(م) قال الحافظ ﵀: (وما كان مثله من سائر حروف المعجم حيث وقع) (١).
(من) يريد وما كان مثل ما ذكر فأفرد الضمير وذكره وإن كان راجعًا لجملة الأمثلة التي تقدمت لأنه في معنى ما ذكر. و (سائر) معناه باقي من قولك سؤر الشراب تريد باقيه والباقي من حروف المعجم التي التقى منها المثلان من كلمتين في القرآن: الغين والقاف والثاء والواو كما تقدم.
أما الْغَيْن فلقيت مثلها في آل عمران خاصة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ﴾ (٢) وهو من المعتل وسيأتي بحول الله العلى العظيم.
وأما القاف فيدغمها في مثلها وجملته في القرآن خمسة مواضع منها في الأعراف: ﴿وَالطِّيِّبَاتِ مِنَ الْرِّزْقُ قُل هِىَ﴾ (٣) ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ (٤) وفي التوبة: ﴿يُنفِقُ قُرُبَاتٍ﴾ (٥) وفي سورة يونس ﵇: ﴿حَتَّى إِذِا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ﴾ (٦) وفي قل أوحى إلى: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (٧).
стр. 214
وأما الثاء فيدغمها في مثلها وجملته في القرآن ثلاثة مواضع وهي: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (١) في البقرة والنساء: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ في المائدة (٢).
وأما الواو فيدغمها في مثلها وجملته في القرآن ثمانية عشر حرفا وهي على ضربين:
أحدهما:
أن يسكن ما قبلها فلا خلاف في إدغامه وذلك خمسة مواضع منها: في الأنعام: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ (٣) وفي الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفُوَ وَأَمُرْ﴾ (٤) وفي النحل: ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ (٥) وفي الشورى: ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمُ﴾ (٦) وفي الجمعة: ﴿مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ الشَّجَرَةِ﴾ (٧).
والضرب الثاني:
أن ينضم ما قبلها وهو باقي العدد: منها البقرة: ﴿هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾ (٨) وفي آل عمران: ﴿هُوَ وَالمَلَائِكَةُ﴾ (٩) وفي الأنعام: ﴿إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾ (١٠) ﴿إِلَّا
стр. 215
هُوَ وَيَعْلَمُ﴾ (١) ﴿إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ﴾ (٢) وفي الأعراف: ﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ (٣) وفي سورة يونس ﵇: ﴿إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ﴾ (٤) وفي النحل: ﴿هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ﴾ (٥) وفي طه: ﴿إِلَّا هُوَ وَسِعَ﴾ (٦) وفي النمل: ﴿هُوَ وَأُوتِينَا﴾ (٧) وفي القصص: ﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ (٨) وفي التغابن: ﴿إِلَّا هُوَ وَعَلَى﴾ (٩) وفي
المدثر: ﴿إِلَّا هُوَ وَمَا﴾ (١٠).
فهذه ثلاثة عشر موضعًا فيها خلاف يأتي بعد بحول الله تعالى.
(م) قال الحافظ ﵀: (إلا قوله تعالى في لقمان: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فإنه لا يدغمه) (١١).
(ش) وذكره الإِمام فيه اختلافا عن أبي عمرو وأن الإِظهار أحسن وذكر أن الإِدغام رواية أبي زيد الأنصاري عنه (١٢) وذكر
стр. 216
الحافظ في "التفصيل" أن إدغامه رواية القاسم بن عبد الوارث عن أبي عمرو واعتمد الحافظ على الإِظهار (١) كما ترى هنا أو علل بكون النون ساكنة قبل الكاف فهي تخفي (٢) عندها.
وحاصل هذا التعليل أن الإِدغام هنا إجحاف بالكلمة من جهة أن الحرف الدغم مدفون فيما أدغم فيه فقد ذهب لفظه وحركته، والنون الخفيفة في حكم المذاهب أيضًا، فكأنه قد ذهب من الكلمة حرفان، ولهذا قال الإِمام فكأنك أدغمت حرفين وذلك رديء جدًا.
ولا يعلل هذا الموضع بكون الإِدغام فيه يؤدي إلى التقاء الساكنين لأنه: لم يتحاشى من الإِدغام بعد الساكن وإن كان الساكن صحيحًا نحو: ﴿مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ (٣) و ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (٤) و ﴿مِن قَبْلُ لَفِي﴾ (٥).
فإن قيل: لا يصح الإِدغام في هذه الأمثلة التي ذكرت إلا فيما أشبهها عند الحذاق من النحوييِن والمقرئين، وإنما هو
стр. 217
إخفاء للحركة، وهو الذي يعبر عنه بالروم، وحقيقته النطق ببعض الحركة وهو مستعمل في الضمة والكسرة، ولا فرق بين النطق ببعض الحركة والنطق بجملتها على التمام في تفكيك الحرف ومنع الإِدغام فيندفع بذلك التقاء الساكنين؟.
فالجواب: أنه قد. ثبتت الرواية عنه بإدغام الحرف المفتوح وقبله حرف ساكن صحيح في عدة (١) مواضع من القرآن مع أن الفتحة لا ترام عند القراء. منها:
في آل عمران: ﴿سَنُلْقِى في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ (٢) وفي الأنعام: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ (٣) وفي الأعراف: ﴿أَعَجِلْتُمْ أمْرَ رِبِّكُمْ﴾ (٤) و ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرفِ﴾ (٥).
وفي سورة يوسف ﵇: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرُ رَبِهِ﴾ (٦) وفي النحل: ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ (٧) و ﴿بَعْدَ تَوْكَيِدهَا﴾ (٨) وفي النمل: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلُمَ مِنَ قَبْلِهَا﴾ (٩)
стр. 218
وفي الشورى: ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ (١) وفي الدخان: ﴿وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ (٢) وفي الحاقة: ﴿فَهِىَ يَومَئِذٍ وَاهِيَةٍ﴾ (٣) وفي سورة نوح ﵇: ﴿وَجَعِلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٤) ولا فرق بين هذه المواضع وبين قوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ (٥) إلا من حيث إن النون تخفى كما ذكر الحافظ.
وسائر الحروف السواكن في هذه المواضع التي ذكرت لا تخفى. والله عز جلاله وجل كماله أعلم.
(م) قال الحافظ ﵀: (وإِذا كان الأول من المثلين مشددًا، إلى قوله: لم يدغمه أيضًا) (٦).
(ش) قد تقدم ذكر هذه الشروط الثلاثة وإنما لم يجز إدغام المشدد لأنه قد حصل فيه الإِدغام: إِذ كل مشدد فهو من حرفين في التقدير، والأول مدغم في الثاني، فلو قدر إدغامه في حرف آخر لكان في ذلك تقدر للنطق بثلاثة أحرف معا ولم يظهر لها أثر زائد على ما كان عليه قبل: لأنه قد كان مشددًا بأقصى حاله أن يكون مشددًا كما كان ولا أثر للحرف الثالث، فكان حاصل هذا أنه نطق بالحرف المشدد على ما كان عليه، وحذف الحرف الآخر، وهذا بخلاف إدغام الحرف الواحد في الثاني: لأنه قبل الإِدغام مخفف فظهر عند الإِدغام أثر وهو التشديد.
стр. 219
ولو صاغ تجويز إدغام الحرف المشدد في حرف آخر حتى يصير الإِدغام في ثلاثة أحرف لساغ تقدير إدغامه في حرف رابع ثم خامس. وهذا هذيان.
ولم يجز إدغام المنون لأن التنوين حرف فاصل بين الحرفين ولا يكون إلا بعد حركة، فيكون الفصل بين الحرفين بالحركة والتنوين.
وقد مر أن شرط الإِدغام ألا (١) يفصل بين الحرف المدغم والمدغم فيه بحركة ولا بحرف ولا بسكت وقد تقدم عند ذكر الهاء التنبيه على الفرق بين التنوين وصلة الهاء من حيث جاز حذف الصلة ولم يجز حذف التنوين والله ﵎ أعلم.
ولم يجز إدغام تاء المتكلم والمخاطب لأنها اسم وهي مع ذلك على حرف واحد، فعزموا على إبرازها بالتفكيك وتقويتها بالتحريك احرازًا لمرتبتها على تاء التأنيث في نحو: قامت هند فلو ادغمت لذهبت (٢) "قوتها بالإسكان واستتر وجودها بالإدغام وكان ذلك توهينًا لها وتسوية بينها وبين حرف التأنيث في نحو: ﴿كَانَتْ تَّأْتِيهِمْ﴾ (٣) وقد عزموا على التفرقة بينهما حيث أسكنوا حرف التأنيث وحركوا الضمير فكان من تمام هذا الإحترام: إبقاء حركتها عند لقيها مثلها.
فإن قيل: هذا بين في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ﴾ (٤) ونحوه مما الضمير فيه التاء وحدها، فأما إِذا كان الضمير أكثر من حرف واحد نحو: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ﴾ (٥) فإن الضمير هنا الهمزة والنون وإنما التاء علامة
стр. 220
تدل على أن الضمير لمفرد مذكر إِذا فتحت التاء؛ تدل على أن الضمير لمؤنث إِذا كسرت، وتدل في (أنتما) على أنه ضمير أثنين وفي (أنتم) و (أنتن) على الجمع، فلم امتنع الإِدغام في (أنت) والتاء حرف؟.
فالجواب: أنهم أجروا هنا هذه التاء وإن كانت حرفًا مجرى التاء التي هي ضمير: إِذ لا يتبين معنى الضمير إلا بهذه التاء مع حركتها ألا ترى أنك لو قلت مخاطبًا (أنت) ووقفت بالسكون لم يعلم السامع أنك قصدت مذكرًا أو مؤنثًا؟ فصارت التاء في (أنت) بمنزلة التاء في (فعلت)، ومع هذا فإن قبل التاء نونا ساكنة فلو أدغمتها للزم فيها ما لزم في إدغام ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ كما تقدم.
وأعلم أن في قوله تعالى: ﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ (١) ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ﴾ (٢) ونحوهما علة أخرى سوى ما تقدم وهو أن أصله (كونت) مثل (كرمت) فنقل ضمة العين إلى الفاء وحذفت العين ثم أن النون ساكنة فكثر الإعلال وفي ﴿كِدْتَّ تَرْكَنُ﴾ (٣) من الإعلال مثلما في (كنت): إِذ أصله (كيدت) مثل (علمت) وأيضا فإن التاء مشددة فامتنع إدغامها لذلك أيضًا. وأعلم أن الذي في القرآن من التاء التي لقيت مثلها من كلمتين والأولى ضمير المتكلم موضع واحد، وهو قوله تعالى: ﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ في النبأ لا غير.
وفيه من ضمير المخاطب "ثلاثة عشر" (٤). منها في سورة يونس
стр. 221
- ﵇: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ﴾ (١) ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِى﴾ (٢) ﴿أَفَأنْتَ تُكْرِهُ﴾ (٣) وفي سورة هود ﵇: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلِمُهَا﴾ (٤) وفي الإِسراء: ﴿كِدتَّ تَرْكَنُ﴾ (٥) وفي كهيعص: ﴿كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (٦) وفي الفرقان: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ﴾ (٧) وفي القصص: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ﴾ (٨) وفي العنكبوت: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ﴾ (٩) وفي الزمر: ﴿أَفَأَنْتَ تُنقِذُ﴾ (١٠) ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ﴾ (١١) وفي الشورى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي﴾ (١٢) وفي الزخرف: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ﴾ (١٣). والله تعالى أعلم.
(م) قال الحافظ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: (فإن كان معتلًا نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ﴾ (١٤) و ﴿وَيَحْلُ لَكُمْ﴾ (١٥) و ﴿وَإِنْ يَكُ كَذِبًا﴾ (١٦) وشبهه فأهل الأداء مختلفون فيه (١٧).
стр. 222
(ش) اعلم أنه يريد هنا بالمعتل أن الكلمة الأولى حذف من آخرها حرف فصار الحرف الذي كان قبل المحذوف آخرًا في اللفظ ولقي مثله من أول الكلمة الثانية فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ﴾ (١) كان أصله (ييتغي) بياء بعد الغين مثل (يرتضى) فحذفت الياء للجزم وكذلك (يَخْلُ لَكُمْ) أصله (يخلوا) بواو بعد اللام مثل (يبدو) فحذفت الواو للجزم وكذلك (وَإن يَكُ كَذِبًا) أصله (يكون) فحذفت الواو والنون للجزم على التدريج المذكور في النحو (٢) ثم لقيت الغين من (يبتغ) واللام من (يخل) والكاف من (يك) أمثالها، فمن أخذ بالاظهار راعى أن هذا الإلتقاء عارض فلم يعتد به.
ورأي أن المثلين في هذه المواضع في حكم الفصول بينهما بالحرف الأصلي الذي حذف للجزم مع ما في الإِدغام من الاجحاف بالكلمة: إِذ قد ذهب منها حرف بالجزم ويذهب الثاني بالإِدغام.
стр. 223
ومن أخذ بالإِدغام راعى التقاء المثلين في اللفظ واعتد بالحذف وإن كان عارضًا، وراعى ثقل الكسرة في (يبتغ) والضمة في (يخل) و (يك) ثم له أن يأخذ بالروم فيندفع به الإِجحاف، إِذ لا يكون الروم إلا مع ثبوت الحرف الأول فترجع المسالة إلى إخفاء الحركة لا إلى الإِدغام الصحيح كما سيأتي بحول الله تعالى.
وذكر الإِمام الخلاف في هذه الحروف (١) الثلاثة ورجح الإِظهار وفي (يخل لكم) لسكون الخاء وفي ﴿إنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ لكثرة الحذف: إِذ قد حذفت منه الواو والنون. والله عز جلاله أعلم.
فان قيل: اشتمل هذا الكلام على أن حذف أواخر هذه الكلم وجب الجزم وهو بين في (يبتغ) و (يخل) لأن المحذوف منهما حرف علة خاصة.
أما (يكون) فما وجه حذف النون منه للجزم وهو حرف صحيح وحكم الحرف الصحيح، في الجزم والسكون دون الجزم؟.
فالجواب: أن العرب تستعمل في جزم (يكون) وجهين فصيحين: أحدهما: اسكان النون كسائر الأفعال التي أواخرها حروف صحاح وعليه جاء قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ (٣) ونحوهما.
والوجه الثاني: حذف النون للجزم تشبيهًا لها بحرف العلة. وينبغي أن يعتقد في هذا الحذف أنه على التدريج الذي تقتضيه صيغة العربية.
стр. 224
وبيانه: أنه لما دخل الجازم سكنت النون فذهبت الواو لئلا يلتقى ساكنان فصار (لم يكن) ثم حذفت النون للشبه بحروف العلة كما تقدم.
ووجه الشبه أن النون أن لها غنه؛ أن حروف العلة لها لين، وكلا الصفتين زياده في الحرف، وأن مخرج النون قريب من مخرج الياء والواو: ولهذا كله جاز إدغام النون في الياء والواو وإبدال الألف منها في الوقف، ولم يفعل ذلك في غيرها من الحروف الصحاح، وعلى هذا الحذف جاء قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ (٢) ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (٣) وقوله : ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّاْ (٤) وقوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يِمْكُرُونَ﴾ (٥) وهذا في القرآن كثير. وإنما جاز هذا في مضارع (كان) لكثرة استعمالها إِذ هي: أم الأفعال كلها بدليل جواز الجواب بها عن كل فعل تسأل عنه فيقال: هل قام زيد؟ فتقول كان ذلك. تريد: حصل القيام أو تقول: لم يكن ذلك، تريد: لم يقم. وإنما صح هذا في كان:
لأنها عبارة عن أصل الوجود: لأن الكون هذا الوجود: ولهذا لو أجبت بغيرها من الأفعال وإن كان يشبهها في اللفظ لم يجز نحو: صان وهان وخان، ولا يقال في مضارع هذه الأفعال: لم (يص) ولا (لم يه) ولا (لم يخ) بل لابد من إثبات النون فيه: إِذ لم يكثر استعمالها لكونها ليست مثل (كان) في أنها أم الأفعال وعبارة عن أصل لوجود والله أعلم.
стр. 225
وقول الحافظ ﵀: (وشبهه) بأثر قوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ يقتضي أن في القرآن من هذا المعتل المختلف فيه زيادة على هذه المواضع الثلاثة التي ذكرها (١) التقى فيه المثلان وليس كذلك، فأما قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي﴾ (٢) في سورة هود ﵇: و ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي﴾ (٣) في غافر فقد نص على أنه لا خلاف في إدغامها (٤) فعلى هذا يبقى قوله: (وشبهه) لا يحرز شيئا.
وأعلم أن الحافظ ﵀ قل ما يترك هذه العبارة في أكثر المسائل أن يقول بعد ذكر المثال (وما أشبه ذلك وشبهه) سواء كان لما ذكر من الأمثلة نظير أو ولم يكن مقصوده بذلك الإشعار بإطلاق القياس فيما ذكر وفي نظائره إن وجدت له نظائر، وقد وجدت في بعض تآليفه هذه العبارة يقول (أو نحوها وما أشبهه إن وجد) لكن هذه العبارة تحدث على الطالب حيرة إذا لم يكن قوي الذعر لألفاظ القرآن فقد يطلب نظيرًا لما ذكر الحافظ إذا وجده يقول: (وما أشبهه) فلا يجده، فيرمي نفسه بالتقصير: فلهذا مهما أجد عبارة الحافظ في مثل هذا وأعرف أنه ليس لما ذكر نظير أنبه عليه إن ألهمني الله (٥) لأزيل تحير الطالب. وقد أبديت عذر الحافظ ومقصوده في ذلك ﵀ ورضى عنه. والله ﷻ أعلم.
стр. 226
(م) قال الحافظ ﵀: (ولا أعلم خلافا في الإِدغام في قوله: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي﴾ و ﴿يَاقَوْمِ مَا لِي﴾ وهو من المعتل) (١).
(ش) يريد أن الأصل: (قومى) (٢) بياء بعد الميم وتلك الياء: هي ضمير المتكلم اتصلت بالمنادى لأجل الإِضافة ثم حذفت اجتزاء (٣) عنها بالكسرة فأشبه هذا الحذف فيما تقدم فسماه معتلا لذلك.
واعلم أنه يمكن أن يكون الحافظ أورد هذا الفصل إعلاما بنفي الخلاف خاصة وهو الظاهر، ويمكن أن قصد به معارضة ابن مجاهد وأصحابه حيث أظهروا هناك وأدغموا هنا مع أن الكل (٤) معتل فإن كان أراد هذا فلابن مجاهد أن يفرق بين الوضعين بأن المحذوف هناك أصلى في الكلمة: لأنه لام الفعل والمحذوف هنا غير أصلى لأنه ضمير المتكلم أضيف إليه المنادى، ولا شك أن المضاف غير المضاف إليه فاتصاله عارض فقوي الإعتداد بحذفه، هذا مع أنهم جعلوا الكسرة كأنها عوض من المحذوف.
فإذا تقرر هذا فإن قريء بالإِدغام الخالص لم يلزم النقيض (٥) لحصول الفرق - بين الحذفين كما تقدم، وإن قرئ بالروم فالأمر أسهل، فإن الحركة التي أقيمت مقام المحذوف لم تذهب رأسًا ولكن ضعف الصوت بها كما يأتي في حقيقة معنى الروم بحول الله وقوته ومذهب الإِمام في هذين الحرفين الإِدغام كمذهب الحافظ. والله ﵎ أعلم.
стр. 227
(م) قال الحافظ ﵀ (فأما آل لوط حيث وقع. إلى آخره). (١).
(ش) اعلم أن هذا اللفظ ورد في القرآن في أربعة مواضع منها موضعان في الحجر (٢) وثالث في النمل (٣) ورابع في القمر (٤).
وذكر الحافظ هنا إظهاره على عامة البغداديين وعن ابن مجاهد، وقال في المفصح ولا أعلمه جاء من طريق اليزيدي، وإنما رواه معاذ بن العنبري (٥) ثم قال هنا: وكان غيره يأخذ بالإِدغام وبه قرأت.
وذكر في المفصح أن عصمة بن عروة (٦) الفقيمى (٧) روى إدغامه عن
стр. 228
أبي عمرو وأنه اخيار ابن شاذان (١) وعامة أهل الأداء من أصحاب عبد الرحمن وأبي شعيب وابن سعدان (٢) عن اليزيدي، وذكر الإِمام الخلاف وقال والإِظهار أكثر (٣) وذكر الحافظ هنا ترجيح ابن مجاهد الإِظهار بقلة حروف (ءال) ثم نقض (٤) عليه بإجماعهم على إدغام (لَكَ كَيْدًا) إذ هو أقل حروفًا منه (٥).
ثم وجه الإِظهار بوجه آخر وهو اعتلال عين الكلمة وهذا التوجيه في تصريف أال هو قول أكثر النحويين قالوا: أصل هذه الكلمة أهل وعينها هاء بدليل قولك في التصغير أهيل وفي الفعل تأهلت فأبدلت الهاء همزة لقرب المخرج أو لإتحاده فصار أل (٦) فالتقى في الكلمة همزتان:
стр. 229
الأولى متحركة والثانية ساكنة فأبدات الخانية حرفا من جنس حركة ما قبلها كما هو القياس في أمن ونحوه فصار أل وذهب الكسائي إلى أن أصله (أول) من قولك، أل يؤول إذا رجع فتحركت الواو بعد فتحة فانقلبت ألفا على قياس باب ودار، وحكى في التصغير أويل حكاه عن ابن السيد (١) في الاقتضاب (٢) وعلى تقدير ذلك لا يكون تأهلت ولا أهيل من أل في اللفظ ولا في المعنى والله عز جل وعلا أعلم.
(م) قال الحافظ ﵀ واختلف أهل الأداء أيضًا في الواو من هو إذا انضمت الهاء قبلها إلى آخر كلامه (٣).
(ش) قد تقدم في حرف الواو أن جملة ما في القرآن من الواو التي قبلها ضمة ولقيت مثلها ثلاثة عشر موضعا أولها في البقرة: ﴿جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (٤) وآخرها في المدثر: ﴿إِلَّا هُوَ وَمَا﴾ (٥) فذكر عن ابن مجاهد وأصحابه أنهم لا يرون الإِدغام لأن الواو إذ سكنت بعد ضمة صارت حرف مد وأشبهت واو آمنوا ونحوه وأنه لا خلاف أن واو امنوا لا تدغم، وحكى عن ابن شنبوذ وأصحاب أبي عبد الرحمن وابن سعدان وأبي شعيب أنهم يرون الإِدغام قياسًا على الياء المكسور ما قبلها نحو ﴿يَأْتِيَ
стр. 230
يَوْمٌ﴾ (١) إذ لا فرق بين الياءين، وقد تقدم أن أصل الياء في (يأتي يوم) التحريك. وأن السكون عارض لأجل الإِدغام فكذلك الواو هنا بخلاف واو آمنوا فان سكونه أصل كسكون ياء ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (٢).
قال: على أن (٣) محمد بن سعدان ومحمد بن عمر الرومى وأبا عبد الرحمن وابن جبير (٤) رووا عن اليزيدي عن أبي عمرو الإِدغام في ذلك نصا قال: وبه قرأت وبه آخذ. هذا كله كلامه في المفصح وهو موافق لما ذكر في التيسير.
وذكر الإِمام الخلاف عند ذكر الحرف الذي في البقرة ثم قال: والإِظهار أكثر وأحسن وقول الحافظ (ولا فرق بين البابين) يريد باب الياء المكسور ما قبلها وباب الواو المضموم ما قبلها في أن كل واحد منهما إذا سكن صار حرف مد فكما وافق على إدغام الياء بعد الكسرة فينبغي أن يوافق على إدغام الواو بعد الضمة.
وقد يقع في بعض النسخ (ولا فرق بين الياءين) تثنية ياء التي باثنتين من أسفل وهو تصحيف - والله ﷻ أعلم.
стр. 231
وقد تقدم تعديد مواضع الياء في القرآن فأما الذي وقع منها بعد كسرة فلفظان:
أحدهما: ﴿يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ في البقرة (١) وفي سورة إبراهيم ﵇ (٢) والروم (٣) والشورى (٤).
والثاني: ﴿نُودِيَ يَامُوسَى﴾ (٥) في طه لا غير.
وأعلم أن هذه المعارضة التي أورد الحافظ حسنة، ويبقى أن يقال لإبن مجاهد أن العرب لا تدغم حرف المد الذي استقر بنفسه حرف مد واستعمل رب الكلام كذلك كالواو في قوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٦) وكذلك قوله تعالى: ﴿آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ (٧) وكالياء في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَدُعُّ﴾ (٨) و ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ﴾ (٩) و ﴿الَّذِي يَرَاكَ﴾ (١٠) و ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ (١١).
فأما ما نحن فيه فليس كذلك إذ ليس الواو في (هو) ولا الياء في (نودى) ونحوهما حرفي مد في أنفسهما ولا يستعملان مدا إلا لعارض
стр. 232
الوقف خاصة، فقولنا في الإِدغام: أنهما سكنا فصارا حرفي مد ثم أدغما حكم تقديري غير منطوق به، وإنما ينطق بهما في الكلام على أحد وجهين:
أما حرفين مفككين مما بعدهما متحركين، وإما مدغمين فيما بعدهما فيكون الحاصل في اللفظ إذ ذاك حرفا واحدا مشددا. والله تعالى أعلم.
(م) قال الحافظ ﵀: (فإن سكنت الهاء إلى آخره) ثم قال: (وما كان مثله) (١).
(ش) اعلم أنه ليس في القرآن غير هذه الألفاظ الأربعة (٢).
إلا أن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ وقع في الأنعام وفي النحل فيبقى قوله (وما كان مثله) لا يحرز (٣) شيئا وقد تقدم الإعتذار عنه والله تعالى أعلم.
(م) قال الحافظ ﵀: (فأما قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ في الطلاق إلى آخره) (٤).
(ش) عزم الحافظ في هذا الحرف على منع الإِدغام واعتل بأن أصله (اللائي) بياء بعد الهمزة كما في قراءة الكوفيين) (٥) ثم حذفت الياء تخفيفا
стр. 233
فبقيت الهمزة طرفا كما في قراءة قالون ثم اسكنت الهمزة وأبدل منها ياء ساكنة على غير قياس.
إذ قياسها أن يكون بين بين فإذا ثبت هذا امتنع الإِدغام لوجهين:
أحدهما: كثرة التغير والإجحاف بالكلمة.
الوجه الثاني: أن هذه الياء لما كانت بدلا من الهمزة روعى أصلها فلم تدغم: أذ لا تدغم الهمزة في غيرها.
قال الحافظ ﵀: (ومن قال: إن الهمزة حذفت وأن الياء باقية من الأصل فهو دعوى بلا دليل).
أعلم أن هذا الذي قال الحافظ ﵀ من منع الإِدغام في هذا الحرف قد نوزع فيه: لأنه قد حصل في اللفظ التقاء المثلين والأول منهما ساكن فلزم الإِدغام، ولا يحتج لترك الإِدغام بعدم النص عليه إذ لا يحتاج إلى التنصيص على ما جرى على مقتضى الأصول ولا مدخل لهذه الكلمة في الإِدغام الكبير: إن الأول في قراءة أبي عمرو ساكن في أخذه بالإِدغام كما هو في أخذه بالإِظهار كقراءة البزي، وباب الإِدغام الكبير بما الأول فيه متحرك في قراءة الإِظهار فقد خرج هذا الحرف في قراءته عن باب الإِدغام
стр. 234
الكبير ولحق بباب (١) ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٢) و ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ (٣) و ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾ (٤) و ﴿إِذْ ذَهَبَ﴾ (٥) مما التقى فيه المثلان وأولهما ساكن فأما ما ذكر الإِمام في آخر الزخرف من قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ (٦) فزائد على مقتضى باب الإِدغام الكبير لأن الحاء ساكنة.
وكان ينبغي للحافظ أن يبين كيف يصنع القاريء بهذا الحرف على قراءة أبي عمرو والبزي هل يفصل بسكت خفيف، أو يشبع مد الصوت، أو كيف يكون وجه العمل مع ما فيه من التقاء الساكنين في الوصل إذ قبل الياء ألف (وصاد ساكنين) (٧) وقد ذكر أبو جعفر بن الباذش هذه المسألة في صدر باب الإِدغام الكبير في كتاب الإِقتاع وذكر عن أبيه أنها مما يلزم فيه الإِدغام (٨) بخلاف قول الحافظ (٩) والله أعلم.
(م) قال الحافظ ﵀ (ذكر الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين) (أعلم أنه لم يدغم أيضًا من المتقاربين في كلمة إلا القاف في الكاف (١٠) إلى آخر كلامه).
стр. 235
(ش) هذا هو القسم الثالث المتقدم الذكر. ذكر الحافظ هنا إدغام القاف في الكاف بشرطين
أحدهما: تحريك ما قبل الكاف.
والثاني: أن يقع بعد الكاف ميم الجمع.
وإنما شرط هذين الشرطين لأن الكلمة تطول بالميم وتثقل بالحركة فيحسن التخفيف بالِإدغام. وأعلم أن الذي أوجب التقارب بين القاف والكاف اشتراكهما في الشدة واتصال مخرجهما، وأعلم أن جملة ما ورد في القرآن من هذا النوع تسع كلمات تكرر بعضها فبلغت سبعة وثلاثين موضعا.
إحداها: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ (١) في البقرة والنساء والأنعام والأعراف والنحل والشعراء وفي ثلاثة مواضع من الروم وفاطر والصافات والزمر وغافر وفصلت والتغابن وسورة نوح ﵇.
الثانية: ﴿رَزَقَكُمُ﴾ (٢) في العقود والأنعام والأعراف والأنفال وفي موضعين من النحل وفي الروم ويس وغافر.
والثالثة: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ (٣) في سورة يونس ﵇ وفي النحل وسبأ وفاطر والملك.
стр. 236
والرابعة: ﴿سَبَقَكُمْ﴾ (١) في الأعراف والعنكبوت.
والخامسة: ﴿صَدَقَكُمُ﴾ (٢) في آل عمران.
والسادسة: ﴿وَاثَقَكُمْ﴾ (٣) في العقود.
والسابعة: ﴿نَرْزُقُكُمْ﴾ (٤) في الأنعام
والثامنة: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ (٥) في الأسراء.
والتاسعة: ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ (٦) في الزمر.
وأعلم أن قولنا في هذا: متقاربا في كلمة من باب المجاز كما تقدم في قولنا: مثلان في كلمة.
стр. 237
وافق الِإمامُ الحافظَ على الإِدغام في جميع ما تقدم وزاد (١) أربعة مواضع مما قبل القاف ساكن:
أحدهما: ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ (٢) في الكهف.
الثاني: ﴿مَا خَلْقُكُمْ﴾ (٣) في لقمان.
الثالث: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ (٤) في الجاثية.
الرابع: ﴿رِزْقُكُمْ﴾ (٥) في الذاريات.
فذكر الإِدغام فيها باختلاف وإدغامها رواية أحمد بن موسى (٦) وعباس بن الفضل (٧) ويسوغه في ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ وفي ﴿خَلْقِكُمْ﴾ صحة روم الحركة في القاف، وفي الموضعين الباقيين جواز الروم والإِشمام. والإِظهار أحسن في أربعتها من أجل الساكن قبل القاف (٨).
стр. 238
ونص الحافظ على أنه يُظهر ما قبل القاف فيه ساكن: يقتضى الإِظهار في هذه الأربعة التي زاد الإِمام وفي ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ (١) و ﴿بِخَلَاقِكُمْ﴾ (٢) و ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (٣) و ﴿فَوْقَكُمُ﴾ (٤).
وكذلك إذا لم يكن بعد الكاف ميم وهو قوله تعالى: ﴿إِلَى عُنُقِكَ﴾ (٥) في الإِسراء و ﴿خَلَقَكَ﴾ (٦) في الكهف والإنفطار، و ﴿نَرْزُقُكَ﴾ (٧) في طه وليس في القرآن غيرها وقوله: (وشبهه) يحرز بعض الأمثلة التي قبل القاف فيها ساكن أو ليس بعد الكاف فيها ميم تقدم فتأمله. والله تعالى أعلم.
стр. 239
(م) قال الحافظ ﵀ (واختلف أهل الأداء في قوله تعالى: ﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ (١) إلى آخر كلامه) (٢).
(ش) ذكر الإِمام أن اليزيدي روى فيه الأظهار، وروى عباس الإِدغام وهو أكثر فقال الحافظ هنا: عن ابن مجاهد وأصحابه بالإِظهار وقال: قرأته أنا بالإِدغام وهو القياس لثقل الجمع والتأنيث (٣).
وقال في التفصيل: وبالوجهين قرأته أنا وأختار فيه الإِدغام، وعلله بالثقل كما تقدم. ثم قال: وكأن من آثر الإِظهار إنما كره أن يجتمع في الكلمة ثلاثة أحرف مضاعفة لما فيه من الكلفة الثقل.
(م) قال الحافظ: (وألزم اليزيدي أبا عمرو إدغامه) (٤).
(ش) وفي بعض النسخ (أبا عمر) بضم العين والصحيح أبا عمرو بفتح العين وإسكان الميم وهو اسم الإِمام ابن العلاء ويدل على صحة ذلك قوله (فدل على أنه يرويه عنه بالإِظهار) يريد فدل هذا الإِلزام على أن اليزيدي يرويه عن أبي عمرو بالإِظهار، وتصحيح هذا الإستدلال يتوقف على بيان وجه الإِلزام. وبيانه أن اليزيدي يقول لشيخه ابن العلاء: قد اجتمع في هذا الحرف الشروط التي تعتبر إدغام القاف في الكاف إذا كانا في الكلمة، وذلك تحريك ما قبل القاف، ووقوع حرف الجمع بعد الكاف، فالنون هنا بعد الكاف تدل على جاعة المؤنث كما أن الميم في (رزقكم) وأخواته تدل على جماعة المذكرين مع أن التأنيث أثقل من التذكير فليكن الإِدغام هنا أوكد فهذا وجه الإِلزام.
стр. 240
وأما تصحيح الإستدلال على ما قلته فهو أنك إنما تقول: ألزمت فلانًا كذا إذا كان قائلا بخلاف ما ألزمته، ويكون مع ذلك من أصول مذهبه ما يقتضي القول بما ألزمته، وهذه الشروط موجودة في مسألتنا على ما تقرر في وجه الإِلزام ولهذا قال الحافظ: (فدل على أنه كان يرويه عنه بالإِظهار) يريد لو كان اليزيدي يرويه عن ابن العلاء بالإِدغام لم يكن لاطلاق لفظ الإِلزام معنى.
فهذا وجه صحة ثبوت أبا عمرو اسم الشيخ، فأما أبا عمر اسم الراوي فلا وجه لثبوته هنا: لأنه إذا ألزم اليزيدي أبا عمر الدوري إدغام هذا الحرف فمعناه أنه قال له: اقرأ بالإِدغام واروه عني بالإِدغام، وإذا كان كذلك بطل أن يرويه الدوري عن اليزيدي بالإِظهار، ولم يعقل أن يستدل بهذا على أن اليزيدي يرويه عن ابن العلاء بالإِظهار.
فتأمل هذا كله. والله جل وعلا أعلم.
(م) قال الحافظ ﵀: (فأما ما كان من المتقاربين من كلمتين) (١).
(ش) هذا هو القسم الرابع المتقدم الذكر.
قال الحافظ: (أدغم من ذلك ستة عشر حرفا لا غير وهي كذا) (٢) وذكر أنه جمعها في قوله (سنشد حجتك بذل رض قثم) (٣) وقد جمعتها أنا في قولك (لذ ضحك بشر قنت ثم سجد).
стр. 241
وأعلم أن الإِمام وافقه على إدغام هذه الحروف وزاد العين في قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ﴾ (١) في النساء. وقال: باختلاف عنه، والإِدغام رديء جدا وهو رواية محمد بن رومي عن خالد بن جبلة (٢) عن أبي عمرو في هذا الحرف وحده وقياسه (يتبع غير) انتهى (٣).
قال الحافظ: في (٤) التفصيل: أن اليزيدي قرأهما بالإِظهار وقال: وبذلك قرأتهما. واعلم أنه قد تقرر أن الأصل في هذا الباب أن يكون الحرف الأول متحركًا قبل الإِدغام بخلاف هذين الحرفين، فلو كان أبو عمرو يختار إدغامهما لما خصهما (٥) بالإِدغام الكبير. والله جل وعز (٦) أعلم.
(م) قال الحافظ ﵀: (ما لم يكن الأول منونا أو مشددا أو تاء الخطاب أو معتلا) (٧).
стр. 242
(ش) وذكر مثالا من كل واحد من هذه الأصناف الأربعة وجملة ما في القرآن من تاء الخطاب في هذا الفصل (١) اثنا عشر موضعا وهي: ﴿خَلَقْتَ طِينًا﴾ (٢) و ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ (٣) و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ (٤) و ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ (٥) و ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ (٦) و ﴿لَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ (٧) و ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ (٨) و ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾ (٩) و ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ (١٠) و ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ (١١) و ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ (١٢) و ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ (١٣) وسيأتي الخلاف في هذا الأخير.
وأما المعتل فجاء منه في القرآن ثلاثة الفاظ:
أحدها: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً﴾ (١٤) في البقرة. ولا خلاف في إظهاره.
والثاني: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ﴾ (١٥) في النساء.
стр. 243
والثالث: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ (١) في الإِسراء والروم وفيهما خلاف فذكره بعد. وقد تقدم في القسم الثاني وجه منع إدغام هذه الأصناف فأغنى عن إعادته هنا والله أعلم (٢).
(م) قال الحافظ ﵀: (فأما الحاء فأدغمها في العين في قوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ لا غير = ثم قال: (وأظهرها في ما عدا هذا الموضع) إلى آخر كلامه (٣).
(ش) أعلم أن جملة ما في القرآن من الحاء عند العين ثمانية ألفاظ تكرر بعضها فبلغ الجميع خمسة وعشرين موضعًا.
فأحد هذه الألفاظ (جناحَ على) في ستة مواضع (٤) من البقرة وفي أربعة مواضع (٥) من النساء وفي موضعين (٦) من الأحزاب وفي موضع من الممتحنة (٧).
стр. 244
الثاني: ﴿الْمَسِيحُ عِيسَى﴾ (١) في موضع من آل عمران وموضعين من النساء.
الثالث: ﴿زُحْزِحَ عَنِ﴾ (٢) في آل عمران.
الرابع: ﴿ذُبِحَ عَلَى﴾ (٣) في المائدة.
الخامس: ﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ﴾ (٤) في سورة يونس ﵇.
السادس: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾ (٥) في طه.
السابع: ﴿الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ (٦) في سورة الأنبياء ﵈.
الثامن: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ (٧) في الزخرف.
غير أن هذا الحرف الأخير ساكن الحاء وهو خلاف أصل هذا الباب (٨) كما تقدم، فمذهب الحافظ الإِدغام في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ خاصة، وذكر الإِمام عنه اختلافا وأنه قرأه بالوجهين وقال:
كان أبو عمرو يكره إدغام الحاء في العين وقوم من العرب يدغمونها
стр. 245
فيها، والإِدغام رواية إلى عبد الرحمن بن اليزيدي عن أبيه عنه، وذكر الإِمام أيضًا في سائر الألفاظ الباقية الوجهين وأن الإِظهار أحسن وأن الإِدغام في (لاَ جُنَاحَ عَلىَ) و ﴿الْمَسِيحُ عِيسَى﴾ رواية قاسم بن عبد الوارث (١) عن الدوري عن اليزيدي عن أبي عمرو وأن إدغام ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ رواية شجاع (٢). فأما قوله تعالى (٣): ﴿الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ في سورة الأنبياء ﵇ (٤) فلم يذكره في الإِدغام.
وقياس من أدغم ﴿الْمَسِيحُ عِيسَى﴾ الأول من سورة النساء أن يدغم ﴿الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ إذ الحاء فيها منصوبة بعد ياء المد. والله جل وعلا (٥) أعلم.
ووجه التقارب بين الحاء والعين اتحاد لمخرج (٦) ولم يفترقا إلا في وجه واحد وهو البُحاح (٧) الذي في الحاء فلو زال صارت عينا مجهورة كما أنه لو زال الجهر عن العين صارت حاء بُحة والله سبحانه أعلم (٨).
وقد تقدم أن هذا الإِدغام شذوذ فإنه يقلب الحاء عينا، وتقدم أن المستعمل في مثل هذا قلب العين حاء والله سبحانه أعلم.
стр. 246
(م) قال الحافظ ﵀ (١): (وأما القاف فكان يدغمها في الكاف إذا تحرك ما قبلها) (٢)
(ش) اعلم أن جملة ما في القرآن من هذا النوع ستة ألفاظ تكرر بعضها فبلغ الجميع أحد عشر موضعًا: أحد الألفاظ: ﴿خَلَقَ كُلَّ﴾ (٣) في الأنعام والنور والفرقان.
الثاني: ﴿خَالِقُ كُلِّ﴾ (٤) في الأنعام والرعد والزمر وغافر.
الثالث: ﴿يَخْلُقُ كَمَنْ﴾ (٥) في النحل.
الرابع: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ﴾ (٦) في العقود.
الخامس: ﴿أَنْطَقَ كُلَّ﴾ (٧) في فصلت.
السادس: ﴿يُفْرَقُ كُلُّ﴾ (٨) في الدخان.
(م) قال الحافظ ﵀ (٩): (فإن سكن ما قبلها لم يدغمها نحو: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١٠) وشبهه) (١١).
стр. 247
(ش) اعلم أنه ليس في القرآن من هذا غير هذه الكلمة. والله ﵎ أعلم (١).
وافقه الإِمام على ما تقدم (٢). في القاف. وقد تقدم وجه التقارب بين القاف والكاف فأغنى عن أعادته (٣).
(م) قال الحافظ ﵀: (وأما الكاف فأدغامها أيضًا في القاف إذا تحرك ما قبلها) (٤).
(ش) اعلم أن جملة الوارد من هذا في القرآن اثنتان (٥) وثلاثون موضعا: منها في البقرة: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ﴾ (٦) ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٧) ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ (٨) ﴿مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ (٩) وفي النساء: ﴿مِنْ عِنْدِكَ قُلْ﴾ (١٠) ﴿عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ (١١) ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ﴾ (١٢) وفي الأعراف: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ
стр. 248
قَالَ﴾ (١) ﴿وَآلِهَتَكَ قَالَ﴾ (٢) وفي الأنفال: ﴿فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ (٣) وفي التوبة: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ﴾ (٤) وفي سورة يوسف ﵇: ﴿هَيْتَ لَكَ قَالَ﴾ (٥) وفي الإسراء: ﴿أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ (٦) وفي الكهف: ﴿جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ (٧) وفي كهيعص: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ (٨) ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ (٩) وفي طه: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ﴾ (١٠) وفي الفرقان: ﴿لَكَ قُصُورًا﴾ (١١) ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (١٢) ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١٣) وفي النمل: ﴿عَرْشُكِ قَالَتْ﴾ (١٤) ﴿وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ﴾ (١٥) وفي الزمر: ﴿بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ (١٦) وفي غافر: ﴿هَلَكَ قُلْتُمْ﴾ (١٧) وفي الزخرف: ﴿رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ﴾ (١٨) وفي القتال: ﴿مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا﴾ (١٩) وفي ق: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ﴾ (٢٠) وفي الذاريات: ﴿مَنْ أُفِكَ قُتِلَ﴾ (٢١)
стр. 249
﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ (١) وفي الفجر: ﴿فِي ذَلِكَ قَسَمٌ﴾ (٢).
(م) قال الحافظ ﵀ (٣): (فإن سكن ما قبل الكاف لم يدغمها) (٤).
(ش) اعلم أن جملة ما ورد من هذا في القرآن ستة مواضع منها:
﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ﴾ (٥) و ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ﴾ (٦) في الأعراف. و ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ (٧) في سورة يونس ﵇ (٨) ويس. و ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٩) في الجمعة: و ﴿عَلَيْكَ قَوْلًا﴾ (١٠) في المزمل.
وافقه الإِمام على كل ما تقدم في الكاف إلا في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١١) فإنه ذكر فيه الإِدغام بخلاف، وإنما لم يدغم إذا سكن ما قبل الكاف استغناء بخفة الساكن على تخفيف الإِدغام والله عز جلاله أعلم.
(م) قال الحافظ ﵀: (وأما الجيم فأدغمها في الشين في قوله: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ (١٢) وفي التاء من قوله: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ﴾ (١٣) لا غير) (١٤).
стр. 250
(ش) اعلم أن الجيم لم تلق الشين (والتاء) (١) من كلمتين في غير هذين الموضعين. وذكر الإِمام خلافًا في ﴿ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ﴾ وأن الإِدغام رواية أبي عبد الرحمن عن أبيه عن أبي عمرو (٢) ولم يذكر في إدغام الحرف الأول خلافًا.
والتقارب الذي بين الجيم والشين هو باتحاد المخرج (٣).
وأما مقاربة الجيم للتاء فإنهما مشتركان في الشدة، وعلل الحافظ جواز إدغام الجيم في التاء وإن لم تكن من مخرجها (٤) بأن الشين من مخرج الجيم، والشين تتصل بما فيها من التفشي بمخرج التاء. وهذا التعليل يقتضي أن يكون إدغام الشين في التاء أولى، لكن منع من ذلك ما كان يؤدي إليه الإِدغام من إذهاب التفشي وهو زيادة في الشين من غير أن يخلفه شيء، وقد مر في مقدمة الباب أن الشين يدغم فيه مقاربة ولا يدغم