تعلم الكاذبين. . ثم أورد أبو جعفر عدة آثار تحت هذه الآية: منها أثر مجاهد إذ قال: حدثنى: محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنى عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ قال: ناس قالوا: استأذنوا رسول اللَّه ﷺ ، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا (١).
стр. 253
قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ التوبة: ٤٤.
قال أبو جعفر: وهذا إعلام من اللَّه تعالى لنبيه ﷺ من المنافقين وأن من علامات هؤلاء المنافقين تخلفهم عنك فى الجهاد، واعتذارهم بالأعذار الكاذبة إلخ. ثم أيد تفسيره هذا بأثر ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه إذ قال: حدثنى المثنى قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية عن علي بن أبى طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فهذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا فى القعود عن الجهاد من غير عذر، وعذّر اللَّه المؤمنين فقال: لم يذهبوا حتى يستأذنوه (١).
стр. 254
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ التوبة: ٤٥.
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : إنما يستأذنك يا محمد فى التخلف خلافك، وترك الجهاد معك من غير عذر بين، الذين لا يصدقون باللَّه، ولا يقرون بتوحيده. ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: يقول: وشكت قلوبهم فى حقيقة وحدانية اللَّه، وفى ثواب أهل طاعته، وعقاب أهل معاصيه،
стр. 255
﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾، يقول: فى شكهم يتحيرون، وفى ظلمة الحيرة مترددون، لا يعرفون حقا من باطل، فيعملون على بصيرة، وهذه صفة المنافقين (١).
стр. 256
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ التوبة: ٤٦.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه : ولو أراد هؤلاء الخروج معك لجهاد عدوك ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ ولتأهبوا للسفر والعدو أهبهما. ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ يعنى خروجهم لذلك. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾: يقول: فثقل عليهم الخروج حتى استخلفوا القعود فى منازلهم خلافك واستثقلوا السفر والخروج معك، فتركوا لذلك الخروج ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ يعنى اقعدوا مع المرضى والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون، ومع النساء والصبيان، واتركوا الخروج مع رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين به ثم أتى أبو جعفر بأثر ضعيف يؤيد به تفسيره إذ قال: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان الذى استأذنوه فيما بلغنى من ذوى الشرف، منهم: عبد اللَّه بن أبى سلول والجد بن قيس، وكانوا أشرافا فى قومهم، فثبطهم اللَّه، لعلمه بهم أن يخرجوا معهم فيفسدوا عليه جنده (١)
стр. 257
قال اللَّه تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ التوبة: ٤٧.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى: لو خرج أيها المؤمنون فيكم هؤلاء المنافقون ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ يقول: لم يزيدوكم بخروجهم فيكم إلا فسادا وضرًا، ولذلك ثبطهم عن الخروج معكم. وأما قوله ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ فإن معنى يبغونكم الفتنة. يطلبون لكم ما تفتنون به عن مخرجكم فى مغزاكم، بتثبيطهم إياكم عنه، يقال منه: بغيته الشر، وبغيته الخير، أبغيه بغاء:
стр. 258
إذا التمسته له، بمعنى: بغيت له وكذلك عكمتك وحلبتك بمعنى: حلبت لك وعكمت لك، وإذا أرادوا عنتك على التماسه وطلبه، قالوا: أبغيتك كذا وأحلبتك وأعكمتك أى أعنتك عليه. ثم ساق أثرا الى مجاهد يعين فيه أسماء بعض المنافقين الذين تعنى بهم الآية إذ قال: حدثنى محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ يبطئونكم، قال: رفاعة بن التابوت وعبد اللَّه بن أبيّ بن سلول. وأوس ابن قبظي (١).
стр. 259
قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ التوبة: ٤٨.
قال أبو جعفر:
لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة، لأصحابك يا محمد وحرصوا على ردهم الى الكفر كفعل عبد اللَّه بن أبيّ بك وبأصحابك يوم أحد حين انصرف عنك بمن تبعه من قومه ثم قال: والمنافقون -لظهور أمر اللَّه ونصره إياك- كارهون وكذلك الآن، يظهرك اللَّه، ويظهر دينه على الذين كفروا من الروم وغيرهم من أهل الكفر وهم كارهون إلخ. .
ثم ساق الاسناد الى الزهرى ويزيد بن رومان وعبد اللَّه بن أبى بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم. وذكر جزءا من حديث كعب بن مالك بإسناد ضعيف ومرسل، مع أنه مخرج فى الصحيحين وغيره (١).
стр. 260
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ التوبة: ٤٩.
وذكر أن هذه الآية نزلت فى الجد بن قيس. ويعنى جلّ ثناءه بقوله ﴿وَمِنْهُمْ﴾: ومن المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ أقم فلا أشخص معك ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ يقول: ولا تبتلنى برؤية نساء بنى الأصفر وبناتهم، فإنى بالنساء مغرم، فأخرج وآثم بذلك. وبذلك من التأويل تظافرت الأخبار عن أهل التأويل ثم ساق أبو جعفر الاسناد الى رسول اللَّه ﷺ بقوله حدثنى محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، فى قول اللَّه تعالى ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "اغزوا تبوك تغنموا بنات بنى الأصفر ونساء الروم فقال الجد: ائذن لنا، ولا تفتنا بالنساء (١).
قال ابن جرير: يقول اللَّه تعالى لنبيه محمد ﷺ : يا محمد إن يصبك سرور بفتح اللَّه عليك أرض الروم فى غزاتك هذه يسوء الجد بن قيس ونظراءه وأشباههم من المنافقين. وإن تصبك مصيبة بفلول جيشك فيها، يقول الجد ونظراءه: قد أخذنا أمرنا من قبل: الى قد أخذنا حذرنا بتخلفنا عن محمد، وترك أتباعه الى عدوه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يقول: من قبل أن تصيبه هذه المصيبة. ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾: يقول: ويرتدوا عن محمد وهم فرحون بما أصاب محمدا وأصحابه من المصيبة، بفلول أصحابه، وانهزامهم عنه، وقتل من قتل منهم. ثم ساق إسنادا الى ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه بقول: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ يقول: إن تصبك فى سفرك هذا لغزوة تبوك حسنة، تسوءهم قال: الجد وأصحابه (١).
стр. 263
قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ التوبة: ٨٦.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى ذكره: وإذا أنزل عليك يا محمد سورة من القرآن، بأن يقال لهؤلاء المنافقين ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ يقول: صدقوا باللَّه: ﴿وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ يقول: اغزوا المشركين مع رسول اللَّه ﷺ ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ يقول: استأذنك ذو الغنى والمال منهم فى التخلف عنك،
стр. 264
والقعود فى أهله وقالوا: ﴿ذَرْنَا﴾ يقول: وقالوا لك: دعنا نكن ممن يقعد فى منزله مع ضعفاء الناس ومرضاهم، ومن لا يقدر على الخروج معك فى السفر (١).
стр. 265
قال أبو جعفر:
حدثنا علي بن داود، قال: حدثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ﴾ قال: يعنى أهل الغنى (١).
стр. 266
قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ التوبة: ٩٠.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى ذكره: ﴿وَجَاءَ﴾ رسولَ اللَّه ﷺ ﴿الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ فى التخلف ﴿وَقَعَدَ﴾ عن المجئ الى رسول اللَّه ﷺ والجهاد معه ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وقالوا: الكذب، واعتذروا بالباطل، فيهم يقول تعالى: ﴿سيصيب الذين جحدوا توحيد اللَّه ونبوة نبيه محمد ﷺ منهم عذاب أليم﴾ فإن قال قائل: فكيف قيل: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ وقد علمت أن المعذر فى كلام العرب، إنما هو الذى يعذر فى الأمر، فلا يبالغ فيه، ولا يحكمه، وليست هذه صفة هؤلاء، وإنما صفتهم أنهم كانوا قد اجتهدوا فى طلب ما ينهضون به مع رسول اللَّه ﷺ الى عدوهم، حرصوا على ذلك، فلم يجدوا إليه السبيل، فهم بأن يوصفوا بأنهم قد اعتذروا أولى وأحق منهم بأن يوصفوا بأنهم عذروا، إذا وصفوا بذلك فالصواب فى ذلك من القراءة ما قرأه ابن عباس، وذلك ما حدثناه المثنى، قال: ثنا إسحاق (١)، قال ثنا ابن أبى حماد (٢)، قال:
стр. 267
ثنا بشر بن عمار (١) عن أبى روق (٢) عن الضحاك (٣) قال: كان ابن عباس يقرأ ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ مخففة، ويقول: هم أهل العذر مع موافقة مجاهد إياه وغيره عليه. وقيل أن معناه على غير ذلك ما ذهب إليه، وأن معناه: وجاء المعتذرون من الأعراب، ولكن التاء لما جاورت الذال، ادغمت فيها، فصيرتا ذالا مشددة لتقارب مخرج إحداهما من الأخرى، كما قيل ﴿يذكرون﴾ فى يتذكرون، ويذكر فى يتذكر (٤).
الفصل الثامن والعشرون فيما نزل من القرآن فى أوصاف المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وغيرهم
قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ التوبة: ١٢٤.
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: ﴿وإذا أنزل اللَّه سورة من سور القرآن على نبيه محمد ﷺ ، فمن هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم فى هذه السورة، من يقول: أيها الناس أيكم زادته هذه السورة إيمانا؟ يقول: تصديقا باللَّه وآياته، يقول اللَّه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من الذين قيل لهم ذلك ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾ السورة التى أنزلت ﴿إِيمَانًا وَهُمْ﴾ يفرحون بما أعطاهم اللَّه من الإيمان واليقين.
فإن قال قائل: أو ليس الإيمان فى كلام العرب: التصديق والإقرار؟ قيل: بلى. فإن قيل: فكيف زادتهم السورة تصديقا وإقرارا؟ قيل: زادتهم إيمانا حين نزلت، لأنهم قبل أن تنزل السورة لم يكن لزمهم فرض الإقرار بها والعمل بها بعينها إلا فى جلة إيمانهم بأن كل
стр. 270
ما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند اللَّه فحق، فلما أنزل اللَّه السورة لزمهم فرض الإقرار بأنها بعينها من عند اللَّه، ووجب عليهم فرض الإيمان بما فيها من أحكام اللَّه وحدوده وفرائضه، فكان ذلك هو الزيادة التى زادهم نزول السورة حين نزلت، من الإيمان والتصديق بها (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ التوبة: ١٢٥.
стр. 271
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ نفاق وشك فى دين اللَّه، فإن السورة التى أنزلت زادتهم رجسا الى رجسهم، وذلك أنهم شكوا فى أنها من عند اللَّه، فلم يؤمنوا بها ولم يصدقوا، فكان ذلك زيادة شك حادثة، فى تنزيل اللَّه، لزمهم الإيمان به، عليهم، بل ارتابوا بذلك، فكان ذلك زيادة فتن من أفعالهم، الى ما سلف منهم نظيره من الفتن والنفاق، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا﴾ يعنى هؤلاء المنافقين انهم هلكوا ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: يعنى وهم كافرون باللَّه وآياته (١).
стр. 272
قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ التوبة: ١٢٦.
قال أبو جعفر:
اختلف القراء فى قراءة قوله ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ فقرأته عامة قراء الأمصار ﴿أولا يرون﴾ بالياء، بمعنى أو لا يرى هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض النفاق. وقرأ ذلك حمزة ﴿أو لا ترون﴾ بالتاء، بمعنى أو لا ترون أنتم أيها المؤمنون أنهم يفتنون.
والصواب عندنا من القراءة فى ذلك: الياء على وجه التوبيخ من اللَّه لهم، لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه وحجة معناه. فتأويل الكلام إذن: أو لا يرى هؤلاء المنافقون أن اللَّه يختبرهم فى كل عام مرة أو مرتين، بمعنى أنه يختبرهم فى بعض الأعوام مرة، فى بعضها مرتين. ثم لا يتوبون يقول: ثم هم مع البلاء الذى يحل بهم من اللَّه والإختبار الذى
стр. 273
يعرض لهم، لا ينيبون من نفاقهم، ولا يتوبون من كفرهم، وهم لا يتذكرون بما يرون من حجج اللَّه، ويعاينون من آياته، ليتعظوا بها، ولكنهم مصرون على نفاقهم (١).
قال أبو جعفر:
واختلف أهل التأويل فى معنى الفتنة التى ذكر اللَّه فى هذا الموضع
стр. 274
أن هؤلاء المنافقين يفتنون بها، فقال بعضهم: ذلك اختبار اللَّه إياهم بالقحط والشدة.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن وكيع (١)، ثنا ابن نمير (٢)، عن ورقاء، عن ابن أبى نجيح (٣) عن مجاهد ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: بالسنة والجوع (٤).
стр. 275
قال أبو جعفر:
حدثنى محمد بن عمرو (١)، قال: ثنا أبو عاصم (٢)، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، فى قول اللَّه تعالى ﴿يُفْتَنُونَ﴾ قال: يبتلون ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: بالسنة والجوع (٣).
стр. 276
قال أبو جعفر:
وقال آخرون: بل معناه: إنهم يختبرون بالغزو والجهاد. وذكر من قال ذلك حدثنا بشر (١)، قال حدثنا يزيد (٢) قال: ثنا سعيد (٣)، عن قتادة قوله: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: يبتلون بالغزو فى سبيل اللَّه فى كل عام مرة أو مرتين (٤).
стр. 277
قال أبو جعفر:
وقال آخرون: بل معناه: أنهم يختبرون بما يشيع المشركون من الأكاذيب على رسول اللَّه ﷺ وأصحابه. فيفتتن بذلك الذين فى قلوبهم مرض وذكر من قال ذلك. حدثنا أحمد بن إسحاق (١)، قال: ثنا
стр. 278
أبو أحمد (١) قال: ثنا شريك (٢)، عن جابر (٣)، عن أبى الضحى (٤)، عن حذيفة (٥) قال: كان لهم فى كل عام كذبة أو كذبتان (٦).
стр. 279
قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ التوبة: ١٢٧.
قال أبو جعفر:
قال اللَّه تعالى ذكره: وإذا ما أنزلت سورة من القرآن فيها عيب هؤلاء المنافقين الذين وصف جل ثناءه صفتهم فى هذه الصورة، وهم عند رسول اللَّه ﷺ ، نظر بعضهم الى بعض، فتناظروا: هل يراكم من أحد إن تكلمتم أو تناجيتم بمعايب القوم يخبرهم به، ثم قاموا فانصرفوا من عند رسول اللَّه ﷺ ، ولم يستمعوا قراءة السورة التى فيها معايبهم، ثم ابتدأ جل ثناءه قوله ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ فقال: صرف اللَّه عن الخير،
стр. 280
والتوفيق، والإيمان باللَّه، ورسوله قلوب هؤلاء المنافقين، ذلك ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ يقول: فعل اللَّه بهم هذا الخذلان، وصرف قلوبهم عن الخيرات، من أجل أنهم قوم لا يفقهون عن اللَّه مواعظه، استكبارا ونفاقا (١).
стр. 281
الفصل التاسع والعشرون فيما نزل من القرآن فى منافقى الأعراب الذين تخلفوا عن غزوة تبوك
قال اللَّه تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة: ٩٧.
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: الأعراب أشد جحودا لتوحيد اللَّه، نفاقا من أهل الحضر فى القرى والأمصار، وإنما وصفهم جل ثناءه بذلك لجفائهم وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوبا وأقل علما بحقوق اللَّه، وقوله: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يقول: وأخلق أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللَّه على رسوله، وذلك فيما قال قتادة: السنن (١).
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يعد نفقته التى ينفقها فى جهاد مشرك أو فى معونة مسلم، أو فى بعض ما ندب اللَّه إليه عباده، مغرما، يعنى غرما لزمه، لا يرجو له ثوابا، ولا يدفع به عن نفسه عقابا، ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ يقول: ينتظرون بكم الدوائر أن تدور بها الأيام والليالى، الى مكروه، ونفي محبوب، وغلبة عدو لكم، يقول اللَّه تعالى ذكره: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ يقول: جعل اللَّه دائرة السوء عليهم ونزول المكروه بهم، لا عليكم أيها المؤمنون، ولا بكم، واللَّه سميع لدعاء الداعين، عليم بتدبيرهم، وما هو بهم نازل من عقاب اللَّه، وما هم إليه صائرون من أليم عقابه (١).
стр. 284
قال أبو جعفر:
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل ثم قال:
حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فى قول اللَّه ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء، اتقاء أن يغزوا، أو يحاربوا، أو يقاتلوا ويرون نفقتهم مغرما، ألا تراه يقول ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾.
ثم قال أبو جعفر: واختلفت القراء فى قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء أهل المدينة والكوفة. ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بفتح السين، بمعنى النعت للدائرة، وإن كانت الدائرة مضافة إليه، كقولهم: هو رجل السوء، وامرؤ الصدق، كأنه إذا فتح مصدر من قولهم: سوءته أسوءه سواء ومساءة ومسائية. وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بضم السين، كأنه جعله اسما، كما يقال عليه دائرة البلاء
стр. 285
والعذاب، ومن قال ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ فضم، لم يقل هذا رجل السوء بالضم، والرجل السوء، ثم قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك عندنا بفتح السين، بمعنى: عليهم الدائرة التى تسوءهم سوءا، كما يقال هو رجل صدق، على وجه النعت (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة: ٩٩.