الشبهة السادسة
اتهام السنة بمخالفة القرآن
في إثباتها لعذاب القبر
يقول المشكك:
«ولا يذكر القرآن شيئًا اسمه عذاب القبر، ويقول: إن العذاب مؤجل ليوم (١) القيامة بعد الحساب.
فيخترع أهل الحديث ما يسمونه: عذاب القبر (٢)، بل ويلوون معاني عنق آيتين من كتاب الله؛ ليصلوا لمبتغاهم» (٣).
والجواب:
أولًا: نعم لم يرد في القرآن الكريم اسم" عذاب القبر" منصوصًا عليه هكذا، كما أنه لم ترد الصلوات الخمس منصوصًا عليها، وجميعهما بينتهما السنة.
стр. 107
وقد وردت آيات كثيرة ظاهرة وواضحة تدل على عذاب القبر، دلالة لا يسع أي مسلم لديه حظ من علم وينطوي قلبه على اعتقاد صحيح أن ينكره أو يؤوله.
ومن هذه الآيات:
١ - قال تعالى عن فرعون وقومه الذين أغرقهم: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر:٤٥ - ٤٦].
ففي هذه الآية: أنهم يعرضون على النار صباحًا ومساءً، أي: يعذبون فيها في هاتين الفترتين.
وقيل: يعرضون عليها مجرد عرض من غير دخول فيها، وهو عذاب مخفف؛ بدليل قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر:٤٦].
ولو لم يكن هذا عذابًا لهم لم يذكره في سياق العقوبة العظيمة التي حاقت بهم في برزخهم.
٢ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام:٩٣].
وهذه الآية صريحة في عذاب الكفار في قبورهم؛ حيث إنه يحصل لهم هذا الضرب على وجوهم وأدبارهم، وهذه الإهانة والخزي لهم عند إدبارهم من الدنيا وإقبالهم على الآخرة. ولا يحصل لهم هذا في حال حياتهم؛ بدليل قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، أي: اليوم قبل البعث تجزون هذا العذاب المهين لكم.
٣ - قال تعالى عن قوم نوح ﵇: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥]، أي: أغرقهم الله تعالى بالطوفان فأدخلهم النار مباشرة؛ لأن الفاء تدل على التعقيب المباشر، وليس على التراخي.
٤ - قال تعالى عن قوم لوط: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ [الحجر:٧٤]، أي: قلب الله عليهم الأرض التي كانوا عليها حتى صار عاليها سافلها، فقتلهم بذلك، ثم أتبعهم بحجارة من سجيل منضود عذابًا لهم في برزخهم. ولو لم تكن هذه الحجارة عذابًا لهم بعد موتهم لكان ذكرها من باب العبث -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-.
٥ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ [الأنفال:٥٠].
ومعناها كآية الأنعام: أن هذا الضرب والإهانة هو عند خروجهم من الدنيا وقبل البعث.
وهذا هو نوع من عذاب القبر؛ لأنه لا يحصل لهم مثل هذا في حياتهم.
٦ - قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ [محمد:٢٧].
стр. 108
ومعناها كالآية السابقة.
ثانيًا: ليس في عذاب القبر شك عند أهل السنة، وهم السواد الأعظم من المسلمين. وقد دل عليه عندهم أحاديث كثيرة صريحة، تبلغ بمجموعها حد التواتر (١)، مروية في كتب: الصحاح، والسنن، والمسانيد، وغيرها من كتب الحديث. وقد جمعها بعض الأئمة في مصنفات خاصة، منهم: الإمام البيهقي، وسمى كتابه: "إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين" (٢).
ثالثًا: يستدل منكرو عذاب القبر على إنكارهم له بقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢]. وأنهم لو كانوا يعذبون لم يكن القبر على هيئة المرقد لهم.
والجواب عن استدلالهم هذا:
١ - أن المراد بقولهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢]؟ أي: من بعثنا من قبورنا ومضاجعنا؟ وليس في الآية أنهم لم يكونوا يعذبون فيها.
٢ - أن النفخة في الصور لهولها وعظمها أنستهم ما كانوا فيه من عذاب في قبورهم.
٣ - قيل: إنه بعد النفخة الأولى ينقطع العذاب والنعيم عن أهل القبور فينامون حتى النفخة الثانية، فإذا سمعوها خرجوا من قبورهم وقالوا: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢].
٤ - لا يلزم من إثبات عذاب القبر استمراره إلى يوم القيامة، بل هو عائد إلى مشيئة الله تعالى، فلعل النفخة الثانية تكون في وقت انقطاع العذاب عنهم وفي حال نومهم.
والله أعلم.
стр. 109
الشبهة السابعة
اتهام السنة بمخالفة القرآن
في نفيه للشفاعة عن غير الله تعالى
يقول المشكك:
«ويقول القرآن: "إن الشفاعة لله تعالى جميعًا"، و"إن دخول الجنة بالإيمان والعمل الصالح"، و"إنه لا يستطيع أحد أن يشفع لأحد إلا بإذن الله".
ويقول أهل الحديث: بل يشفع النبي لكل من قال: "لا إله إلا الله" (١)(٢). ويقولون: بل سيضع ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى» (٣).
والجواب:
أولًا: نعم إن الشفاعة لله تعالى جميعًا، ولا يستطيع أحد أن يشفع لأحد إلا بإذن الله تعالى، ونحن نؤمن بذلك ونصدق به، ومن ذلك: شفاعة النبي ﷺ لكل من قال: "لا إله إلا الله" من الموحدين من أصحاب الكبائر وغيرهم. وهذه الشفاعة منه ﷺ لهم لا تقع إلا بإذن الله تعالى، ورضاه سبحانه عن المشفوع له.
стр. 110
فلا منافاة بين شفاعته ﷺ هذه وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]؛ لأن معنى هذه الآية: أنه سبحانه هو المالك للشفاعة كلها، وهو الذي يهبها ويمنعها، ويأذن فيها لمن شاء بعد أن يرضى عن المشفوع فيه.
لكن هناك من يمنع الشفاعة مطلقًا إلا الشفاعة الكبرى، ويستدلون على ذلك بالآتي:
١ - قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر:١٨].
٢ - قال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣].
في حين أن المراد بنفي الشفاعة في هاتين الآيتين ونحوهما هي: نفي الشفاعة عن الكفار والمشركين، فلا تُقبل فيهم شفاعة أحد، ولا يأذن الله تعالى لأحد أن يشفع فيهم.
وإنكار الشفاعة هو إنكار لصريح القرآن الكريم؛ فقد ذكرها القرآن الكريم مثبتًا لها في عدة آيات، ومنها:
١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥].
٢ - قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨].
٣ - قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه:١٠٩].
٤ - قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم:٢٦].
ثانيًا: قول المشكك: «وإن دخول الجنة بالإيمان والعمل الصالح» سيأتي الكلام عليه مفصلًا إن شاء الله في موضعه؛ حيث يورد الأدلة على أن دخول الجنة هو بالإيمان والعمل الصالح، وليس برحمة الله كما يقول.
ثالثًا: قول المشكك: «ويقولون: بل سيضع ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى» الجواب عنه:
١ - هو يشير بقوله هذا الى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي بردة عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيَغْفِرُهَا اللهُ لَهُمْ، وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. فِيمَا أَحْسِبُ أَنَا. قَالَ أَبُو رَوْحٍ -أحد الرواة-: لَا أَدْرِي مِمَّنِ الشَّكُّ) (١).
وفي لفظ آخر عند مسلم: عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ) (٢).
стр. 111
فيقال: كيف يضع الله تعالى على اليهود والنصارى ذنوبًا لم يعملوها ثم يعذبهم بها، وهو سبحانه يقول: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩]، ويقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤، والإسراء:١٥، وفاطر:١٨، والزمر:٧]؟
والجواب:
أ- أن الله تعالى أخبر في كتابه أن اليهود والنصارى من أصحاب النار المخلدين فيها أبدًا، وأنه سبحانه يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ويرحم من يشاء، ومن يعذبه الله تعالى فبعدله وحكمته، ومن يرحمه فبفضله ونعمته، و ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء:٢٣].
ب- أخبر سبحانه أنه يضاعف العذاب لمن يشاء من أهل النار، كقوله: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ [هود:٢٠]. وقوله: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ [الأعراف:٣٨].
وعلى هذا: فيكون وضع ذنوب عليهم لم يعملوها هو من تضعيف العذاب عليهم، بمعنى: أن هذه الذنوب يغفرها الله لهؤلاء المسلمين ويعذب بمثلها اليهود والنصارى من باب مضاعفة العذاب عليهم.
قال النووي في "شرح صحيح مسلم": «فمعناه -أي: الحديث-: أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم، فيدخلهم النار بأعمالهم، لا بذنوب المسلمين» (١).
ج- كون اليهودي أو النصراني فكاكًا للمسلم معناه: أنه خلف المسلم في منزله الذي أعده الله له في النار لو أنه دخلها.
٢ - لم يقل الحديث ولا أهل الحديث: "إن الله يضع ذنوب المسلمين جميعًا على اليهود والنصارى"، كما أتهمهم المشكك بذلك، وإنما قالوا كما جاء في الحديث: (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، أي: طائفة منهم وليس جميعهم.
والله أعلم.
стр. 112
الشبهة الثامنة
اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في تكفيرهم من لم يؤمن برسالة محمد ﷺ ممن لم تبلغهم الدعوة
يقول المشكك:
«ويقول تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء:١٥].
فيخترعوا (١) لنا: خرافة كفر من لا يؤمن برسولنا دون أي دعوة متكاملة صحيحة منا» (٢).
والجواب:
أولًا: أهل السنة وأهل الحديث لم يخترعوا كفر كل من لم تبلغه رسالة النبي ﷺ . وهذا المشكك يتقول عليهم ما لم يقولوه. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: «قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء:١٥] إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ [الملك:٨ - ٩]. وكذا قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ [الزمر:٧١]. وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر:٣٧]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه» (٣).
ثانيًا: قول المشكك: "دون أي دعوة متكاملة وصحيحة منا" إذا كان يقصد دعوة كل فرد على حدةٍ فهذا أمرٌ مستحيل عرفًا وعقلًا وشرعًا. ويرده في الواقع: أن جهل الناس بالقوانين التي تقننها الدول لا تعفيهم من المحاسبة والمساءلة والعقوبات. ومثل هذا يأباه الشرع حتى يحصل العلم، ولذلك جعله هو المناط في إقامة الحجة على المكلفين.
стр. 113
فمن علم ببعثة النبي ﷺ في هذه الأمة لجميع الخلق عربهم وعجمهم ودون استثناء أي ملة أو طائفة منهم ولم يؤمن به ﷺ حتى مات فهو كافر بالإجماع.
وهذا هو المراد من الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه، والذي ينفيه هذا المشكك؛ لأنه على فهمه الفاسد لم تتوفر فيه الدعوة الكاملة الصحيحة. فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (١).
ومعنى: (يَسْمَعُ بِي) أي: يعلم برسالتي. قال ابن القيم: «حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسول وإنزال الكتاب وبلوغ ذلك إليه وتمكنه من العلم به سواء علم أو جهل. فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه فقصّر عنه ولم يعرفه فقد قامت عليه الحجة» (٢).
والله أعلم.
стр. 114
الشبهة التاسعة
اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في تحليلهم وطء الإماء بملك اليمين
يقول المشكك:
«ويقول الله: "غير مسافحين ولا متخذين أخدان".
فحللوا (١) وطء الإماء بغير عقود نكاح».
والجواب:
أولًا: هكذا أورد الآية في المنشور: «ولا متخذين أخدان». والصواب: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة:٥].
وهذه اللفظة من الآية يقصد بها: الرجال، وليس النساء، كما يتوهم هذا المشكك. والمعنى: كما يشترط في النساء الإحصان -أي: العفة عن الزنا- فكذلك يشترط فيمن يُزَوج من الرجال أن يكون غير مسافح، أي: عفيفًا من الزنا والفواحش، وليس متخذًا للخليلات ولا العشيقات.
وقد أخطأ هذا الجاهل في الاستدلال بهذه الآية من وجهين:
الأول: استدلاله بما هو خطاب للرجال وشروط تزويجهم للاعتراض به على وطء الإماء بغير عقود نكاح، ولو كان المقصد الذي يقوله حقًا لكانت آية النساء: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء:٢٥] هي الدليل الواضح له. ولكن لجهله بهذه الآية ثم لوجه الاستدلال منها لم يهتد إليها.
الثاني: استدلاله بالآية على تحريم وطء الإماء بملك اليمين، وهي لا تدل عليها البتة.
ثانيًا: دلت الآيات الكثيرة في القرآن الكريم على إباحة وطء الأمة بملك اليمين وليس بالعقد، وهذا بلا خلاف بين علماء الأمة. وليس هذا تحليلًا منهم كما يقول هذا المفتري، بل من الله تعالى، فقد أحل ذلك في عدة آيات من كتابه، ومن ذلك:
١ - قال جل شأنه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣].
٢ - قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤].
٣ - قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون:٦، والمعارج:٣٠].
стр. 115
٤ - قال تعالى لنبيه ﷺ حينما حرم عليه الزواج زيادة على ما عنده من الزوجات أو استبدالًا بواحدة منهن مستثنيًا ملك اليمين: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب:٥٢].
فهذه الآيات وغيرها تدل بمنطوقها وظاهرها وصريحها على جواز وطء ملك اليمين من سيدها بغير عقد نكاح. وهو محل إجماع بين العلماء. قال ابن حزم: «وأجمعوا أن للمرء الحر البالغ العاقل غير المحجور أن يتسرى من الإماء المسلمات ما أحب ويطأهن» (١) إلخ.
وكذلك ذكر الإجماع غير واحد من أهل العلم (٢).
ثالثًا: لا خلاف بين العلماء أنه إذا تزوج رجلٌ أمةً مملوكة لغيره وهي مؤمنة أنها لا تحل له إلا بعقد ومهر.
والله أعلم.
стр. 116
الشبهة العاشرة
اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في قولهم بنسخ القرآن بالسنة
يقول المشكك:
«ويقول تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس:٦٤].
فيخترع أهل الحديث: الناسخ والمنسوخ» (١).
والجواب:
أولًا: قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس:٦٤] هذه اللفظة اجتزأها هذا المشكك من الآية، ومعناها يتضح من سياقها كلها، وليس لوحدها، كما فعل هو باجتزائها، وكأنها لا علاقة لها بما قبلها. وقد فعل هذا من باب الإيهام والتشكيك، لا بقصد إظهار الحق والوقوف عليه.
فالآية من أولها تقول: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس:٦٤]. ومعناها: أن أولياء الله المتقين لهم البشرى في الحياة الدنيا. فما هذه البشرى؟
لقد فسرت بأمرين:
الأول: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له. وهذه من المبشرات التي بقيت من النبوة.
الثاني: تبشير الملائكة ﵈ له عند احتضاره بالجنة والمغفرة من الله تعالى، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
стр. 117
وأما البشرى لهم في الآخرة فهي البشرى لهم بالجنة والمغفرة والأمن من الفزع الأكبر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الحديد:١٢].
وقال: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ [الأنبياء:١٠٣].
ثم قال تعالى بعد أن بشرهم بذلك ووعدهم به: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس:٦٤]، أي: أن هذا الوعد بالبشرى لا يبدله الله ولا يخلفه ولا يغيره، بل هو مقرر مثبت، وكائن لا محالة.
ومثل هذه الآية في المعنى: الآيةُ الأخرى التي في سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام:٣٤]. والمعنى: ولا مبدل لكلمات الله التي كتبها الله بالنصر في الدنيا لعباده المرسلين، كما قال في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
فالآية لا تدل على ما قصد إليه من عدم وجود النسخ في القرآن الكريم.
ثانيًا: إن هؤلاء المشككين لكون غرضهم فاسدًا يتبعون المتشابه من الآيات، ولا يفسرون القرآن بعضه ببعض، ولا يرجعون إلى أئمة التفسير لمعرفة المقصود من الآية، وإنما يفسرونها على حسب أهوائهم ومشاربهم. وهذا المشكك الذي معنا من هذا الصنف، ولو أنه يعرف آيات القرآن الكريم وأحكامه تمامًا لما نفى الناسخ والمنسوخ فيه، ولما اتهم أهل الحديث زورًا وبهتانًا باختراع هذا العلم من عند أنفسهم. وإلا فأين هو -إن كان منصفًا- من قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة:١٠٦]؟
فهذه الآية صريحة في نسخ الله تعالى لما شاء من آيات كتابه وأحكامه، وهي رد على هذا المفتري الذي يقول: "إن أهل الحديث هم الذين اخترعوا الناسخ والمنسوخ"!
فكيف يصنع بهذه الآية الواضحة في لفظها ومعناها، والتي تدل على وقوع النسخ في الكتاب العزيز؟
ثالثًا: وكيف يصنع أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء:١٥]؟
فإن هذه الآية نزلت قبل تشريع الحدود، وهي تبين بمنطوقها حكم الزانية سواءً كانت محصنةً أو بكرًا بأنه الحبس في البيت حتى الموت، ثم نسخ هذا الحكم بالإجماع عند العلماء بآية النور التي شرعت حد الجلد للزاني والزانية غير المحصنين، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور:٢] (١).
стр. 118
فهذا النافي للنسخ يلزمه في آية النساء القول بأحد ثلاثة أمور ولا بد، وهي:
١ - أن يقول بنسخ حكمها في الحبس، ولا محيص له من ذلك.
٢ - ألا يقول به، فيكون ذلك إنكارًا منه لحد مجمع عليه، وهو ردةٌ.
٣ - أن يقول بالجمع بين الحبس حتى الموت وبين الحد؛ هربًا من القول بالنسخ، ولم يقل بذلك أحد من العلماء، حتى قال به هو!
رابعًا: نقل الإمام السيوطي الإجماع على جواز النسخ في القرآن، فقد قال: «النسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم، منها: التيسير، وقد أجمع المسلمون على جوازه، وأنكره اليهود؛ ظنًا منهم أنه بِدَاء كالذي يرى الرأي ثم يبدو له -أي: غيره-. وهو باطل؛ لأنه بيان مدة الحكم، كالإحياء بعد الإماتة وعكسه، والمرض بعد الصحة وعكسه، والفقر بعد الغنى وعكسه، وذلك لا يكون بِدَاءً، فكذا الأمر والنهي» (١).
والله أعلم.
стр. 119
الشبهة الحادية عشرة
مخالفة المحدثين للقرآن
في قولهم بتقييد القرآن بالسنة
يقول المشكك:
«بل وقالوا (١) بأن السنة النبوية ومدوناتها تنسخ أحكام القرآن، وتقوم بتقييد أحكامه».
والجواب:
أولًا: اختلف العلماء في نسخ السنة للقرآن، فمنهم من أثبته، ومنهم من نفاه، ومنهم من فصل في ذلك كالإمام الشافعي وغيره. والمسألة محل نظر واجتهاد، ولكلٍ وجهته.
ثانيًا: إنكار هذا المشكك على أهل الحديث قولهم بتقييد السنة لأحكام القرآن جهل عظيم. ولسائل أن يسأله هذه الأسئلة:
السؤال الأول: في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]:
١ - هل القطع لليدين كليهما أم لواحدة منهما؟
٢ - أيهما التي تقطع، اليمين أم الشمال؟
٣ - من أين تقطع؟
ولن يجد الجواب على ذلك إلا في السنة المطهرة التي بينت أيهما التي تقطع، وهي اليد اليمنى (٢)، وموضع القطع: أنها تقطع من مفصل الكوع.
فإن أجاب بهذا فقد قال بتقييد السنة للقرآن شاء أم أبى، وإن لم يقل به فقد خالف ما عليه المسلمون في القطع منذ الصدر الأول وإلى اليوم، وتلك قاصمة له.
السؤال الثاني: هل تجيز -أنت أيها المشكك- الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها؟
стр. 120
فإن قال: نعم فقد خالف الإجماع على تحريم ذلك، إلا من شذ من الخوارج. قال القرطبي في تفسيره: «وهذا الحديث - (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) (١) - مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه بالنكاح، وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها وخالتها. ولا يعتد بخلافهم؛ لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة» (٢).
وإن قال: إنه لا يجوز الجمع بينهما فقد قال لزامًا بتقييد السنة للقرآن.
ثالثًا: ومع كون السنة تقيد مطلق القرآن فإنها كذلك: تفصل مجمله، وتخصص عامه، كما يلي:
١ - تفصيل السنة لمجمل القرآن.
ومن ذلك: الصلوات الخمس، فقد فصلت: عددها، وهيئاتها، وأوقاتها، وأركانها، وأذكارها، والقراءة فيها. وكل ذلك منصوص عليه في السنة، وليس في القرآن.
ولعل هذا المشكك أن يقول: هذه سنة عملية، وأنا أقول بها، فحينئذ يقال له: لا فرق بين السنة العملية والقولية، ومن يفرق بينهما لا دليل عنده إلا الهوى، وذلك من علامات أهل البدع والضلال.
٢ - تخصيص السنة للعام في القرآن.
ومن ذلك: تخصيصها لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]. فقد خصصته السنة بعدة مخصصات، وهي:
أ- خصت السنة المورث بغير الأنبياء ﵈، فعن أبي بكر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) (٣). متفق عليه.
ب- خصت الوارث بغير الكافر، فعن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلَا الكَافِرُ المُسْلِمَ) (٤).
وهذا إجماع عند العلماء إذا كان المورث مسلمًا (٥)، وأما إن كان المورث كافرًا والوارث مسلمًا فلا
стр. 121
يرث منه عند أكثر العلماء (١).
ج- خصت الوارث كذلك بغير القاتل، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ) (٢).
وهذا كذلك إجماع بين العلماء (٣).
стр. 122
والله أعلم.
стр. 123
الشبهة الثانية عشرة
اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في قولهم برجم الزناة المحصنين
يقول المشكك:
«ويقول تعالى: يأمر الله بجلد الزانية والزاني.
فيقول أهل الحديث: بل يرجم الزناة المحصنين (١)، وإنه حد من حدود الله عندهم، وإنه حد تم نسخ تلاوته وبقي حكمه».
والجواب:
أولًا: هكذا في المنشور: «ويقول الله تعالى: يأمر الله بجلد»، الخ. وهذا منه جهل فاضح، أن يقول: قال الله تعالى، ثم لا يورد الآية، وإنما يورد كلامه هو. وهذا يدخل عندي في عدم تعظيم كلام الله وعدم إجلاله.
والآية التي أشار إليها هي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور:٢].
وقد نسخت هذه الآية حكم الحبس للزانية في آية النساء بلا خلاف. وسبق بيان ذلك.
ثانيًا: لم يقل أهل الحديث برجم الزناة المحصنين من عند أنفسهم، بل الذي قال ذلك وشرعه هو الله تعالى ورسوله ﷺ ، وأجمع عليه المسلمون، إلا من شذ من الخوارج وبعض المعتزلة. ولا يعتد بخلافهم، كما سيأتي بيانه.
وقد اتضح لي الآن بما لا شك فيه: أن هذا المشكك خارجي المذهب، معتزلي الفكر؛ لأن كل شبهاته التي يوردها هي شبهات هؤلاء القوم، وغيرهم من العلمانيين والمستشرقين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في العلم (٢).
стр. 124
حد الرجم قد شرعه الله تعالى في آية كانت تتلى، ثم نسخ تلاوتها وأبقى حكمها، وهو لا يقول بذلك. وسبق الرد على هذه الشبهة.
وهذه الآية التي أنزلت في الرجم ثم نسخت تقول: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (١). أخرجه ابن حبان وغيره.
وقد كانت هذه الآية المنسوخة وآية الرضاعة مكتوبتين في صحيفة عند أم المؤمنين عائشة ﵂، ثم دخلت داجن "شاة" بعد موت الرسول ﷺ فأكلت الصحيفة، كما أخرج ذلك أحمد وابن ماجة وغيرهما (٢).
فشنع هذا الأفاك على هذا بشبهة متهافتة قائلًا: «ويقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر:٩].
فيقول أهل الحديث: بل أكل الداجن آية الرجم والرضاعة بعد موت الرسول».
ولا يزال المرء يعجب من جهل هذا المشكك، حتى في إيراده للشبه؛ وذلك أن الحفظ للقرآن الكريم ليس المراد منه حفظ ورقه الذي ربما لو وجدت الداجن المصحف كله لأكلته جميعًا، ولكن المراد بحفظه هو حفظه من التحريف والتبديل والتغيير والزيادة والنقصان كالذي حصل للكتب السابقة قبله. والله أعلم.
стр. 125
ثالثًا: ما ثبت عن النبي ﷺ في رجم المحصن من قوله أحاديث كثيرة تبلغ بمجموعها مع الفعل حد التواتر. وقد جمع هذه الأحاديث:
١ - الإمام السيوطي في كتابه "قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة".
٢ - المحدث الكتاني في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر"، وقد زاد فيه على ما ذكره السيوطي.
وفعله ﷺ في رجم الزاني المحصن هو من السنن العملية التي تواترت بعده عصرًا بعد عصر، فقد رجم هو ﵊:
١ - ماعز بن مالك (١).
٢ - الغامدية (٢).
стр. 126
٣ - الجهنية (١).
٤ - اليهوديين (٢).
ورجم الخلفاء الراشدون ﵃ بعده، ومنهم الإمام والخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁، فقد رجم شراحة الهمدانية، وجمع لها بين الرجم والجلد في يومين، فعن الشعبي: (أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) (٣).
стр. 127
ثم رجم الخلفاء من بعدهم إلى عصرنا الحاضر، ولم يحدث عندهم ولا عند أحد من المسلمين أي شك في ذلك ولا حرج.
وقد ذُكر الرجم في جميع كتب مذاهب الفقه الإسلامي المعتبرة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والظاهرية، والزيدية.
وأقتصر هنا على إيراد مذهب الزيدية من باب الاختصار: قال المرتضى في "متن الأزهار": «ومن ثبت إحصانه بإقراره أو بشهادة عدلين ولو رجلًا وامرأتين -وهو جماع في قُبُلٍ في نكاح صحيح من مكلف حر مع عاقل صالح للوطء ولو صغيرًا- رُجِمَ المكلف بعد الجلد حتى يموت» (١).
رابعًا: نقلَ الإجماعَ على حد الرجم أئمة كثيرون، أذكر منهم على سبيل المثال:
١ - الإمام ابن المنذر، حيث قال: «أجمعوا أن المرجوم يداوم عليه الرجم حتى يموت» (٢).
٢ - ابن بطال، حيث قال: «فالرجم ثابت بسنة رسول الله ﷺ وبفعل الخلفاء الراشدين وباتفاق أئمة أهل العلم». ثم ذكر بعض أهل العلم الذين قالوا بذلك، ثم قال: «ودفع الخوارج الرجم والمعتزلة. واعتلوا: بأن الرجم ليس في كتاب الله تعالى» (٣).
ثم قال رادًا على من خالف هذا الحكم: «فلا معنى لقول من خالف السنة وإجماع الصحابة واتفاق أئمة الفتوى، ولا يعدون خلافًا» (٤).
٣ - ابن حزم، حيث قال: «واتفقوا انه إذا زنى -كما ذكرنا- وكان قد تزوج قبل ذلك وهو خصي وهو بالغ مسلم حر عاقلٌ حرةً مسلمةً بالغة عاقلة نكاحًا صحيحًا ووطئها وهو في عقله قبل أن يزني ولم يتب ولا طال الأمر أن عليه الرجم بالحجارة حتى يموت» (٥).
وقال أيضًا: «ثم اتفقوا كلهم -حاش من لا يعتد به- بلا خلاف -وليس هم عندنا من المسلمين- فقالوا: إن على الحر والحرة إذا زنيا وهما محصنان الرجم حتى يموتا» (٦).
٤ - ابن عبد البر، حيث قال: «وأجمع فقهاء المسلمين وعلماؤهم من أهل الفقه والأثر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا أن المحصن حده الرجم» (٧).
стр. 128
وقال أيضًا: «وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن الرجم من حكم الله على من أحصن» (١).
وقال أيضًا: «وأما أهل البدع فأكثرهم ينكر الرجم ويدفعه، ولا يقول به في شيء من الزناة ثيبًا ولا غير ثيب. عصمنا الله من الخذلان برحمته» (٢).
٥ - ابن رشد، حيث قال: «والزناة الذين تختلف العقوبة باختلافهم أربعة أصناف: محصنون ثيب، وأبكار، وأحرار، وعبيد، وذكور وإناث. والحدود الإسلامية ثلاثة: رجم، وجلد، وتغريب.
فأما الثيب الأحرار المحصنون فإن المسلمين أجمعوا على أن حدهم الرجم، إلا فرقة من أهل الأهواء، فإنهم رأوا أن حد كل زانٍ الجلد» (٣).
٦ - ابن قدامة، حيث قال: «الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة:
الفصل الأول: في وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة. وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الخوارج، فإنهم قالوا: الجلد للبكر والثيب» (٤).
٧ - أبو الحسن ابن القطان، حيث قال: «أجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى يموت» (٥).
٨ - النووي، حيث قال: «وأجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة، ورجم المحصن، وهو: الثيب. ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة، إلا ما حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة -كالنظام وأصحابه-، فإنهم لم يقولوا بالرجم» (٦).
٩ - الشوكاني، حيث قال: «أما الرجم فهو مجمع عليه. وحُكِيَ في "البحر (٧) " عن الخوارج: أنه غير واجب (٨)» (٩).
وقال أيضًا: «ثبوت الرجم للزاني المحصن في هذه الشريعة ثابت بكتاب الله سبحانه وبمتواتر سنة
стр. 129
رسوله وبإجماع المسلمين أجمعين سابقهم ولاحقهم، ولم يسمع بمخالف خالف في ذلك من طوائف المسلمين، إلا ما يُروى عن الخوارج
-وهم كلاب النار-. وليسوا ممن يعتد بخلافهم، ولا يلتفت إلى أقوالهم» (١).
١٠ - وهبة الزحيلي، حيث قال: «اتفق العلماء -ما عدا الخوارج- على أن حد الزاني المحصن هو الرجم؛ بدليل ما ثبت في السنة المتواترة وإجماع الأمة والمعقول» (٢).
والله أعلم.
стр. 130
الشبهة الثالثة عشرة
اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في إخباره بكونه كاملاً
يقول المشكك:
«ويقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣].
فيقول أهل الحديث: بل يكمله البخاري ومسلم»!
والجواب:
هذا من افترائه على أهل الحديث، فهم لم يقولوا: إن البخاري ومسلمًا يكملان الدين، وإنما قالوا: إن الدين يؤخذ من الكتاب والسنة الثابتة في الصحيحين وغيرهما.
وهذه الآية - ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]- نزلت على النبي ﷺ في حجة الوداع بعرفة، وهو واقف على راحلته، فعن عمر بن الخطاب ﵁: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ) (١).
وهذه الآية تتحدث عن إكمال الله تعالى لدينه الإسلام الذي شرَّعه الله في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ ، وكان آخر فرائض الإسلام التي بينها ﷺ بقوله وفعله هي: فريضة الحج. ولم يمكث ﷺ بعد ذلك إلا شهرين ثم توفي.
ومما بينه ﷺ لهذه الفريضة التي امتن الله على عباده بإكمالها:
١ - أن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
٢ - مواقيت الحج المكانية.
٣ - الإحرام وصفته، والتلبية.
٤ - غالب محظورات الحج.
٥ - الأنساك الثلاثة في الحج: الإفراد، والقران، والتمتع.
стр. 131
٦ - الذهاب إلى منى يوم التروية.
٧ - الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة، وهو ركن الحج الأعظم الذي من فاته فقد فاته الحج كله بإجماع المسلمين (١) بمن فيهم أهل البدع، وهو مذكور في السنة فقط في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث (٢).
стр. 132
فماذا عسى أن يقول هذا المبتدع في هذا؟
إن قال: "إن السنة لا تكمل القرآن" فليخبرنا أين نجد الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة في القرآن؟
وإن قال: "إن الوقوف هو يوم التاسع" فقد قال بما يقول به أهل الحديث. وحينئذ يقال له: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢]؟
ويقال له كذلك: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج:٤٦].
ومما بينته السنة أيضًا في فريضة الحج:
١ - المبيت بمنى أيام التشريق.
٢ - رمي الجمار الثلاث، وصفته.
٣ - طواف الوداع، وهو آخر أعمال فريضة الحج.
وكل هذه المناسك هي في السنة في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما التي ينفي هذا المبتدع أخذ الدين منها.
والله أعلم.
стр. 133
الشبهة الرابعة عشرة
اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في عدم اكتفائهم به
يقول المشكك:
«ويقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت:٥١].
فيقول أهل الحديث: نعم نحن لا يكفينا الكتاب».
والجواب:
أولًا: قوله عن أهل الحديث: "إنهم يقولون: نحن لا يكفينا الكتاب" يقصد بذلك: إن رجوعهم إلى السنة وأخذ الأحكام منها مع القرآن الكريم تصريح منهم بأن الكتاب لا يكفيهم. وقوله هذا هو من الافتراء عليهم.
ثانيًا: استدلاله بالآية على أن القرآن يُغني عن السنة وأن الأخذ بالسنة يعني: عدم كفاية القرآن غير صحيح؛ من عدة وجوه:
١ - أن هذه الآية نزلت جوابًا لقول المشركين: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [العنكبوت:٥٠].
والمعنى: أولم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحديتهم بأن يأتوا بمثله أو بسورة منه، فعجزوا؟ ولو أتيتهم يا محمد بآيات موسى وعيسى ﵉ كلها لقالوا لك: إنها سحر، ونحن لا نعرف السحر (١).
٢ - عن يحيى بن جعدة قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَتِفٍ فِيهِ كِتَابٌ (٢) فَقَالَ: كَفَى بِقَوْمٍ ضَلَالًا أَنْ يَرْغَبُوا عَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ نَبِيٌّ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ أَوْ كِتَابٌ غَيْرُ كِتَابِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت:٥١]) (٣).
стр. 134
ومثله: قوله ﷺ لعمر ﵁ وقد رأى في يده قطعة من التوراة-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) (١).
٣ - أن الآية ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ توجب بظاهرها الاستغناء بالقرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية؛ لأنها منسوخة ومحرفة، ولا تعني الاستغناء به في البيان والتشريع عن السنة؛ لأنها مبينة له ومستقلة عنه في ذلك، كما وضحته في أكثر من موضع من هذا الكتاب بما لا مدفع له.
ولو أخذنا بالآية على ما يدعي هذا المشكك لكان فيها تحريم لقراءة أي كتاب من كتب العلم النافعة، مثل: كتب الفقه، والتفسير، والطب، والفلك، والرياضيات، وغيرها. ولا يقول بذلك أحد ممن له مسكة من العلم. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [النمل:٨١، والروم:٥٣].
والله أعلم.
стр. 135
الشبهة الخامسة عشرة
اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في قولهم بإخبار النبي ﷺ
بما سيكون إلى يوم القيامة
يقول المشكك:
«ويقول تعالى: إن الرسول لا يعلم الغيب.
فيقول أهل الحديث من البخاريون (١): بل أخبرنا بما سيكون إلى يوم القيامة».
والجواب:
أولًا: كثيرًا ما نبهت على حكايته لقول الله تعالى ثم عدم إيراده للفظ الآية، وإنما يورد معناها أحيانًا أو لفظه هو، ونبهت كذلك على خطئه الشنيع في ذلك. وهذا الموضع منها.
ثانيًا: حكايته عن الله تعالى أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب إن كان يقصد علم الغيب المطلق فصحيح، ولم يقل بذلك أحد من المسلمين، لا أهل الحديث ولا غيرهم.
وإن كان يقصد أنه ﷺ لا يعلم شيئًا من الغيب بتعليم الله تعالى له فكذب منه على الله تعالى، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت:٦٨].
لأن القرآن الكريم الذي أنزل عليه ﷺ يتحدث عن أمور غيبية كثيرة ماضية ومستقبلية، ويتحدث عن الجنة وما فيها من نعيم وعن النار وما فيها من عذاب، ويتحدث عن الملائكة ﵈ وعن الجن، وغير ذلك من الأخبار، وجميعها من الغيب الذي أخبرنا به النبي ﷺ عن الله تعالى في كتابه، وذكر الله تعالى في كتابه أنه أوحاه إلى نبيه ﷺ وأخبره به.
ومن ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران:٤٤].
٢ - قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ [هود:٤٩].
стр. 136
ثالثًا: لما اختص الله تعالى نفسه بالغيب المطلق بين - جل وعلا - أنه يطلع من شاء من رسله على غيبه، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٧٩]، أي: يصطفي من شاء من رسله فيطلعهم على الغيب، كما في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥].
فاستثنى سبحانه هنا رسله من الملائكة والبشر، فأخبر تعالى أنه يطلعهم على شيء من علم الغيب.
ولكن الحال كما قال الله : ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس:١٠١].
والله أعلم.
стр. 137
الشبهة السادسة عشرة
اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في أمره باتباعه
يقول المشكك:
«يقول تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام:١٥٥].
فيقولوا: بل نتبع كتب الحديث».
والجواب:
أولًا: لم يقل أهل الحديث: إنه يُتّبع كتب الحديث، ويترك اتباع كتاب الله تعالى.
فقول هذا المشكك هو من التخرص والكذب عليهم، وليأت ببرهان على ذلك إن كان من الصادقين.
وإنما قالوا: يُتّبع كتاب الله تعالى، ويُتّبع النبي ﷺ ، ويطاع ويعمل بسنته، كما أمر الله بذلك في عدة آيات من كتابه الكريم، ومنها:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
٢ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف:١٥٧].
٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].
ثانيًا: ليس في قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ نفي لاتباع غيره إن كان يعرف اللغة. وغاية ما في هذه الآية: وجوب اتباع القرآن الكريم والعمل به، ولا خلاف في ذلك.
لكن جاء في آية أخرى -لم يذكرها- ما يفهم من ظاهرها تحريم اتباع غير ما أنزل الله، وهي قوله جل شأنه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف:٣].
والمراد بها: تحريم اتباع الأهواء والآراء الفاسدة والضالة، والاقتصار على ما أنزل الله في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ؛ لأن لفظ: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ عام، يشمل ما أنزله الله تعالى في كتابه وما أوحاه إلى نبيه ﷺ في سنته.
стр. 138
قال الإمام القرطبي في تفسيره: «﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف:٣] فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، يعني: الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وقالت فرقة: هذا أمر يعم النبي ﷺ وأمته. والظاهر: أنه أمر لجميع الناس دونه، أي: اتبعوا ملة الإسلام والقرآن، وأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه. ودلت الآية على ترك اتباع الآراء مع وجود النص.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: من غيره. والهاء تعود على الرب سبحانه، والمعنى: لا تعبدوا معه غيره، ولا تتخذوا من عَدَلَ عن دين الله وليًا» (١).
والله أعلم.
стр. 139
الشبهة السابعة عشرة
اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في إيمانهم بحديث النبي ﷺ
مع أنهم لم يسمعوه منه
يقول المشكك:
«يقول تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية:٦].
فيقولوا: بل نؤمن بحديث الرسول. وهم كاذبون؛ فلم (١) يسمعوه من رسول الله، وإنما عن طريق رواة، الله وحده يعلم صدقهم أو كذبهم».
والجواب:
أولًا: نعم نحن نؤمن بحديث الرسول ﷺ ؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعه وطاعته ﷺ في عدة آيات من القرآن الكريم، ومن ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف:١٥٨].
٢ - قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة:٩٢].
٣ - قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ [النور:٥٦].
ومن طاعته ﷺ واتباعه: الأخذُ بأقواله وسنته.
والعجب من هذا المشكك المريض قلبه وعقله كيف يقبل أقوال من هو دون النبي ﷺ التي قيلت ورويت منذ أكثر من ألف عام وبغير أسانيد، وإن وجدت فأسانيد مظلمة، ولا يقبل أقوال النبي ﷺ التي رويت بأسانيد صحيحة مشهورة ومتواترة!
ونسأل هذا الجاهل:
- هل كان النبي ﷺ في حياته يوجه أصحابه ﵃ ويأمرهم وينهاهم أم لا؟
- وهل كان ﷺ يخطب يوم الجمعة، ويعظ ويرشد الناس بأقواله في سائر الأيام أم لا؟
- وهل كان ﷺ يقضي بين الناس ويفصل في الخصومات بينهم أم لا؟
- وهل كان كقائد للجيش يوجههم بقوله ويأمرهم وينهاهم أم لا؟
стр. 140
فإن قال: نعم، كان يفعل كل ذلك، فيقال له: فهل كان يجب عليهم ﵃ امتثال أمره ﷺ وطاعته واجتناب نهيه أم لا؟
فإن قال: يجب عليهم، فيقال له: فهل يجب عليهم وحدهم ﵃ أم يجب ذلك على الأمة كلها؟
فإن قال: يجب عليهم وحدهم فقد كذب بنص القرآن الكريم.
وإن قال: يجب على الأمة كلها، فيقال له: كيف يجب عليهم ﵃ وأنت تقول: لا يجوز الإيمان بأحاديث الرسول ﷺ القولية؟ فأي تناقض أعظم من هذا الذي تقوله؟!
ثانيًا: دعوى أنهم ﵃ لم يسمعوا الحديث من رسول الله عليه وسلم دعوى كاذبة، فقد سمعه منه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وسمعه التابعون من الصحابة ﵃، وهكذا حتى وصل إلى البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث. وما لم ينقل كذلك عندهم مع توفر بقية شروط الصحيح فلا يقبل عندهم.
ولا يشترط في نقل الأخبار وثبوتها أن يسمعها رواتها جميعًا المتأخرون والمتقدمون من النبي ﷺ ، كما يطالب هذا المشكك؛ لاستحالة ذلك عقلًا على المتأخرين، ومن يطالب به ففي عقله شيء. وإنما تنقل الأخبار بطريق التسلسل والأسانيد راوٍ عن راوٍ حتى تصل إلى المتأخر.
ومن لا يقبل هذا التسلسل من الثقات فعليه أن يرد التاريخ كله، ويرد حكم القاضي؛ لأنه قائم على الشهادة وليس على السماع، ويرد أخبار الناس التي يتناقلها الثقات بينهم، ويرد الأخبار التي يتناقلها الإعلام المرئي والمسموع والمقروء. ولم يقل بهذا أحد سواه. فاللهم احفظ علينا عقولنا.
والله أعلم.
стр. 141
الشبهة الثامنة عشرة
اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في قولهم بتبيين الحديث القولي للقرآن وتفصيله له
يقول المشكك:
«يقول الله: إن آياته مبينة ومفصلة.
فيقولوا: بل الحديث القولي يبينها ويفصلها».
والجواب:
أولًا: نعم آيات القرآن الكريم آيات مفصلة ومبينة وواضحة، وقد أخبر الله تعالى بذلك في كتابه الكريم، ومن ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾ [الأنعام:٩٧].
٢ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾ [البقرة:٩٩].
٣ - قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾ [الحج:١٦].
ومعنى هذه الآيات: أن الله تعالى أنزل كتابه على عبده واضحًا في لفظه ومعناه، وفي أمره ونهيه، ويفهم المخاطب العربي الذي لم يتغير لسانه المرادَ من هذه الأوامر والنواهي والألفاظ، ولا لبس في هذا عند أحد.
ثانيًا: وجود المجمل في القرآن الكريم الذي يحتاج إلى بيان لا يعني عدم وضوحه في لفظه ومعناه، كما سبق؛ لأن المجمل أمر زائد على لفظ الآية الواضحة لم تتعرض لبيانه وتفصيله، والذي بين هذا الأمر الزائد هو النبي ﷺ بقوله وفعله.
ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، و [البقرة:٨٣]، و [البقرة:١١٠]، و [النساء:٧٧]، و [النور:٥٦]، و [المزمل:٢٠].
فهذا اللفظ واضح الدلالة في وجوب الصلاة والزكاة، ولا يختلف في ذلك اثنان. ولم يتعرض هذا اللفظ المجمل القرآني لتفصيل الصلاة والزكاة، وإنما بينهما النبي ﷺ .
وفي هذا المعنى أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ قوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل:٤٤]. وإن لم تكن هذه الآية أمر للنبي ﷺ ببيان القرآن بقوله وفعله فما معناها إذًا؟
стр. 142
ثالثًا: لا إشكال عند هذا المشكك في أن السنة العملية تبين القرآن الكريم. ومعنى هذا: إثباته لوجود المجمل في القرآن. وحينئذ كيف يرد على شبهة نفسه عندما وقع في محذور ما فر منه؟
رابعًا: أن السنة القولية التي بينت بعض الآيات إنما هي تفسير لأقوام لم يستطيعوا تعيين المراد من هذه الآيات؛ لقصور في فهمهم.
وذلك مثل: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام:٨٢].
فالظلم عمومًا يراد به: ظلم الإنسان لنفسه بالمعاصي، وظلمه لغيره، والشرك بالله تعالى. فجاءت السنة القولية فوضحت لهم المراد بالظلم هنا، وأنه: الشرك بالله تعالى لا غير (١).
والله أعلم.
стр. 143
الشبهة التاسعة عشرة
اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في قولهم بالتضييق على من لم يقاتلنا
يقول المشكك:
«يقول الله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة:٨].
فيقولوا: بل نضطرهم إلى أضيق الطريق، ونفرض عليهم الجزية، ولا نبدؤهم بالسلام، ولا نعود مرضاهم، ولا يتم تهنئتهم بأعيادهم.
فهل تلك التعاليم المحمومة والفقه المعتوه من البر الذي أمرنا به القرآن»؟
والجواب:
أولًا: هذه الآية وما فيها من جواز البر والإحسان والعدل إلى أهل الكتاب -اليهود والنصارى- هي في غير المقاتلين والمحاربين منهم، قولًا واحدًا؛ لأن المحارب -وهو: الذي بينه وبين المسلمين جميعًا أو بعضهم قتال، أو أعلن عليهم الحرب مباشرة أو بغير مباشرة بالتأييد والنصرة أو بالسلاح ولو كان يعيش بين ظهراني المسلمين- لا يجوز البر والقسط إليه إلا في الحالات الإنسانية التي تقتضيها أخلاق الحرب في الإسلام.
ثانيًا: ثبت عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ) (١).
وفي رواية: (أَهْلِ الْكِتَابِ) (٢).
والكلام على هذا الحديث في عدة نقاط:
١ - قوله ﷺ : (الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى) أو (أَهْلِ الْكِتَابِ) هذا لفظ عام يشمل المحاربين وغيرهم، فيحمل الحديث على أن المراد بذلك: هم المحاربون؛ تغليبًا. وهؤلاء لا بر معهم ولا كرامة.
٢ - إذا سلمنا أن المراد بهم اليهود والنصارى جميعًا المحاربين منهم وغير المحاربين فمن السنة ألا نبدأهم بالسلام؛ وذلك للآتي:
стр. 144
أ- أن السلام تحية خاصة بالمسلمين.
ب- أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكيف تلقيه على من لا يؤمن به ولا يقر بألوهيته ووحدانيته؟ فإلقاؤه على الكافر فيه مناقضة لمعناه؛ لأن من معانيه: أنه المُسلِّمُ لعباده من عذابه. فكأنك حين تلقيه عليه تدعو له أن يسلمه الله من عذابه. ولا يصح هذا في حق الكافر.
ج- ما في السلام من إعزاز وتودد وتحبب إلى الكافر، وقد نهانا الله عن ذلك.
وأما بدؤهم بغير السلام فلا مانع منه، مثل: صباح الخير، ومساء الخير، وأهلًا، ومرحبًا، ونحو ذلك من التحايا.
٣ - لم يعرف عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه ﵃ ولا عن أحد من السلف أنهم كانوا يضيقون على الواحد من أهل الكتاب الطريق حتى يلصقونه بالجدار مثلًا.
وإذا كان الحال كذلك فمعنى قوله في الحديث: (فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ)، أي: لا توسعوا لهم إذا قابلوكم في طريق بحيث تكون لهم السعة فيه ولكم الضيق، بل استمروا في طريقكم، فإن وجد ضيق فيكون عليهم لا عليكم. وهذا أمر طبيعي في كل شخص يمشي في طريق، فإنه يسير في الطريق الواسع ويترك الضيق منه لغيره. والله أعلم.
ثالثًا: إنكار هذا المشكك الجاهل لفرض الجزية على أهل الكتاب هو إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة، وإنكار لمحكم القرآن الكريم الذي يدعي الإيمان به والاكتفاء به عن السنة، وذلك ردةٌ. قال تعالى في بيان فرض الجزية على أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩].
رابعًا: لم يرد حديث صحيح في النهي عن عيادة مرضى الكفار من غير المحاربين، وما روي في ذلك لم يثبت، بل حكم عليه بعض العلماء -كالجوزقاني- بالوضع، بل عكسه -وهو زيارتهم- هو الثابت عن النبي ﷺ ، فقد ثبت في الصحيح عن أنس ﵁ قال: (كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ ﷺ ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ) (١).
وفي رواية: (فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ) (٢).
стр. 145
خامسًا: تهنئة اليهود والنصارى بأعيادهم فيها تفصيل:
١ - إن كانت أعيادًا دينيةً فلا يجوز تهنئتهم بها بإجماع العلماء؛ لأن فيها إقرارًا لهم على شركهم واعتقاداتهم الباطلة.
٢ - إن كانت أعيادًا غير دينية أو كانت أفراحًا اجتماعية كأعياد الأم والعمال والتهنئة بالزواج وسلامة السفر والسلامة من الحوادث ونحو ذلك فلا مانع منها.
قال الإمام ابن القيم: «وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به (١) فحرام بالاتفاق، فيقول: عيد مبارك عليك، أو: تهنأ بهذا العيد، ونحوه. فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه.
وكثير ممن لا قَدْرَ للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل. فمن هَنَّأَ عبدًا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه» (٢).
سادسًا: قوله تعالى: ﴿مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٢٩] أي: ما حرم الله تعالى في كتابه وما حرمه رسوله ﷺ في سنته.
وفي هذا دلالة على: وجوب العمل بالسنة القولية التي ينكرها هذا الدعي المشكك.
والله أعلم.